← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96924

العلمانية والمذهب المالكي

مصطفى باحو

Полный текст (193 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن الناحية الاجتماعية: يعني تطبيق الشريعة الحفاظ على مؤسسة الأسرة وحمايتها، وتشريع القوانين الضرورية لتحقيق فلسفة الإسلام في ذلك، القائمة على احترام الوالدين وإشاعة ثقافة الاحترام والتوقير للأكبر سنا وللأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم. والحفاظ على تماسك المجتمع وترابطه، وترسيخ معاني الأخوة، وغرس روح التعاون والإيثار بين أفراده والتواضع والجود والكرم والرفق والسخاء والورع والرفق والقناعة والمحبة، وتشجيع كفالة اليتيم والإحسان للأرملة والفقير والمسكين، وإكرام الضيف والجار، ومساعدة الغريب وابن السبيل. ومحاربة كل ما يهدد التماسك الاجتماعي كالظلم والغيبة والنميمة والتحاسد والتباغض والاستهزاء بالآخرين والحقد والخيانة والغش والغدر والكذب والتجسس وسوء الظن ونقض العهد والكبر وغيرها مما جاء الإسلام بمحاربته. إنه نظام اجتماعي فريد يحق لنا أن نفتخر به. وأنا أتساءل هنا: ماذا قدمت الدول الإسلامية ودولتنا من قوانين وبرامج لتحقيق هذه السياسة الاجتماعية الإسلامية؟ ويعني تطبيق الشريعة الحفاظ على المجتمع المسلم وإبعاد كل أخطار الانحلال الخلقي كالمخدرات والتفسخ والعري والأفكار الهدامة والمذاهب الإلحادية كالشيوعية والماسونية والعلمانية. فواجب على الحاكم المسلم بإجماع العلماء من لدن الصحابة إلى هذه الأعصار منع التفسخ في الشواطئ والمسابح ونحوها. ويمكنه بدل هذا

стр. 142

الاختلاط المخزي تهييء أماكن خاصة للرجال وأخرى للنساء. كما هو شأن الحمامات مثلا. قال العلامة الونشريسي في المعيار (١٢/ ٢٥): التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد مهيع مألوف في الشرع وقواعد المذهب، ومنه في المذهب المالكي غير نظير. ويجب على الحاكم المسلم منع نوادي الرقص الليلية والخمارات ودور الدعارة، لأنها حرام شرعا، ولأنها تعرض الفرد والمجتمع للتفسخ والانحلال وتشجع على الجريمة والقتل والاغتصاب. ذكر الناصري في الاستقصا (٦/ ١٢٥) أنه لم يبق أيام السلطان إسماعيل العلوي لأهل الدعارة والفساد محل يأوون إليه. وذكر القادري في نشر المثاني (١/ ١٣٦٤) أن في سنة ١٠٤٨ هـ قطع المحتسب في فاس شراب الدخان وقطع اللهو وآلات الطرب في النساء، وألزم الناس الصلوات في الوقت والستر في الحمام، وغَيَّر مناكر شتى. ويجب على الحاكم المسلم منع زرع المخدرات وترويجها والمتاجرة فيها. ويجب على الحاكم المسلم الحفاظ على الأسرة المسلمة ومقوماتها وإبعاد كل المؤثرات الخارجية عنها، مثل الأفلام وخاصة الإباحية أو التي فيها ترويج للعلاقات الغير الشرعية كالأفلام المكسيكية والتركية والغربية. قال عليش في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (٤/ ٤٣٥): ويجب على الحاكم مراعاة مصالح المسلمين ودفع الضرر عنهم وسد أبواب الفتن ما أمكن.

стр. 143

وقال ابن المناصف المراكشي المالكي (المتوفى سنة ٦٢٠ هـ) في تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام (٣٢٥ - ٣٢٦): وكذلك ينبغي للقضاة أو الحكام البحث والكشف عما اشتهر ذكره من المناكر، وعرف بالجملة ظهوره وانتشاره، وأنس الناس به، كاتخاذ النساء في السرور والحزن والمآتم، يجتمعن لأنواع الملاهي والمناكر في الديار والمحلات، وبعض الشوارع والحمامات، وما أشبه ذلك، وكذلك الفحص عمن شهر بالفساد من بيع الخمر، وجمع الفساق، ومتخذي الديار المعدة لذلك، وكالملهين بما لا يحل، وأهل صنائع المنكر ونحوهم، ممن يتصف بإدمان المعاصي في ذلك، وارتكاب المحظور بالإعانة، ومن هو كالآلة لوقوع المنكر على يديه. ففي مثل هؤلاء يجب اجتهاد الولاة والفحص في ذلك وارتكابه عنهم، وتفقد مظان ذلك منهم، واستعمال الحد في ردعهم، واستيلاء القهر والإخافة عليهم، وإذا ظهروا من ذلك على ما يوجب العقوبة والتنكيل فعلوه بهم على أعين الناس، ففي ذلك إن شاء الله ردع لظهور المنكر، وتطهير لمواضع الفساد، وإظهار لشعائر الإسلام. فواجب الآن على الحكام الابتداء بالكشف والبحث في مثل هؤلاء، لأن الشر والفساد قد كثر جدا وانتشر، وتحقق صحة كون ذلك مشتهرا في المواضع. فلا ينبغي للقاضي التهاون به وترك القيام فيه حتى يرفع إليه، إذ قد لا يرفعه أحد، لما أنس الناس اليوم من كثرته، واعتادوا من ملازمته، حتى لا يكاد أحد ينكره، فإهمال البحث عن ذلك مؤد إلى استمراره واستدامته مع قلة القيام به. وليس ابتداء البحث في مثل هذا محظورا من جهة أنه يظن من قبيل التجسيس، بل هذا هو الواجب إن شاء الله تعالى ههنا، لأن البحث والكشف إنما يكون تجسيسا محظورا فيمن استتر ولم يشتهر عنه ذلك بكثرة الظهور عليه، أو اتخاذه ذلك المنكر كسبا ودأبا حتى عاد

стр. 144

أمره بذلك معلوما بالإغضاء عن مشتهرات المناكر، وترك البحث عن قطع موادها مؤد إلى وعيد قوله ﷺ لما سألته زينب: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال ﷺ : «نعم، إذا كثر الخبث» (١). انتهى كلام ابن المناصف. وفي المدونة الكبرى (٣/ ٥٢٥): قلت: أرأيت إن أجَّرت داري من رجل فظهرت منه دعارة وفسق وشرب الخمور أيكون لي أن أخرجه من داري وأنقض الإجارة؟ قال: الإجارة بحالها لا تنتقض, ولكن السلطان يمنعه من ذلك ويكف أذاه عن الجيران وعن رب الدار, فإن رأى السلطان أن يخرجه عنهم أخرجه عنهم وأكرى له الدار فأما كراء رب الدار فهو عليه لا ينتقض على حال. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي. والقصارون إذا اتخذوا في دورهم ما لا ينبغي من شربهم الخمور واتخاذهم فيها الخنازير منعهم السلطان ولم تنتقض الإجارة؟ قال: نعم. فهذا نص واضح من إمام المذهب في وجوب غلق دور الدعارة والفسق وشرب الخمر ومنع إجارة المنزل لاتخاذ ذلك. وقد تابع علماء المذهب إمامهم في ذلك فجلهم نص على ذلك، منه قول ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٨/ ٢٨٨): قال المهلب: إخراج أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد المعرفة بهم واجب على الإمام من أجل تأذي من جاورهم، ومن أجل مجاهرتهم

стр. 145

بالعصيان، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن أمرهم. لأنه من التجسس الذي نهى الله عنه، وليس للسلطان أن يرفع ستر اختفائهم حتى يعلنوا إعلانا يعرفون به لقوله ﷺ عن الله تعالى (١): «كل عبادي معافون إلا المجاهرين» (٢) فحينئذ يجب على السلطان تغييره والنكال به. وكذا نص إمام المذهب أن من وجد مع امرأة وهما متهمان يضربان، وكذا من وجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب يؤدب. قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٦/ ٣٤٩): وسئل عن رجل يؤخذ مع المرأة في بيت واحد وهما متهمان، قال: يضربان ضرباً جيداً وجيعاً، قيل له: بثيابهما؟ قال: لا بل على حال تضرب الحدود. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وكذلك قال مالك في الذي يوجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب إنه يؤدب وإن قال إني صائم ولا يلتفت إلى قوله. وقال أبو العباس القرطبي في المفهم (١٤/ ١١٩): وجب على السلطان إذا وقع له أحد من هؤلاء أن يُغلِّظ العقوبة عليهم في أبدانهم بالضرب، والإهانة، وبإتلاف مال الربا عليهم بالصدقة به، كما يفعل بالمسلم إذا أجر نفسه في عمل الخمر، فإنه يتصدَّق بالأجرة، وبثمن الخمر إذا باعها. ويدلّ على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا﴾. أي: يفسخ عقده، ويرفع بركته، وتمام المحق بإتلاف عينه.

стр. 146

وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (٩/ ٣٦١ - ٣٦٢): وحمل الرجل الخمر علانية ومشيه مع المرأة الشابة يحادثها وما أشبه ذلك من المناكر الظاهرة لا يقدر على تغييرها جملة إلا السلطان، فواجب عليه أن ينكرها ويغيرها جهده، بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام (به) قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة. ولكن إذا عمل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم» (١). ويستحب لمن دعاه الإمام إلى ذلك أن يجيبه إليه إذا علم أن فيه قوة عليه كما قال مالك ﵀، لما في ذلك من التعاون على فعل الخير قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ومن لم يدع إلى ذلك فيجب عليه أن ينكر من ذلك ما أطلع عليه مما مر به واعترضه في طريقه

стр. 147

على الشرائط الثلاث. وأما الانتداب إلى ذلك والقيام بتفقده وتغيره فلا يجب على أحد في خاصة نفسه سوى الإمام. وفي نوادر ابن أبي زيد (١٤/ ٣١٧) نقلا عن كتاب ابن حبيب قلت لمطرف: فإذا رفع إلى الإمام أن في بيت فلان خمرا أيكشف عن ذلك؟ قال: أما المأبون بذلك أو مشهور بالخمر والسفه فأرى له تعاهده، وليكشف عن بيته، ذكر له عنه أو لم يذكر، وأما غير المعروف فلا يكشفه، وإن شهدوا على البيت. وقاله أصبغ. وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٦/ ٢٩٧): وسئل مالك أيحرق بيت الرجل الذي يوجد فيه الخمر يبيعها؟ فقال: لا. إنما وقع السؤال عن هذا لما جاء من أن عمر بن الخطاب أحرق بيت رجل من ثقيف يقال له رويشد الثقفي كان يبيع الخمر ووجد في بيته خمراً فقال له: أنت فويسق ولست رويشدا (١). فقوله في الرواية: إنه لا يحرق بيته هو المعلوم من مذهبه، لأنه لا يرى العقوبة في الأموال، إنما يراها في الأبدان. وقد قال في سماع أشهب من كتاب السلطان وأرى أن يضرب من انتهب ومن أنهب. وقد حكى ابن لبابة عن يحيى بن يحيي أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار، واحتج بحديث عمر بن الخطاب في حرقه بيت رويشد الثقفي لبيعه الخمر فيه، وقد حكى يحيى بن يحيى عن بعض أصحابه أن مالكاً كان يستحب حرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر، قيل له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين؟ قال: إذا تقدم إليه

стр. 148

فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بالنار، واحتج بفعل عمر بن الخطاب وهي رواية شهادة (١) في المذهب، لأن العقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي ﵇ في مانع الزكاة إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا. وما روي عنه في حريسة الجبل أن فيها غرم مثليها وجلدات نكال. وما روي عنه من أنه من أخذ من يصيد في حرم المدينة شيئاً فلمن أخذه سلبه، ومن مثل هذا كثير، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، وبالله التوفيق. وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (٩/ ٤١٦): في سماع أبي زيد من ابن القاسم: سئل مالك عن فاسد يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به. قال: يخرج من منزله وتحرز عنه الدار والبيوت. فقال: فقلت: لا تباع عليه؟ قال: لا، فلعله يتوب فيرجع إلى منزله. قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة أو مرتين، فإن لم يتب أخرج وأكري عليه. قال ابن رشد ﵀: قد قال مالك في الواضحة: «إنها تباع عليه» خلاف قوله في هذه الرواية، وقوله فيها أصح، لما ذكره من أنه قد يتوب فيرجع إلى منزله. ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء أخرج منها وأكريت عليه، ولم يفسخ كراؤه فيها، قاله في كراء الدور من المدونة (٢). ويجب على الحاكم المسلم القيام بواجب الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

стр. 149

فقد عرف المغرب خلال عصوره المتتابعة منذ عهد الأدارسة إقرار نظام الحسبة التي كان يقوم بها في البداية القاضي ثم تحولت بعد إلى منصب رسمي يسمى المحتسب (١). وكانت مهمته: مراقبة سير التجار والصناع والفلاحين وأحوال الناس في الأسواق والمساجد والحمامات وسائر المؤسسات وفق ضوابط الشريعة الإسلامية، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي عهد المرينيين أصبح للمحتسب مهمة رسمية تختص في المحافظة على ضوابط الشريعة (٢). وفي عهدهم ظهرت وظيفة صاحب الصلاة، وكانت وظيفته حمل الناس على الصلاة والحضور في أوقاتها والتشديد على المتهاونين فيها (٣). وهكذا فعل الوطاسيون بعد المرينيين، ثم السعديون، ثم العلويون إلى أن جاء الاستعمار فضعَّف بل همَّش دور المحتسب، وما زال الحال على ذلك إلى أيامنا هذه. ورغم إصدار الحسن الثاني لقانون رقم ٠٢.٨٢ بتاريخ ٢٨ شعبان ١٤٠٢/ ٢١ يونيو ١٩٨٢ يتعلق باختصاصات المحتسب وأمناء الحرف، وذكر منها مراقبة جودة المنتجات أو الخدمات وأثمانها والصدق في المعاملات والمحافظة على الصحة والنظافة والأفعال المنافية للآداب والأخلاق العامة

стр. 150

ونحو ذلك. لكنه بقي حبرا على ورق. ومن جهة أخرى فرغم وجود مصلحة في كل العمالات المغربية خاصة بالمحتسب، إلا أنها لا تقوم بدورها. قال محمد ميارة الكبير (ت١٠٢٣) في أول شرحه على لامية الزقاق: قد ألَّف الناس في خطة الحسبة بالخصوص تآليف، وقفت على جملة منها. وشاهدت في صغري كتبا عديدة على مرافع دكان المحتسب الكائن بالقشاشين. فقيل لي: إنها في أحكام الحسبة وما يتعلق بها، وهي محبسة على أن تكون هناك ليطالعها وينظر فيها من يتولى خطة الحسبة (١). وأغلب ملوك الدولة العلوية كان لهم محتسبون يتولون هذه الخطة ويقومون بواجباتهم فيها (٢). ومن أواخرهم السلطان الحسن الأول المتوفى سنة ١٣١١ (٣) والسلطان عبد الحفيظ، فإلى غاية ١٣٣١ كان المحتسب لازال يقوم بدوره (٤). ذكر ابن المناصف في تنبيه الحكام (٣٢٠) وتبعه العقباني في تحفة الناظر (٥٥ - فما بعد) لتغيير المنكر خمسة مراتب، بعضها أشد من بعض، بدءا بمجرد التنبيه إلى التغيير باليد: النوع الرابع: التغيير بملاقاة اليد لإزالة ذلك المنكر، وإذهاب وجوده، وذلك فيمن كان حاملا للخمر، أو لابس ثوب حرير، أو

стр. 151

خاتم ذهب، أو ماسكا لمال مغصوب، وعينُه قائمة بيده، وربه متظلم من بقاء ذلك بيده، طالب رفع المنكر في بقائه تحت حوزه وتصرفه. فأمثال هذا النوع لابد فيه مع الزجر والإغلاظ، من المباشرة للإزالة باليد أو ما يقوم مقام اليد، كأمر الأعوان الممتثلين أمر المغير في إزالتهم له بوازع الطاعة وإعمال المسارعة، فيريقون الخمر، وينزعون ثوب الحرير وخاتم الذهب، ويختطفون المغصوب من يد الغاصب ويردونه لمالكه، وما شاكل ذلك من أسباب السعي في زوال ذلك المنكر ومحو أثره. قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» (١). وكان سحنون إمام المالكية في عصره يغير المناكر في الأسواق، ويفرق حلق المبتدعة، ويمنع أن يكون المبتدعة أئمة أو معلمين. ترتيب المدارك (٤/ ٦٠). وفي ترتيب المدارك (٦/ ١٠٠) في ترجمة محمد بن عبد الله بن يحيى، المعروف بابن أبي عيسى: قال ابن حارث: فالتزم ابن أبي عيسى في قضائه الصرامة في تنفيذ الحقوق، وإقامة الحدود، والكشف عن أحوال الشهود، والصدع بالحق في السر والجهر، ولم يداهن ذا قدر، ولا أغضى لأحد من أصحاب السلطان عن هنة. حتى تحاموا جانبه. فلم يكونوا يطمعون فيه. وله في التقصي عن إخراج الحقوق من أكابر الناس أخبار كثيرة. ولقد أتى مرة وصيف معه آلة لهو، فأمر بكسرها. فقيل له: إنه لفلان - وسُمّي له رجل عظيم - فلم يثنه ذلك عن كسرها.

стр. 152

وفي تاريخ ابن الفرضي (٢٩١) في ترجمة العباس بن قرعوس أبي قرعوس والي سوق الأندلس: وكان يضرب ضربا شديدا ويشتد على أهل الريب. وأدرك رسولا للأمير وهو يحمل شرابا للأمير، فأمر بكسره وإهراقه وضرب الرسول ضربا وجيعا. وذكر ابن فرحون في تبصرة الحكام (٢/ ١٢٩) أن المتهم بالفجور كالسرقة وقطع الطريق والقتل والزنا لابد أن يكشفوا ويُسْتَقصى عليهم بقدر تهمتهم وشهرتهم بذلك. وراجع رسالتي المطبوعة: تغيير المنكر عند المالكية. ويجب على الحاكم المسلم إطعام الفقراء والمساكين، بل القضاء على الفقر والحرمان. لأن الشريعة تقوم على العدل، ولأن من واجب الحاكم رعاية مصالح الأمة: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾. [النساء٥٨]. قال القرطبي في تفسيره (٥/ ٢٥٦): والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات. وهذا اختيار الطبري. وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه. والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى.

стр. 153

وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. [النحل٧٦]. ونصت الشريعة على وجوب إطعام الفقراء: قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ [الإسراء٢٦]. وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم٣٨]. وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة١٧٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة٦٠]. وعن ابن عباس أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﷺ قال: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمنهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.

стр. 154

فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. رواه البخاري (٢/ ١٤٢٥) (٤/ ٤٠٩٠) ومسلم (١/ ١٩). وعن ابن عمر عن النبي ﷺ : كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته. متفق عليه. ويجب على الحاكم المسلم الفصل بين الرجل والمرأة قدر الإمكان، وذلك بتخصيص طبيبات وممرضات خاصة بالنساء، وإنشاء مسابح خاصة للرجال وأخرى للنساء. وتخصيص مدرسات للإناث ومدرسين للذكور. وإنما أباح المالكية مداواة الرجل للمرأة عند الضرورة: قال ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٨٠): وقد رخصوا أن يداوي الرجال عند الاضطرار النساء على سبيل السترة والاحتياط. ومن الناحية القانونية: تعتبر أحكام الشريعة الإسلامية فوق جميع الأحكام وأسماها وأعلاها. وقد جاء في بيان المؤتمر الثاني لجمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية المنعقد بمراكش أيام ١٤ - ١٥ - ١٦ جمادى الأولى ١٣٩٦ هـ موافق ١٤ - ١٥ - ١٦ ماي ١٩٧٦ م التأكيد على ضرورة جعل التشريع المغربي تشريعا إسلاميا مستمدا من أطر الإسلام وقواعده والأعراف المغربية الأصيلة (١). وأحكام الشريعة بعضها منصوص عليها في القرآن والسنة، فهذا القسم يجب الإذعان له، ولا يسمح لأي تشريع بتجاوزه وإقصائه. يعني لا يجوز سن

стр. 155

أي قانون يخالف حكما شرعيا مجمعا عليه. وكل قانون يخالفه يجب إلغاؤه والحرص على تبديله. وبعضها ترك الشرع مجالها مفتوحا للتطور والتغير، فهذه يجوز الاجتهاد في تشريع أحكامها مع ضرورة الانضباط بضوابط الشريعة العامة والخاصة المتعلقة بها. فمثلا قانون السير في الطرق لا توجد له أحكام تفصيلية خاصة لكن عندنا في الشريعة ضوابط كثيرة تضبطه، مثل: تحريم الاعتداء على حق الغير وعلى النفس، وكالدية مثلا عند القتل والقصاص عند الجرح، وحرمة الاعتداء على المسلم أو ترويعه. وأن من ألحق ضررا بملك غيره ضمن، وهكذا. وأما العقوبات الزجرية للمخالفات القانونية في السير التي لا نص فيها فهذه المجال فيها مفتوح للحاكم أو المؤسسات التي تعمل تحته لأنها عند الفقهاء داخلة في باب التعزير. قال القاضي الشماع الهنتاني في مطالع التمام ونصائح الأنام (١/ ٢٣٧): التعزيرات والعقوبة بالحبس وهو تأديب واستصلاح وزجر على الذنوب التي لم يشرع فيها حدود ولا كفارات. انتهى. وقد أطال العلامة والمناضل والوطني علال الفاسي في كتابه «دفاع عن الشريعة الإسلامية» الكلام على ضرورة انضباط القوانين بالشريعة الإسلامية. واعتبر أن ما تم تحقيقه في الحكومة الأولى بعد الاستقلال من كون القضاة جميعا مغاربة وأن تكون المرافعات باللغة العربية مكسبا هاما، لكنه غير كاف. وزاد (٢١): لا يكفينا ذلك، لأن الغاية عندنا ليس هي أن يحكم المغربي مكان

стр. 156

الأجنبي. ولكن الغاية هي أن يستعمل المغربي قانونا غير القانون الذي كان يستعمله الأجنبي. الغاية عندنا هي إعادة النظر في القوانين النافذة في المغرب في مختلف المحاكم الموجودة، وتوحيدها في قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية، أو هي الشريعة الإسلامية مدونة تدوينا عصريا، ومع الاجتهاد الضروري لسد حاجة العصر. وقال (٢٣): فإذا رضينا نحن بقوانين الأجنبي مكان قوانيننا، وإذا اخترنا لغته مكان لغتنا، وحضارته مكان حضارتنا، فمعنى ذلك أننا لم نزد على أن ورثنا سلطته وقمنا مقامه في تطبيق البرامج التي كان يعمل لها. وقال (٣٩): وتغيير القوانين لم يقصد منه إلا إضعاف العقيدة التي بني عليها المجتمع، ليسهل تحويله من نموذجه الإسلامي الأصلي إلى نموذج غربي على صورة المستعمر الفرنسي أو الإسباني بالنسبة إلينا. وقال (٤): لقد أصبح قسم من المسلمين -وجلهم من المسؤولين في الحكومات الإسلامية- يقومون مقام المستعمر في الذب عن الفكر الأجنبي المتمثل في القوانين المحدثة، وكيل الطعن المتوالي على الفقه الإسلامي ورجاله ودعاة العودة إليه. وحكى بمرارة كيف تم إيقاف العمل بسن القوانين الموافقة للشريعة وهو شاعد عيان على ذلك، قال ﵀ (٥ - ٦): وفي المغرب لم يكن يخطر ببال أحد من المناضلين الأولين أن القانون الذي وضعه الفرنسيون لمقاصد استعمارية سيصبح المتحكم في كل النشاط الإسلامي في المغرب. فبمجرد ما أعلن الاستقلال وتكونت الحكومة الأولى أصدر جلالة المرحوم محمد الخامس أمره

стр. 157

بتأسيس لجنة لتدوين الفقه الإسلامي استعدادا لجعله القانون الرسمي للدولة في جميع المحاكم التي أخذت تسير في طريق التوحيد. ولم يكن يخطر ببال جلالته ولا ببالنا نحن أعضاء لجنة التدوين الذين شرفهم جلالته بتعيينهم لأداء هذه المهمة أن عملنا سيقتصر على مجرد الأحوال الشخصية. والدليل على ذلك أننا اشتغلنا في قسم الأموال بعد إنجازنا للأحوال، ولكن قسم التشريع بالكتابة العامة الذي يشرف عليه لحد الآن فنيون فرنسيون أوقف أمر البت فيه، وترتب على ذلك أن توقف سير التدوين في بقية أبواب الفقه الأخرى. ثم حدث أن عرضنا على البرلمان المغربي وقت انعقاده مشروع قانون بتوحيد المحاكم والقوانين في المغرب صادق عليه النواب بالإجماع وأصبح نافذ المفعول، فكان من المنتظر التي تأسس لجان على الفور لإعادة النظر في القوانين التي قرر تطبيقها على المغاربة، لنسخها بقوانين مغربية تمثل مقتضيات الشريعة الإسلامية طبقا لروح التشريع المغربي وما فيه من اختيار ومن عمل. ولكن الأمر جرى بعكس هذا فقد استقر الوضع على إبقاء دار لقمان على ما هي عليه، وأصبحنا نسمع بإمكان نسخ المادة التي تمنع الربا على المسلمين وغير ذلك من كل ما ينافي الشريعة الإسلامية، بدعوى أن من الصعب أو المستحيل تطبيق الشريعة الإسلامية في المغرب الحديث نظرا لمنافاتها لكثير مما جرى به العمل وسارت عليه الأحوال. وزاد مؤكدا (٧): ولاشك أننا لو سايرنا التشريعات التي وضعها المستعمرون في كل من الهند وأندونيسيا والعالم العربي وإفريقيا لاستخرجنا منها حججا دامغة على أن مقاصد المستعمرين في تلك التشريعات لم تكن إلا هدم الكيان الوطني، وفسح المجال للاستعمار الرأسمالي الأجنبي. وفيما أعطيناه من

стр. 158

نماذج من القوانين التي وضعها المستعمرون في بلادنا ما يبين الحقيقة ويدل على ما وراءه. وقال (١٦٧): إن القوانين التي بين أيدينا والتي يريدون تطبيقها في عهد الاستقلال والتوحيد ليست صالحة للبقاء، ومراجعتها لا تكفي. لأن في دسمها سما لا يمكن التوقي منه. وإنما يجب أن تضع قوانينها من جديد مستمدين لها من الشريعة الإسلامية، غير مقصرين في تفهم المراحل القانونية التي اجتازتها بلادنا. وقال (٢١٩): وهكذا نرى مقاصد التشريع الاستعماري ساريا في كل فصول القوانين التي وضعها الفرنسيون والتي أصبحنا نقدسها ونعمل على تطبيقها على مواطنينا. وقال (٢٢١): إن إبقاءنا على القوانين الأجنبية أو اعتبارنا لها مصدرا من مصادر تشريعاتنا المقبلة هو عين الرضا بدوام الاستعمار، والإبقاء على بذوره في نفوسنا وأفكارنا إلى الأبد. انتهى. والأصل في التشريع القانوني في الإسلام: أن ما شرعت الشريعة له حكما يجب الالتزام به. وما استجد من أحداث يجب الاجتهاد من قبل أهل الاختصاص لتشريع أحكام تتعلق به. فليس كل تشريع حرام. والتشريع الممنوع هو التشريع الذي لا ينضبط بأحكام الشريعة أو المخالف لها. أما إذا انضبط وفقها فليس تشريعا ممنوعا. فالدستور مثلا يجب ألا يتضمن أي نص يخالف أحكام الشريعة. وكل القوانين التي تصدرها الحكومة يجب أن تكون وفق الشريعة الإسلامية. ويجب

стр. 159

أن تصدر قوانين تحرم كل المحرمات الشرعية كالخمر والقمار والخنزير والزنا واللواط وغيرها. في مشروع دستور عبد الكريم مراد الذي يعد ثاني مشروع دستور عرض في المغرب بعد مشروع علي زنيبر: ضرورة ضبط الأموال التي تأخذ من الناس بما يوافق الشريعة (١). وأن المحافظة على المعاهدات الأجنبية مشروطة بعدم مخالفة الشريعة (٢). وأن أصول مواد القوانين المغربية يجب أن تكون وفق ما أتت به الشريعة (٣). وأكد على وجوب إلغاء جميع الضرائب المخالفة للشريعة (٤). ونفس الشيء: نجده في المشروع الثالث للدستور المغربي: اشتراط موافقة المال الذي يجمع من الناس لأحكام الشريعة (٥). والشريعة بشمولها وعمومها شاملة لكل مستجدات الحياة مستغرقة لكل مجالاتها وأنحائها، وليس كما يقول العلمانيون: إن زمانها ولى وانتهى. ولننقل هنا فقرة طويلة في تقرير شمول الشريعة لكافة المستجدات والأحكام لعالم مالكي بارع:

стр. 160

قال الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٨١٦ - ٨١٨): إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله ﷺ فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم، ولم يمت رسول الله ﷺ حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك، حيث قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ فكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كذب بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. فلا يقال قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه، وأن مسائل الجد في الفرائض والحرام في الطلاق ومسألة الساقط على جريح محفوف بجرحى وسائر المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة، فأين الكمال فيها؟. فيقال في الجواب: أولا: إن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إن اعتبرت فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أوردتم ولكن المراد كلياتها فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان. نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة فلا بد من إعمالها ولا يسع تركها، وإذا ثبت في الشريعة اشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه. ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل فالجزئيات لا نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم. وقد نص العلماء على هذا المعنى فإنما المراد

стр. 161

الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجرى عليها ما لا نهاية له من النوازل. ثم نقول: ثانيا: إن النظر في كمالها بحسب خصوص الجزئيات يؤدى إلى الإشكال والالتباس، وإلا فهو الذي أدى إلى إيراد هذا السؤال إذ لو نظر السائل إلى الحالة التي وضعت عليها الشريعة وهي حالة الكلية لم يورد سؤاله لأنها موضوعة على الأبدية وإن وضعت الدنيا على الزوال والنهاية. وأما الجزئية فموضوعة على النهاية المؤدية إلى الحصر في التفصيل وإذ ذاك قد يتوهم أنها لم تكمل فيكون خلافا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية. ولا شك أن كلام الله هو الصادق وما خالفه فهو المخالف. فظاهر إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها، وأن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال، لأنها إما محتاج إليها وإما غير محتاج إليها. فإن كانت محتاجا إليها فهي مسائل الاجتهاد الجارية على الأصول الشرعية، فأحكامها قد تقدمت. ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل يستند خاصة. وإما غير محتاج إليها فهي البدع المحدثات. إذ لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في الشرع، لكنها مسكوت عنها بالفرض ولا دليل عليها فيه كما تقدم، فليست بمحتاج إليها. فعلى كل تقدير قد كمل الدين والحمد لله. انتهى. وكان القضاة المغاربة يستدعون العلماء لأخذ رأيهم في النوازل. ترتيب المدارك (٥/ ١٥٥).

стр. 162

وكان علي بن يوسف (أي: ابن تاشفين) واقفا كأبيه عند إشارة الفقهاء وأهل العلم قد رد جميع الأحكام إليهم. كما قال الناصري في الاستقصاء (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١). كل مس بالإسلام أو بقواعده العامة أو ثوابته يعتبر عملا غير دستوري، لأنه يتناقض والمادة الدستورية: الدين الرسمي للدولة هو الإسلام. فجعل دين الدولة الإسلام يستوجب احترامه والدفاع عنه وعدم المس به وبأصوله وثوابته. والمس به مس بالمجتمع ككل وبعقيدته وثوابته. ورغم الأهمية البالغة لهذه المادة، فلا يكفي التصريح بها في الدستور. بل لابد من جعل الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع. وجل العلمانيين يعادون هذه المادة، بل اعتبرها القمني لافتة طائفية (١)، وهي اعتداء صارخ على حقوق الإنسان الشخصية، وضغط على الضمير الإنساني، ولون شديد الفجاجة من التخلف في الميدان الحقوقي، ووصاية بغيضة على أرواح الناس (٢). وواضعها ذو عقلية أحادية فاشية طائفية عنصرية (٣). وكل هذا دليل واضح على الحقد الدفين على الإسلام، ولو تمت صياغته تحت لافتة الوحدة الوطنية، لأن النصارى واليهود لا يمثلون في الدول الإسلامية إلا نسبا ضئيلة جدا جدا من مجموع السكان، ومادة دين الدولة الإسلام تعني أن دين الأغلبية هو الإسلام، وهذا لا يعارض وجود نصارى ويهود فيها، ويكفي أن النصارى واليهود عاشوا قرونا عديدة تحت حكم

стр. 163

الشريعة ولم نعرف عن واحد منهم تذمرا من ذلك، إلا بعد مجيء العلمانية عدو الأديان جميعا. فتستر العلمانيون تحت هذا الشعار لضرب الأديان جميعا. ويجب تقييد القوانين التي يصادق عليها البرلمان بعدم مخالفة أحكام الشريعة وقواعدها. فإذا وافق الدستورُ أو القانونُ أو ما سنه مجلس الشعب الشريعةَ فهو محمود، وإذا خالفها فهو مذموم. والضابط في هذا: كل قانون يبيح ما حرم الله كالخمر أو الربا أو الزنا أو يحرم ما أوجب الله ورسوله كالحجاب فهو باطل ومحاداة لله ولرسوله. وكل قانون عكس ذلك فهو عين ما أمر الله به ورسوله. وإذا رأى البرلمان سن قانون في الدول الإسلامية بشرعية الشذوذ الجنسي أو زنا المحارم أو شرعية اتخاذ الخليلات أو منع الحجاب أو حتى منع الصلاة والصيام، بل منع الإسلام بأكمله، كما حدث في الاتحاد السوفياتي العلماني، فليس له ذلك. كما ترى العلمانية وتهدف إليه وتسعى لتحقيقه. وليست التشريعات القانونية في المفهوم العلماني خاضعة للإسلام وأحكامه. نعم لو انضبطت القوانين بأحكام الشريعة وصِيغ الدستور وفق مبادئ الشريعة فهنا سيكون الحديث عن دستورية القوانين حديث عن شرعيتها في نفس الوقت. وهكذا يقال في حقوق الإنسان، فنحن نفرق بين حق الإنسان في السكن والعمل والعيش الكريم وغير ذلك، فهذا محمود جاءت الشريعة باعتباره. وبين حق الإنسان في الزنا واللواط والخمر ومعاشرة الخليلات فهذا مذموم قد جاءت الشريعة بمنعه.

стр. 164

والواجب أن نفهم حقوق الإنسان في إطار حضارتنا وثقافتنا وقيمنا. ولذلك فيتعين التعبير بلفظ: حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها إسلاميا، بدل التعبير بلفظ: حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا، كما يفضل معظم العلمانيين. فحقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها دوليا تعني الشذوذ الجنسي والدعارة المنظمة وممارسة الجنس الحر بالتراضي. فهل هذا ما تريد القوى العلمانية؟ وبالتالي فنحن هنا نتحدث عن أسلمة حقوق الإنسان، كما نتحدث عن أسلمة علم النفس وأسلمة علم الاجتماع وغير ذلك. وسأعود لبسط الكلام في هذا في كتاب مفرد حول السياسة الشرعية الإسلامية إن شاء الله تعالى. وقد تكلم عدد من المعاصرين في الثابت والمتغير في أحكام الشريعة ورأيت بعضهم زعم أن أغلب الأحكام مرنة قابلة للتطور، حتى قال أحد كبارهم إن ٩٩% من الأحكام كذلك. ورأيت بعضا آخر زعم أن الشريعة فصلت كل شيء ولم تترك للاجتهاد مجالا حتى تفاصيل أحكام السياسة، وظهر لي أن كلا القولين فيهما إفراط وتفريط، وأن الصواب أن الأحكام في الإسلام على ثلاثة أقسام (١): ١ - قسم ثابت مطرد الأصول والفروع لا يلحقه تغير وتبديل مهما تطورت الحياة وتعقدت. مثل الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والحج وغيرها، وأحكام الزواج والطلاق، والمحرمات المشهورة كالزنا والسرقة والخيانة والربا.

стр. 165

٢ - قسم ثابت الأصول متجدد في أكثر الفروع. فهذا القسم وضعت له الشريعة قواعد وضوابط عامة لا يجوز الخروج عليها، وفصلت بعض فروعه مثل: أن يكون الحكم بما أنزل الله، وأن يكون شوريا، وأن تراعى فيه جلب المصالح للمسلمين ودرء المفاسد، وسياسة الناس بالعدل، وحفظ الأمن العام للرعية. وتركت تفصيل فروع أخرى رحمة من غير نسيان إلى اجتهاد العلماء ككيفية وشروط البيعة والعزل وتحديد الشورى وكيفية تنظيم الولايات والقضاء، والقوانين الإدارية لضبط الإدارات العمومية من وزارات ومندوبيات وغيرها والقوانين المنظمة للشركات والعمال وحقوقهم وواجباتهم وغير ذلك ... هذا من الناحية السياسية، وأما من الناحية الاقتصادية فقد نصت النصوص على أصول منها: إن المال كله لله والبشر مستخلفون فيه، ووجوب تأمين الضروريات لكل فرد، وتحريم أكل المال بالباطل، وتحريم الربا والاحتكار والغش والميسر وغيرها ... وأما أسلوب وضع الخطط الاقتصادية وضمان تحقيق هذه الأصول وكيفية التعامل بين المؤسسات العامة والخاصة وإشراف الدولة أو سيطرتها على الإنتاج أو التجارة فهي موكولة أيضا إلى اجتهاد العلماء في حدود تلك الأصول بشروط الاجتهاد المعتبرة عند العلماء. ٣ - الأمور الدنيوية المحضة التي لا علاقة لها بالحلال والحرام كأنشطة الزراعة والصناعة والعمارة وغيرها، أي: وسائل وطرق الإنتاج. ونعني بها

стр. 166

الأمور الإجرائية العملية، أو ما يسمى بالمسائل التقنية. كالبذور والأدوية وفترات الإنتاج. مع وجوب عدم خروجها عن أصول الشريعة وقواعدها. فائدة: الذي وضع الدستور المغربي هو: دوفيرجي وتمت الموافقة عليه في ٧/ ١٢/١٩٦٢ (١). ولما صدر دستور ١٩٦٢ أفتى الشيخ مولاي العربي العلوي بعدم جوازه بحجة أن الحاكم ينفذ ولا يشرع، أي ليس له حق تشريع الأحكام وإنما هو منفذ فقط (٢). ومن الناحية الاقتصادية: يهدف الاقتصاد الإسلامي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، بتوزيع الثروة توزيعا عادلا. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. ويقوم على مقومات وخصائص أهمها: ١ - تسخير ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء. ٢ - حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية. ٣ - مراعاة المصلحة الفردية.

стр. 167

٤ - مراعاة مصلحة الجماعة، التي هي مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف. ٥ - محاربة الفوائد الربوية بشتى طرقها (١). لا يُغَلب المصلحة الفردية كما هو الحال بالنسبة للمذهب الرأسمالي، ولا يغلب المصلحة العامة على الفردية كما هو الحال في المذهب الاشتراكي. بل هو وسط بينهما. وتطبيق الشريعة في الميدان الاقتصادي يعني إقامة اقتصاد قوي يلبي الحاجيات الوطنية ويحقق الاكتفاء الذاتي، ويقضي على التبعية الخارجية. ويجب ضبط كل المعاملات الاقتصادية بأحكام الشريعة. والحرص على منع كل المعاملات الاقتصادية غير الشرعية كتجارة الخمور والربا والخنزير والميسر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة٩٠. وقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ البقرة١٧٣. فكل المعاملات التي حرمتها الشريعة يجب الحرص على إبعادها عن المعاملات الاقتصادية. وفي الحلال غنية عن الحرام.

стр. 168

قال ابن كنانة: لا ينبغي أن يباع العنب أو العصير ممن يتخذه خمراً، لا من نصراني ولا من مسلم، ولا يباع السلاح ممن يقاتل به المسلمين، ولا تباع الأرض ممن يبني فيها كنيسة، ولا تباع الخشبة ممن يتخذ منها صنما. قال: وأكره أن يكون الإنسان عونا على الإثم، قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. انتهى مصححا من البيان والتحصيل (١٨/ ٦١٣). تقوم الاقتصادات العلمانية على تحييد المفاهيم الدينية وعزلها عن الاقتصاد، ولا تعترف بمفهوم الحلال والحرام الإسلامي. فكل ما حقق الربح فهو حلال في المذهب العلماني. أما الشريعة الإسلامية فترى أن ما حرمه الله من الأعيان يحرم تداولها بيعا وشراء وغير ذلك. فلا يجوز شرعا للمسلم السماح ببيع الخمور في بلاد المسلمين. ويمنع على الدولة الترخيص لكل مؤسسة اقتصادية أو غيرها ببيع الخمور. ويجب عليها منع الميسر والقمار في أشكاله المختلفة مثل: اللوطو، والكينو، والجوكر، وتوتوفوت، وغيرها المنتشرة في بلادنا. قال ابن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري (٩/ ٧٣): ولم يختلف العلماء أن القمار محرم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ﴾ الآية، واتفق أهل التأويل أن الميسر هاهنا القمار كله. وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٨٠): ولم يختلف العلماء أن القمار من الميسر المحرم.

стр. 169

وقال في الاستذكار (٩/ ٤٢١): وأما القمار فلا يجوز عند أحد منهم في شيء من الأشياء وأكل المال به باطل على كل حال قال الله : ﴿وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء ٢٩]. ويجب منع الربا ومنع كل المؤسسات الربوية كالبنوك التي تتعامل بالربا من العمل في البلاد الإسلامية. ويجب أن تحل محلها بنوك إسلامية تعتمد مبدأ المضاربة والسَّلَم وغيرها من أحكام الشريعة. وقد أثبتت هذه البنوك نجاعتها وقوتها وقدرتها على مواجهة التحديات. بل اعترفت كثير من دول الغرب بها، وحاولت الاستفادة من تجربتها وخصوصا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية. ومن العجب أن تجد بنوكا إسلامية في الدول الغربية، وتمنع في بلاد المسلمين!!!. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة٢٧٥]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة٢٧٨]. قال العقباني في تحفة الناظر (٤٦٥): وهذه الوجوه من الربا وفساد المعاوضة كثيرة جدا، فيجب على الحكام البحث عنها والاجتهاد على قدر الطاقة والاشتداد، وأن يقدموا في الأسواق التي يكثر ذلك فيها أمناء ثقات علماء، ليردعوا عن مواقعته من يتعاطاه من أهل الشر والفساد، ويعلموا جهلة الناس

стр. 170

بقوة وعزيمة وجلاد، وعلى فاعل الربا العقوبة الموجعة إن لم يعذر بجهل، والله المؤيد للنصرة على الحق، وإذعان الكافة له من الخلق. انتهى. وللاقتصاد الإسلامي آلياته ومقوماته الخاصة البعيدة عن الربا والغش والجهالة، تراجع في مظانه. ويقوم الاقتصاد الإسلامي على مداخل هامة تغني عن الضرائب، منها: الزكاة العامة وزكاة الفطر والصدقات. فمن واجب الحاكم جمع الزكاة الشرعية وتفريقها على مستحقيها الذين دلت عليهم الشريعة. وهي أحد أركان الإسلام الهامة، التي أوجب المالكية على الحاكم المسلم جمعها وتفريقها على مستحقيها، قال مالك: الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه. قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢١٦) معلقا: لا خلاف بين العلماء أن للإمام المطالبة بالزكاة، وأن من أقر بوجوبها عليه أو قامت عليه بها بينة كان للإمام أخذها منه. وعلى هذا يجب على من امتنع من أدائها ونصب الحرب دونها أن يقاتل مع الإمام، فإن أتى القتال على نفسه فدمه هدر ويؤخذ منه ماله. إلى أن قال: وأما من منعها جاحدا لها فهي ردة بإجماع. وفي المدونة الكبرى (١/ ٣٣٤): باب أخذ الإمام الزكاة من المانع زكاته. وفي المنتقى شرح الموطأ للباجي (٢/ ٨٠) أن الإمام هو المسؤول عن جمع الزكاة.

стр. 171

وفي الثمر الداني (١/ ٣٢٢) وكفاية الطالب الرباني (١/ ٥٩٤) أن دليل فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع من جحد وجوبها فهو كافر ومن أقر بوجوبها وامتنع من أدائها ضرب، وأخذت منه كرها وتجزئه ولا يكفر. وعن ابن حبيب يكفر واستبعد. وليست الزكاة إحسانا تفضليا تطوعيا من الغني للفقير، بل هي فريضة إسلامية لازمة وركن من أركان الإسلام، ونظام اقتصادي تشرف عليه الدولة ويُلزم به الحاكم، ووضع له القرآن والسنة آلياته وضوابطه وحدد الأصناف المستهدفين منه وبيّن مقاديره، بل جعل له جهازا خاصا سماه: العاملين عليها. أي: الجباة الذين يجمعونها ويوزعونها. وجعل لهم القرآن أجرهم من الزكاة ليضمن استقلاليته واستمراريته. بل نص الشرع على إجبارية دفعها وأن من امتنع عن أدائها من الطوائف والجماعات يقاتل عليها، كما فعل أبو بكر مع الممتنعين عن أدائها وسماهم أهل الردة. وأجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة كما قاتلوا أهل الردة وسماهم بعضهم أهل ردة على الاتساع لأنهم ارتدوا عن أداء الزكاة ومعلوم مشهور عنهم أنهم قالوا: ما تركنا ديننا ولكن شححنا على أموالنا فكما جاز قتالهم عند جميع الصحابة على منعهم الزكاة، وكان ذلك عندهم في معنى قوله ﵇ إلا بحقها. كما قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٨٢). وقد ذكر محمد بن إبراهيم السباعي المراكشي ت١٣٣٢/ ١٩١٤ في الكتاب الذي أيد فيه خلع أهل مراكش المولى عبد العزيز وتعيين المولى عبد

стр. 172

الحفيظ مكانه أن من أسباب الخلع تركه جمع الزكاة وعدم حمل المسلمين على جمعها، ومما قال (٤أ) (١): وقد حملوا المسلمين على تركها وتماديهم السنين المتتابعة على ذلك من غير أوبة ولا توبة يدل على اعتقادهم أن لا حرج في ذلك، وهو من معنى إنكار وجوبها والاتفاق على أن من أنكر ما علم من الدين بالضرورة كافر، كيف وهم متهاونون فيها وحملوا الناس على ( ... ) (٢). وقد جرى عمل كثير من حكام المغرب على منع الضرائب وجمع الزكاة الشرعية. فأبطل المرابطون المكوس وهي ضرائب كانت على الناس وأخذوا الزكاة (٣). وقد أسقط السلطان العلوي المولى سليمان المكوس أي: الضرائب على السلع واكتفى بالزكوات: قال العباس بن إبراهيم في الإعلام (١٠/ ١١١) بعد أن ذكر أن أموال المكوس كانت تغطي أغلب مصاريف الدولة: فزهد فيه هذا السلطان العادل، فعوضه الله أكثر منه من الحلال المحض الذي هو الزكوات والأعشار من القبائل، وزكوات أموال التجار والعشر المأخوذ من تجار النصارى وأهل الذمة بالمراسي.

стр. 173

وكذا لما تغلب المرابطون على الحكم أمر عبد الله بن ياسين عماله بإقامة العدل وإظهار السنة وأخذ الزكوات والأعشار وإسقاط ما سوى ذلك من المغارم المحدثة. الإعلام (١/ ١٩٦). وغيَّر ما وجد من المنكرات وقطع المزامير وآلة اللهو وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور وأزال المكوس وأسقط المغارم المخزنية ومحا ما أوجب الكتاب والسنة محوه. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (٢/ ١٣). وقد تقدم من هذا أشياء كثيرة عند حديثنا عن مسألة الزكاة وإبدالها بالضريبة. ولو ضربنا مثلا بالإنتاج المغربي من الأصناف التالية وجمعنا مقدار الزكاة لكانت الحصيلة مذهلة: النوع ... الإنتاج ... الزكاة الشرعية ... ثمن الطن ... المبلغ الحبوب ... ١٠٤مليون قنطار ... ٨ مليون قنطار ... ٢٥٠٠ درهم ... ٢ مليار درهم العنب ... ٢٣٠ ألف طن ... ١١ ألف طن ... ١٥٠٠ درهم ... ١٦ مليون درهم البطاطس ... ١٥٣٦٥٦٠ طن ... ٧٦ ألف طن ... ١٥٠٠درهم ... ١١٤ مليون درهم الطماطم ... ١٣١٢٣١٠ طن ... ٦٥ ألف طن ... ١٥٠٠درهم ... ٩٧ مليون درهم الفول ... ١٨٢١٨٠ طن ... ١٨ ألف طن ... ١٥٠٠درهم ... ٢٧ مليون درهم البصل ... ٦٦٢١٤٠ طن ... ٣٣ ألف طن ... ١٠٠٠درهم ... ٣٣ مليون درهم التفاح ... ٤٠٤٣١٠ طن ... ٢٠ ألف طن ... ٣٠٠٠ درهم ... ٦٠ مليون درهم البرتقال ... ٧٨٠٠٠٠ طن ... ٣٩ ألف طن ... ٢٠٠٠ درهم ... ٧٨ مليون درهم اللوز ... ٨٦٩٠٢ طن ... ٤ آلاف طن ... ٣٥٠٠٠ درهم ... ١٤٠ مليون درهم التمر ... ٩٠٠٠٠ طن ... ٦٥٠٠ ... ٥٠٠٠ درهم ... ٣٢ مليون درهم الزيتون ... ١.٥ مليون طن ... ١١٢٥٠٠ طن ... ٢٠٠٠ ... ٢٢٥ مليون درهم المجموع ... ٢٨٢٢ مليون درهم

стр. 174

زكاة الماشية: النوع ... الإنتاج ... الزكاة الشرعية ... ثمن الواحد ... المبلغ البقر ... ٢٧٨٩٠٠٠ ... ٩٣٩٦٩جذعة ... ٥٠٠ درهم ... ٤٦ مليون درهم الغنم ... ١٧٠٩٣٠٠٠ ... ٤٢٧٣٢٥شاة ... ١٠٠٠ درهم ... ٤٢٧ مليون درهم الماعز ... ٥٢٨٣٠٠٠ ... ١٣٢٠٧٥ ... ٥٠٠ درهم ... ٦٦ مليون درهم المجموع ... ٥٣٩ مليون درهم زكاة المعادن: النوع ... الإنتاج ... الزكاة الشرعية ... ثمن الطن ... المبلغ الفوسفاط ... ٣٠ مليون طن ... ٦ مليون طن ... ١٢٨٠ درهم ... ٧.٦ مليار درهم وأما زكاة الفطر فمتوسط ما يدفع فيها في المغرب نقدا هو: ١٠ دراهم لكل فرد، فمجموع زكاة الفطر هو: ٣٠ مليون × ١٠ دراهم = ٣٠٠ مليون درهم. والمجموع العام التقريبي للزكاة في المغرب أكثر من: ١١ مليار درهم (١). لاشك أن هذا الرقم هائل، لو خصص للفقراء سنويا لما بقي فقير في المغرب.

стр. 175

ولهذا لا يجوز شرعا أن تدفع أموال طائلة لشراء الأفلام لعرضها في القنوات المغربية وإقامة المهرجانات كمهرجان موازين، مع أن الفقراء يملؤون أرجاء البلاد. بل إن صرف الأموال على هذه المهرجانات بدل صرفها للفقراء حرام شرعا، لأنه إهدار للمال العام مع وجود من هو أولى به. والمليارات التي تدفع للمغنين في مهرجان موازين كافية لإنشاء سد عملاق يحد من فقر الفلاح المغربي وعوزه. ويجب على الحاكم المسلم منع العقود المالية المخالفة للشريعة: وقد نص علماء المالكية على ذلك: قال ابن فرحون في تبصرته (٢/ ٢٧٠): عقود الربا وعقود العينة وسلف جر منفعة وما أشبهه فكل هذه وما جرى مجراها يجب على الحاكم المنع منه ابتداء، إذا علم به وفسخه إذا طلع عليه مع تأديب من اعتاد تعاطي هذه العقود. وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (٩/ ٣٩٤ - ٣٩٥): وسئل عن الذي يبيع العنب ممن يعصره خمراً أو يكري حانوته ممن يبيع الخمر، أو يكري دابته إلى الكنيسة، أو يبيع شاته ممن يذبحها لأعياد النصارى، قال: أما بيع العنب ممن يعصره خمراً، أو كراء البيت ممن يبيع الخمر، فأرى أن يفسخ الكراء ويرد البيع ما لم يفت، فإن فات تم البيع ولم أفسخه، وأما كراء الدابة وبيع الشاة فإنه يمضى ولا يرد، وقد اختلف في كراء الدابة قول مالك، فمن ثم رأيت له ذلك. وبلغني عن أشهب أنه سئل عن الذي يبيع كرمه من النصراني، فقال: أرى أن تباع على النصراني، بمنزلة شرائه العبد المسلم.

стр. 176

وقد ذكر ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٤٤) من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغاء والسحت والرشاوي وأخذ الأجرة على النياحة والغناء وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء وعلى الرمز واللعب والباطل كله. ومِن كسب الحرام المجتمع عليه أيضا الغصب والسرقة وكل ما لا تطيب به نفس مالكه من مال مسلم أو ذمي وهو ما يستباح الناس قتله. انتهى. وكل المراكز أو النوادي التي يباع فيها الخمر ويجتمع فيها الفساق لشرب الخمر والرقص ونحو ذلك يجب إغلاقها ومنع فعل ذلك فيها: قال العتبي في العتبية: قال أبو زيد: قال ابن القاسم: سئل مالك عن فاسد يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله وتحرز عليه الدار والبيوت، فقال: فقلت: لا تباع؟ قال: لا، فلعله يتوب فيرجع إلى منزله، قال ابن القاسم يتقدم إليه مرة أو مرتين فإن لم يتب أخرج وأكرى عليه. قال ابن رشد شارحا في البيان والتحصيل (٩/ ٤١٦ - ٤١٧): قد قال مالك في الواضحة إنها تباع عليه، خلاف قوله في هذه الرواية، وقوله فيها يصح لما ذكره من أنه قد يتوب فيرجع إلى منزله، ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء أخرج منها وأكريت وقد روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار، وقال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكاً كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر، قيل: وقبل النصراني يبيع الخمر من المسلمين، قال: إذا تقدم إليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار، قال: وحدثني الليث أن عمر

стр. 177

بن الخطاب حرق بيت رويشد الثقفي لأنه كان يبيع الخمر، وقال له: أنت فويسق ولست رويشد (١)، وبالله التوفيق. وقال اللخمي في الذخيرة (٥/ ٣٩٧): ويمتنع إجارة الحوانيت والدور إذا كان يفعل فيها المحرمات كبيع الخمور والمغصوب وآلات الحروب لأن الغالب اليوم أن لا يقاتل بها إلا المسلمون. ونص الدردير في الشرح الكبير (٤/ ٢١) على أنه لا يجوز إجارة محل لمن يعصي الله فيه كتعليم الغناء أو دار لتتخذ كنيسة أو مجمعا لفساق أو خمارة. وقال أحمد الصاوي في بلغة السالك لأقرب المسالك (٣/ ٨): كذلك يمنع بيع كل شيء علم أن المشتري قصد به أمرا لا يجوز. كبيع جارية لأهل الفساد أو مملوك، أو بيع أرض لتتخذ كنيسة أو خمارة، أو خشبة لتتخذ صليبا، أو عنبا لمن يعصره خمرا، أو نحاسا لمن يتخذه ناقوسا، أو آلة حرب للحربيين، وكذا كل ما فيه قوة لأهل الحرب. هذا هو رأي المذهب المالكي في بيع أو كراء شيء لمن يعصي الله فيه، فبيع الخمر لمن يتخذه خمرا حرام، وكراء رجل محله لمن يتخذه خمارة أو ناديا أو مركزا ليجتمع فيه الشبان والشابات أو ليقام فيه بنك أو محل للميسر حرام في مذهب إمامنا مالك ﵀.

стр. 178

ملحق: قرارات مجمع الفقه الإسلامي: قرار بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وقرار بشأن العلمانية. وقرار بشأن الإٍسلام في مواجهة الحداثة الشاملة. وقرار بشأن القراءة الجديدة للقرآن وللنصوص الدينية. ومجمع الفقه الإسلامي هو هيئة دولية رسمية أنشأت تنفيذا للقرار رقم ٨/ ٣ - ث (ق. أ) الصادر عن مؤتمر القمة الإسلامي الثالث «دورة فلسطين والقدس» الذي انعقد في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية في الفترة من ١٩ - ٢٢ ربيع الأول ١٤٠١هـ (٢٥ - ٢٨ يناير ١٩٨١م). وهو تابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم في عضويتها كافة الدول الإسلامية. يتكون أعضاؤه من عشرات الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة الفقهية والثقافية والعلمية والاقتصادية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي لدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهادا أصيلا فاعلا بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الإسلامي والمنفتحة على تطور الفكر الإسلامي. ولذلك فهذه القرارات تتمتع بقوة ومصداقية عالية، ولن يقال عنها إنها رأي لبعض المتشددين. لذلك رأيت نشرها هنا.

стр. 179

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين قرار رقم: ٤٨ (١٠/ ٥) (١) بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ - ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ الموافق ١٠ - ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبمراعاة أن مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي انبثق عن إرادة خيّرة من مؤتمر القمة الإسلامية الثالث بمكة المكرمة، بهدف البحث عن حلول شرعية لمشكلات الأمة الإسلامية وضبط قضايا حياة المسلمين بضوابط الشريعة الإسلامية، وإزالة سائر العوائق التي تحول دون تطبيق شريعة الله، وتهيئة جميع السبل اللازمة لتطبيقها، إقراراً بحاكمية الله تعالى، وتحقيقاً لسيادة شريعته، وإزالة للتناقض القائم بين بعض حكام المسلمين وشعوبهم، وإزالة لأسباب التوتر والتناقض والصراع في ديارهم، وتوفيراً للأمن في بلاد المسلمين. قرر ما يلي: إن أول واجب على من يلي أمور المسلمين تطبيق شريعة الله فيهم.

стр. 180

ويناشد جميع الحكومات في بلاد المسلمين المبادرة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وتحكيمها تحكيماً تاماً كاملاً مستقراً، في جميع مجالات الحياة، ودعوة المجتمعات الإسلامية، أفراداً وشعوباً ودولاً، للالتزام بدين الله تعالى، وتطبيق شريعته، باعتبار هذا الدين عقيدة وشريعة وسلوكاً ونظام حياة. ويوصي بما يلي: أ - مواصلة المجمع الأبحاث والدراسات المتعمقة في الجوانب المختلفة لموضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، ومتابعة ما يتم تنفيذه بهذا الشأن في البلاد الإسلامية. ب - التنسيق بين المجمع وبين المؤسسات العلمية الأخرى التي تهتم بموضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، وتعد الخطط والوسائل والدراسات الكفيلة بإزالة العقبات والشبهات التي تعيق تطبيق الشريعة في البلاد الإسلامية. ج - تجميع مشروعات القوانين الإسلامية التي تم إعدادها في مختلف البلاد الإسلامية ودراستها للاستفادة منها. د - الدعوة إلى إصلاح مناهج التربية والتعليم ووسائل الإعلام المختلفة، وتوظيفها للعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية، وإعداد جيل مسلم يحتكم إلى شرع الله تعالى. هـ- التوسع في تأهيل الدارسين والخريجين من قضاة ووكلاء نيابة ومحامين لإعداد الطاقات اللازمة لتطبيق الشريعة الإسلامية. والله الموفق.
следующие страницы →