← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96924

العلمانية والمذهب المالكي

مصطفى باحو

Полный текст (193 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وسؤال الإعداد عن صالحيهم واغشائهم البحر أفضل المرابطة والجهاد وبيعهم النفوس من الله في سبيله وجهاد عدوه ما يدل على رسوخ إيمانهم وصحة معتقداتهم ومتين ديانتهم التي كانت ملاكا لعزهم ومقادا إلى سلطانهم وملكهم وكان المبرز منهم في هذا المنتحل يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن على وبنوهم ثم يعقوب بن عبد الحق من بعدهم وبنوه، فقد كان لهم في الاهتمام بالعلم والجهاد وتشييد المدارس واختطاط الزوايا والربط وسد الثغور، وبذل النفس في ذات الله وإنفاق الأموال في سبيل الخيرات، ثم مخالطة أهل العلم وترفيع مكانهم في مجالستهم، ومفاوضتهم في الاقتداء بالشريعة والانقياد لإشاراتهم في الوقائع والأحكام، ومطالعة سير الأنبياء وأخبار الأولياء وقراءتها بين أيديهم من دواوين ملكهم ومجالس أحكامهم وقصور عزهم، والتعرض بالمعاقل لسماع شكوى المتظلمين وإنصاف الرعايا من العمال، والضرب على يد أهل الجور، واتخاذ المساجد بصحن دورهم وشدة خلافهم وملكهم يعمرونها بالصلوات والتسبيحات والقراء المرتبين لتلاوة كتاب الله أحزابا بالعشي والإشراق على الأيام وتحصين ثغور المسلمين بالبنيان المشيد والكتائب المجهزة وإنفاق الأموال العريضة شهدت لهم بذلك آثار تخلفوها بعدهم. انتهى. والقبائل البربرية مليئة بالمساجد والمدارس العلمية التي تدرس القرآن وعلوم الشريعة، وكان فيها القضاة الذين يحكمون بالفقه المالكي منذ أقدم العصور، وكان في كل مسجد فقيه يرجع الناس إليه في شتى شؤونهم الخاصة والعامة ويسترشدون برأيه في كافة القضايا (١).

стр. 107

ومطالعة بسيطة في كتب تواريخ المغرب و «سوس العالمة» و «المعسول» كافية لمطالعة عشرات الشواهد الدالة على ذلك. وبمجرد صدور الظهير البربري أقفلت المحاكم الشرعية التي أنشأت منذ عدة قرون، كما أقفلت المدارس التي يعلم فيها القرآن، وكذلك عزل قضاة القبائل البربرية (١)، وحظر الوعاظ من التجوال بين القبائل، كما أكد الكاتب الفرنسي دانيل جوران (٢). وزاد: وفي نفس الوقت الذي طرد فيه القضاة الشرعيون وأغلقت المدارس الإسلامية زيدت قوات المبشرين المسيحيين في بلاد البربر كما لو كان الأمر من طريق المصادفة، وأنشأت مدارس ومعاهد من كل نوع وفي كل مكان، ويديرها الآباء الفرنسيسكان. وتلك المنشآت ينفق عليها بسخاء من الميزانية المراكشية وقد حولت الإيرادات والأوقاف الإسلامية للإنفاق على بنائها وتعميرها (٣). كما قامت فرنسا بإخراج القضاء الإسلامي من ميزانية الدولة المغربية (٤).

стр. 108

قال لوسيان مينو في مقال «ماذا يجري في المغرب» نشر في جريدة الشعب الباريسية بتاريخ ٢٢ أكتوبر ١٩٣٠: فإن الاستعباد الفرنسي قد ألقى بذلك اللثام إلى الأرض وكشف عن وجهه الحقيقي الوضاح فأصدر يوم ١٦ ماي السالف الظهير الذي أخرج البرابرة من الشريعة الإسلامية وأفلتهم من نفوذ السلطة الإدارية المغربية. وزاد: ولمجرد صدور الظهير أقفلت المحاكم الإسلامية المؤسسة منذ قرون خلت، وطرد القضاة الشرعيون، ومن ذلك اليوم فصاعدا أصبحت تلاوة القرآن وإقامة الصلاة واستعمال اللغة العربية أشياء محظورة محرمة بين البرابرة (١). وعلقت جريدة (الطان) في عددها الصادر يوم ٢٧ ماي ١٩٣٠ أي: بعد ١١ يوما من صدور الظهير: الآن تخلصت قبائل البربر من سلطة الشريعة الإسلامية (٢). ١ - فرنسة البربر أحد أهم أهداف السياسة البربرية . إن السيطرة الفكرية على شعب ما عن طريق اللغة هي إحدى الوسائل التي تنبه لها الاستعمار منذ فجر حياته، وقرر أهميتها لأغراض السيطرة السياسية والاقتصادية، وكذلك رأينا الدول الاستعمارية تخصص في ميزانياتها مبالغ طائلة لنشر لغاتها، خصوصا في الأقطار التي تدور في فلكها، أو تقع في مناطق نفوذها (٣).

стр. 109

بيَّن جورج سوردون في محاضرة ألقاها بتاريخ ٢١ يونيو سنة ١٩٢٩ لمعهد الدروس المغربية العليا بالرباط تحت رئاسة المقيم العام لوسيان سان أنه لا بد من دمج البربر بفرنسا ولتحقيق هذا الاندماج من طريق القانون مفيد جدا في نظري فليس لنا إلا الشروع في العمل بعزيمة وثبات (١). وكتب أحد كبار الموظفين الاستعماريين في المغرب في رسالته رقم ٣٨٨٨ المعلمة بحرف CH والمؤرخة بتاريخ ١٣ يونيو سنة ١٩٢٧ يقول: إن مبدأ استقلال العرف البربري ودوائر اختصاصه عن الشرع الإسلامي، مبدأ فيه أكبر مصلحة سياسية لفرنسا، وإن إبعاد الشرع الإسلامي من جميع بلاد البربر بشكل نهائي مطلق، يسمح لنا في يوم قد يكون بعيدا شيئا ما، بإنشاء نظام معقول للعدلية البربرية في اتجاه فرنسي خالص (٢). وقال المقيم العام في المغرب ليوطي في دورية بتاريخ ١٦/ ٠٦/١٩٢١ إلى رؤساء المناطق المدنية والعسكرية التابعة للإقامة العامة الفرنسية: إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج إطار الإسلام، ومن الناحية اللغوية علينا أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية (٣).

стр. 110

وقد نوه بهذه الدورية وأثنى على مضمونها كتاب استعماريون فرنسيون منهم بول مارتي وموريس لوجلي وفكتور بيكي وزغود فروي ديمونبين (١). إذن فالهدف من السياسة البربرية فرنسة البربر، وهذا ما أكده كذلك فيكتور بكي في كتابه الشعب المغربي أو العنصر البربري، المطبوع في باريس عام ١٩٢٥ (ص ٢٨٧ إلى ص ٣٠١)، ومما جاء فيه: فيجب أن نعلم البرابر اللغة الفرنسية بلا واسطة لغة أخرى (٢). وقال في نفس الكتاب الذي طبع بإعانة حكومة الحماية: فهؤلاء الناس (أي: البربر) يمكنهم ويجب أن يصيروا فرنسيين لغة وفكرا، وكل من زار أهل بوادي (حاحا) وكان في ضيافتهم وكل من رأى أهل جبال الأطلس المنعزلين لا يمكنه أن يشك أن بلاد البربر تصير مقاطعة فرنسية محضة (٣). وقال الكمندان مارتي المستشار بوزارتي العدلية العظمى وما أضيف إليها من الإدارات في «مغرب الغد» (ص ٢٤١) المطبوع سنة ١٩٢٠: وهذه المدرسة الفرنسية البربرية هي فرنسية باعتبار ما يقرأ فيها، وبربرية باعتبار تلاميذها، وإذا فلا حاجة بنا إلى واسطة أجنبي حيث إن التعليم العربي وتدخل الفقهاء وكل المظاهر الإسلامية ستبعد عنها إبعادا، وإننا سنجذب إلينا بواسطة

стр. 111

هذا التعليم الصبيان الشلوح (البرابرة) وبذلك نبعدهم قسرا عن كل ما يطلق عليه لفظ إسلام (١). ونقل مارتي كذلك (ص ٢٢٨) عن المرشال ليوطي في منشور له قوله: والعربية رائد الإسلام، لأن هذه اللغة تعلم من القرآن ومصلحتنا تأمرنا بأن نمدن البربر خارج دائرة الإسلام، وأما ما يتعلق باللغة فيجب علينا أن تمر من البربرية إلى الفرنسي بدون واسطة (٢). وزاد مؤكدا على ضرورة فتح مدارس فرنسية بربرية تتعلم فيها الشبيبة البربرية الفرنسية. مضيفا: ويجب علينا أن نأخذ الاحتياط من المذاكرة معهم في شأن الدين (٣). وقال (ص ٣٣٨): إن كل تعليم للعربية وكل تدخل من الفقيه وكل وجود إسلامي سوف يتم إبعاده بكل قوة، وبذلك نجذب إلينا الأطفال الشلوح عن طريق مدرستنا وحدها، وتبعد معتمدين كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام (٤). واستنكر الجنرال بريمون تعليم البربر العربية والإسلام، وزاد: من الواجب علينا أن لا نعلمهم إلا الفرنسية (٥).

стр. 112

٢ - الإخراج من الإسلام والقضاء على القرآن: هذا هو الهدف الثاني من أهداف السياسة البربرية، بهذا صرح رموز الاستعمار والكتاب الفرنسيون المطلعون على سياسته، ولم يكن الاهتمام بالبربرية إلا غطاء يتسترون وراءه. قال ريبو في القضاء في الجماعات البربرية: إن هذه السياسة تهدف إلى إخراج البربر من حظيرة الإسلام (١). وقال في نفس الكتاب (٢٣٩): إذا تركنا هؤلاء البربر يستعملون العربية فإنهم سيصيرون مسلمين! وما معنى الإسلام؟ معناه هو إنفاق تقدمنا والوقوف في وجه مدنيتنا (٢). ودعا كابريال مورا في كتابه «المسألة المغربية من وجهة نظر إسبانيا» المطبوع في باريس ١٩١١، (ص ١٨٦) إلى إلغاء القانون القرآني وفصل المغاربة عن الشريعة الإسلامية. بل أشار (ص ١٩٧) صراحة إلى قلع الإسلام من المغرب (٣). ونشرت جريدة بتي جورنال petit journal ما يلي: إن مسألة إخراج البربر من شريعة القرآن مسألة قديمة، وإن فرنسا فكرت فيها منذ سنة ١٩١٤م، ولكن الظروف لم تسمح بالتنفيذ بصفة قاطعة إلا الآن (٤).

стр. 113

وكتب الكاتب والصحفي أربان جوهي U.Gohier في جريدة Nouvelle aurore مقالا عن القضية البربرية في سنة ١٩٣١، ومما جاء فيه: إن الهدف من إصدار الظهير البربري هو رفع شريعة الإسلام بين البربر، ويجعل في مكان القرآن عادات عتيقة مندثرة، وبذلك إخراج البربر عن دائرة الإسلام (١). وزاد مؤكدا: «ولكن الحقيقة هي أن فرنسا تريد إخراج البربر من الإسلام كما يدل على ذلك منشور للماريشال ليوطي» (٢). وقال الكردينال لا فيجرى مؤسس جمعيات التنصير في شمال إفريقيا: لا تتفرنس إفريقية الشمالية وهي مسلمة، وأكبر وسيلة لإدماجها في العائلة الفرنسية إخراجها من الإسلام (٣). وأكد الكاتب الفرنسي فيكتور بيكيه في كتابه الشعب المغربي أو «العنصر البربري» (ص ١٨٧ - ٣٠١) على أن من بين أهداف السياسة البربرية عدم ترك القرآن يثبت في أوطان البربر (٤). وقال في نفس الكتاب الذي صدر سنة ١٩٢٠م (٥) وحاز عليه جائزة من الإقامة العامة: يمكننا بسهولة كتابة البربرية بالحروف الفرنسية كما فعلنا بالهند

стр. 114

الصينية، .. وإذا لم يمكننا عقد الأمل على رجوع البربر عن الإسلام ونبذهم لهذا الدين، لأن جميع الشعوب لا تبقى بدون دين في مرحلة تطورها، فيجب أن لا نخشى من ذلك خاصة إذا تمكنا أن نفصل بين الإسلام والاستعراب. وفصل الدين عن القانون المدني، مثلما حدث بإدخال تغييرات مهمة عام ١٩١٧ في قانون الأحوال الشخصية .. ولذلك يمكننا أن نحصر الإسلام في الاعتقاد وحده .. وعلى هذا لا يهمنا كثيرا أن تضم الديانة الشعب كله، أو أن آيات من القرآن يتلوها رجال بلغة لا يفهمونها (١). وقال مارتي في مغرب اليوم (٢٤١): إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلامذتها وبيئتها ... إذن فلا واسطة أجنبية بينهما، كل تعليم عربي، وكل تدخل من قبل الفقيه، وكل ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة تامة، فنحن نبتعد من عنديتنا عن كل مرحلة تكون مرحلة إسلامية (٢). بيَّن المستشرق م. اميل درمانكام في مقال بعنوان: السياسة البربرية في المغرب الأقصى بجريدة la griffe التي تصدر في باريس أن هدف فرنسا من السياسة البربرية هو أن تفرق لتسود وأن تخرج البربر من حظيرة القرآن. وزاد: إن بعض الصحف الفرنسية سُرت عند صدور الظهير البربري حيث قالت: إنه أخرج البربر من الإسلام (٣).

стр. 115

٣ - تنصير البربر: كان هذا الهدف واضحا وجليا في جل أدبيات المستعمرين والمقربين منهم، وذلك ما سنحاول التدليل عليه في هذه الفقرة: قال المستشرق الفرنسي ومستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا والراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر لويس ماسينيو المتوفى سنة ١٩٦٢ (١): إن القضية البربرية أقلقت ضميري من الناحية الدينية والعلمية على مدى السنوات ١٩٠٩ إلى ١٩١٣ إذ ألح علي الأب دوفوكو كتابة وشفويا في أن أقف حياتي بعده على هذه الحركة التي كان عليها أن تقضي على اللغة العربية والإسلام في بلاد شمال إفريقيا التابعة لنا لتحل اللغة الفرنسية والنصرانية محلهما. وذلك في مرحلتين: البحث عن أصول اللغة البربرية وتقاليد البربر العريقة، ثم إدماجهم بمقتضى قانون فرنسي ومسيحي أعلى. وقد استحسنت هذه النظرية، مثلي في ذلك مثل المبتدئين والغزاة، وقد آمنت حينئذ باستغلال هذه الحركة البربرية لإدماج سكان بلاد القبائل بتنصيرهم وتجنيسهم بالجنسية الفرنسية (٢). وجاء في مجلة المبشرين: «المغرب الكاثوليكي» عدد نونبر ١٩٣٣: إن المرشال ليوطي هو الذي يعرف المغرب معرفة جيدة. وهو الذي يعرف وسائل التغلغل اللائقة بالمناطق البربرية، فهو حينما وضع لهذه القبائل نظاما خاصا قد أوجد بين العرب والبربر التعلق بحكم واحد هو فرنسا. وحينما نفد رغبة

стр. 116

الأسقفية بالرباط فجعلها تحت إرادة أسقف فرانسيسكي يعاونه مجموعة من الإخوان، وسمح لها بإنشاء مدارس خاصة عبر عن يقينه في النفوذ الهائل الذي يستطيع الحصول عليه هؤلاء المرابطون المسيحيون في أوساط المسلمين، لا سيما في اليوم الذي ينجحون فيه بجعل المراكشيين يقبلون ما هو روح الحضارة الفرنسية أي: النصرانية (١). وقال الراهب آنج كولير الذي تطوع لتنصير البربر في كتابه «بحث عن روح البربري المغربي» الذي قدم له المرشال جوان والبابا معا (٥١٤): إن الديانة الإسلامية تعمل عملها منذ اثني عشر قرنا في المغرب، ومع ذلك لم تستطع الاستيلاء على روح الجماعة البربرية التي حافظت على اتجاهها الديني الجاهلي (٢). وزاد (٥٤٠): إن الإسلام ديانة وضعها الإنسان، أما المسيحية فهي من صنع الله، وعلى ذلك فالمسيحية وحدها قادرة على أن ترفع الفرد والجماعة والأسرة البربرية للإسهام في الحياة الربانية التي جاء يسوع نفسه مرسلا من عند الأب لنشر روح الحقيقة والعدالة والصداقة والسعادة لبني الإنسان (٣). إذن فالهدف واضح: تنصير البربر، يقول ود جيرك دولاسال في مجلة تاريخ البعثات السنة ٤ عدد ٣ ص ٣٢٩ الصادرة بتاريخ سبتمبر ١٩٢٧: سنترك المسيحية تؤثر في النفوس البربرية كما أثرت من قبل في نفوسنا من غير أن نساعد عملها بوسائل شديدة أو رسمية، ولكن بإفساح المجال لها وعدم تشجيع

стр. 117

ما يعاكسها. وهذا ما سهل بغير شك تفكيك عرى الكتلة العربية، وبالتالي القضاء على الإسلام في إفريقيا الشمالية لفائدة حضارتنا وجنسنا (١). وعملا على تكريس هذه السياسة كان عدد مراكز التبشير فقط سنة ١٩٣٣ حوالي ١٣٨ مركزا يؤطرها حوالي ٣٠٠ من أتباع الكنيسة تحت إشراف الأسقفية الكاثوليكية بالرباط التي ألزمت الإذاعة في المغرب بإذاعة القداس كل يوم أحد من الكنيسة الكبرى التي شيدت بأعلى ربوة في الرباط وبأموال أوقاف المسلمين، كما يقول المؤرخ عبد الكريم الفيلالي (٢). وزاد الأستاذ المناضل الوطني الحسن بن عياد فأكد أن كنيسة الرباط الموجودة حاليا بقلب المدينة هي في أرض للأوقاف، هي في الأصل ساحة من ساحات جامع حسان الأثري، وفُرض على الحكومة المغربية المساعدة في بنائها (٣). كانت تخصص لمؤسسات التبشير بالمغرب ميزانية ٤ ملايين فرنك تجبر الأوقاف الإسلامية المغربية على بذل إعانات سنوية لها. وهي تفرض إقامة المؤسسات التبشيرية بالمدن في أملاك الأوقاف الخاصة (٤). واستدعي من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا آلاف المبشرين للقيام بهذه المهمة (٥).

стр. 118

قال جان جيرو رئيس تحرير جريدة الصليب بباريس: سيتم استيلاؤنا على البلاد البربرية من غير شك (١). ونشرت مجلة «المغرب الكاثوليكي» مقالا للأب هيكتور أحد المبشرين في المغرب قال فيه: إن الروح البربرية توجه نداءها الحار إلى المبشرين وأنها ألقت نفسها بين أيديهم وتعرض عليهم بإلحاح شديد أن يعالجوا أزمتها الأخلاقية الروحية (٢). وكتب المستشرق الفرنسي درمانكام في جريدة la griffe مقالا بعنوان «القلق ما يزال مستوليا على المغرب والمشرق»، ومما جاء فيه: إن الحكومة (أي: إدارة الحماية الفرنسية) تبعد رجال الدين المسلمين عن جهات تسمح للمبشرين المسيحيين بالتجول فيها بتمام الحرية وبفتح الملاجئ للصبيان بها (٣). وفي كتاب العنصر البربري لفيكتور بيكي الذي طبع سنة ١٩٢٥ بإعانة حكومة الحماية الفرنسية بالمغرب، جاء في فاتحته: أما فيما يتعلق بالمدرسة فإننا هيأنا سنة ١٩٢٣ برنامجا فرنسيا بربريا له روح فرنسية محضة كاثوليكية (٤). وأكد السيد دانيل جوران أن الهدف من السياسة البربرية هو التنصير، وأن هذا المشروع لاقى أكبر وأسرع المساعدات من جانب الكنيسة وللبابا ممثل هو المونسنيور فييل، ولهم مجلة مراكش الكاثوليكية (٥).

стр. 119

وقال الأب فوكو: إن هذا الشعب (أي: المغربي) سيخرجنا من بلاده إذا لم نعرف كيف نجعل منه شعبا فرنسيا، والطريقة الوحيدة كي يصير فرنسا هي أن يصير مسيحيا (١). ولاحظ هانوتو ولو ترنو في كتاب من عادات العرب والبربر أن هؤلاء ليسوا أقل تشبتا بالإسلام من أولائك، وأن تعصبهم له عقبة كأداء في سبيل الاستعمار، وليس من حل لهذا المشكل إلا بتنصيرهم جماعات: conversion en masse au christianisme (٢) . وقال الأب والسياسي شارل دوفوكو: إن البرابرة ليسوا متعصبين ولا جاحدين ونظن أن دخول البرابرة في المسيحية في المستقبل هو الذي سيعيد العرب ويدخلهم فيها كذلك (٣). وكتب أوجين يونغ (٤) Eugene yung في كتابه «العرب والإسلام أمام الحروب الصليبية الجديدة وفلسطين اليهودية» (ص ٤٥): إن هؤلاء البرابرة يسكنون قسما من إفريقية الشمالية، ويكونون جنسا قويا عاملا نسعى منذ عهد احتلالنا القطر الجزائري في فصله عن العرب، وذلك بمساعدة تقدم لهجتهم، وبإدماجهم في نظام خاص مخالف لنظام القرآن، وبالقضاء على كل

стр. 120

المدارس القرآنية، وبعبارة واضحة باستعمال هذه الوسائل في محاولتنا تحويلهم عن ديانتهم. ثم يقول (ص ٤٦): وفعلا بعد صدور الظهير أقفلت السلطة الفرنسية عددا من المدارس الإسلامية وسمحت بالدخول لستمائة مبشر آخرين زيادة على المضللين الموجودين بالبلاد وهم أربعمائة وكلهم مكلفون بالدعوة للإنجيل بين القبائل البربرية، ولقد أعطيت مساعدات مالية لتشييد الكنائس من ربح الأوقاف الإسلامية ولم يسمح ببناء المساجد لمن طلب بناءها من البرابرة (١). وكتب الكاتب الفرنسي إميل درمنكهام مقالا بمجلة الجنوب cahiers du sud تحت عنوان «هيجان بالمغرب وبالعالم الإسلامي»، ومما جاء فيه: وفتحت مدارس فرنسية بربرية يدرس فيها كل شيء كما قال لوجلي le Gley إلا العربية والإسلام. وفي نفس الوقت تمنح الحكومة جمعيات التبشير الكاثوليكية الفرنسية إعانات مالية مهمة وأن الآباء الفرنسيين كأنهم يحتكرون المغرب وحدهم وجريدتهم «مروك كاثوليك» لا تفتأ تذكر السبل التي ينبغي اتباعها للنجاح بين البربر (٢).

стр. 121

الاحتجاج ضد السياسة البربرية: لما صدر الظهير البربري في الجريدة الرسمية موقعا من قبل السلطان المولى يوسف سنة ١٦/ ٠٥/١٩٣٠ كان أول احتجاج رسمي من المغاربة قاده الشيخ عبد الرحمن بن القرشي أحد علماء القرويين وقاضي الجماعة بفاس (١). ولما كان وزيرا للعدل سنة ١٩٢٣ رفض أن يكتب لقضاة النواحي الأمازيغية بالسماح للسكان أن يتحاكموا أمام المحاكم العرفية (إِزْرَف) وليس أمام القاضي الشرعي فأجاب: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء٦٠]، فأقيل من مهامه (٢). وتتابعت الوفود العربية والبربرية للسلطان المولى يوسف لدفعه على إلغاء الظهير البربري ومطالبته بتحكيم الشريعة على الجميع (٣). «لقد انطلقت حركة الاحتجاج في فاس وسلا، وانتقلت إلى طنجة وتطوان وجميع مناطق الاحتلال الإسباني، وإلى أقاصي بلاد البربر» كما قال ألبير عياش في المغرب والاستعمار (٣٩٠). فلم تقتصر معارضة الظهير البربري على العرب، بل كانت عامة في البربر، فقد ثارت العديد من القبائل الأمازيغية، وخاض بعضها حربا مسلحة ضد فرنسا وثار الطلبة البربر ضد السياسة التعليمية الاستعمارية منادين بوجوب اعتماد اللغة العربية والمبادئ الإسلامية في مجال التربية والتعليم، وأرسلت بعض

стр. 122

القبائل وفودا إلى الإقامة العامة مطالبين إياها بإرجاع قضاة الشرع إلى محاكمهم، فقابلتهم بالحبس، وارتفع عدد المعتقلين من بين الأمازيغ المحتجين إلى أربعة آلاف رجل (١). وكتب أوجين يونغ السفير الفرنسي وأحد المؤلفين السياسيين والمسرحيين في كتابه العرب والإسلام أمام الحروب الصليبية الجديدة وفلسطين اليهودية (ص ٥٤ - ٥٥): فأصبحت الحال خطيرة في الواقع، ولا تزال هكذا إلى الآن، أما البرابرة فلم يطلبوا الابتعاد عن الإسلام، بل إنهم انضموا إلى العرب معلنين احتجاجهم على الظهير وسخطهم عليه (٢). وأكد الكاتب الفرنسي دانييل جوران أن البربر كانوا أول من احتج على ذلك الإصلاح الذي وضع على ما يقال طبقا لرغباتهم، وقد أرسلت قبائل مختلفة عدة وفود للسلطان في الرباط للاحتجاج على القرار الذي اتخذ، وقد أجابتهم الحكومة بالقوة، وقبض على ثلاثين من آيت يوسي وعشرين من آيت شغروشن عند عودتهم من الرباط إلى مكناس (٣). وقال علال الفاسي في دفاع عن الشريعة الإسلامية (٣٢): سرى الخبر في القبائل البربرية وأخذت الوفود من زمور وزايان وآيت يوسي وغيرها من المناطق التي كان يهمها الأمر تتوارد على الرباط للاحتجاج وإعلان استنكارها

стр. 123

لذلك الظهير ومطالبتها بإعادة فتح المحاكم الشرعية والعودة إلى الشريعة الإسلامية" (١). عود على بدء لا زالت هذه السياسة البربرية حية لدى نخبة من العلمانيين اليساريين الأمازيغيين، يذكون نارها وينفخون في رمادها بين الحين والآخر. وإمعانا في إنكار الحقائق التاريخية الظاهرة ولو بالادعاءات المكشوفة المفضوحة، كتب بعضهم منكرا وجود شيء اسمه الظهير البربري، واعتبره أكبر أكذوبة سياسية في تاريخ المغرب المعاصر. فالسياسة هي هي والأجندة نفسها، لكن تحت شعارات أخرى ومسميات ثقافية مختلفة، تلائم العصر وتواكب الأحداث، حتى قال أحدهم يوما على شاشة الجزيرة لابد أن يرحل الإسلام من المغرب كما رحلت اليهودية والنصرانية. إنه الحقد على الإسلام تغذيه عنصرية متطرفة، وترعاه أجندة قديمة حديثة كانت لها المصلحة في ظهور الظهير ولا زالت. ولنا عودة لهذا الموضوع في مناسبة أخرى بحول الله.

стр. 124

ماذا يعني تطبيق الشريعة في المذهب المالكي ؟ الشريعة الإسلامية نظام شامل يحكم كل تفاصيل حياة المسلم ويطال جميع الجوانب الحيوية التي ترتبط به وبهمومه وتطلعاته وانشغالاته. ولهذا حرص المستعمر الفرنسي على إقصائها من الحياة العامة كما تقدم لنا في المبحث السابق. وهذا ما أكده جورج سوردون مدرس الشرع البربري بالمدرسة العليا بالرباط سابقا ورئيس العدلية البربرية في كتابه «مبادئ الحقوق العرفية البربرية المغربية» الصادر بالرباط عام ١٩٢٨: ففي المغرب قانونان: قانون إسلامي وقانون فرنسي، فالأَوْلى أن نرى العرف يندمج في القانون الفرنسي من أن نراه يندمج في القانون الإسلامي، لأن الأسلحة الفرنسية هي التي فتحت البلاد البربرية. وهذا يخولنا حق اختيار التشريع الذي يجب تطبيقه في هذه البلاد (١). فالهدف واضح وجلي: إقصاء الشريعة عن الحكم والحياة العامة، وذلك ما يحاول أذناب الاستعمار اليوم القيام به بإخلاص تام وتفان مفرط. وطالما أبدى الغرب تخوفا وقلقا كبيرا من المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية وارتعدت فرائصه لذكر هذا المصطلح المرعب (٢). وتناغم التيار العلماني مع المشروع الغربي في حملة التشكيك، بل الاستهزاء والسخرية من

стр. 125

الدعوة إلى تطبيق الشريعة وتقنينها أو مجرد الحديث عن جعلها مصدرا وحيدا للتشريع. مع اعتراف مراجع قانونية غربية بقدرة الشريعة على مواكبة المستجدات. فالمجمع الدولي للحقوق المنعقد في باريس سنة ١٩٥١ أكد أن مبادئ الفقه الإسلامي لها خصوصية تشريعية لا يجارى فيها وأن اختلاف المذاهب الفكرية ينطوي على ثروة من المفاهيم والأصول الحقوقية هي مناط الإعجاز وبها يتمكن الفقه الإسلامي أن يستوعب جميع مطالب الحياة والتوفيق بينها (١). كما اعترف العلماء الغربيون المجتمعون في مؤتمر القانون الدولي المقارن المنعقد في لاهاي بهولندا في أغسطس ١٩٣٧ بأن الشريعة الإسلامية حية وقابلة للتطور وأنها تعتبر مصدرا للتشريع وأنها غير مستمدة من القانون الروماني كما يزعم بعض المستشرقين وأذنابهم العلمانيين العرب (٢). فهؤلاء قانونيون ومفكرون غربيون لم يمنعهم حقدهم على الإسلام من الاعتراف بهذه الحقائق التي يكفر بها أغلب العلمانيين العرب. والمذهب المالكي كما تقدم معنا عبادة وشريعة، عبادة تحكم علاقة المسلم بربه، وشريعة تحكم علاقته بغيره ومحيطه، وتمزج الجميع في تجانس تام وتناغم كامل. وليست مقتصرة على خلاص الروح ومبادئ أخلاقية عامة ومواعظ، وبالتالي يجب حصرها داخل الكنيسة كما هو الحال بالنسبة للمسيحية. فالشريعة

стр. 126

منظومة متكاملة من القيم والقوانين والتشريعات التي تشمل كافة النواحي المتصلة بحياة الإنسان، وذلك ما سنحاول إجمال القول فيه من خلال النقط التالية: من الناحية السياسية: يعني تطبيق الشريعة أن يكون الإسلام هو دين الدولة الرسمي. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ آل عمران ١٩. وأن تكون أحكام الشريعة الإسلامية والفقه المالكي خاصة المصدر الأساس للتشريعات القانونية. كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ النساء ٥٩. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (٥/ ٢٦١): ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته ﷺ . وقال الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٧٥٥): وقوله: ﴿فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط فهي صيغة من صيغ العموم. فتنتظم كل تنازع على العموم. قال أبو العباس القرطبي في المفهم (١٢/ ٨٦): وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: الردُّ إلى كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله ـ ﷺ ـ خير من الردّ إلى التحكّم بالهوى، و ﴿خَيْرٌ﴾ للمفاضلة التي على منهاج قولهم: العسل أحلى من الخل. ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ الفرقان ٢٤

стр. 127

و ﴿خَيْرٌ﴾ هنا بمعنى: الواجب. أي: ذلك الواجب عليكم، و ﴿تَاوِيلاً﴾ أي: مآلاً، ومرجعًا. قاله قتادة وغيره. وقال الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠): فكل اختلاف صدر من مكلف فالقرآن هو المهيمن عليه قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ فهذه الآي وما أشبهها صريحة في الرد إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة نبيه لأن السنة بيان الكتاب وهو دليل على أن الحق فيه واضح وأن البيان فيه شاف لا شيء بعده يقوم مقامه وهكذا فعل الصحابة ﵃ لأنهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة ردوها إلى الكتاب والسنة وقضاياهم شاهدة بهذا المعنى لا يجهلها من زاول الفقه فلا فائدة في جلبها إلى هذا الموضع لشهرتها فهو إذا مما كان عليه الصحابة. وقال (٢/ ٤٥): ومثال ما يقع في العقل أن الشريعة بينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث. إن الإسلام عقيدة وشريعة، ولذلك لا يقبل منا -كما يقول خريج القرويين علال الفاسي في كتابه «دفاع عن الشريعة الإسلامية» (٥١) - أن نكتفي بالإيمان بالله ونصلي ونزكي ونقوم بالحج والصيام وفعل المبرات، ولكنه يطالبنا بأن نفعل ذلك ونفعل معه تطبيق أحكام الشرع في معاملاتنا وفي قضايانا وإدارتنا وحكومتنا.

стр. 128

إلى أن قال (٥١ - ٥٢): وما شرعت الدولة إلا لمصلحة الدين. وما جعلت الخلافة إلا لتنفيذ أحكام الشريعة. ومهما كان النظام الذي تسير عليه الأمة المسلمة في عصورها وبلدانها فالذي يهم ليس هو الشكل، ولكن هو الدستور الذي تسير عليه والقانون الذي تحكم بمقتضاه. ولا يقبل الإسلام أن يكونا (١) خارجين عن نطاق أصول الشريعة التي جاءت بها المصادر الشرعية وهي القرآن والسنة الصحيحة قبل غيرهما. ولا يتصور الإسلام فصل الدين عن الدولة، لأنه إذا فصل عنها وجب أن تزول ويبقى هو. والإسلام يعتبر الدولة خادمة للناس. والناس مجموعة من أفراد ولا يتصور الإسلام أن يكون الفرد المسلم منفصلا عن الدين. وتبعا لذلك لا يتصور أن يكون المسلم النائب عن الأمة المسلمة يدبر أمورها بغير الشرع ولا الوزير أو الملك أو رئيس الجمهورية يمضون على غير ما يفكر به نواب الأمة وما ترضى عنه الأمة المسلمة وهي لا ترضى -إذا كانت ما تزال مسلمة- بغير أحكام الشريعة. وأن يقوم الحاكم بواجبه في الحفاظ على الدين الإسلامي عقيدة وشريعة والدفاع عنه. قال ابن المناصف المراكشي في تنبيه الحكام (٣٢٩): قد تقدم القول في بيان تأكيد الوجوب في القيام بتغيير المناكر، وحماية معالم الشرع، وحفظ شعائر الإسلام على الولاة والحكام، فإنه يجب عليه من تفقد أحوال الناس، وتعرف ما يكون من المناكر، والبحث على مظانها، والسعي في حسم موادها، وقطع

стр. 129

علائقها، وإظهار الترهيب في ذلك، والتنكيل في العقوبة، والقهر المانع من التهاون بها، والمجاهرة بأسبابها، ما لا يجب على غيرهم من آحاد الرعية. وقال ابن بطال المالكي في شرح البخاري (٩/ ٢٩٣ - ٢٩٤): وأجمعت الأمة على أن ذلك فرض على الأئمة والأمراء أن يقوموا به ويأخذوا على أيدي الظالمين وينصفوا المظلومين ويحفظوا أمور الشريعة حتى لا تغير ولا تبدل. وقال الناصري في الاستقصا (٣/ ١٦٦): وكان المنصور (أي: السلطان الموحدي) يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكوهم الرعايا ... وكان يعاقب على ترك الصلوات، ويأمر بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا. وقال أحمد بن محمد الرهوني في «نصح المؤمنين بشرح قول ابن أبي زيد"والطاعة لأئمة المسلمين"» (١) (٢٨٩): ثم انعقادها لفاقد بعض الشروط مشروط بالقدرة على تنفيذ الأحكام وحفظ حدود الإسلام وإلا فقد تردد السعد في انعقاد البيعة له حيث قدمه أهل الحل والعقد. وأن يحرص الحاكم على العدل بين الرعايا ولو من غير المسلمين. وأن يكون الجميع متساوين أمام القانون. لا فرق بين عربي ولا عجمي ومسلم ولا كافر.

стр. 130

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. [النحل٩٠]. وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. [الحجرات٩]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. [النساء١٣٥]. وأن يحرص الحاكم على تطبيق أحكام الشريعة في الميادين المختلفة. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:٣). قال القرطبي في تفسيره (٧/ ١٦١): قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني الكتاب والسنة. وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٤٩١) قال علماؤنا: معناه أحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، واستبيحوا مباحه، وارجوا وعده، وخافوا وعيده، واقتضوا حكمه، وانشروا من علمه علمه، واستجسوا خباياه، ولجوا زواياه، واستثيروا جاثمه، وفضوا خاتمه، وألحقوا به ملائمه. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ النساء ١٠٥.

стр. 131

قال القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٧٦): قوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ الله﴾ معناه على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي. وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ النساء ٦٥. قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٤٩ - دار طيبة): وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (١). لما ترك السلطان العلوي عبد العزيز جهاد المستعمر الفرنسي لما احتل الدار البيضاء ووجدة خلعه علماء فاس وغيرهم فكان من جوابهم في هذه الحادثة ما يلي: قال القاضي أبو القاسم ابن سلمون الغرناطي: الإمامة عبارة عن

стр. 132

خلافة شخص الرسول ﵊ في إقامة قوانين الشرع وحفظ الملة (١). وجاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم: ٤٨ (١٠/ ٥) (٢) بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ - ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ الموافق ١٠ - ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨ ما يلي: إن أول واجب على من يلي أمور المسلمين تطبيق شريعة الله فيهم. ويناشد جميع الحكومات في بلاد المسلمين المبادرة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وتحكيمها تحكيماً تاماً كاملاً مستقراً، في جميع مجالات الحياة، ودعوة المجتمعات الإسلامية، أفراداً وشعوباً ودولاً، للالتزام بدين الله تعالى، وتطبيق شريعته، باعتبار هذا الدين عقيدة وشريعة وسلوكاً ونظام حياة. انتهى. ولا بأس بالتدرج في تطبيق الشريعة، أعني أن يتدرج في تطبيق حكم بعينه، ويتدرج في تطبيق حكم قبل حكم. ولا يلزم تطبيق الجميع دفعة واحدة، استعمالا لفقه التيسير والرفق بالناس، ولأن المصلحة الشرعية تقتضي ذلك، وقد نص الحافظ ابن رجب في فتح الباري (٤/ ١٩٩ - ٢٠٠) على أنه قد يتساهل مع من أسلم في ترك بعض الأمور الواجبة حتى يدخل. ولا فرق بين هذا وذاك.

стр. 133

قال ابن رجب: وقد كان أحيانا يتألف على الإسلام من يريد أن يسامح بترك بعض حقوق الإسلام، فيقبل منهم الإسلام، فإذا دخلوا فيه رغبوا في الإسلام فقاموا بحقوقه وواجباته كلها. كما روى عبد الله بن فضالة الليثي عن أبيه قال: علمني رسول الله فكان فيما علمني: «وحافظ على الصلوات الخمس». قال: قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته أجزأ عني. قال: «حافظ على العصرين». وما كانت من لغتنا قلت: وما العصران؟ قال: «صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها». خرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم (١). وظن أن فضالة هو ابن عبيد، ووهم في ذلك. فليس هذا فضالة بن عبيد: قاله ابن معين وغيره. وفي المسند من حديث قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي فأسلم على أن يصلي صلاتين، فقبل منه. وفي رواية: على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه (٢). وفيه

стр. 134

أيضا عن جابر أن ثقيفاً إذ بايعت اشترطت على رسول الله أن لا صدقة عليها ولا جهاد. قال رسول الله: «يصدقون ويجاهدون إذا أسلموا» (١). قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: إذا أسلم على أن يصلي صلاتين يقبل منه، فإذا دخل يؤمر بالصلوات الخمس. وذكر حديث قتادة عن نصر بن عاصم الذي تقدم. ونص علماء المالكية على أن من شروط الإمامة إقامة الحدود الشرعية التي نص الله عليها أو رسوله. بداية أؤكد أن الشريعة الإسلامية لها مجالات مختلفة ومتعددة تطال جميع أشكال الحياة: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والقضائية وغيرها. وليست الحدود إلا جزءا من نظام قضائي شامل. والنظام القضائي جزء من أنظمة متعددة داخل الشريعة الإسلامية. وقد جاءت الشريعة بحفظ الكليات الخمس: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ المال. ولهذا رتبت الشريعة عقوبات زاجرة لكل إخلال بهذه الكليات: فلحفظ النفس شرعت القتل والقصاص والحرابة. ولحفظ العقل شرعت حد الخمر. ولحفظ الدين شرعت حد الردة، ولحفظ النسل شرعت الرجم والجلد، ولحفظ المال شرعت حد السرقة: القطع.

стр. 135

وهذه الحدود الشرعية ليست بمعزل عن نظام اجتماعي واقتصادي متكامل يضمن للفرد المستهدف بهذه العقوبات: العيش الكريم والسلم الاجتماعي وإشباع الرغبات المختلفة وفق ضوابط الشريعة. ويحاول العلمانيون فصل الحدود عن النظام التشريعي والاقتصادي والاجتماعي العام الذي جاء به الإسلام، لكي يسهل عليهم استهدافها بالنقد والسخرية والاستهزاء، وتصويرها على أنها نظام عقابي متخلف همجي يستند إلى ثقافة القرون الوسطى، كما قد حكيت عنهم ذلك بتفصيل في كتابي: العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام. فهل تتصور مثلا السرقة في ظل مجتمع يلزم الإسلامُ الحاكمَ فيه بتحقيق الأمن الغذائي للمواطنين، ويلزمه بجمع الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء؟. وهل يمكن تصور وجود الزنا في ظل مجتمع يقوم على الفضيلة والحشمة والأخلاق الفاضلة وعدم التبرج مع إعلام منضبط بضوابط الشريعة، مع تشجيع للزواج الشرعي بكافة السبل؟ المشكلة هي عندما يتحدث البعض عن حلول ترقيعية لمشكل جزئي في ظل نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي مختلف. فالإسلام له نظام متكامل من جميع جوانبه، وليس حدودا فقط أو منع تبرج فقط. ولهذا فمن أخذ جزءا من الإسلام ورام تطبيقه بمعزل عن استراتيجية متكاملة للشريعة، وتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير فجنايته على الإسلام أعظم وأشد.

стр. 136

وعلى كل حال فالحدود أحد الأحكام الشرعية التي طالما أكد علماء المالكية على أن على الحاكم المسلم إقامتها بشروطها المعتبرة: قال ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ١٩٢): وإن الحكام وأولي الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود. وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٣٩٦): حد الزاني حق من حقوق الله على الحاكم إقامته. وذكر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (١/ ٢٧٠) من شروط الإمامة: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة ﵃، لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به. والله أعلم. وقال (١/ ٢٧١): وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها. وقال (١/ ٢٧١): لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره. وقال كذلك (٢/ ٢٤٥): لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك.

стр. 137

وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (١/ ١٢٥): وأهل السنة مجمعون على أن المتغلب يقوم مقام الإمام العدل في إقامة الحدود وجهاد العدو، وإقامة الجمعات والأعياد وإنكاح من لا ولي لها. وقال (٨/ ٤٠٧) معلقا على قول النبي ﷺ «إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع، ويتركون الشريف، والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها»: قال المهلب: هذا يدل أن حدود الله لا يحل للأئمة ترك إقامتها على القريب والشريف، وأن من ترك ذلك من الأئمة فقد خالف سنة رسول الله ﷺ ورغب عن اتباع سبيله. وقال (٤/ ٥٠٠): ولا يمنع الحرم من إقامة الحدود عند مالك، واحتج بعض أصحابه بأن الرسول ﷺ قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة من القتل، وهذا القول أولى بالصواب. لأن الله تعالى أمر بقطع السارق، وجلد الزاني، وأوجب القصاص أمرا مطلقا ولم يخص به مكانا دون مكان، فإقامة الحدود تجب في كل مكان على ظاهر الكتاب. وجعل أبو العباس القرطبي في المفهم (١٢/ ٨٩) من أسباب خلع الحاكم ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين أو أباح المحرمات كترك إقامة الحدود قال: قوله: «على المرء المسلم السمع والطاعة». ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأئمة، والأمراء، والقضاة. ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية. فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولا واحدا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرا: وَجَبَ خَلْعُه على المسلمين كلهم. وكذلك: لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين. كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومنع من ذلك. وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنى، ولم يمنع منهما، لا يختلف في وجوب خَلْعِه. فأما

стр. 138

لو ابتدع بدعة، ودعا الناس إليها. فالجمهور: على أنه يُخْلَع. وذهب البصريون إلى أنه لا يُخْلَع، تمسُّكا بظاهر قوله عليه ﷺ : «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» ... وقال ابن فرحون في تبصرة ابن فرحون الحكام (٢/ ٢٢٣): قال القرافي: الحدود واجبة الإقامة على الأئمة. وذكر أحمد بن محمد الرهوني في «نصح المؤمنين بشرح قول ابن أبي زيد"والطاعة لأئمة المسلمين"» (١) (٢٨٥) من شروط الإمام كونه شجاعا لئلا يجبن عن إقامة الحدود ومقاومة الخصوم. وقد نص الفقهاء المالكية على أن الحدود الشرعية لها شروط يجب توفرها ولها ضوابط تجب مراعاتها. تراجع في كتب الفقه. والهدف منها هو الإصلاح. وهي أبلغ في الردع والإصلاح من القوانين الوضعية. وقد اعترف العلماني التونسي محمد الشرفي مع حربه الشعواء على الحدود بأن تطبيق حد السرقة في الصومال على يد المحاكم الإسلامية ساهم في تخفيف أضرار السرقة (٢). ومن الناحية الإعلامية: يعني تطبيق الشريعة أن يكون الإعلام هادفا ومحافظا على السلم الاجتماعي وعلى الطابع الإسلامي للمجتمع. وأن ينضبط بضوابط الشريعة ومقاصدها، وأن يكون هدفه نشر الفضيلة والدعوة إلى الخير بالكلمة الطيبة

стр. 139

والموعظة الحسنة. شعاره الصدق والصراحة والوضوح في نقل الخبر، بعيدا عن التزييف والتضليل الإعلامي الذي تمارسه أغلب المنابر العلمانية. ومادام الإعلام من أساليب الدعوة إلى الله فهو ينفتح على الثقافات الأخرى ويحاور كل الآراء، بشرط مراعاة ضوابط الشريعة. ولا بأس من عرض البرامج الترفيهية والرياضية والثقافية والمسابقات التي لا تخرج عن حدود الشريعة. ومن أصول الإعلام الإسلامي: ترسيخ العقيدة الصحيحة في قلوب المشاهدين، وبيان سماحة الشريعة الوسطية، وتثبيت مفاهيم الإيخاء والمحبة في المجتمع المسلم، وتعبئة المجتمعات المسلمة نحو أهدافها العليا المشتركة. ومن أصول الإعلام الإسلامي: عدم الترويج للمحرمات الشرعية كإظهار مفاتن النساء أو نشر إشهارات للبنوك الربوية أو الميسر والقمار والمسابقات التي فيها شبهة القمار ونحو ذلك. ولأن إظهار المرأة لعورتها حرام في الشريعة والمذهب المالكي فيجب على الإعلام الانضباط بهذا الضابط والحرص على عدم نقل المسابقات والألعاب النسائية المختلفة ككرة المضرب وألعاب القوى والسباحة ونحوها التي فيها تفسخ سافر وعري مخز مناهض للقيم الإسلامية غارق في الثقافة الغربية المنحلة من القيم والأخلاق. وقد اتفق علماء المالكية على أن جميع جسد المرأة عورة مع الأجنبي المسلم ولا يجوز لها كشفه أمامهم واختلفوا في الوجه والكفين. وذهب جمهورهم إلى جواز كشف الوجه والكفين للأجانب.

стр. 140

لكن قيد كثير منهم الجواز بشرط عدم الفتنة بكشفهما، بل قال ابن مرزوق: مشهور المذهب وجوب سترهما. كما قد شرحت ذلك بتفصيل في رسالتي: «حجاب المرأة في المذهب المالكي». وهي مطبوعة. ويجب منع كل الأفلام والمسلسلات التي تظهر فيه عورة المرأة، أعني أن يظهر فيها شعرها أو أطرافها. وكل الأفلام التي يروج فيه لشرب الخمر أو القمار أو نحو ذلك كالأفلام المكسيكية والمصرية، فيحرم على القنوات نشر كل ما يخالف شريعة الإسلام. ويجب على جميع المذيعات الالتزام بالحجاب الشرعي الذي أوجبه الله عليهن واتفقت عليه المذاهب الأربعة. ويحرم على منتجي التقارير تصوير المناظر المخلة بالحياء والمخالفة لأحكام الشريعة كعرض تقرير عن الشواطئ والمسابح. والأفلام والمسلسلات التي تذيعها القنوات المغربية مثلا تنشر التفسخ والرذيلة وتحارب الفضيلة وتحرض الفتيات على إقامة العلاقات الجنسية المحرمة، فلا يختلف في حرمتها عالم كائنا من كان. جاء في بيان المؤتمر الثاني لجمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية المنعقد بمراكش أيام ١٤ - ١٥ - ١٦ جمادى الأولى ١٣٩٦ هـ موافق ١٤ - ١٥ - ١٦ ماي ١٩٧٦ م التأكيد على ضرورة مراقبة الإعلام المغربي مراقبة صارمة وخاصة الأفلام الخليعة التي تتنافى مع حشمة المسلم وتجرح كرامته ووقاره (١). نعم يمكن التدرج في منع هذه الأمور، مراعاة للمصلحة الشرعية، وتجنبا للتحريض والتجييش العلماني.

стр. 141

ومن الناحية الاجتماعية: يعني تطبيق الشريعة الحفاظ على مؤسسة الأسرة وحمايتها، وتشريع القوانين الضرورية لتحقيق فلسفة الإسلام في ذلك، القائمة على احترام الوالدين وإشاعة ثقافة الاحترام والتوقير للأكبر سنا وللأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم. والحفاظ على تماسك المجتمع وترابطه، وترسيخ معاني الأخوة، وغرس روح التعاون والإيثار بين أفراده والتواضع والجود والكرم والرفق والسخاء والورع والرفق والقناعة والمحبة، وتشجيع كفالة اليتيم والإحسان للأرملة والفقير والمسكين، وإكرام الضيف والجار، ومساعدة الغريب وابن السبيل. ومحاربة كل ما يهدد التماسك الاجتماعي كالظلم والغيبة والنميمة والتحاسد والتباغض والاستهزاء بالآخرين والحقد والخيانة والغش والغدر والكذب والتجسس وسوء الظن ونقض العهد والكبر وغيرها مما جاء الإسلام بمحاربته. إنه نظام اجتماعي فريد يحق لنا أن نفتخر به. وأنا أتساءل هنا: ماذا قدمت الدول الإسلامية ودولتنا من قوانين وبرامج لتحقيق هذه السياسة الاجتماعية الإسلامية؟ ويعني تطبيق الشريعة الحفاظ على المجتمع المسلم وإبعاد كل أخطار الانحلال الخلقي كالمخدرات والتفسخ والعري والأفكار الهدامة والمذاهب الإلحادية كالشيوعية والماسونية والعلمانية. فواجب على الحاكم المسلم بإجماع العلماء من لدن الصحابة إلى هذه الأعصار منع التفسخ في الشواطئ والمسابح ونحوها. ويمكنه بدل هذا

стр. 142

الاختلاط المخزي تهييء أماكن خاصة للرجال وأخرى للنساء. كما هو شأن الحمامات مثلا. قال العلامة الونشريسي في المعيار (١٢/ ٢٥): التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد مهيع مألوف في الشرع وقواعد المذهب، ومنه في المذهب المالكي غير نظير. ويجب على الحاكم المسلم منع نوادي الرقص الليلية والخمارات ودور الدعارة، لأنها حرام شرعا، ولأنها تعرض الفرد والمجتمع للتفسخ والانحلال وتشجع على الجريمة والقتل والاغتصاب. ذكر الناصري في الاستقصا (٦/ ١٢٥) أنه لم يبق أيام السلطان إسماعيل العلوي لأهل الدعارة والفساد محل يأوون إليه. وذكر القادري في نشر المثاني (١/ ١٣٦٤) أن في سنة ١٠٤٨ هـ قطع المحتسب في فاس شراب الدخان وقطع اللهو وآلات الطرب في النساء، وألزم الناس الصلوات في الوقت والستر في الحمام، وغَيَّر مناكر شتى. ويجب على الحاكم المسلم منع زرع المخدرات وترويجها والمتاجرة فيها. ويجب على الحاكم المسلم الحفاظ على الأسرة المسلمة ومقوماتها وإبعاد كل المؤثرات الخارجية عنها، مثل الأفلام وخاصة الإباحية أو التي فيها ترويج للعلاقات الغير الشرعية كالأفلام المكسيكية والتركية والغربية. قال عليش في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (٤/ ٤٣٥): ويجب على الحاكم مراعاة مصالح المسلمين ودفع الضرر عنهم وسد أبواب الفتن ما أمكن.

стр. 143

وقال ابن المناصف المراكشي المالكي (المتوفى سنة ٦٢٠ هـ) في تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام (٣٢٥ - ٣٢٦): وكذلك ينبغي للقضاة أو الحكام البحث والكشف عما اشتهر ذكره من المناكر، وعرف بالجملة ظهوره وانتشاره، وأنس الناس به، كاتخاذ النساء في السرور والحزن والمآتم، يجتمعن لأنواع الملاهي والمناكر في الديار والمحلات، وبعض الشوارع والحمامات، وما أشبه ذلك، وكذلك الفحص عمن شهر بالفساد من بيع الخمر، وجمع الفساق، ومتخذي الديار المعدة لذلك، وكالملهين بما لا يحل، وأهل صنائع المنكر ونحوهم، ممن يتصف بإدمان المعاصي في ذلك، وارتكاب المحظور بالإعانة، ومن هو كالآلة لوقوع المنكر على يديه. ففي مثل هؤلاء يجب اجتهاد الولاة والفحص في ذلك وارتكابه عنهم، وتفقد مظان ذلك منهم، واستعمال الحد في ردعهم، واستيلاء القهر والإخافة عليهم، وإذا ظهروا من ذلك على ما يوجب العقوبة والتنكيل فعلوه بهم على أعين الناس، ففي ذلك إن شاء الله ردع لظهور المنكر، وتطهير لمواضع الفساد، وإظهار لشعائر الإسلام. فواجب الآن على الحكام الابتداء بالكشف والبحث في مثل هؤلاء، لأن الشر والفساد قد كثر جدا وانتشر، وتحقق صحة كون ذلك مشتهرا في المواضع. فلا ينبغي للقاضي التهاون به وترك القيام فيه حتى يرفع إليه، إذ قد لا يرفعه أحد، لما أنس الناس اليوم من كثرته، واعتادوا من ملازمته، حتى لا يكاد أحد ينكره، فإهمال البحث عن ذلك مؤد إلى استمراره واستدامته مع قلة القيام به. وليس ابتداء البحث في مثل هذا محظورا من جهة أنه يظن من قبيل التجسيس، بل هذا هو الواجب إن شاء الله تعالى ههنا، لأن البحث والكشف إنما يكون تجسيسا محظورا فيمن استتر ولم يشتهر عنه ذلك بكثرة الظهور عليه، أو اتخاذه ذلك المنكر كسبا ودأبا حتى عاد

стр. 144

أمره بذلك معلوما بالإغضاء عن مشتهرات المناكر، وترك البحث عن قطع موادها مؤد إلى وعيد قوله ﷺ لما سألته زينب: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال ﷺ : «نعم، إذا كثر الخبث» (١). انتهى كلام ابن المناصف. وفي المدونة الكبرى (٣/ ٥٢٥): قلت: أرأيت إن أجَّرت داري من رجل فظهرت منه دعارة وفسق وشرب الخمور أيكون لي أن أخرجه من داري وأنقض الإجارة؟ قال: الإجارة بحالها لا تنتقض, ولكن السلطان يمنعه من ذلك ويكف أذاه عن الجيران وعن رب الدار, فإن رأى السلطان أن يخرجه عنهم أخرجه عنهم وأكرى له الدار فأما كراء رب الدار فهو عليه لا ينتقض على حال. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي. والقصارون إذا اتخذوا في دورهم ما لا ينبغي من شربهم الخمور واتخاذهم فيها الخنازير منعهم السلطان ولم تنتقض الإجارة؟ قال: نعم. فهذا نص واضح من إمام المذهب في وجوب غلق دور الدعارة والفسق وشرب الخمر ومنع إجارة المنزل لاتخاذ ذلك. وقد تابع علماء المذهب إمامهم في ذلك فجلهم نص على ذلك، منه قول ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٨/ ٢٨٨): قال المهلب: إخراج أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد المعرفة بهم واجب على الإمام من أجل تأذي من جاورهم، ومن أجل مجاهرتهم

стр. 145

بالعصيان، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن أمرهم. لأنه من التجسس الذي نهى الله عنه، وليس للسلطان أن يرفع ستر اختفائهم حتى يعلنوا إعلانا يعرفون به لقوله ﷺ عن الله تعالى (١): «كل عبادي معافون إلا المجاهرين» (٢) فحينئذ يجب على السلطان تغييره والنكال به. وكذا نص إمام المذهب أن من وجد مع امرأة وهما متهمان يضربان، وكذا من وجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب يؤدب. قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٦/ ٣٤٩): وسئل عن رجل يؤخذ مع المرأة في بيت واحد وهما متهمان، قال: يضربان ضرباً جيداً وجيعاً، قيل له: بثيابهما؟ قال: لا بل على حال تضرب الحدود. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وكذلك قال مالك في الذي يوجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب إنه يؤدب وإن قال إني صائم ولا يلتفت إلى قوله. وقال أبو العباس القرطبي في المفهم (١٤/ ١١٩): وجب على السلطان إذا وقع له أحد من هؤلاء أن يُغلِّظ العقوبة عليهم في أبدانهم بالضرب، والإهانة، وبإتلاف مال الربا عليهم بالصدقة به، كما يفعل بالمسلم إذا أجر نفسه في عمل الخمر، فإنه يتصدَّق بالأجرة، وبثمن الخمر إذا باعها. ويدلّ على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا﴾. أي: يفسخ عقده، ويرفع بركته، وتمام المحق بإتلاف عينه.
следующие страницы →