← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96928

رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

عبد الله العبيلان

Полный текст (376 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بَلْ صَحِبَهُ من حِينِ بُعِثَ، بَلْ قبل الْبَعْثِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وكان أَعْلَمَ الأمة به ﷺ بِقَوْلِهِ، وَفِعْلِهِ، وَهَدْيِهِ، وَسِيرَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَجِلَّة الصَّحَابَةِ رِوَايَتُهُمْ قَلِيلَةِّ جِدَّا بالنِّسبَةِ إلَى ما سَمِعُوهُ من نبِيِّهِمْ وَشَاهَدُوهُ، ولَوْ رَوَوْا كُلَّ ما سَمِعُوهُ وَشَاهَدُوة لَزَادَ على رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فإنه إنَّمَا صحِبَهُ نحو أَرْبَعَ سِنِينَ، وقد رَوَى عنه الْكَثِيرَ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لو كان عِنْدَ الصَّحَابِيِّ في هذه الْوَاقِعَةِ شيء عن النبي ﷺ لَذَكَرَهُ! قَوْلُ من لم يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْم وَأَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عن رسول اللَّهِ ﷺ وَيعَظِّمُونَهَا، وَيُقَلِّلُونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ الذي سَمِعُوهُ من النبي ﷺ مِرَارًا، وَلا يُصَرِّحُونَ بالسَّمَاعِ، وَلا يَقُولُونَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ " (١). وقال ﵀: "فَتِلْكَ الْفَتْوَى التي يفتي بها أَحَدُهُمْ لا تَخْرُجُ عن سِتَّةٍ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا من النبي ﷺ ، الثَّاني: أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا مِمَّنْ سَمِعَهَا منه، الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَهَا من آيَةٍ من كِتَابِ اللَّهِ، فَهْمًا خفي عَلَيْنَا، الرَّابعُ: أَنْ يَكُونَ قد اتَّفَقَ عليها مَلَؤُهُمْ، ولم يُنْقَلْ إلَيْنَا إلاَّ قَوْلَ المفتي بها وَحْدَهُ، الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ لِكَمَالِ عِلْمِهِ بِاللُّغَةِ وَدَلالَةِ اللَّفْظِ على الْوَجْهِ الذي انْفَرَدَ بِهِ عَنَّا أو لِقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ، اقْتَرَنَتْ بِالْخِطَابِ، أو لمجموع أُمُورٍ فَهِمُوهَا على طُولِ الزَّمَانِ من رُؤْيَةِ النبي ﷺ وَمُشَاهَدَةِ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَسِيرَتِهِ وَسَمَاعِ كَلامِهِ، وَالْعِلْمِ بِمَقَاصِدِهِ وَشُهُودِ تَنْزِيلِ الْوَحْي وَمُشَاهَدَةِ تَأْوِيلِهِ بِالْفِعْلِ، فَيَكُونُ فَهِمَ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ، وَعَلَى هذه التَّقَادِيرِ الخَمْسَةِ تَكُونُ فَتْوَاهُ حُجَّةً يجب اتباعها، السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَ ما لم يُرِدْهُ الرَّسُولُ ﷺ ، وَأَخْطَأَ في فَهْمِهِ وَالْمُرَادُ غَيْرُ ما فَهِمَهُ" (٢). وهذا السادس لا يمكن القطع به إلا بوجود المخالف من الصحابة.

стр. 37

قال ابن القيم: "فَلَوْ كان عِلْمُهُمْ أَنْ يفتي أَحَدُهُمْ بِفَتْوَى، وَتَكُونُ خَطَأً مخالفة لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلا يفتي غَيْرَهُ بِالْحَقِّ الذي هو حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إمَّا مع اشْتِهَارِ فَتْوَى الأَوَّلِ أو بدون اشتِهَارِهَا؛ كانت هذه الأُمَّةُ الْعَدْلُ الْخِيَارُ قد أَطْبَقَتْ على خِلافِ الحَقِّ، بَلْ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: قِسْمًا أَفتَى بِالْبَاطِلِ، وَقِسْمًا سَكَتَ عن الْحَقِّ، وَهَذَا من الْمُسْتَحِيلِ، فإن الْحَقَّ لا يَعْدُوهُمْ وَيَخْرُجُ عَنْهُمْ إلَى من بَعْدَهُمْ قَطْعًا، وَنَحْنُ نَقُولُ لِمَنْ خَالَفَ أَقْوَالَهُمْ: لو كان خَيْرًا ما سَبَقُونَا إلَيهِ" (١). وقال ﵀: "وَإِنْ لم يُخَالِف الصَّحَابِيُّ صَحَابِيًّا آخَرَ؛ فَإِمَّا أَنْ يَشْتَهِرَ قَوْلُهُ في الصَّحَابَةِ أو لا يَشْتَهِر، فَإِن اشْتَهَرَ؛ فَاَلَّذِي عليه جَمَاهِيرُ الطَّوَائِفِ من الْفُقَهَاءِ: أنه إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ منهم: هو حُجَّةٌ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَقَالَتْ شِرْذِمَةٌ من الْمُتَكَلّمِينَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ: لا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلا حُجَّةً! وَإِنْ لم يَشْتَهِرْ قَوْلُهُ، أو لم يُعْلَمْ هل اُشْتُهِرَ، أم لا؛ فَاخْتَلَفَ الناس هل يَكُونُ حُجَّةً أم لا؟ فَاَلَّذِي عليه جُمْهور الأمة: أنه حُجَّةٌ. هذا قَوْلُ جُمْهُور الحَنَفِيَّةِ، صَرَّحَ بِهِ محمد بن الْحَسَنِ، وَذكر عن أبي حَنِيفَةَ نَصًّا، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَتَصَرُّفُهُ في "مُوَطَّئِهِ" دَلِيلٌ عليه، وهو قَوْلُ إِسْحَاقَ بن رَاهْوَيْه، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وهو مَنْصوصُ الإمام أحمد في غَيْرِ مَوْضِع عنه، وَاخْتِيَارُ جُمْهُورِ أصحابه وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأيضًا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة، وأقوال المتكلمين تارة، كما يفعله غير واحد؛ مثل أبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، والرازي وغيرهم، ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد، فلا

стр. 38

يثبتون على دين واحد، وتغلب عليهم الشكوك، وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة، وتارة يجعلون إخوانهم المتأخِّربن أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم! فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان، والتحقيق، والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك، والتقصير فيه أو الخطأ، والجهل! وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض؛ فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف، كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقًا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم، كان تجهيلاً لهم، وتخطئةً وتضليلاً" (١). وقال ﵀: "لكن قد تنفرد طائفة بالصواب عمن يناظرها من الطوائف، كأهل المذاهب الأربعة؛ قد يوجد لكل واحد منهم أقوال انفرد بها وكان الصواب الموافق للسنة معه دون الثلاثة، لكن يكون قوله قد قاله غيره من الصحابة والتابعين، وسائر علماء الأمة، بخلاف ما انفردوا به، ولم ينقل عن غيرهم، فهذا لا يكون إلا خطأ، وكذلك أهل الظاهر كل قول انفردوا به عن سائر الأمة فهو خطأ، وأما ما انفردوا به عن الأربعة وهو صواب فقد قاله غيرهم من السلف" (٢). بل إن الإمام أحمد قد يُعَلِّلُ المرفوعَ بمخالفته للآثار عن الصحابة، ومن ذلك أنه قال: "أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون إذا خلت -أي: المرأة- بالماء فلا يتوضأ منه، وهو أمر لا يقتضيه القياس، فالظاهر أنهم قالوه عن توقيف" (٣).

стр. 39

يشير إلى تضعيف حديث ابن عباس: "أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت ... " الحديث. وطريقة الإمام أحمد: ما ذكره عنه ابنه عبد الله: "قال: قلت لأبي: إذا لم يكن عن النبي ﷺ في ذلك شيء مشروع يخبر فيه عن خصوص أو عموم؟ قال أبي. ينظر ما عمل به الصحابة؛ فيكون ذلك معنى الآية، فإن اختلفوا ينظر أي القولين أشبه بقول رسول الله ﷺ يكون العمل عليه" (١). وقال ابن الملقن: "وإذا عمل الصحابي بحديث دلَّ على قوته" (٢). - اختلاف المحدِّثين في الحُكْمِ على الرجال: قال الإمام أحمد: "مذهبي في الرجال: أني لا أترك حديث محدِّث حتى يجتمع أهل مصر على ترك حديثه" (٣). قال الخطيب: "ثنا يعقوب بن سفيان قال: سمعت أحمد بن صالح -وذكر مسلمة بن علي- فقال: لا يُتْرَكُ حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: فلان ضعيف فأما أن يُقَالَ: فلان متروك؛ فلا؛ إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه" (٤). وما أحسن مذهب النسائي -وغيره من أئمة الحديث وعمالقة النقد- في هذا الباب، وهو: أن لا يُتْرَكَ حديثُ الرجل حتى يجتمعَ الجميعُ على تركه. ولذا أرى من الواجب على المحقِّق أن لا يكتفي في حال الراوي على المختصرات في أسماء الرجال، بل يرجع إلى مطولاته التي تحكي أقوال

стр. 40

الأئمة، فعسى أن لا يرى إجماعًا على تركه بل يرى كثرة فيمن عدله، فليتق الله الجارح، وليستبرئ لدينه، والله الموفق (١). - طبقات المحدِّثين وطريقتهم في الجرح والتعديل: "فقسم تكلموا في سائر الرواة: كابن معين وأبي حاتم. وقسم تكلموا في كثير من الرواة: كمالك وشعبة. وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل: كابن عيينه، والشافعي، والكل على ثلاثة أقسام أيضًا: قسم منهم متعنِّتٌ في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وثَّق شخصًا فعض على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعَّف رجلاً؛ فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق؛ فهو ضعيف. وإن وثَّقه أحد؛ فهذا هو الذي قالوا فيه لا يقبل فيه الجرح إلا مفسَّرًا، يعني: لا يكفي فيه قول ابن معين -مثلاً-: ضعيف، ولم يبين سبب ضعفه، ثم يجيء البخاري وغيره يوثقه. ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه. ومن ثم قال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال-: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه. وقسم منهم: متسامح؛ كالترمذي، والحاكم. قلت: وكابن حزم؛ فإنه قال في كل من أبي عيسى الترمذي، وأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم وغيرهم من المشهورين: إنه مجهول!

стр. 41

وقسم معتدل: كأحمد، والدارقطني، وابن عدي. وقال السيوطي في "زهر الربى على المجتبى": قال ابن الصلاح: حكى أبو عبد الله بن منده: أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان مذهب النسائي: أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال الحافظ أبو الفضل العراقي: هذا مذهب متسع. قال الحافظ ابن حجر في "نكتة على ابن الصلاح": ما حكاه عن البارودي أراد بذلك إجماعًا خاصًّا. وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا لّخلو من متشدد ومتوسط. فمن الأولى: شعبة، وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه. ومن الثانية: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد منه. ومن الثالثة: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ويحيى: أشد من أحمد. ومن الرابعة: أبو حاتم، والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري. قال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، فأما إذا وثقه ابن مهدي، وضعفه يحيى القطان -مثلاً- فلا يترك، لما عُرِفَ من تشديد يحيى، ومن هو مثله في النقد. قال الحافظ: وإذا تقرر ذلك؛ ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي متَّسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي وتجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين، انتهى" (١).

стр. 42

قلت: وهذا دليل بيِّن واضح أن هذا العلم مبناه على الاجتهاد لا على التقليد، كما سيأتي. ومن أمثلة ذلك: ما قاله الحافظ ابن حجر: "عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري المعروف بابن الغسيل، والغسيل هو حنظلة، قُتِلَ يوم أحد شهيدًا، وهو جنب، فغسَّلته الملائكة، وعبد الرحمن من صغار التابعين، وثقه بن معين والنسائي، وأبو زرعة، والدارقطني. وقال النسائي مرة: ليس به بأس، ومرة: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان يخطئ ويهم كثيراً، مرَّض القول فيه أحمد، ويحيى، وقالا: صالح، وقال الأزدي: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: هو ممن يعتبر حديثه ويكتب. قلت: تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت منه من أقرانه، وقد احتج به الجماعة سوى النسائي" (١). وهذا يدل أن على تضعيف الراوي يكون بالنظر إلى من هو أقوى منه. وقال الإمام النووى ﵀: "عاب عائبون مسلمًا بروايته في "صحيحه" عن جماعة من الضعفاء، والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح، ولا عيب عليه في ذلك. بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال:

стр. 43

الجرح مقدَّم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتًا مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذا. وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة عُلِمَ الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب. الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه، وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح، منهم: مطر الوراق، وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين. الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه، فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومئتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة وعبد الرزاق وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في "الصحيحين" بما أخذ عنهم قبل ذلك. الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي، ولا يطول بإضافة النازل إليه؛ مكتفيًا بمعرفه أهل الشأن في ذلك، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصًا، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولاً ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته.

стр. 44

روينا عن سعيد بن عمرو البرذعي: أنه حضر أبا زرعة الرازي وذكر "صحيح مسلم" وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصري، وأنه قال أيضًا: يطرق لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح! قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة، فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواة الثقات" (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "فإذا عُرِفَ وتقرَّرَ أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا عِلَّةَ له، أو له علَّة إلا أنها غير مؤثرة عندهما؛ فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة" (٢). وقال ابن أبي حاتم ﵀: "حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقه مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه. حدثنا عبد الرحمن قال: سألتُ أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما

стр. 45

يقوي حديثه، قال: إي لَعَمري! قلت: الكلبي روى عنه الثوري؟! قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتَكَلَّمُ فيه. قال أبو زرعه: حدثنا أبو نعيم نا سفيان نا محمد بن السائب الكلبي -وتبسم الثوري-. قال أبو محمد: قلت لأبي: ما معنى رواية الثوري عن الكلبي وهو غير ثقة عنده؟ فقال: كان الثوري يذكر الرواية عن الكلبي على الإنكار والتعجب، فتعلقوا عنه روايته عنه وإن لم تكن روايته عن الكلبي قبوله له" (١). وقال الحافظ ابن عدي في "الكامل" عند ترجمة عمر بن الوليد الشني: "حدثنا محمد بن أحمد بن حماد ثنا صالح ثنا علين: سألت يحيى بن سعيد عن عمر بن الوليد الشني؟ فقال بيده فحرَّكها، كأنه لا يقويه، فاسترجعتُ أنا، فقال: ما لك؟ قلت: إذا حركت يدك فقد أهلكت عندي، قال: ليس هو عندي ممن أعتمد عليه، ولكنه لا بأس به. قلت: فأبو مكين؟ قال: لا؛ أبو مكين فوقه. قال: وسألت يحيى بن سعيد عن الربيع بن حبيب؟ فقال: تعرف وتنكر؟! ومال بيده كما قلت هو نحو عمر بن الوليد، فقال: هو نحوه. كتب إلي محمد ابن الحسن، قال: سمعت عمرو بن علي يقول: لم يحدثنا يحيى عن عمر بن الوليد الشني، وعمر بن الوليد هذا هو قليل الحديث، ولم يحضرني له شيء فأذكره" (٢). وقال الحافظ شمس الدين الذهبي في "الكاشف": "عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني الإفريقي قاضيها، عن أبيه ومسلم ابن يسار وأبي عبد الرحمن الحبلي، وعنه ابن وهب والمقرئ: ضعفوه، وقال

стр. 46

الترمذي: رأيت البخاري يقوِّي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث" (١). وقال: "إبراهيم بن يزيد بن مردانبه الكوفي، عن ابن أبي خالد ورقبة بن مصقلة، وعنه أبو كريب وعدة، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقوَّاه غيره" (٢). وقال: "بشر بن رافع أبو الأسباط عن يحيى بن أبي كثير وجماعة، وعنه عبد الرزاق، وجماعة: ضعَّفه أحمد، وقوَّاه ابن معين" (٣). وقال ﵀: "حميد بن حماد بن أبي الخوار أبو الجهم الكوفي، عن سماك وحماد بن أبي سليمان، وعنه أبو كريب ومحمود بن غيلان: ضعَّفه أبو داود، وقوَاه ابن حبان" (٤). "سعد بن أوس البصري عن أبي يحيى مصدع وزياد بن كسيب، وعنه حميد بن مهران وأبو عبيدة الحداد: ضُعِّفَ، وقوَّاه ابن حبان" (٥). "سماك بن حرب أبو المغيرة الذهلي، أحد علماء الكوفة، عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير، وعنه شعبة وزائدة، له نحو مئتي حديث، قال: أدركتُ ثمانين صحابيًّا. قلت: هو ثقة، ساء حفظه. قال صالح جزرة: يُضَعَّفُ. وقال ابن المبارك: ضعيف الحديث. وكان شُعبة يضعِّفه، وقوَّاه جماعة" (٦). "سنيد بن داود أبو علي المصيصي الحافظ، عن حماد بن زيد وشريك، وعنه أبو زرعة والأثرم: ضعَّفه أبو حاتم، وقواه غيره" (٧).

стр. 47

"فرج بن فضالة التنوخي الحمصي، عن ربيعة بن يزيد ولقمان بن عامر، وعنه قتيبة ولوين وعلي بن حجر وخلق، ضعَّفه الدارقطني وغيره، وقواه أحمد" (١). "معروف بن خربوذ المكي، عن أبي الطفيل والباقر، وعنه أبو داود وأبو عاصم وعدة، ضعَّفه ابن معين، وقواه غيره، وقال أبو حاتم: يُكتبُ حديثهُ" (٢). "محمد بن طلبة بن مصرف خ م، قال النسائي: ليس بالقوي، وقواه الدارقطني" (٣). "إسماعيل بن زكريا الخلقاني، عن حصين وطبقته، ثقة منصف، وهو شيعي يقال عنه كلام في الغلو لا يصدر عن مسلم، وقد اختلف قول ابن معين فيه؛ فقواه مرة، وضعفه أخرى، وقال أحمد: حديثه مقارب" (٤). "عبد السلام بن صالح بن سليمان أبو الصلت الهروي مولى قريش، نزل نيسابور، صدوق له مناكير، وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاب! " (٥). "محمد بن حاتم بن ميمون المروزي أبو عبد الله القطيعي -بفتح القاف- السمين، عن وكيع والقطان وابن عُلَيَّة وابن عُيينة وطبقتهم، وعنه م د وجماعة، وثَّقه الدارقطني وابن عدي، وأفرط ابن معين فكذبه! قال ابن سعد: مات سنة خمس وثلاثين ومئتين" (٦).

стр. 48

"فضيل بن مرزوق: وثَّقه يحيى مرة، وضعفه أخرى" (١). "إسماعيل بن أبي أويس الإمام الحافظ محدث المدينة، أبو عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، قرأ القرآن على نافع الإمام، فكان بقية أصحابه، وحمل عن خاله مالك بن أنس وعبد العزيز بن الماجشون وسليمان بن بلال وسلمة بن وردان وخلق سواهم، وحديثه في الدواوين الستة سوى كتاب النسائي، روى عنه الشيخان ومحمد بن نصر الصائغ وعلي بن جبلة الأصبهاني وأبو محمد الدارمي والحسن بن علي السري وخلق كثير، قال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق، مغفل. وضعَّفه النسائي، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح" (٢). "إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي خ د س، عن ابن أبي أوفى وغيره، ليَّنه شُعبة، وضعَّفه أحمد، حديثه حسن" (٣). "إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي خ م، قليل الحديث لا بأس به، وضعفه أبو داود، وقال النسائي ليس بالقوي وله في الصحيحين أحاديث، ووثقه الدارقطني" (٤). "زهير بن محمد التيمي المروزي ع، له غرائب، قال البخاري: روى أهل الشام عنه مناكير. وضعفه ابن معين، أخرجه مسلم في الشواهد، قال الحاكم: وهذا ممن خفي على مسلم بعض حاله، فإنه من العُبَّادِ المجاور بمكة، لين في الحديث.

стр. 49

زياد بن عبد الله البكائي خ م، صدوق مشهور ثبت في ابن إسحاق، قال ابن معين: لا بأس به في المغازي خاصة. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال الدارقطني: مختلف فيه، وعندي ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي" (١).

стр. 50

علم الحديث مبناه على الاجتهاد لا على التقليد قال شيخ الإسلام عليه رحمة الله: "وأهل العلم المأثور عن الرسول ﷺ أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه ويتكلم في أحب الناس إليه، عملًا بقوله تعالى: (* ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ولهم من التعديل، والتجريح، والتضعيف، والتصحيح من السعي المشكور، والعمل المبرور ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه" (١). وقد أخرج البخاري أحاديث اعتقد صحتها تركها مسلم لما اعتقد فيها غير ذلك، وأخرج مسلم أحاديث اعتقد صحتها تركها البخاري، لما اعتقد فيها غير معتقده، وهو يدل على أن الأمر طريقه الاجتهاد لمن كان من أهل العلم بهذا الشأن، وقليل ما هم.

стр. 51

قال شيخ الإسلام ﵀: "وكذلك التصحيح؛ لم يقلد أئمة الحديث فيه البخاري ومسلمًا؛ بل جمهور ما صححاه كان قبلهما عند أئمة الحديث صحيحًا متلقًّى بالقبول، وكذلك في عصرهما، وكذلك بعدهما، قد نظر أئمة هذا الفن في كتابيهما، ووافقوهما على تصحيح ما صححاه إلا مواضع يسيرة، نحو عشرين حديثًا، غالبها في مسلم، انتقدها عليهما طائفة من الحفاظ، وهذه المواد المنتقدة غالبها في مسلم، وقد انتصر طائفة لهما فيها، وطائف قررت قول المنتقدة. والصحيح: التفصيل، فإن فيها مواضع منتقدة بلا ريب، مثل حديث أم حبيبة، وحديث خلق الله التربة يوم السبت، وحديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر، وفيها مواضع لا انتقاد فيها في البخاري، فإنه أبعد الكتابين عن الانتقاد، ولا يكاد يروي لفظًا فيه انتقاد إلا ويروي اللفظ الآخر الذي يبين أنه منتقد فما في كتابه لفظ منتقد، إلا وفي كتابه ما يبين أنه منتقد. وفي الجملة: من نقد سبعة آلاف درهم فلم يرج عليه فيها إلا دراهم يسيرة، ومع هذا؛ فهي مغيرة ليست مغشوشة محضة، فهذا إمام في صنعته، والكتابان سبعة آلاف حديث وكسر. والمقصود: أن أحاديثهما انتقدها الأئمة الجهابذة قبلهم وبعدهم، ورواها خلائق لا يحيى عددهم إلا الله، فلم ينفردا لا برواية، ولا بتصحيح، والله هو الكفيل بحفظ هذا الدين، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهٌ لَحافِظُونَ) [الحجر: ٩] " (١). وقال الزركشي ﵀: "وأصحاب الصحيح: إذا رووا لمن تكلم فيه، وضُعِّفَ؛ فإنهم يثبَّتون من حديثه ما لم ينفرد به؛ بل وافق فيه الثقات، وقامت شواهد صدقه.

стр. 52

قال: وفي هذا الموضع يعرض الغلط لطائفتين من الناس: إحداهما: يرون الرجل قد أخرج له في الصحيح فيحكمون بصحة كل ما رواه، حيث رأوه في حديث قالوا: هذا حديث صحيح على شرط الصحيح! وهو غلط؛ فإن ذلك الحديث قد يكون مما أُنْكِرَ عليه من حديثه، أو يكون شاذًّا أو معلَّلاً، فلا يكون من شرط أصحاب الصحيح، بل ولا يكون حسنًا، وقد أخرج البخاري حديث جماعة ونكب على بعضها خارج الصحيح. والثانية: يرون الرجل قد تُكُلِّمَ فيه وقد ضعِّفَ، فيجعلون ما قيل فيه من كلام الحفاظ موجبًا لترك جميع ما رواه، ويضعفون ما صح من حديثه لطعن من طعن فيه، كما يقول ابن حزم ذلك في إسرائيل وغيره من الثقات، وكذلك أين الأئمة وذوقهم؟ انتهى. ويلتحق بذلك أمر ثالث: وهو أنهم يرون الرجل ترك الشيخان حديثه فيجعلون ذلك قدحًا فيه، وهذا ظاهر تصرف البيهقي في كتابه "السنن" و"المعرفة"؛ كثيراً ما يُعَلِّل الأحاديثَ بأن رواتَها لم يخرج لهم الشيخان! والحقُّ: أنه لا يدل على ذلك كما لا يدل تركهما ما لم يخرجا من الأحاديث الصحيحة على ضعفها، وبه صرح الإسماعيلي في المدخل، وقال: تركه الرواية عن حماد بن سلمة ونحوه كتركه كثيراً من الأحاديث الصحيحة على شرطه، لا لضعفها وإسقاطها. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المدخل أيضًا: وعلى مصنفاتهم في العلل وسؤالاتهم يعتمد في الجرح والتعديل، لا على كتاب بنوا فيه على أصل وشرطوا لأنفسهم فيه شروطًا، انتهى" (١). * * *

стр. 53

- أمثلة في اختلاف اجتهادهم في الوصل والانقطاع: قال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري": "موسى بن عقبة في "صحيح البخاري" روايته عن الزهري، وفي بعضها عنه: قال الزهري. قال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: يقال: إنه لم يسمع من الزهري شيئًا. أبان بن عفان، له عن أبيه في "صحيح مسلم" حديث: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" (١)، وذكر ابن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن أبي بكر الأثرم أنه سأل أحمد بن حنبل: أبان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه؟! زهرة بن معبد أبو عقيل، توقف ابن أبي حاتم في روايته عن ابن عمر، وقال: لا أدري؛ أسع منه؟ وروايته عن ابن عمر في "صحيح البخاري". سليم بن عامر الخبايري، قال أبو حاتم: لم يدرك عمرو بن عنبسة، ولا المقداد بن الأسود! وحديثه عن المقداد في "صحيح مسلم"، وكأنه على مذهبه، وذكر ابن أبي حاتم أنه لم يلقَ عون بن مالك، وروايته عنه مرسلة. عامر الشعبي، أنكر الإمام أحمد سماعه من أبي هريرة! وخرجا في "الصحيحين" حديثه عنه. وتوقف جماعة من الأئمة عن الاحتجاج بما لم يروه الليث عن أبي الزبير عن جابر، وفي "صحيح مسلم" عدة أحاديث مما قال فيه أبو الزبير عن جابر، وليست من طريق الليث، وكأن مسلمًا ﵀ اطّلع على أنها مما رواه الليث عنه وإن لم يروها من طريقه. عبد الرحمن بن أبي الموالي المدني أبو محمد: وثقه ابن معين، والنسائي

стр. 54

وأبو زرعة، وقال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن عدي: مستقيم الحديث. وأنكر أحمد حديثه عن محمد بن المنكدر عن جابر في الاستخارة، وقد أخرجه البخاري". وقال ﵀: "ولا زلت متعجِّبًا من جزم الدارقطني: بأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة! مع أن في هذا الحديث في البخاري قال الحسن: سمعت أبا بكرة يقول، إلى أن رأيت في رجال البخاري لأبي الوليد الباجي في أول حرف الحاء للحسن بن علي بن أبي طالب ترجمة، وقال فيها: أخرج البخاري قول مقدمة الحسن سمعت أبا بكرة، فتأول أبو الحسن الدارقطني وغيره على أنه الحسن بن علي، لأن الحسن عندهم لم يسمع من أبي بكرة، وحمله البخاري وابن المديني على أنه الحسن البصري، وبهذا صح عندهم سماعه منه. قال الباجي: وعندي أن الحسن الذي سمعه من أبي بكرة، إنما هو الحسن بن علي بن أبي طالب. قلت: أوردتُ هذا متعجِّبًا منه، لأني لم أره لغير الباجي، وهو حمل مخالف للظاهر بلا مستند، ثم إن راوي هذا الحديث عند البخاري عن الحسن لم يدرك الحسن بن علي، فيلزم الانقطاع فيه، فما فرَّ منه الباجي من الانقطاع بين الحسن البصري وأبي بكرة وقع فيه بين الحسن بن علي والراوي عنه، ومن تأمل سياقه عند البخاري تحقق ضعف هذا الحمل، والله أعلم" (١). - اختلافهم في حد الجهالة: قال الحافظ السيوطي ﵀: "جهل جماعة من الحفاظ قومًا من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين من ذلك:

стр. 55

أحمد بن عاصم البلخي: جهله أبو حاتم، لأنه لم يخبر بحاله، ووثقه ابن حبان، وقال: روى عنه أهل بلده. إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي: جهله ابن القطان، وعرفه غيره؛ فوثقه ابن حبان، وروى عنه جماعة. أسامة بن حفص المدني: جهله، الساجي وأبو القاسم اللالكائي، قال الذهبي: ليس بمجهول، روى عنه أربعة. أسباط أبو اليسع: جهله أبو حاتم، وعرفه البخاري. بيان بن عمر: جهله أبو حاتم، ووثَّقه ابن المديني وابن حبان وابن عدي، وروى عنه البخاري وأبو زرعة، وعبيد لله بن واصل. الحسين بن الحسن بن يسار: جهله أبو حاتم، ووثقه أحمد وغيره. الحكم بن عبد الله البصري: جهله أبو حاتم، ووثقه الذهلي، وروى عنه أربعة ثقات. عباس بن الحسين القنطري: جهله أبو حاتم، ووثقه أحمد، وابنه، وروى عنه البخاري والحسن بن علي المعمري وموسى بن هارون الحمال وغيرهم. محمد بن الحكم المروزي: جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان، وروى عنه البخاري" (١). - فائدة عزيزة في تحرير حد الجهالة: قال ابن القيم ﵀: "فأما تعليله (يعني ابن حزم) حديث ندبة بكونها مجهولة، فإنها مدنية روت عن مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها، والراوي إذا كانت هذه حاله إنما يُخْشَى من تفرده بما لا يُتَابَعُ

стр. 56

عليه، فأما إذا روى ما رواه الناس وكانت لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا، ولا يردونه، ولا يعللونه بالجهالة، فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر، عللوه بمثل هذه الجهالة، وبالتفرد، ومن تأمل كلام الأئمة رأى فيه ذلك، فيظن أن ذلك تناقض منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم، فيجب التنبه لهذه النكتة، فكثيرًا ما تمر بك في الأحاديث ويقع الغلط بسببها" (١). * لزوم التحري في فهم عبارات الأئمة: قال شيخ الإسلام: "قال أبو إسحاق الجوزجاني: قال ابن أبي شيبة: ثبت لنا عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن لم يسم"، وتضعيف أحمد لها محمول على أحد الوجهين: إما أنها لا تثبت عنده؛ أولاً: لعدم علمه بحال الراوي، ثم علمه، فبنى عليه مذهبه برواية الوجوب، ولهذا أشار إلى أنه لا يعرف رباحًا ولا أبا ثفال، وهكذا تجي عنه كثيرًا الإشارة إلى أنه لم يثبت عنده ثم زال ثبوتها، فإن النفي سابق على الإثبات. وإما أنه أشار إلى أنه لم يثبت على طريقه تصحيح المحدثين، فإن الأحاديث تنقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، وأشار إلى أنه ليس بثابت، أي: ليس من جنس الصحيح الذي رواه الحافظ التقة عن مثله، وذلك لا ينفي أن يكون حسنًا -وهو حجة-، ومن تأمل كلام الحافظ الإمام علم أنه لم يوهن الحديث، وإنما بيَّن مرتبته في الجملة أنه دون الأحاديث الصحيحة الثابتة. وكذلك قال في موضع آخر: أحسنها حديث أبي سعيد، ولو لم يكن فيها حسن لم يقل فيها أحسنها، وهذا معنى احتجاج أحمد بالحديث الضعيف،

стр. 57

وقوله: ربما أخذنا بالحديث الضعيف وغير ذلك من كلامه، يعني به الحسن، فأما ما رواه متهم أو مغفل فليس بحجة أصلاً. ويبين ذلك وجوه: أحدها: أن البخاري أشار في حديث أبي هريرة إلى أنه لا يعرف السماع في رجاله، وهذا غير واجب في العمل؛ بل العنعنة مع إمكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي مدلس. وثانيها: أنه قد تعددت طرقه وكثرت مخارجه، وهذا مما يشد بعضه بعضًا، ويغلب على الظن أن له أصلاً، وروي أيضًا مرسلاً؛ رواه سعيد عن مكحول عن النبى ﷺ . إلى إن قال: وثالثها: أن تضعيفه إما من جهة إرسال أو جهل راو، وهذا غير قادح على إحدى الروايتين، وعلى الأخرى -وهي قول من لا يحتج بالمرسل- نقول: إذا عمل به جماهير أهل العلم، وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقة ظاهر القرآن؛ فهو حجة، وهذا الحديث قد اعتضد بأكثر ذلك، فإن عامة أهل العلم عملوا به في شرع التسمية في الوضوء، ولولا هذا الحديث لم يكن لذلك، وإنما اختلفوا في صفة شرعها؛ هل هو إيجاب، أو ندب؟ وروي من وجوه متباينة مسندًا ومرسلاً، ولعلك تجد في كثير من المسائل ليس معهم أحاديث مثل هذه. ورابعها: أن الإمام أحمد قال: أحسنها -يعني أحاديث هذا الباب- حديث أبي سعيد. وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وقد سئل: أي حديث أصح في التسمية؟ فذكر حديث أبي سعيد. وقال البخاري: أحسن حديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد. وهذه العبارة وإن كانوا إنما يقصدون بها بيان أن الأثر أقوى شيء في هذا الباب، فلولا أن أسانيدها متقاربة لما قالوا ذلك" (١).

стр. 58

- علم صناعة الحديث لا ينفك عن الفقه لأنه الغاية: وعلى هذا جرى الأئمة الكبار، فمع كونهم يشترطون شروطًا للحديث الصحيح كما عُرِفَ من طريقة البخاري، إلا أنه يحتج بالحديث، وإن لم يكن على شرطه، بل ولا مقارب له، لاعتبارات لا يعلمها إلا الفقيه. قال الحافظ: "لأن كتاب البخاري -كما تقدم تقريره- لم يقصد به إيراد الأحاديث نقلاً صرفًا؛ بل ظاهر وضعه: أنه يجعل كتابًا جامعًا للأحكام وغيرها، وفقهه في تراجمه، فلذلك يورد فيه كثيرًا الاختلاف العالي، ويرجِّحُ أحيانًا، ويسكت أحيانًا؛ توقُّفًا عن الجزم بالحكم، ويورد كثيراً من التفاسير، ويشير فيه إلى كثير من العلل، وترجيح بعض الطرق على بعض، فإذا أورد فيه شيئًا من المباحث لم تستغرب" (١). وإليك بعض الأمثلة: قال ﵀: "باب كراهية الصلاة في المقابر". قال الحافظ في"الفتح": "وكأنه أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك ليس على شرطه، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، رجاله ثقات لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان" (٢). وقال الإمام البخاري ﵀: "ويذكر عن النبي ﷺ هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدري قال: رأى رسول الله ﷺ في أصحابه". قال الحافظ: "أخرجه مسلم، وأصحاب السنن من رواية أبي نضرة عنه، قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض، لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه، وهذا عندي ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه

стр. 59

لا يصلح عنده للاحتجاج به؛ بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف؛ بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم؛ فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح" (١). وقال البخاري: "باب صيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة". قال الحافظ: "ليس في الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب ما يطابق الترجمة، لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شمهر والبيض مقيدة بما ذكر. وأُجيب: بأن البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان، من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي، فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر. قال: إن كنتَ صائمًا فصُم الغر -أي البيض-"، وهذا الحديث اختُلِفَ فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيراً، بيَّنه الدارقطني" (٢). قال البخاري ﵀: "باب الطواف بعد الصبح والعصر". قال الحافظ: "وكأنه أشار إلى ما رواه الشافعي، وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما، من حديث جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: "يا بني عبد مناف؛ من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعنَّ أحدًا طافَ بهذا البيت وصلَّى أيّ ساعة شاء من ليلٍ أو نهارٍ"، وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه" (٣).

стр. 60

"باب الأرواح جنود مجندة". قال الحافظ: "فأورد البخاري هذا الحديث من الطريقين بلا إسناد، فصار أقوى مما لو ساقه بإسناده، وكان سبب ذلك أن الناظر في كتابه ربما اعتقد أن له عنده إسنادًا آخر، ولا سيما وقد ساقه بصيغة الجزم، فيعتقد أنه على شرطه وليس الأمر كذلك. قلت: وللمتن شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم" (١). "باب ما كان النبى- ﷺ يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري. أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي". قال الحافظ: "والذي يظهر أنه أشار في الترجمة إلى ما ورد في ذلك، ولكنه لم يثبت عنده منه شيء على شرطه، وإن كان يصلح للحجة كعادته في أمثال ذلك" (٢). وقال في موضع آخر: "واقتصر المصنف على الاحتجاج بفعل ابن عمر لأنه أشهر من روى عن النبي ﷺ دخول الكعبة، فلو كان دخولها عنده من المناسك لما أخل به مع كثرة أتباعه" (٣). وقال أيضًا: "ويذكر أن النبي ﷺ : "قضى بالدين قبل الوصية" (٤)، هذا طرف من حديث أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما من طريق الحارث -وهو الأعور- عن علي بن أبي طالب قال: "قضى محمد ﷺ أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدَّين"، لفظ أحمد، وهو إسناد ضعيف، لكن قال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم. وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده

стр. 61

بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به، وقد أورد في الباب ما يعضده أيضًا" (١). وقال ﵀: "وقال النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم" (٢)، هذا أحد الأحاديث التي لم يوصلها المصنف في مكان آخر، وقد جاء من حديث عمرو ابن عوف المزني، فأخرجه إسحاق في "مسنده" من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعًا بلفظه، وزاد: "إلا شرطًا حرَّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا"، وكثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثر، لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوُّون أمره، وأما حديث أبي هريرة فوصله أحمد، وأبو داود، والحاكم، من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح -وهو بموحدة- عن أبي هريرة بلفظه أيضًا دون زيادة كثير، فزاد بدلها: "والصلح جائز بين المسلمين"، وهذه الزيادة أخرجها الدارقطني، والحاكم، من طريق أبي رافع عن أبي هريرة، ولابن أبي شيبة من طريق عطاء: بلغنا أن النبي ﷺ قال: "المؤمنون عند شروطهم"، وللدارقطني والحاكم من حديث عائشة مثله" (٣). وقال: "هذه الترجمة مع ما سأبينه من زيادة في بعض طرق حديث الباب منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليومهم اكبرهم سنَّا" الحديث (٤)، ومداره على إسماعيل ابن رجاء عن أوس بن ضمعج عنه، وليسا جميعًا من شرط البخاري، وقد نقل

стр. 62

ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه أن شعبة كان يتوقَّفُ في. صحة هذا الحديث، ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري، وقد علَّق منه طرفًا بصيغة الجزم" (١). "باب الدين يسر وقول النبي ﷺ : "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة". قال الحافظ: "رواه البخاري في كتابه "الأدب المفرد" "عن صدقة بن الفضل عن يزيد بن هارون، وهكذا رواه عبد الأعلى وعبد الرحمن بن مغراء وعلي بن مجاهد وغيرهم عن محمد بن إسحاق، ولم أره من حديثه إلا معنعنًا، وله شاهد من مرسل صحيح". (٢) "الصعيد الطيب وضوء المسلم". قال الحافظ: "هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البزار من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني: إن الصواب إرساله. وروى أحمد وأصحاب السنن من طريق أبي قلابة عن عمرو بن بجدان -وهو بضم الموحدة وسكون الجيم- عن أبي ذر نحوه، ولفظه: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين" (٣)، وصححه الترمذي وابن حبان والدارقطني" (٤). "باب الجهاد ماض مع البر والفاجر". قال الحافظ: "هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعًا وموقوفًا عن أبي هريرة، ولا بأس برواته، إلا أن مكحولاً لم يسمع من

стр. 63

أبي هريرة، وفي الباب عن أنس أخرجه سعيد بن منصور وأبو داود أيضًا، وفي إسناده ضعف" (١). وهكذا تلميذ البخاري أبو عيسى الترمذي يحسِّن الحديث، بل ربما صحَّحه لثبوت معناه عنده في أحاديث أخر، وإن كان ظاهر إسناده الضعف. وإليك بعض الأمثلة: قال ﵀ في "جامعه" (٢/ ٤٠٨): "بَاب ما جاء في السِّوَاكِ وَالطِّيبِ يوم الْجُمُعَةِ. حدثنا عَلِيُّ بن الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ حدثنا أبو يحيى إسماعيل بن إبراهيم التَّيْمِيُّ عن يَزِيدَ بن أبي زِيَادٍ عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى عن الْبَرَاءِ بن عَازِبِ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "حَقٌّ على الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يوم الْجُمُعَةِ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ من طِيبِ أَهْلِهِ، فَإنْ لم يَجِدْ فَالْمَاءُ له طِيبٌ". قال: وفي الْبَاب عن أبي سَعِيدٍ وَشَيْخٍ من الأَنْصَارِ، قال أبو عِيسَى: حَدِيثُ الْبَرَاءِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، ويزيد عيف". وقال ﵀ (٢/ ٤١٠): "بَاب ما جاء في الْمَشْيِ يوم الْعِيدِ. حدثنا إسماعيل بن مُوسَى الْفَزَارِيُّ حدثنا شَرِيكٌ عن أبي إسحاق عن الْحَارِثِ عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبِ قال: "من السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إلى الْعِيدِ مَاشِيًا، وأن تَأْكُلَ شيئًا قبل أَنْ تَخْرُجَ"، قالَ أبو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَلُ على هذا الحديث عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ". وشريك والحارث ضعيفان". قال ﵀: "بَاب ما جاء في التَّكْبِيرِ في الْعِيدَيْنِ. حدثنا مُسْلِمُ بن عَمْرِو أبو عَمْرٍ والْحَذَّاءُ الْمَدِينِيُّ حدثنا عبد اللَّهِ بن نَافِعٍ الصَّائِغُ عن كَثِيرِ بن عبد اللًّهِ عن أبيه عن جَدِّهِ: "أَنَّ النبي ﷺ كَبَّرَ في الْعِيدَيْنِ في الأُولَى سَبْعًا قبل الْقِرَاءَةِ، وفي الآخِرَةِ خَمْسًا قبل الْقِرَاءَةِ"، قال: وفي الْبَاب عن

стр. 64

عَائِشَةَ وابن عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو، قال أبو عِيسَى: حَدِيثُ جَدِّ كثير حَدِيثٌ حَسَنٌ، وهو أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ في هذا الْبَابِ عن النبي ﷺ " (١). "بَاب ما جاء في تَرْكِ الْجُمُعَةِ من غَيْرِ عُذْرٍ. حدثنا عَلِيُّ بن خَشْرَمٍ أخبرنا عِيسَى بن يُونُسَ عن مُحَمَّدِ بن عَمْرٍو عن عَبِيدَة بن سُفْيَانَ عن أبي الْجَعْدِ -يَعْنِي الضَّمْرِيَّ- وَكَانَتْ له صُحْبَة فِيمَا زَعَمَ محمد بن عَمْرٍو -قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "من تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُنًا بها طَبَعَ الله على قَلْبِه"، قال: وفي الْبَاب عن ابن عُمَرَ وابن عَبَّاسِ وَسَمُرَةَ، قال أبو عِيسَى: حديث أبي الْجَعْدِ حَدِيثٌ حَسَنٌ" (٢). قال الدارقطني في "العلل": "اختُلِفَ في حديث أبي الجعد على أبي سلمة، فقيل عنه هكذا، وهو الصحيح، وقيل: عن أبي هريرة، وهو وهم" انتهى. والأمثلة أكثر من أن تحصر، تفيد أن نظر الأئمة لا يقتصر على الإسناد فقط بمعزل عن الفقه، وإلا لأُهْدِرَتْ كثير من السنن، وهذا يستفاد أيضاً من قوله ﷺ :"فرب حامل فقه، وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". * * *

стр. 65

أهل الحديث قد ينقلون الحديث من طريق صحيحة ثم من طريق ضعيفة فيطلقون عدم الصحة ويريدون ما نقل بالطريق الضعيف قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الفن -يعني التعليل- أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكًا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهمًا عاليًا واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفة شافية، ولم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك. انتهى" (١). وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن تكلم فيه فإنهم يتوقفون عن حديثه ما لم ينفرد به بل وافق فيه الثقات وأتت شواهد صدقه (٢). وقال الحافظ أيضًا: "وإطلاق الحكم على التفرد بالرد، أو النكارة، أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. قلت: وهذا مما ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٣).

стр. 66

فهاهنا شرطان للتعليل بالتفرد: ١ - أن لا يكون الراوي من الأثبات. ٢ - أن لا يكون لروايته ما يشهد لها ويعضدها، وعليه فإن التعليل بالتفرد لا يكاد يطلقه إلا من أحاط بهذا العلم رواية ودراية وفقهًا. الأمثلة: ١ - حديث: "إذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل أم لم ينزل"، رواه ابن وهب في "مسنده" عن الحارث بن نبهان عن محمد بن عبيد الله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله مرفوعًا بهذا، أورده عبد الحق، وقال: إسناده ضعيف جدًّا. وكأنه يشير إلى الحارث، لكن لم ينفرد به؛ فقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب به. وفي الباب عن أبي هريرة بلفظ: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل"، متفى عليه (١)، زاد مسلم: "وإن لم ينزل" (٢). ٢ - قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد نا جرير بن حازم عن أيوب عن ابن مليكة عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله- ﷺ : "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية" (٣). قال الحافظ ابن حجر: "أورده ابن الجوزي من طريق المسند، ومن طريق أخرى، وأعل طريق "المسند" بحسين بن محمد فقال: هو المروزي، قال أبو حاتم: رأيته ولم أسمع منه، وسئل أبو حاتم عن حديث يرويه حسين فقال: خطأ، فقيل له: الوهم ممَّن؟ قال: ينبغي أن يكون من حسين. قلت (٤): حسين احتج به الشيخان ولم يترك أبو حاتم السماع منه باختيار

стр. 67

أبي حاتم، فقد نقل ابنه عنه أنه قال: أتيته مرات بعد فراغه من تفسير شيبان، وسألته أن يعيد عليَّ بعض المجلس، فقال تكرير ولم أسمع منه شيئًا. وقال معاوية بن صالح قال لي أحمد بن حنبل: اكتبوا عنه. ووثقه العجلي، وابن سعد، والنسائي، وابن قانع، ومحمد بن مسعود العجمي وآخرون. ثم لو كان كل من وهم في حديث سرى في جميع حديثه حتى يحكم على أحاديثه كلها بالوهم لم يسلم أحد، ثم ولو كان ذلك كذلك؛ لم يلزمه منه الحكم على حديثه بالوضع، ولا سيما مع كونه لم ينفرد، بل توبع، ووجدت للحديث شواهد، فقد أورده الدارقطني: عن البغوي عن هاشم بن الحارث عن عبد الله ابن عمرو الرقي عن ليث بن أبي سليم عن ابن أبي مليكة به، وليث -وإن كان ضعيفًا- فإنما ضُعِّفَ من قبل حفظه، فهو متابع قوي. وشاهده حديث ابن عباس، أخرجه ابن عدي من طريق علي بن الحسن بن شقيق أخبرني ليث عن مجاهد عن ابن عباس نحوه، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس في أثناء حديث، وأخرجه الطبراني أيضًا من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن سلام مرفوعًا، وعطاء لم يسمع من ابن سلام، وهو شاهد قوي" (١). وهذا الذي قرَّره العلماء ﵏، والذي عليه عامة أهل العلم بالحديث هو الذي عليه أمير المؤمنين في الحديث في عصرنا، فهو مع كونه مجدد علم الحديث والسُّنَّة في هذا الزمن -كما صرح بذلك أئمة العصر- إلا أنه لم يأت بجديد، ومع ذلك لم يقبل أن يكون مقلدًا لغيره في علم قضى فيه معظم عمره، وفتح الله عليه فيه ما لم يُفْتَحْ على غيره، وكانت غايته فيه الانتصار للسنة، فلم يشتغل فيه انتصارًا لمذهب، أو طلبًا للدنيا، بل فارق أباه لمَّا خيَّره: إما الموافقة على ما هو عليه من المخالفة في السنة، أو المفارقة؛ فاختار

стр. 68

المفارقة، وكان قد قال لأبيه: أمهلني ثلاثة أيام أستخير الله. وهو لم يكن يملك شيئًا من أمر الدنيا، بهذا حدثني الشيخ نفسه، أسكنه الله الفردوس الأعلى، ورفع درجته في المهديين. فالشيخ قضى حياته في جهاد، ولم يكن طلبه للعلم على سبيل التَّرف، وطلب الجاه والمحمدة عند الناس، بل كان همُّه نشر السُّنة، رَضِيَ مَنْ رَضِيَ، وسَخِطَ مَنْ سَخِطَ. وصدق شيخنا الزاهد العلامة الحافظ عبد الله بن محمد الدويش -عليه رحمة الله- حيث قال لي: "منذ قرون لم يأت في علم الحديث مثل الشيخ ناصر؛ كثرة في الإنتاج، ودقة في التحقيق". فلا يعرفُ الفضلَ لأهله إلا أهل الفضل، ونحن مع ذلك: لا ندَّعي عِصْمَةَ الشيخ من الخطأ في التصحيح، أو التضعيف، فهذا لم يكن ولا يكون لغيره، كما إننا لا نقبل ولا نرضى أن يُقَلَّلَ من شأنه، فالطعن فيه وأمثاله طعنٌ في السُّنة، والقول بأن منهجه يخالف منهج المتقدّمين! هذا جرح في الشيخ، لا يقوله من فطِنَ إلى عواقب هذه الكلمة على السُّنة وأهلها في هذا العصر وبعده، بل عليه هو إن لم يَتُبْ قبل أن يلقى ربه، فالناس في كل قرن يحتاجون إلى الأئمة ليقتدوا بهم، فإذا طُعِنَ فيهم، فقد الناس الثقة بدينهم، كما قال ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الناس، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ العلماء، حتى إذا لم يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ الناس رؤوسًا جُهَّالاً؛ فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (١) أخرجاه من حديث عبد الله بن عمرو ﵂. كما ينبغي أن يُعْلَمَ أن علم العلل، ومعرفة أحوال الرجال، وسيلة لا غاية، فلا ينبغي الإغراق معه من غير معرفة بمقاصد الشريعة، والنظر إلى فتاوى الصحابة، وما كان مقبولاً عند جماهير العلماء من الأحاديث، وما كان مردودًا،

стр. 69

فإن الله قد تكفَّل بحفظ سنة نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وكم من حديث لقي القبول عند جماهير المحدثين، فضلاً عن الفقهاء، ولم يكن رجاله من الأئمة الأثبات، بل كان لبعض أهل العلم فيه مقال، أو تعليل، كما تقدم في كلام أئمة الفن. والشيخ -عليه رحمة الله- جل الأحاديث التي حكم عليها لم ينفرد بتصحيحها، أو تضعيفها؛ بل وافق في ذلك أئمة هذا الشأن، أو بعضهم. أما القول بالفرق بين منهج المتقدمين والمتأخرين: فهو -وإن كان حقًّا من حيث أن المتقدمين يغلب عليهم الحفظ، والمعاصرين البحث، حتى الدين يردِّدون هذه المقولة- إلا أنه من حيث النتيجة لا يوجد إلا في أذهان بعض طلبة العلم، ولم يقل به أحد من الأئمة الحفاظ بعد القرون المفضَّلة، وقد قال الإمام أحمد: "لا تقل بمسأله ليس لك فيها إمام". وليس عندهم بعد النظر والتحقيق إلا أمثلة قليلة من الأحاديث لا يصح أن يؤسس عليها مثل هذا التأصيل، قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨] والله المستعان. وأما ملاحظاتي العامة على كتاب "مستدرك التعليل" ومؤلفه، فهي كما يلي: ١ - الضعف في ضبط الأصول من أمهات الكتب، وانظر الكلام على الحديث رقم: ١٦، ٢٨، ٦٢، ٤٤. ٢ - الإغراق في تعليل الأحاديث عن طريق التقليد، انظر الحديث رقم: ١٩ - ٣٥. ٣ - نقص الخبرة في فهم عبارات أهل العلم، انظر الحديث رقم: ٥ - ٧. ٤ - الغفلة عن منهاج أهل العلم في تقوية الأحاديث.

стр. 70

٥ - عدم المعرفة، والاعتداد بآثار الصحابة وما نقل عنهم من عمل في تقوية الحديث. ٦ - الجرأة على الطعن في المتون مع قلة الاطلاع على تقريرات أهل العلم. ويتبَّين لك ذلك بوضوح في أثناء الجواب على تعليله لأحاديث "الإرواء"، وبالله التوفيق. وكتب أبو عبد الرحمن عبد الله بن صالح العُبيلان ٢٨/ ٥/ ١٤٢٩ هـ

стр. 71

رأي مؤلف "مستدرك التعليل" في علم شيخ الإسلام بالحديث !! يحسن بي قبل البدء بالرد على الدكتور الخليل أن أبيِّنَ مسألةً خطيرة، وأثرًا سيئًا من آثار هذا المنهج المبتدَع بالتفريق بين المتقدِّمين والمتأخِّرين! وما ينتج عنه من طعن في أئمة الإسلام وعلمائهم، وتفريقهم وتقسيمهم إلى قسمين: قسم يؤخذ حكمهم على الأحاديث ويُقْبَلُ دون تردُّدٍ ونظرٍ، وقسم لا يفقه علل الحديث، فنهدر جهودَهم، ولا نأخذ من أحكامهم، ولا عبرة باجتهادهم! وهذا من أعجب العجب! ولو عقل هؤلاء ما يقولون، وما يؤول إليه هذا المنهج الخطير لما استمرُّوا على ما هم عليه، ولرجعوا إلى جادَّة الصواب. ومن نتائج هذا المنهج الحادِث: الطَّعن في علم العلماء السابقين، أو التشكيك بعلمهم، وازدراء، أحكامهم، والتعامل معهم بعقول ضيِّقة بعيدة النظر ... ولكني لم أكن أتصوَّر أن يصل الحد إلى أن يُتطاول على شيخ الإسلام وعَلَم الأَعلام الإمام المجتهد: تقي الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية -رحمه الله تعالى وقدَّس روحه-. فقد اتْحَفَنَا الدكتور الخليل بجُرأة عجيبة، وتسرُّع خطير، في اتّهام شيخ الإسلام بتهمة لم يجرؤ أن يتَّهِمَهُ بها أعداؤه، فقد قال -سامحه الله- في مقدمة تحقيقه لكتاب "بيان بطلان التحليل" الشيخ لإسلام ابن تيمية (ص ٢٨ - ٢٩) تحت عنوان: مؤاخذات على الكتاب: ١ - ذكر الشيخ أثر ذي الرقعتين الذي احتج به من يرى جواز التحليل،

стр. 72

وأجاب عنه من ستة أوجه: الأول منها أنه ضعيف منقطع ليس له إسناد، وهذا هو جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث، لم ينقل عنه المؤلف جوابًا آخر، ثم ذكر الشيخ خمسة أجوبة على فرض أن للأثر أصلاً. والملحوظة التي رأيت أن الشيخ خالف فيها الصواب؛ أن هذه الأوجه الخمسة لا يخلو بعضها من تكلُّف، وتطويل يمكن الاستغناء عنه، ولو أن الشيخ اكتفى بتضعيف الأثر لكان هو الأولى. وهذا المبدأ -أي الاكتفاء بضعف الحديث- أخذ به الشيخ نفسه، فقد ذكر حديث موسى بن مطير وهو من حجج المبيحين للتحليل، وأجاب عنه بأنه ضعيف موضوع ثم قال: "ثم إن أصحابنا تكلموا على تقدير صحته، وإن كان ذلك ضربًا من التكلف، فإن مثل هذه العبارة يظهر عليها من التناقض ما لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ ... ". ٢ - حين يتكلم الشيخ عن بعض الأحاديث التي يحتج بها يحصل منه أحيانا عدم تحرير للحديث صحة وضعفًا، لا سيما في مسألة تقوية الحديث الضعيف بكثرة طرقه، وكذا في مسألة التفردات. وانظر على سبيل المثال ص ٢٣٤، ٣٢٠. ومما يدل على أن الشيخ لم يحالفه الصواب فيها؛ أن كلامه في هذه الأحاديث يخالف كلام الأئمة الحفاظ المتقدمين. وأيضًا مما يؤكد ما سبق أن الشيخ يحسّن أو يصحح بعض الأحاديث، ثم يستدرك على نفسه ويبين أنه حديث معلول، انظر على سبيل المثال ص ٥١ ... ". وله تعقُّبات على شيخ الإسلام ﵀ في ثنايا تحقيقه للكتاب، تدلُّ على خطر هذا المنهج المُحْدَثِ، ولن أطيلَ في التعليق، وإنما أتركُ مثل هذا الكلام للنقاد والعلماء العارفين، والله المستعان. * * *

стр. 73

الحديث الأول قوله ﷺ : "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله؛ كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمتَ؟ يعني: قد بليت! قال: إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليم السلام". ــ قال المستدرك: "وعلَّة الحديث: ١ - أن حسين بن علي الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد الثقة بل سمع من عبد الرحمن بن يزيد التميم الضعيف، وإنما غلط حسين الجعفي في اسم الجد. ٢ - تفرد حسين الجعفي عن ابن جابر بهذا الحديث، نقلاً عن أبي حاتم. ٣ - في أحاديث أهل الكوفة عن ابن جابر مناكير كثيرة. ٤ - كثرة الحفاظ الدين ذهبوا إلى ذلك. ٥ - لم يذكر الدارقطني والعجلي ما يدل على صحة سماع حسين الجعفي من ابن جابر.

стр. 74

ثم قال: إن الحافظ الدارقطني والمزّي ذكرا أن حسينًا سمع من ابن جابر، ولم أقف لهما على دليل معين، وتصريح حسين الجعفي بالسماع من ابن جابر من قبيل الوهم". * الجواب: أولاً: لا بد من سوق روايات الحديث ليكون الأمر جليًّا عند القارئ الكريم: قال الإمام أحمد (١): حدثنا حسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأسود الصنعاني عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: يا رسول الله؛ كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمتَ؟ يعني: قد بليت. قال: "إن الله قد حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈". وهكذا رواه أبو داود (٢) عن هارون بن عبد الله وعن الحسن بن علي، والنسائي (٣) عن إسحاق بن منصور، ثلاثتهم عن حسين بن علي به. ورواه ابن ماجه (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حسين بن علي عن جابر عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس فذكره. قال أبو الحجاج المزي: وذلك وهم من ابن ماجه، والصحيح: أوس بن أوس، وهو الثقفي ﵁ (٥).

стр. 75

قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/ ١١٨) رقم (١٧٣٣، ١٧٣٤): أنا أبو طاهر نا أبو بكر نا محمد بن العلاء بن كريب، نا حسين -يعني بن علي الجعفي، ثنا عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِقَ آدم وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَةُ وفيه الصَّعْقَةُ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ". قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمْتَ؟! فقال: "إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا محمد بن رافع ثنا حسين بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بهذا الإسناد مثله، وقال: يعنون: قد بليتَ". ثانيًا: لم تبيِّن للقارئ من هو حسين الجعفي! وهذه ترجمته من كتب متعددة: "التقريب": الحسين بن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، ثقة عابد من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع ومئتين، وله أربع أو خمس وثمانون سنة ع (١). "الكاشف": الحسين بن علي بن الوليد الجعفي، عن خاله الحسن بن الحر وجعفر بن برقان والأعمش، وعنه أحمد وعبد وابن الفرات قال أحمد: ما رأيتُ أفضل منه، ومن سعيد بن عامر. وقال يحيى بن يحيى: إن بقي أحد من الأبدال فحسين الجعفي، عاش أربعًا وثمانين سنة، توفي في ذي القعدة ٢٠٣ع (٢). "الخلاصة": الحسين بن علي بن الوليد الجعفي مولاهم أبو محمد أو أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام والزهاد، عن الأعمش وجعفر بن برقان
следующие страницы →