← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96928

رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

عبد الله العبيلان

Полный текст (376 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

رَدُّ الجَمِيلِ فِي الذَّبِّ عَن إرواء الغليل وَهُوَ رَدٌّ عَلَى كِتَابِ (مُسْتَدْرك التَّعْلِيل) تَأليفُ أبي عبد الرَّحمن عبد الله بن صالح العبيلان دَارُ اللُؤْلُؤَة - الدَّارُ الأثريَّةُ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

رَدُّ الجَمِيلِ فِي الذَّبِّ عَن إرواء الغليل وَهُوَ رَدٌّ عَلَى كِتَابِ (مُسْتَدْرك التَّعْلِيل)

стр. 4

جَميع الحقُوق مَحفوظَة الطَّبعَةُ الأُولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م دار اللؤلؤة لِلطبَاعَةِ وَالنَّشْرِ لبنان - بيروت هاتف: ٠٠٩٦١١٨٢٤١٩٤ جوال: ٠٠٩٦١٧٠٥٨٧١٦٦ البريد الإلكتروني: DARALLOLOAA@nocmqil.com الدار الأثرية للطباعة والنشر والتوزيع عمان - الأردن - تلفاكس: ٦٥٦٥٨٠٤٥/ ٠٠٩٦٢ حلوى: ٧٩٥٩٤٣٤٥٦/ ٠٠٩٦٢ - ص ب: ٩٢٥٥٩٥ - الرمز البريدى: ١١١٩٠ الرمز الإلكتروني: alatharya١٤٢٣@yahoo.com

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْمقَدِّمَة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. أما بعد: فقد أطلعني أحد طلبة العلم على كتاب بعنوان "مستدرك التعليل على إرواء الغليل" للدكتور أحمد الخليل، فرأيته جانب الصواب في معظم تعقباته على "إرواء الغليل"، وليس هذا الأهم؛ بل المنهج الذي سلكه في تعقُّباته منهج خلا من التحقيق العلمي الدقيق المبني على الدراسة الواسعة للحديث من حيث الصناعة الحديثية ومعرفة مقاصد الشريعة والفقه في معانيها، وهذه سمة كثير ممن يشتغلون بعلم الحديث في هذا العصر! واعتمد الدكتور أحمد على التقليد؛ وكأن أقوال أهل العلم في الرجال وعلل الحديث وَحْيٌ منزل من السماء لا تجوز مخالفته، وكأنهم لم يختلفوا في ذلك، ونتج من ذلك وغيره -كما سيتضح لك- تضعيف أحاديث هي عمدة أهل العلم وأصولهم في كثير من مسائل الفقه. ورحم الله ابن القيم حيث قال: "وقد احتَجَّ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَالْفُقَهَاءُ قَاطِبَةً بصحيفة عَمْرِو بن شُعَيْبِ عن أبيه عن جَدِّهِ، وَلا يُعْرَفُ في أَئِمَّةِ الْفَتْوَى إلاَّ من احْتَاجَ إلَيْهَا وَاحْتَجَّ، بهَا وَإِنَّمَا طَعَنَ فيها من لم يَتَحَمَّلْ أَعْبَاءَ الْفِقْهِ وَالفَتْوَى".

стр. 6

وقبل الجواب على تعقُّبات الدكتور الخليل أنبِّه على قواعد ومسائل فى علوم الحديث، نصيحة لطلبة العلم الراغبين فى البحث والدراسة فى هذا العلم الشريف، وأُبَيِّنُ لجملة من طلبة العلم الذين يتقفّرون هذا الفن أنهم علموا أشياء وفاتهم الأكثر، وأن زمن الرواية انتهى، ولا ينبغى لأحد أن يتشبع بما لم يُعْطَ، وأن أقدر الناس فى الحكم على الأحاديث في هذا العصر -وخصوصًا المختلف فيها- هم أهل العلم بمعانيه والاطلاع الواسع على متونه وآثار الصحابة، فهم حملته الأوَّلون، فإن السنة يصدِّقُ بعضها بعضًا، وعمل الصحابة أعظم برهان على صدق الحديث أو كذبه وخطئه من صوابه، قال تعالى:- ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] الآية، فحديث لا يعرفه الصحابة ﵁ ليس بحديتْ، ويأتي مؤيد بيان وتفصيل. فأقول وبالله التوفيق: أول هذه القواعد: أن أهل الحديث ليسوا على درجة واحدة في الفقه، كما قال ﵇ "نضَّرَ اللهُ عبدًا سَمِعَ مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ لا فِقْهَ له، ورُبَّ حاملِ فِقْهٍ إلى من هو أفقهُ منه" وهو حديث متواتر. قال شيخ الإسلام: "وأهل العلم المأثور عن الرسول ﷺ أعظم الناس قيامًا مًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم؛ بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه عملاً بقوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥] وقوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].

стр. 7

ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح، من السعي المشكور والعط المبرور؛ ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة الحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه" (١). وأعلى هذه الدرجات كما لا يخفى، وأقدرهم في الحكم على الأحاديث الدرجة الثالثة. ثانيها: ما قرَّره الأئمة في مصنفاتهم: أن الضعيف إذا تعدَّدت طرقه يصير حسنًا. قال شيخ الإسلام: "وذلك أن الحديث إنما يخاف فيه من شيئين: إما تعمُّد الكذب، وإما خطأ الراوي، فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما في الفقه عن الآخر، وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوي الكذب فيه؛ عُلِمَ أنه ليس بكذب، لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب. وأما الخطأ؛ فإنه مع التعدد يضعف؛ ولهذا كان أبو بكر وعمر ﵂ يطلبان مع المحدث الواحد من يوافقه خشية الغلط، ولهذا قال تعالى في المرأتين: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. هذا لو كانا عن صاحب واحد، فكيف وهذا قد رواه عن صاحب وذلك عن آخر وفي لفظ أحدهما زيادة على لفظ الآخر؟ فهذا كله ونحوه مما يبين أن الحديث في الأصل معروف". وفي مسائل إسحاق بن منصور للإمام أحمد: "قُلْت: متى يتركُ حديث الرجلِ؟ قَالَ: إذا كان الغالب عليه الخطأ. قُلْتُ: الكذب من قليلٍ أو كثير؟ قَالَ: نعم" (٢). وقال ابن الصلاح: "فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئًا من

стр. 8

ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له" (١). وقال الحافظ ابن حجر: "ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، وكذا المستور والمرسل والمدلس؛ صار حديثهم حسنًا؛ لا لذاته؛ بل باعتبار المجموع من المُتابَع والمتابع" (٢). وقال العلامة الشنقيطي ﵀: "وهذه الروايات الواردة بذكر اليدين إلى المرفقين تدل على السنية، وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشدُّ بعضًا؛ لما تقرر في علوم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر بها يقوى بعضها بعضًا حتى يصلح مجموعها للاحتجاج، لا تخاصم بواحد أهل بيت، فضعيفان يغلبان قويًّا، وتعتضد أيضًا بالموقوفات المذكورة" (٣). وقال الحافظ ابن حجر في كلامه على ما سكت عليه أبو داود: "ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام: ١ - منه ما هو في الصحيحين، أو على شرط الصحة. ٢ - ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته. ٣ - ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد. وهذان القسمان كثير في كتابه جدًّا. ٤ - ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبًا، وكل

стр. 9

هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها، كما نقل ابن منده عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال" (١). وقال الحافظ شمس الدين الذهبي ﵀: "قلت: فقد وفي ﵀ بذلك بحسب اجتهاده، وبيَّن ما ضعفه شديد ووهنه غير محتمل وكاسر (٢) عن ما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته والحالة هذه عن الحديث أن يكون حسنًا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولَّد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري ويمشِّيه مسلم، وبالعكس؛ فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحطَّ عن ذلك لخرج عن الاحتجاج ولبقي متجاذبًا بين الضعف والحسن، فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رَغِبَا عنه وكان إسناده جيِّدًا سالمًا من عِلّةٍ وشذوذٍ، ثم يليه ما كان إسناده صالحًا، وقَبِلَهُ العلماءُ لمجيئه من وجهين ليِّنين فصاعدًا؛ يعضد كل إسناد منهما الآخر، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يُمَشِّيه أبو داود ويسكت عنه غالبًا، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه؛ فهذا لا يسكت عنه؛ بل يوهنه غالبًا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم" (٣). وقال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: "الأَصْلُ الرابع من أصول أحمد: الأَخْذُ بِالْمُرْسَلِ وَالْحَدِيثِ الضعيف إذَا

стр. 10

لم يَكُنْ في الْبَابِ شَيْءّ يَدْفَعُهُ، وهو الذي رَجَّحَهُ على الْقِيَاسِ، وَلَيسَ المُرَادُ بالضَّعِيفِ عِنْدَهُ الْبَاطِل وَلا الْمُنْكَر، وَلاَ ما في رِوَايَتِهِ مُتَّهَمٌ بِحَيثُ لا يَسوغُ الذَّهَابُ إلَيْهِ فَالْعَمَلُ بِهِ؛ بَلْ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ عنده قَسِيمُ الصَّحِيحِ، وقِسْمٌ من أَقْسَامِ الْحَسَنِ، ولم يَكُنْ يقسم الحديث إلَى صحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ بَلْ إلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ، وَلِلضعِيفِ عنده مَرَاتِبُ، فإذا لم يَجِدُ في الْبَابِ أَثَرًا يَدْفَعُهُ وَلا قَوْلَ صَاحِبٍ، وَلا إجماعًا على خِلاَفِه، كان الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَهُ أَوْلَى من الْقِيَاسِ. وَلَيْسَ أحدٌ من الأَئِمَّةِ إلاَّ وهو مُوَافِقة على هذا الأَصلِ من حَيْثُ الجملَة، فإنه ما منهم أَحَد إلاَّ وقد قَدَّمَ الحديث الضعِيفَ على الْقِيَاسِ" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والضعيفُ عندهم نوعان: ضعيف ضعفًا لا يمتنعُ العملُ به؛ وهو يشبِهُ الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفًا يُوجِبُ تركه؛ وهو الواهِ؛ وهذا بمنزلة مرض المريض قد يكون قاطعًا بصاحبه، فيجعل التبرع من الثلث، وقد لا يكون قاطعًا بصاحبه، وهذا موجود في كلام الإمام أحمد وغيره، ولهذا يقولون: هذا فيه لين، فيه ضعف، وهذا عندهم موجود في الحديث، ومن العلماء المحدِّثين أهل الإتقان، مثل: شعبة، ومالك، والثوري، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي؛ هم في غاية الإتقان والحفظ؛ بخلاف من هو دون هؤلاء. وقد يكون الرجل عندهم ضعيفًا لكثرة الغلط في حديثه، ويكون حديثه إذًا الغالب عليه الصحة لأجل الاعتبار به والاعتضاد به، فإن تعدُّدَ الطُّرقِ وكثرتَها يقوِّي بعضَها بعضًا، حتى قد يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فُجَّارا فُسَّاقًا؛ فكيف إذا كانوا علماء عدولاً، ولكن كثر في حديثهم الغلط؟

стр. 11

ومثل هذا: عبد الله بن لهيعة؛ فإنه من أكابر علماء المسلمين، وكان قاضيًا بمصر كثير الحديث، لكن احترقت كتبه، فصار يُحَدِّثُ من حِفْظِهِ، فوقع في حديثه غلطٌ كثيرٌ، مع أن الغالب على حديثه الصحة، قال أحمد: قد أكتبُ حديثَ الرجلِ للاعتبار به، مثل: ابن لهيعة. وأما مَن عُرِفَ منه أنه يتعمَّد الكذبَ؛ فمنهم من لا يروي عن هذا شيئًا، وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره؛ لم يروِ في "مسنده" عمَّن يُعرَف أنه يتعمَّدُ الكذبَ، لكن يروي عمَّن عُرِفَ منه الغلط، للاعتبار به والاعتضاد. ومن العلماء من كان يسمعُ حديث من يكذبُ، ويقول: إنه يميِّزُ بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه، ويُذْكَر عن الثوريّ أنه كان يأخذُ عن الكلبي وينهى عن الأخذ عنه، ويذكر أنه يعرف. ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرًا بشخص إذا حدَّثه بأشياء يميِّزُ بين ما صَدَقَ فيه وما كذَبَ فيه؛ بقرائن لا يمكنُ ضبطُها. وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدقٌ، أو تقترنُ به القرائن تدل على أنه كذب" (١). وقال ابن رجب: "وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قوتها. وقال الشافعي في المرسل: إنه إذا استند من وجه آخر وأرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول؛ فإنه يقبل. وقال الجوزجاني: إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع -يعني لا يقنع برواياته- وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار استعمل واكتفي به.

стр. 12

وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه، وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث، وقال: قال النبي- ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (١). وقال أبو عمرو ابن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوِّي الحديث ويحسِّنه، وقد تقبَّله جماهير أهل العلم واحتجوا به، وقول أبي داود إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها؛ يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم (٢). وقيل: (٣) ينبغي أن يجعل الحديث الضعيف في هذا الباب أربعة أقسام: ١ - الضعيف المنجبر الضعف بمتابعة أو شاهد، وهو ما يقال في أحد رواته: لين الحديث أو فيه لين، وهو الحديث الملقب بالمشبه؛ أي المشبه بالحسن من وجه، وبالضعيف من وجه آخر، وهو إلى الحسن أقرب. ٢ - الضعيف المتوسط الضعف، وهو ما يقال في راويه: ضعيف الحديث، أو: مردود الحديث، أو: منكر الحديث ... ٣ - الضعيف الشديد الضعف، وهو ما فيه مُتَّهَمٌ، أو متروك. ٤ - الموضوع. - الأمثلة: قد جاء عن النبي ﷺ من طريقين أنه لعن زوَّارات القبور، فعن أبي هريرة ﵁: "أن النبيَّ ﷺ لعن زائرات القبور" رواه الإمام أحمد (٤)، وابن ماجة (٥)، والترمذي (٦)، وصححه.

стр. 13

وعن ابن عباس ﵂:"أن النبي- ﷺ لعن زائرات القبور والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرج"، رواه الإمام أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣)، والترمذي وحسنه (٤)، وفي نسخ تصحيحه، ورواه بن ماجه (٥) من دون ذكر الزيارة. فإن قيل: الحديث الأول رواه عمر بن أبي سلمة، وقد قال فيه علي بن المديني: تركه شعبة، وليس بذاك. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه. وقال السَّعدي، والنسائي: ليس بقوي الحديث. والثاني: فيه أبو صالح باذام مولى أم هانئ، وقد ضعفوه، قال أحمد: كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح، وكان أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير، وما أقل ما له في "المسند"، ولم أعلم أحدًا من المتقدِّمين رَضِيَهُ. قلت: الجواب على هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: كلٌّ من الرجلين قد عدَّله طائفة من العلماء كما جرَّحه آخرون، أما عمر؛ فقد قال فيه أحمد بن عبد الله العجلي: ليس به بأس. وكذلك قال يحيى بن معين: ليس به بأس. وابن معين وأبو حاتم من أصعب الناس تزكية. وأما قول من قال: تركه شعبة، فمعناه: أنه لم يرو عنه، كما قال أحمد ابن حنبل: لم يسمع شعبة من عمر بن أبي سلمة شيئًا. وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ونحوهم، قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم لا توجب رد أخبارهم، فهم إذا رووا عن شخص كانت

стр. 14

روايتهم تعديلا له، وأما ترك الرواية فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح، وهذا معروف في غير واحد قد خُرِّجَ له في الصحيح. وكذلك قول من قال: ليس بقوي في الحديث، عبارة لينة تقتضى أنه ربما كان في حفظه بعض التغير، ومثل هذه العبارة لا تقتضي عندهم تعمُّد الكذب ولا مبالغة في الغلط. وأما أبو صالح؛ فقد قال يحيى بن سعيد القطان: لم أر أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعتُ أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا، ولم يتركه شعبة ولا زائدة (١). فهذه رواية شعبة عنه تعديل له كما عرف من عادة شعبة، وترك ابن مهدي له لا يعارض ذلك، فإن يحيى بن سعيد أعلم بالعلل والرجال من ابن مهدي، فإن أهل الحديث متفقون على أن شعبة ويحيى بن سعيد أعلم بالرجال من ابن مهدي وأمثاله. وأما قول أبي حاتم: يكتب حديثُه ولا يحتجُّ به. فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب، والحجَّة في اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم. وهذا كقول من قال: لا أعلم أنهم رضوه. وهذا يقتضى أنه ليس عندهم من الطبقة العالية، ولهذا لم يخرج البخاري ومسلم له ولأمثاله، لكن مجرد عدم تخريجهما للشخص لا يوجب رد حديثه، وإذا كان كذلك، فيقال: إذا كان الجارح والمعدل من الأئمة لم يقبل الجرح إلا مفسَّرًا؛ فيكون التعديل مقدَّمًا على الجرح المطلق". وقال شيخ الإسلام ﵀: "وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنى، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ -قال: "الصُّلحُ جائزٌ بين المسلمين

стр. 15

إلا صُلحًا حرَّمَ حلالاً، أو أحلَّ حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا" (١)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى ابن ماجه منه اللفظ الأول، لكن كثير بن عمرو ضعَّفه الجماعة، وضرب أحمد على حديثه في "المسند"، فلم يحدِّث به (٢)، فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من وجوه. وقد روى أبو بكر البزار أيضًا: عن محمد بن عبد الرحمن بن السلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الناس على شروطهم، ما وافقت الحق" (٣)، وهذه الأسانيد وإن كان الواحد منها ضعيفًا؛ فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا" (٤). "وقال الإمام أحمد: أحاديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٥)، "لا نكاح إلا بولي" (٦)، أحاديث يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها" (٧). وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبرز فحْذك، ولا تنظر إلى

стр. 16

فخذ حي ولا ميت" (١)، رواه أبو داود وابن ماجه. وعن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ على رجل وفخذه خارجة فقال: "غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته" (٢)، رواه أحمد، وروى الترمذي قوله: "الفخذ عورة"، وقال: حديث حسن غريب. وروي ذلك من وجوه أخرى يشد بعضها بعضًا (٣). وقال الشيخ الشنقيطي ﵀ عند تفسير قول الله : (وَلِلَّهِ عَلَى الناس حِجُّ اَلبَيتِ مَنِ اَستَطَاعَ إِلَيةِ سَبِيلاً)، وذكر حديث: "السبيل: الزاد والراحلة" وطرقه، قال: "هذا هو حاصل روايات الأحاديث الواردة بتفسير السبيل في الآية: بالزاد، والراحلة. وقال غير واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندًا، وأنه ليس له طريق صحيحة، إلا الطريق التي أرسلها الحسن. قال مقيدُه -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن حديث الزاد والراحلة المذكور، ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج، لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في "المستدرك" عن أنس قال: كلتاهما صحيحة الإسناد، وأقرَّ تصحيحهما الحافظ الذهبي، ولم يتعقَّبْهُ بشيءٍ، والدعوى على سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة في روايتهما الحديث عن أنس، عن النبي ﷺ أنها غلط، وأن الصحيح: عن قتادة، عن الحسن مرسلاً، دعوى لا مُستند لها؛ بل هي تغليطٌ وتوهيم للعدول المشهورين من غير استناد إلى دليل. والصحيح عند المحقّقين من الأصوليين والمحدِّثينْ أن الحديثَ إذا جاء من طريق صحيحة، وجاء من طرق أخرى غير صحيحة، فلا تكون تلك الطرق

стр. 17

علة في الصحيحة، إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ؛ بل انفراد الثقة العدل بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين. فرواية سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة الحديث المذكور عن قتادة عن أنس مرفوعًا؛ لم يخالفوا فيها غيرهم؛ بل حفظوا ما لم يحفظه غيرهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فادِّعاء الغلط عليهما بلا دليل؛ غلط، وقول النووي في "شرح المهذب": وروى الحاكم حديث أنس، وقال: وهو صحيح، ولكن الحاكم متساهل كما سبق بيانه مرات، والله أعلم. يجاب عنه: بأنا لو سلَّمنا أن الحاكم متساهل في التصحيح؛ لا يلزم من ذلك أنه لا يُقْبَلُ له تصحيح مطلقًا. ورُبَّ تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر، وتصحيحه لحديث أنس المذكور لم يتساهل فيه، ولذا لم يُبْدِ النوويُّ وجهًا لتساهله فيه، ولم يتكلم في أحد من رواته؛ بل هو تصحيح مطابق. فإن قيل: متابعة حماد بن سلمة لسعيد بن أبي عروبة المذكورة راويها عن حماد، هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحرَّاني، وهو متروك، لا يحتجُّ بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال. وقال فيه ابن حجر في "التقريب": متروك. فقد تساهل الحاكم في قوله: إن هذه الطريق على شرط مسلم. مع أن في إسنادها أبا قتادة المذكور! فالجواب: أن أبا قتادة المذكور وإن ضعفه الأكثرون فقد وثقه الإمام أحمد وأثنى عليه، وناهيك بتوثيق الإمام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر والذهبي أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة المذكور كان يكذب، فعَظُمَ ذلك عنده جدًّا، وأثنى عليه، وقال: إنه يتحرَّى الصدق. قال: ولقد رأيته يشبه أصحاب الحديث. وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح يشبه أهل النسك،

стр. 18

ربما أخطأ. وفي إحدى الروايتين عن ابن معين أنه قال: أبو قتادة الحراني ثقة. ذكرها عنه ابن حجر والذهبي. وقول من قال: لعله كبر فاختلط. تخمين وظن، لا يثبت به اختلاطه، ومعلوم أن المقرر في الأصول وعلوم الحديث: أن الصحيح أن التعديل يُقْبَلُ مُجُمَلاً، والتجريح لا يُقْبَلُ إلا مفصَّلاً، مع أن رواية سعيد بن أبي عروبة عن أنس ليس في أحد من رواتها كلام. ومما يؤيد ذلك: موافقة الحافظ النقادة الذهبي للحاكم على تصحيح متابعة حماد، مع أن حديث أنس الصحيح المذكور معتضد بمرسل الحسن، ولا سيِّما على قول من يقول إن مراسيله صحاح إذا روتها عنه الثقات؛ كابن المديني وغيره، كما قدمناه، ويؤيد ذلك: أن مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد الاحتجاج بالمرسل، كما قدمناه مرارًا، ويؤيده أيضًا: الأحاديث المتعددة التي ذكرنا، وإن كانت ضعافًا لأنها تقوي غيرها، ولا سيما حديث ابن عباس فإنا قد ذكرنا سنده وبيَّنا أنه لا يقل عن درجة الاحتجاج. وقال الشوكاني في "نيل الأوطار": ولا يخفى أن هذه الطرق يقوِّي بعضها بعضًا، فتصلح للاحتجاج. ومما يؤيد الحديث المذكور: أن أكثر أهل العلم على العمل به كما قدمنا عن أبي عيسى الترمذي أنه قال في حديث الزاد والراحلة: والعمل عليه عند أهل العلم" (١). ومن المستقر عند علماء الحديث: أن التصحيحَ والتضعيف من الأمور الاجتهادية، ولا يلزم الأخذ بحكم فريق من العلماء دون آخر لأجل أنهم متقدّمون أو متأخّرون! بل لأجل الدليل وحجة الاجتهاد. قال الإمام الشنقيطي: " .... والحاصل أن لزوم الكفارة في نذر المعصية جاءت فيه أحاديث متعددة لا يخلو شيء منها من كلام، وقد يقوِّي بعضها بعضًا.

стр. 19

وقال الشوكاني: قال النووي في الروضة: حديث: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" (١)، ضعيف باتفاق المحدثين. قال الحافظ: قلت: قد صححه الطحاوي وأبو علي ابن السكن، فأين الاتفاق؟! انتهى" (٢). قال الحافظ ابن حجر: " ... عن جابر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه" (٣)، لكن إسناده ضعمف. وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: "وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق" (٤)، وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: "ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه". فهذه الأحاديث يقوِّي بعضها بعضًا" (٥). وقال الحافظ: "وروى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عثمان: "أنه أتم بمنى ثم خطب فقال: إن القصر سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه، ولكنه حدث طَغام -يعني بفتح الطاء والمعجمة- فخفتُ أن يستنوا" (٦). وعن ابن جريج: "أن أعرابيًّا ناداه في مني: يا أمير المؤمنين؛ ما زلت

стр. 20

أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين" (١). وهذه طرق يقوِّي بعضُها بعضًا" (٢). وقال ابن عبد الهادي: "قال الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل ثنا عبد الله بن منيب ثنا يحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة قال: ثنا الحارث بن محمد الفهري، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (٣). وهذا الإسناد ضعيف، لم يخرجه أحد من أهل السنن، ولا هو مخرج في الكتب الستة، وفي رجاله الحارث بن محمد الفهري: لا يعرف مجهول. وفيه أيضًا: عبد الله بن منيب الربعي، قال الرازي: يحل ضرب عنقه! لكنه مروي من وجوه عن ابن عمر بأسانيد يقوي بعضها بعضًا" (٤). وقال الإمام ابن قيم الجوزية: "وأما جمهور العلماء: كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد، تداويًا لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلا، وتمسحه نهارًا، وحجتهم حديث أم سلمة المتقدم ﵂، فإنها قالت في كحل الجلاء: "لا تكتحل إلا لما لا بد منه، يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار". ومن حجتهم حديث أم سلمة ﵂ الآخر، أن رسول الله ﷺ دخل عليها، وقد جعلت عليها صبرًا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ " فقلت: صبرِّ يا رسول الله، ليس فيه طيب. فقال: "إنه يشب الوجه". فقال: "لا تجعليه إلا

стр. 21

بالليل، وتنزعيه بالنهار" (١). وهما حديث واحد فرَّقه الرُّواة، وأدخل مالك هذا القدر منه في "موطئه" بلاغًا، وذكر أبو عمر في "التمهيد" (٢) له طرقًا يشدُّ بعضُها بعضًا، ويكفي احتجاج مالك به، وأدخله أهل السنن في كتبهم، واحتجَّ به الأئمة، وأقل درجاته أن يكون حسنًا" (٣). وقال أيضًا: "وقد رويت أحاديث الامتحان في الآخرة من حديث الأسود بن سريع، صححه عبد الحق، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وأنس، ومعاذ، وأبي سعيد. فأما حديث الأسود؛ فرواه معاذ، عن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع: أن النبيَّ ﷺ ... وقال معاذ: وحدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. ورواه أحمد وإسحاق عن معاذ، ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن رافع، عن أبي هريرة. ورواه معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا عليه، وهذا لا يضرُّ الحديثَ؛ فإنه إن سلك طريق ترجيح الزائد لزيادته؛ فواضح، وإن سلك طريقَ المعارضة؛ فغايتها تحقق الوقف، ومثل هذا لا يقدم عليه بالرأي إذ لا مجال له، فيقبل بجزمٍ بأن هذا توقيف لا عن رأي.

стр. 22

وأما حديث أنس؛ فرواه جرير بن عبد الحميد، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الوارث، عن أنس، عن النبي- ﷺ : "يُؤتَى يومَ القيامةِ بأربعة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني. كلهم يتكلَّمُ بحجَّتِهِ، فيقول الرب سبحانه لعنق من جهنم: ابرزي. ويقول لهم: إني كنتُ أبعثُ إلى عبادي رسولاً من أنفسهم وإني رسولُ نفسي إليكم. قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه. ويقول من كتب عليه الشقاء: أَنَّى نَدْخُلُهَا ومنها كنَّا نفرُّ؟! فيقول الله: فأنتم لِرُسُلِي أشدُّ تكذيبًا. قال: وأما من كُتِبَ عليهم السعادة، فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار" (١). وهذا وإن لم يعتمد عليه بمجرده، لمكان ليث بن أبي سليم عن عبد الوارث عن أنس عن النبي ﷺ . وأما حديث معاذ؛ فتقدم الكلام عليه. وأما حديث أبي سعيد؛ فرواه محمد بن يحيى الذهلي: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود؛ يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب. ويقول المعتوه: ربِّ لم تجعل لي عقلًا أعقلُ به خيرًا ولا شرًّا. ويقول المولود: ربِّ لم أُدرك العقل! فيرفعُ لهم نارًا، فيقول: رِدُّوها (٢). قال: فيَرِدُّها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا لو أدرك العمل. فيقول: إياي عصيتم فكيف لو رسلي أتتكم؟ " (٣).

стр. 23

تابعه الحسن بن موسى عن فضيل، ورواه أبو نعيم عن فضيل بن مروزق فوقه، فهذا وإن كان فيه عطية؛ فهو ممن يُعْتَبر بحديثه ويُسْتَشْهَدُ به، وإن لم يكن حُجَّة. وأما الوقف؛ فقد تقدم نظيره من حديث أبي هريرة؛ فهذه الأحاديث يشدُّ بعضُها بعضًا، وتشهدُ لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري ﵀ في "المقالات" وغيرها". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "مسألة: ولمس المرأة بشهوة: ظاهرُ المذهب: أن الرجل متى وقع شيء من بشرته على بشرة أنثى بشهوة انتقض وضوؤه. وإن كان لغير شهوة، مثل أن يقبلها رحمة لها، أو يعالجها وهي مريضة، أو تقع بشرته عليها سهوا وما أشبه ذلك؛ لم ينقض. وعنه: ينقض اللمس مطلقًا، لعموم قوله: (أَوْ لامَستُم النِّسَاءَ) وقراءة حمزة والكسائي: "أو لمستم النساء". وحقيقة الملامسة: التقاء البشرتين، لا سيما اللمس؛ فإنه باليد أغلب، كما قال: لمست بكفي كـ ـفه أطلب الغنى ولهذا قال عمر وابن مسعود ﵂: "القبلة من اللمس وفيها الوضوء". وقال عبد الله بن عمر: "قبلة الرجل امرأته وجسّها بيده من الملامسة". ولأنه مس ينقض، فلم تعتبر فيه الشهوة كمس الذكر، ولأن مس النساء في الجملة مظنَّة خروج الخارج، وأسباب الطهارة مما نيط الحكم فيها بالمظان بدليل الإيلاج والنوم ومس الذكر. وعنه: أن مس النساء لا ينقض بحال، لما روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان يُقَبِّلُ بعض نسائه ثم يصلِّي ولا

стр. 24

يتوضأ". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١). ورواه إبراهيم التيمي عن عائشة؛ أخرجه أبو داود والنسائي. وقد احتجَّ به أحمد في رواية حنبل، وقد تكلَّم هو وغيره في الطريق الأولى؛ بأن عروة المذكور هو عروة المزني، كذلك قال سفيان الثوري: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني. وعروة هذا لم يدرك عائشة، وإن كان عروة بن الزبير؛ فإن حبيبًا لم يدركه، قال إسحاق بن راهويه: لا تظنوا أن حبيبًا لقي عروة. وفي الثاني: بأن إبراهيم التيمي لا يصح سماعه من عائشة. وجواب هذا: أن عامة ما في الإسناد نوع إرسال، وإذا أرسل الحديث من وجهين مختلفين، اعتضد أحدهما بالآخر، لا سيما وقد رواه البزار بإسناد جيد، عن عطاء عن عائشة ﵂ مثله". وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٩٢): "ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله ﷺ ، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: "فغسل يديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين" (٢)، وفيه عن جابر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه"، لكن إسناده ضعيف، وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: "وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق". وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: "ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه". فهذه الأحاديث يقوِّي بعضها بعضًا". قال الحافظ: "روى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر مرفوعًا: "سفر

стр. 25

المرأة مع عبدها ضيعة" (١)، لكن في إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره" (٢). "وروى الإمام أحمد عن جرير عن قابوس عن أبيه: "أن عليًّا سئل، فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئًا قبل شيء؟ قال: لا، حتى يكون كما أمره الله تعالى". احتج به أحمد في رواية الأثرم" (٣). - ومن أمثلة اختلاف النقَّاد في الحكم على رواة الحديث: عن عبد الله بن عمر- ﵂: "أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعًا منهن" (٤)، رواه الترمذي، وابن ماجه، وهذا وإن كان مرسلاً على الصحيح عند الأئمة -قاله الإمام أحمد والبخاري وغيرهما- إلا أنه قد عضده الذي قبله، فصار حجة بالاتفاق، ولهذا احتج به أحمد في رواية أبي الحارث" (٥). قال الحافظ الهيثمي: "عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله- ﷺ : "من اشترى رقبة ليعتقها، فلا يشترط لأهلها العتق، فإن عقده من الرزق"، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سعيد بن الفضل القرشي؛ ضعفه أبو حاتم، وقوَّاه غيره" (٦). وقال: "وعن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وإن أهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في

стр. 26

الآخرة"، رواه الطبراني، وفيه هشام بن لاحق؛ تركه أحمد، وقواه النسائي، وبقية رجاله ثقات" (١). قال الحافظ الذهبي: "عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى الحول المقبل، فإذا كان أول يوم من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش، فشققت ورق الجنة عن الحور العين، فقلن: يا رب؛ اجعل لنا من عبادك أزواجًا، وتقر بهم أعيننا وقر أعينهم بنا" (٢)، قال الفقيه نصر: تفرد به الوليد بن الوليد العبسي وقد تركوه. قلت: وهَّاه الدارقطني، وقوَّاه أبو حاتم" (٣). "حديث زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ : أن أؤذن في صلاة الفجر، فأذنت فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله- ﷺ : إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم"، رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث. وحسَّنه الحازمي، وقوَّاه العقيلي وابن الجوزي" (٤). قال الزيلعي: "فحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي عن عثمان بن محمد الأخنس عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" (٥) انتهى، وقال: حديث حسن صحيح. وتكلم فيه أحمد وقواه البخاري" (٦). وقال ابن عبد الهادي: "وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال

стр. 27

رسول الله ﷺ : "ليس للقاتل من الميراث شيء" (١)، رواه النسائي، والدارقطني، وقواه ابن عبد البر، وذكر له النسائي علة مؤثرة" (٢). وقال ابن الملقن: "عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: "صَلاَةٌ عَلَى سِواكٍ أفضلُ مِن صَلاةٍ عَلَى غير سِوَاكٍ بِسَبْعين دَرَجَة"، رواه أبو نعيم من حديث هاشم بن القاسم الحَرَّاني ثنا عيسى بن يونس عن فرج به، وفرج ضعفه الدارقطني وغيره، وقَوَّاه أحمد" (٣). "وقد روى أبو أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي- ﷺ قال: "الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموه الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا" (٤)، لكنه ضعفه. وبالجملة هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، إذ ليس فيها متهم بكذب وسوء الحفظ يزول بتتابعها، مع أن الجارحين لم يبينوا سبب الجرح، وقد قال يحيى بن سعيد: عباد بن منصور ثقة، لا ينبغي أن يُتْرَكَ حديثُه لرأي أخطأ فيه، وهذا يدل على أن تضعيفهم له كان بسبب خطئه في رأيه، ويقوي الحديث عمل راويه عليه" (٥). - حجية الحديث المرسل إذا اعتضد: وقال ابن عبد البر: "وأصل مذهب مالك ﵀ والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين: أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء" (٦).

стр. 28

وقال شيخ الإسلام: "والمرسل نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة". وقال: "والمرسل إذا عمل به الصحابة حجة وفاقًا" (١). وقال العلائي: "اعتبار المرسل بما يعضده من مرسل آخر، أو مسند من وجه آخر، أو قول بعض الصحابة أو غير ذلك -كما سنبينه- وهو اختيار الإمام الشافعي ﵀، فيما رويناه عنه، وهذا نصه: قال (٢): المنقطع مختلف؛ فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ ، فروى حديثًا منقطعًا اعتبر عليه بأمور: أحدها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن تركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى النبي ﷺ على معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة ما قيل عنه وحفظه، وإن انفرد به مرسلاً؛ قُبِلَ ما انفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل آخر ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟ فإن وجد ذلك؛ قوي، وهي أضعف من الأول، وإن لم يوجد ذلك؛ نظر إلى بعض ما يروى عن بعض الصحابة قولاً له، فإن وجد يوافق ما روي عن النبي ﷺ كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى" (٣). وقال ابن جرير: "أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين" (٤). وقال أبو داود في "رسالته إلى أهل مكة": "وأما المراسيل؛ فقد كان يحتج

стр. 29

بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند؛ فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة". يعني: إذا لم يكن له شاهد. وقال الحافظ ابن حجر: "وأما الموطأ؛ فقال أبو بكر الأبهري: جملة ما فيه من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين ألف وسبع مئة وعشرون حديثا المسند منها ست مئة حديث، والمرسل مئتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ست مئة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مئتان وخمسة وثمانون" (١). وهذا يدل على الاحتجاج بها. وقال البيهقي: "فالشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين، إذا انضم إليها ما يؤكدها، ولا يقبلها إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها، سواء أكان مرسل ابن المسيب، أو غيره، قال: وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها. قال: وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا لأنه أصح التابعين إرسالاً" (٢).

стр. 30

- أمثلة على احتجاج الأئمة بالمرسل إذا اعتضد: قال عبد الله ابن الإمام أحمد -رحمهما الله-: "سألتُ أبي عن حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "رأيتُ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة". فقال: أما سفيان، فكان أكثر ما يقول: عن الزهري عن سالم عن أبيه: أنه رأى النبي- ﷺ وأبا بكر وعمر. قال أبي: فقد رواه عقيل عن خالد عن الزهري عن لسالم عن ابن عمر: "أنه كان يمشي أمام الجنازة، وأن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة". وما هو إلا فعل ابن عمر والنبي ﷺ ؛ مرسل عن الزهري. قال أبي: كان هذا من قول الزهري: أن رسول الله ﷺ ... حدثنا قال: سمعت أبي يقول: حدثناه حجاج عن ليث عن عقيل، قال أبي: ورواه ابن بريج أيضًا، فوافق عقيل كما قال أيضًا سواء، قال: ورأيت أبي إذا كان في جنازة يتقدم يمشي أمامها" (١). ومما رواه أبو داود في "المراسيل": حدثنا أبو توبة حدثنا الهيثم عن ثور عن سليمان بن موسى عن طاوس قال: "كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة" (٢). ويشهد له: ما رواه ابن خزيمة قال: أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر نا أبو موسى نا مؤمل نا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (٣).

стр. 31

وما رواه أحمد في "المسند": حدثنا عبد اللَّهِ حدثني أَبِي ثنا يحيى بن سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ حدثني سِمَاكٌ عن قَبِيصَةَ بن هُلْبٍ عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ يَنْصَرِفُ عن يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَرَأَيْتُهُ -قال: يَضَعُ هذه على صَدْرِهِ-، وصفَّ يحيى الْيُمْنَى على الْيُسْرَى فَوْقَ الْمِفْصَلِ" (١). قال شيخ الإسلام: "وعن الحسن قال: لما نزلت: (وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ اَستَطَاعَ إِليَه سَبِيلاً) [آل عمران: ٩٧] قال: قيل: يا رسول الله؛ ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، رواه أحمد وأبو داود في "مراسيله" وغيرهما، وهو صحيح عن الحسن؛ وقد أفتى به، وهذا يدل على ثبوته عنده، واحتج به أحمد" (٢). وقال أيضًا: "وروى محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله ﷺ : "إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين؛ أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أعتق فعليه الحج" (٣)، رواه سعيد، وأبو داود في "مراسيله"، واحتج به أحمد" (٤). "حديث: "تصدقوا على أهل الأديان كلها"، ابن أبي شيبة من رواية سعيد بن جبير رفعه: "لا تصدقوا إلى على أهل دينكم، فنزلت: (لَيَسَ عَليكَ هُدَاهُم) [البقرة: ٢٧٢] فقال: تصدقوا على أهل الأديان" (٥)، ومن طريق محمد ابن الحنفية نحوه، ولابن زنجويه في "الأموال": عن سعيد بن المسيب: "أن النبي ﷺ تصدق على أهل بيت من اليهود"، وهذه مراسيل يشد بعضها بعضًا" (٦).

стр. 32

"حَدِيثُ: أنه ﷺ أَرَادَ أَنْ يَجْلِدَ رَجُلاً، فأتي بِسَوْطٍ خَلقٍ فقال: فَوقَ هذا. فأتي بِسَوْطٍ جَدِيدٍ، فقال: بين هَذَيْنِ لم أَرَهُ هذا في الشَّارِبِ نعم" (١)، هو بهذا اللَّفْظِ عن عُمَرَ وَسَيَأتِي، وَوَقَعَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا في قِصَّةِ حَدِّ الزَّانِي، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ: "أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ على نَفْسِهِ بِالزِّنَا، فَدَعَا له رسول اللَّهِ ﷺ بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فقال: فَوْقَ هذا. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ، فقال: بين هَذَيْنِ. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قد رُكِبَ بِهِ، وَلانَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَجُلِدَ بِهِ" (٢)، وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ عبد الرَّزَّاقِ: عن مَعْمَرٍ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ نَحْوُهُ، وَآخَرُ عن ابن وَهْبِ من طَرِيقِ كُرَيْب مولى ابن عَبَّاسِ بمَعْنَاهُ، فَهَذِهِ الْمَرَاسِيلُ الثَّلاثَةُ يَشُدُّ بَعْضهَا بَعْضًا" (٣). - تقوية الحديث بالأثر: قال الشافعي ﵀: "البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فهذه بدعة ضلالة، وبدعة لم تخالف شيئًا من ذلك، فهذه قد تكون حسنة، لقول عمر: نعمت البدعة هذه" (٤). وقال الإمام الشافعي ﵀: "فقال: فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على من علمه وهل يختلف المنقطع أو هو وغيره سواء؟ قال الشافعي: فقلت له: المنقطع مختلف.

стр. 33

فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين فحدَّث حديثًا منقطعًا عن النبي- ﷺ ؛ اعتبر عليه بأمور: منها: أن ينظُرَ إلى ما أرسل من الحديث، فإن شرِكَهُ فيه الحفَّاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى؛ كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه. وإنِ انفردَ بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده؛ قُبِل ما يفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟ فإِنْ وُجِدَ ذلك؛ كانت دلالة يقوي له مرسله، وهي أضعف من الأولى. وإن لم يوجد ذلك؛ نظر إلى بعض ما يٌروى عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قولاً له، فإن وُجِدَ يوافقُ ما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله" (١). وقال الخطيب البغدادي ﵀: "وقد كان أحمد بن حنبل يختار الأحاديث الموقوفات عن الصحابة على المرسلات عن النبي ﷺ ، لذلك حُدِّثْتُ عن عبد العزيز بن جعفر قال: أنا أبو بكر الخلال قال: أخبرني محمد بن موسى أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال: قلتُ لأبي عبد الله: حديث مرسل عن النبي ﷺ برجال ثبت؛ أحبُّ إليك، أو حديث عن بعض الصحابة والتابعين متَّصِل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إليَّ" (٢). قال الحافظ ابن عبد البر عند كلامه على أسانيد حديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته": "اختلف العلماء في هذا الإسناد؛ فقال محمد بن عيسى الترمذي: سألتُ

стр. 34

البخاريَّ عنه، فقال: حديث صحيح، فقلت له: إن هشيمًا يقول فيه: المغيرة بن أبي برزة. فقال: وهم فيه، إنما هو المغيرة بن بردة. وهشيم إنما وهم في الإسناد، وهو في المقطعات أحفظ. وقال غير البخاري: سعيد بن سلمة رجل مجهول، لم يرو عنه غير صفوان ابن سليم وحده. قال: ولم يرو عن المغيرة بن أبي بردة غير سعيد بن سلمة. قال أبو عمر: قد روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري رواه عنه سفيان بن عيينة وغيره. ذكر ابن أبي عمرو الحميدي والمخزومي عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة بن أبي عبد الله بن أبي بردة: أن ناسًا من بني مدلج أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر. وساق الحديث بمعنى حديث مالك قد ذكرناه في "التمهيد"، وهو مرسل لا يصح فيه الاتصال، ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان بن سليم وأثبت من سعيد بن سلمة. وليس إسناد هذا الحديث مما تقوم به حجة عند أهل العلم بالنقل، لأن فيه رجلين غير معروفين بحمل العلم". ثم قال: "وجماعة من أهل الحديث متَّفقون على أن ماء البحر طهور؛ بل هو أصل عندهم في طهارة المياه الغالبة على النجاسات المستهلكة لها، وهذا يدلك على أنه حديث صحيح المعنى يُتلقَّى بالقبول، والعمل الذي هو أقوى من الإسناد المنفرد" (١).

стр. 35

وقال الإمام الترمذي: "والمقصود بالعمل: المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم. عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ -قال: "طَلاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَان، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَان" (١)، قال محمد بن يحيى: وحدثنا أبو عَاصِمٍ أَنْبَأَنَا مُظَاهِرٌ بهذا. قال: وفي الْبَاب عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ. قال أبو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلا من حديث مُظَاهِرِ بن أَسْلَمَ، وَمُظَاهِرٌ لا نَعْرِفُ له في الْعِلْمِ غير هذا الحديث، وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ من أَصْحَابِ النبي ﷺ وَغَيْرِهِمْ" (٢). وقال شيخ الإسلام في الحديث المرسل: "نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة" (٣). وقال أيضًا: "والمرسل إذا عمل به الصحابة حجة" (٤). وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "إنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قال قَوْلاً، أو حكم بِحُكْمٍ أو أفتى بِفُتْيَا، فَلَهُ مَدَارِكُ يَنْفَرِدُ بها عَنَّا، وَمَدَارِكُ نُشَارِكُهُ فيها، فَأَمَّا ما يَخْتَصُّ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ من النبي ﷺ شَفَاهًا، أو من صحَابِيِّ آخَرَ عن رسول اللَّهِ ﷺ ، فإن ما انْفَرَدُوا بِهِ من الْعِلْم عنا أَكْثَرُ من أَنْ يُحَاطَ بِهِ، فلم يَرْوِ كُلٌّ منهم كُلَّ ما سمع، وَأَيْنَ ما سَمِعَهُ الصِّدَّيقُ ﵁ وَالْفَارُوقُ وَغَيْرُهُمَا من كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵁ إلَى ما رَوَوْهُ؟ فلم يَرْوِ عنه صِدِّيقُ الأُمَّةِ مِئَةَ حَدِيثٍ، وهو لم يَغِبْ عن النبي ﷺ في شيء من مَشَاهِد"؛

стр. 36

بَلْ صَحِبَهُ من حِينِ بُعِثَ، بَلْ قبل الْبَعْثِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وكان أَعْلَمَ الأمة به ﷺ بِقَوْلِهِ، وَفِعْلِهِ، وَهَدْيِهِ، وَسِيرَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَجِلَّة الصَّحَابَةِ رِوَايَتُهُمْ قَلِيلَةِّ جِدَّا بالنِّسبَةِ إلَى ما سَمِعُوهُ من نبِيِّهِمْ وَشَاهَدُوهُ، ولَوْ رَوَوْا كُلَّ ما سَمِعُوهُ وَشَاهَدُوة لَزَادَ على رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فإنه إنَّمَا صحِبَهُ نحو أَرْبَعَ سِنِينَ، وقد رَوَى عنه الْكَثِيرَ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لو كان عِنْدَ الصَّحَابِيِّ في هذه الْوَاقِعَةِ شيء عن النبي ﷺ لَذَكَرَهُ! قَوْلُ من لم يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْم وَأَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عن رسول اللَّهِ ﷺ وَيعَظِّمُونَهَا، وَيُقَلِّلُونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ الذي سَمِعُوهُ من النبي ﷺ مِرَارًا، وَلا يُصَرِّحُونَ بالسَّمَاعِ، وَلا يَقُولُونَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ " (١). وقال ﵀: "فَتِلْكَ الْفَتْوَى التي يفتي بها أَحَدُهُمْ لا تَخْرُجُ عن سِتَّةٍ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا من النبي ﷺ ، الثَّاني: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا مِمَّنْ سَمِعَهَا منه، الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَهَا من آيَةٍ من كِتَابِ اللَّهِ، فَهْمًا خفي عَلَيْنَا، الرَّابعُ: أَنْ يَكُونَ قد اتَّفَقَ عليها مَلَؤُهُمْ، ولم يُنْقَلْ إلَيْنَا إلاَّ قَوْلَ المفتي بها وَحْدَهُ، الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ لِكَمَالِ عِلْمِهِ بِاللُّغَةِ وَدَلالَةِ اللَّفْظِ على الْوَجْهِ الذي انْفَرَدَ بِهِ عَنَّا أو لِقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ، اقْتَرَنَتْ بِالْخِطَابِ، أو لمجموع أُمُورٍ فَهِمُوهَا على طُولِ الزَّمَانِ من رُؤْيَةِ النبي ﷺ وَمُشَاهَدَةِ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَسِيرَتِهِ وَسَمَاعِ كَلامِهِ، وَالْعِلْمِ بِمَقَاصِدِهِ وَشُهُودِ تَنْزِيلِ الْوَحْي وَمُشَاهَدَةِ تَأْوِيلِهِ بِالْفِعْلِ، فَيَكُونُ فَهِمَ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ، وَعَلَى هذه التَّقَادِيرِ الخَمْسَةِ تَكُونُ فَتْوَاهُ حُجَّةً يجب اتباعها، السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَ ما لم يُرِدْهُ الرَّسُولُ ﷺ ، وَأَخْطَأَ في فَهْمِهِ وَالْمُرَادُ غَيْرُ ما فَهِمَهُ" (٢). وهذا السادس لا يمكن القطع به إلا بوجود المخالف من الصحابة.

стр. 37

قال ابن القيم: "فَلَوْ كان عِلْمُهُمْ أَنْ يفتي أَحَدُهُمْ بِفَتْوَى، وَتَكُونُ خَطَأً مخالفة لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلا يفتي غَيْرَهُ بِالْحَقِّ الذي هو حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إمَّا مع اشْتِهَارِ فَتْوَى الأَوَّلِ أو بدون اشتِهَارِهَا؛ كانت هذه الأُمَّةُ الْعَدْلُ الْخِيَارُ قد أَطْبَقَتْ على خِلافِ الحَقِّ، بَلْ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: قِسْمًا أَفتَى بِالْبَاطِلِ، وَقِسْمًا سَكَتَ عن الْحَقِّ، وَهَذَا من الْمُسْتَحِيلِ، فإن الْحَقَّ لا يَعْدُوهُمْ وَيَخْرُجُ عَنْهُمْ إلَى من بَعْدَهُمْ قَطْعًا، وَنَحْنُ نَقُولُ لِمَنْ خَالَفَ أَقْوَالَهُمْ: لو كان خَيْرًا ما سَبَقُونَا إلَيهِ" (١). وقال ﵀: "وَإِنْ لم يُخَالِف الصَّحَابِيُّ صَحَابِيًّا آخَرَ؛ فَإِمَّا أَنْ يَشْتَهِرَ قَوْلُهُ في الصَّحَابَةِ أو لا يَشْتَهِر، فَإِن اشْتَهَرَ؛ فَاَلَّذِي عليه جَمَاهِيرُ الطَّوَائِفِ من الْفُقَهَاءِ: أنه إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ منهم: هو حُجَّةٌ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَقَالَتْ شِرْذِمَةٌ من الْمُتَكَلّمِينَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ: لا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلا حُجَّةً! وَإِنْ لم يَشْتَهِرْ قَوْلُهُ، أو لم يُعْلَمْ هل اُشْتُهِرَ، أم لا؛ فَاخْتَلَفَ الناس هل يَكُونُ حُجَّةً أم لا؟ فَاَلَّذِي عليه جُمْهور الأمة: أنه حُجَّةٌ. هذا قَوْلُ جُمْهُور الحَنَفِيَّةِ، صَرَّحَ بِهِ محمد بن الْحَسَنِ، وَذكر عن أبي حَنِيفَةَ نَصًّا، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَتَصَرُّفُهُ في "مُوَطَّئِهِ" دَلِيلٌ عليه، وهو قَوْلُ إِسْحَاقَ بن رَاهْوَيْه، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وهو مَنْصوصُ الإمام أحمد في غَيْرِ مَوْضِع عنه، وَاخْتِيَارُ جُمْهُورِ أصحابه وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأيضًا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة، وأقوال المتكلمين تارة، كما يفعله غير واحد؛ مثل أبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، والرازي وغيرهم، ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد، فلا

стр. 38

يثبتون على دين واحد، وتغلب عليهم الشكوك، وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة، وتارة يجعلون إخوانهم المتأخِّربن أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم! فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان، والتحقيق، والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك، والتقصير فيه أو الخطأ، والجهل! وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض؛ فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف، كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقًا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم، كان تجهيلاً لهم، وتخطئةً وتضليلاً" (١). وقال ﵀: "لكن قد تنفرد طائفة بالصواب عمن يناظرها من الطوائف، كأهل المذاهب الأربعة؛ قد يوجد لكل واحد منهم أقوال انفرد بها وكان الصواب الموافق للسنة معه دون الثلاثة، لكن يكون قوله قد قاله غيره من الصحابة والتابعين، وسائر علماء الأمة، بخلاف ما انفردوا به، ولم ينقل عن غيرهم، فهذا لا يكون إلا خطأ، وكذلك أهل الظاهر كل قول انفردوا به عن سائر الأمة فهو خطأ، وأما ما انفردوا به عن الأربعة وهو صواب فقد قاله غيرهم من السلف" (٢). بل إن الإمام أحمد قد يُعَلِّلُ المرفوعَ بمخالفته للآثار عن الصحابة، ومن ذلك أنه قال: "أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون إذا خلت -أي: المرأة- بالماء فلا يتوضأ منه، وهو أمر لا يقتضيه القياس، فالظاهر أنهم قالوه عن توقيف" (٣).

стр. 39

يشير إلى تضعيف حديث ابن عباس: "أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت ... " الحديث. وطريقة الإمام أحمد: ما ذكره عنه ابنه عبد الله: "قال: قلت لأبي: إذا لم يكن عن النبي ﷺ في ذلك شيء مشروع يخبر فيه عن خصوص أو عموم؟ قال أبي. ينظر ما عمل به الصحابة؛ فيكون ذلك معنى الآية، فإن اختلفوا ينظر أي القولين أشبه بقول رسول الله ﷺ يكون العمل عليه" (١). وقال ابن الملقن: "وإذا عمل الصحابي بحديث دلَّ على قوته" (٢). - اختلاف المحدِّثين في الحُكْمِ على الرجال: قال الإمام أحمد: "مذهبي في الرجال: أني لا أترك حديث محدِّث حتى يجتمع أهل مصر على ترك حديثه" (٣). قال الخطيب: "ثنا يعقوب بن سفيان قال: سمعت أحمد بن صالح -وذكر مسلمة بن علي- فقال: لا يُتْرَكُ حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: فلان ضعيف فأما أن يُقَالَ: فلان متروك؛ فلا؛ إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه" (٤). وما أحسن مذهب النسائي -وغيره من أئمة الحديث وعمالقة النقد- في هذا الباب، وهو: أن لا يُتْرَكَ حديثُ الرجل حتى يجتمعَ الجميعُ على تركه. ولذا أرى من الواجب على المحقِّق أن لا يكتفي في حال الراوي على المختصرات في أسماء الرجال، بل يرجع إلى مطولاته التي تحكي أقوال

стр. 40

الأئمة، فعسى أن لا يرى إجماعًا على تركه بل يرى كثرة فيمن عدله، فليتق الله الجارح، وليستبرئ لدينه، والله الموفق (١). - طبقات المحدِّثين وطريقتهم في الجرح والتعديل: "فقسم تكلموا في سائر الرواة: كابن معين وأبي حاتم. وقسم تكلموا في كثير من الرواة: كمالك وشعبة. وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل: كابن عيينه، والشافعي، والكل على ثلاثة أقسام أيضًا: قسم منهم متعنِّتٌ في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وثَّق شخصًا فعض على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعَّف رجلاً؛ فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق؛ فهو ضعيف. وإن وثَّقه أحد؛ فهذا هو الذي قالوا فيه لا يقبل فيه الجرح إلا مفسَّرًا، يعني: لا يكفي فيه قول ابن معين -مثلاً-: ضعيف، ولم يبين سبب ضعفه، ثم يجيء البخاري وغيره يوثقه. ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه. ومن ثم قال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال-: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه. وقسم منهم: متسامح؛ كالترمذي، والحاكم. قلت: وكابن حزم؛ فإنه قال في كل من أبي عيسى الترمذي، وأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم وغيرهم من المشهورين: إنه مجهول!
следующие страницы →