← Фикх малики

Фикх малики · id 96925

التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة

الجبيري

Полный текст (167 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة لأبي عبيد القاسم بن خلف الجُبيري الطرطوشي المالكي (المتوفى سنة ٣٧٨هـ) تحقيق: أبي سفيان مصطفى باحو الناشر: دار الضياء طنطا مصر الطبعة الأولى: ١٤٢٦/ ٢٠٠٥ رقم الإيداع: ١٠٩٠١/ ٢٠٠٥

стр. 2

تقديم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له. أما بعد، لقد تتابعت التآليف في بيان اختلاف العلماء وتنوع آرائهم، سواء داخل المذهب الواحد، أم بالنظر إلى سائر المذاهب الفقهية المعتمدة. وأخذ المذهب المالكي حظه من هذا، فألف متقدمو رجاله عدة مصنفات في بيان اختلاف مالك وأصحابه في الفروع الفقهية داخل المذهب. ومن أوائل كتب المالكية المؤلفة في هذا: *- اختلاف ابن القاسم وأشهب (١) ليحيى بن عمر الكناني (المتوفى سنة ٢٨٩). *- الكتب المبسوطة في اختلاف أصحاب مالك وأقواله (٢)، ليحيى بن إسحاق بن يحيى الليثي الأندلسي (المتوفى سنة ٣٠٣، وقيل ٢٩٣). *- الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك (٣) لمحمد بن الحارث الخشني (المتوفى سنة ٣٦١، وقيل ٣٦٤). *- اختلاف أقوال مالك وأصحابه لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي (المتوفى سنة ٤٦٣). (٤) *- كتاب آخر منسوب لابن عبد البر، يوجد مخطوطا بخزانة الجامع الكبير بمكناس (رقم: ٥٥٤) (٥).

стр. 3

*- التوسط بين مالك وابن القاسم، وهو كتابنا هذا الذي أتشرف بتحقيقه، وإخراجه إلى عالم الطباعة لأول مرة. وهو كتاب فقهي يناقش (٤٤) مسألة، اختلف فيها مالك وابن القاسم، فتوسط أبو عبيد الجبيري بينهما مرجحا ما ظهر له، والغالب عليه ترجيح مذهب مالك. والمؤلف من أهل القرن الرابع، وهذا ما يجعل كتابه عزيزا وفريدا في بابه، لتقدم مؤلفه وقربه من العهود الزاخرة للفقه الإسلامي قبل شيوع التقليد والركون إليه. بين يدي الكتاب موضوع الكتاب: تتبع المؤلف ﵀ أعيان المسائل التي اختلف فيها مالك وابن القاسم من كتاب المدونة، وتوسط القول بينهما في ذلك، مبينا مأخذ كل واحد منهما، وعلة اختياره، مرجحا لما تبين له أنه أرجح دليلا، وأقوم سبيلا. لكن الغالب عليه ترجيح مذهب مالك على مذهب ابن القاسم. وجملة المسائل التي ناقشها الجبيري في كتابه هذا: (٤٤) مسألة، رجح اختيار مالك فيها في (١٨) مسألة. منها مسائل اعتبر بأن كلا القولين له وجه سائغ في النظر، مع ترجيح مذهب مالك، وهي: ١ - ٧ - ١٣ - ١٧ - ٢٠ - ٢٣ - ٣٤ - ٣٩ - ٤٢. ومنها مسائل جزم بترجيح مذهب مالك فقط، وهي المسائل التالية: ٣ - ١٥ - ١٦ - ٢٤ - ٢٥ - ٢٦ - ٣٥ - ٣٦ - ٤٠. وصرح (٥) مرات بأن كلا القولين له وجه سائغ في النظر، ولم يرجح أحدهما على الآخر، وهي المسائل: ٤ - ٨ - ٢٧ - ٤١ - ٤٣. ومرة قال بأن قول مالك أقيس، وقول ابن القاسم أحوط، وهي المسألة: ٥.

стр. 4

وتارة عكس، جعل قول مالك أحوط، وقول ابن القاسم أقيس، وهي المسألة: ١٢ - و٢٢. وتارة رجح قول ابن هرمز، وهو قول ابن القاسم، وهي المسألة: ٣٨. وتارة جعل قول ابن القاسم هو القياس، وقول مالك مبني على الاستحباب، وهي المسألة: ١٤. وتارة رجح قول غير مالك وابن القاسم، وهو قول ابن أبي أويس، مع تصريحه بأن قول مالك أقيس، وهي المسألة: ١٩. وما تبقى لم يجزم بترجيح قول على آخر، وهي (١٥ مسألة). صحة نسبته للمؤلف: أكثر من ترجم له ذكر له هذا الكتاب من تأليفه، فنسبه له: ابن مفرج (ترتيب المدارك (٧/ ٦))، وابن فرحون في الديباج (١/ ٢٢٥)، والزركلي في الأعلام (٥/ ١٧٥)، ورضا كحالة في معجم المؤلفين (٨/ ٩٩). قال ابن مفرج عنه: وكان حسن التأليف، له كتاب في التوسط بين مالك وابن القاسم فيما خالف فيه ابن القاسم مالكا، كتاب حسن. انتهى. ترتيب المدارك (٧/ ٦). وقال ابن فرحون في الديباج (١/ ٢٢٥): وله كتاب في التوسط بين مالك وابن القاسم فيما خالف فيه ابن القاسم مالكا، كتاب حسن مفيد. النسخة المعتمدة: اعتمدت في تحقيق الكتاب على نسخة فريدة، توجد في خزانة الجامع الكبير بمكناس (رقم ٢١٨) ضمن مجموع. وهي النسخة الوحيدة للكتاب في خزائن العالم. عدد أوراقها: ٤٠. عدد أسطر كل صفحة: ٢١. مسطرة الصفحة: ١٥/ ٢٠. الخط: أندلسي. الناسخ: غير مذكور. تاريخ النسخ: العشر الوسط من شهر ذي القعدة الحرام عام ٧٠٦/ ١٣٠٧.

стр. 5

حال النسخة: النسخة جيدة عموما، ولكن الأرضة أحدثت خروما عديدة فيها، كما طمست الرطوبة بعض كلماتها (١). وهي نسخة تامة، غير أن الذي قام بجمع النسخة وترميمها غطى بعض كلماتها في طرفي الصفحات، كما اختلطت عليه بعض الأوراق، فوضعها في غير موضعها، وهي كالتالي: الصفحة (٣٧) والصفحة (٣٨) من المخطوط مكانها الصحيح بعد الصفحة (٥٤). والصفحة (٥٥) والصفحة (٥٦) مكانها الصحيح بعد الصفحة (٣٦). والصفحة (٥٧) والصفحة (٥٨) مكانها الصحيح بعد الصفحة (١٦). وقد عمل الأستاذ الحسن حمدوشي على تحقيق الكتاب في رسالة ماجستير سنة ١٩٩٣، لا زالت مرقونة في خزانة جامعة محمد الخامس بالرباط، وقد اطلعت عليها واستفدت منها، وخاصة في تتميم الكلمات التي فيها بتر في المخطوط، ولي على عمله عدة ملاحظات، أعرضت عن ذكرها نظرا لاجتهاده الكثير في تتميم الخرومات الواقعة في النسخة، لكن أقتصر على واحدة هي أهمها، وهو أنه لم يتنبه لانقلاب ست صفحات في المخطوطة، كما تقدم قريبا، والأمر فيها ظاهر جدا بأدنى تأمل، وكذلك سقطت له بعض الكلمات، وعلى كل حال فقد بذل ما في وسعه، والله أعلم. ولا يفوتني هنا التنبيه على أن النقول التي نقلها المؤلف من المدونة لا تكاد تتفق مع ما في المدونة المطبوعة، وهو تارة ينقل نقلا قريبا من لفظ المدونة، وتارة يختصره

стр. 6

اختصارا، وتارة يتصرف في النقل، وابتعادا عن إثقال الحواشي بالفروق بين نقل المؤلف والمطبوع من المدونة اكتفيت بذكر الجزء والصفحة التي نقل منها عند نهاية نقله.

стр. 7

ترجمة المؤلف هو أبو عبيد القاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله بن جبير الجبيري (١) الطرطوشي. طرطوشي الأصل ولزم قرطبة. قيل ولد سنة ٣١٢ (٢). رحل إلى المشرق مع أبيه (٣) وهو صغير. وسمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ البياني وغيره. وبمصر من جماعة. وبجدة من الحسين بن حميد النجيرمي الجدي. وبالعراق من أبي بكر الأبهري، ولازمه وتفقه عنده على مذهب المالكية. ثم عاد إلى الأندلس. قال ابن فرحون في الديباج المذهب (١/ ٢٢٥): ورحل وجال البلاد وأخذ عن الشيوخ والأعيان وأقام في رحلته ثلاثة عشر عاما. كان فقيها عالما حسن النظر صدرا في الشورى يجتمع إليه ويناظر عنده وكان من أهل العلم بالحديث والفقه نظارا مدققا في المسائل وكان حسن التأليف. وله كتاب في التوسط بين مالك وابن القاسم فيما خالف فيه ابن القاسم مالكا، كتاب حسن مفيد. ولي القضاء بطرطوشة وبلنسية.

стр. 8

من تلامذته: معاوية بن هشام بن محمد بن هشام من أهل قرطبة يكنى أبا عبد الرحمن (١). قال ابن الفرضي في تاريخ العلماء والرواة بالأندلس (١/ ٤١١) عن الجبيري: وكان فقيها عالما، حسن النظر، واستقضاه المستنصر بالله ﵀ على طرطوشة وأعمالها، فاستعفى ذلك، وعهد إلى الحكام بمشاورته، فكان صدرا في أهل الشورى، وكان يجتمع عنده ويناظر عليه في الفقه، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية. وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك (٧/ ٥ - ٦): وقال ابن عفيف (٢): كان من أهل العلم بالحديث والفقه، نظارا مدققا في المسائل. قال ابن مفرج (٣): كان أبو عبيد من الصالحين العلماء، تطلب صغيرا، ورحل فحج وتوسع في الطلب، وكان له إلى علمه: أدب وفهم، وحسن خط وذكاء، وتفنن في المعرفة، وكان حسن التأليف، له كتاب في التوسط بين مالك وابن القاسم فيما خالف فيه ابن القاسم مالكا، كتاب حسن. انتهى. توفي سنة ٣٧٨، كما قال ابن مفرج. (٤) وقال ابن الفرضي: سنة: ٣٧١. ترجمه جماعة، منهم: ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس (١/ ٤١١)، والقاضي عياض في ترتيب المدارك وتقريب المسالك (٧/ ٥ - ٦ - ٧)، وابن فرحون

стр. 9

في الديباج المذهب (٢/ ١٥١)، والزركلي في الأعلام (٥/ ١٧٥)، ورضا كحالة في معجم المؤلفين (٨/ ٩٩) والمقري في نفح الطيب (٢/ ٩٨٤).

стр. 10

الصفحة الأولى من المخطوط

стр. 11

مقدمة المؤلف [ص٢] بسم الله الرحمان الرحيم: صلى الله على سيدنا محمد. الحمد لله المنعم على خلقه بما افترض عليهم من معرفته (وجعل) (١) ذلك مفتاحا للمزيد لهم من نعمه، وصلى الله على محمد رسوله (وسلم) (٢) تسليما. أما بعد: فإن الله لما امتحن عباده (بأوامره) (٣) ونواهيه، فرق بين وجوه العلم بها، فجعل منها باطنا خفيا، و (منها ظاهرا) (٤) جليا، ليرفع الذين آمنوا منهم والذين أوتوا العلم درجات. إذ لو (كانت) (٥) جلية كلها لارتفع التنازع، وعدم الاختلاف، ولم يلجأ ( ... ) (٦) احتيج إلى اعتبار وتفكير، ولا وجد شك، ولا ظن، ولا جهل (ولا ... ) (٧)، لأن العلم حينئذ كان يكون طبعا. ولو كانت كلها خفية، لم يبق (سبيل) (٨) إلى معرفة شيء منها، إذ الخفي لا يعلم بنفسه، ولو علم بنفسه لكان (جليا) (٩)، قال الله سبحانه: " هو الذي أنزل عليك

стр. 12

الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم". الآية، وقال تعالى: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. وإذا بطل أن يكون العلم كله جليا، وبطل (أن يكون) (١) كله خفيا، ثبت أن منه ما هو جلي، ومنه ما هو خفي، وإذا كان ذ (لك) (٢) كذلك، وكان الخفي من النصوص غير مكتف بنفسه ولا مستغن عن (جلي) (٣) يدل عليه من غيره، وجب أن يتباين أهل الاستنباط في العلم حـ (ـسب) (٤) تباينهم في النظر المؤدي إليه. وإنما تباينوا في ذلك، والله أعلم لما يعـ (رض) (٥) بعد النظر في آفات التقصير التي تقطع عن إصابة المطلوب ولو اتفقوا ( ... ) (٦) سبيله مع السلامة من الآفات لاتفـ (ـقوا) (٧) بمشيئة الله وتو (فيقه) (٨) ( ... ) (٩) [ص٣] ( ... ) (١٠) لأن النظر إذا كان سليما من الآفات التي (لا) (١١) تعتوره، وقابل صاحبه ( ... ) (١٢) المتنازع فيه

стр. 13

أصله، فقد أصاب مطلوبه، وكان كل من فعل مثل فعله (موافـ) ـقا (١) له، ومن قصر عنه ولم يوف التأمل حقه كان مخالفا له، غير أن الصواب ( ... ) (٢) هو الحكم في الحادثة المختلف فيها لا يجوز خروجه عن جميع أقاويل أهل (العلم) (٣). وإذا كان العلماء مختلفين ولا تخلو الحادثة المختلف فيها من أن يكون لله فيها نص (٤)، فإن كان ذلك، فالنص أولى أن يعمل به، وإن لم يكن (ذلـ) ـك (٥) فيها كان أحق من اعتمد المتعلم قوله في ذلك، وعول على اختياره فيه (مالـ) ـك (٦) بن أنس رحمة الله عليه، لأنه ممن (٧) ثبتت له المنزلتان: ضبط الآثار وحسن (الا) ختيار (٨)، إذ كان لا يعدل في اختياراته عن ظاهر كتاب الله ، وسنة رسوله ﵇، واتفاق الأمة، وإجماع أهل المدينة. وإجماعهم ينقسم (إلى) (٩) ضربين: أحدهما: استنباط، والآخر: توقيف (١٠).

стр. 14

فالضرب الأول: لا فرق بينهم (و) بين سائر أهل الأمصار فيه. وأما الضرب الثاني: المضاف إلى الـ (ـتو) قيف (١) ( ... ) (٢) الذي يعول عليه، ويعترض على خبر الواحد به، نحو إسقاطهم الزكاة في (الـ) ـخضروات (٣)، والآذان، والتكبير على الجنائز (٤) وإجازة الوقوف، ومعاقلة (٥) الرجل المرأة (٦) إلى ثلث الدية (٧).

стр. 15

وإنما قلنا في هذه المذكورات، وما كان في معناها (بأنـ) ـه (١) توقيف استدلالا، كما يحكم لما عدا السنة التي لا نص فيها بحكم السنة (الـ) ـمنصوص عليها استدلالا، لأن ما هذا وصفه ليس مما حدث، فيحتمل اجتماعهم (علـ) ـيه (٢) بعد انقطاع التوقيف، ولا مما في إيجابه للعقل مدخل لا نظير له يرد (إليـ) ـه (٣)، فلم يبق إلا أن يكون اجتماعهم على ذلك توقيفا، ثم إذا عدم نص الكتاب و (السـ) ـنة (٤)، واتفاق الأمة، وإ (جمـ) ـاع (٥) أهل المدينة (٦)، فزع إلى العبرة (٧)، وهي امتـ (ـحـ) ـان (٨) [ص٤] الفزع ( ... ) (٩) بما وجدت ( ... ) (١٠) كان له حكمه، وما

стр. 16

عد (ل) (١) فيه عنه خرج عن أن يكون محكوما له بحكمه. فهذه جملة أصول العلم السمعية عنده ﵀، وهذا أحد الأحكام الشرعية التي لا يسع الراسخ أن يعدل عنها (و) أن يطلب الحق فيما سواها، ولا يجوز للمتعلم مع الإمكان أن يتعلم ما به الحاجة من غير جهتها، وقد ترد له ﵀ نصوص في حوادث عدل فيها عن ا (لأ) صول التي أصلنا: إما لخفاء العلة التي توجب البناء عليها، وتضطر إلى الرد إليها. أو لضرب من المصلحة، إذ كان من مذهبه رحمة الله عليه الحكم بالأصلح فيما لا نص فيه ما لم يمنع من ذلك ما يوجب الانقياد له (٢)، وإذ لا جائز عنده أن تعرى الحادثة من أن يكون لله فيها حكم. وهذا الضرب من مسائله عسير مطلبه، لأنه مغمور مكنون في جنب ما هو مبني منها على الأصول التي قد (منا) (٣) ذكرها، فإذا وجد كان نادرا، وكان المختار استعماله من ذلك ما هو أولى به على أصوله، وأمضى على مقدماته، وأليق بمعانيه وأغراضه، وإن أدى ذلك ( ... ) (٤) نص المسألة (٥) الـ (ـمـ) ـأثورة (٦) عنه. لأن اتباع الأصل المتيقن صحته أولى من اتباع (عـ) ـام (٧) من القول، محتمل لوجوه الاحتمالات، قد تفرد بنقله من يجوز عليه السهو والغلط.

стр. 17

وهذا والله أعلم هو السبب الداعي إلى مخالفة بعض أصحابه له، لأنه ربما شاهد فتواه في الحادثة التي يسأل عنها فيحفظ جوابه فيها، ويقابل (١) السبب الذي تعلق الحكم به، وخرج جوابه عليه، فإذا قابل به أصوله وقد قام له الدليل على صحته، ولم يمكنه الجمع بينهما على نكتة واحدة، لفقد السبب الذي لو اقترن به لما تعذر ذلك فيه، فزع إلى نص جوابه، واعتقده خلافا من قوله فعول عليه، وجعله أصلا يرد ما كان في معناه إليه، فيؤدي به ذلك إلى مخا (لفته) (٢) فيما تـ (فـ) ـرع (٣) عنه، ثم قد تختلف القولان عنه في ا (لمسـ) ـألة (٤) الواحدة اختلافـ (ـا) [ص٥] لا يمكن الجمع (بـ) ـينهما، وغرضه في ذلك أحمـ ( .. ) (٥) السائل بوجوه المسألة، وما يجوز أن يكون مفرعا على علتها. إذ غرض العالم فيما يرسمه من كتبه إفادة غيره، فربما حسنت الشبهة لبعضهم اتباع القول الذي هو غير عـ (ـدل) (٦) عنده في باب الاعتقاد فيعتقده علما وعملا، فيكون ذلك ذريعة إلى مخالفته فيما تفرع من تلك المسألة ومما كان في معناها، وكل ذلك منهم رحمة الله عليهم، طلبا للحق، ورغبة عن التقليد. فهذا عبد الرحمان بن القاسم (٧)، وكان أخص أ (صحـ) ـابه (٨) وأكثرهم اتباعا

стр. 18

لرأيه، وتقليدا له فيما أشكل عليه قد خالفه، وكان لا فوقه أحد عنده، ولم يستسهل تقليده فيما قام له الدليل على صحة القول به (١)، غير أن خلافه له من نحو ما ذكرناه والله أعلم. وقد ضمنت كتابي هذا أعيان المسائل التي اختلفا فيها من كتاب المدونة دون ما سواه، وتوسطت القول بالعدل بينهما في ذلك، بمقدار ما بلغه علمي وأثمره فهمي، وأيدت قول كل واحد منهما بما يطابقه من كتاب الله ومن سنة رسوله ﵇، أو من اتفاق الأمة أو إ (جماع) (٢) أهل المدينة، أو العبرة، امتثالا لأمر الإمام الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين (٣)، المؤتمر لأمر الله فيما يحبه ويكرهه، والمنتهي عما نهاه عنه فيما يأخذه ويتركه، والمؤثر رضاه فيما يقدمه ويؤخره، والمجتنب سخطه فيما يورده ويصدره، والعامل بطاعته فيما ينقضه ويبرمه، والمعتصم بحبله فيما يحله ويعقده، (٤) " ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم" و (مفـ) ـتاح (٥) معالم التنزيل، ومستقر دلائل التأويل، بحر علم لا يظمأ وارده، وطود حلم (٦) لا تزول قواعده. المنفرد بكل مأثورة شريفة، وفضيلة منيفة لا يشركـ (ـه فيـ) ـها (٧) أحد، ولايباريه، ولا يطاوله ولا يجا (ريه) (٨). [ص٦]

стр. 19

قد عم الله بفضله و ( ... ) (١) ـه بقاع أرضه، ووصل خير (هـ) (٢) إلى الداني والقاصي من خلقه، أطال الله بقاءه، وأحسن عن الإسلام وأهله جزاءه، وعضده (فيما) (٣) قلده منها بتوفيقه وكفايته، حتى ينال من أمانيه أبعدها وأجلها، ومن هممه أقصاها وأتمها. وبعد هذا: فإني أسأل الله حسن العون على تنفيذ أوامره، وتأدية حقوقه، واستفراغ الوسع والطاقة في طاعته، وبما يقع بموافقته، ويكون كفوء (٤) نعمته بلطفه وقدرته. وصلى الله على محمد نبيه.

стр. 20

ذكر ما اختلف فيه مالك وابن القاسم في كتاب الطهارة من المدونة . ١ - حكم حيض الحامل (١) (٢) " قال ابن القاسم: قال مالك في الحامل -ترى الدم على حملها-: ليس أول الحمل كآخره، إن رأته في أول حملها أمسكت عن الصلاة قدر ما يجتهد لها فيه وليس لذلك حد. وقال ابن القاسم: إن رأت ذلك في ثلاثة أشهر أو نحوها، تركـ (ت الـ) صلاة (٣) خمسة عشر يوما ونحو ذلك، وإن جاوزت الستة أشهر من حملها ثم

стр. 21

رأته تركت الصلاة ما بينها وبين العشرين ونحو ذلك. (١) قال أبو عبيد: قد اختلفت الرواية عن مالك رحمة الله عليه في هذه المسألة، فروى عنه ابن عبد الحكم (٢) أنه قال في الحامل ترى الدم أنها تكف عن الصلاة قدر أيام حيضتها، ثم تستظهر (٣) بثلاث ثم تصلي. وهذه الرواية توجب التسوية بين حكم الحامل وغيرها في أقصى مدة ترك الصلاة عند رؤية الدم. والمعنى الجامع بينهما قول الله تعالى: " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض"، والمحيض كل دم ظهر من فرج حا (ئل) (٤) أو حامل لأن قوله "فاعتزلوا النساء" يوجـ (ـب) (٥) العموم في كل النساء [ص٧] حوائل كن أو حوامل. وإذا كان ذلك كذ (لك) (٦)، فواجب على الحامل أن تكف عن الصلاة إذا رأت الدم، وأن تعتزل فيه حتى ينقطع، أو يمضي له من الزمان ما يدل على أنه ليس بحيض، وهو أن يستمر بها الدم أكثر من خمسة عشر يوما، فتكون مستحاضة،

стр. 22

وهذا على قوله الأول، وإليه ذهب ابن القاسم في اختياره الأول: إذا رأت الدم في أول حملها. فأما وجه قوله: في الاستظهار، فإنما هو مبني على الاحتياط، لتصلي قبل الخمسة عشر يوما التي هي أقصى مدة الحيض (١). لأن الأصل عنده في الحائض أن تترك الصلاة ما بينها وبين غاية (المـ) ـحيض (٢)، فاحتاط لها بأن تستظهر بثلاث، إذ ليس من عادة الحيض أن ينتقل من خمسة إلى خمسة عشر، ولا أن يزيد على أيامه المعهودة بمثلها، وقد يجتهد أن يزيد اليوم واليومين. وإنما اقتصر على الثلاثة وجعلها حدا في الاستظهار، لأنها قد حدت في كثير من الأحكام، من ذلك: الخيار في المصراة (٣)، لاعتبار لبن التصرية من غيره، فلما جعلت الثلاثة حدا في استبراء اللبن المعتاد خروجه من الشاة ليفصل بها بينه وبين

стр. 23

الناذر خروجه منها، وكا (ن) (١) الحيض في النساء معتادا، والاستحاضة فيهن نادرا، وكان حكم دم الحيض مباينا لحكم دم الاستحاضة، كما أن موجب حكم لبن التصرية مخالف لموجب حكم اللبن المعتاد وجب أن تكون الثلاثة حدا لمن زادت حيضتها على أيامها بين دم الحيض المعتاد وبين دم الاستحاضة، الذي هو نادر، ليقع بها الفصل بين حكم الدمين، كما وقع بها الفصل بين حكم اللبنين ا (حتـ) ـياطا (٢) للصلاة لتصلي قبل الخمسة عشر يوما، لأن العادات موضوعة على الاحتياط للصلاة، أن يترك في حال لا يتيقن أنها حال حيض. وهذا القول أحوط، والأول أقيس، والله أعلم بالصواب. [ص٨] وأما وجه ما رواه عنه ابن القاسم (مـ) ـن (٣) قوله: "وليس أول الحمل كآ (خر) هـ (٤) إن رأت الدم في أول حملها أمسكت عن الصلاة قدر ما يجتهد لها فيه، وليس لذلك حد"، فلأن حيض الحامل لما اختلفت فيه ضعف عنده التحديد في أقصى مدته، لأن التحديد طريقه النص والإجماع، فلما فقدا في حيض الحامل، وجب التوقف عن تحديد غايته، والمصير إلى الاجتهاد فيه، وأن تكون غاية المدة التي يجتهد لها في أول حمل أقصر منها في آخره. لأن (المشيمة) (٥) إذا قبلت النطفة اجتمعت وأمسكت الدم، ومنعته الخروج على جاري عادته، فكلما طال زمانه تمكن اجتماع الدم بسببه. فإذا رأت الحامل الدم الذي لا ينكر أنه دم حيض، كانت به حائضا في أول الحمل كان ذلك أو في آخره.

стр. 24

فإن اتصل خروجه وجب أن يكون الزمان المجتهد لها في جعله أقصى مدة حيضها في آخر الحمل أطول منه في أوله. واستعمال الاجتهاد في طلب الحق سائغ في كل ما اختلف فيه. فهذا وجه رواية ابن القاسم عنه، وكلتا (الـ) روايتين (١) لهما وجه سائغ في النظر، وبالله التوفيق. وأما وجه تحديد ابن القاسم في أول الحمل خمسة عشر يوما وفي آخره عشرين يوما، فلأن زمن الحمل مناسب للزمان الذي قبله، لخلو الرحم من اجتماع الدم فيها، فحكم للحامل في أول حملها بحكم الحائل في حال حيضها. ولما كان الدم في آخر الحمل قد تناهى اجتماعه في الرحم ولابد له من زمان يخرج فيه، جعل العشرين يوما حدا في ذلك. فإن كان تحديده هذا من جهة النص، فطرق النص: كتاب الله ، وسنة رسوله ﵇، وإجماع أمته، وليس في شيء منها ما يدل على التحديد في ذلك. وإن كان من جهة الا (جـ) ـتهاد، فإن اجتهاده لا يكون عبارا (٢) على ا (جتهـ) اد (٣) غيره، وقول مالك ﵀ [ص٩] في ذلك أولى بالـ (ـصـ) ـواب عندي، والله أعلم.

стр. 25

ذكر خلافه له في كتاب الصلاة ٢ - حكم الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع (١) (٢). " قال ابن القاسم: وسـ (ـألت مالكا عن الصلاة) (٣) خلف الإمام القدري (٤)

стр. 26

ومن جرى مجرا (هـ) ـم من أهل الأهواء، فقال: إن استيقنت فلا تصل خلفهم قلت: ولا الجمعة؟ قال: ولا الجمعة، وأرى إن كنت تخافه على نفسك أن تصلي معهم، وتعيدها ظهرا. قال ابن القاسم: ورأيته إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولا يجيب. قال ابن القاسم: وأرى عليه الإعادة في الوقت". (١) قال أبو عبيد: أما إيجاب مالك الإعادة على من صلى خلف الإمام القدري ومن جرى مجراهم من أهل الأهواء، فلأن القدري عنده الذي يقول إن الله سبحانه لا يعلم الشيء حتى يكون - تعالى الله عن هذا علوا كبيرا -، ومعتقد هذا حلال الدم، إلا أن يتوب، فهو في معنى الكافر الذي لا تجوز الصلاة خلفه اتفاقا، ومن صلى خلفه أعاد الصلاة أبدا، لأن الأمة اجتمعت على أن الله عالم بالأشياء قبل كونها، وإجماعهم حق لا ريب فيه، ومن فارق الحق المقطوع على (٢) (حجـ) ـيته (٣) فهو كافر، وعلى ذلك دلالة واضحة ليس هذا موضع اجتلابها. فأما كل متدين ببدعة مسخوطة توجب تفسيقه، وتأخيره عن مراتب أهل الفضل والدين، فلا يجوز عندي أن يكون إماما راتبا لذي الفضل والدين، لنقصان مرتبته عن مرتبة من يأتم به، ومن صلى خلفه منهم أعاد الصلاة أبدا، لأن الإمامة حال فاضلة فلا يستحقها، ولا يقوم بها إلا أهل الفضل والدين والفاسق ليس من أهله، لخروجه ببدعته المسخوطة عنهما.

стр. 27

فإن قيل: إن الصلاة فعل طاعة، والمبتدع مأمور بها، ومتواعد على تركها، فوجب أن يؤتم به فيها. قيل: ليس كل مأمور بفعل طاعة يجوز أن يؤتم به (إ) ذا (١) [ص١٠] فعلها، ألا ترى أن الأمي الذ (ي) (٢) لا يحسن قراءة شيء من القرآن، مأمور بالصلاة ومثاب على فعلها، ومتواعد على تركها، وقد اتفقت الأمة على أنه لا يجوز أن (يأتم) (٣) به في صلاته من يحسن شيئا من القرآن لنقصان مرتبته عن مرتبة من يأتم به. وكذلك أهل الفضل والدين، لا يجوز لهم أن يأتموا بمبتدع، لنقصان مرتبته عن مراتبهم، والله أعلم. وأما قول ابن القاسم: ورأيت مالكا إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولا يجيب، فيحتمل أن تكون البدع التي توقف مالك عن الجواب في إعادة الصلاة خلف أهلها، مما قد اختلف في تفسيق مبتدعها، لأن البدعة قد تقع على ما يوجب تفسيق المبتدع، وعلى ما لا يوجبه مما قد يعاب عليه، وقد يحمد عليه، قال الله "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها"، فذمهم على ترك رعايتها، ولم يعبهم بابتداعها، وقال عمر بن الخطاب ﵁ في قيام شهر رمضان: " نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل" (٤) فسماها بدعة وهي قربة (٥). فإذا كان هذا الاحتمال سائغا في اللسان، فالوجه في توقف مالك عن الجواب

стр. 28

في إعادة الصلاة خلف أهل البدع من نحو ما ذكرته، بدلالة تصريحه (١) بإعادة الصلاة خلف القدرية، ومن جرى مجراهم من أهل الأهواء، والله أعلم. وأما اختيار ابن القاسم في إيجاب الإعادة في الوقت، فوجهه: أن إعادة الصلاة خلف الفاسق مما اختلف فيه أهل العلم، فاستحب للمـ (ـؤ) تم (٢) به أن يعيد في الوقت، ليأتي بالصلاة على أتم ما صلاها، ويستدرك فضل ذلك مـ (ـن) (٣) فرض الو (قـ) ـت. (٤) والقياس عندي: إن كل من صلى خـ (ـلـ) ف (٥) متدين ببدعـ (ـة) مسخوطة [ص١١]، أن يعيد ا (لـ) ـصلاة أبدا، لأنه قد وضع (فرضـ) ـه (٦) في غير موضعه، لأن للذي افترض عليه: ألا يأتم بفاسق معلن الفسق، إذ غير معقول أن يكون من أمر بالأخذ على يديه، والحول بينه وبين ما يهم به (إما) ما (٧). والمسلمون يجدون إلى منعه من ذلك سبيلا، وإذا كان كذلك، فواجب على كل من علق فرضه من هذا وصفه، أن يعيده أبدا، لأنه قد أحدث في الدين ما ليس منه، وقد قال النبي ﵇ " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٨) وإذا كان فعله مردودا، فالإعادة واجبة عليه، والله أعلم.

стр. 29

٣ - حكم سجود التلاوة بغير طهارة (١) (٢). " قال ابن القاسم: كان مالك ينهى أن تقرأ السجدة على غير وضوء، وفي الساعات التي ينهى عن الصلاة فيها. قال ابن القاسم: وأنا أرى أنه لاشيء عليه". (٣) قال أبو عبيد ﵀: أما نهيه عن قراءة السجدة على غير وضوء، وفي الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، فلأن السجدة صلاة (٤)، والصلاة لا تجوز بغير وضوء، لأن النبي ﷺ قال: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٥) " ولا يسجد بعد

стр. 30

الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب، لأنها نافلة، وقد نهى النبي ﵇ عن التنفل في هاتين الساعتين (١). وقال ابن عمر ﵀ " كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ لا يسجدون السجدة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس" رواه أبو داود عن عبد الله (بن) (٢) الصباح قال نا أبو بحر قال: نا ثابت بن عمارة قال: نا أبو تميمة الهجيمي عن ابن عمر فذكره (٣).

стр. 31

فأما قول ابن القاسم: وأنا أرى أنه لا شيء عليه، فإن كان قوله: لا شيء عليه بمعنى لا حرج عليه إذا سجد (هـ) ا (١) [ص١٢] على غير وضوء، وفي الساعات التي كان النبي ﵇ لا يسجدها فيها، فما أبرئه من مواقعة الحرج، وكيف لا يحرج من لم يتأس برسول الله ﷺ ، وفيه الأسوة الحسنة. وإن كان أراد بذلك لا سجود عليه، فقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر أنه قال " كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه، حتى لا يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته" (٢). أفيجوز لأحد مـ (ـنا) (٣) أن يرغب عن فعل فعله رسول الله ﷺ وامتثله أصحابه رحمة الله عليهم والمسلمون هلم جرا. وقول مالك أولى بالصواب عندي في ذلك، والله أعلم.

стр. 32

٤ - حكم من تذكر صلاة وهو في صلاة (١) (٢). " قال ابن القاسم: قال مالك فيمن ذكر صلاة نسيها وهو في صلاة مكتوبة أنه إن كان وحده فذكرها بعدما صلى من هذه التي هو فيها ركعة فليضف إليها أخرى ثم ليقطع، وإن ذكرها بعدما صلى ثلاث ركعات فليضف إليها رابعة ثم ليقطع.

стр. 33

وقال ابن القاسم: يقطع (بعـ) ـد (١) ثلاث ركعات أحب إلي فيصلي التي نسي ثم يعيد التي قطع". (٢) قال أبو عبيد: قد اختلف قول مالك في هذه المسألة، فروى عنه ابن القاسم أنه قد كان مرة يقول: يقطع، وإن ذكر ذلك بعد أن صلى ركعة. وإنما وجب على الذاكر صلاة نسيها في الحال التي يصلي فيها أو يقطع ما هو فيه، لأن ترتيب الصلوات عنده فرض مع الذكر، وبقاء الوقت، بدلالة اتفاق الجميع على أنه لا يجوز تقديم العصر على الظهر في أول وقت الظهر، فلما كان الترتيب فرضا مع بقاء الوقت، وكان و (قت) (٣) الصلاة التي نسي هو الوقت الذي ذكرها فيه لا يجوز له تأخيرها عنه، بدلالة (٤) قول النبي ﷺ " من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا (ذكـ) ـرها [ص١٣] لا كفارة له إ (لا) (٥) (ذ) لك" (٦)، وجب أن تبطل عليـ (ـه الصـ) ـلاة التي هو فيها، لأنه وضعها في غير موضعها، لأنهما لما اجتمعا في الوقت، و (كـ) انت (٧) إحداهما مبدأة في الترتيب، وهي التي نسي وجب أن تبدأ في القضاء، وإذا وجب عليه أن يقطع ما هو فيه، وجب عليه ألا ينصرف منه إلا على شفع.

стр. 34

لأنه إذا بطل أن ينوب له عن فرضه صارت نافلة، والنافلة لا تكون إلا مثنى، لأن النبي ﵇ قال: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (١). فإذا ذكر ذلك بعد أن رفع رأسه من الركعة الثالثة أتمها أربعا، لأن من أهل العلم من يرى أن تصلى النافلة (٢) أربع ركعات فوجب عليه أن يتمها لينصرف على شفع، ولا يخرج (٣) بذلك عن صلاة النافلة عند بعض العلماء، هذا وجه القول الأول. وأما وجه قوله: إنه يقطع وإن ذكر ذلك بعد أن صلى ركعة، فلأن الصلاة التي انتقضت عليه إنما دخل فيها بنية الفرض، فإذا انتقض فرضه بتذكره الفرض المبدأ قبله لم ينقلب نافلة، لأن أواخر أعمال العبادات مبني على أوائلها. فإذا تحرم المصلي بصلاة ثم طرأ عليه ما ينقضها، وجب أن تنقض في الوقت

стр. 35

الذي طرأ عليه الحادث الموجب لذلك، وإذا انتقضت بطل أن ينوب له عـ (ـن) (١) فرضه أو نافلته. وكلا القولين له وجه سائغ في النظر، فاعلمه وبالله التوفيق. وأما وجه استحباب ابن القاسم أن يقطع بعد ثلاث، فلأن أصل النافلة ركعتان، وما زاد عليهما فليس منها فاستحب له أن يقطع لأنه ليس وراء (الر) كعتين (٢) شيء من النافلة يمضي عليه. وقد كان لهذا الذي استحبه وجه سا (ئغ) (٣) في النظر لولا قوله في النافلة: " إذا صلاها ساهيا ثلاث ركعات أنه يضيف إليها ر (كعة) (٤) رابعة ويسجد لسهوه قبل السلام". فإذا كان هذا الفرض المنتقض عنده ينقلب نافلة، فيلزمه أن يحكم له بحكم النافلة في ألا ينصرف عنه (إلا) (٥) على شفع [ص١٤]، والله أعلم.

стр. 36

ذكر خلافه له في كتاب الزكاة . ٥ - حكم زكاة الإبل إذا زادت على مائة وإحدى وعشرين (١) (٢). قال ابن القاسم: قال مالك في الإبل إذا زادت واحدة على عشرين ومائة أن الساعي بالخيار: إن شاء أخذ منها ثلاث بنات لبون وإن شاء أخذ حقتين. وقال ابن القاسم: كان ابن شهاب (٣) يقول: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة

стр. 37

واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة. قال ابن القاسم: ورأيي على قول ابن شهاب. (١) قال أبو عبيد ﵀: أما وجه قول مالك في جعل الساعي بالخيار بين حقتين وثلاث بنات لبون إذا زادت الإبل واحدة على عشرين ومائة، فلأن النبي ﵇ لما قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة" (٢)، احتمل أن يكون أراد زيادة الواحدة وهي أقل ما يقع عليه الاسم، واحتمل أن يكون أراد الزيادة التي تغير حكم الزكاة وتنقلها من حال إلى حال. فلما كان هذا الاحتمال سائغا، جعل الخيار إلى الساعي في أخذ ما يؤد (ي) (٣) ا (جـ) ـتهاده (٤) إليه. فإن أداه اجتهاده إلى أخذ الحقتين، جاز له أخذهما، وكذلك إن أداه إلى الثلاث بنات لبون. وإنما سوغه الاجتهاد في ذلك، لأن النص يحتمل التأويل، وكل نص محتمل التأويل فالاجتهاد فيه سائغ، فاعلم ذلك، وبالله التوفيق. وأما وجه قول ابن شهاب الذي اختاره ابن القاسم، فلأن أصل العبادات لما كانت مبنية على الاحتياط، وكان اسم الزيادة يقع على الواحد، كان من الاحتياط للزكاة أن يتغير الحكم في العشرين ومائة، إذا زادت واحدة لحصول الزيادة فيها

стр. 38

فتنتقل من حكم الحقتين إلى الثلاث بنات لبون. وهذا القول أحوط، وقول مالك (أقيـ) س (١). لأن الـ (ـو) احد من الإبل لا يغير حكم الزكاة في الأموال (٢) التي تقع زكا (تهـ) ـا (٣) منها، [ص١٥] وإنما هو ( ... ) (٤) يغير حكمها وينقلها من حال إلى حال، لوجب أن تؤخذ الزكاة من الواحد الزائد، كما تؤخذ من العشرين ومائة، فيكون في كل أربعين ومـ (ـائة) (٥) بنت لبون. وألا يؤخذ من ستين ومائة أربع بنات لبون، لأنها لا تبلغ أربعين وثلثا وخمسين وثلثا. فلما كان لا يجوز اتفاقا، دل على أن قوله ﵇: "فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة"، إنما أراد الزيادة التي تجمع بحلولها في المال الحقة وبنات اللبون لا ما سواها، والله أعلم بالصواب.

стр. 39

٦ - حكم زكاة المال المغصوب (١) (٢). قال ابن القاسم: قال مالك فيمن غصب ماشية، أو ظلمها، ثم ردت عليه بعد أعوام، أنه ليس عليه إلا زكاة عام واحد. وقال ابن القاسم: عليه أن يزكيها لما مضى من السنين على ما يجدها إذا لم يأخذ السعاة منها شيئا". (٣) قال أبو عبيد: أما وجه قول مالك ﵀ لا زكاة عليه إلا لعام واحد، (٤) فلأن

стр. 40

الغاصب عند مالك وابن القاسم ضامن لرد عين، وما اغتصبه مع بقائها على حالها أو لقيمتها (إن) (١) تغيرت عن حالها. فلما كان هذا الحياز في الأغلب لا يبقى على حال واحدة، ومتى بقي فإنما هو نادر، والحكم أبدا معلق بالأغلب من حال المحكوم فيه، دل على أن الماشية (٢) في ضمان الغاصب إذا تغيرت عن حالها، أو مضى لها من الزمان ما يتغير جسمها في مثله، وإن الواجب عليه للمغصوب قيمتها يوم اغتصبها، إلا أن يختار أخذها على أي حال وجدها. فإن اختار ذلك لم يجب عليه سوى زكاة عام واحد، لأنه لو شاء أن يمتنع من أخذها، ويلزم الغاصب قيمتها لكان ذلك له، فدل على أن ملكـ (ـه) (٣) قد زال عنها بنفس تغييرها في ذاتها وبمضي الزمان الذي يتغير جسـ (مهـ) ا (٤) في مثله، بشريطة اختيار المغصوب منه ذلك. وإذا كان ملكه قد زال عنـ (ـها) (٥)، فلا زكاة عليه إلا لعام واحد، وهو العام الذي يقبضها فيه [ص١٦] بشريطة مجيء الساعي وكـ (ـمال) (٦) النصاب (٧)، والله أعلم. وأما وجه قول ابن القاسم، إنه يزكيها لما مضى من السنين، فلأن العين المغصوبة إذا اختار ربها أخذها على أي حال وجدها كان له ذلك، ولم يكن للغاصب أن يمنعه منه، فدل (به على) (٨) أن ملكه لم يزل عنها.
следующие страницы →