← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96924

العلمانية والمذهب المالكي

مصطفى باحو

Полный текст (193 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة: بحوث في العلمانية (٣) العلمانية والمذهب المالكي باحو مصطفى

стр. 2

الطبعة الأولى: شعبان ١٤٣٣ - يوليوز ٢٠١٢ الناشر: جريدة السبيل المطبعة: طوب بريس. الرباط رقم الإيداع القانوني: ٢٠١٢ MO١٤٧٠ ر. د. م. ك: ٨ - ١٢٨ - ٣١ - ٩٩٥٤ - ٩٧٨

стр. 3

«إنَّ مِنْ قَواعدِ دينِنا أنَّ العالِمَ حاكمٌ على المَلك، لا العكسُ: أَنْ يكون ما تضمَّنه الظهيرُ الشريفُ معروضا على نُصوصِ الشريعةِ الثابتةِ، فيُردُّ الظَّهِيرُ للنصوص، ولا تردُّ النصوصُ للظهير، إلا لو كان الملكُ حاكِما على الشرع، والأمرُ بالعكس، ولو قِيل بذلك لَبَطَلت الأديان جُمْلَة، وصار المدارُ على الملك، وهو خلاف الواقع». من جواب قاضي الجماعة بفاس محمد بن عبد الرحمن العلوي المدغري (ت ١٢٩٩هـ/١٨٨٢م)، باسم السلطان الحسن الأول بعد استشارة العلماء المعنيين بالأمر، وذلك عام ١٢٩٧ هـ /١٨٨٠ م. مظاهر يقظة المغرب (١/ ٤١٤).

стр. 4

مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد، فهذا هو الكتاب الثالث من هذه السلسلة، بعد الكتاب الأول: «العلمانية، المفهوم والمظاهر والأسباب» وهو الذي جعلته طليعة للسلسلة. وقد طبع في الرباط، ونشرته جريدة «السبيل» المغربية في غشت ٢٠١١. والكتاب الثاني: «العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام». وقد طبع في المكتبة الإسلامية بمصر. أبحث في هذه الرسالة موضوعين هامين، لهما ارتباط بموضوع العلمانية: الأول: العلمانية والمذهب المالكي. والثاني: ماذا يعني تطبيق الشريعة في المذهب المالكي؟ وهما موضوعان مترابطان متداخلان يكمل أحدهما الآخر، فتطبيق الشريعة الإسلامية يعني رفض العلمانية، والعكس صحيح. ولذلك جمعت بينهما في هذه الرسالة. ولا تخفى أهمية هذين الموضوعين في إطار تعرضنا لموضوع العلمانية وبحث موضوعاتها المختلفة وتناولها من زوايا مختلفة، لعلنا نسلط الضوء على أهم جوانبها وأبرز تجلياتها، متجنبا الاشتباك مع معارضي ومخالفي، مفسحا المجال للعرض الهادئ لنصوص واضحة بينة لا لبس فيه لعلماء المذهب المالكي، الذي طالما تغنى أهل بلدنا بالدفاع عنه والإشادة به.

стр. 5

بينت في الرسالتين أن المذهب المالكي عبادة وشريعة، علاقة بين العبد وربه، وعلاقة بين العبد ومحيطه، وأنه لا حجة عند المغاربة على مر تاريخهم إلا في الشريعة، ولا مرجع إلا هي، وأنه لا يجوز التحاكم عند المالكية إلا إلى القرآن والسنة. وأن السياسة إذا لم تتقيد بالشريعة فهي مرفوضة، وأن المذهب المالكي ظل يحكم المغرب في شتى مجالات الحياة: السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلى أن جاء الاستعمار فغيَّر وبدَّل وأوقف العمل بأحكام الشريعة في عدة مجالات. وبينت كيف أن الحفاظ على الأحكام الشرعية أهم واجب على السلطان عند علماء وسلاطين المغرب. وتكلمت عن عناية السلاطين العلويين بالزكاة الشرعية وإلغاء المكوس، وإنكار المالكية لتبديل الزكاة بالضريبة، وأنه وَقَفَ خَلْفها دول غربية على رأسها فرنسا وإنجلترا. وأنها أحد أهم أسباب خلع السلطان عبد العزيز من قبل علماء مراكش وفاس. ثم بينت أن الدول التي حكمت المغرب كانت حريصة على تطبيق الشريعة ومن ضمنها الحدود الشرعية. بل إن بعض الحكام مثل يعقوب المنصور كان يقيم الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين. وظل هذا دأب الدولة العلوية الحاكمة في المغرب منذ نشأتها إلى ما قبل الحماية ودخول الاستعمار، حتى أنكر السلطان العلوي محمد بن عبد الله تبديل الحدود الشرعية بالقوانين الوضعية وقال: وذلك من المنكر الذي لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، لأنه خرق للشريعة وإبطال لأحكام القرآن.

стр. 6

وظل الخمر ممنوعا طوال تاريخ المغرب، ولم يرخص لغير اليهود والنصارى ببيعه وشربه، ولم يعرف أن الدولة المغربية أعطت ترخيصا لمسلم لبيع الخمر إلا بعد مجيء الاستعمار. كما تكلمت عن عناية الدولة العلوية بجمع الجزية من اليهود. ومناهضة علماء المالكية للبنوك الربوية. وأن الربا لم يدخل في صورة منظمة ومؤسسة إلا لما سقط المغرب فريسة للتدخلات الأجنبية، في عهد السلطان عبد العزيز. وكان إحداثه للبنك الربوي أحد أهم أسباب خلعه وتعيين السلطان عبد الحفيظ مكانه. ثم تحدثت عن علمنة القانون في تاريخ المغرب وبينت أن الظهير البربري أهم مظاهر العلمنة في المغرب. وأن المحاكم الإسلامية المعتمدة على المذهب المالكي كانت تشمل جميع المخالفات سواء كانت الأحوال الشخصية أو الجنائية أو غيرها. وأول من فصل بين القضاء الشرعي المعتمد على الشريعة والقضاء الجنائي وغيره هو المقيم العام ليوطي. وفي ظل الاحتلال والحماية الفرنسية تم إقصاء الشريعة الإسلامية وإحلال القانون العلماني الوضعي محلها. وبينت كذلك أن أهم أهداف السياسة البربرية هي: ١ - فرنسة البربر. ٢ - إخراجهم من الإسلام والقضاء على القرآن. ٣ - تنصيرهم.

стр. 7

وفي الرسالة الثانية بينت ماذا يعني تطبيق الشريعة في المذهب المالكي؟ من الناحية السياسية والإعلامية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية. ونقلت نصوص المالكية في ذلك. هذا، ولا يفتأ العلمانيون في اختراع الشبهات تجاه تطبيق الشريعة الإسلامية، واتخذوا ذرائع شتى لذلك، كان من إبرازها: اتخاذ الأقليات أداة اعتراض على حاكمية الشريعة واستعملوها ورقة ضغط وعقبة في وجهها. مع أن الشريعة ظلت تحكم خلال قرون عديدة، ولم تشكل مسألة الأقليات أية مشكلة أو عائق في وجه الشريعة. ولم تنتقص الشريعة شيئا من تدين هذه الأقليات، لأن شرائع هذه الأقليات ليس فيها فقه معاملات مدنية. فالشريعة الإسلامية ليست بديلا لشريعة مدنية نصرانية، وإنما هي بديل للقانون الوضعي العلماني الذي جاء به الغزاة القاهرون للأغلبيات والأقليات جميعا (١). فليس للنصارى تشريع قانوني يهدده تطبيق الشريعة. بل العلمانية هنا هي المذهب الند للإسلام والنصرانية معا لا النصرانية. وتطبيق الشريعة يكفل للنصارى حرية تَدَيُّن أكثر مما يكفلها لهم النظام العلماني. وبالتالي فعلى النصارى دعم تطبيق الشريعة الإسلامية بدل التخويف منها. وطالما روج العلمانيون أن العلمانية هي الحل المثالي لتجاوز التشظي المذهبي، وليست هذه إلا ذريعة لتجاوز الإسلام وقيمه وشرائعه. فهاهو لبنان الجريح مثال صارخ لتلك العلمانية البئيسة المفلسة. ولا توجد دولة تعيش حالة

стр. 8

من الاضطراب والفوضى وانعدام الأمن والتناحر السياسي بدون أدنى هدف مثل لبنان، لا يجتمع أهلها يوما إلا تفرقوا في اليوم الموالي أكثر مما كانوا قبل اتفاقهم. ولم تجلب لهم العلمانية إلا الضعف والوهن. وقد حاول العلمانيون إسكات جميع الأصوات المخالفة لهم، ولهذا أضحت أصواتهم أعلى وأكثر انتشارا على الساحة الإعلامية في مغربنا، لكن عادة الأكثر ضجيجا وغوغائية أن يكون أكثر ظهورا وبروزا والأقل استمرارية وثباتا، ومن سنة الله في خلقه أن السنابل الفارغة تكون دائما أكثر بروزا وأعلى رؤوسا، بينما السنابل الممتلئة -والتي هي أَمَلُ الفلاح البسيط المسكين- تكون منحنية وأقل ظهورا من تلك الشامخة إلى أعلى. ولن تجد لسنة الله تبديلا. ومهما استأسدوا علينا وتغطرسوا فإن لنا عزاء في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾ الرعد١٧. وقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ القصص٥. وقد حاولت في هاتين الرسالتين التركيز أكثر على السلاطين العلويين الحاكمين إلى اليوم في بلدنا لقرب العهد، ولعله يكون عبرة لأهل زماننا، مدللا على أن ما ندعو إليه ليس بدعا من الكلام ولا مذهبا استوردناه من شرق أو غرب، كما يوسوس بذلك كثير من الحريصين على مصالحهم الشخصية التي يُغَلِّفُونها بالحفاظ على الأمن الروحي للمواطنين!

стр. 9

ولهذا فأنا أتحدى مخالفينا أن يذكر لنا شيئا نتبناه أو تتبناه الحركة الإسلامية عموما ولا أصل له في مذهبنا المالكي وتطبيقاته التاريخية، بل ما ندعو له هو الأصل الذي اتفقت عليه أغلب المصادر التاريخية والفقهية المغربية. وختاما لا يخفى أن التأليف كما ذكر عدد من العلماء داخل في «علم ينتفع به»، بل هو أظهر فيه أكثر من غيره (١). ولهذا «لم أزل مولعا بالتأليف، راغبا في التصنيف، جعلته هِجِّيراي، وقطعت به دنياي، دون تقرب به لرئيس، ولو سمح فيه بمال نفيس» (٢). والله الهادي إلى الصراط المستقيم.

стр. 10

العلمانية والمذهب المالكي يولي المالكية عناية كبيرة للشريعة الإسلامية بأبوابها المتعددة، ابتداء من الصلاة وباقي الأركان الخمسة ومرورا بأحكام البيوع والزواج والطلاق وانتهاء بأحكام الجهاد. فأحكام الشريعة عند المالكية كل لا يتجزأ، ويجب الإذعان لها والامتثال لأحكامها. ومن شرط الإمام عندهم كما في تفسير القرطبي (١/ ٢٧٢) إقامة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . وقال أبو عبد الله القرطبي كذلك في تفسيره (٢/ ٩) معلقا على قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾: في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم. وقد ظلت الشريعة الإسلامية حاكمة في المغرب لقرون طويلة كما قال المؤرخ عبد السلام بن سودة الفاسي في إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث والرابع (٢/ ٤٥٥) قال: وفي ١٧ ذي الحجة موافق سادس عشر ماي سنة ١٩٣٠ صدر الظهير البربري المشؤوم الذي يرمي إلى فصل سكان المغرب المسلمين البربر عن الشريعة الإسلامية التي تطبق عليهم منذ عدة قرون.

стр. 11

وكان دأب السلاطين العلويين وسيرتهم الوقوف عند حدود الشريعة والاقتصار عليها ورد الأمر كله إليها كما قال المشرفي (١). بينما تهدف العلمانية إلى الحد من حاكمية الشريعة الإسلامية وسجنها مشلولة الحركة داخل المسجد. والعلمانية كما أسلفت في كتب سابقة لها شق عقائدي إيديولوجي، أعني موقفها من الغيب والميتافيزيقا، واعتبارها كل المفاهيم الغيبية الدينية أساطير خرافية من ثقافة القرون الوسطى. ولها شق تشريعي يتجاوز كل التشريعات الدينية كما وكيفا وفي شتى المجالات المختلفة. وكل ما سطرت في كتابي الثاني أعني «العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام» فإنه ينسحب على المذهب المالكي، لأن المذاهب الأربعة هي المذاهب الفقهية الإسلامية المشهورة، فإذا تحدثنا عن الإسلام بأحكامه وشرائعه فإننا نعني جميع المذاهب الأربعة، لأنها لا تختلف إلا في جزئيات وتفاصيل فقهية. فالعلمانية عندما ترفض مثلا الحدود الشرعية فإنها ترفض المذاهب الأربعة وتعتبرها متجاوزة لأنها اتفقت على وجوب تطبيق الحدود الشرعية والحفاظ على الشريعة، بل اعتبروها أحد الأسس التي تقوم عليها الإمارة والحكم الإسلامي.

стр. 12

وتمثل كتب النوازل والفتاوى الفقهية أهم مصدر تنعكس فيه هموم المجتمع وتطلعاته وإشكالاته. والمتأمل في كتب النوازل المغربية كنوازل العلمي والوزاني والونشريسي والبرزلي، وكلها مطبوعة، يرى بوضوح تام لا لبس فيه أن المذهب المالكي هو المصدر الوحيد المعتمد داخل التراب الوطني في حل إشكالات البيع والشراء والرهن والشركات والإيجارات والأكرية وغيرها. بل يظهر من خلالها أن المغاربة لا يعرفون أي مصدر ثان بعد المذهب المالكي في كل ما يتصل بحياتهم اليومية. فقد سجلوا عشرات التساؤلات والاستفسارات في قضايا البيع والشراء والمعاملات اليومية التي كانوا يتعاطونها. أما اليوم فقد هجر المذهب نهائيا وأقصي من الميدان تماما. بل حلت محله تشريعات وضعية لا تمت إليه بصلة. فكثير من تشريعات العقود والالتزامات مثلا مخالفة له، كما سنبين في رسالة قادمة إن شاء الله. وفي المسائل السياسية أو ما يسمى بالسياسة الشرعية أو الخلافة أو الإمارة ترى أن معتمدهم الوحيد هو المذهب المالكي. نرى هذا واضحا في كتب مثل كتاب عبد القادر الفاسي في ذلك (١)، وأحمد بن محمد الرهوني في «نصح المؤمنين بشرح قول ابن أبي زيد"والطاعة لأئمة المسلمين"» (٢) وغيرهم. وتتابعت نصوص علماء المالكية في أن الشريعة الإسلامية حاكمة على كل أحد:

стр. 13

قال ابن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٣٦٣): والواجب على الحاكم أو العالم إذا كان من أهل الاجتهاد أن يلتمس حكم الحادثة في الكتاب أو السنة. فنص على أن المرجع الوحيد للحاكم هو الكتاب والسنة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله تعالى ويؤدي الأمانة فإذا فعل حق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا (١). وقال الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٨٥٣): فاعلموا أن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم، مطيعهم وعاصيهم، برهم وفاجرهم، لم يختص بالحجة بها أحدا دون أحد، وكذلك سائر الشرائع إنما وضعت لتكون حجة على جميع الأمم التي تنزل فيهم تلك الشريعة، حتى إن حملة شريعة المرسلين بها صلوات الله عليهم داخلون تحت أحكامها. فلا حجة إلا في الشريعة كما قرر هذا الإمام المالكي. وقال (٢/ ٨٥٥): وإذا كان كذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة عليهم ومنارا يهتدون بها إلى الحق. وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامها والعمل بها قولا واعتقادا وعملا، لا بحسب عقولهم فقط ولا بحسب شرفهم في قومهم فقط. لأن الله تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غيرها لقوله تعالى: ِ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فمن كان أشد محافظة على اتباع الشريعة فهو أولى بالشرف والكرم،

стр. 14

ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف مبلغ الأعلى في اتباعها. فالشرف إذا إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة. وقال المشرفي عن المولى محمد بن عبد الرحمن: بانيا أمره على الشريعة لا يحيد عنها طرفة عين (١). وقد حافظ المغرب طيلة عهوده الإسلامية على إقليمية القضاء وإقليمية التشريع، فكانت المحكمة الشرعية هي القضاء الوحيد الذي يرجع إليه المتقاضون من أي جنس كانوا وأي دين كانوا. كما يقول علال الفاسي في «دفاع عن الشريعة الإسلامية» (١٢). وقال (١٥٧ - ١٥٨): إن المغرب قبل الحماية كان يملك جهازا قضائيا كامل النظام والصلاحية وإن لم يكن متمتعا ببعض مظاهر التنظيمات العصرية، وكانت الشريعة الإسلامية هي المرجع الذي تؤول إليه كل القضايا. والقاضي الشرعي هو الذي يتولى الحكم في المسائل المدنية والجنائية وفي نظام الأسرة كذلك. ولكن الحماية الفرنسية بمجرد انتصابها حدت من اختصاصات المحاكم الشرعية، وحولت قسما منها إلى ما سمته بالمحاكم الفرنسية المغربية ... (٢) وجاء في بيان المؤتمر الثاني لجمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية المنعقد بمراكش أيام ١٤ - ١٥ - ١٦ جمادى الأولى ١٣٩٦ هـ موافق ١٤ - ١٥ - ١٦ ماي ١٩٧٦ م التأكيد على ما يلي (٣):

стр. 15

- جعل التشريع المغربي تشريعا إسلاميا مستمدا من أطر الإسلام وقواعده والأعراف المغربية الأصيلة. - مراقبة الإعلام المغربي مراقبة صارمة وخاصة الأفلام الخليعة التي تتنافى مع حشمة المسلم وتجرح كرامته ووقاره. - الأخذ بمشورة العلماء ورأيهم في القضايا الوطنية وتمثيلهم الكامل في كل المؤسسات والمجالس التمثيلية باعتبارهم أهل الحل والعقد في الأمة. - إصلاح هياكل التعليم من القاعدة إلى القمة في قالب الأصالة الإسلامية وتطهير الكتاب المدرسي من الجراثيم التي تفتك بناشئتنا والاهتمام باختيار المدرس والأستاذ. - اعتماد شرائع الله أساسا لحالتنا ودستورا لأخلاقنا حكما وسلوكا وإدارة، ورد كل أمورنا إليها. - تنظيم الاقتصاد وفق أسس إسلامية وتحرير موارده وجعله سلاحا في ساحة الجهاد المقدس لتخليص المسلمين من التبعية والوقوع في المعاملات الربوية. فهذه توصيات هامة من علماء مغاربة تتوافق مع ما نؤكد عليه من أفكار في هذه السلسلة. ومن تعظيم المالكية لأحكام الشريعة وأصولها إجماعهم على تكفير من أنكر الفرائض الشرعية مستحلا لذلك:

стр. 16

قال القرطبي المالكي في تفسيره (٨/ ٧٤): وقال ابن العربي: ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر، ومن ترك السنن متهاونا فسق ... واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال، فروى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت ابن وهب يقول قال مالك: من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى أن يصلي قتل. وقال ابن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري (٨/ ٥٧٧ - ٥٧٨): وأجمع العلماء أن من نصب الحرب في منع فريضة، أو منع حقا يجب عليه لآدمي أنه يجب قتاله، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر. قال ابن القصار: وأما الصلاة فإن مذهب الجماعة أن من تركها عامدا جاحدا لها فحكمه حكم المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك جحد سائر الفرائض، وإنما اختلفوا فيمن تركها لغير عذر غير جاحد لها. فهذه نصوص مالكية واضحة في أن من أنكر واجبا من الواجبات الظاهرة كافر ومن تركها تهاونا فاسق (١). وقال القاضي عياض في إكمال المعلم شرح صحيح مسلم (١/ ٢٣٨): ولا خلاف في جاحد فرض من هذه الفرائض أنه كافر. يقصد: الزكاة والصيّام والحج والوضوء والغسل. وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٦/ ٣٩٤): أما من جحد فرض الوضوء والصلاة والزكاة أو الصيام أو الحج أو استحل شرب الخمر أو الزنا أو غصب الأموال أو جحد سورة أو آية من القرآن أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف

стр. 17

في أنه كافر، وإن قال إنه مؤمن. فيعلم أنه في ذلك كاذب، للإجماع المنعقد على أن ذلك لا يكون إلا من كافر، وإن لم يكن شيء من ذلك في نفسه كفراً على الحقيقة، وأما من أقر بفرض الصلاة والصيام والوضوء وأبى من فعل ذلك وهو قادر عليه فقول مالك في هذه الرواية: إنه يستتاب في ذلك كله، فإن أبى في شيء منه أن يفعله قتل يدل على أنه يقتل على الكفر، فيكون ماله لجماعة المسلمين كالمرتد إذا قتل على ردته لأنه وإن لم يكن نفس الترك لشيء من ذلك كله كفراً على الحقيقة فإنه يدل على الكفر، ولا يصدق من قال في شيء من ذلك كله إنه مؤمن بوجوبه عليه إذا أبى أن يفعله، فحكمه حكم الزنديق الذي يقتل على الكفر. انتهى. ولا يفوتني هنا التنبيه على أن التكفير أمره خطير، وله شروط، وتمنع منه موانع. ولا يجوز أن يتكلم فيه إلا أهل العلم العالمين بالشريعة. المذهب المالكي عبادة وشريعة . المتأمل لكتب المذهب المالكي يجد أن مباحثها غطت كافة أبواب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ولم يترك المالكية بابا إلا بحثوه ولا حكما إلا طرحوه وأوضحوا فيه حكم الشرع وبينوه. وإذا تأملنا مثلا كتاب الموطأ سنجد أنه يتضمن الأبواب التالية: الصلاة. الطهارة. الجنائز. الزكاة. الصيام. الحج. الجهاد. النذور والأيمان. الضحايا. الذبائح. الصيد. العقيقة. الفرائض. النكاح. الطلاق. الرضاع. البيوع. القراض. المساقاة. كراء الأراضي. الشفعة. الأقضية. الوصية. العتق والولاء. المكاتب. المدبر. الحدود. الأشربة. العقول. القسامة. الجامع. القدر. حسن

стр. 18

الخلق. اللباس. صفة النبي ﷺ . العين. الشعر. الرؤيا. السلام. الاستئذان. البيعة. الكلام. جهنم. الصدقة. العلم. دعوة المظلوم. أسماء النبي ﷺ . فهذه أبواب موطأ مالك ﵀، والملاحظ أنها شملت كل الحياة وما يتعلق بها من تفاصيل، وليس كما يقول العلمانيون: الدين مكانه المسجد. وهذه أبواب المدونة الكبرى: الوضوء. الصلاة. الجنائز. الصيام. الزكاة. الحج. الصيد. الذبائح. الضحايا. العقيقة. النذور. الطلاق. النكاح. المواريث. الصرف. السلم. الآجال. البيوع الفاسدة. البيعان بالخيار. المرابحة. الغرر. الوكالات. العرايا. التجارة إلى أرض العدو. التدليس بالعيوب. الصلح. تضمين الصناع. الجعل والإجارة. كراء الرواحل والدواب. كراء الدور والأرضين. المساقاة. الجوائح. الشركة. القراض. الأقضية. القضاء. الشهادات. الدعوى. المديان. التفليس. المأذون له في التجارة. الكفالة. والحمالة. الحوالة. الرهن. الغصب. الاستحقاق. الشفعة. الوصايا. الهبات. الحبس والصدقة. الوديعة. العارية. اللقطة والضوال. الآبق. حريم الآبار. الحدود في الزنا والقذف. الرجم. الأشربة. السرقة. المحاربون. الجراحات. الجنايات. الديات. وهذه أبواب كتاب النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني: الطهارة. الصلاة. الجنائز. الصوم. الزكاة. الحج. الجهاد. السبق. الرمي. الأيمان. النذور. النكاح. الاستبراء. الصرف. البيوع. الجعل. الإجارة. المغارسة. القضاء. الشهادات. الدعوى. البينات. الإقرار. المديان. التفليس. إحياء الموات. الكلأ. الوصايا. الحبس. الأيمان بالعتق. المدبر. الدماء. المرتدون.

стр. 19

فكل ما يتعلق بالحياة العامة سواء في التجارة أو الأكرية أو البيع والشراء والرهن أو أحكام الصناعة والشركة والهبة والإفلاس والوكالة والكفالة والحوالة كتحويل الديون بالشيكات ونحوها والقضاء والشهادة ونحو ذلك خصص لها المالكية بحوثا مطولة وتفصيلات مسهبة، فيما بحثوا أحكام السياسة والإمارة في كتب خاصة. إنها منظومة قانونية وتشريعية شاملة لكافة مجالات الحياة البشرية وليست خاصة بالمسجد كما يقول العلمانيون. إنكار المالكية للحرية بمفهومها العلماني: نقف مع نصين هامين يبرزان وعيا واضحا لعلماء المغرب لمسألة هي لب العلمانية وجوهرها: الحرية المطلقة. التي تهدف إلى التحرر من الأديان والثوابت والأعراف الاجتماعية والمطلقات: طرحت إشكالية «حرية العقيدة في المغرب» من طرف اليهودي الإنجليزي السير موسى مونتفيوري، إذ وفد على المغرب عام ١٢٨٠/ ١٨٦٤، وحظي بمقابلة السلطان محمد الرابع وطلب منه الحرية ليهود المغرب. فبحث المسألةَ العلامةُ الناصري في الاستقصا (٣/ ١١٤ - ١١٥) وانتقد بشدة الحرية المطلقة التي تهدف إلى التحرر من جميع الضوابط وتتجاوز الأديان والأعراف. قال: واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعا لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسا. أما إسقاطها لحقوق الله فإن الله تعالى أوجب على تارك الصلاة والصوم وعلى شارب الخمر وعلى الزاني طائعا حدودا معلومة، والحرية تقتضي إسقاط ذلك كما لا يخفى. وأما إسقاطها لحقوق الوالدين فلأنهم خذلهم

стр. 20

الله يقولون إن الولد الحدث إذا وصل إلى حد البلوغ والبنت البكر إذا بلغت سن العشرين مثلا يفعلان بأنفسهما ما شاءا، ولا كلام للوالدين فضلا عن الأقارب، فضلا عن الحاكم، ونحن نعلم أن الأب يسخطه ما يرى من ولده أو بنته من الأمور التي تهتك المروءة وتزري بالعرض سيما إذا كان من ذوي البيوتات. فارتكاب ذلك على عينه مع منعه من الكلام فيه موجب للعقوق ومسقط لحقه من البرور. وأما إسقاطها لحقوق الإنسانية فإن الله تعالى لما خلق الإنسان كرمه وشرفه بالعقل الذي يعقله عن الوقوع في الرذائل ويبعثه على الاتصاف بالفضائل وبذلك تميز عما عداه من الحيوان. وضابط الحرية عندهم لا يوجب مراعاة هذه الأمور بل يبيح للإنسان أن يتعاطى ما ينفر عنه الطبع وتأباه الغريزة الإنسانية من التظاهر بالفحش والزنى وغير ذلك إن شاء، لأنه مالك أمر نفسه، فلا يلزم أن يتقيد بقيد. ولا فرق بينه وبين البهيمة المرسلة إلا في شيء واحد هو إعطاء الحق لإنسان آخر مثله فلا يجوز له أن يظلمه وما عدا ذلك فلا سبيل لأحد على إلزامه إياه. وهذا واضح البطلان، لأن الله تعالى حكيم وما ميز الإنسان بالعقل إلا ليحمِّله هذه التكاليف الشرعية من معرفة خالقه وبارئه والخضوع له لتكون له بها المنزلة عند الله في العقبى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الأحزاب ٧٢ الآية. واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبينها رسول الله ﷺ لأمته وحررها الفقهاء ﵃ في باب الحجر من كتبهم فراجع ذلك وتفهمه ترشد، وبالله التوفيق. انتهى (١). فالحرية يجب أن تضبط بضوابط الشريعة، والحرية المطلقة بمفهومها الغربي من وضع الزنادقة كما قال هذا العلامة المغربي.

стр. 21

فنعم للحرية المنضبطة كما تهتف الشعوب العربية في ربيعها العربي ردا على القمع والدكتاتورية والحكم المطلق، ولا للحرية المطلقة التي من ضمنها التحرر من الأديان والأخلاق والمطلقات. وبعد أزمة ١٨٦٠ بدأت الاقتراحات الأجنبية حول الحرية الدينية بالمغرب، ومن ذلك مذكرة بشأن حرية العقيدة في المغرب، قدمها الكاردينال نينا كاتب الدولة في الفاتيكان إلى مؤتمر مدريد ١٢٩٧/ ١٨٨٠، فبعث بها أعضاء المؤتمر إلى السلطان الحسن الأول حيث عرضها على قاضي فاس محمد بن عبد الرحمن العلوي المدغري ت ١٢٩٩/ ١٨٨٢، وعهد إليه بتحرير جواب المذكرة، فكتبه القاضي بعد استشارة العلماء المعنيين بالأمر، وكان من فصول الجواب: فحرية الأديان بالمعنى المعروف عند من قال بها والحالة المقررة الشهيرة عند أربابها: خارجة عن الدين بالدليل والبرهان، مضادة له كما لا يختلف فيه اثنان فلا سبيل إلى العمل بها وإلا بطلت الشريعة ولم يبق تعويل عليها (١). وهذا رأي يلتقي تماما مع رأي الناصري المتقدم. وهذا نص الجواب كاملا (٢): الحمد لله، اجتمع أجناس النصارى، وكتبوا كتابا أجابهم عنه قاضي الجماعة مولانا محمد عام ١٢٩٧هـ، ونص الجواب:

стр. 22

وبعد: فقد وصل كتابكم صحبة خديمنا باركاش، ووقع منا بالبال ما تضمنه من أن البابَّص (١) الكبير يطلب إجراء حرية الأديان في المغرب. وإن حضرة والدنا السلطان سيدي محمد أعطى دلائل كثيرة من سماحته وإحسانه للرعايا غير المسلمين عام كذا وكذا، وأنعم بكتاب التحرير عام كذا على موشي، وفي هذا الكتاب توضيح أن جميع رعية المغرب تكون لهم المساواة أمام الشريعة، بحيث لا يقع لأحد منهم ظلم في نفس ولا مال. وأن الظهير المذكور أبطل كثيرا من الأوامر عن غير المسلمين. لكن إلى الآن لم تبطل بتمامها، إذ لا زال البعض منها يستعمل في بعض الأماكن داخل الإيالة، فلم يحصل لهم حرية التصرف في دينهم، فخولف المقصود من الظهير الشريف والقاعدة العامة، وهي مساواة جميع الرعية في الحقوق وأمام الشريعة. وأن السلطان العثماني وافق على ذلك، وكتبه في شريعة بلاده عام كذا، وأثبته من بعده عام كذا، مع أنه -لا شك- موافق مع الدين المحمدي. وأنكم طامعون في جانبنا أن نكون لغير المسلمين كالسلطان العثماني، إذ لا يمكن الواجب إلا بذلك، وتنتظرون ما يصدر في الأمرين: الأول: جميع المستقرين ـ الآن ـ في المغرب وفيما يستقبل: لهم اتباع دينهم بلا تعرض.

стр. 23

الثاني: وقوع الإذن من الدولة أن تكون نصوص الشريعة الثابتة في المغرب جارية على مقتضى نص الكتاب الشريف وحينئذ لا يكون فرق أمام الشريعة بين الرعية المسلمين وغيرهم، ولا يكلف اليهود بتلك الأمور، ولا يمنعون من الحقوق السياسية، وتكون لهم الحرية في جميع الأشغال كغيرهم من المسلمين، وأنه إن وقع ذلك يظهر نفعه للكرسي الشريف وإيالته، ويفتح بذلك باب جديد من السعادة، إلى آخره. فاعلموا أن ما ذكرتم من أن والدنا المقدس أعطى دلائل كثيرة من سماحته وإحسانه لغير المسلمين، وأنكم طامعون أن يكون لكم حرص على ذلك، مثل ما طلبه البابص الكبير من إجراء حرية الأديان في المغرب: هو في هذا الوقت متعسر بل متعذر، وقد عرضنا ذلك على أعيان الدولة: علماء ديننا فنفروا منه وأنفوه، إذ لم يعتادوه في دينهم ولا عرفوه، وقالوا إن العمل بذلك على الإطلاق، يؤدي إلى كثرة الفتن والهرج والشقاق. واحتجوا بأن الأمر الشائع المشهور، المقرر لدى الخاصة والجمهور، أن دين الإسلامية (١): الأمة المحمدية منقول بالسند الصحيح المتواتر، من أوله إلى الآن رواية الأكابر عن الأكابر، خصوصية تفضل بها الحق سبحانه حسبما اقتضته حكمته، وأبرزته عن سابق علمه وإرادته وقدرته، يريد به كتابه القرآن العظيم، الذي ﴿لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت٤٢]، تكفل الله به فهو محفوظ على ممر الأزمان، لا يلحقه تبديل ولا تغيير ولا يطرق ساحته بهتان.

стр. 24

وعليه فحرية الأديان بالمعنى المعروف عند من قال بها، والحالة المقررة الشهيرة عند أربابها، خارجة عن الدين بالدليل والبرهان، مضادة له كما لا يختلف فيه اثنان، فلا سبيل إلى العمل بها، وإلا تبطلت الشريعة ولم يبق تعويل عليها. وما ذكرتم من أن السلطان العثماني وافق على ذلك وأثبته من بعده، وأن السلطان سيدي محمد أنعم على موشي بكتاب التحرير: أجابوا عنه بأن ذلك ـ على فرض وجوده وصحته ـ لا يلزم الأمة، لما تقرر من أن المدار على ما ثبت بطريقته المعلومة وخصوصيته، والأمر في هذا بخلاف ذلك، فلا سبيل إلى العمل بما هنالك. وأيضا قد تقرر أن من قواعد دين الإسلام، وأركانه الشهيرة عند الخاص والعام، أن العلماء حكام على الملوك، والأمراء حكام على الناس، فتصرفات الملوك تعرض على الشرع، فما وافقه منها يقبل ويعتمد، وما لا فلا، إذ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، كما ورد، على أن كتاب التحرير المشار إليه ـ إن لم يصرح فيه بشيء خاص ـ يمكن حمله على التحرير من أمور العمل بها غير مناف للدين، ولا خارج عن سنن المهتدين. ومما تواتر واشتهر بين الناس، أنكم معاشر الأجناس، لا تسعون في هدم قاعدة لإصلاح أخرى، ولا توافقون على ذلك، إنما المسموع عنكم المذكور، سيما عند صدور هذا الجمع المشهور، أنكم تحافظون على إبقاء كل دين على قواعده الأصلية، وسير أهله على شروطه المقررة المرعية، إذ بذلك يكمل التوافق ويقع الانتظام ويقل الهرج في الأقطار بين الأنام.

стр. 25

وأما ما ذكرتم من أن حضرة والدنا المقدس أعطى دلائل كثيرة من سماحته وإحسانه لغير المسلمين، وأنكم طامعون في جانبنا أن يكون لنا حرص على ذلك مثل العثماني، فالأمر كما حكيتم وطمعتم، إذ لا نحب لهؤلاء إلا الخير التام، والإحسان العام، وعلى ذلك كان عملنا معهم فيما فات من الزمان، وعليه يكون عملنا فيما يأتي، بل نريد معهم في الخير بحول الله على ما كان، فنظرتكم فيهم ووصيتكم عليهم تراعى ولا تهمل. غير أن ذلك يناسب أن يكون فيما لا يتفاقم فيه الأمر، أما إن أحدث على الرعية الأمر الذي لا يألفوه فيرد ولا يقبل، والتأني في الأمور ومباشرتها بالرفق، هو مجمع الخير، وضده: في العجلة والخرق. وأما أمر المساواة أمام الشريعة فإن كان المراد من ذلك التسوية أمام الشريعة بحيث لا يفضل أحد أيا كان على واحد، ولا يلحق البعض من البعض ظلم ولا جور: فهذا أمر جاءت به شريعة الإسلام، ولم يزل معمولا به من أول الإسلام حتى الآن، فمن خالفه حاد عن الحق وتعرض للملام، وإن كان المراد غير ذلك من أوجه التسوية كتناكح أو شهادة أو لباس أو مركب أو غير ذلك، فهذا أمر فيه بيننا وبينهم شروط ـ من ابتداء عقد الذمة من خليفة نبينا سيدنا عمر ﵁ ثابتة الدعائم محكمة الربط (١)، لا يمكن أن يفعل فيها ما يخالف الدين، وإلا كان فاعله في ديننا من الملحدين، وعلى ذلك كان لهم السكنى معنا والاستقرار، والمعاملة والمخالطة في الأسواق والطرق والديار. وما ظلم من أبقى ما كان واتبع، وإنما الظالم من خالف ما كان وابتدع.

стр. 26

وأما ما يتعلق بالرواتب وإنها لازالت لم تبطل بتمامها، وإن البعض منها لا زال: فجوابه أن من يستعمل منهم أيا كان في أمر كيف ما كان، فإنما يستعمل بأجرته وعن طيب نفسه، وحيث كان الأمر كذلك فلا معنى للتشكي به، ولا للتظلم بما هنالك، فالسير مع جميعهم: اليهود المراكشية وغيرهم على مقتضى الحق والعدل وهو أصل شريعتنا، وعليه عمل أهل ملتنا، وإن وقع لأحد خلاف ذلك فمن غير شعور منا، ولو رفع ذلك إلينا لأنكرناه ورددناه، وما أقررناه. بل جل اليهود في هذه الأزمنة هم الذين خرجوا عن طورهم، وصاروا يتطاولون على المسلمين بالقول والفعل، فرفعوا أنفسهم فوق قدرهم، وأكثروا من التعامل بالأموال الكثيرة مع الأخلاط من غير تمييز بين من يصلح لذلك ومن لا، مع أن التمييز هو حق ذوي التثبت والاحتياط، وزادوا أنهم كثيرا ما يعاملون من ليس بذي درهم فضلا عن دينار، فإذا حل الأجل أتوا بكتاب حميتهم الخاصة ظنا منهم أنهم مظلومون، فيفعل ذلك تقليلا للهرج، وميلا لحسن الجوار، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى اقتضائه من بريء لكونه قريب المدين في القبيلة والدار، وكنا بصدد شرح هذا الأمر لكم، لعلمنا أنكم لا توافقون عليه عند مراجعتكم، واجتماعكم في ناديكم، لما فيه من الظلم الكثير، والفساد الكبير، إذ ما بين المسلمين واليهود في ذلك إلا سلوك طريق شرعنا، والمعسر أنظره الله كما هو ثابت بنص كتابنا، على أن ذلك مضرٌّ بهم في الحال والمآل. أما الأول فلكون الذي أخذ منه ذلك وهو بريء قضاء عن غيره، ربما أوقع باليهودي رب الدين مكروها: قتلا أو غيره على وجه لا يشعر به أحدا، وقد وقع شيء من ذلك وشاهدوه، وها هم بين أظهركم يخبرونكم بذلك إن لم يكتموه ويجحدوه.

стр. 27

وأما في المآل فلأن المغرب كثير التقلبات، فإذا وقعت فترة أوقع البعض بالبعض منهم ما لا يليق من فظيع التصرفات، ومرادنا نفعهم وإرشادهم لحسن الجوار مع المسلمين، ليكونوا بخير معهم فيما يحدث وما يأت، كما كانوا كذلك فيما مضى وفات، وهذا أمر ضروري لا ينكره عاقل، فضلا عن فاضل. وبالجملة لو أطلعتم كل الاطلاع على ما يدافع عنهم المخزن ويقاسيه في شأنهم لعذرتم من يحاول أمرهم، وتعجبتم من فعلهم، ولا يعرف حق النعمة إلا عند فقدها، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها. وقول الكتاب إنهم ليست لهم حرية التصرف في دينهم، وهاهم في كنائسهم في مواضع سكناهم يفعلون ما أرادوا، ولم نسمع أن أحدا قط تعرض لهم في أمر دينهم: أعيادهم وأنكحتهم ومعاملتهم مما عوهدوا على عدم التعرض لهم فيه، ولا مشوش عليهم في شيء من ذلك. نعم إن كان المقصود رفاهية خاصة عوهدوا على تركها، فهذه في إحداثها ضرر، إذ ذاك يؤدي إلى التفاقم وكثرة الهرج في الرعية، وهم بأنفسهم يعترفون بذلك إن صدقوا الله وأحسنوا الطوية، ولا حيف ولا عار على أحد في حمله على سبيله المعروف، وشكله المعتاد له المألوف، إنما الحيف والعار في إحداث ما لم يعهد، والإقدام على قواعد مؤسسة من قديم بالنقض والهد، وترك كل قوم في مثل هذا وما اعتادوه: هو أولى، بل الواجب في باب السياسة الذي ينبغي اعتماده. وقول الكتاب: يقع الإذن من الدولة إلى آخره. جوابه: إن الجاري على ما تقدم من أن من قواعد ديننا أن العالم حاكم على الملك لا العكس: أن يكون ما

стр. 28

تضمنه الظهير الشريف معروضا على نصوص الشريعة الثابتة، فيرد الظهير للنصوص، ولا ترد النصوص للظهير إلا لو كان الملك حاكما على الشرع، والأمر بالعكس، ولو قيل بذلك لبطلت الأديان جملة، وصار المدار على الملك، وهو خلاف الواقع. وبالجملة فالمعهود منكم والمنقول بالتواتر عنكم أنكم تتأملون حق التأمل في النوازل، ولا تسرعوا ولا تعجلوا في أمر حتى تبحثوا ويتبين الحق من الباطل. وهذا شأن كل من يتولى بين الناس أمر الفصال، لابد أن يسمع من الجانبين، ثم يتأمل الجواب بعد تأمل الدعوى والمقال، فيرجح (١) حينئذ ما قواه الدليل والبرهان، ويلغي ما ظهرـ بالنظر الصحيح ـ تلاشيه وبان. وهاهي النازلة والدعوى وجوابها بيد ناقد بصير، فليبالغ في التأمل والتحرير. انتهى. وهو نص جلي واضح في أن الحرية بمفهومها العلماني تعارض أصول الشريعة وفروعها. ولي عودة لهذا الموضوع في بحث قادم إن شاء الله تعالى. وفي مشروع أول دستور في المغرب الذي اقترحه علي زنيبر ما نصه: لا مجال في المغرب للحريات التي تقضي على المروءة وتفضي إلى ما لا تحمد عقباه (٢).

стр. 29

السياسة إذا لم تتقيد بالشريعة فهي مرفوضة: هكذا قرر العلامة المالكي ابن خلدون ﵀ في كلام طويل قسم فيه الحكم إلى ملك وسياسة وخلافة ننقله بتمامه لأهميته: قال ابن خلدون في المقدمة في الفصل الخامس والعشرون في معنى الخلافة والإمامة (١/ ٩٦): لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم، لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد من الخلف والسلف منهم، فتعسر طاعته لذلك، وتجيء العصبية المفضية إلى الهرج والقتل. فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم. وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها، ولا يتم استيلاؤها: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾. فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية، وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء، والله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا

стр. 30

تُرْجَعُونَ﴾، فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم ... ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة، حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني، فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطاً بنظر الشارع. فما كان منه بمقتضى القهر والتغلب وإهمال القوة العصبية في مرعاها فجور وعدوان ومذموم عنده كما هو مقتضى الحكمة السياسية. وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضاً، لأنه نظر بغير نور الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أمور آخرتهم، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم، من ملك أو غيره، قال ﷺ : «إنما هي أعمالكم ترد عليكم» (١)، وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط. ... ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ومقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم. وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء. فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة، وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على

стр. 31

مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به. فافهم ذلك واعتبره فيما نورده عليك، من بعد. والله الحكيم العليم. انتهى. تضمن كلام ابن خلدون التنصيص على أمور هامة نجملها في النقاط التالية: - إن السياسة العقلية -أو لنقل العلمانية- هَمُّها المصلحة الدنيوية المحضة. - في حين الخلافة الشرعية تجمع بين المصالح الدنيوية والأخروية، لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أمور دنياهم وآخرتهم. - مقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم. وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء. فاتضح أن السياسة ركن أصيل من الدين الإسلامي. ولا قوام للدين إلا بسياسة شرعية رشيدة. وقد ظل المزج بينهما جزءا لا يتجزأ من تاريخنا المغربي حتى بداية القرن العشرين، لما جاء الاستعمار وفرض حمايته على المغرب، وحاول نسخ أحكام الشريعة التي ظلت تحكم لقرون وأبدلها بقوانينه وتشريعاته الخاصة. فمتى وكيف حدث ذلك؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عليه في الفقرات التالية.

стр. 32

توقيف العمل بأحكام الشريعة في المغرب الحفاظ على الأحكام الشرعية أهم واجب على السلطان عند علماء وسلاطين المغرب: إن سيرة الملوك عبر التاريخ المغربي منذ الفتح الإسلامي كانت قائمة على تعظيم شعائر الدين ورعاية حرماته والحفاظ على الشريعة كما أكد على ذلك مؤرخ الدولة العلوية عبد الرحمن بن زيدان (١). وقال: وإن أعظم واجب على السلطان القيام بحفظ الدين ووظائفه الشرعية حتى لا تزول عن أوضاعها. وأن وظيفة الملك قد علم بالضرورة أنها هي حراسة الدين لحماية الناموس. والأوائل لا يسمون بالملك إلا من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره، وأما من أعرض عن ذلك فيسمونه متغلبا ولا يؤهلونه لاسم الملك ... إلى آخره (٢). وقال عن إقامة الدين على الحكام: من أخص واجباتهم وأول فروضهم المحتم عليهم قبل غيرهم إنجازها وأداؤها (٣). ولا زال هذا ديدن حكام المغرب منذ أقدم العصور، كما أكد محمد المكي الناصري وزاد: إن جميع الحكومات التي توالت على المغرب الأقصى منذ عرف الإسلام، إنما كانت حكومات إسلامية عريقة في التدين حريصة على تطبيق

стр. 33

الشريعة ويثبتون فوق أن القوانين الإسلامية والثقافة الإسلامية هي التي سيطرت على المغرب الأقصى وكيفت تقاليده ومجتمعه، وهيمنت على جميع الروابط والعلاقات بين سكانه المسلمين حتى انمحى من الغرب الإسلامي كل شيء يخالف الإسلام، عقيدة وشريعة (١). وهذا السلطان محمد بن عبد الله يقول: ومن خالف الشرع أو حكم بغير ما أنزل الله أو رضي بذلك فحسابه على الله. قال الله سبحانه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). ولما قدَّم المقيم العام غابريال بيو في ٢٤/ ٠٧/١٩٤٥ ظهيرا لمحمد الخامس في شأن مصادرة الأرباح غير القانونية، رفضه السلطان معللا الرفض بكونه ماسا بالشريعة الإسلامية (٣). وكتب السلطان محمد بن عبد الرحمن العلوي بتاريخ ١٠ صفر عام ١٢٨٩ لمحمد بركاش: فلا يخفى أن هذه الدعاوى من قبيل دعاوى المعاملات،

стр. 34

وهي شرعية الحكم فيها إنما هو بالشريعة المحمدية كما هو مصرح به في الشروط (١). وكتب السلطان المولى إسماعيل العلوي (ت ١١٣٩) لملك إسبانيا دون كراوس: لا نقدر نخالف شريعتنا التي هي أساس ديننا (٢). وكان هذا السلطان يعاقب كل من ظهرت منه مخالفة الشعائر الإسلامية أو مروق من الدين (٣). وكان يخطب الجمعة في المساجد (٤)، وكان يكتب لملوك فرنسا وانجلترا وغيرهم يدعوهم للإسلام (٥). فالسلطان في المغرب باعتباره أميرا للمؤمنين أهم وظيفة من وظائفه هي إقرار الشريعة الإسلامية وحماية العقيدة. ولهذا فهو الذي يعين القضاة الذين يحكمون بالمذهب المالكي، ويعين المحتسبين الذين يراقبون الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ويحرصون على سيرها وفق أصول المذهب وفروعه. ويعين المفتين وهكذا. كما يتجلى دور السلطان هذا في سهره على توسيع دائرة الشرع وتقليص رقعة العرف المنافي لأحكام الدين. ومن هذا المنظور يمكن أن نعتبر الحركات

стр. 35

المخزنية الهادفة إلى إخضاع القبائل الجبلية المتمردة كمحاولة مستمرة لفرض الشريعة على حساب عرف الجاهلية. ولذلك اعتبر المولى سليمان إخضاع القبائل الجبلية العامية واجبا دينيا في المقام الأول، بل إنه اعتبر ذلك جهادا وواجبا لا يختلف عن الجهاد ضد الكفار (١). وذكر من صور ذلك الإبقاء على فريضة الجهاد ضد المحتلين وافتداء الأسرى المسلمين. ومن واجبهم كذلك «إصرارهم على أن لا تتعارض الاتفاقيات التي يعقدونها مع القوى المسيحية مع مبادئ الشريعة، ويتجلى هذا مثلا في إلحاحهم على أن تعرض الخلافات التي تنشأ بين المسلمين والمسيحيين على أنظار القضاة ليتم الفصل فيها حسب مقتضيات الشرع» (٢). وبالجملة يتجلى واضحا لكل متتبع لتاريخ المغرب وتاريخ سلاطينه أنه لا سلطة فوق الشريعة الإسلامية مطلقا، والسلطان هو القاضي الأعلى لا يفصل في أمر دون أن يكون له سند من الشريعة، التي كان لها القول الفصل في كل الأمور، حتى علاقة السلطان الشخصية مع غيره في المعاملات إن حصل فيها إشكال كانت ترجع إلى القضاء الشرعي (٣).

стр. 36

من صور ذلك في تاريخنا: رد القاضي محمد بن بشير شهادة أمير في قضية عرضت عليه (١). وفي تاريخ الدولة العلوية أن المولى عبد الرحمن بن هشام تقاضى مع ورثة من الصويرة عند القاضي مولاي عبد الهادي الشريف العلوي أي من نفس أسرة السلطان، وكان السلطان أقرضهم مالا لما كان خليفة بالمدينة، فحكم عليه القاضي بأداء اليمين وعلى الورثة بدفع المال (٢). ولم يعرف قضاة المغرب طوال القرون السالفة إلا المذهب المالكي مرجعا وحيدا للأحكام حتى جاء الاستعمار وفعل ما فعل، مما يزال مستمرا حتى الآن. وكان السلطان محمد بن عبد الله يأمر بالعمل في مسائل المعاملات وغيرها بمشهور مذهب مالك (٣). وقد اشتد إنكاره على القضاة الذين يستندون إلى فتاوى متأخري المالكية وكتبهم دون كتب المتقدمين. وأنه يجب عزل من يعلم منه ذلك (٤). فما بالك إذا صار القضاة يحكمون بقوانين وضعية مخالفة للمذهب المالكي، بل للمذاهب الفقهية الإسلامية قاطبة؟ وهذا السلطان العلوي المولى الحسن الأول، في ظهير له بتاريخ ٢ ربيع الثاني ١٢٩٢ بتعيين أحمد بنسودة المري قاضيا، جاء فيه: وأسندنا له النظر في

стр. 37

فصل الخصوم وتصفح الرسوم والحكم بمشهور مذهب الإمام مالك ﵁ أو ما به العمل (١). وكرر نفس الشيء في تولية قضاة طنجة ومكناس (٢). فالحفاظ على الشريعة وأحكامها المختلفة من عقيدة وعبادة وشريعة والذب عنها أهم واجب على الحاكم، ولهذا السبب يلقب بأمير المؤمنين، وقد كتب السلطان العلوي المولى سليمان يقول: الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد، فإن الإمام الذي يصلح أن يكون مالكا لأمور المسلمين وخليفة عن رب العالمين من شروطه: المحافظة على

стр. 38

الصلوات في أوقاتها في الجماعة، ومن شروطه أن يجتنب المحرمات الموبقات من سفك الدماء وشرب الخمور وفعل الزنا، ومن شروطه أن يحمي حرمات الله وحرمات المسلمين ويعظم ما عظم الله، ويرحم الضعفاء ويصل ما أمر الله بوصله، ويقطع ما أمر الله بقطعه، ومن شروطه ألا يتعامى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد إن قدر عليه، ثم باللسان ثم بالقلب، وذلك أضعف الإيمان (١). فهذا نص واضح من سلطان علوي كبير في شروط الإمام والحاكم الذي يحكم المسلمين والخصال التي يجب أن يتحلى بها. فاشترط له المحافظة على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، واجتناب المحرمات كسفك الدماء وشرب الخمور وفعل الزنا، وحماية حرمات الله وحرمات المسلمين وتعظيم ما عظم الله، وغير ذلك. وقال السلطان محمد بن عبد الله: فيجب على من ولاه الله أمرا أن ينصح لنفسه ولرعيته جهد الاستطاعة ويحملها على اتباع السنة والجماعة، ويزجر من قصر في دين الله وخالف أمره وارتكب ما نهى عنه بقدر معصيته ويقوم بأمر الله فيهم وطاعته، ويبرأ بنفسه فيحملها على منهاج الحق والشريعة (٢). فالمحافظة على الشريعة هي لب الإمامة في المغرب وأهم أركانها وأمتن دعائمها، لا كما يتشدق العلمانيون: أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، ولهذا عرف ابن زيدان الإمامة بقوله: خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوز الملة (٣). وذكر أن المطلوب بالإمامة: حفظ المصالح الدينية والدنيوية فإن أخل الحاكم بذلك فلا تجوز طاعته. قال: ما لم يُفْضِ تهوره إلى ترك إقامة الصلاة وتغيير الشرع والارتداد عن الملة، وإلا فالإجماع كما في الإكمال لعياض (٤) على قتاله ومحله إذا تخيلت الأمة النصرة عليه، فإن تحققت عدمها سقط عنها وجوب

стр. 39

قتاله ووجب عليها الهجرة من بلاده. وأما إن كان اختلاله راجعا إلى اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين، فإن ذلك يسوغ للأمة خلعه (١). وأنكر العلامة محمد بن جعفر الكتاني على المسلمين عامة والمغاربة خاصة الأخذ بالقوانين الوضعية، وقال في رسالته نصيحة أهل الإسلام (٢): وبالجملة فمعظم المقصود من نصب الأئمة إقامة الدين وجهاد أعداء الله وتنفيذ أحكامه وكف أيدي المعتدين والظالمين، وتأمين السبل والبلاد والقيام بسنن خير العباد. فمن كان منهم ناهضا بهذه الأمور ونحوها حصل به مقصود الإمامة، وانتفع الناس بولايته غاية النفع دينا ودنيا، وحصل له على ذلك الأجر التام والرضى الكبير من الله تعالى ومن رسوله ﷺ (٣). وكتب السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام العلوي لعماله ظهيرا فيه: ولو استقام العمال لاستقامت الرعية لأن القوم على دين رئيسهم، فهم أولى الناس بالتفقه في الدين لتكون سيرتهم في الرعية على منهاج الشريعة فإنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه كما في الحديث. والعامل إن كانت بطانته صالحة كانت أعماله جارية على الصلاح والسداد، وإن كانت بطانته على غير هداية كانت أحكامه مخالفة للشرع فضلّ وأضلّ

стр. 40

(١). وفي ظهير آخر للقائد محمد بن عبد الصادق: ولو أن العمال اعتنوا بأمور الدين لأعانهم الله على صلاح دنياهم ... إلخ (٢). وقال: فعليكم أيها المسلمون بالتمسك بالكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف صالح هذه الأمة (٣). ومن أسباب خلع السلطان المولى سليمان من قبل مجموعة من علماء فاس منهم محمد بن إبراهيم الدكالي وأبو بكر المنجرة وغيرهم: عجز السلطان عن تنفيذ الأحكام (٤). وفي نص بيعة علماء مراكش وأعيانها السلطان عبد الحفيظ اشتراط إقامة الشعائر الإسلامية (٥). وفيها أن من شروط صحة الإمامة: إقامة الدين (٦). وفيها أن من أسباب خلع عبد العزيز هدم أركان الشريعة واستحسان إبدالها بأضدادها من قوانين الكفرة (٧). فتبديل الشريعة بالقوانين الوضعية من أسباب عزل السلطان عبد العزيز.
следующие страницы →