سلسلة: بحوث في العلمانية
(٢)
العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام
مصطفى باحو
стр. 2
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
بعد الكتاب الأول من سلسلة بحوث في العلمانية: «العلمانية: المفهوم والمظاهر والأسباب». الذي طبع في الرباط، ونشرته جريدة «السبيل» المغربية غشت ٢٠١١.
هذا هو الكتاب الثاني، الذي خصصته للحديث عن حقيقة نظرة العلمانيين للإسلام وموقفهم منه، بعيدا عن التمويه الإيديولوجي والتزييف الإعلامي الذي يمارسه الخطاب العلماني. وأبين فيه أن الموقف العلماني من الإسلام مضمر برؤية استشراقية دونية، فهو في نظرهم يقوم على أسس خرافية أسطورية لا عقلانية، وهو مرحلة من مراحل تطور الفكر البشري نحو الفكر العقلاني الوضعي الذي يرى الأديان مجموعة من الأوهام التي صنعها البشر البدائيون لتبرير عجزهم أمام ظروف الطبيعة القاهرة، وأن الإسلام دين البداوة والخيمة والقبيلة (١). وبالتالي لم يعد صالحا لمجتمعات الطاقة النووية والخلايا الجذعية والانترنيت.
وتنطلق رؤيتهم تلك من أساس دهري، وهو أن الإسلام دين بشري أو لِنَقُل: محمدي، ويتغافلون عن كون صاحب الشرع هو من يعلم الطاقة النووية والخلايا الجذعية وغيرها. فالله شرع شرعا مع علمه بمتغيرات الأحوال والأزمان والأماكن، شرعا صالحا لحضارة الجمل وحضارة الانترنيت، وهو الذي خلق
стр. 3
الإنسان ويعرف ما يصلح له وما لا يصلح.
لكن الخطاب العلماني يقف على أرض إلحادية لا تؤمن بوجود إله ولا تعترف بدين، ويتظاهر بكونه لا مشكلة له مع الدين، وأنه يكفل حرية الاعتقاد للجميع.
وهدفنا في هذا الكتاب تعرية تلك الأقنعة وهتك تلك الأستار التي يتمترس خلفها الخطاب العلماني، وتفكيكها وطحنها وسحقها إلى الأبد.
وأغلب رموز العلمانيين يصرحون بعلمانية صارخة لادينية، كأركون وعادل ضاهر وعزيز العظمة وهاشم صالح وطيب تيزيني ونصر أبي زيد، ويرفضون التمسح بالدين بأي شكل من الأشكال، بل ينتقدون علمانيين آخرين يحاولون البحث عن جذور إسلامية للعلمانية أو الاحتجاج بالنصوص الدينية، ويعتبرون هذا تنازلا خطيرا وانبطاحا لا مبرر له. بينما يفضل آخرون الهجوم مرة والتراجع أخرى في انتظار تهيؤ الأجواء للهجوم النهائي، يمثل هذا الاتجاه حسن حنفي وخليل عبد الكريم والعشماوي وآخرون.
ولا خلاف بين الطائفتين إلا في التكتيك، وهل حان نقد الدين الإسلامي ونقضه وتجاوزه؟، أم أن الجو العام والخشية من ردود أفعال جماهيرية غاضبة ترجع على المشروع العلماني بالضعف؟ تحتم اعتبار المرحلة وظروفها وملابساتها في الحسبان.
وعموما يستحيل وجود علماني يؤمن إيمانا حقيقيا بالدين أو الغيب أو المقدسات إلا إذا لم يكن علمانيا حقيقيا أو يفهم العلمانية فهما ساذجا طفوليا.
لأن الدين يقوم على اعتبارات ميتافيزيقية وأصول غيبية، والعلمانية ما جاءت إلا لمحاربة الغيبيات باعتبارها مقومات خرافية أسطورية تنتمي إلى عصر
стр. 4
سيطرة الخرافة واللاعقل (١).
فالعلمانية = سيادة العقل وحده.
والدين يقوم على مقومات غيبية لا عقلانية حسب النظرة العلمانية نفسها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالعلمانية، لا تؤمن إلا بما دلت عليه التجربة والحواس.
والدين تدور قواعده على الله والرسل والجنة والنار والشياطين، وكلها مفاهيم خرافية أسطورية لا يثبتها العلم التجريبي الحديث، وبالتالي فهي غير علمية ولا تتمتع بأية مصداقية.
وعليه فالعلمانية والدين الإسلامي نقيضان لا يجتمعان.
وأما مسألة أن العلمانية تكفل حرية الاعتقاد، نعم هي تكفل حرية اعتقاد أيّ شيء كان دينا أم إلحادا أم وثنية أم عبدة شياطين.
فهي لم تعط للدين امتيازا ما، فهي ترى أن الإنسان حر في اعتقاد ما يشاء ولو كان خرافيا وتافها في نظرها وتقديرها.
ولذلك فتحوير المسألة من الموقف من الدين إلى الموقف من التدين محاولة للفت الأنظار فقط، بمعنى ما هو موقف العلمانية من الدين نفسه؟ وما هي نظرتها إلى الغيبيات والماورائيات؟ بغض النظر عن سماحها بالتدين.
فهي ترى أن هذه خرافات تافهة لا عقلانية، تنتمي إلى حيز الأوهام التي
стр. 5
تكونت عبر الزمن.
وقد بيَّن العلماني محمد الشيخ أن المجتمع العلماني مجتمع مادي يلغي كل الأديان والقيم من اعتباراته.
قال: إن المجتمع الحداثي استحال مجتمعا ماديا، بمعنى أنه مجتمع صار لا يُحَكّم في مبادراته المتعددة الاعتبارات التقليدية روحية كانت أو خلقية، وإنما صار يحتكم إلى العوامل المادية وحدها دون سواها (١).
فالدين يتحول إلى شيء متجاوز وملغى، ثم بعد هذا، من شاء أن يتدين بشيء ما فله ذلك. يعني يتحول إلى مسألة شخصية مرتبطة بالضمير.
إن الإسلام هو صاحب الدار، فلا يعقل أن يستجدي العلمانية لتخصص له ركنا أو لتسمح هي له بأن يتحول من حضارة عظيمة ودين يحكم كل مفاصيل الحياة إلى مسألة شخصية يؤمن بها من شاء ويكفر من شاء.
والإسلام في داره (دار الإسلام) كما قال القرضاوي لا يكتفي بأن تكون عقيدته مجرد شيء مسموح به، وليس محظورا كالمخدرات والسموم البيضاء إنه يريد أن تكون عقيدته روح الحياة، وجوهر الوجود ومُلْهِم أبناء المجتمع، وأن تكون أساس التكوين النفسي والفكري لأفراد الأمة، وبعبارة أخرى تكون محور التربية والثقافة والفن والإعلام والتشريع والتقاليد في المجتمع كله (٢).
هل يمكن للمسلم المحافظة على دينه في ظل العلمانية ؟
إذا كان يمكن للمسيحي المحافظة على دينه في ظل العلمانية، لأن المسيحية مجموعة وصايا وآداب تمارس داخل الكنيسة، فإن الإسلام بتشريعاته المتعددة
стр. 6
والمتداخلة والشاملة لكافة مناحي الحياة يستحيل تطبيقه في ظل نظام علماني.
فالعلمانية تؤطر المجتمع وتوجهه بطريقة لا تمكن المسلم من ممارسة دينه في جو مطمئن.
فلا يستطيع المسلم أكل الحلال وفق مفهوم الشريعة، لأن الشريعة كما ترى العلمانية لا دخل لها في التحليل والتحريم، فذبح الحيوان هو طقوس دينية لا تلزم العلمانية، وتحريم الخنزير والميسر والربا فروض دينية لا ترى فيها العلمانية إلا كوابح دينية يجب تجاوزها وإلغاؤها، وبالتالي فلن يجد المسلم أين يضع ماله ولا حلالا يأكله.
وتبيح العلمانية للمرأة كشف مفاتنها وعورتها، وتبيح لها ممارسة الفاحشة برغبتها، فيتعرض المسلم للتحريش والإغواء والفتنة.
ولا يسمح في ظل النظام العلماني للمسلم منع ابنته من الاختلاط والتبرج، بل والعري التام، واتخاذ صديق لها تدخله معها منزل والدها المسلم، والويل للأب المسلم المسكين إن اعترض، فقوانين العلمانية صارمة في ردعه وتركه عبرة لأمثاله.
وللابن في ظل العلمانية اتخاذ الخليلات ومشاهدة أفلام الإباحة في منزل والده، الذي هو ملزم بالنفقة عليه. وليس أمام المسلم إلا طاعة المبادئ العلمانية والانصياع لها.
فكيف يقال إن حرية التدين مكفولة في ظل العلمانية؟
وأما الإعلام فسواء عرض أفلام الجنس أم عروضا نسائية عارية تماما فلا يحق للمسلم أن يعترض أو ينكر، وللإعلام الدفاع عن الدعارة باعتبارها نشاطا اقتصاديا مربحا، أو عرض أصناف الخمور والتحريض على شربها أو بيان أصناف طهي الخنزير.
وما على المسلم إلا الإذعان والاستسلام، وكل ما يمكنه فعله أن يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله، إن تركت له العلمانية إيمانا يستطيع به فعل ذلك.
وأما الحديث عن تغيير المنكر فأحد المستحيلات العشر في دين العلمانية.
стр. 7
هذا فضلا عن أن هناك أركانا وواجبات دينية شرعية لا يمكن القيام بها إلا في ظل دولة إسلامية تحمي هذه الواجبات، وإلا يستحيل القيام بهذه الشعائر دون وجود السلطة السياسية التي تحميها، بل وتقوم بها. كالزكاة، والجهاد، والشورى، والعدل الاجتماعي، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الربا، وتحريم الخمر، وتحريم الخنزير، ومنع التبرج، وغيرها.
وهل السياسة العلمانية التي تحلل الحرام الشرعي مثل الزنا والخمر والربا والعري والتفسخ والأفلام الإباحية والشذوذ، وتدافع عنها وتنشرها بشتى الوسائل وتحرض عليها إعلاميا وإشهاريا، وتذوذ عنها أمنيا وتحميها عسكريا وقانونيا تعتبر محايدة ضد الدين ولا تسعى لتهميشه؟
لا حجة في الوحي .
نصوص القرآن والسنة لا حجة فيها عند العلمانيين، وتَنازُل بعض العلمانيين للاحتجاج بها تنازل خطير في نظر عادل ضاهر.
وقد أخذ على إخوانه الاحتجاج بالنصوص الدينية لتسويغ وجهة نظرهم، وأنهم بذلك ينخرطون في حرب النصوص، واعتبره تنازلا خطيرا للخصم، لأن القضية الأساسية للعلماني هي قضية استقلالية العقل الإنساني (١).
وهكذا قال نصر أبو زيد، فقد لام صديق دربه زكي نجيب محمود كيف أنه أعطى لمعارضيه فرصة للنيل منه، بل ولاغتياله (أي: فكريا) من جانبين على حد تعبيره.
الجانب الأول هو تسليمه بحجية النصوص الدينية وخاصة القرآن، وهي في نظر أبي زيد لا تستحق ذلك، ولولا طول كلامه لنقلته برمته، لكن أكتفي بقوله
стр. 8
في آخره: وإذا كان زكي نجيب محمود بذلك الإقرار والإعلان قد كرس مرجعية النصوص الدينية، فإنه قد منح بذلك خصمه سلاحا فتاكا للنيل منه، هذا هو الجانب الأول، والجانب الثاني الذي مكن للخصم من اغتيال خطاب زكي نجيب محمود إقراره لا بالفروق النوعية بين الرجل والمرأة فقط، بل وتسليمه بالنتائج المترتبة على هذه الفروق اجتماعيا وثقافيا ونفسيا (١).
واعتبر بعد أن الخطاب الديني يزيف قضية المرأة حين يصر على مناقشتها من خلال مرجعية النصوص (٢).
وهو نفس ما أكده فرج فودة أنه لا حجة في القرآن والسنة بل الحجة في الدستور والقانون (٣).
وأكد القمني أن الأديان برمتها موضوع للبحث فقط لا وسيلة للمعرفة، قال: والأديان بالنسبة لمثلي هي موضوع درس ومعرفة، وليست وسيلة لأي نوع من أنواع المعرفة (٤).
فالأديان موضوع للبحث، لا وسيلة للمعرفة.
الذئب الوديع:
يظهر أغلب العلمانيين أنفسهم بمثابة الناصح الأمين الذي يريد فهما أوسع للدين وأشمل وأكثر حضارية وعقلانية على حد تعبير بعضهم.
ونص آخرون على أن العلمانية مرادها وضع الدين في موضعه الذي وضعه الله
стр. 9
فيه، فالدين مكانه المسجد ودوره تهذيب الأخلاق والقيم الروحية التي ينحصر أثرها داخل المسجد.
وادعى آخرون أن هدفهم هو الوفاء للإسلام وإعطاء ديناميكية جديدة وحقنة حيوية جديدة في شرايينه.
وحاول العلمانيون المغاربة وغيرهم أصحاب «المفاهيم الملتبسة» و «قدر العلمانية في العالم العربي» جاهدين إيهام قرائهم بأن علمانيتهم ليست ضد الدين، بل هي في خدمة الدين. بل أكد أحد كُتابهم -وهو محمد سبيلا- بأن العلمانية هي أحسن حاضن للدين (١). وعند عبد العلي بنعمور: العلمانية تكريم للدين.
هكذا بكل صفاقة وجه!!!.
وكتابي هذا إن شاء الله لطحن هذه التفاهات وذرها في الهواء.
وزعم عبد المجيد الشرفي أنه يهدف لمصالحة المسلم المعاصر مع دينه (٢).
وكأن المسلم في خصام مع دينه، لكن كما يقال: كل إناء بما فيه ينضح.
ونصحنا بعدم التمسك بحرفية النص وأنه لا بد من البحث عن روح النص ومغزاه ومقصده حتى تكون العبادة لله وحده (٣).
هكذا قال.
لكن لا تلبث هذه الوداعة إلا أن تكشف عن حقيقتها وتسفر عن شراستها، فضرب لنا الشرفي مثلا، بأن ما ورد في القرآن عن آدم وحواء وإبليس والجن والشياطين والملائكة ومعجزات الأنبياء ليست إلا تماشيا مع الذهنية الميثية
стр. 10
الأسطورية، وأنها رموز وأمثال لا حقائق تاريخية (١).
إنما يتحاشى الشرفي ذكر الله مع ما تقدم، مع أن الباب واحد، تجنبا لردود الأفعال التي قد تؤثر سلبا على تقبل مشروعه.
فكل الغيب -الذي هو أس الدين والإيمان- خرافات وهمية في نظر الشرفي، آمن الناس بها في عصر سيادة الخرافة، أما وقد تحررنا من كل ذلك فلم نعد بحاجة إليها وأصبح تجاوزها أمرا لازما وحتميا.
استحالة اجتثاث الدين من المجتمع:
رغم الهجمة العلمانية الشرسة على الأديان، ورغم كونها مدججة بقوة الدولة وجبروتها، ورغم تسخيرها كافة الوسائل الأمنية والإعلامية والثقافية لتحقيق ذلك، لم تفلح في استئصال الدين من المجتمعات.
في ندوة لندن (يونيو ١٩٩٤) حول سقوط العلمانية والتحدي الإسلامي للغرب أكد البروفيسور جون كين أن الدين لا يمكن أن يجتث نهائيا من حياة الناس، وإنما الذي نجحت العلمنة (٢) في تحقيقه هو إخضاعها الدين لنظم مدنية أوجدها البشر صارت لها السلطة العليا والكلمة الأخيرة، غير أن ظهور الأصولية الدينية في الغرب اتخذ أشكالا عدة في مقدمتها: بروز الحديث عن «السباسة المسيحية» والجدل المتجدد حول الدين والإجهاض، ومطالبة ٨٠% من البريطانيين بتدريس الدين في المدارس، هذه المؤشرات وغيرها كثير تثير تساؤلات عدة حول مدى نجاح العلمنة في إقصاء الدين عن الحياة، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في المسألة برمتها. من زاوية مراجعة موقف العلمانية من
стр. 11
العلاقة بين الدين والمجتمع (١).
وكذا أكد أركون أن بوادر الانفراج بين الديني والعلماني في تصاعد في أوربا (٢).
وذكر عالم الاجتماع الألماني وأستاذ اللاهوت الإنجليزي الدكتور جوتفرايد كونزلن: ولأن الاهتمام الإنساني بالدين لم يتلاش، بل تزايد .. وفي ظل انحسار المسيحية، انفتح باب أوربا لضروب من الروحانيات وخليط من العقائد الدينية لا علاقة لها بالمسيحية ولا بالكنيسة من التنجيم .. إلى عبادة القوى الخفية .. والخارقة .. والاعتقاد بالأشباح .. وطقوس الهنود الحمر .. وروحانيات الديانات الآسيوية .. والإسلام، الذي أخذ يحقق نجاحا متزايدا في المجتمعات الغربية (٣).
وها قد حان الشروع في الكتاب بعون الله، نوثق فيه لنظرة العلمانيين للتدين عموما والإسلام خصوصا، فالعلماني يحاول دائما أن يظهر بمظهر الباحث النزيه والناقد البريء من أية أفكار مسبقة وأية إيديولوجيا. وهو دوما يرمي مخالفيه بتلك التهم المجانية، بينما لو تمعنا قليلا لا كثيرا لرأيناه في صورته الحقيقية: مثقف تسممت أفكاره بالدراسات الاستشراقية الغربية، حتى غدت قناعاته واختياراته منسجمة تماما مع الطرح الغربي والبحث الاستشراقي فأصبحت له مواقف متطرفة من الدين والتدين يغلفها بستار البحث العلمي أو النقد التاريخي.
ولو أزحت الستار لرأيت خلفه: أفكارا مسبقة، وإيديولوجيا متخفية، وأهدافا مسطرة يبحث لها عن سَنَد ودعم. وبعبارة أوضح: لرأيت مخالب تحت قفازات من حرير.
стр. 12
العلمانية ومحاربة التدين
يلجأ العلمانيون إلى تأسيس خطاب خداعي تمويهي مخاتل ومراوغ لموقفه من الدين، فيخفى ذئبيته تحت ستار الحمل الوديع، وقد يتمسح بعضهم بالدين، وربما يعلن أنه مسلم (١) يسره ما يسرنا ويحزنه ما يحزننا، ويتظاهر بالحرص على إبعاد الدين عن مجال السياسة، لكي لا يتلوث -وهو الطاهر النقي- بحممها الملتهبة وتقلباتها المتناقضة، محاولا تجميل صورته وتلميعها، ويناور لعله يرضى قارئه المسلم.
فهذا سعيد لكحل تأسف لاعتبار الإفطار في رمضان جنحة وعدم فتح حانة قرب مسجد، ثم في رمشة عين أخذ يتمسح بالدين ويثرثر، ويصلي على النبي ﷺ ويشرح الآيات والأحاديث (٢).
ورغم محاولة بعض العلمانيين إظهار أنفسهم أنهم ليسوا ضد الدين وأنهم يقفون منه موقفا محايدا، إلا أنه بالتأمل في تصرفاتهم وأطروحاتهم يتبين أنهم يقفون منه موقف المعاند والمحارب له، ولا يعدو الأمر أن يكون مرحلة من مراحل التحذير والمواجهة.
بل لا يعدو الأمر أن يكون شراكا خداعيا يتمترس به الخطاب العلماني بقصد التمويه والمخاتلة من باب ذر الرماد في العيون.
стр. 13
وسنثبت بحمد الله في هذا الكتاب بما لا يدع مجالا للشك أن العلمانية مناقضة للدين باعتراف العلمانيين أنفسهم، وسنبين أن العلمانية كنظرية وتصرفات العلمانيين في كتبهم ومؤلفاتهم تناقض أصول الدين وفروعه.
وقد يتستر بعض العلمانيين خلف مناهضة الدولة الدينية، ومرادهم الدين نفسه.
ومع أن الإسلاميين كرروا آلاف المرات أنهم ضد الدولة الدينية التي تحكم بالحق الإلهي إلا أن العلمانيين أصروا على اتهامهم بها.
والعقل يقتضي أن سبب هذا الإصرار العلماني:
- إما أن الإسلاميين يدعون لدولة دينية.
- وإما أن دولة الخلافة الإسلامية كانت دولة دينية تحكم بالحق الإلهي.
ولكن لا هذا كان ولا ذاك.
والذي حصل هو أنه كان في أوربا دولة دينية يسيطر عليها رجال الدين ويحكمون فيها بالحق الإلهي، فعارضت فلسفة الأنوار هذه الدولة الدينية، فردد العلمانيون عندنا كالببغاوات ما قالوا، وحاولوا إسقاط التاريخ الغربي برمته وتفاصيله وأبعاده، فوقعوا في مغالطة مفضوحة ومهزلة مضحكة.
وقد بينت في الكتاب الأول وسأبين إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب أن العلمانية ليس فقط ضد الدين، ولكنها أسوأ من ذلك، إنها تسعى إلى أن تحل محله وتعمل على إقصائه عن واقع الحياة، وتحويله إلى نوع من الفولكلور.
وسيأتي معنا قريبا تصريح العلمانيين بأن هدفهم الحقيقي هو إقصاء الدين والإجهاز عليه، أو لنقل بعبارة مهذبة حسب أركون: تهدف إلى التخلص من البعد
стр. 14
الديني عن طريق امتصاصه داخل النموذج العلماني المهيمن (١).
وقال عن مشروعه النقدي ومشروع المستشرقين: فإنه يمكننا أن نعتقد بأن الطفرات الذهنية العميقة الجارية حاليا سوف تتكفل بجعل كل تلك الصراعات الدائرة حول المسألة الدينية بشكل عام، والإسلام بشكل خاص، شيئا باليا ولا معنى له. إن كل هذا سوف يتبخر ويذهب مع الريح، ولن يبقى إلا الدين من أجل الذاكرة (٢).
إلى أن قال: هذا هو المشروع الذي أريد أن أقوم به بشكل استباقي انطلاقا من المثال الإسلامي (٦١).
بهذه الصراحة يتحدث أركون.
وهكذا فعل كثيرون كالقمني والمؤدب وآخرون.
بينما يكتب آخرون وخاصة الجابري بحذر شديد ولف ودوران.
وعند التحقيق فمشروعهم واحد، أو كما قال أركون عن الجابري نفسه: لأن العقل العربي نفسه هو عقل ديني. قضايا في نقد العقل الديني (٣٣١).
يتفقان في ضرورة نقد التراث لتجاوزه، ويختلفان في الأسلوب، يقول أركون حاثا صديقه الجابري على توجيه لكمات قوية للتراث: باختصار ينبغي الدخول في صلب المشاكل الحقيقية وعدم تحاشيها بحجة مراعاة الشعب أو الجماهير أو العامة ... الخ ينبغي أن يصل النقد إلى جذور الأشياء لا أن يكتفي بدغدغتها أو مسها مسا خفيفا (٣).
стр. 15
وإمعانا في ذر الرماد في العيون كتب العلماني المغربي أحمد عصيد: لأنه لم يوجد قط مثقف علماني واحد كتب ليمس بالدين الإسلامي في جوهره أو بالحق في الإيمان والتدين، وإنما التوجه العام هو نقد أشكال القراءة والفهم المنحرفة للدين وأنواع توظيفه السياسية المغرضة (١).
وكل جملة في هذه الفقرة تمارس تزييفا ومغالطة مكشوفين.
وسنبين له في هذا الكتاب أن أكثر العلمانيين كتبوا يطعنون في الدين الإسلامي عشرات النصوص التي سوف نريحك من تتبعها في مظانها، وهي كافية لإقناع حمار جدك إن شاء الله.
بل عصيد نفسه نقض كلامه كله، بل ومن الأصل، فصرح قبل هذا بقليل (٣٣٨) تقليدا لعلماء الاجتماع الغربيين أن الدين مرحلة من مراحل التطور العقلي للبشرية، بدأت بالأسطورة ثم بتعدد الآلهة، ثم التوحيد، ثم العقل العلماني المعاصر (٢).
فالدين تشكل عبر التطور البشري للعقل البشري، وليس إلا مرحلة خرافية من مراحل التطور، وتسمح العلمانية لمن شاء أن يؤمن بمثل هذه الخرافات، لأن له الحق في أن يؤمن بما شاء.
وسيأتي معنا مزيد بسط لهذه القضية.
وأما أن العلمانية تنتقد أشكال القراءة لا الدين نفسه، فهذا ما سنخصص له فصلا خاصا لنبين فيه تهافته وتفاهته.
ويكفينا الآن قول رفيقي دربه هشام جعيط وعلي حرب، وأولياء نعمته الفرنسيين.
стр. 16
قال هشام جعيط: إن كل أصناف النخب في العالم العربي بعيدة كل البعد ليس فقط عن التيارات الإسلامية، بل عن الإسلام ذاته (١).
وقال علي حرب في الممنوع والممتنع (٢٢٢): فالنقد ينبغي أن يتجه إلى تفكيك تلك الترسانة التراثية التي فقدت فاعليتها في الفكر والعمل، ولهذا ينبغي للنقد أن يشمل كل شيء الأصول والفروع، أنظمة المعارف ومنظومات العقائد، الشروحات والتفاسير. انتهى.
وورد في توجيهات وزارة التعليم الفرنسية في إطار قانون تعميم التعليم الصادر يوم ٢٨ مارس سنة ١٨٨٢ ما يلي: يجب ألا نذكر للطفل البالغ من العمر سبع سنوات شيئا عن الله، ليشعر هذا الطفل من تلقاء نفسه على امتداد ساعات الست التي يتلقاها يوميا أن الله غير موجود أصلا، أو أننا في أحسن الأحوال لم نعد بحاجة إليه (٢).
فهذا ثلاثة نقول نزفها لعصيد، فلعلها تكفيه.
وأما أنها تعطي اعتبارا للدين بسماحها بالتدين، فلا، لأن الدين واللادين والكفر والشرك والانحلال الخلقي كلها تصير مسائل شخصية لا دخل للمجتمع ولا الأديان فيها، وعليه فلم تعط العلمانية للدين أيّ امتياز، بل خنقته وألغته من المجتمع ومنعته من ممارسة نشاطه ومهامه داخل المجتمع، وسوته بالكفر والضلال وعبادة الأوثان والانحلال الخلقي والدعارة واللواط، وجعلتهم مسائل شخصية ترجع للضمير.
стр. 17
ولنأخذ نموذجا علمانيا آخر يمارس تزييف الوعي والمغالطة.
حاول العلماني السوداني عبد الله أحمد النعيم أن يستغفل عقولنا فألف كتابا ضخما ليبين لنا أنه يدعو إلى علمانية الدولة فقط لا علمانية الإنسان والمجتمع (١٩)، أي: يدعو إلى العلمانية في شقها السياسي والقانوني. محاولا الاستدلال بأن الأنظمة العلمانية الغربية لا تزال تحتفظ للدين بمجموعة من المواقع وتُؤَمن له دورا ما في المجتمع.
مع أن كل ما أورده بنفسه هناك ليس إلا فتاتا بسيطا جدا جدا حول المائدة التي تتفضل العلمانية بالإبقاء عليها للدين، بل العجيب أن كل النصوص التي أوردها شاهدة عليه لا له.
فذكر مثلا (١٣) أن الديانة البروتستانية واليهودية تتمتع في فرنسا بحق تنظيم علاقتها بالدولة في حين لا يتمتع المسلمون بأي شيء باعترافه. بل يقابلون بالتهميش والتمييز والإقصاء ومحاربة الشعائر (لا الرموز) الدينية كالحجاب ونحوه.
أليست علمانيته هي السبب في هذا التمييز والعنصرية؟
وذكر كذلك (١٤) نفس التمييز العنصري ضد المسلمين ونحوهم في إيطاليا، وذكر أن الجماعات الدينية في إيطاليا لها نظام هرمي طبقي، يتكون من ثلاث طبقات، أعلى الهرم تقف الكنيسة الكاثوليكية تعامل البروتستانتية واليهود، وتتمتع بامتيازات مالية وتعليمية.
ثم قال: وهذه الامتيازات غير متوفرة للجماعات الدينية في الطابق الأدنى من الهرم. وذكر منها المسلمين.
والعجيب كذلك أنه ذكر أن القانون الإيطالي يحظر على رجال الدين تولي مناصب عامة مثل القضاء والمحاماة والخدمة المدنية في جباية الضرائب وغيرها (١٥).
стр. 18
وأين حقوق الإنسان؟ وأين المساواة؟ أليست العلمانية هي السبب في كل ذلك؟.
ثم زاد العلماني السوداني فأكد أن الدولة ملزمة بتدريس الديانة الكاثوليكية، وأما البروتستانت واليهود فيمكنهم توفير معلمين لدينهم في المدارس، وأما المسلمون فاسمع إلى عبارة النعيم: فلا يحق لهم توفير أساتذة لدينهم في المدارس إطلاقا (١٥). وزاد (١٦) أن المسلمين محرومون خلافا لغيرهم من تمويل منظماتهم من خلال الضريبة.
وذكر أن في أمريكا (١٨) يمنع طلاب المدارس التي تمولها الدولة من الصلاة الجماعية.
فأين كفل العلمانية للحرية الشخصية وحرية التدين؟.
وقد كان أركون أكثر صراحة، فاعتبر في كتابه تاريخية الفكر العربي (٢٩٢) مفهوم الدين متضادا مع مفهوم العلمانية.
وقد كرر هذا أركون في كافة كتبه، حيث ميز بين النظرة الدينية القائمة على الأساطير والتعالي والتقديس، والنظرة العلمانية القائمة على العقلانية والنقد وإبعاد كل مفاهيم غيبية ماورائية.
وهذا تمييز واضح بين المذهبين، لكن بعض العلمانيين لأهداف إيديولوجية وخاصة بعض المغاربة يتمسحون بالدين نزولا عند رغبة الجماهير.
وهذا الموقف الانتهازي الرجعي يهدف إلى التراجع خطوة إلى الخلف من أجل خطوتين إلى الأمام.
وفضل علمانيون آخرون الوضوح والصراحة، ولهذا يتحاشى أركون مجرد التمظهر ومجرد الانتساب للدين أو الاعتراف بوجود الله، كما يفعل بعض
стр. 19
المنافقين عندنا (١).
وهذا شبلي شميل -أحد كبار الرواد العلمانيين العرب الأوائل- ذكر أنه نفى الأديان لا لغرض في النفس ولا غيره، بل لأنه التزم جانب العلم. آراء الدكتور شبلي شميل (١٩).
وقال عن الأديان: وهي في اعتقادي نفعت كثيرا وأضرت كذلك (١٩).
ثم ذكر أنها لم تعد تصلح الآن (١٩).
وأنها أضرت كثيرا بجمودها وجمود أتباعها بها (٢٠).
فما رأي عصيد في هذه العصيدة.
وعلى كل حال فلنشرع الآن في سرد مواقف العلمانيين العرب من الإسلام حسب الفقرات التالية:
يجب نقد الإسلام في حد ذاته، وهو واجب مقدس .
لأن الإسلام كما قال خليل عبد الكريم في الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية (٨ - ٩) بدأت تظهر على وجهه علامات الشيخوخة كتجاعيد وتشققات وجفاف.
والسبيل الوحيد عنده لتجاوز هذه الشيخوخة هو الانعتاق من قيود المسلمات والمقدسات الزائفة.
وحقيقة نقد الفكر الديني عند العلمانيين هو نقض له وإدانة، وهذا خلاف ما يوجبه البحث العلمي النزيه والمحايد.
وجل تلك الكتابات تنطلق من مواقف أيديولوجية مسبقة. أغلبها ماركسي مشبع بموقف ماركس العدائي ضد الدين.
стр. 20
ويوضح لنا سيد القمني في هذه الفقرة أنه لا دليل على صدق الإسلام، وبالتالي فلا يجوز استثناء شيء من النقد، قال: إن شرط العلمانية هو السماح بالنقد الموضوعي دون حدود ولا سقوف حمراء، لذلك أفهم أن تكون مسلما أو مسيحيا وأن تكون أيضا علمانيا، أي أنك لا تفرض دينك على غيرك، وتقبل نقد دينك لأنه لا دليل على صدقه. لذلك لا نصدقه إنما نؤمن به، والفرق عظيم في آليات الموقفين. فكل دين يزعم المؤمنون به أنه الصدق المطلق، وهو ما يعني عدم الصدق بالمرة، لتناقض الأديان تناقضا تاما والمصدر واحد إذا سلمنا بالإيمان. انتكاسة القمني، عفوا انتكاسة المسلمين (٣١٥).
وزاد في انتكاسته (٣١٥): إن من يزعم العلمانية وينزعج من نقد دينه هو منافق يرتد عند أول ناصية ويبيعنا جميعا عند أول موقف.
وكل العقائد والمسلمات هي تحت مطرقة نقد العلمانيين، فأركون مثلا يهدف إلى إعادة التفكير الجذري بالرؤيا الأخلاقية والسياسة في الإسلام عن طريق وضع القيم العقائدية والإيمانية التكرارية على محك التاريخ وجعلها إشكالية ( Problematique) لا مطلقة أو نهائية تتجاوز التاريخ. ويتأسف على عدم ظهور هذا المشروع الكبير الواسع في العالم الإسلامي (١).
وأكد على مشروعه حول ما سماه تحرير الفكر الإسلامي من سياجاته العقائدية الخاصة به (٢).
وكيف سيتم ذلك؟ أجاب أركون على الفور: لا يمكن أن ينجح ما دامت
стр. 21
الأطر والأسس التاريخية القصصية للإيمان غير مهدمة، كما هدمت أسس الإيمان المسيحي منذ القرن الثامن عشر (١).
وبعبارة أكثر صراحة حسب أركون: تهدف العلمانية إلى بناء مجتمع بدون إله، كما عبر «جيل فيري» (٢).
وفي كتاب آخر له يقول أركون: وهكذا نلمح تلك الاستمرارية المحزنة إن لم تكن المحبطة للآمال والتي ارتكبتها الأديان عن طريق تشكيل امبراطوريات مرتكزة على الكيل بمكيالين (٣).
واتهم الأديان بالتعصب وأنها أقوى من المحبة والتسامح والإخاء. وأنها تتميز بالنظرة الاحتقارية للآخر وأنها فعلت مجازر في حق الأقليات (٤). إلى آخر كلامه.
وفي كتاب آخر له اسمه «العلمنة والدين» (٧٢) بين أركون أن العلمانية تحذف كليا الموقف الديني وتعتبره شيئا قديما باليا.
لكن عند أركون فالعلمانية لا تهمل الدين كعامل مؤثر في الدراسة لا لصدقه في نفسه، يقول عن العلمانية: وهي تحاول أن تعيد دمج العامل الديني في الدراسة وليس استبعاده وإهماله. قلت العامل الديني وليس الأديان أو العقائد بحد ذاتها أو بمضامينها التفصيلية (٨١).
بمعنى أن العامل الديني مُعطى أثر في الظاهرة الإنسانية فلا يهمل كعامل
стр. 22
مؤثر في الدراسات التاريخية والسوسيولوجية، وليس لأن له قيمة في حد ذاته، أي: هو مادة للدراسة العلمية كما قال مترجمه وظله هاشم صالح (١٠٩).
فالدين مادة للدراسة لا شرع يُتبع ويتدين به وليست له أية قيمة معيارية.
وفي كتاب ثالث «الإسلام الأخلاق والسياسة» تحدث أركون عن الحاجة والضرورة الملحة لإعادة التفكير بتراث الإسلام بدءا من أسسه وجذوره (١٧١).
وفي كتاب رابع يرى أركون أنه لا بد من النقد التاريخي الصارم الذي لا هوادة فيه لكل المنظومة الإسلامية، وأنه لا بد من الحل الجذري الراديكالي أي: المتطرف، كما بين مترجمه وتلميذه هاشم صالح. نحو نقد العقل الإسلامي (١٢ - ١٩).
وزاد مجنون أركون: وذلك لأن الفلسفة العقلانية التنويرية الحديثة (أي: العلمانية) تخترق كل الأديان والمذاهب وتتعالى عليها (١٤).
فالعلمانية فوق الأديان وتتعالى عليها كما قال هاشم صالح. الذي تساءل في كتابه الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٣٠): لماذا لا يحق لنا أن ننقد الدين ونصول ونجول في كل القضايا الدينية من دون أن يزعجك أحد.
ويطمئننا هاشم صالح أن علمانيته لا تريد بتفكيك الدين عملا سلبيا ولا تخريبيا، بل هو عمل إبداعي خلاق لا يمكن لأي ثقافة أن تنهض بدونه (٤٣).
هكذا بهذه الكلمات الثعلبية المعسولة يخاطب عواطفنا لعل تمائمنا تستسلم لسحره، ويزيد مضغضغا تلك العواطف مبينا أنه لا يريد تدمير الإسلام، وإنما من أجل التوصل إلى فهم عقلاني حر لدين الإسلام (٤٤).
стр. 23
يقصد فهما عقلانيا يتم فيه تجاوز وإقصاء كل المفاهيم الدينية ذات البنية الغيبية: الله، الملائكة، الجن، إبليس، الجنة، والنار ... إلخ، وتجاوز كل التشريعات الإسلامية المختلفة تحريم الربا والميسر والخنزير وإيجاب الحجاب والحدود وغير ذلك. لأن كل هذه العقائد والتشريعات كانت استجابة لظروف تجاوز التطور الطبيعي للعقل البشري لها.
وفي مقابل طعن أركون في القرآن والسنة وعلوم الإسلام دافع أركون عن عقائد منحرفة عديدة عن الدين، بل عدها العلماء خارج إطار الإسلام، فقال عن البهائية والإسماعيلية: إنها حققت مكانة عالمية محترمة بفضل جهود الآغاخان وانفتاحه الإنساني المعروف (١).
وقال عن رجال الكنيسة: وهكذا تغير وجهها من رجعي ظلامي ومحاكم تفتيش إلى تقدمي عقلاني مستنير نسبيا (٢).
بعد أن سردنا ما يكفي من النصوص العلمانية المؤكدة على ضرورة نقد الإسلام نقدا لا هوداة فيه كما قال هاشم صالح نخصص الفقرات التالية لذكر نماذج موثقة لهذا النقد، بل النقض والطعن والسخرية والاستهزاء بالدين وأحكامه، عسى أن نبين لعصيد أن (عصيدته) طعمها مُر حنظل لا يستساغ إلا من أمثاله.
стр. 24
نقض أصول الإسلام وطعن في الدين:
نبدأ هذه الفقرات بعلماني قمامي من الدرجة الممتازة، حيث اعتبر سيد القمامة القمني أن سبب نكبتنا وتخلفنا هو رجوعنا واعتمادنا على كتاب واحد (أي: القرآن) أو كتابان (أي القرآن والسنة). شكرا ابن لادن (١٥٩).
وصرح اللعين أن عجز الإسلام كمشروع ومعه النبي والقرآن والبخاري وجبريل والملائكة ورب الأكوان والمؤمنون في المشارق والمغارب عن إقامة دولته المنشودة عبر تجربة ألف وأربعمائة عام. شكرا ابن لادن (١٥٩).
وعرَّى عاشق القمامة عن سوأته مباشرة وبغير حياء ولا خجل، وأكد أن المشكلة ليست في الخطاب الديني كما مر في (عصيدة) عصيد وغيره، بل في الدين نفسه.
وهذه عبارته بحروفها: هذا رغم أن المشكلة في الخطاب الديني لا يمكن ألا تكون إلا بمشكلة أعظم في الدين نفسه. خاصة أن في تكوين الإسلام مفردات تكوينية يتفرد بها عن معظم الأديان الأخرى، كانت سببا مباشرا في احتواء الدين على كثير من التناقضات الداخلية، سواء في المفاهيم أو في الأحكام ... شكرا ابن لادن (١٦٠).
وصرح أن كتابه أهل الدين والديمقراطية مع الوطن والتاريخ والجغرافيا وليس مع وطن هلامي اسمه الإسلام (٩).
وأنه رد وتفنيد لكثير من المسلمات ونقد للثوابت وخروج عن الخطوط الحمراء (٩).
وقال: وسنفرض وجودنا وشروطنا على خريطة مستقبل سنشارك في رسمه وتخطيطه بأيدينا، ولن يرسمه لنا بعد ذلك أحد كان في الأرض كان أو في السماء (١٠).
стр. 25
وللقمني طعون أخرى في الإسلام وأحكامه وتشريعاته ستأتي معنا في هذا الفصل قريبا وفي الفصول التالية عبر تسلسلها وتتابعها. علما أن القمني يلجأ أحيانا للمناورة، فقد كثرت عليه الضغوط والتحدي من قبل المسلمين في بلاده، فأعلن الشهادتين في التلفزيون المصري، كما ذكر في كتابه انتكاسة المسلمين (٣١٦).
وزاد أن بعض العلمانيين أخذوا عليه هذه التصريحات الإيمانية، بل حاربوه في موقع الحوار المتمدن. لكنه سارع إلى طمأنتهم وتبديد مخاوفهم (١) فقال: ومن ثم تتغير مواقفي أحيانا بدرجة أو بأخرى حسب طبيعة الضغوط ونوع المعركة، فأمارس أحيانا التقية المشهورة لديهم لأتقي شرهم، وأحيانا آخذ خطوة إلى الخلف لآخذ بعدها خطوتين إلى الأمام (٣١٥).
هذه الكلمات تلخص في نظري استراتيجية العلمانيين العرب في موقفهم من الدين.
ولقد أحسن صديق القمني نادر قريط العلماني في «محنتي مع سيد القمني» حيث قال: القمني كما أراه الآن تحول من مفكر إلى مفكر بأمره، ومن صاحب مشروع إلى سجال بدون موضوع (٢).
وقال: لغة سجال القمني ليست أكاديمية كثيفة دالة، ترضي المثقف اللماح، ولا ميسرة أنيقة تبهر الذواق، إنها للأسف لغة عربية متثائبة تتحرك ببطء على إيقاع سيارات وسط البلد في القاهرة، وتنفث عوادمها في وجوه الناس، ولا تصل إلى
стр. 26
مبتغاها إلا بشق الأنفس (١).
لنتابع حديثنا وننتقل لعلماني آخر اسمه عزيز العظمة، قال: وليس الدين والتراث أفيونا للشعوب لأنه مخدر لها بأفكار أخروية ووعود سماوية فحسب، بل أيضا وأساسا لأنه اغتصاب للواقع وتغييب للآن (٢).
واعتبر أن ما سماه «منطق تاريخي أدبي» كفيل بإيصالنا اليوم إلى نقض أساطير القرآن والحديث والتراث بعمومه (٣).
فالدين أفيون للشعوب ومخدر واغتصاب للواقع وتغييب للحاضر وأساطير.
فما رأي أحمد عصيد في كل هذا؟
لنتابع مع عزيز العظمة، قال عن الله سبحانه: والذي يرد كل ما يلتحق به مباشرة إلى اللاشكل واللامعنى والفوضى التامة (٧٤).
وقال عن ما يتفرع عن فكرة الألوهية التي تشكل الإسلام: يولد مواضيع خاصة ذات مرتبة أدنى: من لاهوت متجمد مهووس وتشريع شعائري غير متميز مهووس وتشريع شعائري غير متميز نموذجيا عن اللاهوت وعن العبادات عامة (٧٤).
وقال: أضحى الإسلام وأضحت رموزه فولكلورا يعتاش في ثنايا المجتمع المدني (٥٩).
يؤكد العظمة على ضرورة قطع أيّ اتصال مع التراث، بل يرى أن التواصل العضوي مع الماضي أو ماتبقى منه سر وهن الحاضر (١٣).
стр. 27
بل يرى أن مفهوم الأصالة الذي ينادي بعضهم به مستعار من مجال العشائرية ومجال تربية البهائم (١٣).
والأصالة عنده تعني إلغاء التاريخ، بل والمجتمع (١٤).
والواجب هو تجاوز ما يسمى أصالة.
واعتبر أن القول بأن الأمة ذات هوية قومية وكينونة ذاتية مستقلة استبدادي المآل أسطوري المحتوى في اعتماده على التراث والإرادة (١٥).
فحسب العظمة لا ينبغي التمسك بهوية الأمة، أو اعتبار الإسلام هويتها، فكلها عقائد بالية يجب تجاوزها بل يدعو العظمة إلى قطيعة تامة مع الدين، فهو ينتقد العلمانيين الذي يحاولون العمل من داخل التراث أو الربط بين الأصالة والمعاصرة كالجابري وحسن حنفي، ولو كان في هذا الربط طبعا إفراغ للأصالة (التراث) من محتواها. (١٨ - ١٩ - ٢٠). واعتبر هو أنه إما الأصالة وإما المعاصرة ولا واسطة بينهما، وسمى أصحاب هذا الاتجاه بالمنهج التلفيقي (٢١).
أما أركون فينهج سياسة تدريجية في نقد الدين، مع أن المتتبع لكتبه يقتنع بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل ملحد لا يؤمن بدين أصلا، لكنه يراوغ في الكلام ولا يفصح، ولهذا فهو ينصح بعدم مهاجمة العقائد الدينية مباشرة إلا بعد التمهيد الطويل وتحضير الأذهان والعقول لاستقبال الدين الجديد، قال: لا ينبغي أن نفكك هذه العقائد وتلك اليقينيات إلا أن نكون قد قمنا بعمل تمهيدي طويل يحضر الأذهان والعقول لاستقبال الفكر الحديث عن الدين. نحو نقد العقل الإسلامي (٣١٥).
فالمشكلة عنده ليست في نقد العقائد من أجل تجاوزها، وإنما في التدرج للوصول لهذا الهدف.
ولهذا فهو يتحفظ في كلامه كثيرا ويغلف أفكاره الأساسية بالكثير من أساليب
стр. 28
الحذر والاحتياط (١)، واعتبر أنه نظرا للضغوط التي تلاحقه فهو مضطر لممارسة الرقابة الذاتية على نفسه وعلى كتاباته لتقديم تنازلات عن خطه النقدي. قضايا في نقد العقل الديني (٢٥).
واستمر في حديث طويل (من ٢٢ إلى ٣٢) عن معاناته مع الغرب ومفكريه وعلمائه، وكيف أنهم لا يقبلون منه إلا الكفر الصريح والإلحاد الصريح عوض اللف والدوران.
وليست العقائد الإسلامية هي التي تستحق الاحترام، وإنما مشكلة التواصل من أجل نشر أفكاره هي التي تحتم عليه الحذر والاحتياط في اختيار العبارات المناسبة، قال: وأعترف بأني أنا شخصيا أمارس الرقابة الذاتية على نفسي. وذلك في كتاباتي ومحاضراتي ليس من أجل حماية قناعاتي الشخصية أو إخفائها، وإنما من أجل الحفاظ على خيط التواصل مع الآخرين (٢).
واعتبر أن لحظة الغربلة النهائية وإقامة الحساب الختامي التاريخي والمحصلة النهائية للأديان التوحيدية لم تحن بعد (٣).
وأنا أقرأ في هذه المراوغات قوة الإسلام التي لا تقاوم، فإن له جبروتا عظيما حتى على أعدائه والحاقدين عليه ومن يريد كسر قوته وإضعاف شوكته تحت ستار النقد التاريخي.
ولما أصدر أركون كتابه من أجل نقد العقل الإسلامي بالفرنسية سنة
стр. 29
١٩٨٤، وترجمه إلى العربية سنة ١٩٨٦ غيَّر اسمه: إلى تاريخية الفكر العربي الإسلامي.
قال المعجب به وبفكره علي حرب في نقد النص (٦١): وقد عمد أركون إلى هذا التغيير تخفيفا لوطأة المصطلح النقدي على القارئ المسلم الذي لا يتقبل عقله بعد نقد ما يندرج تحت اسم الإسلام من الصفات والمحمولات.
ثم بين حرب أن خشية أركون هذه قد زالت بعد فأصدر كتيبا باسم: من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي.
وليس هذا خاصا بأركون فأغلب العلمانيين يحاولون انتقاء الألفاظ المناسبة لعدم إثارة المشاعر الإسلامية، ولكي لا يفتضحوا من أول وهلة.
لكن الحقيقة مهما حاولنا حجبها والتستر عليها فهي واضحة بين الأسطر، وأحيانا في داخل الأسطر نفسها، كما هو واضح من خلال هذا الكتاب.
الإسلام عند أركون سلسلة من التلاعبات والاستخدامات الاستغلالية .
قال: ونحن نعلم أن كلمة إسلام هي كليا وبدون أيّ تردد أو حصر عبارة عن سلسلة من التركيبات المصطنعة والتلاعبات والاستخدامات الاستغلالية التي يقوم بها البشر (الإنسان) بصفتهم فاعلين حاسمين وشبه حصريين للتاريخ الأرضي المحسوس (١).
فالإسلام عنده ليس إلا تلاعبات للفاعلين، أي: اختراع بشري محض.
والله في نظره في حاجة بذاته إلى شهادة الإنسان له (٢).
стр. 30
والإسلام متعصب ويحتكر الحقيقة .
قال أركون: ثم يزداد الطين بلة فيما يخص الإسلام، فهو يزيد إلى هذه العاهة المشتركة مع الدينين الآخرين، أقصد عاهة التعصب واحتكار الحقيقة الإلهية المطلقة، عاهة أخرى إذ يرفض مناهج ونتائج علوم الإنسان والمجتمع بحجة أنها ولدت في الغرب ومن أجل الغرب فقط ... ثم إن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك في نسيان العقل والتشكيك به ثم رفضه في نهاية المطاف (١).
واعتبر أن مفهوم الإسلام في قوقعة انغلاقية، هي مدعاة الإشكال وسوء الفهم، ولذلك حاول هو أن يزيل عنه طابع التناقض والغموض الشديد الذي يلفه ويحيط به، كما قال (٢).
وقال في صدد حديثه عما تعانيه الشعوب العربية والإسلامية من مآس: ... واجترار مقدس متفكك ومدنس بألف طريقة وطريقة في نفس اللحظة (٣). يقصد الإسلام.
وأكد أن هدفه في أبحاثه هو نزع الأسطرة عن الأديان التوحيدية الغارقة في ضباب التقديس الأسطوري بسبب قدمها وغوصها في أعماق الزمن السحيق (٤).
وبسبب مواقف أركون هذه وغيرها كثير مما سنقرأه في هذا الكتاب كان الطلبة المسلمون في السربون وغيره يرفضون أفكاره في نقد الدين، كما صرح
стр. 31
بنفسه (١)، بل بعضهم كانوا يخرجون من قاعة المحاضرات في الجامعة احتجاجا على ما سماه هو نقدا تاريخيا للدين، وحكى أنه كان كثيرا ما يهاجم مباشرة ويشتم في بعض المحاضرات العامة (٢).
وزاد أركون أنه إلى جانب ما تعرض له في الأوساط الإسلامية، فقد تعرض للإعراض واللامبالاة في الأوساط العلمانية العربية والغربية (٣).
وهكذا لم يجن أركون من نقده للإسلام إلا الحسرة والندم، فالأوساط الإسلامية لفظته ورفضته، كما صرح بنفسه، والأوساط الغربية لم تهتم به ولم تعبأ به. كما تقدم في الكتاب الأول.
وهي طبعا لم تفعل ذلك اعتباطا، بل لأسباب عقلانية وجيهة في نظرها: إما لأن أبحاثه لا ترقى إلى مستوى البحث الأكاديمي الجيد في نظرها.
وإما أن هذه الأبحاث لا تقدم شيئا سوى جعجعة من غير طحن.
فمع أنه ركع للغرب وانبطح إلى الأرض مُقبِّلا أعتابه إلا أنه همشه ولم يعترف به.
وذلك جزاء من يجعل القرآن تحت مطرقة نقده، عوض أن يكرس جهوده لنقد الغرب وفكره وفلسفته، وبالأخص فرنسا التي دفعتها هذه الفلسفة إلى استعمار بلده الجزائر وقتل أبناء وطنه واستغلال خيراته، ولا تزال إلى الآن تتحكم في مصائره وتغذي الطغم الفاسدة فيه.
وليت منهج النقد التاريخي الذي عاش حياته من أجله قاده إلى إدراك أنه لا
стр. 32
يعدو هو نفسه أن يكون من مخلفات الاستعمار الفكرية، وأنه ليس أكثر من جندي مجند خلف السياسة التغريبية المحاربة لحضارته وإرثه الثقافي والديني. ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ البقرة١٢٠.
وأغلب العلمانيين يتهمون الإسلام بالتعصب والعنف، وقد تقدم كلام أركون، وكذا فعل علي حرب قال: إن الإسلام في حد ذاته يؤول إلى التعصب والضيق والإلغاء والإرهاب (١).
وعند الشرفي ليس الإسلام فقط، وإنما جميع الأديان تشترك في عدم التسامح والركون إلى العنف (٢).
وسيأتي معنا كلام القمني وآخرين.
أما العلماني السوري طيب تيزيني فهو أحد أكثر العلمانيين الماركسيين تطرفا، ولنترك تركي علي الربيعو يشرح لنا حقيقة الدين عند طيب تيزيني، قال: حيث يظهر لنا مشروع الدكتور تيزيني أن الدين في النهاية هو نسق معرفي بسيط، لنقل لعبة معرفية جاء بها كبار الكهنة، وهذا ما حذر منه ماركس (٣). والدين وهم إيديولوجي كبير ابتدعه كبار الكهنة (٤). والدين في المفهوم الماركسي العربي انعكاس لعلاقات اجتماعية اقتصادية إنتاجية (٥)، وهو تعبير حي عن علاقات طبقية (٦).
ومن بني بلده علماني آخر ذو أصل شيعي، لكنه ملحد لا يؤمن بدين ويهاجم
стр. 33
جميع الأديان ويسخر منها في كل تعليقاته على كتب أركون، وكذا في كتبه التي ألف. قال معلقا على كتاب أركون نحو نقد العقل الإسلامي (٦) بعد تأكيده على ضرورة إجراء عملية جراحية خطيرة للإسلام كي يوافق الحداثة.
قال عن المسلمين: وصلوا إلى مفترق طرق: فإما أن ينخرطوا في هذه العملية الجراحية الخطيرة الضرورية لمصالحة الإسلام مع الحداثة، وإما أن يستسلموا للمقادير وينقطعوا عن حركة التاريخ كليا في عصر العولمة الكونية ويصبحوا مهمشين ومرميين في مؤخرة كل الأمم.
ومقصوده بالعملية الجراحية الخطيرة طبعا تطويع أحكام الإسلام لترضى عنها العلمانية الغربية أو بالأحرى بترها والبراءة منها وجعلها شيئا من الماضي فقط تدرس تاريخيا ومعرفيا كما تدرس باقي الثقافات.
وتأمل كيف يستعمل لغة دينية لا يؤمن بها: يستسلموا للمقادير.
مع أن الذي يستحق البتر والقطع هو علمانيته الغربية.
وزاد مجنون أركون فكرته الإستئصالية وضوحا وتأكيدا فقال (٦): لو لم تخض أوروبا معركتها مع نفسها، لو لم تُصَفِّ حساباتها مع ذاتها التاريخية- أي: مع تراثها المسيحي القديم بكل رواسبه- لما استطاعت أن تقلع حضاريا وأن تسيطر على العالم.
هنا يكون هاشم صالح واضحا وصريحا، إنها تصفية حسابات مع الإسلام، الذي يخيف أوروبا وفي طليعتها عملاؤها وروادها العرب.
وزاد (٧ - ٦) فأكد أن الوعي الإسلامي وصل إلى درجة خطيرة من التفاقم حتى ظهر للأمة المهدي والمنقذ من الضلال محمد أركون.
стр. 34
وأركون وحده عند هاشم صالح من يستطيع فعل ذلك، بل حتى الجابري في نظره لا يملك التكوين المنهجي ولا العدة المفهومية والمصطلحية للقيام بذلك (٧).
وهكذا فلتكن عبادة الأشخاص.
يرفض هاشم صالح أن يُحكَم بالإسلام وفقهه، قال في الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٤٤): نحن لسنا محكومين بالماضي وقيمه ومعاييره إلى أبد الآبدين، إذا كان الماضي محكوما بفقه القرون الوسطى وتقسيم الناس إلى مؤمنين وكفار بحسب أماكن ولادتهم وغصبا عنهم، فإنا نرفضه.
وبيَّن أن الهدف هو الإطاحة بكل العقائد الدوغمائية التي تفرض نفسها عن طريق الهيبة الفوقية للنصوص التراثية أو لرجال الدين لا عن طريق المحاجة والإقناع (٤٤).
يجب تفكيك كل العقائد والثوابت الإسلامية والإطاحة بها .
هكذا يقول هاشم صالح قال: هذا ما فككه ديكارت وأطاح به، يمكن أن نقول الشيء ذاته عن العقائد اللاهوتية الإسلامية التي لم تتعرض لأي تفكيك حتى الآن والتي تفرض نفسها كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش. الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٤٥).
وزاد: هناك ركام هائل من اليقينيات المطلقة المعصومة التي تنتظر أن تفكك ويطاح بها، نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر: كل التصورات المثالية العذبة ولكن اللاتاريخية التي يحملها عامة المسلمين عن بدايات الإسلام الأولى وعن كيفية تشكل المصحف وكتب الحديث والسيرة النبوية وشخصيات الأئمة والصحابة والسلف والتابعين وتابعي التابعين .. إلخ إن كل هذا ينبغي أن يغربل غربلة شديدة على ضوء منهج الشك الديكارتي أو المنهجية التاريخية النقدية التي طبقت على التراث المسيحي من قبل، وأثبتت فعاليتها،
стр. 35
وأدت إلى تحرير الوعي المسيحي الأوروبي من كل تلك التصورات التبجيلية والأسطورية الموروثة عن العصور القديمة (٤٥).
فكل الدين بجميع أصوله وفروعه وعلومه ورجاله يجب تفكيكه من أجل تجاوزه كما فعل الغرب مع مسيحيته.
واعتبر أنه لا فرق بين المذاهب، بل والأديان، وزاد: فالمنظور القروسطي الظلامي للدين يهيمن على كل فرق السنة والشيعة دونما استثناء: التخويف من النار وعذاب القبر ومنكر ونكير وكره الحياة الدنيا والشعور بالإثم والخطيئة والذنب وكل الرعب الذي يلف الدين موجود لدى كل الطوائف والمذاهب، نحن جميعا غاطسون في غياهب العصور الوسطى (٢٢).
بل الدين كله مرعب، قال: إن التدين القروسطي مرعب فعلا، وقد تربيت عليه منذ نعومة أظفاري، قارن بينه وبين التدين المسيحي في أوروبا، هذا التدين المبتسم المتفائل الحر الخالي من كل الإكراهات القمعية والصور الإرهابية التي لا يمكن أن يعلموها للأطفال (٢٤).
ومواقف هاشم صالح هذه تنم عن كونه يعاني أزمة نفسية أكثر من موقف فكري تحرري.
وقد تحدث عن هذه الأزمة في مستهل كتابه هذا، حيث تحدث عن الرعب والخوف الذي انتابه وهو صغير من تربية والده وتحدث عن الكوابيس بسبب ملك الموت ومنكر ونكير وأفكار الخوف والرعب التي لقنها له والده الشيعي، بل هاجم والده مهاجمة شديد وتحدث عن «موقفه اللامسؤول الذي لا أستطيع أن أغفره له مهما حاولت»، هكذا قال: (٢٢ - ٢٣ - ٢٤ - ٢٦).
وقال قبل هذا: وكنت طفلا صغيرا تملؤه هذه الحكايات (منكر ونكير)
стр. 36
بالوسواس والرعب واليقين المطلق بصحتها في ذات الوقت، وكنت أتساؤل متحيرا: كيف يمكن أن يستجوبناني وأنا في القبر تحت الأرض، ألا تكفيني ملاحقات في حياتي حتى ألاحق بعد موتي؟ وهل سأنتقل من كابوس إلى كابوس؟ وما هذا التدين المظلم البائس؟ وكنت أشعر برعب لا يوصف، وحتى الاسم منكر ونكير أرعبني فعلا، وحتى عزرائيل كنت أخاف منه خوفا شديدا بعد أن وصفوه لي (٢٣).
إذن المسألة أزمة نفسية حادة نتيجة تربية منحرفة أكثر منها قناعة فكرية، ويزيدها قوله بعد أن حكى قصة حكاها له والده أن رجلا دفن وهو حي بعد أن ظنوا أنه ميت، فاستيقظ في القبر محاولا رفع التراب فوقه. وقال: هذه القصة الكابوسية انغرست في ذهني إلى درجة أنني لا أستطيع التخلص منها حتى الآن، إنها تشكل أكبر رعب في حياتي (٢٣).
الرجل مكانه مستشفى الأمراض النفسية، فيريحنا ويريح نفسه.
والدين في نظره رمز للقتل والإبادة، فزعم أن الفلسفة ما قتلت شخصا واحدا في حين قتل الملايين باسم الاهوت الديني. (٣٥٦)
هكذا بكل صفاقة وجه!! ومن قتل ملايين المسلمين والغجر والسلاف في سيبيريا وألبانيا؟ أليست الفلسفة الماركسية، وباسم من قتل النازيون الملايين والفرنسيون في البلدان المستعمرة؟
ولا يَقِل صادق جلال العظيم في التطرف عمن سبقه، فعنده: الإسلام يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية قلبا وقالبا، روحا ونصا. وهما على طرفي نقيض (١)
стр. 37
و «الدين بديل خيالي عن العلم» (١).
وجعل الإسلام الإيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي (٢).
والإسلام المصدر الرئيس لتبرير الأنظمة الرجعية وأنه مؤهل لأن يلعب هذا الدور، وقد لعبه في جميع العصور بنجاح (٣).
تجاوز الدين والمفاهيم الدينية وإقصاؤها .
قال أركون مبينا موقف العلمانية من الدين: أما الموقف العلماني فيتميز بإحداث القطيعة الجذرية مع كل ما يشرط الموقف الديني ويتحكم به. وهو يفترض - متسرعا- أن فرضية الله أو وجود الله ليست ضرورية من أجل العيش، وبالتالي فالوحي يشكل بالنسبة له ظاهرة أو معطى، مثله في ذلك مثل أيّ معطى آخر، ويمكننا أن ندرسه كمؤرخين وكعلماء اجتماع. ولكن لا يمكننا التقيد به وقبول ما يدعوه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: بالاختيار المُسْتَعْبَد، المقصود بهذا المصطلح خضوع العقل لمعطى خارجي عليه، إن الموقف العلماني يذهب في توجهه حتى هذه النقطة ... وإذن فيوجد بالفعل هنا قطيعة أساسية وجذرية مع الوحي أو معطى الوحي، لكي ينتقل المرء إلى تحقيق الاستقلالية الكلية للعقل. العلمنة والدين (٧١ - ٧٢).
وهذا كلام في غاية الوضوح أن مراد العلمانية إهمال الدين ومفاهيمه كالله ونحوه من المفاهيم الدينية وإحداث قطيعة نهائية معها.
ويزيد أركون هذا المعنى وضوحا في كتاب آخر له عن الأنسنة والإسلام (١٦٠):
стр. 38
إن السلوك الأنسني (١) الذي أدافع عنه في كتابي هذا لا يهدف إلى إصلاح ما هو داخل في إطار الانغلاق العقائدي فحسب، بل إلى الخروج من هذا الإطار بالمعنى الذي يقصده مارسيل جوشيه وغيره من المفكرين كجياني فاتيمو عندما يتحدثون عن الخروج من الدين أو عن مسيحية غير دينية.
وهذا كلام واضح كذلك، ويزيده تأكيدا قوله في نفس الكتاب (١٤٤): ذلك لأن المواضيع المطروحة في هذا الكتاب وخاصة في هذا الفصل تهدف إلى فتح الطرق وإلى اقتراح أدوات تفكير تقود إلى الخروج نهائيا وبغير رجعة من التكراريات العقائدية والمنتجات الفكرية للعصور الوسطى.
وتحدث قبل هذا (٧١) عن فهم الخلاص ومعايشته، وتحدث عن ما بعد الغيبية، وما بعد اللاهوت، بل تحدث عن ما بعد الإسلام وإسلام غير ديني.
مراده بما بعد الغيبية نهاية الغيبية، وما بعد الإسلام: نهاية الإسلام.
وإسلام غير ديني يقصد إسلام يتحدث عن بعض الروحانيات وبعض الأخلاق الفاضلة التي ترضى عنها العلمانية، لا إسلام طقوسي شعائري كما يعبر أركون في بعض كتبه.
وإذا كان مشروع أركون وكذا غيره من العلمانيين يهدف إلى تجاوز الدين، فلابد عنده من تطبيق العمليات التفكيكية التالية: الانتهاك، فالزحزحة، فالتجاوز والتخطي.
قال: هذه العمليات ينبغي تطبيقها بالطبع على التراث الديني (٢).
وقال:
стр. 39
نحن نهدف من خلال هذه الدراسة كلها إلى زحزحة مفهوم الوحي وتجاوزه (١).
بهذا الوضوح رغم الرقابة الذاتية التي يمارس على نفسه على حد تعبيره السابق لكي لا يثير حفيظة الجماهير المسلمة.
بل ذهب أركون إلى وجوب تخطي الحوار بين الأديان وبين الثقافات إلى تجاوز هذه الأديان نفسها، قال: ينبغي الانطلاق من الحوار بين الأديان وبين الثقافات أو من تحالف الحضارات بصفته أسطورة معاصرة، لكي نصل إلى تجاوز كل المواريث أو التراتاث العتيقة البالية التي عفى عليها الزمن من أجل الإعلاء من شأن التراث العام المشترك للبشرية (٢).
فحوار الأديان أو الحضارات أسطورة في نظر أركون، بل المطلوب هو تجاوز هذه الأديان من أجل ما سماه التراث العام المشترك للبشرية.
أي: سيقوم بعملية دمج بين الأديان الثلاثة، واستخراج دين مشترك ترضى عنه العلمانية يدعو المساواة والعدل وحقوق الإنسان، قال: وبما أن اليهودية هي السابقة زمنيا فإنها تصبح عندئذ مرجعية إجبارية بالنسبة للمسيحية والإسلام (٣).
إذن فقاعدة الأديان هي اليهودية فهي المرجع لباقي الأديان.
ولا يعني هذا الاعتراف بشرعية أيّ دين، فمشروعه يهدف إلى أرخنة الأصول الأولى للأديان التوحيدية، أي: الكشف عن تاريخيتها أو المغطاة بستار كثيف من
стр. 40
التقديس والتعالي (١).
يقصد بتاريخيتها بشريتها، وإبعاد أيّ صبغة إلهية متعالية مقدسة عنها.
وبالتالي سيقطع أركون مع:
١ - المحرمات العتيقة.
٢ - الميثولوجيات (أي: الأساطير) البالية.
٣ - الإيديولوجيات الناشئة (٢).
لا مكان للأساطير: الغيبيات والأنبياء والجن والملائكة والقبر والآخرة.
هنا يبدو منهج طه حسين والعقاد وهيكل غير كاف في نظر أركون، لأنه منهج اعتذاري تبريري، لابد عنده من قفزة أكبر، بل موقف أصرح وأكثر حدة (٣).
ونقل عن آن ماري بليتي: هكذا حكم على التوراة بالتجاوز لا حين تستنفد قراءاتنا المتعددة المستلهمة معناها، بل حين يغدو هذا المعنى مكتملا تماما. أما الغوص في سر هذا الاكتمال عن طريق النفاذ إلى ما وراء الكتاب الذي بين أيدينا اليوم. فذلك هو غاية الأبدية.
ثم قال: وما تقوله آ. م. بليتي عن الكتاب المقدس ينطبق تماما على القرآن. ولكن هناك فارقا جوهريا. إذ إن عمل الهدم الذي أدعو إليه في مجال الخطاب القرآني يمس جميع النصوص المسماة بالنصوص المؤسسة، بينما لا تعير الدراسات في مجال التوراة والأناجيل أيّ اهتمام لوضعية القرآن إلا بمحض