← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96928

رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

عبد الله العبيلان

Полный текст (376 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الحديث الثالث والسبعون حديث أبي هريرة: "فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث أعلَّه الحافظ أبو حاتم، فقال عنه: "هذا حديث باطل"، وأعلَّه الدارقطني، والطبراني". قال الحافظ في "التلخيص": "وقال أبو حَاتِمِ في الْعِلَلِ: (هذا حَدِيثٌ بَاطِلٌ) (١). قلت: إسْنَادُهُ ظَاهِرُهُ الصَحَّةُ، قال ابن ماجه: حدثنا الْعَبَّاسُ بن الْوَلِيدِ، ثَنَا يحيى بن صَالِحٍ، ثَنَا سَلَمَةُ بن كُلْثُومٍ، ثنَا الأَوْزَاعِيُّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُريْرةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلَّى على جِنَازَةٍ، ثُمَّ أتى قَبْرَ المَيِّت، فَحَثَى عليه من قبل رَأسِهِ ثَلاثًا" (٢)، ليس لسَلَمَة بن كُلثُوم في "سُنَنٍ ابن ماجه" وَغَيْرِهَا إلاَّ هذا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، ورجاله ثِقَاتٌ.

стр. 317

وقد رَوَاهُ ابن أبي داود في كِتَابِ التَّفَرُّدِ له من هذا الْوَجْهِ، وزاد في الْمَتْنِ أنَّهُ "كَبَّرَ عليه أَرْبَعًا"، وقال بَعْدَهُ: ليس يُرْوَى في حَدِيثٍ صحِيحٍ أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ على جِنَازَةِ أربعًا، إلاَّ هذا، فَهَذَا حُكْمٌ منه بِالصِّحَّةِ على هذا الحديث. لَكِنَّ أبا حَاتِمِ إمَامٌ لم يَحْكم عليه بِالْبُطْلانِ إلاَّ بَعْدَ أَنْ تبين له، وَأَظُنُّ الْعِلَّةَ فيه عنعنة الأَوزَاعِيِّ، وَعَنْعَنَةَ شيخِه، وَهَذَا كُلُّهُ إنْ كان يحيى بن صَالِح هو الوحَاظِيّ شيخ البخارى، وَالله أَعْلَم" (١). فرحم الله الحافظ ابن حجر الذي يصنفه بعض المتأخرين على أنه من المتأخرين! انظر كيف هاب أن يخالف أبا حاتم مع أنه لم يظهر له وجه التعليل. والأمر كما قال أبو داود، فقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" عن الخليفة الراشد علي ﵁ هذه السنة، قال: عن الثوري عن مالك بن مغول عن عمير بن سعد: "أن عليًّا حتى على يزيد بن المكفف -قال هو أو غيره- ثلاثاً" (٢). وروى أيضاً عن ابن عباس ﵁، قال عبد الرزاق عن معمر عن علي بن زيد بن جدعان: "أن ابن عباس لما دفن زيد بن ثابت حتى عليه التراب، ثم قال: هكذا يدفن العلم، قال علي بن زيد: فحدثت به علي بن الحسين فقال: وابن عباس والله قد دُفِنَ به علم كثير" (٣). وابن أبي شيبة في "مصنفه": عن زيد بن أرقم حدثنا وَكِيعٌ عن سفْيَانَ عن يَعقُوبَ قال: "أخبرني من رَأى زَيْدٌ بن أَرْقَمَ حَثَا في قَبْرِهِ ثَلاثَ حُثًا " (٤). فهذه الآثار وغيرها تدل على أنها سنة نبوية. وقد رأيتُ شيخَنا الحافظ العلامة عبد الله بن محمد الدويش ﵀، يحثو على قبر رجل بعد دفنه ثلاث حثيات.

стр. 318

الحديث الرابع والسبعون حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "كسر عظم الميت، ككسر عظم الحي". ــ قال المستدرك: "الصواب أنه موقوف على عائشة، أشار إليه البخاري وابن حزم". * الجواب: هذا الحديث رواه أحمد في "مسنده" (٦/ ٥٨)، وأبو داود (٣٢٠٧) وابن ماجه (١٦١٦) والبيهقي (٤/ ٥٨) في سننهم من حديث عائشة ﵂ بإسناد صحيح. وسعد بن سعيد الأنصاري المذكور في إسناده من رجال مسلم، ولذا قَالَ ابن القطان: إنه حديث حسن، وقد تابعه أخوه يحيى بن سعيد، وهو من الثقات الأثبات، أخرجه من جهته البيهقي في "سننه"، وأبو حاتم ابن حبان في "صحيحه". وهو يرد قول ابن حزم في "المحلى": "إن هذا الحديث لا يسند إلا من طريق سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد، وهم ثلاثة: يحيى بن سعيد إمام ثقة، وعبد ربه بن سعيد لا بأس به، وسعد بن سعيد وهو ضعيف جدًّا لا يحتج به لا خلاف في ذَلِكَ، فبطل التعلق بهذا الحديث " هذا كلامه. وقوله في سعد بن سعيد: إنه ضعيف جدًّا، ليس كما ذكر، فقد أخرج له

стр. 319

مسلم في "صحيحه" محتجًّا به، ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقد تقدم أن يحيى بن سعيد تابعه، وأخرجه الدارقطني من حديث زهير بن محمد عن إسماعيل بن أبي حكيم عن القاسم عن عائشة مرفوعًا به سواء. انتهى من "البدر المنير" (١). قال ابن حبان في "صحيحه" (٧/ ٤٣٧): أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ". وقد حكى الحنابلة عن أحمد الاحتجاج بالحديث، قال البيهقي: "واحتج أحمد بحديث عائشة مرفوعًا: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" رواه أبو داود وابن ماجه عن أم سلمة، وزاد في الإثم وأخرج النساء من ترجى حياته" (٢). والحق أن شاهد الحديث في "صحيح مسلم" (٩٧٠) من حديث جابر وأبي هريرة عن جَابِرٍ قال: "نهى رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عليه وَأَنْ يُبْنَى عليه". وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَجْلِسَ أحدكم على جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلي جِلْدِهِ، خَيرٌ له من أَنْ يَجْلِسَ على قَبْرٍ" (٣). وقد تعقب غير واحد ابن دقيق العيد في قوله: رواه مسلم، منهم الحافظ ابن حجر، ولعل هذا مراده ﵀ فإنه فقيه، فإذا كان القعود على قبر الميت منهي عنه، ومحرَّم؛ فمن باب أولى كسر عظمه، والله أعلم.

стр. 320

الحديث الخامس والسبعون حديث علي ﵁ مرفوعًا: "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم". ــ قال المستدرك: "الحديث ضعيف، ولا يتقوَّى بطرقه، وضعَّفه من الأئمة: أبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود". * قلت: قال المنذري: في إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني، قال أبو زرعة الرازي: مدني ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: هو ضعيف الحديث، وقال البخاري: فيه نظر، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وحسَّن الحديث ابن عبد البر في "التمهيد"، قال: "وسعيد بن خالد هذا هو سعيد بن خالد الخزاعي مدني ليس به بأس عند بعضهم، وقد ضعفه جماعة منهم أبو زرعة وأبو حاتم" (١). وهذا من أبي عمر دليل بين أن التحسين يكون بالنظر إلى مجموع الطرق،

стр. 321

وإن كان بالنظر إلى كل طريق على حده، يحكم عليه بالضعف، وأبو عمر جعله شاهدًا لمرسل زيد بن أسلم الذي رواه مالك كما يأتي. وله شاهد من حديث الحسن بن علي عند الطبراني، من طريق حَفْصُ بن عُمَروَ الرَّقَاشِيُّ ثنا عبد اللَّهِ بن حَسَنِ بن حَسَنِ بن عَلِيٍّ عن أبيه عن جَدِّهِ قال: "قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ الْقَوْمُ يَأْتُونَ الدَّارَ فَيَسْتَأْذِنُ وَاحِدٌ منهم، أيجزئ عَنْهُمْ جميعًا؟ قال: نعمِ. قِيلَ: فَيَرُدُّ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أيجزئ عَنِ الْجَمِيعِ؟ قال: نعم. قِيلَ: الْقَوْمُ يَمُرُّون فَيُسَلِّمُ واحد منهم أيجزئ عَنِ الْجَمِيع؟ قال: نعم. قِيلَ: فيَرُدُّ رَجُلٌ مِنَ الْقَومِ أيجزئ عَنِ الجميع؟ قال: نعم" (١). وعبد الله بن حسن قال فيه ابن كثير: "عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي؛ تابعي، روى عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو صحابي جليل، وغيرهم، وروى عنه جماعة: منهم سفيان الثوري، والدراوردي، ومالك، وكان معظَّمًا عند العلماء، وكان عابدًا كبير القدر، قال يحيى بن معين: كان ثقة صدوقًا" (٢). وحفص بن عمرو من شيوخ ابن ماجه، وابن خزيمة، قال في "التقريب": ثقة من العاشرة.

стр. 322

وله شاهد آخر رواه عبد الرزاق "مصنفه" (١٠/ ٣٨٧ - ٣٨٨): أخبرنا عبد الرزاق: عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده قال: كتب معاوية إلى عبد الرحمن بن شبل: "أَنْ عَلِّمِ الناسَ ما سمعتَ من رسول الله ﷺ . فجمعهم، فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه، فلا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ثم قال: إن التجار هم الفجار"، قالوا: يا رسول الله؛ أليس قد أحل الله البيع وحرم الربا؟! قال: "بلى ولكنهم يحلفون، ويأثمون، ثم قال: إن الفساق هم أهل النار"، قالوا: يا رسول الله، ومن الفساق؟ قال: "النساء"، قالوا: أوليس بأمهاتنا، وبناتنا، وأخواتنا؟! قال: "بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن، ثم ليسلم الراكب على الراجل، والراجل على الجالس، والأقل على الأكثر، من أجاب السلام كان له، ومن لم يجب فلا شيء له". قال الحافظ: "وقد صحح أحمد طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده" (١). وله شاهد مرسل رواه مالك في "الموطأ": حدثني عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ أَنَّ رَسُول الله قال: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ على الْمَاشِي، وإذا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ واحد أَجْزَأَ عَنْهُمْ" (٢). فالحديث بهذه الطرق -كما قال مُحَدِّثُ عصرنا-: حديث حسن.

стр. 323

الحديث السادس والسبعون حديث أبي هريرة وفيه زيادة: "الحمد لله على كل حال". ــ قال المستدرك: "هذه الزيادة ضعيفة ......... ". * الجواب: قال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال -أو قال: الحمد لله- فإذا قال له أخوه -أو صاحبه-: يرحمك الله، قال: يهديكم الله ويصلح بالكم" (١). سئل الدارقطني عنه، فقال: رواه يحيى القطان، وعلي بن مسهر، وحفص بن غياث، وحمزة الزيات، ومنصور بن أبي الأسود، وأبو عوانة عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن علي. وخالفهم شعبة بن الحجاج، وعدي بن عبد الرحمن أبو الهيثم، فروياه عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن أبي أيوب

стр. 324

الأنصاري. والاضطراب فيه من ابن أبى ليلى، لأنه كان سيئ الحفظ (١). قال ابن حبان: أخبرنَا عَند الله بن محمد الأزدى قال: حدثنا إسحاق بن إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حدثنا يَحيَى بن آدم، قال: حدثنا إسرائيل عن منصور عن هلال ابْنِ يَسَاف، قَالَ: "كُنَّا مَعَ سالم بن عبيد في غزاة فعطس رجلٌ من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال سالم: السلام عليك وعلى أمك، فوجد الرجل في نفسه، فقَالَ لَهُ سَالِمٌ: كَأَنَّكَ وجدت في نفسك، فقال: ماكنت أحبّ أن تذكر أمي بِخَيْرٍ وَلا بِشَرٍّ، فقَالَ سَالِم: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَعَطَسَ رَجُلٌ، فقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَوْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" (٢). قال ابن عبد البر: "ومن أدب العطاس: أن يضع العاطس يده على فيه، ويخفض بالعطسة صوته ويقول: الحمد لله على كل حال" (٣). قال النووى في "الأذكار": "اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه: الحمد لله، ولو قال الحمد لله رب العالمين لكان أحسن، فلو قال: الحمد لله على كل حال كان أفضل" (٤). وفي "شرح السنة" للبغوي: "عطس الحسن فقال: الحمد لله على كل حال" (٥). وفي "حلية الأولياء": حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا محمد بن الوليد القرشي صاحب غندر، ثنا محمد بن فضالة، وكان لا

стр. 325

يقدر أن يمشي من الخوف، ثنا عبد الله الغنوي عن أبي إسحاق الفزاري قال: "من قال: الحمد لله على كل حال، فإن كانت نعمة كانت لها شكرًا، وان كانت مصيبة كانت لها عزاء" (١). وفي "مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله" (ص ٤١): "وعطست أنا عند أبي غير مرة، فحمدت الله، فرَّد عليَّ: رحمك الله، فقلت له: يهديكم الله ويصلح بالكم. حدثني أبي قال: نا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة عن محمد بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن أبي أيوب عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".

стр. 326

الحديث السابع والسبعون حديث ابن عمر ﵁: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". ــ قال المستدرك: "لا يصح في اشتراط الحول حديث مرفوع .... ". * قلت: قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣١١): "فائدة: أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد". وهذا أقوى دليل على صحة الحديث، فلسنا بحاجة إلى مناقشة المستدرك.

стр. 327

الحديث الثامن والسبعون حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ : "كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل، من كل عشر قرب قربة من أوسطها". ــ قال المستدرك: قال البخاري: "ليس في زكاة العسل حديث يصح ... ". ثم قال: "ثم أخيرًا أقول: قارن بين معالجة الحافظ الدارقطني لطرق هذا الحديث، وبين عمل الشيخ الألباني ﵀؛ ليتبين لك الفرق بين طريقة كل منهما في تعليل الأحاديث". * قلت: قد وافق الشيخ من هو خير منك ومن الدارقطني، قال عبد الله في المسائل: "سألتُ أبي عن العسل هل تجب فيه الزكاة؟ قال: في العسل العشر. حدثني أبي قال: نا وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن أبي سيارة قال: قلت: "يا رسول الله؛ إني لي غلاًّ، قال: "أَدِّ العشر". فقلت: يا رسول الله؛ احمها لي. قال: فحماها لي" (١).

стр. 328

وتمام الحديث: "فلما وُلِّيَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ ﵁ كتب سُفْيَانُ بن وَهْبٍ إلى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عن ذلك، فَكَتَبَ عمر ﵁: "إن أَدَّى إِلَيْكَ ما كان يُؤَدِّي إلى رسول اللَّهِ ﷺ من عُشُورِ". قال شيخ الإسلام: "ويوجبها في العسل لما فيه من الآثار التي جمعها هو وإن كان غيره، لم تبلغه إلا من طريق ضعيفة" (١). وهذا يدل على ما تقدم غير مرة أن الإمام أحمد يقوي الحديث المرفوع بالآثار الصحيحة (٢).

стр. 329

الحديث التاسع والسبعون حديث "زكاة الحلي ......... ". ــ قال المستدرك: "أحاديث زكاة الحلي ضعفها الأئمة المتقدمون ... ". * الجواب: روى الإمام أحمد وأهل السنن: من طريق حسين بن ذكوان عن عمرو عن أبيه عن جدِّه قال: "جاءت امرأةٌ وابنُتها من أهل اليمن إلى رسول الله ﷺ وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهبٍ، قال: هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: فيسرُّك أن يسورك الله بسوارين من نارٍ؟ فخلعتهما، وقالت: هما للَّه ولرسوله" (١). وحسين هو المعلم ثقة من رجال الشيخين، تابعه حجاج والمثنى بن الصباح، وابن لهيعة. وتقدم النقل عن الإمام أحمد في الاحتجاج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

стр. 330

قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب، يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري، يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: عمرو بن شعيب ثقة. سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا الوليد الفقيه، يقول: سمعت الحسن بن سفيان، يقول: سمعت إسحاق بن راهويه، يقول: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم؛ أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، نا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس قال: قال محمد بن إسماعيل البخاري: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أيو إبراهيم السهمي القرشي سمع أباه، وسعيد بن المسيب، وطاوسًا، روى عنه أيوب وابن جريج، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والحكم، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، قال البخاري: وقال أحمد بن سليمان: سمعت معتمرًا يقول: قال أبو عمرو بن العلاء: كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يعاب عليهما شيء، إلا أنهما كانا لا يسمعان شيئًا إلا حدَّثا به. قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (١). * قلت: وذلك بشرطين: أن يصح السند إلى عمرو. والثانى: أن لا ينفرد بما لا شاهد له من السنة والأثر. وهذا الحديث توفر فيه الأمران، فقد روى البخاري من طريق شَقِيق عن عَمْرِو بن الْحَارِثِ عن زَيْنَبَ امْرَأَةِ عبد اللَّهِ ﵂، قال: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عَمْرِو بن الْحَارِثِ عن زَيْنَبَ امْرَأَةِ عبد اللَّهِ بمثله

стр. 331

سَوَاء، قالت: "كنت في الْمَسْجدِ فَرَأَيْتُ النبي ﷺ فقال: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ من حُلِيكُنَّ الحديث" (١). قال البخاري معلِّقًا عليه: وقال النبي ﷺ : "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ من حُلِيِّكُنَّ". فلم يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ من غَيْرِهَا". ومن حديث ابن عباس: "ثُمَّ أتى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُهْوِي بِيَدِهَا إلى حَلَقِهَا، تُلْقِي في ثَوْبِ بِلالٍ، ثُمَّ أتى هو وَبِلالٌ الْبَيْتَ". فهذا أمره ﷺ النساء أن يتصدَّقن من حليهن. فإن قيل: فهذا الأمر للاستحباب. قلنا: لأن الغالب على حلي النساء في ذلك الوقت أنه قليل، لا يبلغ النصاب، ولما رأى النبي ﷺ في يد البنت مسكتان غليظتان، أمر أمها أن تؤدي زكاتها وجوبًا. يزيد هذا إيضاحًا: أنه ثبت عن جابر أنه قال: "لا زكاة في الحلي" (٢). وثبت عنه أيضًا ما روى عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن عمرو بن دينار قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الحلي هل فيه زكاة؟ قال: لا، قلت: إن كان ألف دينار، قال الألف كثير" (٣). وروى عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: "أن عائشة كانت تحلي بنات أخيها بالذهب واللؤلؤ فلا تزكيه، وكان حليُّهم يومئذ يسيرًا" (٤).

стр. 332

وقد ثبت عن غير واحد من الصحابة القول بزكاة الحلي: ففي "مصنف عبد الرزاق": عن الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: "قالت امرأة عبد الله: إن لي حليًّا فأزكيه، قال: إذا بلغ مائتي درهم فزكيه" (١). عبد الرزاق عن الثوري عن أبي موسى عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو: "أنه كان يحلي بناته بالذهب -ذكر أكثر من مائتي درهم أراه ذكر الألف أو أكثر- كان يزكيه" (٢). وقد ثبت عن عائشة أيضًا: رواه أبو عبيد. وعليه فإن الدين أفتوا بعدم الوجوب من الصحابة ومنهم عائشة وجابر، يريدون ما جرت العادة بلبسه، لا ما بلغ النصاب، ولذا روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: "ليس في الحلي زكاة، وإنها لسفيهة إن تحلت بما تجب فيه الزكاة" (٣). والحديث له ثمانية شواهد عن ثمانية من الصحابة، لا تخلو من مقال، مرفوعة إلى النبي ﷺ ، لم أتعرض لها طلبًا للاختصار، وتصحيح الشيخ ناصر للحديث يدل على إمامته في العلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 333

الحديث الحادي والثمانون حديث عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة إلا لخمسة: رجل اشتراها بماله، أو رجل عمل عليها، أو ابن السبيل أو في سبيل الله، أو رجل كان له جار فتصدق عليه فأهدى له". فأسقط الغارم وجعل مكانه "ابن السبيل". ــ قال المستدرك: "الحديث معلول بالإرسال، أعلَّه بذلك من الأئمة: أبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني ... ". * الجواب: قال الحافظ: "حَدِيثُ: "لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إلاَّ لِخَمْسَةٍ، فذكر منهم الْغَارِمَ"، مَالِكٌ في "الْمُوَطَّأِ" من مُرْسَلِ عَطَاءِ بن يَسَارٍ، وَاخْتُلِفَ فيه على زَيْدِ بن أَسْلَمَ عنه فقال: أَكْثَرُ أصحابه عنه هَكذَا، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، فقيل عنه هَكَذَا، وَقِيلَ عن عَطَاءٍ حدثني الثَّبْتُ، وَقِيلَ عن عَطَاءٍ عن أبي سَعِيد الْخُدْرِيِّ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عن زَيْدِ بن أَسلَمَ عن عَطَاءٍ عن أبي سَعِيدٍ من غَيْرِ خِلافٍ فيه، أَخْرَجَهُ أبو دَاوُد وابن ماجه، وَأَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَة" (١).

стр. 334

* قلت: وهو الحق. قال ابن الملقن: "وقال البزار في "مسنده": هذا الحديث قد رواه غيرُ واحدٍ عن زيد عن عطاء مرسلاً. وأسنده عبد الرزاق عن معمر، والثوري قال: وإذا حدَّث بالحديث ثقةٌ كان عندي الصواب، وعبد الرزاق عندي ثقة، ومعمر ثقة. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث وصله جماعة من رواية زيد بن أسلم، وقال ابن الجوزي في "تحقيقه": إسناده ثقات. وجمع البيهقي طُرُقَهُ، وفيها أن مالكًا وابن عيينة أرسلا، وأن معمرًا والثوري وصلا، وهما من جُلَّة الحفاظ المعتمدين، والصحيح إذن أن الحُكم للمتصل كما صرَّح به أهل هذا الفن والأصوليون" (١). وفي "مسائل إسحاق بن راهويه والإمام أحمد" "قُلْتُ لأحمدَ: أبو سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا تحلُّ الصدقةُ لغني إلا لخمسةٍ: لعاملٍ عليها، أو لغنيٍّ اشتراها بمالِهِ، أو غازٍ في سبيلِ الله ، أو مسكينٍ تُصدق عليه منها، فأهداها لغنيٍّ، أو غارمٍ"، قَالَ: نعم هكذا حُدِّثنا عن أبي سعيد الخدري ﵁"" (٢). وشواهده في الصحيحين وغيرهما.

стр. 335

الحديث الثاني والثمانون حديث أم المؤمنين حفصة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث أعلَّه الأئمة بالوقف، كالإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، والترمذي، وأبو داود (١)، وأبو حاتم، ومن خالف كل هؤلاء فهو محجوج". * قلت: الحديث له ثلاث طرق: قال الدارقطني: وثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يونس بن عبد الأعلى قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له". فإن قالوا: هذا الحديث قد رواه جماعة موقوفًا، وإنما رفعه عبد الله بن أبي بكر!

стр. 336

قلنا: الراوي قد يسند الحديث، وقد يفتي به، وقد يرسله، وعبد الله من الثقات الرفعاء، والرفع زيادة فهي من الثقة مقبولة. قال البيهقي فيه: هذا حديث قد اختلف على الزهري في إسناده، وفي رفعه إلى النبي ﷺ ، وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده، ورفعه، وهو من الثقات الأثبات. وقال الدارقطني: رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء (١). ويشهد له أيضًا حديث عائشة ﵁: قال الدارقطني: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى بن أبي حامد ثنا روح بن الفرج، ثنا عبد الله بن عباد، ثنا المفضل بن فضالة، حدثني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له" (٢). قال الدارقطني: كلهم ثقات. "وقوله كلهم ثقات فيه نظر، فإن عبد الله بن عباد غير مشهور، ويحيى بن أيوب ليس بالقوي، وقد اختلف عليه فيه" (٣). قال الحافظ في "الفتح": "وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصححوا الحديث المذكور، منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وروى له الدارقطني طريقًا آخر، وقال: رجالها ثقات" (٤). وحديث حفصة صحح وقفه غير واحد من الأئمة، والأظهر أنه صحيح مرفوع، وشاهده في البخاري ومسلم.

стр. 337

قال الإمام مسلم: حدثني محمد بن حَاتِمٍ، حدثنا يحيى بن سَعِيدٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، وحدثني محمد بن رَافِعِ، واللفظ له: حدثنا عبد الرَّزَّاقِ بن هَمَّامٍ، أخبرنا ابن جُرَيْجٍ، أخبرني عبد الْمَلِكِ بن أبي بَكْرِ بن عبد الرحمن عن أبي بَكْرٍ، قال: سمعت أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُصُّ يقول في قَصَصِهِ: "من أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فلا يَصُمْ. فَذَكَرْتُ ذلك لِعَبْدِ الرحمن بن الْحَارِثِ لأَبِيهِ، فَأَنْكَرَ ذلك، فَانْطَلَقَ عبد الرحمن، وَانْطَلَقْتُ معه حتى دَخَلْنَا على عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵂، فَسَأَلَهُمَا عبد الرحمن عن ذلك، قال: فَكِلْتاهُمَا قالت: "كان النبي ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا من غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ". قال: فَانْطَلَقْنَا حتى دَخَلْنَا على مَرْوَانَ، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلا ما ذَهَبْتَ إلى أبي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عليه ما يقول. قال: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ وأبو بَكْرٍ حَاضِرُ ذلك كُلِّهِ، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لك؟ قال: نعم، قال: هُمَا أَعْلَمُ. ثُمَّ رَدَّ أبو هُرَيْرَةَ ما كان يقول في ذلك إلى الْفَضلِ بن الْعَبَّاسِ، فقال أبو هُرَيْرَةَ: سمعت ذلك من الْفَضْلِ، ولم أَسْمَعْهُ من النبي ﷺ ، قال: فَرَجَعَ أبو هُرَيْرَة عَمَّا كان يقول في ذلك، قلت لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أقَالَتَا في رَمَضانَ؟ قال: كَذَلِكَ، كان يُصْبِحُ جُنُبًا من غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يصومُ". ووجه الدلالة من هذا الحديث: قوله ﷺ : "من أصبح جنبًا، فلا صيام له"، فهو وإن كان منسوخًا، فلا يُفهم من نفي صحة الصيام، إلا التأخر عن تبييت النية، والتي لا بد أن تكون من الليل، بدليل أن أم سلمة وعائشة ﵂ نصَّتا على أن ذلك في رمضان، ومن المعلوم أنه لا فرق في صيام رمضان عن غيره إلا وجوب تبييت النية من الليل. قال الإمام مسلم: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مَالِكٍ عن عبد رَبِّهِ بن سَعِيدٍ، عن أبي بَكْر بن عبد الرحمن بن الْحَارِثِ بن هِشَام، عن عَائِشَةَ وَأُمَ سَلَمَةَ زَوْجَيْ النبي ﷺ أنهما قَالَتَا: "إن كان رسول اللَّهِ ﷺ ليُصبحُ جُنُبًا من جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ في رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ".

стр. 338

ثم بين بفعله ﷺ أن هذا الفعل لا يناقض تبييت النية، فهو بعينه حديث حفصة: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". وجاءت السنة بالترخيص في ترك تبييت النية في النافلة: وذلك فيما رواه مسلم عن عائشة مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ ، قال ﵀: وحدثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ حدثنا وَكِيع عن طَلْحَةَ بن يحيى، عن عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قالت: "دخل عَلَيَّ النبي ﷺ ذاتَ يَوْمٍ فقال: هل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْنَا: لا، قال: فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فقال: أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَلَ". ومما يقرب هذا: أن الأمر بالسحور لم يرد فيما أعلم إلا في صيام رمضان، وذلك لاشتراط النية فيه من الليل، فقد روى الشيخان عن ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يُنَادِيَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ". ففيه معنى حديث حفصة. وفي "مسائل إسحاق بن منصور" للإمامين: "قُلْتُ: قولُهُ: "لا صيامَ لمن لمْ يجمعْ الصيامَ منَ الليلِ"، قَالَ: هَذَا عندي عَلَى رمضان، قَالَ إِسحاقُ: كمَا قَال، وكلٌّ واجب نذرٌ أو قضاءٌ" (١)، والله أعلم وأحكم.

стр. 339

الحديث الثالث والثمانون حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث معلول عند جَمْعٍ من الأئمة، فقد أعلَّهُ: الإمام أحمد، والحافظ البخاري، والترمذي، والبيهقي، قال ابن القيم: "إن الحفَّاظ لا يرونه محفوظًا" اهـ. * الجواب: قال شيخ الإسلام: "والذين لم يثبتوا هذا الحديث لم يبلغهم من وجه يعتمدونه، وقد أشاروا إلى علته، وهو انفراد عيسى بن يونس، وقد ثبت أنه لم ينفرد به، بل وافقه عليه حفص بن غياث" (١). وما نبَّه إليه شيخ الإسلام ذكره أبو داود في "السنن"، قال أبو دَاوُد: "رَوَاهُ أَيْضا حَفْصُ بن غِيَاثٍ عن هِشَامٍ مثله" (٢). ويشهد له ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، عن أبي الدَّرْدَاءِ ﵁: "أَنَّ

стр. 340

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، فَتَوَضَّأَ، فلقيت ثَوْبَانَ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذلك له، فقال: صَدَقَ، أنا صَبَبْتُ له وَضُوءَهُ" (١)، وهو حديث صحيح كما. قال الإمام أحمد والبخاري. وقد أفتى به الصحابة، فقد روى عبد الرزاق عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: "من استقاء فقد أفطر وعليه القضاء، ومن ذرعه قيء فلا قضاء عليه" (٢). قال ابن الملقن: "وقد أسلفنا عن الدارقطني أنه قال: رواته كلهم ثقات. وتابعه على ذلك عبد الحق في "أحكامه"، وصاحب "الإلمام"، وقد صححه ابن حبان كما سلف، واستدركه الحاكم من حديث حفص بن غياث عن هشام به" (٣)، وحسنه الترمذي. أما ما نقله المستدرك عن البخاري استدلاله بأثر أبي هريرة: "إذا قاء فلا يفطر ....... ". فإن هذا ينتقض بخروج المني والحيض، والذي يظهر أن أبا هريرة يريد بيان أن القيء لا يفطر إذا غلبه، وأما إذا استقاء وتعمد إخراجه فإنه يفطر، ويدل على ذلك: عدم وجود التفصيل الموجود في الحديث، ويؤكد دْلك: ما رواه النسائي موقوفًا على أبي هريرة: "أنبأنا محمد بن حاتم قال: حدثنا حبان قال: أنبأ عبد الله بن الأوزاعي، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: "من قاء وهو صائم فليفطر" (٤). وفي "مسائل عبد الله": "سمعتُ "أبي يقولُ في رجل تقيَّأَ لم يتعمد ذلك في

стр. 341

رمضان، فقال أبي: أرى أن لا يعيد صوم ذلك. فقلت لأبي: فإن هو تقيأ تعمد ذلك؟ قال: أرى أن يعيد الصوم ذلك اليوم، وليس عليه كفارة" (١). وقد روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن جمع من الصحابة والتابعين القول بظاهر الحديث. وأما أثر ابن عباس الذي علقه البخاري، فهو مع إجماله فقد بيَّن الحافظ في "التغليق" أنه ضعيف، وقد روى عنه أبو بكر ما يوافق الحديث، حدثنا الفضل بن دُكَيْنٍ عن إسْرَائِيلَ، عن جَابِرِ بن طَلْحَةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: "إذَا تَقَيَّأَ الصَّائِمُ فَقَدْ أَفْطَرَ" (٢)، وفيه انقطاع، فلله الحمد.

стр. 342

الحديث الثامن والثمانون حديث: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث لا يصح، وضعَّفه عدد من الأئمة المتقدمين، منهم: الزهري، ومالك، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد القطان، والإمام أحمد، والنسائي، والطحاوي". * الجواب: قال ابن القيم: "حديث عبد الله بن بسر هذا، رواه جماعة عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء، ورواه النسائي عن عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ ، ورواه أيضًا عن الصماء عن عائشة عن النبي ﷺ . فهذه ثلاثة أوجه. وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديمًا وحديثًا. فقالى أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسْأَل عن صيام يوم السبت يفرد به، فقال: أما صيام يوم السبت يفرد به، فقد جاء فيه ذلك الحديث حديث الصماء، يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي ﷺ : "لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم"،

стр. 343

قال أبو عبد الله: يحيى بن سعيد ينفيه، أَبَى أن يحدِّثني به، وقد كان سمعه من ثور، قال: فسمعته من أبي عاصم. وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره في معرض الجواب، فهو متضمن للجواب والاستدلال معًا، وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد، فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث" (١). ثم اعلم أن حديث الصماء أُعِلَّ بأمور: أحدها: بالاضطراب، حيث روي عن عبد الله بن بسر عنها وعنه عن رسول الله ﷺ ، وعن أبيه بسر عن النبي ﷺ ، وعن الصماء عن عائشة أم المؤمنين عن النبي ﷺ ، قال النسائي: وهذه أحاديث مضطربة. قال ابن الملقن: "ولك أن تقول وإن كانت مضطربة فهو اضطراب غير قادح، فإن عبد الله بن بسر صحابي، وكذا والده والصماء ممن ذكرهم في الصحابة ابن حبان في أوائل "الثقات"، فتارة سمعه من أبيه، وتارة من أخته، وتارة من رسول الله ﷺ ، وتارة سمعته أخته من عائشة، وسمعته من رسول الله ﷺ . قال عبد الحق: وقيل في هذا الحديث عن عبد الله بن بسر عن عمته الصماء، قال: وهو أصح. قلت: وأخرجه من هذا الطريق البيهقي في سننه. وقال الدارقطني في "سننه": إن الصحيح عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء" (٢).

стр. 344

قال ابن القيم: "قالوا: وأما قولكم إن الاستثناء دليل التناول ... إلى آخره، فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي. فصورة الاقتران بما قبله، أو بما بعده أخرجت بالدليل الذي تقدم فكلا الصورتين مخرج، أما الفرض؛ فبالمخرج المتصل، وأما صومه مضافًا؛ فبالمخرج المنفصل، فبقيت صورة الإفراد، واللفظ متناول لها، ولا مخرج لها من عمومه، فيتعين حمله عليها" (١). والحديث حسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان. وكراهة إفراده مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة هو الحق، فقد روى اين أبي حاتم في "تفسيره": حدثنا أبي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا عبد الله بن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] قال: قال ابن عباس: "ابتدعوا السبت، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم الحيتان، قوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ " (٢). [الأعراف: ١٦٣]. فهذا الأثر صريح في أن تعظيمهم يوم السبت هو من ابتداعهم. وعليه فيستفاد منه أمران: الأول: تحريم تخصيص يوم السبت بعبادة. الثاني: أن هذا التعظيم لا يتحقق إلا بإفراده، ويدل عليه قوله ﷺ : "أتريدين أن تصومي غدًا"؟

стр. 345

ونظيره: النهي عن تخصيص يوم الجمعة بعبادة، لأنه يوم عيد فيكون من الابتداع، لكن لو صام قبله أو بعده، كما لو وافق الأيام البيض، فهذا لا يظهر فيه التخصيص المنهي عنه، وبهذا تجتمع الأدلة. علمًا أني لا أعلم أحدًا من أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم أفتى أنه لا يجوز صيامه بكل حال إلا في الفرض، وإنما يمنعون إفراده، والله أعلم.

стр. 346

الحديث التسعون حديث ابن عباس مرفوعًا: "أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عيد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث لا يصح إلا موقوفًا على ابن عباس ﵁، ورفعه خطأ من بعض الرواة ... ". * قلت: الحديث رواه البيهقي وغيره، ولم يرفعه إلا يزيد بن زريع عن شعبة وهو ثقة، وتابعه الحارث بن سريع الخوارزمي النقال عن يزيد بن زريع عن شعبة، كما ذكره الخطيب في "تاريخ بغداد". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: "احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس: أيما عبد حج به أهله ... " الحديث (١). وهذا ظاهر في رفعه، بل قطعي، وإسناده صحيح، وله شاهد احتج به الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: "وكذلك الصبي؛ لما روى محمد بن كعب

стр. 347

القرظي قال: قال رسول الله- ﷺ : "إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين، أيما صبي حج به أهله، فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه، فان أعتق فعليه الحج"، رواه سعيد وأبو داود في مراسيله، واحتج به أحمد" (١). قال الزركشي: "ذكره أحمد في رواية ابنه عبد الله" (٢). وأما قول المستدرك ص ٤١٣: "ولو أخذنا بهذا المبدأ الذي يعمل به الشيخ الألباني ﵀ من الاكتفاء بثقة الرواة، لأدَّى ذلك إلى إهدار تعليلات الأئمة، في عدد كبير من الأحاديث ... ". سبحان الله! أيهما أعظم إهدارًا: تعليلات الأئمة بزعمك، أم إهدار سنة رسول الله ﷺ ؟! فأنت حتى لم تحط بطرق الحديث وشواهده، وإنما اكتفيت بالتقليد، والله المستعان.

стр. 348

الحديث الحادى والتسعون حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ ، سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة". ــ قال المستدرك: "هذا الحديث أعلَّه الأئمة بالوقف؛ منهم: الإمام أحمد، وابن المنذر والطحاوي". * قلت: قد رجع الإمام أحمد عن قوله: رفعه خطأ (١)، قال شيخ الإسلام: "قإن قيل: هذا الحديث موقوف على ابن عباس، ذكر الأثرم عن أحمد أن رفعه خطأ، وقال: رواه عدة موقوفًا على ابن عباس، وهو مشهور من حديث قتادة عن عروة عن سعيد بن جبير، وقد قال يحيى: عزرة لا شيء. قلنا: قد تقدم أن أحمد حكم بأنه مسند وأنه من قول رسول الله ﷺ ، فيكون قد اطلع على ثقة من رفعه، وقرر رفعه جماعة" (٢).

стр. 349

وفي "مسائل ابنه صالح": "قلت: ما تقول في رجل لم يحج عن نفسه أيحج عن غيره؟ وما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "حج عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة"، وما سألت الخثعمية: "إن أبي شيخ كبير أفأحج عنه؟ فقال: نعم"؟ فقال لا يحج عن أحد حتى يحج عن نفسه، وقد بين ذلك النبي ﷺ فقال: "احجج عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة"" (١). وهكذا صححه إسحاق بن راهوية، كما في "مسائل إسحاق بن منصور" (٢). وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه" (٣). وهكذا الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٢٢٤) حيث قال: "فَيَجْتَمِعُ من هذا صِحَّة الحديث". قال ابن الملقن: "فائدة رابعة غريبة: أن هذا الحديث من رواية ابن عباس، ومن رواية عائشة، وظفرت له بطريق ثالث من حديث أبي الزبير عن جابر: "سمع رسول الله ﷺ رجلاً وهو يلبي: لبيك عن شبرمة، فقال رسول الله ﷺ : أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: أفلا حججت عن نفسك، ثم حججت عن شبرمة"، رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في معجمه عن أحمد بن يوسف بن الضحاك نا عمر بن يحيى نا ثمامة نا أبو الزبير فذكره" (٤). فرحم الله أبا عبد الرحمن كان كثيراً ما يردد: كم ترك الأول للآخر!

стр. 350

الحديث الثاني والتسعون أخرج مسلم: من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر يسأل عن المُهَلِّ، فقال: سمعت (أحسبه رفع إلى النبي ﷺ ) فقال: "مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهَلُّ أهل نجد من قرن، ومُهَلُّ أهل اليمن من يلملم". ثم ذكر الشيخ الألباني طريقًا آخر لحديث جابر، رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا بدون شك" اهـ. ــ قال المستدرك: "حديث جابر الصحيح هو ما أخرجه مسلم بالشك في رفعه، وحديث ابن لهيعة ضعيف، أعلَّه البيهقي كما سيأتي، وهو الذي يشعر به صنيع مسلم، والأئمة لا يصحِّحون حديثًا مرفوعًا في ذات عرق ... ". * قلت: بل ما ذهب إليه الشيخ من إثبات رواية الرفع هو الحق. قال شيخ الإسلام: "والثالث: ما روي عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عيد الله سئل عن المهل فقال: سمعت -أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر: الجحفة، ومهل أهل العراق: ذات عرق، ومهل أهل نجد: من قرن، ومهل أهل اليمن: من يلملم". رواه مسلم، ورواه ابن ماجه بلا شك من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد

стр. 351

احتج أحمد به مرفوعًا، ورواه أبو عبد الرحمن المقرئ عن ابن لهيعة عن أبي الزبير مرفوعًا بلا شك، وروى المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل العراق ذات عرق" (١)، رواه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، وهذا إسناد جيد، وقد رواه عبد الله بن أحمد وغيره مستوفى في المواقيت الخمسة، قالت: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل العراق ذات عرق". وقال أبو عاصم: ثنا محمد بن راشد عن مكحول: "أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق"، وعن عطاء قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق" (٢)، رواه سعيد، فهذا قد روي مرسلاً من جهة أهل المدينة، ومكة، والشام، ومثل هذا يكون حجة. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق" (٣)، رواه أحمد عن وكيع عنه. وعن الحارث بن عمرو السهمي قال: "أتيت النبي ﷺ وهو بمنى، أو عرفات، وقد أطاف به الناس، قال: فيجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق لأهل العراق"، رواه أبو داود، والدارقطني، ولفظه: "وقت لأهل اليمن يلملم أن يهلوا منها، وذات عرق لأهل العراق" (٤).

стр. 352

وذهب أبو الفرج ابن الجوزي وغيره من أصحابنا إلى أن ذات عرق إنما ثبتت بتوقيت عمر ﵁، اجتهادًا، ثم انعقد الإجماع على ذلك، لما روى ابن عمر قال: "لما فتج هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا، وإنه جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق"، رواه البخاري. فهذا يدل على أنها حديث بالاجتهاد الصحيح، لأن من لم يكن على طريقه ميقات، فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إلى طريقه، وهم يحاذون قرنًا إذا صاروا بذات عرق، ولو كانت منصوصة لم يحتج إلى هذا، وأحاديث المواقيت لا تعارض هذا، فعلى هذا هل يستحب الإحرام من العقيق؟ والأول هو الصواب، لما ذكرناه من الأحاديث المرفوعة الجياد الحسان التي يجب العمل بمثلها مع تعددها، ومجيئها مسندة، ومرسلة من وجوه شتى. وأما حديث عمر؛ فإن توقيت ذات عرق كان متأخرًا في حجة الوداع، كما ذكره الحارث بن عمرو، وقد كان قبل هذا سبق توقيت النبي ﷺ لغيرها، فخفي هذا على عمر ﵁، كما خفي عليه كثير من السنن، وإن كان علمها عند عماله وسعاته، ومن هو أصغر منه مثل دية الأصابع، وتوريث المرأة من دية زوجها، فاجتهد وكان محدَّثًا موفَّقًا للصواب، فوافق رأيه سنة رسول الله ﷺ ، وليس ذلك ببدع منه ﵁، فقد وافق ربه في مواضع معروفة، مثل المقام، والحجاب، والأسرى، وأدب أزواج النبي ﷺ ، فعلى هذا لا يستحب الإحرام قبلها، كما لا يستحب قبل غيرها من المواقيت المنصوصة، قال عبد الله: سمعت أبي يقول: أرى أن يحرم من ذات عرق. فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن عبد الله بن

стр. 353

عباس عن ابن عباس قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق" (١)، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. فإن لم يكن هذا مفيدًا لوجوب الإحرام منها فلا بد أن يفيد الاستحباب. قيل: هذا الحديث مداره على يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقالوا: يزيد يزيد. ويدل على ضعفه: أن حديث ابن عباس المشهور الصحيج قد ذكر فيه المواقيت الأربعة، ولم يذكر هذا؛ مع أن هذا مما يقصد المحدت ذكره مع إخوته لعموم الحاجة إليه أكثر من غيره، فإن حجاج المشرق أكثر من حجاج سائر المواقيت. وأن الناس أجمعوا على جواز الإحرام دونه، فلو كان ميقاتًا لوجب الإحرام منه، كما يجب الإحرام من سائر ما وقته النبي ﷺ إذ ليس لنا ميقات يستحب الإحرام منه، ولا يجب على أن قوله: وقت، لا يقتضي إلا وجوب الإحرام منه. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرابم من الميقات، وأن الأحاديث التي هي أصح منه وأكثر تخالفه، وتبين أن النبي ﷺ وقت ذات عرق. ويشبه -والله أعلم-: أنه إن كان لهذا الحديث أصل -يعني حديث ابن عباس- أن يكون منسوخًا، لأن توقيت ذات عرق كان في حجة الوداع، حيث أكمل الله دينه، وبعد أن أكمل الله دينه لم يغيره. ولأن ابن عباس لم يذكره لما ذكر حديثه المشهور، فيكون إن كان حدث به مرة، قد تركه، لما علم من نسخه، ولهذا لم يروه عنه إلا ولده الذي قد يقصد

стр. 354

بتحديثهم إخبارهم بما قد وقع، لا لأن يبني الحكم عليه. وما روي عن أنس أنه كان يحرم منه، فكما كان عمران بن حصين يحرم من البصرة، وكان بعضهم يحرم من الربذة" (١). وهذا كله يؤكد إمامة أبي عبد الرحمن في الحديث، وإلا فإن المشهور في الكتب أنه من سنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فلو كان الشيخ ممَّن يجمع ولا يحقق أو يقلد، لما خالف المشهور، وبالله التوفيق.

стр. 355

الحديث الرابع والتسعون قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته راحلته: "ولا تغطوا وجهه". ــ قال المستدرك: "هذه الزيادة ذكرها مسلم، دون البخاري، مع العلم أنهما متَّفقان على هذا الحديث. وهي شاذَّة، ضعَّفها الحاكم، والبيهقي، ويفهم تضعيفها من صنيع البخاري ... ". * قلت: الحديث رواه مسلم (١٢٠٦) من طريق إسرائيل، عن منصور، وأبي الزبير؛ كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر الحديث، قال منصور: "ولا تغطوا وجهه"، وقال أبو الزبير: "ولا تكشفوا وجهه". وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه"، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا يمس طيبًا، خارج رأسه" (١)، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك، فقال: "خارج رأسه ووجهه". والذي يظهر لي: أنها ثابتة، والذي أشكل على من ضعفها، أنه جاء عن
следующие страницы →