← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96927

العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام

مصطفى باحو

Полный текст (384 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالوسواس والرعب واليقين المطلق بصحتها في ذات الوقت، وكنت أتساؤل متحيرا: كيف يمكن أن يستجوبناني وأنا في القبر تحت الأرض، ألا تكفيني ملاحقات في حياتي حتى ألاحق بعد موتي؟ وهل سأنتقل من كابوس إلى كابوس؟ وما هذا التدين المظلم البائس؟ وكنت أشعر برعب لا يوصف، وحتى الاسم منكر ونكير أرعبني فعلا، وحتى عزرائيل كنت أخاف منه خوفا شديدا بعد أن وصفوه لي (٢٣). إذن المسألة أزمة نفسية حادة نتيجة تربية منحرفة أكثر منها قناعة فكرية، ويزيدها قوله بعد أن حكى قصة حكاها له والده أن رجلا دفن وهو حي بعد أن ظنوا أنه ميت، فاستيقظ في القبر محاولا رفع التراب فوقه. وقال: هذه القصة الكابوسية انغرست في ذهني إلى درجة أنني لا أستطيع التخلص منها حتى الآن، إنها تشكل أكبر رعب في حياتي (٢٣). الرجل مكانه مستشفى الأمراض النفسية، فيريحنا ويريح نفسه. والدين في نظره رمز للقتل والإبادة، فزعم أن الفلسفة ما قتلت شخصا واحدا في حين قتل الملايين باسم الاهوت الديني. (٣٥٦) هكذا بكل صفاقة وجه!! ومن قتل ملايين المسلمين والغجر والسلاف في سيبيريا وألبانيا؟ أليست الفلسفة الماركسية، وباسم من قتل النازيون الملايين والفرنسيون في البلدان المستعمرة؟ ولا يَقِل صادق جلال العظيم في التطرف عمن سبقه، فعنده: الإسلام يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية قلبا وقالبا، روحا ونصا. وهما على طرفي نقيض (١)

стр. 37

و «الدين بديل خيالي عن العلم» (١). وجعل الإسلام الإيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي (٢). والإسلام المصدر الرئيس لتبرير الأنظمة الرجعية وأنه مؤهل لأن يلعب هذا الدور، وقد لعبه في جميع العصور بنجاح (٣). تجاوز الدين والمفاهيم الدينية وإقصاؤها . قال أركون مبينا موقف العلمانية من الدين: أما الموقف العلماني فيتميز بإحداث القطيعة الجذرية مع كل ما يشرط الموقف الديني ويتحكم به. وهو يفترض - متسرعا- أن فرضية الله أو وجود الله ليست ضرورية من أجل العيش، وبالتالي فالوحي يشكل بالنسبة له ظاهرة أو معطى، مثله في ذلك مثل أيّ معطى آخر، ويمكننا أن ندرسه كمؤرخين وكعلماء اجتماع. ولكن لا يمكننا التقيد به وقبول ما يدعوه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: بالاختيار المُسْتَعْبَد، المقصود بهذا المصطلح خضوع العقل لمعطى خارجي عليه، إن الموقف العلماني يذهب في توجهه حتى هذه النقطة ... وإذن فيوجد بالفعل هنا قطيعة أساسية وجذرية مع الوحي أو معطى الوحي، لكي ينتقل المرء إلى تحقيق الاستقلالية الكلية للعقل. العلمنة والدين (٧١ - ٧٢). وهذا كلام في غاية الوضوح أن مراد العلمانية إهمال الدين ومفاهيمه كالله ونحوه من المفاهيم الدينية وإحداث قطيعة نهائية معها. ويزيد أركون هذا المعنى وضوحا في كتاب آخر له عن الأنسنة والإسلام (١٦٠):

стр. 38

إن السلوك الأنسني (١) الذي أدافع عنه في كتابي هذا لا يهدف إلى إصلاح ما هو داخل في إطار الانغلاق العقائدي فحسب، بل إلى الخروج من هذا الإطار بالمعنى الذي يقصده مارسيل جوشيه وغيره من المفكرين كجياني فاتيمو عندما يتحدثون عن الخروج من الدين أو عن مسيحية غير دينية. وهذا كلام واضح كذلك، ويزيده تأكيدا قوله في نفس الكتاب (١٤٤): ذلك لأن المواضيع المطروحة في هذا الكتاب وخاصة في هذا الفصل تهدف إلى فتح الطرق وإلى اقتراح أدوات تفكير تقود إلى الخروج نهائيا وبغير رجعة من التكراريات العقائدية والمنتجات الفكرية للعصور الوسطى. وتحدث قبل هذا (٧١) عن فهم الخلاص ومعايشته، وتحدث عن ما بعد الغيبية، وما بعد اللاهوت، بل تحدث عن ما بعد الإسلام وإسلام غير ديني. مراده بما بعد الغيبية نهاية الغيبية، وما بعد الإسلام: نهاية الإسلام. وإسلام غير ديني يقصد إسلام يتحدث عن بعض الروحانيات وبعض الأخلاق الفاضلة التي ترضى عنها العلمانية، لا إسلام طقوسي شعائري كما يعبر أركون في بعض كتبه. وإذا كان مشروع أركون وكذا غيره من العلمانيين يهدف إلى تجاوز الدين، فلابد عنده من تطبيق العمليات التفكيكية التالية: الانتهاك، فالزحزحة، فالتجاوز والتخطي. قال: هذه العمليات ينبغي تطبيقها بالطبع على التراث الديني (٢). وقال:

стр. 39

نحن نهدف من خلال هذه الدراسة كلها إلى زحزحة مفهوم الوحي وتجاوزه (١). بهذا الوضوح رغم الرقابة الذاتية التي يمارس على نفسه على حد تعبيره السابق لكي لا يثير حفيظة الجماهير المسلمة. بل ذهب أركون إلى وجوب تخطي الحوار بين الأديان وبين الثقافات إلى تجاوز هذه الأديان نفسها، قال: ينبغي الانطلاق من الحوار بين الأديان وبين الثقافات أو من تحالف الحضارات بصفته أسطورة معاصرة، لكي نصل إلى تجاوز كل المواريث أو التراتاث العتيقة البالية التي عفى عليها الزمن من أجل الإعلاء من شأن التراث العام المشترك للبشرية (٢). فحوار الأديان أو الحضارات أسطورة في نظر أركون، بل المطلوب هو تجاوز هذه الأديان من أجل ما سماه التراث العام المشترك للبشرية. أي: سيقوم بعملية دمج بين الأديان الثلاثة، واستخراج دين مشترك ترضى عنه العلمانية يدعو المساواة والعدل وحقوق الإنسان، قال: وبما أن اليهودية هي السابقة زمنيا فإنها تصبح عندئذ مرجعية إجبارية بالنسبة للمسيحية والإسلام (٣). إذن فقاعدة الأديان هي اليهودية فهي المرجع لباقي الأديان. ولا يعني هذا الاعتراف بشرعية أيّ دين، فمشروعه يهدف إلى أرخنة الأصول الأولى للأديان التوحيدية، أي: الكشف عن تاريخيتها أو المغطاة بستار كثيف من

стр. 40

التقديس والتعالي (١). يقصد بتاريخيتها بشريتها، وإبعاد أيّ صبغة إلهية متعالية مقدسة عنها. وبالتالي سيقطع أركون مع: ١ - المحرمات العتيقة. ٢ - الميثولوجيات (أي: الأساطير) البالية. ٣ - الإيديولوجيات الناشئة (٢). لا مكان للأساطير: الغيبيات والأنبياء والجن والملائكة والقبر والآخرة. هنا يبدو منهج طه حسين والعقاد وهيكل غير كاف في نظر أركون، لأنه منهج اعتذاري تبريري، لابد عنده من قفزة أكبر، بل موقف أصرح وأكثر حدة (٣). ونقل عن آن ماري بليتي: هكذا حكم على التوراة بالتجاوز لا حين تستنفد قراءاتنا المتعددة المستلهمة معناها، بل حين يغدو هذا المعنى مكتملا تماما. أما الغوص في سر هذا الاكتمال عن طريق النفاذ إلى ما وراء الكتاب الذي بين أيدينا اليوم. فذلك هو غاية الأبدية. ثم قال: وما تقوله آ. م. بليتي عن الكتاب المقدس ينطبق تماما على القرآن. ولكن هناك فارقا جوهريا. إذ إن عمل الهدم الذي أدعو إليه في مجال الخطاب القرآني يمس جميع النصوص المسماة بالنصوص المؤسسة، بينما لا تعير الدراسات في مجال التوراة والأناجيل أيّ اهتمام لوضعية القرآن إلا بمحض

стр. 41

الصدفة في تعليقات بعض الباحثين (١). يريد أركون أن عملية الهدم التي سيقوم بها لن تخص القرآن وحده، بل ستشمل جميع الكتب المقدسة التي أسست لهذا القرآن. أما برهان غليون العلماني السوري فحدثنا أن هدف العلمانية هو إقصاء التراث وإبعاده عن مناحي الأنشطة الاجتماعية والفردية (٢). وأما زكي نجيب محمود فقال في تجديد الفكر العربي (١١٠): هذا التراث كله بالنسبة إلى عصرنا قد فقد مكانته، لأنه يدور أساسا على محور العلاقة بين الإنسان والله (٣). ودعا العلماني التونسي عبد الوهاب المؤدب إلى تجاوز الشريعة وإلغاء الجهاد كليا بما فيه الجهاد الدفاعي وإلى إحداث قطيعة مرة مع التراث وأن نقوم بالحداد على الماضي (٤). واعتبر أن تحريم الخمر والاختلاط يحول المجتمع إلى سجن أو قبر (٥). ويحدثنا هاشم صالح بصراحة أكبر فيقول: إن كل التراث الموروث عن القرون الوسطى سوف نجد أنفسنا مضطرين لتفكيكه حجرة حجرة، وقطعة قطعة، ثم الإطاحة به، عشرات أو مئات الأفكار الراسخة واليقينيات المعصومة سوف تنهار كصرح من كرتون ... حقا لقد حان زمن التفكيك والتكنيس والتعزيل الكبير (٦).

стр. 42

وزاد: لا أقصد إطلاقا بأن الدين سينتهي، وإنما سيبقى منه الجوهر، أي: القيم الروحية والأخلاقية العليا، كل ما عدا ذلك من حشو وتعصب مذهبي أو طائفي سوف ينتهي يوما ما مثلما انتهى في البلدان المتقدمة في أوربا (١). وزاد: وهذا يعني أن التطور ممكن حتى في الشؤون العقائدية وعلم الاهوت، وبالتالي أرجوكم كفوا عن اتهامنا بالمس بثوابت الأمة (٢). وهذا كلام في غاية الوضوح، الهدف هو تجاوز عقائد الإسلام وثوابته وتطويعها لخدمة الحداثة العلمانية، فما وافقت سيادتها عليه قبل، وما لم تقبله فإلى الجحيم. ولن تترك لنا علمانية هاشم صالح من إسلامنا إلا القيم الروحية كالمحبة والمساواة والعدل واحترام الآخر (٣). أما البومسهولي فأكد على وجوب رفض كل وصاية إلهية على الإنسان، لأنها تحد من حركيته وحريته وانفتاحه. فلا بد في نظره من إحداث قطيعة مع تمجيد فكرة «الله» اللامتناهية، لأنها رمز للذل والخضوع والعبودية، وهذا طبعا يتنافى مع مشروعه العلماني (٤). وليست الصلة بالله هي العبودية والذل والخضوع كما عبر ابن تيمية، بل على العكس من ذلك التحرر من أيّ عبودية، بما فيها عبودية الله وتحقيق إرادة الإنسان (٥).

стр. 43

وهذا ما يعبر عنه كثير من العلمانيين بالأنسنة، أي: تأليه الإنسان، أو أنسنة الإله. وعليه فإن نظام الفتوى في البلاد الإسلامية سيتم تجاوزه لأنه يقدم نفسه كنظام للوقاية والحجر، وهذا يعارض ثقافة التسامح والحرية والكرامة (١). عندما يتحول مفكر إلى صُنبور وقِمْع لأفكار غيره فعلى الفكر السلام. وأما حسن حنفي فدعا إلى الكف عن ترقيع التراث، بل الواجب هدمه بأكمله. والدفاع عن التراث في نظر حسن حنفي جريمة لا تغتفر، وعنوان الهزيمة وسبيل لكسب المال، ومما قال: الدفاع رفض للعقل، ينشأ عن جهل أو تعصب ... تستخدمه السلطة السياسية لتغطية الواقع ومآسيه ... وعادة ما يكون الدفاع هو دفاع عن النفس ودفاع عن المنصب ورغبة في الشهرة ودخول في المزايدة، فأشد المدافعين حمية هو الذي يحصل على الغنيمة، ومن ثم ينقلب الفكر إلى تجارة والأمانة إلى خيانة، وكثيرا ما يكون الدفاع عن نفاق لا عن إيمان واقتناع (٢) .... إلى آخر تفاهته. ولهذا أخذ على إخوانه العلمانيين بأنهم يبنون فوق بنيان متهدم قائم، دون أن يكملوا الهدم ليعيدوا البناء من جديد (٣). وفي ظل مشروع «التراث والتجديد» يجب التخلي عن لغة اللاهوت الإسلامي: إله، رسول، ثواب وحساب وعقاب وملاك وشيطان ... إلى آخره،

стр. 44

فهذه اللغة في نظره مغلقة خاضعة للرمز الديني (١)، وبالتالي يجب تجاوزها لأنها لم تعد تعبر عن متطلبات العصر، نظرا لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التي نريد التخلص منها. ولأنها أصبحت لغة عاجزة عن أداء مهمتها في التعبير والإيصال (٢)، واستعمال لغة أخرى أكثر عقلانية وانفتاحا وإنسانية مثل الإنسان والعقل والنظر والعمل والفضيلة (٣). لا يكتفي حسن حنفي بتجاوز المفاهيم والمضامين، وإنما يريد تجاوز المصطلحات كذلك، لأنها حجر عثرة أمام مشروعه التجديفي عفوا التجديدي. وشرح لنا في كتابه من العقيدة إلى الثورة مشروعه التجديدي هذا. فذكر أن علم الكلام أو علم أصول الدين سيتحول إلى علم جديد اسمه: الإنسان والتاريخ. وبدل الإلهيات: الإنسان. وبدل السمعيات: التاريخ. وبدل الذات: الوعي الخالص. وبدل الصفات: الوعي المتعين أو الشخصية الإنسانية. وبدل خلق الأفعال: الحرية. وبدل النبوة: تطور الوحي. وبدل المعاد: مستقبل الاإنسانية. وبدل الأسماء والأحكام: النظر والعمل. وبدل الإمامة: الحكم والثورة (٤). وهكذا نكون قد جددنا كل القديم، وليس الأمر مقتصرا على تغيير مصطلحات، بل تغيير مضامين ومفاهيم، فعوض الحديث عن المعاد والآخرة، في مشروع «التراث والتجديد» سنتحدث عن المستقبل البشري، وعوض الحديث عن الله وأسمائه وصفاته، سنتحدث عن الإنسان ووعيه.

стр. 45

وعوض الحديث عن النبوة سنتحدث عن تطور الوحي، أي: دراسة تاريخية مقارنة لتطور الوحي عبر العصور. بل الأكثر من هذا حوَّل حسن حنفي الوحي إلى الطبيعة والميتافيزيقي إلى الفيزيقي، وكل إنجاز بشري في مجال معرفة الطبيعة والواقع إضافة للوحي واستمرار له، بل قال أبو زيد: وفي هذا الفهم لا يكون الوحي مجرد واقعة حدثت في الماضي عدة مرات ثم توقفت، تاركا شأن البشرية سدى، بل الوحي اسم يطلق على النشاط الذهني للإنسان في كل زمان ومكان (١). ومع أن هذا المشروع يهدف إلى زعزعة العقائد الإسلامية وطحنها وعجنها في صورة مناقضة لها، فهو في نظر مَنْ حكمتْ محكمةُ القاهرة بردته نصر حامد أبي زيد عمل ناقص، بل يريد هو اجتثاث هذه العقائد من الأصل. فمشروع حسن حنفي في نظره مجرد طلاء، ومشروع تلفيقي وتلويني (٢)، أقرب إلى الإخفاق منه إلى النجاح (٣)، وأنه تحويل تجديد التراث إلى تجاور بين القديم والجديد (٤). وهذا طبعا لا يرضي أبا زيد، إنه يريد الجديد فقط، وأما القديم فالمكنسة له بالمرصاد. وأبو زيد وإن انتقص عمل صديقه ورفيق دربه حسن حنفي إلا أنه قال عنه: إنها محاولة مشروعة لتحويل اللاهوت إلى انتروبولوجيا والإلهيات إلى إنسانيات (٥). وزاد أبو زيد في إطار إظهار إيجابيات مشروع حسن حنفي أن

стр. 46

العقائد الإسلامية مجرد تصورات ذهنية، أكثر من كونها عقائد دالة على وجود مفارق، وأن الله ليس ذاتا موجودة مفارقة للوعي الإنساني، بل هو مبدأ معرفي خالص (١). أي: العقائد الإسلامية تصور ذهني لا أقل ولا أكثر. فالله والجنة والنار والمعاد والحساب والعقاب وغيرها تصورات يتصورها الذهن لا أنها موجودة في نفس الأمر. وعوض مشروع حسن حنفي التلفيقي كما يقول نصر أبو زيد فله مقاربة أخرى لتجاوز التراث نحو التجديد: فدلالات النصوص عند أبي زيد ثلاثة: ١ - شواهد تاريخية لا تقبل التأويل المجازي أو غيره. ٢ - دلالات قابلة للتأويل المجازي. ٣ - دلالات قابلة للاتساع على أساس المغزى (٢). فالنصوص عنده إما تاريخية تجاوزها الزمن، وإما مجاز، وإما مغزى. فنصوص الحجاب مغزى للعفة، والعفة متغيرة حسب الزمان والمكان، وقد يكون من العفة لبس (الشورت) للمرأة في الرياضة في هذا الزمان. وضرب لنا أبو زيد أمثلة عديدة لهذه الدلالات فذكر من النصوص ذات دلالة تاريخية التي يجب تحويلها إلى متحف التاريخ ولم يعد لها معنى في زمان أبي زيد: ملك اليمين (٢١٥) والجزية والموقف من الكفار (٢١٦) ونصوص السحر والحسد والجن والشياطين (٢١٨). فكل هذه المفاهيم كانت مناسبة لبيئة بدوية تقليدية، وبعبارة سَيِّدِه سوسير:

стр. 47

هي مفاهيم ذهنية، لأن اللغة قد تشير إلى مفردات ليس لها وجود عيني (٢١٩). وهكذا نصوص الربا (٢٢٠)، فكلمة «الربا» تجاوزتها اللغة في الاستعمال لاختفاء الظاهرة التي تدل عليها من المعاملات الاقتصادية (٢٢٠). وعليه أردف قائلا: والحقيقة أن النظم البنكية لا تتعامل بالربا، بل تمنح أرباحا للمودعين وتجني فوائد من المقترضين (٢٢١). وأما المغزى: فالمعنى عنده يمثل المفهوم المباشر لمنطوق النصوص، والوقوف عند المعنى تجميد النص في مرحلة محددة وتحويله إلى أثر أو شاهد تاريخي. وأما المغزى فهو محصلة لقراءة عصر غير عصر النص، وضرب لنا مثلا بميراث البنات. فلما حلل أبو زيد عصر النص وجد أن النص أحدث حركة تتجاوز الوضع المتردي للمرأة وتسير في اتجاه المساواة المضمرة والمدلول عليها في الوقت نفسه (٢٣٦). ١ إذن فالمغزى من تشريعات القرآن حول ميراث البنات وكونه على النصف من الذكور هو التحرك نحو المساواة تدرجا من وضع أكثر ترديا إلى وضع أعلى زمن النص. ولكن الهدف النهائي هو المساواة. بل ما قيل هنا يقال حسب أبي زيد دائما في وضعية المرأة عموما التي نقلها النص من وضع جاهلي منحط إلى وضع أعلى منه. وهذا هو المعنى، ولكن أبو زيد يريد المغزى، أي: المساواة مطلقا. فالنصوص القرآنية تعتبر الأنصبة طبقا لعلاقات العصبية الأبوية. وهذا طبيعي في المجتمع القائم على تلك البنية العصبية. وأما المغزى النَّصْري البوزيدي فهو العدل وتوزيع الثروة (٢٣٧). وهذا ما سماه أبو زيد في كتابه الآخر الإمام الشافعي (١٩٠) بالتحرر من سلطة النصوص.

стр. 48

قادت أبو زيد تحليلاته إلى مستوى أعلى، فاستند في كتابه النص والسلطة والحقيقة (١٠٩) إلى ما سماه: المسكوت عنه في بنية الخطاب، وأكد لنا أن هذا المسكوت عنه ليس هو الفحوى أو لحن الخطاب المذكورين في أصول الفقه. بل هو سياق أعمق، بحيث يمكن لنا أخذ دلالة معكوسة لدلالة النص. وضرب لنا أبو زيد مثلا: فذكر أن القرآن تحدث عن الجن بناء على الثقافة السائدة آنذاك، أي: البيئة الثقافية في جزيرة العرب، حيث الإيمان بالجن هو الشائع، لكن بتحليل السياق اللغوي في القرآن على مستوى أنسنة الجن بتقسيمهم إلى مؤمنين وكافرين، وعلى مستوى مرجعية الضمائر (أي: الغائب)، وعلى مستوى مصادرة حق الجن في الاستماع إلى أخبار السماء عن طريق محاصرتها بالشهب الحارقة الراصدة للجن، ليستخلص أبو زيد بجزم تام وخفة وطيش كبيرين: أمكننا القول: إن النص يلغي وجود الجن بدلالة المسكوت عنه المستخرجة من تحليل السياق اللغوي (١). ما شاء الله، ما شاء الله!! يا لها من تحليلات دقيقة، تدل على البراعة التامة والعمق المعرفي!!! إنها حقا الإيديولوجية النفعية التي نعاها على غيره. هذه هي دائرة الصمت والمسكوت عنه في بنية الخطاب كما قال العلامة الهمام أبو زيد!. والأكثر من هذا أن هذه القراءة النصرية تتعدد إلى ما نريد قراءته، قال: ولا شك أن تحليل مستويات السياق اللغوي في بنية النصوص الدينية بإدخال مستوى المسكوت عنه- ناهيك بمستويات هذا المسكوت عنه المتعددة بتعدد مستويات القراءة، يمكن أن تساعدنا إلى حد كبير في فهم أعمق- وأكثر علمية- للنصوص (٢). هذا هو مشروع أبي زيد لتجاوز الدين وإقصائه. وقال

стр. 49

محمد خلف الله في الأسس القرآنية للتقدم (٤١): تبقى بعد ذلك عملية تحرير العقل البشري من السلطة الدينية المتمثلة في نظام النبوة (١). وقال علي حرب في الممنوع والممتنع (٢١٩): فإنني لا أتعامل مع هويتي القومية أو الدينية كجوهر ما ورائي أو كعنصر نقي أو كبنية ثابتة أو كحقيقة متعالية أو كشعار مقدس، بل أتعامل معها كشرط يمكن تغييره أو تجاوزه. وأول الطريق عنده (٢٢٢) هو التحرر من أيّ تقليد أو نموذج، من كل مسبق يتحكم فيما نرى التفكير فيه أو عمله. ولا مقصود من هذا الكلام إلا الدين. وزاد (٢١٥) أن خطاب الهوية لا معنى له وسلاح تقليدي لا فعالية له. وطالب بالتحرر من النص الديني واعتبره شرطا لقراءته قراءة جديدة مغايرة خلاقة (٢١٨). وحضور التراث فينا -عنده- ليس الحضور الأغنى والأبهى، بل يحضر كأثقال نجرها وراءنا كسلاسل تكبل حركتنا (٢١٨). وطالب جورج قديس باستبدال التعاليم الدينية في المدارس بتعاليم أخرى إنسانية تبحث فيما هو مشترك بين البشر من حيث هم بشر (٢). يريد منا جورج قديس تجاوز وإقصاء تعليم الدين من المدارس وأن نستبدله بتعاليم إنسانية مشتركة بين البشر. وقال خليل حيدر: القرآن والسنة إن صلحا لعصر فلن يصلحا لنا الآن. وقال: إنني مع الرأي القائل بأن مزج الدين بالسياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة يعرقل التطور كما وكيفا، ويسبب آلاما لا آخر لها بدون مبرر (٣).

стр. 50

السخرية والتكذيب والتشكيك بعقائد وشرائع وثوابت دينية . ولنبدأ بسيد القمامة، فذكر في انتكاسة المسلمين (١٦٧) أن الله قام بإبادة جماعية بطوفان نوح. وقال كذلك مستهزءا بالأديان (٢٥٠): لقد نجحت القيم الإنسانية في توحيد البشرية وتوجيهها نحو قرية واحدة، بينما لم يتمكن أيّ دين من ذلك، وعندما أرسل الله نوحا وأحدث الطوفان، كان الهدف من هذا القرار الرهيب في حق الإنسانية كلها هو التخلص من الآخرين غير المؤمنين لتوحيد البشرية، ومع ذلك لم تتوحد البشرية، فجاء بعد نوح من خرجوا على الدين مرة أخرى. إلى أن قال في انتكاسته (٢٥١): بينما القيم الإنسانية (١) هي التي أدت للإنجاز الذي يتحقق اليوم تدريجيا لتوحيد البشرية بالعولمة، دون دمار وطوفان وخراب ديار وإبادة الإنسانية على الأرض، إنما بمؤتمرات وحوارات بين الثقافات وما تقوم به اليونسكو الآن في حوارات القرن الحادي والعشرين. فالله رغم طوفانه لم يستطع توحيد البشرية حسب القمني، بينما العلمانية استطاعت ذلك بفعل العولمة التي تقوم على الحوار والمؤتمرات لا بالطوفان. هكذا يتم اختزال العولمة الامبريالية الرهيبة المتوحشة حسبما تقول الأدبيات الماركسية التي كان يدين بها القمني في يوم من الأيام. وهكذا يسخر من الدين وإلهه!!. وكرر سيد القمامة مرارا في كتابه انتكاسة المسلمين إلى الوثنية (١٥٣) أن الفراعنة والبابليون أسسوا حضارات ودولا عريقة، بينما الإسلام في نظره لم ينشأ دولة ولا حضارة كما تقدم عنه. بل يرى أن تلك الحضارات الفرعونية والبابلية

стр. 51

وغيرها كنت متحضرة وتتمتع بالخلق الرفيع. وأما تاريخ الإسلام فدماء وأشلاء وقتل وسلب ونهب لا غير. ومن أعجب ما رأيته لهذا الزنديق في معرض بيانه فضل القيم الوضعية على القيم الدينية: تفضيله قيم فرعون على قيم نبي الله إبراهيم، والقيم الوضعية لملك مصر على قيم الأسباط الكرام. وكيف أن نبيا من أولي العزم من الرسل لم تمنعه قيمه الدينية من التفريط في زوجته سارة، بينما قيم فرعون مصر دفعته إلى إرجاعها له وتزويدها بخير عظيم (١٥٣). وزاد: «القيم السماوية لم تمنع الأسباط الكرام من بيع أخيهم يوسف طفلا في سوق النخاسة، بينما القيم الوضعية المصرية هي التي أعطت الفرصة ليوسف عندما أثبت المهارة ليتبوأ منصب وزير خزانتها، وهو غير مصري، وهو المبيع لها عبدا» (١٥٣). ولا أظن أن في تاريخ الزندقة منذ ظهور إبليس إلى يومنا هذا أن زنديقا تفوه بكلام يشبه هذا الكلام. فهنيئا للقمامي باختراعه العجيب. يزيد اللعين فيؤكد أن القيم الدينية «نتج عنها من تفشي جرائم التحرش والاغتصاب بنسب غير معهودة في بلادنا، وتفشي التقوى ومعها الفساد والنصب والاحتيال بشكل لم يسبق أن عرفه تاريخنا سوى أيام المماليك والهكسوس» (١٥٤). واعتبر أن القيم الإنسانية أي: العلمانية هي الأصدق من القيم الدينية (١٤٦ - ١٤٧). ومدح مرارا القيم الإنسانية أي: العلمانية مدحا منقطع القرين، وأنها هي القيم المعتبرة والتي يجب الأخذ بها، وأن القيم الإسلامية قيم ذاتية خاصة.

стр. 52

ونص (٢٥٠ - ٢٥١) أن القيم الإنسانية حققت للبشرية السعادة التي لم تحققها لها الأديان. وهذا ازدراء للأديان وطعن فيها وكفر بالله العظيم. وأنكر على من يتحدث عن القيم والأخلاق وقال: بينما لديه زنى شرعي بألوان زواج لا تشكل أسرة، ولديه اغتصاب شرعي لركوب ملك اليمين والإماء والزوجة الطفلة (١)، ولديه الجنة وإن زنا وإن سرق، وله ارتكاب كل المعاصي بشرط غسلها بالحج أو بالتوبة أو باحتمال بعض العذاب الأخروي الذي سيدخل بعده الجنة حتما، فقط لأنه شهد للإله بأنه الإله وأن محمدا نبيه ورسوله، وهو كله ما لا علاقة له بقيم أو بأخلاق (٣٩). ولا أدري ما دخل القمني في القيم الإسلامية؟ وبنو جلدته العلمانيون تجاوزوا هذا الخطاب البدائي المرتكز على التراث، إن العلمانية التي ينادي بها أسيادك تعني القطيعة التامة مع القيم والأخلاق الإسلامية قطعا باتا نهائيا، فدعنا وديننا وقيمنا، وإنه بإمكانك الحديث مثلا عن أصناف العاهرات وأشكال الخنا واللواط وأصناف الشقروات المليحات، وكيف السبيل إليهن، وأنواع الخمور الجيدة. وعوض حديثك عن ركوب ملك اليمين في الإسلام لك أن تتحفنا بالحديث عن ركوب الشواذ والأطفال، لأن علمانيتك تبارك هذا وتدافع عنه، بل وركوب المحارم ما داموا موافقين، وتبادل الزوجات، وعلمانيتك تبارك كل هذا. وأما قوله عن ارتكاب العبد للمعاصي ما دام سيغسله بالحج، مما يؤكد أن الرجل في حاجة لمن يرحمه لينقله إلى جناح العناية المركزة في مستشفى الأمراض العقلية. ومع أنني لست في حاجة إلى تبيين المبين، ولكني أذكر بأن القاعدة الإسلامية

стр. 53

تقول: إن العبد إذا ابتلي بذنوب ومعاصي لا يرضاها الشرع، بل ينهى عنها ويحرمها، فحج بعدها فإن الله لسعة رحمته ورفقه بعباده العصاة يكفر عنهم سيئاتهم ويغفر لهم. وهذا منطق مفهوم عند كل من له عقل مستقيم يفهم الخطاب العربي. لكن من أَلِف القمامة سيقرأ هذا قراءة معكوسة تناسب منطقه القمامي. وسخر القمني من سنة الأضحية والرجم وتقبيل الحجر والطواف بالكعبة فقال: فإن طقس الذبح في الحج هو قربان للإله، بينما هو في نظر القيم الإنسانية إهدار بلا ثمن لثروة حيوانية هائلة، وعملية وحشية بلا معنى، تجز ملايين الخراف دون أيّ عائد سوى تركها لتتعفن، وظل أمرها طويلا محل أخذ ورد حتى أمكن التصريح بتعليبها وتصنيعها. ناهيك عن رجم إبليس الحجري وتقبيل حجر نيزكي وتقديسه والطواف حول بناء حجري، كلها طقوس دينية يقبلها المؤمن ويسلم ويطيع، لا مجال فيها لمناقشة أو حوار، لذلك يجب ترك الدين دينا، وعدم خلطه بغيره يصيب العقل بالاضطراب ويصيب الواقع بالكوارث، ويصيب الدين بما لا نحب ولا نشتهي (١). يعني أن هذه الطقوس لا يقبلها عقل ولا علم، فلهذا يجب ترك الدين دينا كما قال لخرافيته وبعده عن كل منطق. واستهزأ بقصة ابني آدم التي ذكرها الله في القرآن، ومما قال: قابيل عندما رفض الرب خضرواته التي قدمها له قربانا، واستطاب اللحم قربان أخيه هابيل، لم يحاول أن يسأل نفسه عن سبب رفض الرب لقربانه، ولم يحاول أن يطرح على نفسه وسائل أخرى قد يقبلها الرب فيجرب ويحاول مرة تلو أخرى حتى يحقق

стр. 54

مراده، إنما على الفور قتل ربع الإنسانية حينذاك ممثلة في أخيه هابيل ... (٢١١). فالله استطاب اللحم وأباد ربع البشرية في نظر القمامي!!!. وبعد صفحتين (٢١٣) تعجب من كون الشريعة التي هي من عند الله لم يستشرنا ربنا عندما وضعها لنا ولا أخذ رأي أحد فيها ولا حتى أنبياءه ... وفي كتابه الآخر أهل الدين والديمقراطية (٧٩) قال: لأن لدينا الكثير في تراثنا يستحق منهم السخرية بينما هو عقائد عزيزة علينا ونؤمن بها عن يقين كالتداوي ببول الجمل وناقة صالح التي ولدتها صخرة والحصان الطائر المعروف بالبراق. وذكر في انتكاسة المسلمين أن الأوامر الدينية والاملاءات هي السبب الأول في ظهور الشر (٢٦٧ - ٢٦٨). وختمه بقوله: كلما زادت القيود والفتاوى والخطوط الحمراء، قلَّت الحرية، واستفحل الشر (٢٦٩). من هنا وفي ظل قمامة القمني حتى نقول بوجود قيم حقيقية لا أوامر مفروضة يجب أن يكون الخمر والماء في السوق، عندها يمكن القول إننا أصحاب قيم عندما نختار، وحيث لا توجد سوى سلعة واحدة فلا (٢٧٢). في مقطع آخر يصور القمني نبينا ﷺ كزعيم عصابة، وكيف أنه قام باتخاذ إجراءات متتالية لا تهدأ، عبر القيام بمجموعة من الاغتيالات لرؤوس المعارضة (المنافقين) إعلانا على أن السيف المحمدي ما زال قويا مقتدرا عنيفا، وأن الدولة مستمرة مهما كلف من أرواح (١). يتخيل إليك كأنك تقرأ لمستشرق صهيوني عنصري متطرف حاقد على الإسلام والمسلمين. بل الأكثر من هذا والأخطر أنه -خلافا للعالمين- فإن نبينا

стр. 55

- ﷺ أول ناقض للعهد مع معاهديه اليهود (١). وأن الإسلام نقض عهود الأسرة فقتل الابن أباه كما فعل أبو عبيدة والأخ أخاه (٢). وأن نقض النبي ﷺ للعهد انتهى بمجزرة قريظة (٣)، واعتبر أن ما فعله النبي ﷺ في حق قريظة لما نقضوا العهد جريمة في حق الإنسانية (٤)، وأنه مجزرة بكل المعاني (٥). هكذا يدافع عن إخوانه الصهاينة، وسيأتي معنا مغازلته لهم، وتنديده بقوى المقاومة. لا يرى القمني في ديننا وتاريخنا إلا ما هو بئيس وحقير ومخز، ولهذا يستسهل ركوب أية موجة شاذة، لا يهم صدقها المنطقي ولا ظهور ضعفها، المهم ما دامت تؤدي غرض التحقير والسخرية والازدراء، فهذا هو الهدف المنشود والمشروع. فخلافا لكافة الباحثين الغربيين والعرب، كرر القمني من غير ملل أن النبي ﷺ لم ينشئ دولة، وإنما كانت له كونفدرالية قبلية (٦). وتجمعا قبليا يحتشد حول فكرة وإيديولوجيا (٧).

стр. 56

وكان رعيا خراجيا طفيليا (١). ومجتمعا بدويا بدائيا عصابيا (٢). قام على مبدأ عنصري طائفي (٣). بينما الروم والفرس كانت لهم دول قائمة (٤). وكذلك كان العهد في خلافة الخلفاء الراشدين حكم قبلي لا دولة (٥). وأكد هذا فيما بعد (٦) حين قال: فاكتفى الراشدون في إدارة شؤون الناس بعادات القبيلة. وقال: هي إذن قبيلة كبيرة يديرها مزاج كبرائها ولم تكن دولة قط (٧). غيره من العلمانيين يقولون: إن النبي ﷺ وخلفاءه أقاموا دولة. لكن الظروف تغيرت ونحن في حاجة إلى مفاهيم عصرية للدولة المدنية بشروط ديمقراطية معروفة. وهذا قول أعقل من قمامة القمني التي تنكر المحسوسات وتكفر بالبديهيات. فأنت ترى كيف سخر من الله والنبي ﷺ ودينه، وسيأتي معنا أشياء لا تعد ولا توصف من ازدراء للشريعة ولأحكامها ولعقائد الإسلام ولصحابة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، بل سخر من عمر ومن عدله، مما يثير شبهات وتساؤلات عديدة حول ما يبطنه الرجل ويتستر به.

стр. 57

أصل الدين والإسلام بعد أن تحدثنا عن موقف العلمانية من الدين، سواء بالطعن فيه، أو بالدعوة لتجاوزه وإقصائه، أو بالاستهزاء بأصوله وقواعده، رأيت أن أفرد هذا المبحث وإن كان يمثل لونا من ألوان الطعن، ولكنه طعن في الصميم، أو لنقل: إنه نقض للدين من أساسه وجذوره، واعتباره مجرد وهم، من صنع بعض الكهنة. فقد أجمع علماء الاجتماع الغربيين على أن الأديان صنع بشري محض، أي: إفراز تاريخي اقتضاه التطور البشري. بدأ أولا في شكل أساطير، أملاها الخوف من القوى المجهولة والظواهر الطبيعية الكبيرة، ثم تطور الأمر إلى تعدد الآلهة، واتخاذ كل قبيلة أو مجموعة قبائل إلها خاصا بها، ثم تطور الأمر إلى توحيد الآلهة على يد الأديان التوحيدية الثلاثة، ثم تطور الأمر نحو العقلانية. وعندهم الظواهر الاجتماعية هي التي شكلت الدين وصنعته وطورته. وعند فرويد: الأديان مجرد وهم من أوهام الجماهير، نشأت نتيجة لضرورة حماية الإنسان لنفسه من قوى الطبيعة. والدين عصاب وسواسي يصيب البشر كافة، وإن الله ابتكار بشري يمجد الأب المثالي ويصبح ملجأ خارقا للطبيعة يعتصم به كل من أفزعته الحياة (١). وعند ماركس: الدين أوهام وخيالات انعكست عن الوضع الاقتصادي، وضعه المحتكرون البورجوازيون لتخدير الطبقة الكادحة والسيطرة عليها (٢). وأما

стр. 58

الله والآخرة والأسرة والأخلاق والفضيلة فكلها هراء برجوازي. والدين عند ماركس كذلك مرحلة من مراحل التطور البشري، بل بشَّر ماركس بهزيمة الآلهة وإبطال الأساطير وهزيمة القدسي أمام التقدم العلمي والتكنولوجي (١). تلقف العلمانيون هذا الكفر البواح الذي يكذب القرآن والسنة، بل والأديان كلها وروجوا له: منهم عبد المجيد الشرفي في الإسلام بين الرسالة والتاريخ (١٢)، بل اعتبر الدين ظاهرة مرضية يمكن تجاوزها. ومنهم فرح أنطون، فقد رفض الدين باعتباره طفولة البشرية (٢). ومنهم أبو القاسم حاج حمد وزكي نجيب ونوال السعداوي (٣). ومنهم العلماني المغربي أحمد عصيد، قال: لقد تطور العقل البشري من الإيمان بالخوارق والأساطير إلى التنظيم المعقلن للحياة وعبر ذلك انتقل من الآلهة المتعددة إلى الحاكم والإله، ثم التوحيد السماوي ليستقر عند اكتشاف قدراته العقلية والتمتع بمغامرة البحث عن الحقيقة خارج الثوابت المطلقة (٤). ومنهم رفعت السعيد، فالدين عنده هو مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي (٥). ومنهم شبلي شميل، والدين عنده أصله الخوف (٦). ومنهم محمد أركون قال عن تفضيل المسيحية على غيرها من الأديان: وذلك لأن تفضيل دين

стр. 59

معين على بقية الأديان بشكل مسبق يولد ردود فعل هائجة، وينبغي ألا نسقط في هذا المطب. فالمسألة هي مسألة تطور تاريخي ليس إلا (١). ومنهم عبد الخالق حسين، الذي ذكر أن الفكر البشري مر بثلاث مراحل: المرحلة اللاعقلانية (الخرافات والغيبيات والأساطير)، والمرحلة العقلانية (الفلسفة والأديان السماوية (٢))، والمرحلة العلمية أو الحداثة (٣). ومنهم فالح مهدي، الذي قال في البحث عن منقذ (٢١٩ - ٢٣٩) عن النظرية الدينية في تعليل الظواهر والأحداث الفكرية والتحولات الاجتماعية الهامة: وهي في النهاية وليدة عجز فكري وخوف ووهم عند الإنسان البدائي، عندما أراد تعليل تلك الظواهر ... فعجز الإنسان وضعفه أمام قوى الطبيعة جعله يلجأ إلى الخيال الساذج ليطلق له العنان وليغذيه بالخوارق (٤). ومنهم عصام الدين حفني ناصف الماركسي في اليهودية بين الأسطورة والحقيقة (١١ - ١٢)، حيث قرر أن الدين نشأ من الدهشة والرعب إزاء قوى الطبيعة، تم توهم الإنسان وجود أرواح لهذه القوى، تم عزا ما يحدث في الكون لهذه الأرواح ثم قاده ذلك إلى عبادة الطوطم وإلى نشوء التابو (الحرام) (٥). فالدين ليس أكثر من وهم ومجموع تابوات، كما يرى عصام الدين حفني ناصف (٦).

стр. 60

تنطلق هذه النظرية من قاعدة إلحادية تقوم على عدم وجود إله للكون، وتفسر ظهور الدين في المجتمعات بمثابة استجابة لظروف خرافية معينة، قبل أن يتطور العقل البشري فيفهم الظواهر فهما علميا. وكل هذه العقائد الدينية والتشريعات تكونت وترسخت مع مرور الزمن لأسباب يذكرونها. وإذا كانت النصوص الدينية تنطلق من قاعدة إيمانية على وجود الله. وأن في الكون خيرا وشرا. والله يرسل رسله لهداية الناس وإرشادهم لطريق الخير وتحذيرهم من طريق الشر. ورتب جزاء في الآخرة لمن سلك طريق الخير أو الشر. وهذا هو لب جميع الأديان وعليه تدور. وتلقف العلمانيون النظرية الملحدة السابقة وروجوها كأنها حقائق مستنتجة في ضوء التحليل المخبري، مع أنها لا تعدو أن تكون آراء شخصية لها خلفيات إيديولوجية وإلحادية. فخلفها عقيدة مسبقة تتحكم فيها. «بالرغم من ادعاءاتها بأنها ترتكز إلى منهج التحليل العلمي، فمنهج التحليل العلمي يصبح هنا، ليس أكثر من شعار زائف من بين الشعارات الزائفة العديدة التي عاشتها الساحة التقدمية العربية في العقود الأخيرة». كما يقول تركي علي الربيعو في أزمة الخطاب التقدمي (٧٠). وللأسف لا توجد بحوث إسلامية رائدة في هذا الباب، وكثير من علمائنا المعاصرين مشغلون بتكرار الشروحات والبحوث والتحقيقات لما حقق مرارا، وهذا أصل إلحادي كبير، يدعي أصحابه ارتكازه على أصول علمية، لم يتفرغ أحد لدراسته دراسة وافية. ولا زال علماؤنا على مر التاريخ هم الحامي الأول للأمة ومجاهد أعدائها في الصف الأول. حتى غدى فقهاؤنا المرجع الوحيد لكافة العقائد والفلسفات والنظريات السابقة، عرضا ونقدا وتاريخا.

стр. 61

وللأسف خَفَت دورهم اليوم وتقلص إلى علوم شرعية معينة، بينما تركت أبواب العلوم الإنسانية لفلاسفة الفكر الغربي ومقلديهم العرب. ومنهم سيد القمامة القمني، فقد حكى في كتابه الأسطورة والتراث (٢٤) أن هناك شبه اتفاق على أن الدين الابتدائي في ظهوره مثل الأسطورة، نشأ نتيجة الجهل المعرفي والأمل فيما هو أفضل من الحادث فعلا، مع بعض الخيال اللازم بالضرورة عن الجهل والأمل. ثم حكى اتفاق العلماء (١) تقريبا على ترتيب مراحل الاعتقاد الرئيسة، بدءا من عبادة ظواهر الطبيعية، ثم عبادة الأجداد أو العكس في بعض المدارس، ثم عبادة أرواح نصف مادية، ثم عبادة آلهة متعددة، ثم إله قومي واحد، ثم إله عالمي. كما اتفقوا على أن ضعف الإنسان جسديا وعقليا اتجاه الطبيعة وامتنانه لعطائها كان الثغرة التي دخلت منها التصورات الدينية (٢). وذكر قبل أن هذا ما قاله العلماء الثقات (٣). وفي كتابه انتكاسة المسلمين إلى الوثنية (١٥٧) ذكر أن تطور الفكر البشري جاء على مراحل أولها الاستعانة بالسحر والتعاويذ والقرابين، ثم تعدد الآلهة، ثم توحيد الآلهة في إله واحد، إلى أن جاء التفكير العلمي مع الثورة الفرنسية (٤). وفي مقال «العلمانية ليست ضد الدين وهي مفتاح الحداثة المعاصرة» قال

стр. 62

العفيف الأخضر: معك الحق. الدين، كما تعلمنا سسيولوجيا الأديان، هو مجموعة من المعتقدات والشعائر تجيب عن حاجة الإنسان الهش اجتماعيا ونفسيا إلى الحماية الأبوية وإلى العزاء والسلوى كما يستجيب لحاجة نرجسية عميقة في اللاشعور هي الرغبة في قهر الموت بالخلود، إن لم يكن في هذه الحياة ففي حياة ثانية (١). فالدين عند العفيف الأخضر هو حاجة نرجسية للإنسان الهش اجتماعيا ونفسيا كنوع من العزاء والسلوى للأوضاع التي يعيشها، أو لنقل بعبارة أوضح: إنه حالة مرضية يلجأ إليها العاجز والمقهور للتعويض عن بؤسه وحرمانه. وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة، وهي التالية: الأسطورة جزء أصيل من بنية الخطاب الديني. تقدم معنا أن جل العلمانيين على أن الأديان مرحلة فقط من مراحل تطور العقل البشري، بعد الأسطورة. وفي ظل الأديان تمت إعادة صياغة الأساطير بأساليب مختلفة. وما الإسلام إلا دعوة ناجحة من دعوات أخرى سبقته في توحيد العرب، تم مزج الأساطير القديمة فيه مع الموروث الديني الموجود في جزيرة العرب أو المحيط بها. لكن ما هي الأسطورة عند العلمانيين العرب أنفسهم؟.

стр. 63

حقيقة الأسطورة: الأساطير حسب القمني المتخصص في دراسة الأساطير خرافات وتلفيقات بدائية لا أساس لها (١). وهي مجموعة خرافات وأقاصيص (٢). وترتبط باللامعقول عادة (٣). وهي مجهولة الأصل والمؤلف، بل وأحيانا المنشأ والتاريخ (٤). وموضوعها: الآلهة والأبطال (٥). وهي حسب الربيعو: مرادفة للبدائية والسذاجة والتخلف (٦). وهي وهم وخيال ابتدعه الإنسان لمواجهة مشكلاته الكبرى (٧). والأسطورة عند فالح مهدي هي مجموعة حكايات لا عقلانية وخرافية (٨). وعرفها ماركس بـ: سذاجة الطفل (٩). وهي تتضمن الخيال والوهم السحري غير المترابط أو غير المعقول أو غير المرتبط فيه السبب بنتيجته (١٠). والأسطروة هي الميث، والميثولوجيا هي دراسة الأساطير. الدين الإسلامي مليء بالأساطير . الأساطير السومرية والبابلية والكنعانية والأشورية والمصرية والفنيقية هي

стр. 64

الأصل الذي بنيت عليه الأديان. قال سيد القمامة القمني عن الأساطير: إنها تسربت إلى الأديان الكبرى، وضمنها الإسلام لتصبح مقدسات (١). وزاد: كل الأديان مليئة بالأساطير وليس الإسلام وحده (٢). وقد انتقلت إليها ومنها الإسلام من الأساطير القديمة المصرية والبابلية والفينيقية (٣). وزاد أن التراث الأسطوري جزء لا يتجزأ من الدين، وأصبح لبنات ضمن البنية الدينية (٤). وكان السحر والدين ممتزجين، كما ذكر أركون (٥) وخليل عبد الكريم (٦) ثم تطور الدين والسحر فصار كل في طريقه وانفرد بطقوس وشعائر خاصة به (٧). ومن الأساطير في الإسلام حسب القمني التي انتقلت إليه من المصريين القدماء: فكرة البعث والحساب والجنة والنار والصراط والميزان وشهادة الجوارح على الميت (٨). وقصة سليمان والإسراء والمعراج وناقة صالح (٩). ومنها دابة البراق ويأجوج ومأجوج وقصة شعيب ونوح وغيرها (١٠).

стр. 65

ومن الأصول الأسطورية للإسلام كذلك حسب القمني كما سيأتي: الحج والطوفان وخلق الكون والحجر الأسود والأضحية والأعياد وغيرها. ومنها تقديس كوكب الزهرة، عن طريق تقديس يوم الجمعة الذي هو مكرس في الرافدين لعبادة الزهرة (١). ومنها تقديس الكواكب الخمسة السيارة، وهي المشار إليها في القرآن بالخنس. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ التكوير١٥ (٢). وذكر أن في التفاسير الإسلامية صدى لما اعتقده البابليون في قدرات الزهرة الجنسية (٣). بل لم يستبعد سيد القمامة أن الولي الخضر ليس إلا أسطورة الإله تموز عشيق الإلَهة الزهرة. وذلك ببساطة وخفة لا يحسد عليها لأن الخضر مشتق من الخضرة. والخضرة هي الخصب خاصية تموز والزهرة (٤). لذلك قلنا مرارا إن القمني مشتق من القمامة، وقلبت الميم الثانية نونا لكراهة تولي حرفين وحذفت الألف تخفيفا. عيد الفطر وعيد الأضحى ما هما إلا تجسيد لأساطير قديمة . فالفطير عند القمني قربان نباتي كان يقدمه الزراعيون في العصور القديمة أصحاب النظام الأمومي إلى الزُّهْرة من أجل زيادة الخصب. وسر أكل الفطير في نظره (٥) أن ينال الإله نصيبه من المحصول الجديد في أسرع وقت ممكن. والأضحية قربان حيواني كان يذبحه الرعويون أصحاب النظام الأبوي

стр. 66

للآلهة، خاصة إله القمر. ولاحظ بثاقب نظره الحاد أن قرني الكبش تشبه الهلال، ولهذا ارتبطت الأضحية بالقمر (١). ثم اجتمع العيدان في عيد الفصح المسيحي، فتذبح الذبائح بشروط معروفة هي نفس الشروط في الدين الإسلامي، ويؤكل الفطير (٢). وأكد على استمرار هذه العقائد إلى اليوم، أي: إنبات الأرض واستنزال المطر وعودة فصل الخصب مرهون بسفك الدماء وبالأضاحي (٣). وقد أكد على هذه القمامة نصر أبو زيد في مداخلته آخر الكتاب فقال: فإن أعيادنا في مصر مثلا تنقسم إلى عيد الفطر (يقدم الكعك والفطائر) وعيد الأضحى (لتقديم الأضاحي وإسالة الدماء). وماذا عن نظام الزواج وتحريم الأقارب والختان؟ يؤكد دكتور الأساطير أو أسطور الدكاترة واعتمادا على سيده فرويد أن المجتمع البدائي الأول كان فيه الأب طاغيا جدا، يقتل أبناءه لأتفه الأسباب، وكان يخصي الابن ويقطع ذكره لئلا يقرب نساءه. فتضافر الأبناء للتمرد فقتلوا أباهم، فندموا وصرفوا النظر عن نسائه وأقاموا نظام الزواج الخارحي، فنشأ التابو أو التحريم، تم اختاروا حيوانا ليكون طوطما للأب المقتول. ومنع قتله أو مسه إلا في اجتماع كامل لمأدبة يأكلونه فيها جماعة (٤). والطوطم حيوان كان يقدس باعتبار حلول الأب المقتول فيه. وليست عادة الختان المستمرة حاليا عندنا في الإسلام إلا بديل رمزي عن الخصي الذي كان

стр. 67

الأب يعاقب به أبناءه (١). وفي مكان آخر بين القمني أن الختان ذبح جزئي بديل عن الذبح الكلي الذي كان يمارس في غابر الأيام (٢). وقال: وظل للقمر دوره واحترامه في الإسلام بعد أن تحول من (إل) أو الله إلى آية من آيات (٣) الله، فوضع فوق المآذن مع النجمة رمزا للزهرة. وظلت الشهور قمرية والحج قمريا والصيام قمريا .... فالعلة في صيام الأيام البيض لأن لياليها مقمرة (٤). وأكد عبد المجيد الشرفي أن استعمال الأساطير (الميث) في الخطاب النبوي لأن الذهنية الميثية كانت مسيطرة على ثقافة ذلك العصر، قال: وإن الذهنية الميثية التي من أبرز خصائصها الحدس والتمثل كانت مسيطرة على طرق التفكير آنذاك لدى جميع الشعوب وفي كل الثقافات، فلن نستغرب أن نجد آثار هاتين الخاصيتين في ما يبلغه إلى قومه وإلى المسلمين (٥). وبيّن الشرفي أن استعمال الخطاب الأسطوري شيء طبيعي، لأن الله يخاطب الناس بما يفهمون، وأن النبي مضطر إلى استعمال ما هو متوافر لديه شائع معروف في بيئته (٦). وهذه مراوغات ومغالطات مكشوفة، إذ كيف يحتج الله ورسوله بالأساطير، التي هي مجموعة من الخرافات والقصص الخيالية المكذوبة نزولا عند رغبة الجماهير أو سيرا مع ما هو متعارف لديها، ولو كان باطلا في نفسه.

стр. 68

ألم يجئ القرآن إلا لإبطال الباطل وتزييف الخرافات ومحاربة الأساطير؟. وكيف يعجز الله عن إيجاد حجج لدينه إلا بالأكاذيب؟ وهل هذا يتناسب مع وصف النبي ﷺ بكونه الصادق الأمين؟ وأشاد حسن حنفي بأساطير القمني في خاتمة تقريظه لكتابه قال: انتهى الأخ سيد من دراساته العديدة في علم تاريخ الأديان إلى نتائج علمية يشهد لها سواء فيما يتعلق بالحج أو بالنبوة أو ببعض الأساطير القديمة حول الشمس والقمر، لكنه لم ينته إلى أبعد نتائج ممكنة، وكأنه يقول: الكلام لك واسمعي يا جارة، وكأنه يقول: الآن القارئ الذكي يستطيع بنفسه أن يستنتج أشياء عديدة مما قلت أنا، وهو يعلم الحالة الراهنة للثقافة السائدة في مجتمعه (١). الدين وشرائعه مجرد تخيلات للبشرية . أسلفنا أن الدين عند العلمانيين صنع بشري وضعه الإنسان جوابا لاحتياجات آنية لتفسير الظواهر الطبيعية، وبعد فهم العلم الحديث لهذه الظواهر بطرق علمية لم يعد هناك مكان لأي تفسير ديني. لكن من أين جاءت كل هذه الشرائع: الله، الملائكة، الأنبياء، الجنة، النار، الحساب، العقاب، وغيرها؟. تجيبنا العلمانية: إنه الخيال البشري، الذي كون كل هذا الرصيد المعرفي عبر تراكمات كثيرة عبر قرون عديدة. ذكر أركون في قضايا في نقد العقل الديني (١٣٣) أن كل العقائد والأديان

стр. 69

والغيبيات كلها من صنع البشر، وهي مجرد تخيلات أوجدها الفاعلون الاجتماعيون. أحيانا يعبر أركون عن هذا الخيال بالمخيال الديني أو المتَخَيَّل الديني، وهو كما قال هاشم صالح بوق أركون: الفضاء العقلي المليء بالصور والمشحون بالأخيلة والأفكار الموروثة أبا عن جد (١). قال أركون في الإسلام الأخلاق والسياسة (١٠): هكذا يقدم المتخيل الديني ذاته بصفته مجمل العقائد المفروضة والمطلوب إدراكها وتأملها، بل وعيشها وكأنها حقيقة، والتي لا تقبل أيّ نقاش أو تدخل للعقل النقدي المستقل. ثم زاد موضحا في الصفحة الموالية: بهذا المعنى يمكننا القول بأن كل الدلالات التي لا تتعلق بشيء ملحوظ واقعيا ولا بفكر عقلاني هي دلالات خيالية أو مخيالية بالمعنى العلمي والمليء للكلمة (١١). يقصد أركون بـ «شيء ملحوظ واقعيا» كل الغيبيات الإسلامية، فهي متخيل وخيال ليس إلا، بل كل ما خرج عن ما سماه فكر عقلاني فهو داخل في مسمى الخيال. أي: كل العقائد الدينية الغيبية هي تصور ذهني لا أقل ولا أكثر، بمعنى أن الذهن يتصور وجودها لا أنها موجودة في نفس الأمر. هذا المتخيل الديني يتحول إلى متخيل اجتماعي يهيمن على الفكر والثقافة وكل شيء داخل المجتمع. هذا المتخيل هو الذي يشكل المحرك الديناميكي والفعال للتاريخ. كما يقول أركون دائما (١١).

стр. 70

وفي كتابه الآخر نحو نقد العقل الإسلامي (٢٢٢) نصح أركون -وهو الناصح الأمين للغرب وفلسفته- بكتاب التوليد الخيالي للمجتمعات البشرية، وكتاب التشكيل الاجتماعي للواقع: وزاد: وكذلك ينبغي الاطلاع على مؤلفات فرويد وأتباعه الذين لا يحصون ولا يعدون عن الدين بصفته الوهم الكبير. أي: الدين في نظر أركون وَهْم ولَّده وشكَّله خيال المجتمعات. ولهذا جزم بعدم جواز التفريق بين الأديان الوثنية وأديان الوحي (١). فالمصدر واحد. فليس في الوجود إله أرسل رسولا ليهدي عباده، إنما خيال المجتمعات المتراكم عبر القرون هو الذي أنتج ذلك في نظر أركون. وإذا كانت مثلا سورة التوبة تحدثت عن أحداث تاريخية أرضية حصلت بالفعل، ولكن الخطاب القرآني خلع عليها صبغة التعالي والتقديس بربطها بالله وبمشيئته والدار الآخرة. وبيّن لنا مترجم أركون بإشرافه أن هذه الأحداث بهذا الربط فقدت طابعها الأرضي أي: التاريخي، وأن أركون يريد أن يرجع إلى الوراء لكي يتموضع في لحظة القرآن ليكشف عن تاريخية كل ما كان قد فقد تاريخيته وأصبح يبدو متعاليا كليا، إنه منهج الحفر الأركيولوجي في الأعماق (٢). ويحدثنا أركون أن الجماعة لها يد طولى في تشكيل مجمل التراث، وأنها تقوم بعملية انتقاء وانتخاب للتراث (أي: الاحتفاظ بعناصر معينة وحذف أخرى) ثم دمجه في ذاكرتها الأسطورية التاريخية. ثم بين أن مفهومي الانتقاء والذاكرة الأسطورة التاريخية يدخلان ضمن دائرة اللامفكر فيه داخل التراث (٣).

стр. 71

وبالتالي: فالتراث الإسلامي ذو منشأ تاريخي ولا علاقة له بسلطة متعالية أي: الله أو الوحي في نظر مؤرخ الفكر الإسلامي (!!). قال: وعلى الرغم من أن تراثا كهذا هو ذو منشأ تاريخي واضح ويمكن تحديده بدقة، فإنه يدعي صفة التعالي على التاريخ أو تخطي التاريخ لأنه منغرس (متجذر) داخل الوعي ويعبر عن تعاليه وتنزيهه. لكن الواقع التاريخي يناقض هذا الزعم التيولوجي (اللاهوتي) (١). وهكذا مسألة وجود الله، فإن البشر هم الذين أوجدوه، وليس العكس في نظر سيادة المؤرخ، ولذلك فالله هو بحاجة دائما إلى وساطة بشرية ليحصل تصوره (٢). وعلماء الدين هم الذين كانوا يبلورون تصورا عن الله ويفرضونه فرضا على المجتمع، وبالتالي فلا يمكن الوصول إلى الله إلا عن طريقهم هم (٣). وتوهم البشر طيلة أجيال وأجيال سواء المسلمون أو المسيحيون أن الله حاضر بينهم (٤). وفي نظر أركون إن الوسطاء (الأنبياء وأتباعهم) هم الذين فرضوا وجود الله وهم الذين حكوا ذلك بلغة معينة قابلة للتأويل والتفسير. ثم شرح لنا أركون كيف أنه إذا رددنا مسألة وجود الله إلى أصلها ظهرت تاريخيته، قال: فلكي تتحرر من شيء ما ينبغي أن تكشف عن أصله أو جذره الأول (أي: كيف تشكل وانبنى لأول مرة). ومن المعلوم أن الشيء يخفي سره أو أصله بكل الوسائل، وذلك لكي يقدم نفسه بشكل طبيعي بدهي، لا يقبل النقاش، ثم لكي يقدم نفسه وكأنه كان دائما

стр. 72

موجودا هكذا منذ الأزل، وسوف يظل موجودا هكذا إلى الأبد، بمعنى آخر فإنه يفعل كل شيء لكي يغطي على لحظة انبثاقه التاريخية، لكي يخفي تاريخيته. هذا ما تفعله كافة العقائد والتصورات الدوغمائية في جميع الأديان (١). ثم تحدث أركون عن كيف ولدت فكرة الإيمان بالله وكيف صنع العرب إلههم الواحد لأول مرة (٢). ولذلك فمسألة «موت الله» التي تحدث عنها نيتشه ورغم كونها عبارة قاسية وصادمة للحساسية الجماعية لجماهير المؤمنين، إلا أنها كما قال أركون: ينبغي ألا تخيفنا كثيرا، وإنما تعني موت طريقة معينة للتعبير عن وجود الله، ولهذا فلا بد من البحث عن إله رحيم بدل إله الأديان الذي يقمعنا والذي اتفقنا أنه قد مات. من هو إذن إله أركون الجديد؟ إنه الأمل، لنترك أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي (!!) يحدثنا عن إلهه الجديد، قال (٢٨٢): إن التصور القروسطي المظلم والقمعي عن الله والتأله قد مات، أو ينبغي أن يموت، لماذا؟ لكي يفسح المجال لتصور آخر أكثر رحابة ومحبة وغفرانا ... وهكذا محل التصور الذي يقمعنا ويسحقنا يحل التصور الآخر الذي يسامحنا ويحررنا. ويمكن القول بأن التصور الحديث لله يتجلى في الأمل، في الانفتاح على أفق الأمل: الأمل بالخلود، الأمل بالحرية، الأمل بالعدالة، الأمل بتصالح الإنسان مع ذاته. هذا هو الله بالنسبة للعالم الحديث والتصور الحديث. انتهى. هكذا يقول، وقد مات أركون ودفن في مقبرة الشهداء، إنه شهيد العلمانية، لقد عاش حياته كلها مسفها للأديان ساخرا من خالقه كافرا به وبرسله وبدينه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 73

ولنصبر قليلا ولنتابع مع أركون مزاعمه، فقد قال في نفس الكتاب (١٣٢ - ١٣٣): ينبغي أن نعلم أن الدوائر الخاصة بما هو خارق للطبيعة، وبالتعالي الإلهي أو الميتافيزيقي، وبالآلهة الناشطة والمهيمنة، أو بالإله الواحد الحي، ولكن البعيد، وبالعقائد السحرية أو الأسطورية أو الشعبية أو الخرافية أو الدينية، هذه العقائد المرتبطة جميعها بالمتخيل ... أقول: إن ذلك كله هو أيضا من صنع الفاعلين الاجتماعيين (أي: البشر) فلو لم يخلق البشر هذه التصورات أو لو لم يؤمنوا بها لما وُجدت. وهذا كلام في غاية الوضوح والظهور، فالدين والله والآخرة والملائكة والشياطين كلها تخيلات بشرية وهمية من صنع البشر. إذا كانت كل هذه العقائد خيالات وهمية ماذا عن الرسول ﷺ ؟ وهل وجد يوما ما رجل اسمه محمد دعا قومه لعبادة الله وحده؟ عند أركون ببساطة وبتحليله السيميائي هناك فئة اجتماعية اجتمعت حول النبي في الحجاز ذات أهداف إيديولوجية سياسية انتصرت ورسخت مفاهيم جديدة أو حورتها مثل النبي رسول الله وهكذا، وحولتها إلى مثال أعلى متعال، أو قامت بما يسميه أركون الأسطرة والتقديس والتعالي (١). هناك عوامل تاريخية اجتماعية في نظر أركون هي التي شكلت ما يسمى عندنا نحن المسلمين السذج الغافلين عن التحليل السيميائي الدلالي، هذه المفاهيم: الله، دين، رسول، ملائكة ... أو بعبارة أركون: حولت أو صورت هذه المفاهيم الدينية الموروثة عن ديانات أخرى إلى مفاهيم جديدة ذات رمزية جديدة. وحسب

стр. 74

التحليل التاريخي عند أركون لا يعدو الأمر أن يكون صراعا على السلطة بين فئة تسمى «المؤمنون»، وقوى تقليدية حُط من قدرها اسمها «الكفار والمنافقون والمشركون» (١). في ظل التحليل التاريخي الأركوني لابد أن نعيد الاعتبار للمشركين والكفار، وهذه عبارته في صدد حديثه عن قيام فئة المؤمنين بقيادة النبي بالسيطرة على السلطة التي كانت عند المشركين والكفار: نجد من الناحية التاريخية أنه ينبغي أن نعيد للعصبية الثانية التي حُوربت وقلص من شأنها من قبل الدولة الرسمية أبعادها الواقعية والحقيقية. لقد حصل تهميش هذه العصبة القبلية أو البدوية، إما عن طريق الخطاب المسيطر، وإما عن طريق التصفية الجسدية لركائزها الاجتماعية والثقافية (٢). فليس هناك غير السلطة والصراع على السلطة عند أركون من قبل النبي ومعارضيه، ويجب عنده رد الاعتبار للمعارضين. ولا نجد تفسيرا لهذا الانحياز لكفة أبي جهل إلا في المثال العربي الذي يقول: وكل إناء بما فيه ينضح. أما نصر حامد أبو زيد الذي حكمت بردته محكمة القاهرة: فالله والملائكة والشياطين والجن واللوح المحفوظ كلها تصورات أسطورية مجازية، وليست حقائق في نفس الأمر. فقد تعجب كيف أن المسلمين ما زالوا يؤمنون باللوح المحفوظ والله بعرشه وكرسيه وجنوده الملائكة، وبالإيمان بالشياطين والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال. قال: والأخطر من ذلك تمسكه بحرفية صور العقاب والثواب

стр. 75

وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط ... إلى آخر ذلك كله من تصورات أسطورية (١). وفي صفحات لاحقة عند حديثه عن المجاز تعجب من الإيمان بحرفية الدلالات التي وردت في النصوص الدينية عن الله كالعرش والكرسي والملائكة، وما ورد عن الآخرة كالصراط والحوض وعذاب القبر وناكر ونكير، وما ورد عن المسيح الدجال وغير ذلك من أشراط الساعة. في حين هي لا تعدو في نظره مجازا وليس حقائق موجودة (٢). وبالجملة فالأمر كما قال حسن حنفي: إن النصوص الدينية التي تظن أنها -ستقول ذلك مجازا- هابطة من السماء، إنما هي في الحقيقة نابتة في الأرض (٣). الإسلام ليس إلا عقائد يهودية ومسيحية وجاهلية وإغريقية، ألفها محمد وجمع بينها في إخراج من نوع خاص . تلك هي حصيلة افتراءات العلمانيين حول أصل الإسلام أو الإسلام المحمدي كما يعبر طيب تيزيني. وكما قال نصر حامد أبو زيد: فالإسلام نفسه لم ينبثق من فراغ، بل له جذور (٤). وإن الكثير مما هو إسلامي أصله غير إسلامي، كما يرى عبد المجيد الشرفي (٥). وعند أركون «إن الإسلام جزء من التراث الإغريقي السامي وليس من أيّ
следующие страницы →