والناصري صوفي، لكنه استنكر على إخوانه عددا من البدع والمحدثات.
ومن البدع التي نبه عليها: خروج الناس إلى المصلى في جماعات يهللون ويكبرون جماعة، وأن الواجب الذكر على الانفراد (ص ٤أ).
وكذا الدعاء جماعة عند الرجوع من المصلى (٤ب).
وزيارة القبور يوم العيد (٤ب).
والمجيء بالزكاة للزاوية (٥ب).
والذبيحة على الأشياخ بنية التقرب إليهم ولو سمى الله (٧أ).
واجتماع الرجال والنساء للحضرة (٨أ) (١).
وصرف الأحباس لغير مصارفها الشرعية (٢٧ب).
والدعاء للسلاطين في العيد والجمعة (٣٥ب).
ونبذ الحرث والتجارة (٣١ب).
وذكر أشياء كثيرة أغلبها محرمات.
وألف عبد السلام بن محمد السرغيني (ت١٣٥٤هـ) رسالة صغيرة حظ فيها على السنة وحذر من البدع ونقل كلام أئمة السلف في التحذير من
стр. 37
البدع وأهلها، ونص على جملة من مناكير المواسم وغيرها، سماها: مسامرة في الانتصار للسنة وقمع البدعة (١).
وهي عبارة عن محاضرة قيمة ألقاها بنادي المسامرات بالمدرسة العليا الإدريسية بفاس.
وساق رسالة المولى سليمان في إنكار البدع والأضرحة، وكلاما لأحمد الناصري في إنكار عدد من البدع.
وألف كذلك أحمد بن خالد الناصري، (المتوفى سنة ١٣١٥هـ) صاحب الاستقصا كتابا حافلا في إنكار البدع والمحدثات، سماه: تعظيم المنة في نصرة السنة (٢).
وسبب تأليفه للكتاب أنه قرر أن الذكر بالاسم المفرد بدعة لا تجوز فرد عليه بعض الصوفية، فرد عليهم بهذا الكتاب.
وقد نبه فيه على بدع كثيرة، منها:
الذكر الجماعي عقب الصلاة (٢٨).
ورقص الفقراء حول الميت بعد تغسيله (٤٩ ب).
والهيللة أمام الجنازة (٥٠).
وذكر من البدع كذلك: اتخاذ القبور مساجد (٦٢).
стр. 38
واتخاذ البوق والمزمار بالمآذن (٦٩).
ورواية حديث من لغا فلا جمعة له يوم الجمعة، كما جرت به العادة ببلدنا (١١١).
ومساعدة النصارى في أعيادهم ببيع الثوب والأكل لهم ونحوه (١٣٣).
وذكر أشياء أخرى ستأتي ضمن الفصل الخاص بالصوفية.
وأقتصر على نقل واحد منه، قال: سئل الشيخ أبو الحسن سيدي علي ابن هارون عن مسألة قول لا إله إلا الله محمد رسول الله عقب الصلوات، هل ذلك بدعة مستحسنة؟
فأجاب بما نصه: إن الذكر مطلوب ومندوب إليه، ومرغب فيه، والإكثار منه، وترتيبه بعد الصلوات يذكرون بصوت واحد من البدع التي ينهى عنها، لما يتطرق إليها من الزيادة في الدين ما ليس منه، ولم يكن هذا في الصدر الأول فيجب قطعه.
وفي المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب لأحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي المتوفى سنة (٩١٤ هـ) التنبيه على عدد من البدع والمخالفات والمحدثات، وخصوصا محدثات المتصوفة ومن البدع التي نبه عليها:
الدعاء إثر الصلاة. (١/ ٢٨٣).
ورواية الحديث (٢/ ٤٨٥).
стр. 39
ونقل عن الشاطبي المنع من قراءة الحزب جماعة (١١/ ١١٢) (١).
وذكر عن أبي سعيد بن لب المنع من الذكر أمام الجنازة. وقد تقدم.
ونقل عن الشاطبي (١/ ٣٢٣ - ٣٢٧) المنع من قراءة القرآن في القبور.
ونقل (١١/ ١١٣) قول الشاطبي في المنع من الدعاء جماعة في أدبار الصلوات.
وعد من البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها (١١/ ١٥٢).
والاحتفال بالسنة الميلادية (١١/ ١٥٠).
وغيرها من البدع (٢).
وأقتصر في هذا المقام على نقل ثلاثة فتاوى:
الأولى: حول حديث الإنصات الذي جرت به عادة المغاربة، واعتبروه جزءا لا يتجزأ من المذهب المالكي.
والثانية: في عدم جواز الزيادة على المشروع في العبادات، ووجوب الاقتصار على ما ورد في النصوص الثابتة في السنة المطهرة.
والثالثة: في حكم الاجتماع عند موت الميت.
стр. 40
الفتوى الأولى: نقل الونشريسي في المعيار المعرب عن أبي عبد الله محمد بن عبد المومن التازي (٢/ ٤٨٥) قوله: ومنها قول بعد الناس ما أحدث من النداء عند إرادة الخطيب أن يخطب بقوله: روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (١). أنصتوا رحمكم الله.
ابن الحاج (٢): والعجب من بعض الناس أنهم ينكرون على مالك رحمه الله تعالى أخذه بعمل أهل المدينة واستحسنوا هذا الفعل، واحتجوا على صحته بأنه من عمل أهل الشام وعادتهم المستمرة. انتهى.
واستمر عمل تلمسان على رواية هذا الأثر واستمر عمل فاس على تركه، وهو الصواب إن شاء الله. انتهى.
فانظر كيف يقرر هذا الإمام المالكي بأن الصواب ترك رواية حديث الإنصات يوم الجمعة، الذي تلزم به وزارة الأوقاف المغربية جميع المساجد، وتعتبر الالتزام به من أهم المهمات، والإخلال به من أسباب التوقيف والإقالة من العمل.
وقرر الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي بدعية هذا العمل كذلك ...
стр. 41
الفتوى الثانية: قال الونشريسي في المعيار المعرب (١/ ١٤٨ - ١٤٩): وسئل - أي العلامة ابن لب - عن قارئ قرأ في الاشفاع في رمضان، فلما بلغ سورة والضحى أخذ يقول آخر كل سورة: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فأنكر عليه ذلك فقال: كذلك أفعل وأزيد منه، وظهر منه عناد كبير.
فأجاب: إن ذكر الله حسن، وفيه الأجر والثواب، لكن على طريقة الاقتداء والاتباع، لا على مقتضى الأهواء والابتداع.
ومن الكلمات الجامعة لخير الدنيا والآخرة: اتبع لا تبتدع، اتضع لاترتفع، من ورع لا يتسع.
أفيحسن أن يعوض من قراءة الصلاة ذكر غيرها أو شغل المأموم بالذكر عن سماعه قراءة الإمام في الجهر؟!
وللعبادة ووظائف الطاعات حدود وخصوص وأحوال وشروط، والقراءة سنة تتبع، وطريقة هي المورد والمشرع، ولا يجوز فيها العدول عما روي إلى غيرها، والخروج عما دخل في باب المروي وصح في نقله، وخلاف ذلك بدعة وضلالة، وتنقص لما درج عليه السلف من سنة القراءة.
ولقد كان بعض المعلمين للقراءة هنا يأمر الصبي في بدء القراءة بالاستعاذة والبسملة وزيادة الصلاة على الرسول ﵇ قبل الشروع في القراءة، فسمع بذلك الشيخ شيخ الإسلام في عصره أبو إسحاق بن العاصي،
стр. 42
فاستحضر المعلم وأغلظ له في القول على تلك الزيادة، حتى ربما أقسم له إن عاد إلى مثل ذلك ليوجعنه بالسياط ضربا، فانتهى الرجل.
وهكذا ينبغي أن يفعل بذلك المبتدع المذكور، فإن انتهى وإلا فيجب تأخيره عن الإمامة وهجره وأخذه بما يكره ويسوؤه.
والحق واضح، والطريق لاحب لائح، والناكب عنه هالك. انتهى.
فتأمل تقرير هذا الإمام المالكي السنة، ورده للبدع التي لا دليل عليها من كتاب ولاسنة.
الفتوى الثالثة: قال أبو إسحاق الشاطبي: قال الطرطوشي: فأما المآثم فممنوعة بإجماع العلماء، والمآثم هو الاجتماع في المصيبة، وهي بدعة منكرة، ولم ينقل فيه شيء، وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والرابع والسابع والشهر والسنة، فهو طامة ... إلى آخر كلامه. المعيار (١/ ٣٢٨).
وتكلم العلامة أبو القاسم محمد بن علي بن خجو الحساني (ت٩٥٦هـ) في شرح نظم بيوع ابن جماعة (١) عن عدد من المخالفات التي سماها بدعا، وأغلبها محرمات.
وذكر ابن خجو فيها جملة.
منها: اختلاط الرجال والنساء في الأعراس وغيرها والنياحة وضرب الخدود وشق الجيوب وحلق الشعر ورفع الصوت بالويل والثبور.
стр. 43
وذكر من البدع كذلك: الوسم، وذبح الحيوان على رجل المريض، واقتناء دم الأضاحي للتداوي والتبرك وجعل العجين والدقيق أو الملح في فم الأضحية.
وذكر منها كذلك: إظهار العورة، والتطير، وترك العمل يوم الحسوم وغيره، ومنع الزكاة وإطعامها لمن يريد.
وذكر منها اتخاذ الجهال قدوة في الدين.
وذكر من البدع المذمومة شد الرحل لزيارة غير المساجد الثلاثة.
ومما قال: فمن أقام الرحلة للصلاة في مسجد من المساجد غير المساجد المذكورة فإنه مبتدع، وإن تواطأ على ذلك قوم، وليس هناك قبر ولي يزار، فليمنعوا ويقاتلوا على ذلك.
وذكر من البدع تزين الرجال بزينة النساء كالصبغ بالحناء في أيديهم وأرجلهم، وجعل الأخراص في آذانهم وغير ذلك.
وقال: ومن البدع المحرمة التعظيم للأحجار والتداوي بها.
وعد من البدع: الكهانة.
وتكلم العلامة المكي الناصري في إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (٢٠ - ٢١) على وجوب اتباع السنة وترك البدع المحدثات بكلام جيد قوي، أقتطف منه قوله: ومنهم من لم يرضوا بالشرع المبين، فابتدعوا أحكاما في الدين وشرعوا واجبات وسننا ومستحبات واخترعوا عبادات وقربات، لم يأت بها الإسلام ولا عهد له بها، كأن الله تعالى ترك لنا ديننا ناقصا فأكملوه,
стр. 44
وأودع لنا فيه سبحانه بعض الفساد فلم يوافقوا عليه وأصلحوه، أو لم ينزل على رسوله يوم حجة الوداع تلك الآية الكريمة المشيرة إلى إكمال هذا الدين الإسلامي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] أو لم يقل رسوله في خطبته فيها: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي» (١).
أو لم يتم تبليغ رسالته فهم أتموها لنا، أو كتم أو أسر شيئا من الدين كما يزعمون، تعالى الله عما يقولون، وتنزه رسوله عما يأفكون.
стр. 45
مسألة قراءة القرآن جماعة:
صح عن الإمام مالك ﵀ إنكار قراءة القرآن جماعة، وتابعه على هذا عدد من علماء المالكية، وأبى ذلك آخرون، وأجازوا قراءة القرآن جماعة.
ومن النصوص المأثورة عن الإمام مالك في ذلك:
قال محمد العتبي الأندلسي المالكي (المتوفى سنة ٢٥٥هـ) في العتبية (١/ ٢٩٨): قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس. انتهى.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١/ ٢٩٨): إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضا وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بَيِّن، والله أعلم.
وقال محمد العتبي الأندلسي المالكي كذلك في العتبية (١/ ٢٤٢): وسئل عن القراءة في المسجد فقال: لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١/ ٢٤٢): يريد أن التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات أو على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كأنه سنة مثل ما يفعل بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح، فرأى ذلك بدعة، وأما
стр. 46
القراءة على غير هذا الوجه فلابأس بها في المسجد ولا وجه لكراهيتها ... إلى آخر كلامه.
وقال محمد العتبي الأندلسي المالكي كذلك في العتبية (٢/ ١٧): وسئل عن دراسة القرآن بعد صلاة الصبح في المسجد، يجتمع عليه نفر فيقرؤون في سورة واحدة، فقال: كرهها مالك ونهى عنها ورآها بدعة.
وكرر مالك نفس الشيء كما في العتبية كذلك (١٨/ ٣٤٩ - البيان والتحصيل) وقال: لا يعجبني ولا أحبه، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
وذكر الطرطوشي في الحوادث والبدع (١١٧ - ١١٨) قراءة القرآن جماعة ضمن البدع، غير أنه أجازه بالإدارة أي: أن يقرأ هذا، ثم يقرأ الذي بعده، فهذه غير داخلة في القراءة جماعة.
ونقل (١١٨) من مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان قول مالك: والذين يجتمعون ويقرؤون سورة واحدة حتى يختموها، يختمها كل واحد على إثر صاحبه مكروه منكر، ولو قرأ أحدهم منها آيات، ثم قرأ الآخر على إثر صاحبه، والآخر كذلك، لم يكن به بأس، هؤلاء يعرضون بعضهم على بعض.
وسئل أبو إسحاق الشاطبي عن قراءة الحزب بالجمع هل يتناوله قوله ﵇: «ما اجتمع قوم في بيت». الحديث كما وقع لبعض الناس أهو بدعة؟
стр. 47
فأجاب: إن مالكا سئل عن ذلك فكرهه، وقال: هذا لم يكن من عمل الناس. وفي العتبية: سئل عن القراءة في المسجد يعني على وجه مخصوص كالحزب ونحوه، فقال: لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، يعني أنه لم يكن في زمان الصحابة والتابعين، قال: ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها. وقال في موضع آخر: أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى؟ يعني أنه لو كان في ذلك خير لكان السلف أسبق إليه، يدل على أنه ليس بداخل تحت معنى الحديث. المعيار (١١/ ١١٢).
وقال في الاعتصام (٢/ ٣٩٦): وقد أحدث بالمغرب المتسمي بالمهدي تثويباً عند طلوع الفجر وهو قولهم: "أصبح ولله الحمد" إشعاراً بأن الفجر قد طلع، لإلزام الطاعة، ولحضور الجماعة، وللغدو لكل ما يؤمرون به. فَمَحَّضَه هؤلاء المتأخرون تثويباً بالصلاة كالأذان. ونقل أيضاً إلى أهل المغرب الحزب المحدث بالإسكندرية، وهو المعتاد في جوامع الأندلس وغيرها، فصار ذلك كله سنة في المساجد إلى الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال (٢/ ٣٠١) عادًّا البدع الإضافية: ومن ذلك قراءة القرآن بهيئة الاجتماع. وانظر (٢/ ٣٢١).
وممن اختار المنع من قراءة القرآن مفتي رابطة علماء المغرب العلامة محمد كنوني المذكوري، وأيده الأمين العام للرابطة علامة المغرب بغير منازع عبد الله كنون.
стр. 48
قال محمد كنوني في جوابه على أسئلة وردت على الأمانة العامة لرابطة علماء المغرب: الجواب عن السؤال العاشر: حول قراءة القرءان بالصفة الجماعية، على النحو الذي يفعله قراؤنا.
والجواب هو أن الله تعالى يقول: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، لذلك كان السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم، لا يقرأون مثل هذه القراءة المسؤول عنها، بل يقرأ الواحد ويستمع الباقون، وذلك بإجادة التلاوة وإجادة الاستماع، فيدخل الجميع في رحمة الله، وقد روى لنا من ذلك صورة فريدة، أبو عبد الله البخاري، وكذلك مسلم من حديث الأعمش عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ علي»، فقلت يا رسول الله، اقرأ عليك وعليك أنزل، قال: «نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ [النساء:٤١]. فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان (١)، قال الحافظ ابن كثير: وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه، ورواه أحمد من طريق أبي حيان (٢) وأبي رزين (٣) عنه. اهـ
стр. 49
فهذه الصورة هي السائدة عند السلف الصالح، ولا زال العمل جاريا بها في المشرق، ولكن العمل في المغرب جرى بالاجتماع للقراءة في المساجد وغيرها، ومن المقرر المعلوم أن الإمام مالكا ﵀ يقول بكراهة ذلك حيث قال: ليست القراءة في المساجد من الأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها.
واستشهد الإمام المازري بحديث الصحيح من قوله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن
عنده» اهـ (١)، حيث قال: ظاهر الحديث يبيح الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد، وإن كان مالك كره ذلك في المدونة، لأنه لم ير السلف يفعلونه مع حرصهم على اتباع السنة، ولعله من البدع الحسنة كقيام رمضان وغيره اهـ.
وقد نقل الفقهاء عن صاحب المعيار قوله بالجواز وتعضده الآثار الصحيحة وكرهه مالك، وبجوازه جرى العمل اهـ.
وقال ابن لب: وبقراءة الحزب في الجماعة جرى العمل، وعليه الجمهور، وذكر ابن هلال أنه بدعة، وأن بعض المتأخرين ذكر أنه جرى به العمل دون كراهة اهـ.
стр. 50
ولو تتبعنا كلام الفقهاء لطال بنا الحال لكثرة القيل والقال، فتبين مما سطرناه عمل السلف وعمل الخلف.
ولكن هذا القلم المتواضع يسطر هاهنا ملاحظة لم يشر لها أحد فيما وقفنا عليه من كلامهم، وهي ما يفوت القارئ في الجماعة من بعض الآيات عند تنفسه أو تنحنحه أو سعاله أو أي عارض آخر يعرض له.
وهذا العارض لا يختص به واحد، بل الجميع فيه سواء وهكذا يسري هذا الخلل عند جميع القراء وفي جميع القرآن، وهذا أمر معلوم عندهم بالضرورة.
وتارة يطرأ هذا العارض عند رأس الآية أو في وسطها أو بين الحروف فيما إذا كان هناك مد مثلا، وهناك يقع الفصل بين الجميع.
والذي ينبغي الأخذ به هو عمل السلف الصالح، ومنهم الإمام مالك رضي الله عن الجميع.
هذا مع احترامنا لساداتنا الفقهاء ومذاهبهم وآرائهم ما دام الكل يسعى لمصلحة الأمة الإسلامية وشريعتها الغراء.
وقبل إلقاء القلم، أنبه القارئ أني أعلم ما قاله بعض الفقهاء مما يخالف بعض ما سطرته في أجوبتنا هذه، ولكنني آثرت ما كتبته آخذا من سنة الرسول ﷺ ، أو أخبار وآثار السلف الصالح الذين هم أقرب عهدا وأصح سندا بالنسبة لمصدري التشريع الإسلامي الذي هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وقربهم من القرون الثلاثة.
стр. 51
وإني وإن كنت أحب السابقين واللاحقين، فأنا كما قال القائل:
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
وإنني أشكر السائل الفاضل الذي أثار هذه المسائل التي أخذها من واقع الشعب وصميمه، كما أوجه شكري إلى أخينا العالم الجليل السيد عبد الله كنون المشرف على جريدة الميثاق والتي يوجهها توجيها دينيا، نحن في حاجة أكيدة إليه، سيما في هذا العصر الذي قل فيه الناصر لدين الله، وفق الله جهود المصلحين المخلصين. قاله وكتبه قليل الاطلاع قصير الباع، راد العلم إلى الله. محمد كنوني المذكوري.
ومنع الشيخ في نفس الفتاوى (٧١) تقسيم البدع مطلقا إلى خمسة أقسام.
وعد من البدع المكروهة كراهة شديدة: الختمة على الميت (٧٢).
ومن البدع المكروهة كراهة تنزيه: المصافحة بعد أدبار الصلوات.
وجزم ببدعة الهيللة مع الجنازة، وقد تقدم كلامه.
стр. 52
المغاربة والتصوف
تباينت مواقف المالكية كغيرهم في باقي المذاهب من التصوف، فأبطله قوم وأجازه آخرون، وقد اشتهر جماعة من علماء المغرب بالرد على الصوفية أو الرد على بدعهم المخالفة للسنة:
ومن أشدهم على المتصوفة العلامة الإمام والمفسر الكبير أبو عبد الله القرطبي، الذي يعد أشهر مفسري القرآن على مدى التاريخ الإسلامي الطويل.
قال العلامة أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (٧/ ٤٠٠): وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون، وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت. انتهى.
قلت: وقد أجمع الصوفية الأوائل على ذم الرقص والصعق، وأما أهل زماننا كالدرقاويين والبوتشيشين والتيجانيين فدينهم هو الرقص والشطح باسم الذكر.
وقال القرطبي (١٠/ ٣٦٦): قال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤] قلت: وهذا تعلق غير صحيح! هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين
стр. 53
إلى ربهم خائفين من قومهم، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام! وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان هيهات! بينهما والله ما بين الأرض والسماء، وثم هذا حرام عند جماعة العلماء على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى، وقد تقدم في (سبحان) عند قوله:
﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً﴾ [الإسراء:٣٧] ما فيه كفاية. وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي (١) وسئل عن مذهب الصوفية فقال: وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل على ما يأتي.
وقال القرطبي كذلك (١١/ ١٣): قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ [الكهف٦٢] فيه مسألة واحدة وهو اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار الذين يقتحمون المهامه والقفار، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض، قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه وتوكله على رب العباد.
وقال القرطبي كذلك (١١/ ٢٣٧): وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم - حرس الله مدته- أنه اجتمع جماعة من الرجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد ﷺ ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين وهذا القول الذي يذكرونه:
стр. 54
يا شيخ كف عن الذنوب ... قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحا ... ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى ... ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب: - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى، وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق. انتهى.
فتأمل ما أشد هذه الكلمات على المتصوفة، وتأمل كيف يجزم بضلالهم، ويحث السلطان على منعهم من دخول المسجد.
وقال (١٤/ ٥٤): فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام. انتهى.
ومن أكثر مواقف المغاربة شهرة في الإنكار على المتصوفة: ردودهم على كتاب إحياء علوم الدين للغزالي وإقدامهم على حرقه. وذلك في عهد علي بن يوسف بن تاشفين.
стр. 55
وكتاب إحياء علوم الدين من أهم الكتب الصوفية، والغزالي من أئمة الصوفية المجمع عليه بينهم.
وقد اشتهر العلماء المغاربة بكثرة ردودهم عليه ولهم في ذلك مصنفات عديدة، فُقِد بعضها ولا زالت أخرى على قيد الوجود.
فألف أبو بكر الطرطوشي محمد بن الوليد الفهري الأندلسي المالكي المتوفى سنة (٥٢٠): "الأسرار والعبر في الرد على الإحياء". (١)
وللطرطوشي كذلك رسالة صغيرة إلى عبد الله بن المظفر مذكورة في المعيار (١٢/ ١٨٦ - ١٨٧)، ونشرها كذلك سعيد غراب، كما ذكر المنوني في حضارة الموحدين (١٩٦). وذكر بعضها الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٣٩).
ونصها كما في المعيار:
ومما كتب به الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الوليد الطرطوشي إلى عبد الله بن المظفر: أما ما ذكرت من أمر الغزالي فرأيت الرجل وكلمته، فوجدته رجلا جليلا من أهل العلم، قد نهضت به فضائله, واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول عمره. وكان على ذلك معظم زمانه.
ثم بدا له عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمال، ثم تصرف بمحيّر العلوم وأهلها, ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووسواس الشيطان,
стр. 56
ثم شابها برأي الفلاسفة ورموز الحلاج, وجعل ينحو على الفقهاء والمتكلمين, ولقد كاد أن ينسلخ من الدين.
فلما عمل كتابه سماه: "إحياء علوم الدين" عمد يتكلم في علوم الأحوال ومراقي الصوفية, وكان غير دري بها ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه, فلا في علماء المسلمين قَرَّ, ولا في أحوال الزاهدين استقر.
شحن كتابه بالكذب على رسول الله ﷺ , فلا أعلم كتابا على بسيط الأرض في مبلغ علمي أكثر كذبا على رسول الله ﷺ منه.
سبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا, وهم قوم يرون النبوءة اكتسابا، وليس النبي في زعمهم أكثر من شخص فاضل تخلق بمحاسن الأخلاق وجانب سفسافها, وساس نفسه حتى ملك قيادها, فلا تغلبه شهواته, ولا يقهره سوء أخلاقه. ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق. وأنكروا أن يكون الله تعالى من أقر منهم بالصانع يبعث إلى الخلق رسولا ويؤيده بالمعجزات حيل ومخاريق.
ولقد شرف الله الإسلام وأوضح حجته، وأقام برهانه، وقطع عذر الخلائق بحججه الواضحة, وأدلته القاطعة الدامغة. وما من ينصر دين الإسلام بمذاهب الفلاسفة وآراء المنطقية إلا كمن يغسل الماء بالبول.
ثم يسوق الكلام سوقا يُرعد فيه ويُبرق, ويمني ويشوّق, حتى إذا تشوفت له النفوس, قال: هذا من علم المعاملة، وما وراءه من علم المكاشفة, ولايجوز
стр. 57
تسطيره (١) في الكتاب, أو يقول: وهذا من سر القدر الذي نهينا عن إفشائه. وهذا فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في دين الله يستغل الموجود, ويكلف النفوس بالمفقود, فهو تشويش لعقائد القلوب, وتوهين لما عليه كلمة الجماعة.
فإن كان الرجل يعتقد ما سطره في كتابه لم يبعد تكفيره, وإن كان لا يعتقده فما أقرب تضليله!
وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب بالنار، فإنه إن تُرك انتشر بين ظهور الخلق ومن لا معرفة له بسمومه القاتلة، وخِيف عليهم أن يعتقدوا صحة ما سُطر فيه مما هو ضلال، فيُحرق قياسا على ما أحرقته الصحابة ﵃ من صحائف المصحف التي كان فيها اختلاف ألفاظ ونقص آي.
ألا ترى أنهم لو لم يحرقوا تلك الصحائف وانتشرت في الخلق لَحَفِظَ كل إنسان ما وقع منها إليه؟، وأوشك أن يختلفوا فيتقاتلوا ويتقاطعوا.
وإني لعلى عزم أن أنفرد له فأستخرج جميع هفواته، وأوضح سقطاته، وأبينها حرفا حرفا (٢)، وفي دونه من الكتب غنية وكفاية لإخواننا المسلمين وطبقات الصالحين.
ومعظم من وقع في عشق هذا الكتاب رجال صالحون لا معرفة لهم بما يلزم العقل وأصول الديانات، ولا يفهمون الإلهيات، ولا يعلمون حقائق الصفات، ولا يخبرون شياطين الإنس الذين انتدبوا للطعن في الدين وتوهين
стр. 58
عمود الإسلام وتعطيل الصانع وإفساد المعجزات، فمن لم يكن عنده تمييز لهذه الأبواب من الذب عن دين الله تعالى ونصرة شريعته لم ينبغ له أن يقفو ما ليس له به علم، بمدح على غير علم، ويذم على غير علم، والسلام.
وللإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري المالكي (المتوفى سنة ٥٣٦) رد على "الإحياء" سماه: الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء.
ومما قال فيه كما في السير للذهبي (١٩/ ٣٣٠): ... وفيه كثير من الآثار عن النبي ﷺ لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل ...
إلى أن قال: هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين، فإنه صنف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الاصول، فأكسبته الفلسفة جرأة على المعاني، وتسهلا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، لا يزعها شرع، وعرفني صاحب له أنه كان له
стр. 59
عكوف على رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة، ألفها من قد خاض في علم الشرع والنقل، وفي الحكمة، فمزج بين العلمين، وقد كان رجل يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تصانيف، أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده، حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملا من دواوينه، ووجدت أبا حامد يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة.
وأما مذاهب الصوفية، فلا أدري على من عول فيها، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف، وأخبرت أن أبا حيان ألف ديوانا عظيما في هذا الفن، وفي " الإحياء " من الواهيات كثير ... ويستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له ... إلى آخر كلامه. سير أعلام النبلاء للذهبي (١٩/ ٣٤١).
وانتقده تلميذه أبو بكر بن العربي المعافري المالكي (المتوفى سنة ٥٤٣) في كتابه العواصم من القواصم (٢/ ١٠١) (١)، ومما قال: كان أبو حامد تاجا في هامة الليالي وعقدا في لبة المعالي، حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج على الحقيقة وحاد في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء
стр. 60
بألفاظ لا تطاق ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتساق، فواحسرتي عليه، أي شخص أفسد من ذاته وأي علم خلط منه مفرداته.
وقال أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم، فما استطاع. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٧).
وتعرض له كذلك في قانون التأويل. انظر: حضارة الموحدين للمنوني (١٩٦ - ١٩٧).
وانتقده كذلك من علماء المغرب: ابن الإلبيري: محمد بن خلف بن موسى الأنصاري الأوسي القرطبي (ت ٥٣٧) له كتاب: " الأمالي في النقض على الغزالي"، ذكره ابن الأبار في التكملة (٦٠٧). كما في حضارة الموحدين للمنوني (١٩٦).
وممن أكثر التشنيع على الغزالي من علماء المغرب كذلك: قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي (المتوفى سنة ٥٠٨) كما في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٣٣).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٢٢) في ترجمة ابن حمدين: وكان يحط على الامام أبي حامد في طريقة التصوف، وألف في الرد عليه.
ومنهم: القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي المالكي
(ت ٥٤٤هـ)، حيث قال في معجم أبي علي الصدفي: والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داعية في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أُخذ عليه فيها
стр. 61
مواضع، وساءت به ظنون أمة، وال?هـ ?علم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامتثل ذلك. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٧).
ومنهم كذلك: أبو محمد عبد الله بن موسى الفشتالي (من علماء القرن ٧):
فقد قال تلميذه أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي (ت ٦٧٥) في كتاب "الحلال والحرام" أنه سمعه يقول: إن التائب إذا اقتصر على ما عند علماء الظاهر أولى وأسلم، بل لا يجوز اليوم اتخاذ شيخ لسلوك طريق المتصوفة أصلا، لأنهم يخوضون في فروعها ويهملون شروط صحتها، وهو باب التوبة، إذ لا يصح بناء فرع قبل تأسيس أصله.
قال: وسمعته يقول: لو وجدت تآليف القشيري لجمعتها وألقيتها في البحر. قال: وكذلك كتب الغزالي.
قال: وسمعته يقول: إني لأتمنى على الله أن أكون يوم الحشر مع محمد بن أبي زيد (١) لا مع الغزالي، بل مع أبي محمد يسكر (٢)، فذلك أكثر أمنا على نفسي (٣). انتهى.
стр. 62
فهؤلاء جميعا ردوا على الغزالي وعلى كتابه إحياء علوم الدين، ففي ذلك أبلغ عبرة وأعظم دليل على أن علماء المغرب لا زالوا مناهضين لبدع المتصوفة، رادين أباطيلهم، مبطلين خرافاتهم، ولو كان المتصوف أحد كبار العلماء والفقهاء. كما هو الحال بالنسبة للغزالي.
ولا يغرنك كثرة المتصوفة المغاربة في العصور المتأخرة، لأن عصور الانحطاط لا عبرة بها في ميزان النقد والاعتبار. والله أعلم.
ولو ظفرت بمن شئت من المغاربة المتأخرين ممن أثنوا على الغزالي وعلى كتابه لم يعشروا معشار مثل أبي بكر الطرطوشي وأبي عبد الله المازري وأبي بكر بن العربي المعافري والقاضي عياض بن موسى اليحصبي، فهؤلاء عِلية القوم، وجِلة المالكية في ذلك العصر، علما أن منهم من تتلمذ على يديه وعرفه عن قرب كما هو الحال بالنسبة للطرطوشي وأبي بكر بن العربي.
ومن علماء المغرب المالكية الذي أكثروا التشنيع على المتصوفة ومحدثاتهم: الأستاذ أبو عبد الله الحفار.
نقل الونشريسي في المعيار المعرب (٧/ ٩٩ - ١٠٠ - ١٠١) عنه قوله: ثم هاهنا أمر زائد في السؤال أن تلك الليلة تقام على طريقة الفقراء، وطريقة الفقراء في هذه الأوقات شنيعة من شنع الدين، لأن عهدهم في الاجتماع إنما هو الغناء والشطح، ويقررون لعوام المسلمين أن ذلك من أعظم القربات في هذه الأوقات وأنها طريقة أولياء الله، وهم قوم جهلة لا يحسن أحدهم أحكام ما يجب عليه في يومه وليلته، بل هو ممن استخلفه الشيطان على إضلال عوام
стр. 63
المسلمين، ويزينون لهم الباطل ويضيفون إلى دين الله تعالى ما ليس منه، لأن الغناء والشطح من باب اللهو واللعب وهم يضيفونه إلى أولياء الله، وهم يكذبون في ذلك عليهم ليتوصلوا إلى أكل أموال الناس بالباطل، فصار التحبيس عليهم ليقيموا بذلك طريقتهم تحبيسا على ما لا يجوز تعاطيه، فيبطل ما حبس في هذا الباب على غير طريقته، ويستحب للمحبس أن يصرف هذا الأصل من التوت إلى باب آخر من أبواب القربات الشرعية، وإن لم يقدر على ذلك فينقله لنفسه، والله تعالى يمن علينا باتباع هدي نبيه محمد ﷺ ، واتباع السلف الصالح الذين في اتباعهم النجاة، والسلام على من يقف عليه. من محمد الحفار.
وممن أكثر التشنيع على الصوفية من فحول المالكية: العلامة الإمام أبو إسحاق الشاطبي في الاعتصام، ولا تكاد تمر به مسألة لها تعلق بهم إلا تعرض لهم بالنقد والتبكيت، وأقتصر في هذا المقام على بعضها طلبا للاختصار، فقد شنع على الصوفية في اجتماعهم على الذكر تشنيعا عظيما، ومما قال (٢/ ٨٥): وذلك أنه وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء يزعمون أنهم سلكوا طريق الصوفية، فيجتمعون في بعض الليالي، ويأخذون في الذكر الجهري على صوت واحد، ثم في الغناء والرقص، إلى آخر الليل، ويحضر معهم بعض المتسمين بالفقهاء، يترسمون برسم الشيوخ الهداة إلى سلوك ذلك الطريق، هل هذا العمل صحيح في الشرع أم لا؟
стр. 64
فوقع الجواب: بأن ذلك كله من البدع المحدثات، المخالفة طريقة رسول الله ﷺ ، وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان، فنفع الله بذلك من شاء من خلقه.
إلى أن قال (٢/ ٩٢ - ٩٣): فهذه مجالس الذكر على الحقيقة، وهي التي حرمها الله أهل البدع من هؤلاء الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق التصوف، فقلما تجد منهم من يحسن قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن، فضلاً عن غيرها، ولا يعرف كيف يتعبد، ولا كيف يستنجي أو يتوضأ أو يغتسل من الجنابة. وكيف يعلمون ذلك وهم قد حُرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة، وتنزل فيها السكينة، وتحف بها الملائكة.
فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا، فاقتدوا بجهال أمثالهم، وأخذوا يقرؤون الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على آرائهم، لا على ما قال أهل العلم فيها. فخرجوا عن الصراط المستقيم، إلى أن يجتمعوا ويقرأ أحدهم شيئاً من القرآن يكون حسن الصوت طيب النغمة جيد التلحين تشبه قراءته الغناء المذموم، ثم يقولون: تعالوا نذكر الله، فيرفعون أصواتهم، ويُمشون ذلك الذكر مداولة، طائفة في جهة، وطائفة في جهة أخرى، على صوت واحد يشبه الغناء، ويزعمون أن هذا من مجالس الذكر المندوب إليها.
وكذبوا، فإنه لو كان حقاً لكان السلف الصالح أولى بإدراكه وفهمه والعمل به؟ وإلا فأين في الكتاب أو في السنة الاجتماع للذكر على صوت
стр. 65
واحد جهرا عاليا؟ وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].
والمعتدون في التفسير هم الرافعون أصواتهم بالدعاء ...
إلى أن قال: وقد جاء عن السلف أيضاً النهي عن الاجتماع على الذكر، والدعاء بالهيئة التي يجتمع عليها هؤلاء المبتدعون. انتهى كلام الشاطبي.
وقال (٢/ ٣٢٢): وأما العادة فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان، فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا، إذ هما كالمتضادين عادة.
وألف ابن طوير الجنة أحمد بن عمر الوداني (المتوفى سنة ١٢٦٦ هـ) فيض المنان في الرد على متبدعة الزمان (١).
أنكر فيها عددا من بدع الصوفية كزعمهم رؤية الله ورؤية النبي، وأن النبي ﷺ يحضر معهم مجالس الذكر.
وبين أن الكرامات والفراسة التي يدعيها بعض الصوفية لا حقيقة لها. وأن ذلك يقع بين الكافر والمسلم. (٣٠ - ٣١ فما بعد).
وأبطل الرقص والتواجد حال الذكر، وذكر أن أول من أحدثه السامري (ص٣٨).
стр. 66
وألف أحمد بن محمد المرنيسي (ت ١٢٧٧) تقييدا في إنكار الرقص والطار (١).
أنكر فيه الرقص حال الذكر، كما يفعله أرباب الطرق الصوفية بشتى مشاربها.
وقد رد عليه بعضهم، فتولى الرد عليه العلامة أبو عبد الله الغالي بن محمد الحسني العمراني اللجائي الفاسي (المتوفى سنة: ١٢٨٩هـ) في "إبطال الشبه ورفع الإلباس في الرد على من صوب في تقييد له خطأ الناس" (٢).
أنكر فيه على المتصوفة اجتماعهم على الذكر والرقص.
وعد من البدع: اجتماع الصوفية على الرقص (٥٤ب).
والذكر على صوت واحد (٥٥ب).
وهو ينقل فيه عن الشاطبي، ومن المعيار للونشريسي وغيرها.
ونقل خطبة المولى سليمان الآتي ذكرها.
ومنع من التحبيس على الفقراء لكثرة مخالفتهم وبدعهم.
إلى غير ذلك من البدع التي نص عليها.
ومما قال ﵀ (٩٢ب- ٩٣ أ): وقد سئل الشيخ الخطيب البليغ سيدي محمد بن جلال ﵀ عن حكم الله فيما أحدثه بعض من ينسب إلى الفقر من ذكر الششتري وغيره على طريق الغناء والألحان المرجعة، وانضم
стр. 67
إلى ذلك الكف وغيره، مما وقع النهي عنه، فهل ذلك حرام بدعة أم لا؟ وما حكم الله في الطعام الذي يصنع لهم، فهل هو مما أهل به لغير الله فيحرم أكله أم لا؟ وما حكم من اعتقد أن ذلك عبادة فهل تجب عليه التوبة من ذلك الاعتقاد أم لا؟ وإن قلنا بوجوبها فأبى، فهل ذلك كفر وردة يستتاب؟ فإن تاب وإلا قتل.
فأجاب بقوله: ما يفعله الفقراء المذكورون على الوجه المذكور بدعة محرمة قال ابن حجر (١): قال القرطبي بعد كلام له في قول عائشة ﵂ (وليستا بمغنيتين): وأما ما ابتدعه المتصوفة فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غفلت عن كثير مما ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعالات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة لتقطيعات متلاصقة، وانتهى التواقح بأقوام إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، فبهذا على التحقيق من آخر الزندقة وعمل أهل المخرقة.
وأما الطعام المذكور على الوجه المذكور فسحت وحرام، ومن اعتقد القربة فيما ذكر وزعم أن ذلك مما يثير سنن الأحوال، فزعمه باطل وفعله بدعة ضلالة، إذ لم يرد شيء من ذلك عن السلف الصالح، وقد قال ﵊: إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 68
فتجب التوبة على من فعل ذلك، واعتقد أنه قربة فإن لم يتب قتل، ولذا قال أبو الحسن العامري فيما نقله عنه صاحب المعيار في نوازله ممن ظن أن القيام والشطح عبادة فهو جاهل، بل تجب عليه التوبة من ذلك، فإن ناظر على ذلك، وقال: إنه عبادة فقد خالف الإجماع، ومخالفة الإجماع كفر، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، وكيف يعتقد أن الله يعبد بشطح، وهو لهو ولعب اهـ. منه بلفظه.
ومر أيضا جواب أبي عبد الله السرقسطي بأن الرقص والغناء بدعة محدثة لم تكن في أصحاب رسول الله ﷺ وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اهـ بلفظه.
ومر جواب العلامة ابن لب بأن رقص الفقراء في المساجد يجب أن تنزه المساجد عنه لأنها بيوت الله في أرضه أسست على التقوى ...
إلى أن قال: وسلف جواب الحفار بأن الحبس على فقراء الوقت منكر ... (٩٣).
فرحم الله علماءنا المالكية ما أشدهم على بدع المتصوفة، فليس الشطح والرقص باسم الذكر من دين الإسلام في شيء، بل هو ضلالة ومنكر، يستحي العاقل أن ينسبه إلى دين اليهود والنصارى، فما بالك بالدين الطاهر الصافي من كل شائبة.
стр. 69
وقال عبد الله بن محمد بن موسى العبدوسي (ت٨٤٩) في رسالته "جواب في الرقص والشطح عند الذكر" (١): الشطح والرقص والصياح ولطم الصدور وهز الرؤوس بالعنق حالة الذكر حرام وفاعله ظالم ءاثم عاص لله ورسوله، ومن لم يتب من ذلك فلا تجوز إمامته ولا شهادته، وكل من حضر هذا المشهود فهم منهم، وإن لم يعمل مثل عملهم.
وقال الشيخ الطرطوشي ﵀: إن ذلك بدعة وضلالة. انتهى.
ومن علماء المغرب كذلك الذين ألفوا في إنكار بعض بدع الصوفية: أبو عبد الله محمد بن المدني كنون، (المتوفى سنة: ١٣٠٢هـ): الزجر والإقماع بزواجر الشرع المطاع لمن يومن بالله ورسوله ويوم الاجتماع عن آلات اللهو والسماع (٢).
وهو في إبطال الذكر الصوفي والرقص، والذكر جماعة، وغير ذلك من البدع.
وتكلم العلامة المؤرخ أحمد بن خالد الناصري، (المتوفى سنة ١٣١٥هـ) في كتابه "تعظيم المنة في نصرة السنة" (٣) على عدد من بدع الصوفية، منها:
стр. 70
رقص الفقراء حول الميت بعد تغسيله (٤٩ ب).
والشطح والرقص الصوفي (١٤٦) - (٢٤٠).
واتخاذ الشيخ للتربية (١٧٥).
والذكر الجماعي (١٩٨).
والذكر بالاسم المفرد (٢١٦).
وذكر من مصطلحاتهم الحادثة: الفناء والبقاء والغوث والأقطاب والأبدال (٢٣٨).
ومما قال (٢٤١): والحاصل أن جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم يعلمون ويتيقنون أن رسول الله ﷺ وأصحابه لم يكونوا يحلقون على السماع والرقص فضلا عن أن يعدوا ذلك من القربات التي يتقرب العبد بها إلى ربه، وأما من أضاف إلى الرقص الضرب بالأكف والنقر على الطسوت والأطبال والمزاهر كما شاع وذاع في هذه الأزمنة الفاسدة حتى أنه في بعض الأحيان يدخل عليهم وقت صلاة المغرب وهم بزاويتهم، والمحراب أمامهم، وهم عنه معرضون، فهؤلاء قد تمكن الشيطان منهم غاية التمكن ولعب بهم كيف شاء، فهم ضحكة بلا ريب.
إلى أن قال (ص ٢٤٧): والحاصل أنه لا أجرأ ولا أوقح وأبهت وأصفق وجها ممن يريد أن يجعل الرقص والسماع من الدين، وينسب ذلك إلى رسول
стр. 71
الله ﷺ ، ولو كان في الدين كما يزعمه المبتدع لكان مبوبا له في كتب الحديث والفقه (١).
وقال العلامة الونشريسي المالكي في المعيار المعرب (١/ ١٦٠) وسئل القاضي أبو عمرو بن منظور عن إمام قرية يؤم الناس وهو يحب طريقة الفقراء، وفي القرية زاوية يجتمعون فيها بعض من أصحاب القرية ليلة الجمعة وليلة الاثنين والإمام المذكور معهم، يستفتحون بعشر من القرآن ويبدؤون بالذكر الموصوف لهم، فإذا فرغوا منه يستفتح المداح وأصحابه دائرون عليه يضربون الكف ويقولون معه، والإمام المذكور يمدح مع المداحين، ويضرب الكف معهم ويرقص مع الذي رقص منهم، فإذا كان ليلة مولد النبي ﷺ يمشي الإمام معهم إلى قرية أخرى بنحو عشرين ميلا من قريتهم ويبقى المسجد بلا خطبة ولا إمام ولا آذان حتى يرجعون، وتكون غيبتهم أربعة أيام أو ثلاثة أيام. فقيل: إن الإمام الذي يعمل هذا لا تجوز إمامته، والذي يسمع العريف خير من الفقراء، والإمام المذكور يعلم أن طريقة الفقراء بدعة لم تكن في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد التابعين بعده، ويعلم أن أفضل الذكر ما خفي، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لكن حمله على هذا محبته في الذكر وفي مدح رسول الله ﷺ ومحبته في مجامعة الإخوان، هل يلزم من اغتاب هذه الطريقة شيء أم لا؟
стр. 72
فأجاب: تأملت السؤال بمحوله، وقد سئل عن مثله العلماء الفقهاء الذين يقتدى بهم ويعمل على قولهم، والكل منعوا تلك الطريقة وقالوا: بتبديع مرتكبها، والسنة بخلاف ذلك، والرقص لا يجوز، وهو تلاعب بالدين، وليس من أفعال عباد الله المهتدين. وإمامة من يرى هذا المذهب ويسلك طريقهم لا تجوز، لا سيما وقد انضاف إليه مع عمله هذا تعطيل المسجد وتركه دون مؤذن ولا إمام.
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها.
وهذا يدخل تحت الوعيد.
وقول من قال أن من يسمع العريف خير من الفقراء فهذا يظهر أنه صحيح، ووجه أن الذي يسمع العريف عاص ويعلم أنه على غير شيء. وهذا الذي يشطح ويرقص يعتقد أنه على شيء، وهو على غير شيء أو متلاعب، وما خلقنا للعب، وهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ويكون للإمام حظه من هذه الطريقة حضوره كاف في منع إمامته، لأنه مكثر سوادهم، ومن كثر سواد نوع عد منهم. وأما محبة الرسول والصحابة فيتوصل إليها بغير هذا، وهي ساكنة في القلب، والإكثار من الصلاة والسلام عليه والرضى عن أصحابه في نفسه وفي بيته هو وجه العبادة.
والطاعن في هذا الإمام وإن كان من قرية أخرى قام على وجه الحسبة وتغيير المنكر، فلا عتاب عليه إن شاء الله تعالى.
فهذا وجه الجواب عن السؤال بمحوله.
стр. 73
وأجاب الشيخ أبو الحسن العامري: الاجتماع على الذكر إذا كان يذكر كل واحد وحده، وأما على صوت واحد فكرهه مالك.
وأما القيام والشطح فمن ظن أنه عبادة فهو جاهل تجب عليه التوبة من ذلك، فإن ناظر على ذلك وقال إنه عبادة فقد خالف الإجماع، ومخالفة الإجماع كفر فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وكيف يعتقد أن يعبد الله بشطح وهو لهو ولعب؟
وأجاب سيدي أبو عبد الله السرقسطي عن نظيرتها بما نصه: جواب السؤال بمحوله أن طريقة الفقراء في الذكر الجهري على صوت واحد والرقص والغناء بدعة محدثة لم تكن في أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فمن أراد اتباع السنة واجتناب البدعة في ذكر الله والصلاة على رسوله فليفعل ذلك منفردا بنفسه غير قارن ذكره بذكر غيره، وليخف ذكره فهو أفضل له، وخير الذكر الخفي، وعمل السر يفضل عمل العلانية في النوافل بسبعين ضعفا. انتهى.
ولو أن هذه الفتاوى جردت من أسماء قائليها لظن من يقرؤها أنها لأحد علماء الدعوة الوهابية في هذا الزمان، وأنت ترى أنها في كتاب مالكي قديم قبل ظهور الوهابية بأزمان.
أمَا آن للقوم أن يصحوا من غفوتهم، وأن يفيقوا من غفلتهم، لماذا إذا أفتى بعض حملة السنة في زماننا بمثل هذه الفتوى قيل: إنه وهابي، جاء بمذهب غريب عن بلدنا؟ وأنت ترى أن الفتاوى المتقدمة لعلماء مغاربة مالكية.
стр. 74
ومن أشد علماء المغرب على الصوفية وعلى عقائدهم وأباطيلهم: الشيخ العلامة عبد الرحمان محمد النتيفي الجعفري الزياني (المتوفى سنة ١٣٨٥هـ) الذي كان يحضر المجالس العلمية للسلطان محمد الخامس ﵀، فقد ألف كتبا عديدة في إنكار بدع الصوفية.
منها: كتاب حكم السنة والكتاب في وجوب هدم الزوايا والقباب.
وتنبيه الرجال في نفي القطب والغوث والأبدال.
والذكر الملحوظ في نفي قراءة اللوح المحفوظ.
والإرشاد والسداد في فضل ليلة القدر على ليلة الميلاد.
والقول الفائز في عدم التهليل وراء الجنائز.
والقول الجلي في عدم تطور الولي.
الميزان العزيز في الرد على كتاب الإبريز.
تحفة الأماني في الرد على أصحاب التيجاني.
الزهرة في الرد على غلو البردة.
الحجج العلمية في رد غلو الهمزية.
أصفى الموارد في الرد على غلو المطربين المادحين لرسول الله وأهل الموائد.
الدلائل البينات في البحث في دلائل الخيرات وشرحه مطالع المسرات.
كل هذه الكتب وغيرها كثير جدا لازالت مخطوطة عند أحد طلبته بمدينة تارودانت.
стр. 75
وكذلك من أشد علماء المغرب على الصوفية الشيخ تقي الدين الهلالي.
وله كتاب: الهدية الهادية للطائفة التيجانية.
في رد أباطيل التيجانيين وغيرهم من المتصوفين. وكان ﵀ مشهورا بمعادات المتصوفة، معروفا بانحرافه عنهم.
وممن ألف في الرد على التيجانيين كذلك: السلطان العلوي المولى عبد الحفيظ، له كتاب: "كشف القناع عن اعتقاد طوائف الابتداع المتقولين الذين حادوا عن منهاج السنة وأحدثوا اعتقادات لم ترد عمن شرح الدين والسنة".
طبع على الحجر بفاس سنة ١٩٠٩.
ومما ألف في الرد على التجانيين كذلك: فتوى لعلماء القرويين بإدانة كتاب صلاة الفاتح لمحمد الفاطمي التيجاني.
فقد قام العلامة مولاي العربي العلوي برفع طلب لمجلس من علماء القرويين حول الكتاب المذكور، فصدرت فتوى بتاريخ ٢٤ - فبراير- ١٩٢٥ بإدانة مؤلفه وإحراق كتابه. راجع "الطريقة التيجانية بين التقليد والتجديد" لعبد الملك الرياحي (٣٢٩ - مرقون).
وممن ألف في الرد على التجانيين كذلك: العلامة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي له: "معضلات العصر"، وهو مقال له في الرد على التيجانيين، وقد طبع بتعليقات علامة الجزائر ابن باديس، وسماه الجواب