← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96924

العلمانية والمذهب المالكي

مصطفى باحو

Полный текст (193 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكانت الحدود تقام على عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام (١). وفي الحلل البهية (٢/ ٨٢) أن المولى عبد الرحمن كان قائما بحد الشريعة على البغاة. وكتب السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام إلى ولده محمد سنة ١٢٧١هـ في شأن رجل مسلم قتله فرنسيون، وفيه الأمر بالقصاص من قاتله، وفيه: فليسلك معهم مسلك الشرع (٢). وكتب ظهيرا قرئ في المساجد والأسواق في إقامة الحدود الشرعية في الزنا والسرقة والقتل وأن من تركها (أي: الحدود الشرعية) مارق من الدين (٣). وفيه: ومن وجب عليه حد من حدود الله يرفع أمره إلينا لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه، ولا يقال فسد الزمان وقلّ أهل الدين وفُقِد الناصر، فإن من قام لله وجد الله قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾ [الحج٤٠] (٤). وأصدر ظهيرا للقائد المهدي الشرادي بإقامة رسوم الدين وإحياء السنة ومعاقبة تاركي الصلاة مؤرخ في ١٦ رمضان ١٢٥٢هـ.

стр. 72

وظهيرا آخر للقائد العربي بن علي السعيدي مؤرخ في ١٥ رمضان عام ١٢٥٢هـ (١). وهذه صورة الظهير الأصلي (٢):

стр. 73

وفي سنة ١٣٠٥هـ كتب السلطان الحسن الأول لخليفة فاس ما فعله ببعض البغاة وأنه أقام فيهم حد الحرابة الشرعي، ونقل نصوص المالكية في ذلك عن مالك وابن القاسم وأشهب وابن المواز وابن عرفة (١). وذكر المشرفي في الحلل البهية (٢/ ١٨٠) أن المولى الحسن لم يقم حدا من الحدود الشرعية في الجنايات والسرقة بسبب أنه لم يثبت عنده وقوع تلك الجنايات ثبوتا شرعيا. فلم يتركها زهدا فيها أو تجاوزا لها لقوانين أخرى، وإنما لأنه لم يثبت عنده ثبوتا شرعيا وقوعها من أصحابها، ولو ثبت عنده ذلك لأقامه. وأنكر السلطان العلوي محمد بن عبد الله ﵀ التساهل في الزنا بالقبض والذعيرة وقال: وذلك من المنكر الذي لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، لأنه خرق للشريعة وإبطال لأحكام القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾. وقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذا في البكر، وأما الثيب فالرجم. وزاد: ومنها التساهل في أمر السرقة والاكتفاء برجوعها وزجر السارق، وهذا مخالف للشرع، مبطل لحكمه الذي هو القطع، قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢). ثم ذكر التساهل في القتل وأن الواجب هو حكم الشرع: بالقصاص من القاتل.

стр. 74

فهذا رد واضح من هذا السلطان العلوي ﵀ على إبدال الحدود الشرعية بالقوانين الوضعية. وتضمنت بيعة المولى عبد الحفيظ اشتراط: تطبيق الحدود الشرعية (١). ولما خرج محمد بن المولى إسماعيل السلطان على أبيه وكان أبوه يحبه حبا شديدا ويفضله على باقي إخوته، لكنه كان عالما متضلعا في علوم الشريعة، فلما ظفر به أقام عليه الحد الشرعي يوم ٤ ربيع الأول عام ١١١٨. فقطع يده ورجله من خلاف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ المائدة٣٣. قال ابن زيدان معلقا: وفي إقامة هذا السلطان الجليل المقدار الحد الشرعي على فلذة كبده وعضده وساعده دلالة واضحة في وقوفه لدى حَدِّ ما حَدَّه الشرع الأقدس، لا يراعي في ذلك قاصيا ولا دانيا (٢). وهكذا فعل الوزير أحمد بن موسى لما جمع القضاة والعلماء لما قبض على بعض الثائرين حكموا عليه بما حكم به الشرع في المحاربين، وذلك في سنة ١٣١٣هـ (٣). بل حتى الخلاف بين الأجانب والمسلمين كان يحكم فيه بحكم الشريعة، كما ورد في اتفاق صلح بين السلطان محمد بن عبد الله ولويس ١٥ في ذي الحجة

стр. 75

عام ١١٨٠ الموافق ٢٨ ماي عام ١٧٦٧. وفيه الشرط الثالث عشر: إذا ضرب فرنصيصي (١) مسلما فلا يحكم فيه إلا بعد إحضار القونصو (٢) ليجيب ويدافع عنه، وبعد ذلك ينفذ فيه الحكم بالشرع (٣). الخمر . كان الخمر ممنوعا خلال تاريخ المغرب، ولم يرخص لغير اليهود والنصارى بيعه وشربه، كما سأذكر قريبا عند حديثي عن الجزية، وقد يقع شربه من بعض المسلمين لكنه في حدود ضيقة جدا، ولم يجرؤ أحد أن يجاهر بذلك، وكذا لم يعرف أن الدولة المغربية أعطت ترخيصا لمسلم لبيع الخمر إلا بعد مجيء الاستعمار. في سنة (٤٤٧هـ) دخل عبد الله بن ياسين سجلماسة فغيَّر ما وجد بها من المنكرات وقطع المزامير وآلة اللهو وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور وأزال المكوس وأسقط المغارم المخزنية ومَحَا ما أوجب الكتابُ والسنة مَحْوَهُ (٤). وكتب الخليفة عبد المومن الموحدي إلى عامله ببجاية يوصيه بإتلاف الخمور وقطع دابر أهلها (٥).

стр. 76

وقال الناصري في الاستقصا (٣/ ١٦٦): وكان المنصور (أي: السلطان الموحدي) يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكوهم الرعايا ... وكان يعاقب على ترك الصلوات، ويأمر بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا. وكان الفقيه أبو الحسن الزرويلي المعروف بالصُّغَير صاحب التقييد على المدونة المتوفى سنة (٧١٩هـ) قد شدد على أهل الفسوق والمناكر فسيق إليه ذات يوم أندلسي وهو سكران فأمر العدول فاستروحوه واشتموا منه رائحة الخمر وأدوا شهادتهم على ذلك فأمضى القاضي حكم الله فيه وجلده الحد (١). وجعل أبو العباس القرطبي في المفهم (١٢/ ٨٩) من أسباب خلع الحاكم ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كترك إقامة الحدود أو إباحة المحرمات كشرب الخمر، والزنى قال: قوله: «على المرء المسلم السَّمع والطاعة». ظاهر في وجوب السمع والطّاعة للأئمة، والأمراء، والقضاة. ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية. فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولاً واحدًا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا: وَجَبَ خَلْعُه على المسلمين كلهم. وكذلك: لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين. كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومَنَع من ذلك. وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنى، ولم يمنع منهما، لا يختلف في وجوب خَلْعِهِ.

стр. 77

وسيأتي معنا في المبحث الثاني «ماذا يعني تطبيق الشريعة؟» مزيد تفصيل لهذا. ولا يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى خلع الحاكم، أو الخروج عليه بطرق غير شرعية أو نحو ذلك. ولكنني في صدد بيان رأي المالكية في هذه النوازل وحكاية أقوالهم التي يدين المغاربة بها منذ عصور. وهذا ظهير للمولى الحسن الأول بتاريخ ١٣٠٤هـ في التحذير من الخمر وإقامة الحد على شاربها. أسوقه لمن يغضون الطرف عن الخمارات والنوادي الليلية والمراكز التجارية (مرجان وكارفور ونحوها) في بلد إسلامي ينص دستوره على أن دين الدولة الإسلام. ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع: (خديمنا الأرضى القائد محمد بن سعيد السلوى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد: فقد بلغ لعلمنا الشريف ما استفز به اللعين رعاع المسلمين، واستهواهم بغوايته وضلاله المبين، وارتمى بهم الحال إلى أن صاروا يشربون الخمر جهارا، ويعربدون في الشوارع وهم صرعى أطوارا، من غير مراقبة من حرمها في صدر الإسلام، وأوعد من يقتحم شربها بأليم العقاب، وفوق إليهم السهام. فعن مولانا رسول الله ﷺ مخبرا عن ذي الجلال، من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من طينة الخبال، وهي ما يسيل من جلود أهل النار.

стр. 78

فاعتبروا يا أولي الأبصار، على أن المخالفة باقتحام عقبات المحرمات، موجبة لسخط الله ومجلبة للآفات. ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فيما يأتونه أو يذرونه، وقد ذم الله تعالى بني إسرائيل بما جعله بيانا لما اقترفوه. فقال: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٩]. ويكفيك في الإيعاد كونها ـ أي الخمرـ من الخمس عشرة خصلة التي إذا فعلتها هذه الأمة حل بها الخسف أو المسخ أو غيرهما من أنواع البلاء، واستأصلتهم يد الخلاء والجلاء، بنص قوله سبحانه في كتابه المبين: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٤٥]. وعليه فنأمرك تزجر من عثرت عليه من المسلمين معربدا، أو وجدته صريعا واللعين عليه مستحوذا، بأن تجلده ثمانين، وتودعه السجن حتى تتحقق توبته ويخلص من شؤم سمة المجانين، ويتدرع شعار المسلمين: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] كما نأمرك أن تجعل عهدة من أخرج شيئا من الملاح على البوابين. وتتوعدهم عن ذلك إن غضوا الطرف عنه أو قبضوا عليه الرشا من المبتلين، وتزجر من المسلمين من عاد إلى مخالطة أهل الذمة في شيء من ذلك في الحين أو بعد حين، فإن ذلك مثلبة في الدين: والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم إلا ما يتعاطاه أهل الذمة فيما بينهم فلا يتعرض لهم، لكونه مستحلهم في دينهم، وأعطوا العهد عليه، نعم يعزرون إن أظهروا السكر في غير محلهم جريا

стр. 79

على مقتضيات الشريعة المطهرة في ذلك، والله ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق، والسلام. ٩ رجب الفرد الحرام عام ١٣٠٤هـ (١). وهذه صورة الظهير المذكور (٢):

стр. 80

وكتب السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام ظهيرا لرؤساء المراكب البحرية التجارية منها والحربية يحضهم على التقوى والصلاة لوقتها وقراءة القرآن ويوصي بعدم حمل مثل الخمور والخنزير، وتوعد من فعل ذلك بالنكال (١). وهذا المولى الرشيد العلوي الذي تولى سنة ١٠٧٦هـ حرص على إقامة الحدود على الزناة وشاربي الخمر (٢). وأغلب حكام الدولة العلوية كانوا على جانب كبير من الديانة والاستقامة، بل حتى في عهد السلطان محمد الخامس ﵀ لم يكن يقدم الخمر في مجالسه سواء في فرنسا أو في الحفلات التي يقيمها المغرب على شرف الأجانب (٣). وفي عشاء لمحمد الخامس مع روزفيلت في الدار البيضاء لم يقدم الخمر ولا الخنزير (٤). وقد علق رئيس وزراء بريطانيا على عشاء لا خمر فيه قائلا: نَاشَفْ مع الأسف (٥).

стр. 81

الدعارة . لم يعرف المغرب الدعارة كنشاط مكثف إلا مع الاستعمار. وقد دعم الفرنسيون الدعارة وشجعوها وهم أول من أحدث المواخير، وجند لذلك مجموعة من عملائه المغاربة الفاسدين كالتهامي الجلاوي الذي دعمه الفرنسيون بمجموعة من المومسات الفرنسيات (١). وكان تحته نحو ٤٠٠٠ مومس، وكان يتقاضى ضرائب منهن تقدر بـ ١٠٠ فرنك يوميا عن كل واحدة (٢). وكانت السلطات الاستعمارية حريصة على إعطاء البغاء مشروعية قانونية، فأصدرت تقنينا للبغاء بمرسوم ١٦/ ٠٢/١٩٢٤ يسمح بفتح منازل رسمية له وتحدد سن المرأة في ٢١ عاما، وفي سنة ١٩٥٤ غيَّرت الإدارة الاستعمارية المرسوم بشكل خفض السن إلى ١٦ عاما (٣). فكانت هذه أول بوادر الفساد المجتمعي في المغرب تحت إشراف وتمويل وتشجيع من المستعمر. ولازال الحال كما أراد هذا المستعمر إلى الآن. وقد آن الأوان لإرجاع الأمور إلى نصابها إن شاء الله.

стр. 82

عناية الدولة العلوية بجمع الجزية من اليهود . ظلت الجزية تدفع من قبل الجماعات اليهودية في المغرب حتى أوائل القرن العشرين، واستعاضت عنها بتقديم هدايا إلى السلطان في المناسبات الاحتفالية (١). وهذا ثاني مؤسس للدولة الإدريسية إدريس بن إدريس فرض الجزية على يهود فاس (٢). ومقابل الجزية التي يدفعها اليهود إلى السلاطين فهم يستفيدون من حماية المخزن لهم بموجب عقد الذمة التي تحكم العلاقة بين السلطان ورعاياه من غير المسلمين (٣). وكان يسمح لليهود ببيع وشرب الخمر بينهم ولا يسمح لهم ببيعه للمسلمين، ولما تجاوز يهود مرسى العرائش فتعاطوا لبيعه للمسلمين منعهم المولى سليمان وطلب منهم مغادرة المدينة (٤). وكتب المولى إسماعيل ظهيرا لعبد الوهاب بن أحمد أدرّاق ليأخذ جزية أهل الذمة القاطنين بملاح مكناس مؤرخ في ٤ صفر عام ١١٣٧هـ (٥).

стр. 83

وأصدر السلطان المولى سليمان في سنة ١٨١٥م أمرا يلزم اليهود المغاربة بأداء الجزية (١). وأصدر المولى الحسن الأول ظهيرا بتاريخ ٩ رجب عام ١٣٠٤هـ في السماح لأهل الذمة بشرب الخمر بينهم وعدم جواز إظهار ذلك بين المسلمين (٢). وهذه صورة ظهير المولى عبد الرحمن بوصول جزية ذمة أهل سلا سنة ١٢٥٦هـ (٣):

стр. 84

وفي عهد السلطان المولى سليمان أرسل له القاضي محمد عواد (٣٣٣٠) جزية ذمة سلا. والرسالة مؤرخة في ١٩ ربيع الأول عام ١٢٦٦/ ٢ فبراير سنة ١٨٥٠ (١). وفي ظهير للمولى الحسن الأول للحاج عبد الله حصار بتاريخ ١٥ جمادى الثانية ١٢٩٤ باستيفاء الجزية من يهود الدار البيضاء. ونصه بعد التحية: فنأمرك أن تستوفي من يهود أهل الدار البيضاء جزية هذه السنة المباركة فقد حل أجل قبضها منهم، وما قبضته ادفعه لأمين المستفادات هناك على العادة، والسلام ١٥ جمادى الثانية عام ١٢٩٤ (٢). وقد ظل اليهود ينعمون بحرية وعدل بشهادة بعض النصارى كروم لاندو الذي أكد عدم تعرض اليهود للاضطهاد في المغرب (٣). وكتب السلطان الحسن الأول إلى الولاة والرعية سنة ١٢٩١، وفيه الوصاية بأهل الذمة وعدم ظلمهم (٤). وكتب في ٧ جمادى ٢ عام ١٣١٠ إلى يهود ملاح مراكش ليطيب خاطرهم حول معاملة سيئة يلقونها من عامل مراكش، وكتب لهذا الأخير ليحسن معاملتهم (٥).

стр. 85

وحكى الناصري في الاستقصا (١/ ٦١ - ٦٢) قصة غريبة في اختراع اليهود ظهيرا ونسبوه للنبي ﷺ أسقط فيه الجزية عنهم بزعمهم. فتمكن علماء المغرب من كشف هذه الخدعة اليهودية وبينوا وجه بطلان الظهير المزعوم. قال: وقد وقفت في بعض التقاييد المظنون بها الصحة على كلام للأديب أبي عبد الله اليفرني المعروف بالصغير في هذا المعنى قال: جرى بمجلس شيخنا قاضي الجماعة فلان الفلاني ذِكْر علم التاريخ فقال: إن علم التاريخ يضر جهله وتنفع معرفته لا كما قيل: إنه علم لا ينفع وجهالة لا تضر. قال: وانظر ما وقع في هذا الوقت في حدود عشر ومائة وألف من أن نفرا من يهود فاس الجديد امتنعوا من أداء الجزية وأخرجوا ظهيرا قديما مضمنه أن النبي ﷺ عقد لموسى بن حيي بن أخطب أخي صفية ﵂ ولأهل بيت صفية الأمان لا يطأ أرضهم جيش ولا عليهم نزل ولهم ربط العمائم فعلى من أحب الله ورسوله أن يؤمنهم. وكتب علي بن أبي طالب، وشهد عتيق بن أبي قحافة وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان. وتاريخ شهادتهم في ذي القعدة سنة تسع من الهجرة قال شيخنا: فظهر لي ولعلماء العصر أن ذلك زور وافتراء لا شك فيه ولا امتراء لأن التاريخ بالهجرة إنما حدث زمن عمر سنة سبع عشرة لأسباب اقتضت ذلك كما في ابن حجر، ولأن أهل التاريخ لم يذكروا لصفية أخا اسمه موسى، وإنما المروي في الأحاديث أنه ﵊ قتل أبا صفية وزوجها، ولأن الظهير الذي استظهروا به نسخة من الأصل الذي فيه خطوط الصحابة وقد أرخوا الاستنساخ من الأصل بسنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فقد تأخر خط الصحابة بزعمهم إلى المائة الثامنة وكيف يتوصل في المائة الثامنة إلى أن ذلك خط

стр. 86

الصحابة. هذا خلاصة ما كتبه أهل فاس في إبطال الظهير ولما رفع ذلك إلى السلطان المولى إسماعيل ﵀ عاقب اليهود عقابا شديدا. انتهى. ولما أراد يهود ملاح فاس العليا أن يتخذوا حزانا وتاجرين من تجارهم ليحكم بينهم في نزاعاتهم. فكتب السلطان الحسن الأول ظهيرا مؤرخا في ٦ ربيع الثاني عام ١٣٠٠ لتكليف ستة فقهاء في القضية، ومما قال السلطان في ظهيره: وحيث لم تجر لهم عادة بنصب ما ذكر وكانوا معاهدين والأمور التي بينهم وبين المسلمين كلها مبنية على قواعد الشرع، رددنا قضيتهم للشرع. وكان جواب الفقهاء بمنع اليهود من ذلك، والفقهاء هم: محمد جنون وجعفر الكتاني وأحمد بن الحاج والحميد بناني وعبد الله الودغيري (١). ويلاحظ من خلال هذا الظهير أن الحكم إنما كان للشرع الإسلامي لا غير، وأن المغرب لم يعرف قانونا غير الشريعة الإسلامية. ومن ألطف ما وقفت عليه في شأن الجزية بالمغرب أن السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني بنى المرستانات للمرضى والمجانين ورتب لهم الأطباء لتفقد أحوالهم وأجرى على الكل المرتبات والنفقات من بيت المال وكذا فعل بالجذمى والعمي والفقراء، رتب لهم مالا معلوما يقبضونه في كل شهر من جزية اليهود (٢).

стр. 87

فهذه سياسة رشيدة قَلَّ نظيرها: إنفاق مداخل الجزية في مشاريع لذوي الاحتياجات الخاصة. مناهضة المالكية للبنوك الربوية . طوال قرون عديدة كانت الشريعة الإسلامية ممثلة في المذهب المالكي هي المرجع الوحيد للمعاملات التجارية والمالية في المغرب القائمة على أصلين هامين: جواز البيع وحرمة الربا. ولم يدخل الربا في صورة منظمة ومؤسسة إلا لما سقط المغرب فريسة للتدخلات الأجنبية، في عهد السلطان عبد العزيز، وتحديدا عقب مؤتمر الجزيرة الخضراء. وقد جاء في رسالة عبد الحكيم التونسي للتعريف بحقيقة التدخلات التي تطرحها بعض الدول على مؤتمر الجزيرة الخضراء، مع الإشارة للردود المغربية البديلة، جاء فيها: أما البنك المالي فإني لم أر في تيسره وجها أبدا، وكيفما كانت صورته فهي مضرة غاية، ومخالفة للشرع المحمدي، ومن كان على غير شرع فلا خير فيه (١).

стр. 88

ولما تولى السلطان عبد العزيز كان طفلا عمره لا يتجاوز ١١ سنة فوقع ألعوبة في يد الوزير أحمد بن موسى (المعروف بـ «باحماد») (١) أولا، ثم-وهو الأخطر- في يد الأطماع الخارجية ثانيا. ولهذا فالبنك المخزني الربوي المغربي تكوَّن بموجب البند الثالث من معاهدة مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة ١٩٠٦. وأسند إدارته لبنك باريس (٢). ليفقد المغرب بذلك استقلاله المالي والاقتصادي، وجزءا من سيادته لأنه أصبح أمام نوع من الحماية الدولية كما قال ألبير عياش (٣). وهو بنك دولي مركب من ١٣ نائبا يمثلون الدول الحاضرة للمؤتمر، ورأس ماله ١٥ مليون فرنك موزعة على ٣٠ ألف سهم (٤). وكان عبد العزيز وعد بإسناد مهمة تأسيس بنك مخزني للكونسورسيوم، وهي مجموع بنوك فرنسية، وهي التي أقرضته قرض ١٩٠٤ (٥).

стр. 89

هذه المجموعة البنكية كان -كما قال ألبير عياش- عهد إليها بمهمة تنمية وتنظيم السيطرة على المغرب (١). في ١١ يناير ١٩٠٥ أرسل دلكاسي وزير الخارجية إلى فاس ووزير فرنسا بطنجة سان روني دي تايلاندي بهدف فرض مخطط للإصلاحات متعلق بتنظيم قوات الأمن بالمراسي وبإنشاء بنك مخزني من طرف كونسورسيوم (البنوك الفرنسية) (٢). وبالفعل أنشأ البنك المخزني في ٢٧ فبراير ١٩٠٧ (٣). فأصدر عبد العزيز ظهيرا مؤرخا بـ ١٢ حجة الحرام عام ١٣٢٤ بتأسيس أول بنك بالمغرب، وفيه: فلا يخفى أن جملة ما تضمنه وِفْق المؤتمر الدولي: تأسيس بنك بالمغرب يسمى بالبنك المخزني مؤلفا رأس ماله من بانكات (٤) الدول الذين حضر أعضاؤهم لجمع المؤتمر المذكور (٥). إذن فتأسيس بنك المغرب الربوي لم يكن خيارا وطنيا أملته ظروف اقتصادية معينة، بل هو استجابة لضغوط خارجية، أو بعبارة أوضح هو تنفيذ لإملاءات استعمارية محضة.

стр. 90

وهذا البنك لازال إلى الآن يتربع على عرش مالية المغرب، وهو المشهور ببنك المغرب الذي يتوسط مدينة الرباط إلى اليوم. وقد أنشئت مديرية المالية ابتداء من شهر يوليوز ١٩١٢، أي بعد ثلاثة أشهر من توقيع معاهدة الحماية، وتنظمت بصفة نهائية سنة ١٩٢٠ بظهير ١٤ يونيو. وطبقت فيها المبادئ الأساسية للمحاسبات العمومية الفرنسية كما قال ألبير عياش (١). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! هذه السياسة العزيزية المستجيبة للإملاءات الخارجية جرت عليه متاعب كبيرة مع علماء وأعيان المغرب، وخاصة مراكش وفاس، حيث كانت سياسته الربوية أحد أهم أسباب خلعه وتعيين عبد الحفيظ مكانه. وفيما يلي النص الأصلي لعرائض علماء وأعيان وشرفاء فاس ضد سياسات السلطان عبد العزيز المرفوع لعلماء فاس، وفيه ذكر أسباب هذه العريضة (٢)، منها: - إسقاط الأحكام الشرعية كإبدال الزكاة بالترتيب. - وإحداث البنك المؤدي إلى إدخال الربا في سائر المعاملات.

стр. 91

فأجاب علماء فاس حول النازلة المذكورة بوجوب عزل السلطان عبد العزيز للأسباب المذكورة، وعللوا ذلك بقولهم: لكون إمامته لم تجر على القواعد الشرعية، بل ولا على الضوابط المرعية. وهذه صورة النص الأصلي للفتوى (١):

стр. 92

ولما تقدم علماء القرويين وغيرهم للسلطان عبد العزيز بمطالبهم، كان من بينها: إلغاء بنك الدولة (١). وفي عهد السلطان المولى الحسن الأول طلب مدير البنك الفرنسي بطنجة إصدار أوراق، كل ورقة تتضمن عددا من الدراهم بحيث من سافر من الناس إلى بلد آخر يصحب معه تلك الورقة فيدفعها إلى نائب عن البنك ويدفع له الدراهم أجاب السلطان المولى الحسن الأول بتاريخ ٥ ربيع الأول ١٣١٠ بأن المخزن استفتى العلماء فيه فأجابوا بأنه حرام في شرع ديننا (٢). وللفقيه القاضي محمد العبادي محاضرة في موضوع الربا ألقاها بمدينة وجدة سنة ١٩٢٧ طبعت بالمطبعة الرسمية للحماية سنة ١٩٣٤. ومما جاء في مقدمتها: أيها السادات، فإن لكل غرض سببا وباعثا، والذي أوقفني في موقفي هذا وحملني على إلقاء هذه المحاضرة على مسامعكم الزكية هو المنشور الوزيري العدلي الصادر في هذه الأيام القريبة لجميع قضاة الإيالة الشريفة، بالحض لهم ولعدولهم أن يتنبهوا لما هو واقع من المعاملات الربوية، التي جاءت الشريعة المطهرة بالنهي عنها وتحريمها تحريما مطلقا. لما يلحق الناس المحتاجين من الأضرار الفادحة في ماليتهم بسبب تعاطي المعاملات الربوية عند الاضطرار إلى الدراهم. وحيث كنت من جملة أولائك القضاة المكلفين بالتمشي على مقتضيات ذلك المنشور المنيف. وكانت هذه المسألة من المسائل الاجتماعية التي تهم كثيرا

стр. 93

من الناس إن لم نقل جميعهم. رأيت أن أبسطها لكم بإنشاء هذه المحاضرة، وإلقائها على مسامعكم لتكونوا على بصيرة تامة منها، وتحترزوا من الوقوع في شبكات المرابين الذين يعاملون من احتاج إليهم معاملة قاسية باستخلاصهم منهم أرباحا فاحشة فادحة، ولا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة، ولا تتحرك فيهم عاطفة من عواطف الإنسانية. وزاد: وأما المنشور الوزيري فقد جاء فيه ما ملخصه: إنه من المعلوم عند كل أحد ما يلحق أهل البادية والمدن بالإيالة الشريفة من الأضرار الفادحة والمصائب المتنوعة بسبب تعاطي البيوع الفاسدة والمعاملات الربوية، التي جاء الشرع المطهر بالنهي عنها وتحريمها تحريما مطلقا، وأنه لأجل ذلك أصدر جلالة مولانا السلطان -أبد الله مجده ووفق معاضده- ظهيرا شريفا نشر بالجريدة الرسمية عدد ٧٢٦عام ١٣٤٥موافق سنة ١٩٢٦ بمنع تلك المعاملات الربوية ومقاومتها بغاية ما يكون من الشدة. وأنه بناء على ذلك فإن سعادة وزير العدلية يلفت نظر القضاة إلى هذه المسألة المهمة بأن يصادروها حتى تنقطع مادتها ويرتفع ضررها على الخاص والعام. ثم بين رعاه الله للقضاة كيف يكون سلوكهم إزاء هذه المسألة، وأنه إذا حضر لدى العدول متعاقدان بقصد إقامة رسم معاملة بسلعة أو بيع وإقالة أو بيع سلم أو رهن, فإنه يتعين على القاضي مع العدول أن ينظروا بكل تدبر وإمعان في تلك المعاملة وما اشتملت عليه واحتفت به من القرائن والظروف, فإن كانت لا ريبة فيها شرعا أذن بتحرير عقدها. وإن عثر على شائبة قرض ربوي أو استرابة تدل على ذلك، امتنع القاضي امتناعا كليا من إعطاء الإذن في ذلك. وكذلك العدول يتعين عليهم أن لا يقدموا على كتب أو تلقي هذه الشهادات التي تظهر عليها مخايل الربا. وكذلك إذا كتب الرسم

стр. 94

وقبل أداء القاضي عليه تنبه لما في تلك المعاملة من الربا, فإنه يجب عليه أن يمتنع من الخطاب عليه ويلغيه كلية مع بيان المانع له من قبوله. وإنه إذا طلب أحد إقامة رسم سَلَم, فإنه يجب على العدول أن ينصوا بكل صراحة لا إبهام معها أنه إذا لم تكن صابة في تلك السنة فإن المسلِّم -كسرا- يكون مخيرا في أخذ رأس ماله ناضا لا زيادة عليه، أو التأخير إلى العام القابل. أحكام أخرى: وأما تبرج المرأة فلم يعرفه المغرب إلا مع الاستعمار، ولازالت المرأة المغربية محافظة على حشمتها ووقارها وحجابها حتى أجلب عليها الاستعمار بخيله ورَجْله. وانظر كلام روم لاندو في أول من ترك الحجاب علانية من السلاطين مع بناته، لما شاركن في الألعاب الرياضية وفي كثير من وسائل اللهو الغربية ولبسن ثيابا أوربية (١). ولكنه لم يظهر زوجتيه أبدا (٢). وأما اختلاط الجنسين بهذا الشكل المفضوح لم يعرف في بلدنا إلا مع الاستعمار. وهذه شهادة جليلة من كاتب فرنسي بذلك، قال روم لاندو: فإن اختلاط الجنسين في الحياة الاجتماعية حتى في العقد الخامس من القرن الحالي هو الشذوذ لا القاعدة (٣).

стр. 95

بل حتى الدراهم والأوراق المالية كان يراعى فيها الجانب الشرعي في المغرب. ففي ظهير السكة الحسنية المؤرخ في ١٢ جمادى الثانية ١٢٩٨ ما يلي: إنها سكة شرعية موافقة للشرع مبني أصلها على الدرهم الشرعي (١). وفي الإتحاف (٦/ ١٠٠) ظهير للمولى سليمان بتاريخ مهل حجة الحرام عام ١٢٣٢ بأن الغريم يحبس حتى يؤدي ما عليه، كما هو منصوص في المذهب. فلا مرجع للمغاربة قديما إلا المذهب المالكي. أما آن لنا أن نتحرر من الاستعمار الاقتصادي والقانوني والثقافي الذي خلفه لنا الاستعمار وأوكل للدفاع عنه نخبة من العلمانيين الذين رباهم على عينه ودربهم في جامعاته؟ والشريعة الإسلامية بالنسبة للمغرب -كما يقول علال الفاسي-: امتزجت بكيانه، وانبثقت من إيمانه بأنها وحي من الله من جهة، ومن تبنيها لكثير من أعرافه وتقاليده التي لم ير الإسلام فيها ما يختلف عن مقاصده، وأصبحت تمثل فكرا مغربيا صميما، وهي في مظهرها المالكي المغربي تمثل مدرسة خاصة فيها من الاختيارات والاستحسانات واعتماد المصلحة ما يجعلها قابلة لأن تثبت وتستمر (٢).

стр. 96

الظهير البربري أهم مظاهر العلمنة في المغرب وموقف المغاربة منه اتخذت فرنسا من عادات بعض قبائل البربر المخالفة للشريعة الإسلامية قانونا عاما، فرضته على جميع القبائل البربرية. وأضافت إليه شيئا كثيرا من الفروض والحلول القانونية الفرنسية وجعلت هذا الوضع مؤقتا وتدريجيا لتنتقل بالبرابرة في وقت قريب إلى القانون الفرنسي الخالص كما قال الأستاذ محمد المكي الناصري (١). كان أول من وقَّع على الظهير البربري هو المقري، وكان رفض في البداية التوقيع عليه لكن الفرنسيين اشتروا منه أرضا قَفْرا لا تساوي شيئا بثمن قدره ٣ ملايين فرنك، فعند ذلك باع دينه وأمضى لهم الظهير (٢). صدر أول ظهير بشأن الظهير البربري سنة ١١/ ٩/١٩١٤ وبواسطته تأسست المحاكم العرفية (٣). علمنة القانون = السياسة البربرية. الغاية من الظهير البربري النهائية هي عَلْمَنة القانون، كما عبر روم لاندو أحد الكتاب الفرنسيين في كتابه تاريخ المغرب في القرن العشرين (١٧٦).

стр. 97

تمثل هذه العبارة اختزالا دقيقا وعميقا للسياسة البربرية التي انتهجها الاستعمار الفرنسي بغية السيطرة والهيمنة على المغرب عبر سياسة «فرق تسد». لنقرأ ما كتبه أحد أبرز الشخصيات التي تقف وراء الظهير البربري: قال الكولونيل مارتي في كتابه «مغرب الغد»: إنه من الخطر بمكان أن يسمح بإنشاء كتائب موحدة من المغاربة يتكلمون لغة واحدة، فإنه يجب أن نفيد إلى الحد الأقصى من القول المأثور «فرق تسد» ووجود السلالة البربرية أداة نافعة في مناهضة السلالية العربية، وقد نستخدمهم حتى ضد المخزن نفسه. وقال: إن المدارس البربرية (أي: التي أنشأها الاستعمار) يجب أن تكون خلايا للسياسة الفرنسية، وأدوات للدعاية بدل أن تكون مراكز تربوية بالمعنى الصحيح ... ولذلك فقد دعي المعلمون إلى اعتبار أنفسهم وكلاء لضباط القيادة ومعاونين معهم (١). وفي عبارة أكثر صراحة، أكد أن الخبراء الفرنسيين الذين عهد إليهم بإعداد الظهير البربري أن الهدف منه لم يكن كما أعلن رسميا إظهار الاحترام للتقاليد البربرية القبلية بقدر ما كان إحداث الشقاق بين أجزاء المجتمع المغربي واستغلال طرف ضد طرف آخر (٢). وقد ظهرت أهداف واضعي المشروع كذلك في الفقرة التالية المأخوذة من محضر اللجنة المكلفة بدراسة المسألة، فقد جاء فيها: ولا ضرر هناك البتة من جهة أخرى، في كسر وحدة التنظيم القضائي بالمنطقة الفرنسية، عندما يكون

стр. 98

الأمر متعلقا بتقوية العنصر البربري من أجل دوره في التوازن، بل وهناك فائدة محققة من الوجهة السياسية، في تكسير هذه الوحدة (١). كما أكد لوسيان مينو في مقال «ماذا يجري في المغرب» نشر في جريدة الشعب الباريسية بتاريخ ٢٢ أكتوبر ١٩٣٠ اعتماد المستعمر مبدأ (فرق تسد) في إصداره للظهير من أجل تحقيق أهدافه (٢). ولهذا كان الفرنسيون يرون أن السيطرة العسكرية هي التي تخولهم تطبيق التشريع الذي يرونه مناسبا: قال جورج سوردون مدرس الشرع البربري بالمدرسة العليا بالرباط سابقا ورئيس العدلية البربرية في «مبادئ الحقوق العرفية البربرية المغربية»: ففي المغرب قانونان: قانون إسلامي وقانون فرنسي، فالأَوْلى أن نرى العرف يندمج في القانون الفرنسي من أن نراه يندمج في القانون الإسلامي، لأن الأسلحة الفرنسية هي التي فتحت البلاد البربرية. وهذا يخولنا حق اختيار التشريع الذي يجب تطبيقه في هذه البلاد (٣). والواقع أن المحاكم الإسلامية قبل فرض الحماية كانت على نوعين: ١ - محاكم مخزنية، تختص بالجنح والجنايات. ٢ - محاكم قضائية، تشمل جميع المخالفات سواء كانت الأحوال الشخصية أو غيرها (٤).

стр. 99

وكلاهما لا مرجع له إلا المذهب المالكي والشريعة الإسلامية. ولم يجد عدد من الكتاب الفرنسيين المهتمين بقضايا البربر، والحريصين على دعم السياسة الفرنسية بدا من الاعتراف بأن الشريعة هي المرجع الوحيد للمغاربة عربهم وبربرهم مثل جورج سوردون وروبير مورتين (١). قال روبير مورنتين الذي جندته فرنسا للقيام ببحث ميداني في بلاد البربر لمدة خمس سنوات نال به درجة الدكتوراه من باريس، قال في «البرابرة والمخزن»: إنه منذ عصور طويلة أصبح العرف البربري يراض على الاتفاق مع قواعد القانون الإسلامي. وفي هذا الوطن الذي ولد فيه كثير من مصلحي الإسلام وعلمائه وفقهائه لم يزل نفوذ المبادئ الشرعية وتأثيرها متعاقبا، حتى خرج من القانون العرفي جميع ما يخالف القرآن، وأصبح العرف محدودا في قمع الجنايات والجرائم، وتنظيم الحياة السياسة للقبائل وقد ظل الجزء الشرع ينمو بدون انقطاع وامتد على الأحوال الشخصية والقضايا العقارية ومجموعات القانون العرفي لقبائل سوس وقبائل سلسلة الأطلس الجنوبية ليس فيها شيء يتعارض مع قواعد الشرع ما عدا بعض صور الرهن وبعض صور الدَّيْن (٢). هذا كلام من كتب حريصا على خدمة الاستعمار الفرنسي وسياساته العنصرية لا خدمة الإسلام وأهله.

стр. 100

وهذا كاتب فرنسي آخر يقرر بأن القانون الإسلامي يكاد يصل إلى درجة القداسة عند المغاربة وخاصة البربر منهم. هكذا قال روم لاندو في تاريخ المغرب (٤٦). وزاد فأكد أن أول من فصل بين القضاء الشرعي المعتمد على الشريعة والقضاء الجنائي وغيره هو الحاكم ليوطي (١٢٩). وزاد فأكد أن قضية تطبيق الشريعة في البلدان الإسلامية لم تكن يوما من الأمور البسيطة ... وقد خضع كل شيء في حياة المسلم لأحكام الشريعة المستمدة من القرآن الكريم التي أصبحت بذلك ذات منزلة خاصة (ص ١٧٩). وأكد أن القانون المدني والقانون الجنائي كانت تطبق فيه الشريعة منذ أقدم الأزمنة (ص ١٨٠). هكذا يعترف من كان حريصا على نصر السياسة الفرنسية العلمانية. فالمحاكم المستندة إلى أحكام الشريعة هي النظام الوحيد في المغرب الذي يحكم بين كافة المغاربة قبل الحماية. وفي عهد السلطان عبد العزيز ظهرت المحاكم القنصلية للأجانب فقط فكان هذا أول خرق يقع في النظام القضائي المغربي. لتقوم فرنسا بعدها بإنشاء محاكم فرنسية واعتبرت ذلك على رأس الالتزامات الجوهرية لها كما صرح ليوطي (١). قال الناصري: وأما المحاكم الإسلامية فهي محاكم واسعة السيطرة غير محدودة الاختصاصات تتناول السلطان فمن دونه وتحكم في الأحوال الشخصية

стр. 101

والمدنية والجنائية والتجارية والعقارية وسائر ما يتصل بحياة المغاربة المسلمين طبقا للقانون الإسلامي العام ووفق المذهب المالكي الخاص (١). وقد تم إصدار ظهير يسمح بإعداد الوسائل اللازمة لإنشاء المحاكم الفرنسية في ٣١/ ١٠/١٩١٢، والذي صاغه دهاقنة الاستعمار، ونشروه موقعا من قبل السلطان. ثم تكونت لجنة في باريس لصياغة نظام قضائي مستمد من القوانين الغربية، ولم تنته عشرة أشهر من إعدادات اللجنة الباريزية وتقديم مشروعاتها القضائية حتى صدرت سلسلة من الظهائر بتاريخ ١٢ غشت سنة ١٩١٣ لتقرير مشروعات باريس تقريرا نهائيا. وبعد صدور هذه السلسلة بنحو ثلاثة أسابيع صدر أمر عال في ٠٧/ ٠٩/١٩١٣ يسمح بإنشاء المحاكم الفرنسية في المغرب إلى جانب المحاكم الإسلامية. فأنشأت محكمة الاستئناف في الرباط ومحاكم مختلفة الدرجات في الدار البيضاء والجديدة ومراكش والصويرة وآسفي وفاس ووجدة، واختصت بالقضايا الجنائية والمدنية والتجارية والعقارية (٢). وقد صدرت كلها للأسف الشديد بأمر السلطان. يؤكد لويس بارتو في «ليوطي والمغرب» (١٠٦) بأن هذه العدلية الجديدة قامت على أسس تضمن مصالح الدولة الحامية ومصالح الفرنسيين ومصالح الأجانب.

стр. 102

وزاد أن المقيم العام قد قدم إلى السلطان لقاء هذه المساعدة الكبرى شكر فرنسا واعترافها بالجميل (١). وأما المحاكم الإسلامية فإن فرنسا كما قال الناصري أصدرت عدة ظهائر باسم السلطان انتقصت أهم اختصاصات هذه المحاكم ووكلتها إلى المحاكم الفرنسية وإدارات البوليس الفرنسي (٢). كما تم إنشاء محاكم الأمن والمحاكم الابتدائية ومحكمة الاستئناف بأوامر فرنسية تحت ستار ظهير شريف، الذي لم يكن للسلطان فيه إلا التوقيع. وصدرت ظهائر كثيرة بطلب من ليوطي في رسالة بعث بها للحكومة الفرنسية يوم ١٩ مارس ١٩١٣، حيث تشكلت لجنة قانونية بمقر وزارة العدل خلال ٢٤ جلسة عقدت بين ٧ ماي و٢٥ يونيو، أقرت نصوص عشرة ظهائر هي كما يلي: ١ - ظهير حول التنظيم القضائي، ودخل حيز التنفيذ يوم ١٢ غشت ١٩١٣. ٢ - ظهير حول المسطرة الجنائية. ٣ - ظهير حول المساعدة في المجال الجنائي. ٤ - ظهير حول المسطرة المدنية. ٥ - ظهير منظم للقواعد في المجال المدني الإداري والجنائي والعدلي. ٦ - ظهير حول المساعدة القضائية.

стр. 103

٧ - ظهير حول الوضع المدني للفرنسيين والأجانب. ٨ - ظهير بمثابة قانون للالتزامات والعقود. ٩ - ظهير بمثابة قانون للتجارة. ١٠ - ظهير حول تسجيل العقارات (١). وصدرت في أكتوبر ١٩٥٣ ظهائر أخرى تتعلق بالإصلاح القضائي فصدر القانون الجنائي المغربي، وقانون المسطرة الجنائية، كما حدد نظام العدالة المغربية ووظيفتها، تحت إدارة الجنرال غيوم (٢). في ظل الاحتلال والحماية الفرنسية تكونت البنية القانونية للدولة المغربية، حيث تم إقصاء الشريعة الإسلامية وإحلال القانون العلماني الوضعي محلها. لم تحصل هذه المتغيرات بفعل تطور مجتمعي وسياسي طبيعي ولكنها كانت بفعل إرادة مسيطرة ومهيمنة ومحتلة فرضت إرادتها ومشروعها، وللأسف لا زلنا إلى الآن نعيش تحت هيمنتها وفي إطار سياستها وبكل وقاحة نسميها مكتسبات وطنية. وقد ظلت فرنسا طيلة عشرين سنة وإلى سنة ١٩٣٢ تصدر الظهائر الشريفة والقرارات الوزيرية باسم الإصلاح القضائي سلسلة بعد أخرى، ولم تزل تنتقص من سلطة القضاء الإسلامي شيئا فشيئا إلى أن أصبحت المحاكم

стр. 104

الإسلامية اليوم لا تكاد تتجاوز مسائل الطلاق والنكاح والإرث (١). هكذا يقول الناصري في سنة ١٩٣٢. وهو نفس ما أكده المناضل الوطني الحسن بن عياد حوالي عام ١٩٢٨، أن إدارة الحماية في إطار حربها على الشريعة الإسلامية التي كانت هي المصدر الرئيسي في المحاكم الشرعية، بحصر هذه المحاكم في قضايا الزواج والطلاق (٢). وهكذا تم الإجهاز على المذهب المالكي في بلدنا وتم إخراجه من معاقله الفعلية: المحاكم والقضاء بين الناس، وتحويله إلى مجرد شعار يرفع ودعوى تلاك بالألسن. زاد الناصري مؤكدا في مكان آخر من كتابه أنه لم يعرف المغرب الأقصى في أي عهد من عهوده الإسلامية أن دولة من دوله العربية أو البربرية أقرت أن يحكم على خلاف المبادئ الإسلامية أو سمحت لجزء من أجزائه بالخروج على سلطة القضاء الإسلامي الوطني، بل يحدثنا التاريخ القومي أن المغرب منذ عرف الإسلام وآمن به اتخذ الإسلام دينا يعتقده ويعمل وفق تعاليمه، ويحكمه في جميع أحواله، ويبذل نفسه في سبيل الدفاع عن حرماته، وكان المغرب قبل الأشراف الأدارسة، ثم في عهد المرابطين والموحدين كله قبائل بربرية ليس بينها من العرب إلا القليل، وكانت هذه الدول كلها تطبق فيه شريعة الإسلام تطبيقا تاما (٣).

стр. 105

وقد اعتنى البربر بالفقه المالكي حتى ترجموا مختصر خليل إلى اللهجات البربرية وأسسوا مدارس عديدة تدرس فيها الشريعة ولغة القرآن (١). وتبقى حقيقة هامة أن أعظم الفترات التاريخية وأكثرها اهتماما بالدين وبالإسلام في تاريخ المغرب هي فترة المرابطين والموحدين والمرينيين، وكلهم برابرة، حكمت هذه الدول الثلاث أهم فترة تاريخية، شهدت صعودا لا مثيل له في تاريخ المغرب كله في تطبيق الشريعة ونشر الإسلام وتأليف الكتب وتشييد المساجد والمدارس الإسلامية والمآثر التاريخية الإسلامية الهامة. وشهد المستشرق ماسينيون بأن هذه الدول هي التي نشرت الإسلام في المغرب، بل وأظهرت حماسة في حماية القرآن وإعلاء شأنه (٢). وزاد فأكد أن الإسلام انتشر في إفريقية الشمالية بفضل البربر أكثر مما انتشر بفضل العرب (٣). وننقل هنا شهادة عظيمة حول هذا الموضوع لأعجوبة المغرب وفخره ابن خلدون فقد قال في تاريخه (٦/ ١٣٧) عن البربر: وأما إقامتهم لمراسم الشريعة وأخذهم بأحكام الملة ونصرهم لدين الله فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبيانهم والاستفتاء في فروض أعيانهم واقتفاء الأئمة للصلوات في بواديهم وتدارس القرآن بين أحيائهم وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم وصاغيتهم إلى أهل الخير والدين من أهل مصرهم للبركة في آثارهم

стр. 106

وسؤال الإعداد عن صالحيهم واغشائهم البحر أفضل المرابطة والجهاد وبيعهم النفوس من الله في سبيله وجهاد عدوه ما يدل على رسوخ إيمانهم وصحة معتقداتهم ومتين ديانتهم التي كانت ملاكا لعزهم ومقادا إلى سلطانهم وملكهم وكان المبرز منهم في هذا المنتحل يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن على وبنوهم ثم يعقوب بن عبد الحق من بعدهم وبنوه، فقد كان لهم في الاهتمام بالعلم والجهاد وتشييد المدارس واختطاط الزوايا والربط وسد الثغور، وبذل النفس في ذات الله وإنفاق الأموال في سبيل الخيرات، ثم مخالطة أهل العلم وترفيع مكانهم في مجالستهم، ومفاوضتهم في الاقتداء بالشريعة والانقياد لإشاراتهم في الوقائع والأحكام، ومطالعة سير الأنبياء وأخبار الأولياء وقراءتها بين أيديهم من دواوين ملكهم ومجالس أحكامهم وقصور عزهم، والتعرض بالمعاقل لسماع شكوى المتظلمين وإنصاف الرعايا من العمال، والضرب على يد أهل الجور، واتخاذ المساجد بصحن دورهم وشدة خلافهم وملكهم يعمرونها بالصلوات والتسبيحات والقراء المرتبين لتلاوة كتاب الله أحزابا بالعشي والإشراق على الأيام وتحصين ثغور المسلمين بالبنيان المشيد والكتائب المجهزة وإنفاق الأموال العريضة شهدت لهم بذلك آثار تخلفوها بعدهم. انتهى. والقبائل البربرية مليئة بالمساجد والمدارس العلمية التي تدرس القرآن وعلوم الشريعة، وكان فيها القضاة الذين يحكمون بالفقه المالكي منذ أقدم العصور، وكان في كل مسجد فقيه يرجع الناس إليه في شتى شؤونهم الخاصة والعامة ويسترشدون برأيه في كافة القضايا (١).

стр. 107

ومطالعة بسيطة في كتب تواريخ المغرب و «سوس العالمة» و «المعسول» كافية لمطالعة عشرات الشواهد الدالة على ذلك. وبمجرد صدور الظهير البربري أقفلت المحاكم الشرعية التي أنشأت منذ عدة قرون، كما أقفلت المدارس التي يعلم فيها القرآن، وكذلك عزل قضاة القبائل البربرية (١)، وحظر الوعاظ من التجوال بين القبائل، كما أكد الكاتب الفرنسي دانيل جوران (٢). وزاد: وفي نفس الوقت الذي طرد فيه القضاة الشرعيون وأغلقت المدارس الإسلامية زيدت قوات المبشرين المسيحيين في بلاد البربر كما لو كان الأمر من طريق المصادفة، وأنشأت مدارس ومعاهد من كل نوع وفي كل مكان، ويديرها الآباء الفرنسيسكان. وتلك المنشآت ينفق عليها بسخاء من الميزانية المراكشية وقد حولت الإيرادات والأوقاف الإسلامية للإنفاق على بنائها وتعميرها (٣). كما قامت فرنسا بإخراج القضاء الإسلامي من ميزانية الدولة المغربية (٤).

стр. 108

قال لوسيان مينو في مقال «ماذا يجري في المغرب» نشر في جريدة الشعب الباريسية بتاريخ ٢٢ أكتوبر ١٩٣٠: فإن الاستعباد الفرنسي قد ألقى بذلك اللثام إلى الأرض وكشف عن وجهه الحقيقي الوضاح فأصدر يوم ١٦ ماي السالف الظهير الذي أخرج البرابرة من الشريعة الإسلامية وأفلتهم من نفوذ السلطة الإدارية المغربية. وزاد: ولمجرد صدور الظهير أقفلت المحاكم الإسلامية المؤسسة منذ قرون خلت، وطرد القضاة الشرعيون، ومن ذلك اليوم فصاعدا أصبحت تلاوة القرآن وإقامة الصلاة واستعمال اللغة العربية أشياء محظورة محرمة بين البرابرة (١). وعلقت جريدة (الطان) في عددها الصادر يوم ٢٧ ماي ١٩٣٠ أي: بعد ١١ يوما من صدور الظهير: الآن تخلصت قبائل البربر من سلطة الشريعة الإسلامية (٢). ١ - فرنسة البربر أحد أهم أهداف السياسة البربرية . إن السيطرة الفكرية على شعب ما عن طريق اللغة هي إحدى الوسائل التي تنبه لها الاستعمار منذ فجر حياته، وقرر أهميتها لأغراض السيطرة السياسية والاقتصادية، وكذلك رأينا الدول الاستعمارية تخصص في ميزانياتها مبالغ طائلة لنشر لغاتها، خصوصا في الأقطار التي تدور في فلكها، أو تقع في مناطق نفوذها (٣).

стр. 109

بيَّن جورج سوردون في محاضرة ألقاها بتاريخ ٢١ يونيو سنة ١٩٢٩ لمعهد الدروس المغربية العليا بالرباط تحت رئاسة المقيم العام لوسيان سان أنه لا بد من دمج البربر بفرنسا ولتحقيق هذا الاندماج من طريق القانون مفيد جدا في نظري فليس لنا إلا الشروع في العمل بعزيمة وثبات (١). وكتب أحد كبار الموظفين الاستعماريين في المغرب في رسالته رقم ٣٨٨٨ المعلمة بحرف CH والمؤرخة بتاريخ ١٣ يونيو سنة ١٩٢٧ يقول: إن مبدأ استقلال العرف البربري ودوائر اختصاصه عن الشرع الإسلامي، مبدأ فيه أكبر مصلحة سياسية لفرنسا، وإن إبعاد الشرع الإسلامي من جميع بلاد البربر بشكل نهائي مطلق، يسمح لنا في يوم قد يكون بعيدا شيئا ما، بإنشاء نظام معقول للعدلية البربرية في اتجاه فرنسي خالص (٢). وقال المقيم العام في المغرب ليوطي في دورية بتاريخ ١٦/ ٠٦/١٩٢١ إلى رؤساء المناطق المدنية والعسكرية التابعة للإقامة العامة الفرنسية: إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج إطار الإسلام، ومن الناحية اللغوية علينا أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية (٣).

стр. 110

وقد نوه بهذه الدورية وأثنى على مضمونها كتاب استعماريون فرنسيون منهم بول مارتي وموريس لوجلي وفكتور بيكي وزغود فروي ديمونبين (١). إذن فالهدف من السياسة البربرية فرنسة البربر، وهذا ما أكده كذلك فيكتور بكي في كتابه الشعب المغربي أو العنصر البربري، المطبوع في باريس عام ١٩٢٥ (ص ٢٨٧ إلى ص ٣٠١)، ومما جاء فيه: فيجب أن نعلم البرابر اللغة الفرنسية بلا واسطة لغة أخرى (٢). وقال في نفس الكتاب الذي طبع بإعانة حكومة الحماية: فهؤلاء الناس (أي: البربر) يمكنهم ويجب أن يصيروا فرنسيين لغة وفكرا، وكل من زار أهل بوادي (حاحا) وكان في ضيافتهم وكل من رأى أهل جبال الأطلس المنعزلين لا يمكنه أن يشك أن بلاد البربر تصير مقاطعة فرنسية محضة (٣). وقال الكمندان مارتي المستشار بوزارتي العدلية العظمى وما أضيف إليها من الإدارات في «مغرب الغد» (ص ٢٤١) المطبوع سنة ١٩٢٠: وهذه المدرسة الفرنسية البربرية هي فرنسية باعتبار ما يقرأ فيها، وبربرية باعتبار تلاميذها، وإذا فلا حاجة بنا إلى واسطة أجنبي حيث إن التعليم العربي وتدخل الفقهاء وكل المظاهر الإسلامية ستبعد عنها إبعادا، وإننا سنجذب إلينا بواسطة
следующие страницы →