من صور ذلك في تاريخنا: رد القاضي محمد بن بشير شهادة أمير في قضية عرضت عليه (١). وفي تاريخ الدولة العلوية أن المولى عبد الرحمن بن هشام تقاضى مع ورثة من الصويرة عند القاضي مولاي عبد الهادي الشريف العلوي أي من نفس أسرة السلطان، وكان السلطان أقرضهم مالا لما كان خليفة بالمدينة، فحكم عليه القاضي بأداء اليمين وعلى الورثة بدفع المال (٢).
ولم يعرف قضاة المغرب طوال القرون السالفة إلا المذهب المالكي مرجعا وحيدا للأحكام حتى جاء الاستعمار وفعل ما فعل، مما يزال مستمرا حتى الآن.
وكان السلطان محمد بن عبد الله يأمر بالعمل في مسائل المعاملات وغيرها بمشهور مذهب مالك (٣).
وقد اشتد إنكاره على القضاة الذين يستندون إلى فتاوى متأخري المالكية وكتبهم دون كتب المتقدمين. وأنه يجب عزل من يعلم منه ذلك (٤).
فما بالك إذا صار القضاة يحكمون بقوانين وضعية مخالفة للمذهب المالكي، بل للمذاهب الفقهية الإسلامية قاطبة؟
وهذا السلطان العلوي المولى الحسن الأول، في ظهير له بتاريخ ٢ ربيع الثاني ١٢٩٢ بتعيين أحمد بنسودة المري قاضيا، جاء فيه: وأسندنا له النظر في
стр. 37
فصل الخصوم وتصفح الرسوم والحكم بمشهور مذهب الإمام مالك ﵁ أو ما به العمل (١).
وكرر نفس الشيء في تولية قضاة طنجة ومكناس (٢).
فالحفاظ على الشريعة وأحكامها المختلفة من عقيدة وعبادة وشريعة والذب عنها أهم واجب على الحاكم، ولهذا السبب يلقب بأمير المؤمنين، وقد كتب السلطان العلوي المولى سليمان يقول: الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد، فإن الإمام الذي يصلح أن يكون مالكا لأمور المسلمين وخليفة عن رب العالمين من شروطه: المحافظة على
стр. 38
الصلوات في أوقاتها في الجماعة، ومن شروطه أن يجتنب المحرمات الموبقات من سفك الدماء وشرب الخمور وفعل الزنا، ومن شروطه أن يحمي حرمات الله وحرمات المسلمين ويعظم ما عظم الله، ويرحم الضعفاء ويصل ما أمر الله بوصله، ويقطع ما أمر الله بقطعه، ومن شروطه ألا يتعامى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد إن قدر عليه، ثم باللسان ثم بالقلب، وذلك أضعف الإيمان (١).
فهذا نص واضح من سلطان علوي كبير في شروط الإمام والحاكم الذي يحكم المسلمين والخصال التي يجب أن يتحلى بها. فاشترط له المحافظة على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، واجتناب المحرمات كسفك الدماء وشرب الخمور وفعل الزنا، وحماية حرمات الله وحرمات المسلمين وتعظيم ما عظم الله، وغير ذلك.
وقال السلطان محمد بن عبد الله: فيجب على من ولاه الله أمرا أن ينصح لنفسه ولرعيته جهد الاستطاعة ويحملها على اتباع السنة والجماعة، ويزجر من قصر في دين الله وخالف أمره وارتكب ما نهى عنه بقدر معصيته ويقوم بأمر الله فيهم وطاعته، ويبرأ بنفسه فيحملها على منهاج الحق والشريعة (٢).
فالمحافظة على الشريعة هي لب الإمامة في المغرب وأهم أركانها وأمتن دعائمها، لا كما يتشدق العلمانيون: أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، ولهذا عرف ابن زيدان الإمامة بقوله: خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوز الملة (٣).
وذكر أن المطلوب بالإمامة: حفظ المصالح الدينية والدنيوية فإن أخل الحاكم بذلك فلا تجوز طاعته. قال: ما لم يُفْضِ تهوره إلى ترك إقامة الصلاة وتغيير الشرع والارتداد عن الملة، وإلا فالإجماع كما في الإكمال لعياض (٤) على قتاله ومحله إذا تخيلت الأمة النصرة عليه، فإن تحققت عدمها سقط عنها وجوب
стр. 39
قتاله ووجب عليها الهجرة من بلاده. وأما إن كان اختلاله راجعا إلى اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين، فإن ذلك يسوغ للأمة خلعه (١).
وأنكر العلامة محمد بن جعفر الكتاني على المسلمين عامة والمغاربة خاصة الأخذ بالقوانين الوضعية، وقال في رسالته نصيحة أهل الإسلام (٢): وبالجملة فمعظم المقصود من نصب الأئمة إقامة الدين وجهاد أعداء الله وتنفيذ أحكامه وكف أيدي المعتدين والظالمين، وتأمين السبل والبلاد والقيام بسنن خير العباد. فمن كان منهم ناهضا بهذه الأمور ونحوها حصل به مقصود الإمامة، وانتفع الناس بولايته غاية النفع دينا ودنيا، وحصل له على ذلك الأجر التام والرضى الكبير من الله تعالى ومن رسوله ﷺ (٣).
وكتب السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام العلوي لعماله ظهيرا فيه: ولو استقام العمال لاستقامت الرعية لأن القوم على دين رئيسهم، فهم أولى الناس بالتفقه في الدين لتكون سيرتهم في الرعية على منهاج الشريعة فإنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه كما في الحديث. والعامل إن كانت بطانته صالحة كانت أعماله جارية على الصلاح والسداد، وإن كانت بطانته على غير هداية كانت أحكامه مخالفة للشرع فضلّ وأضلّ
стр. 40
(١).
وفي ظهير آخر للقائد محمد بن عبد الصادق: ولو أن العمال اعتنوا بأمور الدين لأعانهم الله على صلاح دنياهم ... إلخ (٢).
وقال: فعليكم أيها المسلمون بالتمسك بالكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف صالح هذه الأمة (٣).
ومن أسباب خلع السلطان المولى سليمان من قبل مجموعة من علماء فاس منهم محمد بن إبراهيم الدكالي وأبو بكر المنجرة وغيرهم: عجز السلطان عن تنفيذ الأحكام (٤).
وفي نص بيعة علماء مراكش وأعيانها السلطان عبد الحفيظ اشتراط إقامة الشعائر الإسلامية (٥).
وفيها أن من شروط صحة الإمامة: إقامة الدين (٦).
وفيها أن من أسباب خلع عبد العزيز هدم أركان الشريعة واستحسان إبدالها بأضدادها من قوانين الكفرة (٧).
فتبديل الشريعة بالقوانين الوضعية من أسباب عزل السلطان عبد العزيز.
стр. 41
وفي وثيقة بيعة الزاوية الناصرية بتمكروت له: بايعناك على إقامة أمر الله المطلوب: أن تسير به فينا من واضح كتاب الله، ومستند رسول الله عليه وآله أزكى (١) صلوات، كما سار به في الأمة الخلفاء الراشدون بعد نبينا، ومن قفاهم إلى يومنا (٢).
وفي بيعة عبد الله بن إسماعيل المؤرخة في الاثنين ٧ صفر عام ١١٤١: نبايعوه أعزه الله على كتاب الله وسنة الرسول وإقامة العدل الذي هو غاية المأمول (٣).
وفي العريضة التي وقعها (١٢٠) من علماء وأعيان وشرفاء وتجار فاس لإسقاط بيعة المولى عبد العزيز، وأيدها علماء فاس في فتوى لهم بذلك. وفي صك الاتهام ما يلي: إن الأمير عبد العزيز صدرت منه أمور منكرة شرعا وطبعا، منها موالاته وميله لبعض أجناس الأجانب أثناء الليل وأطراف النهار، وتبذير بيت مال المسلمين فيما لا يرضي رب العالمين، وتبديل الزكوات والأعشار بإحداث الترتيب والبنك الموجب للربا، الذي هو أعظم الذنوب والاشتغال بما لا يرضي حتى انحلت بسبب ذلك عرى الدين وتفرقت جموع المسلمين، وأدى الحال إلى تمكين بعض الأجانب من بلادهم ... إلى آخره (٤).
стр. 42
وهذا نص بيعة علماء مراكش وأعيانها للسلطان عبد الحفيظ، وفيها تقرير وجوب تحكيم الشريعة والذب عنها ورد التحاكم إلى غيرها، وفيها بيان واضح على الدور الجليل الذي لعبه العلماء في تقويم الحياة السياسية، أو لنقل بعبارة هذا العصر: رفض العلمنة والتحاكم للقوانين الوضعية:
بعد التقديم: أما بعد: فقد جاء القرآن العظيم - المنزل على نبينا الكريم - بوجوب رعي المصالح ودفع المضار، ودفع المضار مقدم على جلب المسار، باتفاق العلماء أئمة الدين ذوي الأنظار، وهو ﴿لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ [فصلت٤٢]، وجميع ما جاء به القرآن وجل ما خلق الله لمصالح العباد، بشهادة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة٢٩] أي: انتفاعا واعتبارا، ولذا أوجب علينا في الأمور العامة والخاصة رعى المصالح ودفع المفاسد.
ولذلك وجب على المسلمين نصب الإمام وهي الإمامة الكبرى، التي هي رئاسة في الدين والدنيا عامة لشخص واحد، وقال الآمدي: الحق أنها خلافة لرسول الله ﷺ في إقامة الشرع وحفظ الملة، توجب اتباعه على كافة المسلمين ما وافق الحق، فمن أطاعه قد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، بنص القرآن والحديث.
وقد نص أئمتنا أن طاعته لا تكون طاعة له ولله ولرسوله حتى تكون في الظاهر والباطن سواء، وهذا إذا وافق الشرع مع توفر شروط الخلافة فيه، ولذا قال عمر: أطيعوني ما وافقت الحق، ومن لم يوافقه فلا طاعة له، ولصحة الإمامة شروط صحة يلزم من عدمها العدم: العدالة، والعلم، وسلامة الحواس والأعضاء، وصحة الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والشجاعة
стр. 43
والنجدة المؤديان إلى حماية بيضة الإسلام وجهاد العدو، وأن يكون قرشيا، إذ الخلافة فيهم ما أقاموا شعائر الإسلام، ومن اختلت فيه الشروط فلا تنعقد له الولاية، وإن دخلها وجب عزله، ونصوص هذا من مفاد الكتاب وحديث رسول الله، معلومة عند الكل، لا يدخلها خلاف ولا ارتياب.
وحيث شرط سيد الوجود - الذي نزل عليه الكتاب- في صحتها إقامة الدين، ورعي مصالح المسلمين، وذلك كله تخلف حتى أفضى الأمر إلى موالاة أعداء الله ورسوله الكافرين، والله يقول في محكم كتابه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة٢٢]، ويقول: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة١]، إلى غير ذلك من صريح الذكر الحكيم، وهذا منه قليل من كثير، ونقطة من غدير.
ونبذت شروط الكتاب والسنة وضاعت، وفسدت مصالح الدين وعموم مصالح الأمة من عدم معرفة متولي الإمامة، وإسناده أمور الإسلام وأمور الدين إلى جمع جهلة، حتى بلغ سيل العرم الزُّبى، وحزام الهم (١) الطُبى (٢). ولا يد للمدافعة تمتد، ولا نهضة للممانعة تشتد.
стр. 44
ومن أجال في الواقع في أركان الشريعة من الانهدام، وغاية اختلال النظام، والمواظبة على هدم أركان الشريعة، واستحسان إبدالها بأضدادها من قوانين الكفرة القبيحة الشنيعة.
كيف ومن ذلك ما علم بالضرورة أن الصلاة والزكاة شقيقتان قرينتان، وهما للدين بمنزلة الرأس من الجسد، وهما قواعد الدين وأساسه المعتمد، ومن فرق بينهما كفر بالكتاب والسنة وخرق الإجماع، بدون خلاف ولا نزاع، وحيث توافق المتولون على نبذ الزكاة لفظا ومعنى وحكما، وبدلوا ذلك بقانون الكفرة من ضوابطهم وتسميتهم المشتهرة، أليس هذا من سلوكهم الكفر الصراح؟، الذي السكوت عنه لا يحل ولا يباح.
وقد أفضى السكوت عنه وعن اختلال نظام الشريعة كلها، وعن محبة موالاة أهل الكفر، وإعطائهم أزِمَّة الإسلام يلعبون بها كيف شاؤوا، حتى اتسع هذا الخرق الواقع، الذي ليس لخرقه من راقع، وطال انتظار الفرج، ولم يزدد الأمر إلا شدة الضيق والحرج.
بل أفضى إلى متسع من التثابر على نهب أموال الناس، وسفك دمائهم ليلا ونهارا، وقطع سبلهم، وحصل من علاج ذلك الإياس، والأمر أشد من ذلك كما اشتهر في كل الآفاق عند جميع الناس، وذلك كله كالشمس شهرة عند من أسند إليهم التدبير، وأيقنوا بإفضائه في نهج الشرع إلى التدمير، فلا يمكن أحدا منهم إنكاره، لأن إنكار المشاهد مكابرة، والمثابرة على الباطل مدابرة، وهل تخفى السماء على بصير، وهل بالشمس طالعة خفاء.
стр. 45
فعند ذلك انتبه هؤلاء المسلمون من الغفلة، وفتحوا عين الانتباه واليقظة، سيما حيث بدأ انتثار سلك عقدهم من الوسط وصار السكوت عنه من أقبح وجوه الغلط، فيا للمسلمين من تسليم مدينة وجدة للكفار بلا صلح ولا عنوة، بل مجانا، ويا للمسلمين من أقبح وجوه الاستيلاء على ثغر الدار البيضاء، واستيصال من عمرها من مسلم رجالا ونساء (١).
ولما اشتد تحسر المسلمين على جميع ما ذكر، ومشاهدة زيادة ما اشتهر: ماج بعضهم في بعض حيث صارت قلوب الناس من ذلك في اضطراب وارتجاج، لكون الواقع ربما عميت على المجتهد فيه الأدلة التي يحصل بها على المذهب الاحتجاج.
ثم ذكروا مبايعتهم للسلطان عبد الحفيظ (٢).
تحريم المالكية التحاكم إلى غير الكتاب والسنة:
إذا كان المالكية نصُّوا على وجوب الرجوع للكتاب والسنة واعتبارهما المصدر الوحيد للتشريع، ففي المقابل اشتد إنكارهم للتحاكم إلى غير الكتاب والسنة.
وقد تقدم إنكار العلامة محمد بن جعفر الكتاني على المسلمين عامة والمغاربة خاصة الأخذ بالقوانين الوضعية (٣).
стр. 46
وتقدم كذلك إنكار علماء مراكش في الصفحة ما قبل السابقة على تبديل الشريعة بالقوانين الوضعية واعتبروه كفرا مخرجا من الملة.
وهذا العلامة التمنارتي ومعه مجموعة من علماء المغرب يستنكرون بشدة التحاكم إلى القوانين الوضعية التي وضعها بعض البربر قديما، واعتبروها من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به.
قال التمنارتي: سافرت من تارودانت لبلاد القبلة، فمررت ببلاد هنكيسة فكانوا يتحاكمون إلي. فإذا عرضت خصومة تتعلق بحصونهم التي أعدوها لحفظ أموالهم، وكانوا يبنونها على شواهق منيعة، قالوا هذه إنما يحكم فيها ألواح الحصون فسألتهم عنها، فقالوا: هي ضوابط وقوانين رسموها وينتهون إليها عند وقوع حادث في الحصن. فشرحوا لي منها كثيرا فوجدتها كلها من باب العقوبة بالمال التي ليست في الشريعة إلا في الغش، وليس شيء منها في الغش، بل هي عوض عن الحدود التي نصبها الشارع زواجر. فقلت لهم: هذا من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به (١).
ونقل عن قاضي مراكش العلامة أبي مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني جوابه عن نفس المسألة منه قوله (٢): فالواجب عليهم في ذلك تغيير المنكر على ما يوافق الشرع بقدر الاستطاعة. وأما اختراعهم لألواح شيطانية ويبتدعون أحكاما على ما سولت لهم النفوس الأمارة حتى إن نازلة تنزل بهم فيهرعون فيها إلى تلك الألواح نابذين ما أنزل الله وسنة رسول الله ﷺ حاكمين
стр. 47
بغير ما أنزل الله، فما أجهل هؤلاء وأبعدهم عن الدين الحق. ومن يضلل الله فلا هادي له.
وهذا أمر نشأ عن مكائد النفس والشيطان وشبه يحتجون بها وهي واهية. فمن وجد السبيل إلى ردهم للصواب بتلطف ورفق، حيث نشأوا على ذلك ووجدوا عليه آباءهم فليفعل. «ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك من حمر النعم» (١). وعدم نفي المتلصصين ومجرد إيوائهم لا يوجب استباحة المال لآخذه عوضا عما أخذ له، لكن يجب التغيير عليهم ومباعدتهم بقدر الإمكان وإلا عصوا. وكذا حَلفهم عليهم لا يجوز، لأنه لا يحلف أحد على أحد، وقد يكون غموسا. وكذا حلف المتهم خمسين يمينا لا يجوز، لأنه لا يكون إلا في الدماء خاصة. وكل ذلك خلاف الشرع واتباع ألواح الضلالة والإفك (٢).
ونقل عن قاضي مراكش ومفتيها أبي عبد الله محمد بن عمر الهشتوكي (ت ١٠٩٨هـ): فترك الأحكام الشرعية واستنباط ضوابط وقوانين تخالف أحكام الشرع المحمدي كفر صراح، فيجب على من مكنه الله في الأرض أن يحسم مادة أولئك الفجرة ويردهم إلى الشرع ولو بقتلهم (٣).
وفي جواب أحمد باب التنبكتي المراكشي (ت ١٠٣٦هـ): وأما جعلهم الضوابط والأحكام على مقتضى المصالح: فإن كانت جارية على وجه الشرع فليس بجعل، وإنما هو إنفاذ لحكم الشرع، وإن كانت على خلافه فهو أمر حرام لا يجوز قطعا، يعلم فساده كل من له أدنى علم بالشريعة، فلا تكون الأحكام إلا
стр. 48
على مقتضى ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه ﷺ وبينه علماء سنته ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وعلى ذلك تجري الأحكام والوقائع: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. والغيرية صادقة في الأصول والفروع، فسواء اتبع دينا غيره أو ابتدع أحكاما غير أحكامه (١).
وقال: فإذا ثبت الاتفاق على عدم جواز أخذ المال من الجاني على وجه التأديب له، وهو المسمى في عرف الظلمة بالإنصاف، ففعل هؤلاء الشيوخ ممنوع حرام لأنه ليس من أحكام الشرع (٢).
وقال: وقد قرر العلماء أن ما جرت به العادة من أخذ القريب أنه ظلم ليس من الشرع كما بينه ابن فرحون وغيره، فقول هؤلاء الشيوخ «إن ذلك فيه المصلحة» كذب وبهتان وإثم وخسران وخطأ، فإذا اعتقدوا حل ذلك ربما أفضى بهم إلى المروق من الدين. وقد كفر العلماء المهدي بن تومرت إمامهم بافتعاله أحكاما شرعية كما ذكره الإمام ناصر السنة أبو إسحاق الشاطبي في كتاب الحوادث والبدع (٣).
إلى أن قال: بل انتظام الكلمة واستقامة الأحوال إنما يكون باتباع أحكام الشرع في الأقوال والأفعال. ولو علم الله بصلاح خلقه بغير ما شرعه على لسان نبيه لشرعه وبينه، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤).
стр. 49
فهذه نصوص واضحة جلية في تقرير علماء المغرب ضلال من تحاكم لغير الشريعة.
وهذا السلطان محمد بن عبد الله يقول: ومن خالف الشرع أو حكم بغير ما أنزل الله أو رضي بذلك فحسابه على الله. قال الله سبحانه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١).
إن الإسلام -كما يقول خريج القرويين علال الفاسي في «دفاع عن الشريعة الإسلامية» (٥٤ - ٥٥) - واضح التعاليم لا يقبل أن يقال عنه إنه يبيح لمعتنقيه أن يكتفوا بالاعتقاد ويتبعوا الحكم بغير ما أنزل الله. فالقرآن صريح في ضرورة السير في جميع المسائل بمقتضى التشريع السماوي. والسنة واضحة كذلك. والسلوك المسلم بَيِّنٌ إلى حد أن يقال: إن وجوب اتباع الشريعة في الإسلام أصبح معروفا في الدين بالضرورة ..
ثم ذكر آيات تدل على ذلك، منها قوله: واسمع لهذه الآية العظيمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ النساء ٦٠. أرأيت كيف عبر سبحانه بالزعم، والزعم مطية الكذب كما يقولون. فالمؤمنون بالله وبما أنزل على محمد لا يمكنهم أن يتأخروا
стр. 50
عن التحاكم لشريعة الإسلام، ولا يمكن أن يخطر ببالهم التحاكم إلى الطاغوت وهو قانون الاستبداد الناشئ عن هوى الأفكار وإرادة الحكام والرؤساء والنواب الخاضعين لرأسمال الأجنبي أو لأهواء الأحزاب وقادتها. والمؤمنون لا يتأخرون عن نبذ ما أُمِروا بتركه. وقد أُمِروا أن يكفروا بالطاغوت فكيف يقبلون عليه وكيف يرضون التحاكم إليه؟ لاشك أن إيمانهم مجرد زعم ولا يثبت عند التحقيق. فكذلك إيمان كل من يفضل القوانين التي لا تستمد من مصادر الإسلام الأصيلة هو مجرد زعم، وهو في عداد الذين يريد الشيطان إضلالهم. والإيمان لا يتم إلا إذا كان مصحوبا بإذعان المؤمن لحكم الله ورضاه به وعدم التقزز منه. قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ النساء ٦٥. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الأحزاب ٣٦. فالمؤمن الحقيقي لا يختار إلا الامتثال بعدما يصدر الحكم من القرآن أو السنة. وليس له الحق في غير ذلك. لأن إيمانه التزام منه بالسير بمقتضى الشرع وامتثاله في كل الأحوال ...
إلى أن قال (ص٥٨): وقد حكم على المنحرفين عن الشرع والحاكمين بغير ما أنزل الله بالكفر أو بالظلم أو بالفسق. ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فهل بعد هذا يمكن لمؤمن صحيح الإيمان أن يقبل إحلال قوانين وضعية محل القوانين الشرعية، ويرضى بالجاهلية نظاما ويتخلى عن المعرفة الحق سبيلا؟ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
стр. 51
المائدة ٥٠. إن أمة أكرمها الله بنزول القرآن على نبيها، وفيه من ضروب الحكم والمعرفة وفنون التشريع ما لم يكن ليصل إليه بشر أو يدركه نظر. ثم تلتفت إلى غيره أو تزعم الرشد في سواه لهي أمة مغبونة مخذولة.
وقال (٦٣ - ٦٤): إن المتولين على الحكم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي جلهم ممن تربى في أحضان الأجنبي وتلقى من معينه. ومع أن معظمهم من المخلصين لأوطانهم، والذابين عن حرمتهم، فإنهم امتلأوا بعقدة نقص أمام الأجنبي، وأصبحوا لا يستطيعون المجاهرة بدينهم والاعتداد بحضارتهم الخاصة.
إنكار المالكية لتبديل الزكاة بالضريبة:
يعتمد النظام الجبائي في المغرب وباقي دول العالم الإسلامي على الزكاة الشرعية والأعشار والجزية والغنائم في حالة الحروب مع الأعداء وأموال من لا وارث له (١).
على هذا الأساس سارت أغلب الدول المتعاقبة على حكم المغرب، وكان بعض الحكام يضيفون مع هذا فرض مكوس على الأفراد إذا كان الأعداء متربصين بالبلد وليس عنده ما يكفي من المال لصدهم. وامتنع آخرون من ذلك مطلقا واكتفوا بما شرع الله ورسوله.
فالموحدون مثلا أبطلوا المكوس والضرائب (٢).
стр. 52
وهكذا فعل المرابطون (١) والمرينيون منهم مثلا أبو فارس عبد العزيز الحفصي (٢).
في سنة (٤٤٧هـ) لما دخل عبد الله بن ياسين سجلماسة غيَّر ما وجد بها من المنكرات وقطع المزامير وآلة اللهو وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور وأزال المكوس وأسقط المغارم المخزنية ومحا ما أوجب الكتاب والسنة محوه (٣).
ولا زالت الزكاة تجمع في المغرب وتدفع للسلاطين عبر تاريخ المغرب كله إلى عهد السلطان عبد العزيز العلوي الذي أبطلها واستبدلها بنظام ضريبي يسمى الترتيب بإيعاز من الإنجليز كما سنرى. وكان إقراره للضريبة بدل الزكاة أحد أسباب عزله من قبل علماء مراكش وفاس.
وللأسف لا زالت سياسته هذه مستمرة حتى الآن!!! فيتعين إرجاع الأمور إلى نصابها وإسقاط الضريبة وإقرار الزكاة الشرعية التي درج عليها المغرب منذ قرون.
ومن صور عناية السلاطين العلويين بالزكاة:
كتب السلطان العلوي عبد الرحمن بن هشام ظهيرا إلى عماله، قرئ في المساجد والأسواق، ومما جاء فيه: وتاركها (أي: الصلاة) يقتل حدا (٤).
стр. 53
وفيه: والزكاة واجبة في الحبوب والثمار والعين والأنعام على من حال عليه الحول وكمل عنده النصاب. وهي أخت الصلاة قرنها الله بها في غير ما آية من كتابه ... إلخ (١).
وكتب وزير السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام: المختار الجامعي لأحمد عواد بتاريخ ١٤ ربيع الثاني عام ١٢٤٧ ما يلي: وما ذكرته في شأن ما ضربه المتولي قبلك من المكوس وأحدثه من الأمور المذمومة شرعا وطبعا، أسْقِطْه واقطع مادته، فإن سيدنا لا يحبه ولا يرضى لولاة أمره أن يسمع عنهم ما يخالف الشرع (٢).
وفي ظهير المولى عبد الرحمن مؤرخ في ٢٤ جمادى الأخيرة عام ١٢٧٢ لولده محمد، وفيه: فادفع له (أي: لأحد الطلبة) خمسين مثقالا من زكاة أهل فاس (٣). وكتب لولده محمد كذلك عام ١٢٧٠ في شأن أخذ الزكاة لمن عنده نصاب شرعي من الزرع والماشية (٤).
ولما عين السلطان العلوي المولى علي الأعرج بن إسماعيل مسعودا الروسي على فاس في ربيع عام ١١٤٧ أمره ألا يقبض إلا الهدية والزكاة والأعشار الشرعية (٥).
стр. 54
ولما حل السلطان محمد بن عبد الله بمكناس أصدر أوامره للقبائل بدفع المرتب بذممهم من الزكوات والأعشار، أحواز فاس يدفعون للمكلفين بخزائنها، وأحواز مكناس يدفعون للمكلفين بخزائنها كذلك (١).
وأرسل السلطان الحسن الأول سنة ١٣٠٣ نجله محمد على جيوش جرارة وقدمه لاستخلاص الواجبات الشرعية من زكوات وأعشار المترتبة بذمم تلك القبائل السوسية (٢).
وفي سنة ١٣٠٥ طلبت منه قبيلة ايت شخمان البربرية أن يرسل معها شرذمة من الخيل لتستوفي منهم ما بذممهم من الواجب الشرعي (٣).
وفي سنة ١٣٠٨ وجه نجله العباس إلى الشاوية بقصد شد عضد العمال في استيفاء الزكوات والأعشار المترتبة في ذممهم (٤).
وكان المولى الحسن يبعث للقبائل لأخذ الزكاة (٥).
وهذا ظهير للمولى الحسن بجمع الزكاة:
خديمنا الأرضى الحاج محمد بن سعيد السلاوي، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن الزكاة ركن من أركان الدينٍِِ، أمر بها سبحانه عباده في كتابه الذي شرع فيه الشرائع وصانه وزكاه فقال تعالى: ...
стр. 55
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وأوعد مانعها بعذابه الأليم. فقال في كتابه الحكيم: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٤٣]. وقال ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة». الحديث (١). وقال ﷺ : «تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطأه بأخفافها وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها» (٢). وقال سيدنا أبو بكر الصديق ﵁: «لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم (٣) على منعها» (٤). وعليه فنأمرك أن تستوفي من إيالتك ما أوجب الله عليهم من الزكاة التي هي معلومة بالضرورة من الدين وجاحدها لم يدخل في ربقة الإسلام وشعار المسلمين، وأن تقوم على ساق الجد في حملهم على أدائها فورا، وأن لا تقبل من أحد في التعجيل عذرا، لأنها من حقوق الله التي تجب إليها المبادرة بقدر الإمكان، ولاسيما هي من أعظم دعائم الإسلام وأجل الأركان، والسلام، في ٢٠ شوال الأبرك عام ١٣٠٤ (٥).
وهذه صورة الظهير الأصلي (٦):
стр. 56
وكذا حصر المولى سليمان ما يجبى في الفروض التي أقرها الشرع. وكذا فعل المولى يزيد حيث أسقط المكوس التي فرض محمد بن عبد الله إرضاء للعلماء الذين ساندوه عند توليه السلطة (١).
ولما فرض السلطان محمد الثالث ضريبة المكس على السكان في فاس عارض العلماء ذلك منهم محمد بن الحسن الجنوي التطواني ومحمد التاودي بن سودة المري الفاسي (٢).
ولما بويع السلطان سليمان بعده كان إلغاء هذه المكوس من بين الشروط التي انعقدت عليها ولايته. يقول الجبرتي في عجائب الآثار (٢/ ٢٤٤): ولما توفي مولاي محمد سلطان المغرب ووقع الاختلاف والاضطراب بين أولاده، اجتمع الخاصة والعامة على رأي المترجم فاختار المولى سليمان وبايعه على الأمر بشرط السير على الخلافة الشرعية والسنن المحمدية، وبايعه الكافة بعده على ذلك وعلى نصرة الدين وترك البدع والمظالم والمكوس والمحارم. وكان كذلك.
زاد الناصري فأكد أنه أسقط المكوس التي كانت موظفة على حواضر المغرب على السلع فقد كان يقبض في ذلك أيام والده ﵀ (٥٠٠) ألف مثقال معلومة، ومن ذلك المكس كان صائر العسكر ودور السلطان وسائر تعلقاته، فكان ذلك المكس كافيا لصوائر الدولة كلها ولا يدخل بيت المال إلا مال المراسي وأعشار القبائل وزكواتهم. وكان مستفاد هذا المكس يعادل مال المراسي وأعشار القبائل. فزهد فيه هذا السلطان فعوضه الله أكثر منه من الحلال
стр. 57
المحض الذي هو الزكوات والأعشار من القبائل وزكوات أموال التجار والعشر المأخوذ من تجار النصارى وأهل الذمة بالمراسي (١).
وكذا أكد إسقاطه للمكوس وأخذ الزكوات المشرفي (٢).
ولما جاءت مبايعة الحسن الأول طالب المبايعون بأن تنعقد البيعة على أساس إلغاء المكس، ولما ظهر أن طلبهم رفض كان رد الفعل قيام ثورة شعبية ضد المشرف على المكس بفاس سنة ١٢٩٠هـ/١٨٧٣م.
وبعدما هدأت الثورة نصب أمين جديد، ولكن المكس بقي على حاله، فتدخل الدباغون عند العالم المولى عبد الملك الضرير الفاسي وحملوه مسؤولية التزامه بإسقاط المكس (٣). فزار الفقيهُ السلطانَ الحسن الأول بفاس ونقل له مطالب الدباغين فرفض السلطان، فلما علم الدباغون بذلك قاموا بثورة جديدة عام ١٢٩١هـ/١٨٧٤م وتطورت المأساة إلى صدام مسلح بين الدباغين والقصر.
وقد ساند ثورة فاس هذه وحرض عليها وأفتى بمساندتها بعض العلماء منهم: أحمد بن الطالب بن سودة المري وعبد الله بن إدريس البدراوي الحسني وعبد الواحد بن المواز السليماني الحسني (٤).
وهم أشهر علماء المغرب آنذاك.
стр. 58
وهذه والتي قبلها أول ثورة عمالية يشهدها المغرب الحديث (١).
واستمر العلماء المغاربة على هذه الوتيرة في رد المكوس وتحريمها، منهم محمد بن المدني كنون (ت١٣٠٢) وأبو إسحاق إبراهيم التادلي، وكان يجاهر بالتنديد بالمكوس ويبعث للسلطان الحسن الأول بواسطة المتصلين به بالنكير ضد هذه الضريبة، منها قوله: وقد كنت قبل تاريخ رمضان ١٣٠٢ المذكور بنحو ست سنين لما زارنا بدارنا السيد محمد بركاش، أغلظت له القول في المكس، وقلت له: المكس حرام، نحو مرتين أو ثلاث بحال عظيم، حتى هَمَّ بالخروج من حينه ثم أعقبته بكلام لين حين تذكرت قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. وذلك بمحضر ولده الحاج محمد، فأثر ذلك فيهما. ثم بعد نحو سنة أراد ولده المذكور السفر من الرباط لفاس عند السلطان المذكور وفقه الله فأكدت عليه مرارا في أن يكلم السلطان في إزالة المكوس إن تلاقى معه، ولا يقصر في ذلك، فامتثل وقال له: إلى متى تسود صحيفتك بأخذ المكوس وتعطيها للناس يأكلونها (٢).
لكن السلطان عاد بعد ذلك واستجاب ولو جزئيا للمطلب سنة ١٣٠٣هـ/١٨٨٥م.
وفي الاستقصا (٣/ ١٧٩): أنه أسقط المكوس في ثاني ربيع الأول عام ١٣٠٣، وكتب في ذلك إلى عامل سلا، ولما ورد هذا الكتاب فرح الناس به ودعوا للسلطان بالنصر والتأييد من خالص نياتهم.
стр. 59
وأسقطها كليا بعد ذلك حيث صرح المشرفي أنه اكتفى المولى الحسن الأول بالزكاة الشرعية وأسقط ما عداها (١).
وتضمن المشروع الدستوري الذي اقترحه عبد الكريم مراد التنصيص على إلغاء المكوس والهدية والسخرة وسائر الفروض المخالفة للشريعة الإسلامية (٢).
ولله در العلامة التمنارتي فقد قال في الفوائد الجمة (٥٣٩): وقد استفاض أن الملك الصالح الزاهد باني مدينة مراكش ومتقن أحكام الإسلام بالمغرب، ومطهره من دنس مذاهب الطوائف يوسف بن تاشفين الصنهاجي اللمتوني ﵀، وجد بركة هذه الخصلة، فاتسع له ما لم يتسع لأحد قبله ولا لأحد بعده من الأعمال، واجتمع له ما لم يجتمع لأحد من الجيوش والأموال، وعمر مائة سنة، وهو يأكل الشعير ويلبس الصوف في أكثر الأحوال، وملك من أقصى بلاد إفريقية ومن أقصى بلاد الأندلس والسوس الأقصى بسائر جهاته إلى جبال الذهب من بلاد السودان، ولم يجر له في جميع ذلك رسم مكس ولا مغرم، إلا ما يجبى إليه من الزكوات والأعشار وأخماس الغنائم والجزية وأموال البغاة وطوائف العدوان. فعلى الولي العاقل أن يتعلق بهذه الخصلة التي هي أبقى لعمره وأفسح لمدته، وأحصن لحوزته ورعيته ... إلى آخر كلامه.
стр. 60
وسيأتي معنا في الرسالة الثانية «ماذا يعني تطبيق الشريعة الإسلامية في المذهب المالكي» نقل نصوص عديدة عن المالكية في إلزام الحاكم بجمع الزكاة إن شاء الله.
أول من بدل الزكاة الشرعية بضريبة الترتيب .
وَقَفَ خَلْف إبدال الزكاة بالضريبة دول غربية على رأسها فرنسا وإنجلترا، بل تم التنصيص في المادة ١١و ١٢ من اتفاقية مؤتمر مدريد سنة ١٢٩٧هـ/١٨٨٠م على إحداث ضريبة الترتيب (١).
وفي ٣٠ مارس ١٨٨١ تم إقرار القانون المنظم لضريبة الترتيب تنفيذا لمقررات مؤتمر مدريد (٢). لكنه لم يأت بديلا للزكاة والأعشار الشرعية. وهذا يشبه ما كان يفرض من المكوس سابقا.
وبعض المصادر (٣) تذكر أن الوزير عبد الكريم بن سليمان الإسلامي أحد عملاء الاستعمار (٤) هو الذي ابتدع هذه الضريبة على إثر سفارة قام بها لفرنسا وموسكو في عهد السلطان المولى الحسن الأول، أي: بإيعاز منهم.
стр. 61
وتذكر مصادر أخرى (١) أن وزير الحرب المنبهي تعهد للإنجليز بوضع الترتيب، وكان هذا من بين الشروط التي لم تفصح عنها اتفاقية المنبهي مع انجلترا يوم الجمعة ١١ ربيع الأول ١٣١٩هـ/٢٨ يونيو ١٩٠١م (٢).
وبالفعل تم إنشاء ضريبة الترتيب بإشارة الإنجليز كما قال المؤرخ المشرفي (٣).
فأصدر ظهيرا بذلك بتاريخ ١٠ جمادى ٢ عام ١٣١٩هـ/ شتنبر ١٩٠١م (٤).
ولقد لقي هذا الإجراء معارضة العلماء، بل أهم موجبات خلع السلطان عبد العزيز من قبل علماء مراكش وفاس هو إسقاط الأحكام الشرعية كتغيير الزكاة بالترتيب وإحداث البنك المؤدي للربا، واستسلاف الأموال العظيمة وصرفها في غير مصالحها وعقد الاتفاقيات المضرة بمصالح البلاد.
стр. 62
هكذا جاء في الرسم المؤرخ بـ ٢٨ ذو القعدة ١٣٢٦هـ/٢ يناير ١٩٠٨م (١).
وفي جواب للعلامة السباعي ذكر من أسباب خلع بيعته (٢) تعطيل ركن الزكاة وهي التهمة التي استوجبت عنده الكفر (٣).
стр. 63
ولهذا كان من شروط البيعة الحفيظية: رفع المكوس (١).
جاء في وثيقة بيعة أهل مراكش لعبد الحفيظ أن من أسباب خلع عبد العزيز ترك جمع الزكاة وتعويضها بالضرائب، ونص ما جاء فيها: كيف ومن ذلك ما علم بالضرورة أن الصلاة والزكاة شقيقتان قرينتان، أو هما للدين بمنزلة الرأس من الجسد، وهما قواعد الدين وأساسه المعتمد، ومن فرق بينهما كفر بالكتاب والسنة وخرق الإجماع بدون خلاف ولا نزاع، وحيث توافق المتولون على نبذ الزكاة لفظا ومعنى وحكما، وبدلوا ذلك بقانون الكفرة من ضوابطهم وتسميتهم المشتهرة، أليس هذا من سلوكهم الكفر الصراح الذي السكوت عنه لا يحل ولا يباح (٢).
فلله دركم يا علماء مراكش.
«فقد أعلنوا مخالفتها لتعاليم القرآن، ورفضها الشعب المغربي بقوة واعتبرها وسيلة غير شرعية لابتزاز المزيد من الأموال التي ينفقها السلطان بسخاء في اللهو واللعب والتسلية» (٣).
стр. 64
وقد استنكر محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي (١) الحسني الفاسي ت ١٣٣٤هـ/١٩١٦م الترتيب واعتبره مخالفا للشريعة وجعله من سوء تدبير القائمين بأمر الدولة، وبيَّن سماحة الشريعة في الزكاة والتيسير على الناس بخلاف ضريبة الترتيب (٢).
وزاد: «ومن كانت هذه حالته تيقن بسقوط بيته سريعا، وهم يزعمون أن في ذلك إصلاحا لبيت المال وللمسلمين، ومن لم تصلحه السنة لا أصلحه الله. وانظر لمن كان يقتصر على ما أوجبته السنة على الرعية من الخلفاء وملوك الإسلام بعدهم، كيف كان حالهم وانتصارهم على عدوهم، واتساع مملكتهم وعزمهم الشامخ وفتوحاتهم المتعددة وتخليد ذكرهم في الصالحات، وفوزهم في الدارين، مع حال من لم يقتصر على الواجب شرعا المبيح للمكوس، يتبع الرخص والتحيلات والاعتذارات الواهية. ولا يخفى على أهل العلم ما أوجبه الشرع على المسلمين، مما تعمر به بيت مالهم من الزكاة والفيء والركاز وإرث من لا عاصب له» (٣).
ونقل نصا جيدا من جامع المعيار -وهو فيه (١١/ ١٢٧ - فما بعدها) - عن القاضي أبي عمر بن منظور في عدم جواز ما عدا ما أوجبه القرآن والسنة كالزكاة والفيء والركاز وإرث من لا وارث له، إلا للضرورة بشروط ذكرها.
стр. 65
ونقل عن بعض أصحابه قصيدة في إنكار الترتيب ومحرضا على الدفاع وحماية بيضة الإسلام (١).
منها قوله:
ألا أيها الإسلام أهل المحبة ... وإخواننا في الدين شرقا وقبلة
لقد ضاع هذا الدين أين أهيله ... وحق لنا التغريد في كل بلدة
نرى الروم جاروا ثم نحن في غفلة ... سكوتا نحاكي وصفنا كالبهيمة
أيا علماء الدين قوموا بوصفكم ... وقولوا بقول الحق واخشوا من لعنة
أيا شرفاء الحل والعقد أنتم ... حماة لهذا الدين من غير مرية
في أي كتاب جاءنا حل ترتيب ... وترك زكاة بينوا وجه شبهة
دعائم هذا الدين صارت إلى ورا ... ونحن سكارى في هوى وبلية
قوانين دين الكفر حلت بغربنا ... فأين ولاة الأمر من خير نسبة
أما فيكم من ينصر دين ربنا ... فناصره يحظى بنور وسطوة
أخفتم من الموت الذي يطلب الفتى ... كلا إنه آت بوفق المشيئة
أخفتم به نقصا لدنياكم التي ... بخلتم بها فالعذر أقبح زلة
دعوني من الخذلان وارعوا سؤالكم ... إذا الناس في الحشر المهول وشدة
أليس صلاح الناس بالعالم الذي ... يقول مقال الله من غير لومة
وبعده وال للأمور بعلمه ... مشاور فيها مرة بعد مرة
وألا يكونا بالصفات فدعهما ... فضرهما يسري وقل بقريحة
ألا أيها الإسلام صدقوا ربكم ... بوعده في قتل العدو وجنة
стр. 66
فشمروا ياأهل الصحاري لثأركم ... وقوموا بساق الجد المنية
وسارعوا للخيرات كيما تحوزها ... فان رجال العز بين الأسنة
ولا تسمعوا قول الرعاع بغربنا ... فليس لهم في الحرب بأس وشدة
لأنهم باعوه ثم تقهقروا ... وصاروا حيارى ماسكين بعمية
ووسدوا أمرهم إلى غير أهله ... وحكموا كل قاسط في الولاية
وشاوروا في الأمر المهم عدونا ... ولا يخفى ما أبدى لنا من مكيدة
ألا أيها الحبر الكريم سلالة ... وقاضي قضاة العدل من خير نصرة
فحرض جموع المسلمين وسلهم ... وعظهم بما في الذكر أي وآية
وخير مقول العبد قول إلهنا ... ولا تحسبن يا خبيرا بحكمة
وفي الخبر المروي من سن سنة ... فأجر له فيها ليوم القيامة
ألا أيها الشيخ المهذب نسبة ... وحائز سبق الفضل من آل رتبة
بلغت بفضل الله للخير كله ... وكنت بهذا الجمع كاشف كربة
فيا معشر الشجعان قوموا بحقه ... وسددوا فيما بينكم بالسوية
وشاوروا ذا رأي وصالح وقتنا ... فإن لهم سرا مصونا وغيرة
فيا رب وفقهم وسدد عقولهم ... وضاعف لهم أجرا كثيرا في جنة
ووفق جميع المسلمين لرشدهم ... وعنهم على أعدائنا بني صفرة
بحرمة خير الخلق طه محمد ... وآله والأصحاب أولي السماحة
عليه صلاة الله ثم سلامه ... بعد النبات والحصى مع رملة
فهذا مقالي للأحبة كلهم ... ولولا نيران القلب ما خضت لجة
وأحمد ربي الله ثم عليكم ... سلامي بِعَدِّ الزائرين لطيبة
стр. 67
وطلب يوسف بن تاشفين من أهل البلاد المغربية والأندلسية المعاونة بشيء من المال على ما هو بصدده من الجهاد وكتب إلى قاضي المرية أبي عبد الله محمد بن يحيى عرف بابن البراء يأمره بفرض معونة المرية ويرسل بها إليه فامتنع محمد بن يحيى من فرضها وكتب إليه يخبره بأنه لا يجوز له ذلك فأجابه أمير المسلمين بأن القضاة عندي والفقهاء قد أباحوا فرضها وأن عمر بن الخطاب ﵁ قد فرضها في زمانه فراجعه القاضي عن ذلك بكتاب يقول فيه: فقد بلغني ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوه بأن عمر بن الخطاب ﵁ اقتضاها، فالقضاة والفقهاء إلى النار دون زبانية. فإن كان عمر اقتضاها فقد كان صاحب رسول الله ﷺ ووزيره وضجيعه في قبره، ولا يشك في عدله، وليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله ﷺ ولا بوزيره ولا بضجيعه في قبره، ولا ممن لا يشك في عدله. فإن كان القضاة والفقهاء أنزلوك منزلته في العدل فالله تعالى سائلهم وحسيبهم عن تقلدهم فيك. وما اقتضاها عمر ﵁ حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ وحضر من كان معه من الصحابة ﵃ وحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم واحد ينفقه عليهم. فليدخل أمير المسلمين المسجد الجامع بحضرة من هناك من أهل العلم وليحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم. وحينئذ تجب معونته، والله تعالى على ذلك كله. والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. فلما بلغ كتابه إلى أمير المسلمين وعظه الله بقوله ولم يعد عليه في ذلك قولا، والأعمال بالنيات (١).
стр. 68
ومما أخذه عبد الحي الكتاني على عبد العزيز تبديله لأحكام الشرع، وتبديله قاعدة من قواعد الدين الخمسة، وهي الزكاة بالترتيب، مع إجماع الأمة على كفر من غيّر شيئا من معالم الدين وغير ذلك (١).
وبعد إقرار الضريبة دخل المغرب في أخطر أزمة مالية في تاريخه كانت السبب المباشر في الهيمنة الغربية عليه تمهيدا لاستعماره. فاقترض السلطان عبد العزيز في سنة ١٩٠٣ مبلغ ٢٢.٥ مليون فرنك فرنسي من فرنسا وانجلترا واسبانيا، ليعود سنة ١٩٠٤ ليقترض مبلغ ٦٢.٥ مليون فرنك، ليغرق البلاد في أزمة كبيرة (٢).
وغالب هذه الأموال كانت لتلبية حاجات السلطان المراهق من الألعاب والمبتكرات العصرية.
وقد كان السلطان عبد العزيز يخالط الانجليز مخالطة مريبة، وكانوا يقيمون سهرات لهو معه تصاحبها أشياء أخرى مريبة، وكان العامة أساؤوا به الظن كثيرا، فكثر بذلك القيل والقال، وظن الناس به الظنون، وحكى العبيد والخدمة المطلعين على تلك الأحوال بما يوجب النفور منه، حسبما أفاد المشرفي وهو مؤرخ رسمي (٣).
стр. 69
تطبيق الحدود الشرعية في عهد الدولة العلوية .
ظلت الدول التي تعاقبت على المغرب حريصة على تطبيق الشريعة ومن ضمن ذلك الحدود الشرعية، بل إن بعض الحكام مثل يعقوب المنصور (ت ٥٩٥هـ) كان يقيم الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين كما أقامها في سائر الناس أجمعين فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات، كما قال الناصري في الاستقصا (٢/ ١٩٩).
وكتب الخليفة عبد المومن الموحدي إلى أهل بجاية يوصيهم بإقامة الحدود (١).
وهذا ما دأبت عليه الدولة العلوية الحاكمة في المغرب إلى ما قبل الحماية ودخول الاستعمار الذي نحى الشريعة جانبا وحرص على بناء المنظومة القانونية المغربية بما يوافق قوانينه ومشروعه، وكانت الإقامة العامة -نظرا لانفرادها
стр. 70
بالسلطة التشريعية- قامت بإملاء ظهائر على السلطان الذي لم يكن يجد بدا من التوقيع (١).
وتدل كافة المصادر التاريخية أن السلاطين العلويين كانوا حريصين كل الحرص على تطبيق الحدود الشرعية التي يسخر منها العلمانيون في كل وقت وحين ويصفونها بالوحشية والعنف والتطرف (٢).
فهذا المولى الرشيد المؤسس الثاني للدولة العلوية الذي تولى سنة ١٠٧٦هـ حرص على إقامة الحدود على الزناة وشاربي الخمر (٣).
ووصفه ابن زيدان بقوله: شديد الشكيمة على من عصاه أو هتك حرمة من حرم الله، يتولى القصاص وإقامة الحدود الشرعية بنفسه من غير أن تأخذه رأفة ولا رحمة في دين الله (٤).
وفي ظهير للسلطان محمد بن عبد الله نص على أن من يشتغل بالفساد مثل السرقة أو غيرها من الفواحش يعاقب بالحدود الشرعية (٥).
وقال: ومن ثبت عليه حد من حدود الله شرعا يطالعنا به لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه (٦).
стр. 71
وكانت الحدود تقام على عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام (١).
وفي الحلل البهية (٢/ ٨٢) أن المولى عبد الرحمن كان قائما بحد الشريعة على البغاة.
وكتب السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام إلى ولده محمد سنة ١٢٧١هـ في شأن رجل مسلم قتله فرنسيون، وفيه الأمر بالقصاص من قاتله، وفيه: فليسلك معهم مسلك الشرع (٢).
وكتب ظهيرا قرئ في المساجد والأسواق في إقامة الحدود الشرعية في الزنا والسرقة والقتل وأن من تركها (أي: الحدود الشرعية) مارق من الدين (٣).
وفيه: ومن وجب عليه حد من حدود الله يرفع أمره إلينا لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه، ولا يقال فسد الزمان وقلّ أهل الدين وفُقِد الناصر، فإن من قام لله وجد الله قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾ [الحج٤٠] (٤).
وأصدر ظهيرا للقائد المهدي الشرادي بإقامة رسوم الدين وإحياء السنة ومعاقبة تاركي الصلاة مؤرخ في ١٦ رمضان ١٢٥٢هـ.
стр. 72
وظهيرا آخر للقائد العربي بن علي السعيدي مؤرخ في ١٥ رمضان عام ١٢٥٢هـ (١).
وهذه صورة الظهير الأصلي (٢):
стр. 73
وفي سنة ١٣٠٥هـ كتب السلطان الحسن الأول لخليفة فاس ما فعله ببعض البغاة وأنه أقام فيهم حد الحرابة الشرعي، ونقل نصوص المالكية في ذلك عن مالك وابن القاسم وأشهب وابن المواز وابن عرفة (١).
وذكر المشرفي في الحلل البهية (٢/ ١٨٠) أن المولى الحسن لم يقم حدا من الحدود الشرعية في الجنايات والسرقة بسبب أنه لم يثبت عنده وقوع تلك الجنايات ثبوتا شرعيا.
فلم يتركها زهدا فيها أو تجاوزا لها لقوانين أخرى، وإنما لأنه لم يثبت عنده ثبوتا شرعيا وقوعها من أصحابها، ولو ثبت عنده ذلك لأقامه.
وأنكر السلطان العلوي محمد بن عبد الله ﵀ التساهل في الزنا بالقبض والذعيرة وقال: وذلك من المنكر الذي لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، لأنه خرق للشريعة وإبطال لأحكام القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾. وقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذا في البكر، وأما الثيب فالرجم.
وزاد: ومنها التساهل في أمر السرقة والاكتفاء برجوعها وزجر السارق، وهذا مخالف للشرع، مبطل لحكمه الذي هو القطع، قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢).
ثم ذكر التساهل في القتل وأن الواجب هو حكم الشرع: بالقصاص من القاتل.
стр. 74
فهذا رد واضح من هذا السلطان العلوي ﵀ على إبدال الحدود الشرعية بالقوانين الوضعية.
وتضمنت بيعة المولى عبد الحفيظ اشتراط: تطبيق الحدود الشرعية (١).
ولما خرج محمد بن المولى إسماعيل السلطان على أبيه وكان أبوه يحبه حبا شديدا ويفضله على باقي إخوته، لكنه كان عالما متضلعا في علوم الشريعة، فلما ظفر به أقام عليه الحد الشرعي يوم ٤ ربيع الأول عام ١١١٨. فقطع يده ورجله من خلاف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ المائدة٣٣.
قال ابن زيدان معلقا: وفي إقامة هذا السلطان الجليل المقدار الحد الشرعي على فلذة كبده وعضده وساعده دلالة واضحة في وقوفه لدى حَدِّ ما حَدَّه الشرع الأقدس، لا يراعي في ذلك قاصيا ولا دانيا (٢).
وهكذا فعل الوزير أحمد بن موسى لما جمع القضاة والعلماء لما قبض على بعض الثائرين حكموا عليه بما حكم به الشرع في المحاربين، وذلك في سنة ١٣١٣هـ (٣).
بل حتى الخلاف بين الأجانب والمسلمين كان يحكم فيه بحكم الشريعة، كما ورد في اتفاق صلح بين السلطان محمد بن عبد الله ولويس ١٥ في ذي الحجة
стр. 75
عام ١١٨٠ الموافق ٢٨ ماي عام ١٧٦٧. وفيه الشرط الثالث عشر: إذا ضرب فرنصيصي (١) مسلما فلا يحكم فيه إلا بعد إحضار القونصو (٢) ليجيب ويدافع عنه، وبعد ذلك ينفذ فيه الحكم بالشرع (٣).
الخمر .
كان الخمر ممنوعا خلال تاريخ المغرب، ولم يرخص لغير اليهود والنصارى بيعه وشربه، كما سأذكر قريبا عند حديثي عن الجزية، وقد يقع شربه من بعض المسلمين لكنه في حدود ضيقة جدا، ولم يجرؤ أحد أن يجاهر بذلك، وكذا لم يعرف أن الدولة المغربية أعطت ترخيصا لمسلم لبيع الخمر إلا بعد مجيء الاستعمار.
في سنة (٤٤٧هـ) دخل عبد الله بن ياسين سجلماسة فغيَّر ما وجد بها من المنكرات وقطع المزامير وآلة اللهو وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور وأزال المكوس وأسقط المغارم المخزنية ومَحَا ما أوجب الكتابُ والسنة مَحْوَهُ (٤).
وكتب الخليفة عبد المومن الموحدي إلى عامله ببجاية يوصيه بإتلاف الخمور وقطع دابر أهلها (٥).