← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96928

رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

عبد الله العبيلان

Полный текст (376 стр.). Показаны 351–376 · переход к 356.

стр. 351

احتج أحمد به مرفوعًا، ورواه أبو عبد الرحمن المقرئ عن ابن لهيعة عن أبي الزبير مرفوعًا بلا شك، وروى المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل العراق ذات عرق" (١)، رواه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، وهذا إسناد جيد، وقد رواه عبد الله بن أحمد وغيره مستوفى في المواقيت الخمسة، قالت: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل العراق ذات عرق". وقال أبو عاصم: ثنا محمد بن راشد عن مكحول: "أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق"، وعن عطاء قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق" (٢)، رواه سعيد، فهذا قد روي مرسلاً من جهة أهل المدينة، ومكة، والشام، ومثل هذا يكون حجة. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق" (٣)، رواه أحمد عن وكيع عنه. وعن الحارث بن عمرو السهمي قال: "أتيت النبي ﷺ وهو بمنى، أو عرفات، وقد أطاف به الناس، قال: فيجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق لأهل العراق"، رواه أبو داود، والدارقطني، ولفظه: "وقت لأهل اليمن يلملم أن يهلوا منها، وذات عرق لأهل العراق" (٤).

стр. 352

وذهب أبو الفرج ابن الجوزي وغيره من أصحابنا إلى أن ذات عرق إنما ثبتت بتوقيت عمر ﵁، اجتهادًا، ثم انعقد الإجماع على ذلك، لما روى ابن عمر قال: "لما فتج هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا، وإنه جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق"، رواه البخاري. فهذا يدل على أنها حديث بالاجتهاد الصحيح، لأن من لم يكن على طريقه ميقات، فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إلى طريقه، وهم يحاذون قرنًا إذا صاروا بذات عرق، ولو كانت منصوصة لم يحتج إلى هذا، وأحاديث المواقيت لا تعارض هذا، فعلى هذا هل يستحب الإحرام من العقيق؟ والأول هو الصواب، لما ذكرناه من الأحاديث المرفوعة الجياد الحسان التي يجب العمل بمثلها مع تعددها، ومجيئها مسندة، ومرسلة من وجوه شتى. وأما حديث عمر؛ فإن توقيت ذات عرق كان متأخرًا في حجة الوداع، كما ذكره الحارث بن عمرو، وقد كان قبل هذا سبق توقيت النبي ﷺ لغيرها، فخفي هذا على عمر ﵁، كما خفي عليه كثير من السنن، وإن كان علمها عند عماله وسعاته، ومن هو أصغر منه مثل دية الأصابع، وتوريث المرأة من دية زوجها، فاجتهد وكان محدَّثًا موفَّقًا للصواب، فوافق رأيه سنة رسول الله ﷺ ، وليس ذلك ببدع منه ﵁، فقد وافق ربه في مواضع معروفة، مثل المقام، والحجاب، والأسرى، وأدب أزواج النبي ﷺ ، فعلى هذا لا يستحب الإحرام قبلها، كما لا يستحب قبل غيرها من المواقيت المنصوصة، قال عبد الله: سمعت أبي يقول: أرى أن يحرم من ذات عرق. فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن عبد الله بن

стр. 353

عباس عن ابن عباس قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق" (١)، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. فإن لم يكن هذا مفيدًا لوجوب الإحرام منها فلا بد أن يفيد الاستحباب. قيل: هذا الحديث مداره على يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقالوا: يزيد يزيد. ويدل على ضعفه: أن حديث ابن عباس المشهور الصحيج قد ذكر فيه المواقيت الأربعة، ولم يذكر هذا؛ مع أن هذا مما يقصد المحدت ذكره مع إخوته لعموم الحاجة إليه أكثر من غيره، فإن حجاج المشرق أكثر من حجاج سائر المواقيت. وأن الناس أجمعوا على جواز الإحرام دونه، فلو كان ميقاتًا لوجب الإحرام منه، كما يجب الإحرام من سائر ما وقته النبي ﷺ إذ ليس لنا ميقات يستحب الإحرام منه، ولا يجب على أن قوله: وقت، لا يقتضي إلا وجوب الإحرام منه. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرابم من الميقات، وأن الأحاديث التي هي أصح منه وأكثر تخالفه، وتبين أن النبي ﷺ وقت ذات عرق. ويشبه -والله أعلم-: أنه إن كان لهذا الحديث أصل -يعني حديث ابن عباس- أن يكون منسوخًا، لأن توقيت ذات عرق كان في حجة الوداع، حيث أكمل الله دينه، وبعد أن أكمل الله دينه لم يغيره. ولأن ابن عباس لم يذكره لما ذكر حديثه المشهور، فيكون إن كان حدث به مرة، قد تركه، لما علم من نسخه، ولهذا لم يروه عنه إلا ولده الذي قد يقصد

стр. 354

بتحديثهم إخبارهم بما قد وقع، لا لأن يبني الحكم عليه. وما روي عن أنس أنه كان يحرم منه، فكما كان عمران بن حصين يحرم من البصرة، وكان بعضهم يحرم من الربذة" (١). وهذا كله يؤكد إمامة أبي عبد الرحمن في الحديث، وإلا فإن المشهور في الكتب أنه من سنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فلو كان الشيخ ممَّن يجمع ولا يحقق أو يقلد، لما خالف المشهور، وبالله التوفيق.

стр. 355

الحديث الرابع والتسعون قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته راحلته: "ولا تغطوا وجهه". ــ قال المستدرك: "هذه الزيادة ذكرها مسلم، دون البخاري، مع العلم أنهما متَّفقان على هذا الحديث. وهي شاذَّة، ضعَّفها الحاكم، والبيهقي، ويفهم تضعيفها من صنيع البخاري ... ". * قلت: الحديث رواه مسلم (١٢٠٦) من طريق إسرائيل، عن منصور، وأبي الزبير؛ كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر الحديث، قال منصور: "ولا تغطوا وجهه"، وقال أبو الزبير: "ولا تكشفوا وجهه". وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه"، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا يمس طيبًا، خارج رأسه" (١)، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك، فقال: "خارج رأسه ووجهه". والذي يظهر لي: أنها ثابتة، والذي أشكل على من ضعفها، أنه جاء عن

стр. 356

جمع من الصحابة تغطية وجوههم، وهم محرمون، منهم الخليفة الراشد عثمان ﵃. والصحيح: أن لا تلازم بين الإذن للحي بتغطية وجهه، وهذا الحديث. ولما سئل الإمام أحمد عن تغطية وجه المحرم الميت قال: "قُلْتُ: المحرم إذا مات يغطَّى وجهُه، قَالَ: لا يغطَّى وجهُه، ولا يقرب الطيب. قَالَ إسحاق: كما قالَ" (١). ولما سئل عن تغطية الحي وجهه قال: "قُلْتُ: المحرمُ يغطي وجهَه؟ قَالَ: إنْ ذهب ذاهبٌ إلى قولِ عثمان ﵁: لا أعيبُه، يُرْوَى عن عثمان رحمة الله تعالى عليه، وزيدٍ ومروان، ولمْ يرَ بِهِ بأسًا، قَالَ إسحاق: السُّنة أنْ يغطيَ المحرمُ وجهَهُ، إذا نامَ مِن الذّبان وغيره، وإنْ لمْ يضربْ مَا غطى به وجهَهُ كان أفضل" (٢). وهذا منهما -رحمهما الله- تصحيح للزيادة.

стр. 357

الحديث الخامس والتسعون حديث جابر قال: "سألت رسول الله ﷺ : عن الضبع؟ فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبش، إذا صاده المحرم". ــ قال المستدرك: "ذكر الكبش فيه موقوف ........... ". * قلت: قد صححه الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: "وأما السنة وعليه اعتمد أحمد، فما روى جابر بن عبد الله قال: "جعل رسول الله ﷺ الضبع يصيبه المحرم كبشًا، وجعله من الصيد" (١)، رواه أبو داود، وابن ماجه. وأما إجماع الصحابة: فإنه روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، أنهم قضوا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش، وبقرة الأيل، والتبتل والوعل ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة" (٢). وفي مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله: "حدثنا قال: قلت لأبي: فإن صاد

стр. 358

ناسيًا، عليه كفارة؟ قال: نعم، كل من يكفر إذا تعمد، وقال ابن عباس: إذا صاد المحرم ناسيًا ليس عليه شيء، إنما على العامد. قال أبي: أعجب إلي أن يكفر مثل كفارة العامد. مثل حكم أصحاب رسول الله ﷺ في الظبي شاة، ويروى عن النبي ﷺ في الضبع كبش، فإذا أصاب ظبيًا فعليه شاة. حدثنا قال: سألت أبي عن المحرم يصيب الصيد؟ قال: يحكم عليه بمثله، فجزاء مثل ما قتل من النعم: في الظبي شاة، وفي النعامة بدنة، وفي الحمامة شاة، حكم بها ابن عباس، وفي الضبع كبش، يروى عن النبي ﷺ " (١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال التَّزمِذِيُّ: سَأَلْتُ عنه الْبُخَارِيَّ فَصَحَّحَه. وَكَذَا صَحَّحَهُ عبد الْحَقّ، وصححه ابن حبان أيضًا.

стр. 359

الحديث السادس والتسعون حديث ابن عباس ﵁ قال: "كنتُ فيمن قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى". وفي لفظ: "أمرهم أن لا يرموا الحجرة حتى تطلع الشمس". ــ قال المستدرك: "هذا اللفظ شاذ، وقد أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث، وليس فيه هذه الزيادة، وضعَّفها من الأئمة: البخاري وابن خزيمة ..... ". * قلت: للحديث طرق: الأول: رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٩/ ١٢٣): حدثنا ابن أبي داود، ثنا المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، حدثني موسى بن عقبة، أنا كريب، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان يأمر نساءه، وثقله، صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين". الثاني: حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا حماد، ثنا الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا" (١).

стр. 360

وقال الترمذي: حديث ابن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ. وأما الرواية الثانية: عند أصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي من طريق حبيب عن عطاء عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء أهله بغلس، ويأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس". وعن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: "قدمنا على رسول الله ﷺ من المزدلفة أغيلمة من بني عبد المطلب على جمرات، فجعل يلطح أفخاذنا، ويقول: يا بني؛ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (١). قال المنذري: والحسن العرني احتج به مسلم، واستشهد به البخاري، وقال ابن معين: إنه لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال الحافظ ابن حجر: "حديث حسن، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، ومن ثم صححه الترمذي وابن حبان" (٢). وقال ابن القيم: "حديث صحيح" (٣). ويشهد له ما رواه الشيخان: عن أسماء وابن عمر: "أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني؛ غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت: يا هنتاه؛ ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني؛ إن رسول الله ﷺ أذن للظعن" (٤). "وكان عبد اللَّهِ بن عمر ﵂ يقدم ضعَفَةَ أَهلِهِ فَيَقِفُونَ عِندَ الْمشْعرِ الحرَامِ

стр. 361

بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْل، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ ما بَدَا لهم، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قبل أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ من يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ من يَقْدَمُ بَعْدَ ذلك، فإذا قَدِمُوا رمووا الْجَمْرَةَ، وكان ابن عُمَرَ ﵂ يقول: أَرْخَصَ في أُولَئِكَ رسول اللَّهِ ﷺ " (١). فقولهما: "أذن للظعن وأرخص في أولئك" يقتضي قصر الإذن عليهم، وأن غيرهم لم يؤذن له، وكذلك تقديمه ﷺ ضعفة أهله وإبقاؤه سائر الناس معه، دليل على أن حكمهم بخلاف ذلك، وابن عباس حينها قد ناهز الاحتلام، ولذا قال له رسول الله ﷺ ومن معه من الفتيان: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، والله أعلم وأحكم.

стр. 362

الحديث التاسع والتسعون حديث: "السجود على الحجر الأسود ............. " (١). ــ قال المستدرِكُ: "ليس فيما ذكر الألباني من الشواهد ما يثبت السجود على الحجر مرفوعًا". * قلت: قد حسَّنه الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: "وأما السجود عليه، فقد ذكر لأحمد حديث ابن عباس في السجود على الحجر، فحسَّنه" (٢). قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن السجود على الحجر جائز، وانفرد مالك فقال: بدعة" (٣).

стр. 363

"واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك عن الجمهور" (١). وهذه من السنن الكثيرة المهجورة التي أحياها الله بالشيخ -عليه رحمة الله-.

стр. 364

الحديث المئة قول أبي رافع: "رأيتُ رسول الله ﷺ أذَّن في أُذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، وله شاهد أشدّ منه ضعفًا، ولا يصلح لتقويته". * الجواب: قال الترمذي في "جامعه" (٤/ ٩٧) رقم (١٥١٤): "حدثنا محمد بن بَشَّارٍ حدثنا يحيى بن سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرحمن بن مَهْدِيٍّ قالا: أخبرنا سُفْيَانُ، عن عَاصِمِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن أبي رَافِع، عن أبيه قال: "رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ في أُذُنِ الْحَسَنِ بن عَلِيٍّ، حين وَلَدتهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلاةِ"، قال أبو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". وقال أبو داود: في "السنن": (٤/ ٣٢٨) "بَاب في الصَّبِيِّ يُولَدُ فَيُؤَذَّنُ في أُذُنِه". وهكذا عامة الفقهاء في كتبهم بوَّبوا له، واحتجُّوا به، بل والمحققون منهم؛ كالبغوي، وابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن الملقن وغيرهم. وشواهد مقصد الأذان في أذن المولود حين يولد في الكتاب والسنة كثيرة،

стр. 365

لا يخفى على أحد أن الشيطان له تسلط على بني آدم، فقد روى الشيخان عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدم يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ في جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حين يُولَدُ، غير عِيسَى ابن مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ في الحِجَابِ" (١). وروى الشيخان من حديث عبد اللَّهِ بن أبي قَتَادَةَ عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : "الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ من اللَّهِ، وَالْحُلُمُ من الشَّيْطَان، فإذا حَلَمَ أحدكم حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ من شَرِّهَا فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ" (٢). وهكذا رويا عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "التَّثَاؤُبُ من الشَّيْطَان، فإذا تَثَاءَبَ أحدكم فَلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطَاعَ، فإن أَحَدَكُمْ إذا قال: هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ" (٣). ورويا عن أبي هُرَيْرَة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا اسْتَيْقَظَ -أُرَاهُ أحدكم- من مَنَامِهِ فَتَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثًا، فإن الشَّيْطَانَ يَبِيتُ على خَيْشُومِهِ" (٤). ورويا من حديث جَابِرٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ أو كان جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صبيانكم، فإن الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حينَئذٍ" (٥). ولا ريب أن الأذن من المنافذ التي يتسلَّط من خلالها الشيطان على الإنسان، فقد روى الشيخان عن عبد اللَّهِ ﵁ قال: ذُكِرَ عِنْدَ النبي ﷺ رَجُلٌ نَامَ ليلة حتى أَصْبَحَ، قال: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنَيْهِ، أو قال في أُذُنِهِ" (٦).

стр. 366

وعن عَائِشَةَ ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الْمَلائِكَةُ تَتَحَدَّثُ في العَنَانِ -وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ- بِالأمْرِ يَكُونُ في الأرض، فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ، فَتَقُرُّهَا في أُذُن الْكَاهِنِ، كما تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ" (١). ومن المعلوم أن الأذان لما اشتمل عليه من التكبير والتوحيد من أعظم أسباب طرد الشيطان والسلامة منه. فقد روى الشيخان من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا نُودِيَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، فإذا قُضِيَ أَقْبَلَ، فإذا ثُوِّبَ بها أَدْبَرَ فإذا قُضِيَ أَقْبَلَ" (٢). الحديث والطفل بحاجة إلى تعويذه، وتحصينه، فكيف بالوليد؟ وبهذا تظهر الحكمة من التأذين في أذن المولود، ويتبين صدق الحديث، فإن راويه عاصم بن عبيد الله لم يُتَّهَمْ. قال أبو بكر -ابن خزيمة-: كنتُ لا أخرج حديث عاصم بن عبيد الله في هذا الكتاب -صحيحه- ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وهما إماما أهل زمانهما قد رويا عن الثوري عنه، وقد روى عنه مالك خبرًا في غير "الموطأ" (٣). وقال العجلي: لا بأس به، والترمذي صحح حديثه هذا، وهو الحق -إن شاء الله تعالى-.

стр. 367

الحديث الواحد بعد المئة قوله ﷺ لفاطمة لما ولدت الحسن: "احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين". ــ قال المستدرك: "لا يثبت في التصدُّق بوزن الشعر فضَّة حديث، وممَّن ضعَّف الحديث البيهقي، وأشار أحمد إلى ضعفه". ثم قال: "الفائدة الثانية: التصدق بالفضة وإن لم يثبت مرفوعًا عن النبي ﷺ ، فقد روي عن فاطمة". * قلت: ضعف الحديث، ثم عاد، وقال: إنه من فعل فاطمة ﵂! والحق أن هذا لا يمكن أن تفعله من نشأت في بيت النبوة إلا بإذن من النبي ﷺ ، ولذا قال الترمذي عن حديث أبي جعفر الباقر: "هذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بمتصل". وقد تقدم أن الترمذي إذا قال مثل هذا فإنه يريد متن الحديث، وأنه جاء من طرق أخرى فحسَّنه. على أن أصل هذه السنة في "صحيح البخاري"، فقد روى من طريق أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عن مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، حدثنا سَلْمَانُ بن عَامِرٍ الضَّبِّيُّ قال: سمعت

стр. 368

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "مع الْغُلامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عنه دَمًا وَأَمِيطُوا عنه الأَذَى" (١). قال ابن سيرين: إن لم يكن الأذى حلق الرأس فلا أدري ما هو! والأمر كما قال ابن سيرين ﵀، قال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن نبي الله ﷺ قال: "تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه ويسمى" (٢)، والله أعلم.

стр. 369

الحديث الثاني بعد المئة حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق، أو نهب مؤمن، أو الفرار من الزحف، أو يمين صابرة يقتطع بها مالاً ﷺ بغير حق" (١). ــ قال المستدرك: "فيه أبو المتوكل، غفل عنه الشيخ الألباني، وهو علَّة الحديث ... ". * قلت: قال ابن عبد الهادي: "قال شيخنا: وهذا الحديث لم يخرجه أحد من الكتب الستة، وإسناده جيد". والذي يظهر: أن الحديث لا يصح لمخالفته للحديث الصحيح، وهو ما رواه البخاري: حدثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَةُ حدثنا محمد بن زِيَادٍ قال: سمعت أَبَا هُريرةَ عن النبي ﷺ يَرْوِيهِ عن رَبِّكُمْ، قال: "لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لي، وأنا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من ريحِ الْمِسْكِ" (٢). ولما أخرجه الشيخان من حديث ابن عَبَّاسٍ ﵂: "أَنَّ نَاسًا من أَهْلِ

стр. 370

الشِّرْكِ، كَانُوا قد قَتَلُوا وَأكْثَرُوا، وَزَنَوْا، وَأكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ الذي تَقُولُ وتدعوا إليه لَحَسَنٌ، لو تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كفَّارَةً، فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾، ونزل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ " (١).

стр. 371

الحديث الثالث بعد المئة حديث: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث أعله خمسة من الأئمة بالإرسال، وهم: أبو داود، والبخاري، والترمذي، وأبو حاتم، والدارقطني .. ". ثم قال: "وبغضِّ النظر عما في بعض هذه الشواهد من ضعف، إلا أن هذه الشواهد لا تنفي عن الحديث علَّة الإرسال التي أعلّه بها الأئمة، وإن كانت تدل على ثبوت هذا المعنى عن رسول الله ﷺ ". * قلت: وهذا الذي يريده الشيخ ﵀، فإن الاستدراك على الشيخ يتوجه لو أن الشيخ اكتفى بطريق جرير، ولكنه أضاف من القرائن ما تدل على ثبوته من قوله ﷺ . وهي طريقة صحيحة لا غبار عليها، كما ذكرت في المقدمة نقلاً عن أئمة هذا الشأن، وبالله التوفيق.

стр. 372

الحديث السادس بعد المئة حديث أبي بكر ﵁: "إذا أطعم الله نبيًّا طعمة ثم قبضه فهو للذي يقوم بها من بعده". ــ قال المستدرك: "الحديث في لفظه غرابة ونكارة، كما قال ابن كثير، وابن حجر، والعيني". * قلت: ليس فيه نكارة، وقد صححه عدد من الأئمة، وقال شيخ الإسلام في توجيهه: "نعم؛ كان عثمان يعطي بعض أقاربه ما يعطيهم من العطاء الذي أنكر عليه، وقد تقدم تأويله في ذلك، والجواب العام يأتي على ذلك: فإنه كان له تأويلان في إعطائهم كلاهما مذهب طائفة من الفقهاء، أحدهما: أنه ما أطعم الله لنبي طعمة، إلا كانت طعمة لمن يتولى الأمر بعده، وهذا مذهب طائفة من الفقهاء، ورووا في ذلك حديثًا معروفًا مرفوعًا، وليس هذا موضع بسط الكلام في جزئيات المسائل. وقالوا: إن ذوي القربي في حياة النبي ﷺ ذوو قرباه، وبعد موته هم ذوو قربى من يتولى الأمر بعده، وقالوا: إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما أقارب، كما كان لعثمان، فإن بني عبد شمس من أكبر قبائل قريش، ولم يكن من

стр. 373

يوازيهم إلا بنو مخزوم، والإنسان مأمور بصلة رحمه من ماله، فإذا اعتقدوا أن ولي الأمر يصله من مال بيت المال مما جعله الله لذوي القربى، استحقوا بمثل هذا أن يوصلوا من بيت المال ما يستحقونه لكونهم أولى قربى الإمام، وذلك أن نصر ولي الأمر والذب عنه متعين، وأقاربه ينصرونه ويذبون عنه ما لا يفعله غيرهم. وبالجملة: فلا بد لكل ذوي أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من يريد ضرره، فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر احتاج الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم لا بد لهم من كفاية" (١). وقال أيضًا: "وأيضًا فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن سهم ذوي القربى هو لقرابة الإمام، كما قاله الحسن وأبو ثور، وأن النبي ﷺ كان يعطي أقاربه، بحكم الولاية، وسقط حق ذوي قرباه بموته، كما يقول ذلك كثير من العلماء كأبي حنيفة وغيره، ثم لما سقط حقه بموته فحقه الساقط، قيل: إنه يصرف في الكراع، والسلاح، والمصالح، كما كان يفعل أبو بكر وعمر، وقيل: هو لمن ولي الأمر بعده، وقيل: إن هذا مما تأوله عثمان، ونقل عن عثمان ﵁ نفسه أنه ذكر هذا، وأنه يأخذ بعمله، وأن ذلك جائز، وإن كان ما فعله أبو بكر وعمر أفضل، فكان له الأخذ بهذا، وهذا، وكان يعطي أقرباءه مما يختص به، فكان يعطيهم لكونهم ذوي قربى الإمام على قول من يقول ذلك. وبالجملة: فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه، إما بولاية، وإما بمال، وعلي ولي أقاربه أيضاً" (٢). * قلت: وبوَّب البخاري: "بَاب: وَمِنْ الدَّليل على أَنَّ الخُمُس لِلإِمَامِ وَأَنَّهُ يُعْطِي بعض قرابَتِهِ دُون بَعْضٍ".

стр. 374

على أن له شاهدًا من حديث ابن عباس رواه الطبراني في "الكبير": حدثنا محمد بن عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا أبو الدَّرْدَاءِ عبد الْعَزِيزِ بن الْمُنِيبِ، ثنا إسحاق بن عبد اللَّهِ بن كَيْسَانَ، عن أبيه، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كان جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فقال: "إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ شَهْوَةً، وإِنَّ شهوتِي في قِيَامِ هذا اللَّيْلِ، فَلا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ خَلْفِي، وَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ طُعْمَةً، وإِنَّ طُعْمَتِي هذا الْخُمُسُ، فإذا قُبِضْتُ فَهُوَ لولاة الأَمْرُ من بَعْدِي" (١).

стр. 375

الحديث السابع بعد المئة حديث: "لا يتم بعد احتلام". ــ قال المستدرك: "طرق الحديث ضعيفة ولا تقوِّيه". * قلت: أخرج مسلم: "أَنَّ نَجْدَةَ كتَبَ إلى ابن عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عن خَمْسِ خِلَالٍ، فقال ابن عَبَّاسٍ: لَوْلا أَنْ أكْتُمَ عِلْمًا ما كَتَبْتُ إليه ... ". وفيه "وَكتَبْتَ تَسْأَلُنِي عن الْيَتِيمِ مَتَى يَنْقَطِعُ عنه اسْمُ الْيُتْم؟ وَإِنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عنه اسْمُ الْيُتْمِ حتى يَبْلُغَ، وَيُؤْنَسَ منه رُشدٌ" (١). وفي رواية: "فإن أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عن اليتم". وكلا الروايتين في مسلم: وهو صريح في الرفع، ومصداقه قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].

стр. 376

فرحم اللهُ الإمام الألباني، فقد قرَّب السنة بين يدي الأمة. ومن الموافقات الجميلة: ما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة "الفتح": قال: "وقال الفربري أيضًا: سمعت محمد بن أبي حاتم البخاري الوراق يقول: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في المنام يمشي خلف النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يمشي، فكلما رفع النبي ﷺ قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع". وعينها رؤيت للشيخ ناصر عليه رحمة الله. قال ابن مالك في مقدمة كتابه "التسهيل": "وإذا كانت العلوم منحة إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر على كثير من المتقدمين، نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف". وهذا فيمن دون الصحابة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. انتهى