← Адаб

Адаб · id 9693

الساق على الساق في ما هو الفارياق

الشدياق

Полный текст (294 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تنبيه من المؤلف الحمد لله الموفق إلى السداد والملهم إلى الرشاد. وبعد فإن جميع ما أودعته في هذا الكتاب فإنما هو مبنيّ على أمرين أحدهما إبراز غرائب اللغة ونوادرها فيندرج تحت جنس الغريب نوع المترادف والمتجانس وقد ضمنت منهما هنا أشهر ما تلزم معرفته وأهم ما تمس الحاجة إليه عن نمط بديع ولو ذكر على أسلوب كتب اللغة مقتضباً على العلائق لجاء مملاً وقد راعيت سرده مرة على ترتيب حروف المعجم ومرّة نسقته بفقر مسجعة وعبارات مرصعة. ومن ذلك القلب والأبدال كما في التورور والثورور والتوثور والترتور وتمطي وتمتي وتمطط وتمدد. ومنه إيراد ألفاظ كثيرة متقاربة اللفظ والمعنى من حرف واحد منحروف المعجم نحو الغطش والغمش والبهز والبحز والبغز والحفز تنبيهاً على إن كل حرف يختص بمعنى من المعاني دون غيره وهو من أسرار اللغة العربية التي قل من تنبه لها. وقد وضعت لهذا كتاباً مخصوصاً سميته منتهى العجب في خصائص لغة العرب. فمن خصائص حرف الحاء السعة والانبساط نحو الابتحاج والبداح والبراح والأبطح والأبلنداح والجح والرحرح والمرتدح والروح والتركح والتسطيح والمسفوح والمسمح في قولهم أن فيه لمسمحاً أي متسعاً والساحة والانسياح والشدحة والشرح والصفيحة والصلدح والاصلنطاح والمصلفح والطح والمفرطح والفشح والفطح والفلطحة إلى آخر الباب. ويلحق به ألفاظ كثيرة خفية الاتصال لا تدرك إلا بإمعان النظر نحو الأسجاع والتسريح والسماحة والسنح. ومن خصائص حرف الدال اللين والنعومة والغضاضة نحو البراخدة والتيد والثأد والثعد والمثمعد والمثمغد والثوهد والثهمد والخبنداة والخود والرادة والرخودة والرهادة والعبرد والفرهد والأملود والفلهود والقرهد والقشدة والمأد والمرد والمغد والملد إلى آخر الباب. ويلحق به من الأمور المعنوية الرغد والسرهدة والمجد وغير ذلك. وربما عادلوا في بعض الحروف أي راعوا فيها الإكثار من النقيض فإن حرف الدال يشتمل أيضاً على ألفاظ كثيرة تدل على الصلابة والقوة والشدة. وذلك نحو التأدد والتأكيد والتأييد والجلعد والجلمد والجمد والحديد والسحدد والسخدود والسمهد والتشدد والصفد والصلد والصلخد والصمغد والعجرد والتعجلد والعرد والعربد والعرقدة والعصلد والعطود والعطرد والعلد إلى آخره. ومن خصائص حرف الميم القطع والاستئصال والكسر نحو أرم وأزم وثرم وثلم وجذم وجرم وجزم وجلم وحزلم وحسم وحطم وحلقم وخذم وخرم وخزم وخضم إلى آخر الباب. ويلحق به من الأمور المعنوية حمّ الأمر أي قضي وحرم وحتم وحزم فإن معنى القطع ملحوظ فيها. ويكثر في هذا الحرف أيضاً معنى الظلام والسواد. ومن حرف الهاء الحمق والغفلة والرثء أي قلة الفطنة نحو أله وأمه وبله والبوهة وتفه والتوه والدله والسبه وشده لغة في دهش أو مقلوب منه وعته وعله وغمه ونمه ووره. وقس على ذلك سائر الحروف. ومن هذا الغريب أيضاً كون بعض الصيغ يختص بمعنى من المعاني نحو أجرهدّ وأسمهرّ وكل ذلك مشار إليه في هذا الكتاب فينبغي التفطن له. وقد طالعت كتاب المزهر في اللغة للإمام السيوطي ﵀ مما ذكر فيه خصائص اللغة نقلاً عن الإمام اللغوي إبن فارس فلم أجده تعرّض لهذا النوع بل ربما أورد من الخصائص أحياناً ما لا ينبغي إيراده كجعله مثلاً إطلاق لفظة الحمار على البليد منها. ومن ذلك الغريب النوادر من الألفاظ وذلك نحو قولي أكهى في صفة الرجل المتقرقف من البرد قال في القاموس أكهى سخن أطراف أصابعه بنفس. ونحو العنقاش للذي يطوف في القرى يبيع الأشياء. والضوطار وهو من يدخل السوق بلا راس مال فيحتال للكسب والذئابة أي بقية الدين. وثرمل يقال ثرمل الطعام لم يحسن أكله فأنتثر على لحيته وفمه.

стр. 2

ويتكظكظ وهو أن ينتصب الإنسان عند الأكل قاعداً كلما امتلأ بطنه. ونحو الجلهزة والتلحذ والوزم والأرغال وغير ذلك مما فسر بعضه وترك الباقي فراراً من تكبير جرم الكتاب. والأمر الثاني ذكر محامد النساء ومذامهن فمن هذه المحامد ترقي المرأة في الدراية والمعارف بحسب اختلاف الأحوال عليها كما يظهر مما أثرت عن الفارياقية. فإنها بعد أن كانت لا تفرق بين الأمرد والمحاوق اللحية وبين البحر الملح وبحر النيل تدرّجت في المعارف بحيث صارت تجادل أهل النظر والخبرة وتنتقد الأمور السياسية والأحوال المعاشية والمعادية في البلاد التي رأتها أحسن انتقاد. فإن قيل إنه قد نقل عنها ألفاظ غربية غير مشهورة لا في التخاطب ولا في الكتب فلا يمكن أن تكون قد نطقت بها. قلت إن النقل لا يلزم هنا أن يكون بحروفه وإنما المدار على المعنى. ومن تلك المحامد أيضاً حركات النساء الشائقة وضروب محاسنهن المتنوّعة التي لم يتصوّر منها شيء إلا وذكرته في هذا الكتاب لا بل قد أودعته أيضاً معظم خواطرهن وأفكارهن وكل ما أختص بهن. فاتحة الكتاب هذا كتابي للظريف ظريفاً ... طَلِقَ اللسان وللسخيف سخيفا أودعته كلما وألفاظاً حلت ... وحشوتهُ نقطاً زهت وحروفا وبداهةً وفكاهة ونزاهة ... وخلاعة وقناعة وعُزوفا كالجسم فيه غيرُ عضوٍ تعشق ... المستور منه وتحمد المكشوفا فصَّلته لكن على عقلي فما ... مقياس عقلك كان لي معروفا قعّرته بمحافر الأفكار كي ... يسع الكلام وسمته تجويفا لفقّته وخصفته بيدي فقل ... نِعمَ الكتابُ ملفقاً مخصوفا أفرغت فيه كل حبرٍ راقَه ... وله بريت من اليراع ألوفا وكأنما بيدي قد نمقته ... حتى أتى مستحكماً مرصوفا ألّفته والليل أسود حالك ... فلذاك جاء مسخماً مسجوفا تبلته لك دون طاهي القوم بالرّب ... لات في تزيل منك خُلوفا وتصخ ما بك من طُلاطلة ومن ... ضرَسٍ فتلقم بعد ذاك الفوفا يُغنيك عن مين الطبيب وسحله ... ما من جراه تخازم الحتروفا قد أنبتت غضراء أرض سطوره ... روضاً وجنَّات تروق وريفا فتشمّ منها عرف كل ربحلة ... دهساء يفتن حسنها الغطريفا وترى الملعظة الشناط بجبها ... والفارض القرطاس والسرعوفا ووراءها وأمامها مرمورة ... وغرانق ما أن تزال أنوفا وإذا بدت لك من خلال حروفه ... ردح وثائر فاخطبنَّ رشوفا فإذا عجزت عن المؤونة واستقلت ... وجدت في أعقابهن الهيفا فاختر هداك الله ما تهوى ولا ... تتراخ عن أن تدرك الحرنوفا غيري من الوصَّاف في ذا صنفوا ... لكنهم لم يحسنوا التصنيفا إذ كان ما قالوه مبذولاً ولم ... يتقصَّ منهم واصف موصوفا لكن كتابي أو أنا بخلاف ذا ... نكفي الحفيَّ الحدّ والتعريفا لا عيب فينا غير أنك لا ترى ... ضواً لنا في فننا وحريفا فهو اليتيم المستحيل إخاؤه ... وهو الفريد فكن عليه عطوفا الفضل لي ولصاحب القاموس إذ ... من لجه قولي غداً مغروفا حلبت به رأسي خلافاً للنسا ... عاماً وكل العام كان خريفا لكن تولد في ٣ أشهر ... وحبا على عجل وشب لطيفا لم أدرِ رجلته أو مخطته أو ... بصقته أو ألقته ثم كنيفا عانيت فيه من الزجير أجازك ... المولى عناء لا يُكال جزيفا وقطعت سرته على أهل الحجى ... وعلى اسمهم لا يبرحن موقوفا ما كان من ظئر له عندي سوى ... فكري ومع ذا خلته مسروفا قدماً عليه توحمت نفسي ولم ... يك شوقها عن نحوه مصروفا ورشحتُ لذَّات قبيل نتاجه ... حتى إذا باشرت عدت نشوفا أولدت لي ولدين لا لك ثم ذا ... لك ثالثاً لا لي فَعُلْهُ القوفا عهدي إلى ولديَّ أن يتحدَّيا ... أسلوبه وبدفتيه يطيفا ليؤمناه من الحريق احتمي ... أحد عليه لكونه حريفا إني بريء منهما أن يعدلا ... عنه ويتحذا عليه حليفا من كان يرغب فيه فهو موفق ... أو لا فقد ضلَّ السبيل وايفا في الليل يسمع منه غطغطة ... يطيب نعاسه بدوامها وحجيفا

стр. 3

ولرُبَّ نور ساطع يغدو إذا ... قابلته يوماً به مكسوفا وكبير بطن ضاق عنه وفاتك ... ذي شِرَّة عنه يخيم ضعيفا كالزئبق الفرار ينظره ولا ... يستطيع يمسك من قفاه صوفا يهوي هويَّ الريح في الوادي إذا ... ما هيج ثم يسنم الشنعوفا هو خير داحٍ للذي لم يرض من ... لعب الزمان ولهوه خذروفا أن تتله يطربك حسن بُغامه ... أو تُلغه يسمعك منه عزيفا فيه ترى في لبرد مشتى ثم أن ... ثارت خجوجاة السهام مصيفا وإذا ثقلت من الطعام وغيره ... تلقى به من ثقلة تخفيفا وإذا اتخذت حديقة فاغرس بها ... منه كليمات تزدك قطوفا تغنيك عن نصب الخيال بها فلو ... أضحى شظاظاً لصحها لا خيفا إني ضمنت لك الفدور فما ترى ... من بعده عزهاً ولا منجوفا كلا ولا مستثقلاً نوماً ولا ... أرقاً ولا تشكو صدى وعجوفا لا تقدمن على ركوب الصعب إن ... لم تتخذه صاحباً ورديفا حتى إذا تُعتعت أصبح عاصماً ... لك أن تزل فتخطى الخرنوفا إني لا علم والسداد يدلني ... إن الجناب يرى الأبيل مخيفا فاخفه أنت بكل حرف باتر ... قد خط فيه يكفّ عنك كفيفا هو حصرم في طرف من يغتابه ... ما زال أن ذكر اسمه مطروفا وهو الحديد القاطع الماضي الذي ... يبري العظام ويحسم الشرسوفا إن شئت تلبسه على علاته ... فاهنأ به أو لا فدعه نظيفا ولقد أجزتك سفه أو لعقه ... أو أن تخف قيئاً فخذه مدوفا لكن حذار من الزيادة فيه أو ... أن ترتأي استعماله محذوفا إذ ليس فيه من محل قابل ... للحذف أو لزيادة تثقيفا لوكان يعشق جامد لجماله ... لغدا الورى طراً به مشغوفا ولئن نزحت عن الأنام فإنه ... يمشي إليه حيث كان زحوفا وإذا تخاصم كاذبان فلحية ... الأشقى يغدر شعرها منتوفا حتى كأنَّ الشعر من لحييهما ... قطن الحشايا ناعماً مندوفا وحياة رأسك أن رأسي عارف ... إني به لن أستفيد رغيفا كلا ولا أقطا ولا حشفا ولا ... خزّا على وتدي ولا كرسوفا لكن بقرني حكة هاجت على ... إني أعالج مرة تأليفا من كان يؤجر كي يؤلف خطبة ... فهو الخليق بأن يعد عسيفا ما راح من قولي فخذه وما تجد ... من زائف فاتركه لي ملفوفا لا بد أن تجد الصيارف مرة ... بين الدراهم درهماً مزيوفا ولربَّ دينار يجر إليك من ... تهوى بلحيته وليس مشوفا لا يعلقن بزجاج عقلك ما ترى ... فيه من الصدأ القديم كثيفا من كان في بلد لطيفاً طبعه ... يجد الغليظ من المحب لطيفا لا ترفسن ما سرَّ من لأجل ما ... قد ساء بل لا تولهِ تأفيفا إن المصنف لا يكون مصنفاً ... إلا إذا جعل الكلام صنوفا أو ليس أن الضرب مثل الصنف في ... المعنى وقرع عصا إليه أضيفا حاشاك أن تقضي عليّ تهافتاً ... من قبل أن تتحقق التوقيفا فتقول قد كفر المؤلف فاحشدوا ... يا قوم صاحبكم أتى تجديفا فتهيج أرباب الكنائس هيجة ... شؤمى فيخترطوا عليه سيوفا بيني وبينك من صلات مودة ... ما يقطع التفسيق والتسقيفا لا تزبئرّ إلى القتال ولا إلى ... الشكوى ولا تك بيننا قذِّيفا إن كنتُ إحساناً أتيت فدونك ... التحبيذ لي أو لا فلا تقذيفا لا تشتمن أبي ولا أمي ولا ... عرضي ولا تك لي بذاك أليفا إثمي على أنفي يناط مدلدلا ... ما أن يصيب من العباد أنوفا ولربِّ فسيق اللسان مباذئ ... يغدو وقد فسق العفيف عفيفا ونزيه نفس أن يزر ذا زوجة ... ويكون أن ضحكت له عتريفا كلب الكواعب ليس يعدي غيره ... ودواؤه كعب يليه منوفا ماذا على مهدٍ إلى إخوانه ... شيئاً ألذَّ من المدام طريفا سهرُ الليالي محكماً تفصيلهُ ... وهم رقود يحكمون جحيفا أرأيت ذا كرم يردّ ... هدية ويسوم مهديها له تعنيفا أو ليس أن الدهر مازحاً ... يهذي ويأتي المضحكات جنوفا

стр. 4

فأشتق من خرف الجنى ومن ... حصف تهي الأظفار منه حصيفا دع عنك تعبيس الأسود وكن أخاً ... لأبي الحصين مراوغاً يهفوفا من أضحك السلطان صوت ردامه ... فهو الذي في الناس عدَّ عريفا تمت بهذا البيت فاتحتي وقد ... صيرته لبنائها تسقيفا لا تقرأن من بعده شيئاً ولو ... كلفت حرفاً واحداً تكليفا فتكون قد أزلفت ثم تجاوزت ... بك رجلك اليسرى له تاريفا إني أرى كالريح في أذنيك عرف ... نصيحتي راحت سدى وطليفا الكتابُ الأوَّل إثارة رياح مه صه أسكت اصمت أنصت ايبَس أعقَم أسمع ائذن أصخ أصغ أعلم أني شرعت في تأليف كتيّبي هذا المشتمل على أربعة كتب في ليالي راهصة ضاغطة أحوجتني إلى الجؤار قائماً حتى لم أجد لصُنبور أفكاري ما يسدّه عن أن يتبعق على ميزاب القلم في وجوه هذه الصحائف. فلما رأيت القلم مِطواعاً لأناملي والدواة مطواعاً للقلم في نفسي لا بأس إن أقفو القوم الذين بيضوا وجوههم بتسويد الطروس فإن كانوا قد أحسنوا فأنا أعدّ أيضاً من المحسنين. وأن كانوا قد أساءوا فلعل عدد كتبهم يحتاج إلى تكملة فيكون كتابي على كل حال متصفاً بالكمال. لأن ما كمل غيره كان جديراً بأن يكمل نفسه. فمن ثم أتوقف فيما قصدته ولم أتحاشَ أن أودعه من الألفاظ الشائقة الرائقة والمعاني الفائقة الآفقة كل ما خفَّ على السمع، ولذَّ للطبع. مع عملي إنه لا يكاد مؤلف يعجب الناس جميعاً. وكأني بمتعنت يقول في نفسه أو لغيره لو كان المؤلف أجهد قريحته في تأليف كتاب مفيد لا يستحق أن يثني عليه. لكني أراه قد أضاع وقته عبثاً بذكر ما لا ينبغي ذكره جيناً. وحنيناً بذكر ما لا يجدي نفعاً. والجواب عن الأول: ومحترسٍ من مثله وهو حارسُ. وعاد الحيْش يحاس. وحذ من جِذْع ما أعطاك. وشحمتي في قلعي. وأهتبل هبلك. وعين الرضى عن كل عيب كليلة. وعن الثاني: أربع على ظلعك. وأرق على ظلعك. وأرقاً على ظلعك. وقِ على ظلعك. وكأني بآخر يقول حديث خرافة يا أم عمرو. وجوابه وكم من غائب قولاً سليماً. ثم كأني يحوقة عظيمة من الجلاذي والنهاميين والأنهمة والوففة والوفهة والوهفة والأبيلين والزرازرة والقمامسة وأمامهم الجاثليق الأكبر. وأمام هذا العسطوس الأعظم وهو يضجون ويعجبون ويجأرون وينعرون ويلجبون ويصخبون ويزأطون ويلغطون ويتقترون ويتوغرون ويتوعدون ويتهددون ويتذمرون ويتنكرون ويتنمرون ويتشذرون ويتشزرون ويتغذرون وينحمون وينهمون ويلغمون. فأقول لهم مهلاً مهلا إنكم قضيتم عمركم كله في حرفة التأويل فيما يضركم لو أوَّلتم ما تنكرونه في كتابي من أول وهله. وتمحلتم كما هو دأبكم لأن تجعلوا منه حسناً ما يظهر قبيحاً ومستظرفاً ما يلوح من خلال عبارته فاحشاً. فإن أبا نواس قد أوجب عليكم ذلك مذ مئين من السنين بقوله: لا تحظر العفو إن كنت أمرءاً ورعاً ... فإنّ حظركه بالدين إزراء وبقوله: كن كيفما شئت أن الله ذو كرم ... وما عليك إذا أذنبت من باسِ إلا أثنتين فلا تقربهما أبدأ ... الشرك بالله والأضرار بالناس فأما أن قلتم إن عباراته صريحة بحيث لا تقيل التأويل. فأقول لكم إنكم بالأمس كنتم تخطأون وتحضرمون وتهرأون وتلحنون وتلكنون وتغلطون وتوهمون وتعفكون وتلبكون وتلتكون وتلفتون وتعصدون وتخلطون وتخطلون وتهذون وتهذرون وتحصرون وتلخون وتلخلخلون وتعجمون وتجعمون وتقدمونوتلفون وتتبلتعون وتتلهيعون وتلغلغون وتلقلقون وتقلقلون وتترترون وتثرثرون وتحصرون وتفرفرون وتجمجمون وتمجمجون وتغمغمون وتمغمغون وتتغتغون وتثعثعون وتثغثغون وتبعبعون وتبغبغون وتوتغون وتضغضغون وتعيون وتفههون فمتى جاءكم العلم حتى فهمتموها. وإن قلتم أن بعضها وهو السيئ مفهوم وبعضها غير مفهوم. قلت لعل ما لم تفهموه هو الحسنات التي تذهب السيئات فلا ينبغي لكم على أية حالة كانت تحرقوه. ولعمري لو لم يكن من شافع لقبوله وأجرائه عند الأدباء وعندكم آنستم أيضا مجرى كتب الأدب سوى سرد ألفاظ كثيرة من المترادف لكفى. بل فيه من ذكر الجمال وأهله أدام الله عزهن إعظامه وتقريظ مؤلفه حيا ثم تأبينه بعد مفارقته إياهن برغم أنفه.

стр. 5

على إني أعرف كثيرا من الوفهة الكرام المشهود لهم بالفضل بين الأنام لا يتحرجون من قولهم شيء ممجمج وشيء متدملك وشيء مفرَّم وشيء أزَيب وشيء مهدف وشيء قازح وبكبك. ومن ذكر الكعثب والكعثب والكعثم والجلهوم والعركوك والأكثم والأخثم والخشيم والحزنبل والدعكنة والجدجد والنيزج والبوص والنامة والبلغص والقلذم والأكبس والضراطميّ والحضر والهيدب والمحلوس والبوص والعضرط والعضارطي والخميش والجشماء والبداء والفشوش واللطعاء والمهلوسة والمرصوفة والمستودفة والجالقة والحارقة والخبوق والخفوق والغفوق والربوخ والمخربقة والسلقلق والشقآ والمتلاحمة والخجام والخجوم والأتوم والشريم والهوجل والمتكأ والحلقية والمرفوعة والمصوص والمنفاض والميراص والعضوض والمنخار والشفيرة والزخاخة والبخاخة والجخنة والشفلح والعنبلة والجليع ومن العلوز والقنب والنوف والخنتب والأيل والبيظ والثعرورين والحتار والأشعر والطبق والأسكتين والحسكلتين والعنتل والقحقح والمأنة والجعب والطرث والعكبز والمعجرم والعجارم والوبيل والفنجليس والفلطيس والحطاط والكوتعة والجوفان والمتك والحوقلة والكوشلة والقصعة والدلعة ومن الأقماد والتوتيد والأستعناد والتفشخ والشمذ والفهر والأفهار والوجس والنشنشة والاستخلاط والتشيط والهكاع والفخة والسغم والأكسال والعم والزجل والهقق والنيطل والعتر والطروح والعجيز والفنخر والاختضار والترفغ والأصفآد والعصد والحمق والتفعيل والتبازخ والعروة والأسواع والسباع والألهاط والعصد والرفغ والعفل والقرنة والكين والطؤطؤة ومن ذكر الأرزب والبزباز والفاعوسة والخرنوف والمشرح والغضارطي والمصوص والخاق والزردان والطنبريز والفلهم والقباب واللهوم والحجوم والمزخة والنغنغ والخشنفل والمعرنفط والمقرنفط والفوق والقوق والركوة والقحفليز والعفلق وغير ذلك من أدوات النصب ومن البنودة والجعبي والحذافة والنصب ومن البنودة والجعبي والحذافة والمحذفة والخوارة والخفاقة والعزاقة والمحسة والمحشة والخبنفثة والرماعة والصماري والرئم والطبيخة والحماء والعواء والعزلاء والجعماء والسحماء والقنقصة والفرقعة والصفارة والنبور والنباعة والنباغة والوباعة والجوانة والخوانة والصوانة والبرعث والبعثط وغير ذلك من أدوات الجزم ومن الآداف والبيزار والجميع والجعثوم والاذامي والحوقل والمطول والمطول والزلنقطة والخدرنق والسحادل والضبيز والعلعل والدوقل والقسطبينة والفنطيس والشاقول والقهبليس والعردل والقصطبير والجواجز والقزميلة والمتئر والدوسر والسمهدر وغير ذلك من أدوات الجر ومن ذح وذحا ودح ودحبي ورصع ورطأ وشفتن وشكز وضهز وطعز وطنح وعزط وعزلب وقرفط وقنطر وقسبر وقحطر وقمطر ولطز ولمج ولمذ ومشق ومتر ومهج ومعج ونيرج وزخزخ ودعظ. وكنت أحملق في وجوههم عند ذكرهم ذلك فلم أكن أرى عليها حمرة الخجل ولا صفرة الوجل بل كانت ناضرة مستبشرة مبتهجة مسفرة. فإن أبي المنكر إلا عناداً وتقاضاني جدول أسمائهم قلت له هاك أوله يبتدئ بالألف وآخره بالياء. فاحسبوني إذاً وافهاً من هؤلاء. ثم أن شرطي على القارئ ألا يسطر من الألفاظ المترادفة في كتابي هذا على كثرتها. فقد يتفق إن يمر به في طريق واحدة سرب خمسين لفظة بمعنى واحد أو بمعان متقاربة. وإلا قلا أجيز له مطالعته ولا أهنؤه به. على إني لا أذهب إلى الألفاظ المترادفة هي بمعنى واحد وإلا لسموها المتساوية وإنما هي مترادفة بمعنى إن بعضها قد يقوم مقام بعض. والدليل على ذلك إن الجمال مثلا والطول والبياض والنعومة والفصاحة تختلف أنواعها وأحوالها بحسب اختلاف المتصف بها فخصت العرب كل نوع منها باسم ولبعد عهدهم عنا تظنيناها بمعنى واحد. وقس على ذلك أنواع الحلي والمأكول والمشروب والملبوس والمفروش والمركوب. لا بل عندي ولا أخشى من أن يقال أولك عند أنه إذا كان اسمان مشتقين من مادة واحدة وكانا يدلان على معنى واحد كالخجوج والخجوجاة مثلا للريح الشديدة المرّ وإن يكون الاسم الزائد في اللفظ زائدا في المعنى أيضا. إن شئت أذعنت أولا فعاند.

стр. 6

هذا وأني قد ألفته وما عندي من الكتب العربية شيء أراجعه واعتمد عليه غير القاموس. فإن كتبي كانت قد فركتني فاعتزلتها، غير إن مؤلفة ﵀ لم يغادر وصفا في النساء إلا وذكره. فكأنه كان ألهم أن سيأتي بعده يغوص في قاموسه على جمع هذه اللآلئ في مؤلف واحد منتسق لتكون أعلق بالذهن وارسخ في الذكر. ولولا إني خشيت غيظ الحسان عليَّ َلكنت ذكرت كثيراً من مكايدهن وحيلهنّ ومحالهن لكني إنما قصدت بتأليف التقرب إليهنّ وترضيهن به. وإني آسف كل الأسف على أنهن غير قادرات على فهمه لجهلهنّ القراءة لا لعوص العبارة إذ لا شيء يصعب على فهمهن مما يؤول إلى ذكر الوصل والحب والغرام. فهن يستوعبنه ويتلقفنه من دون تلعثم ولا قصور ولا ترج وحسبي أن يبلغ مسامعهن قول القائل أن فلاناً قد ألف في النساء كتاباً فضلهن به على سائر المخلوقات. فقال إنهن زخرف الكون. ونعيم الدنيا وزهاها. وغبطة الحيوه ومناها. وسرور النفس ومشتهاها وعلق القلب. وقرة العين. وانتعاش الفؤاد. وروح الروح. وجلاء الخاطر. وتعلل الفكر. ولهو البال. وجنة الجنان. وأنس الطبع. وصفاء الدم. ولذة الحواس. ونزهة الألباب. وزينة الزمان.. وبهجة المكان والباءة بل أقول غير متحرج عرف الآلهة إذ لا يكاد الإنسان يبصر جميلة إلا ويسبح الخالق. بذكرهن يلهج اللسان. ولخدمتهن تسعى القدم. وتتحمل الأعباء. وتتجشم المشاق ويهون الصعب ويتجوع الصاب. ويقاسي الضر ولرضائهن يذل العزيز. ويبذل النفيس. ويذال المصون. وإن خلاق الرجل من دونهن حرمان. وفوزه خيبوز وهناؤه تنغيض. وأنسه وحشة. وشبعه جوع. وارتواؤه ظمأ. ورقاده أرق. وعافيته بلاء. وسعادته شقاوة. وطوبى له كالزقوم. والتنسيم كالغسلين. فإذا قدر الله بلوغ هذا الخبر المطرب سماع إحدى سيداتي هؤلاء الجميلات وسرت به وفرحت. ورقصت ومرحت. رجوت منها وأنا باسط يد الضراعة أن تبلغه أيضاً مسامع جارتها. وأملت من هذه أيضاً أن تطالع به صاحبتها حتى لا يمضي أسبوع واحد إلا ويكون خبر الكتاب قد ذاع في المدينة كلها. وكفاني ذلك جزاء على تعبي الذي تكلفته من أجلهن. إلا وليعلمن إني لو استطعت أن أكتب مديحهن بجميع أصابعي وأنطق به بكل من جوارحي لما وفي ذلك بمحاسنهن. فكم لهن علي من الفضل حين بدون في أفخر الحلل ومسن وبأحسن الحلي. ونظرن إليَّ شافنات. حتى أبت إلى حفشي وأنا أتعثر بأفكاري وخواطري. فما كادت يدي تصل إلى قلم إلا وقد تدفقت عليه المعاني وساحت على القرطاس. فأورثنني بين الناس ذكراً وفخراً. ورفعن قدري على قدر ذوي البطالة والفراغ. نعم أن من بينهن من نفست علي بطيفها في الكرى. ولكنها معذورة في كونها لم تكن تعلم إني أتكلف النوم. بعد أن رأت عيني من جمالها ما يبهر العقل ويبلبل البال. فأما إذا تعنت عليّ أحد بكون عبارتي غير بليغة. أي غير متبلة بتوابل التجنيس والترصيع والاستعارات والكنايات. فأقول له أني لما تقيدت بخدمة جنابه في إنشاء هذا المؤلف لم يكن يخطر ببالي التفتازاني والسكاكي والأمدي والواحدي والزمخشري والبستي وابن المعتز وابن النبيه وابن نباتة. وإنما كانت خواطري كلها مشتغلة بوصف الجمال. ولساني مقيداً بالإطراء على من أنعم الله تعالى عليه بهذه النعمة الجزيلة. وبغبطة من خوّله عزة الحسن وبرثاء من حرمه منه. وفي ذلك شاغل عن غيره. على أني أرجو أن في مجرد وصف الجمال من الطلاوة والرونق والزخرفة ما يغني عن تلك المحسّنات استغناء الحسناء عن الحلي ولذلك يقال لها غانية. وبعد فإني قد علمت بالتجربة إن هذه المحسنات البديعية التي يتهور فيها المؤلفون كثيراً ما تشغل القارئ بظاهر اللفظ عن النظر في باطن المعنى.

стр. 7

ولعمري انه ليس في هذا الكتاب شيء يعاب سوى وجدانك الفارياق فيه تارة يحشر في سرب الغواني. وتارة يدمق عليهن وهن آمنات في حجالهن أو في حديقة أو في زاوية على السرير. ولكن لم يكن لي بد من ذلك. إذ الكتاب موضوع على قص أخباره وعلم أحواله. فقد بلغني أن كثيراُ من الناس أنكروا وجود هذا المسمى فقالوا أنه من قبيل الغول والعنقاء. وبعضهم قال أنه قد ظهر مرة في الزمان ثم اختفى عن العيان. وذهب غير واحد إلى إنه مسخ بعد ولادته بأيام. ولم يعلم بأي صورة تلبس وإلى أي شكل استحال. وزعم قوم إنه صار من جنس النسناس. وقال غيرهم إنه صار من نوع الجن. وأثبت بعض إنه استحال امرأة. فإنه لما رأي أن المرأة أسعد حالاً من الرجل في هذه الدنيا المسماة دنيا كانت لا يبيت إلا هو جائر إلى ربه بالدعاء لأن يصيره أنثى. فتقبل الله ذلك منه وهو على كل شيء قدير. فرأيت والحالة هذه من بعض ما يجب عليّ أن أعرّف هؤلاء المختلفين فيه بحقيقة وجوه على ما فطر عليه. ما عدا التغيير الذي عرض له عن جهد المعيشة وسوء الحال ومقاساة الأسفار ومخالطة الأجانب والاحتكاك. وعلى الخصوص من تلفيع الشيب. والمجاورة من حد الشباب إلى سن الكهولة. فإذ قد علم ذلك فأقول كان مولد الفارياق في طالع نحس النحوس والعقرب شائلة بذنبها إلى الجدي أو التيس والسرطان ماشٍ على قرن الثور، وكان والده من ذوي الوجاهة والنباهة والصلاح مرحى مرحى إلا أن دينه ما كان أوسع من دنياهما وصيتهما أكبر من كيسهما برحى برحى وكان لطبل ذكرهما دويّ يسمع من بعيد. ولزوابع شأنهما عجاج ثناء يثور في الجبال والبيد. ولتكرير العفاة واعتشاء الوفود لديهما. تعطلت سبل دخلهما. ونزحت بئر فضلهما فلم يبق فيها إلا نزّازات يلقى فيها المخفق المحروم سدادا من عوز. فكانا يجودان به أيضاً من عوز السداد وهّ وه فلذلك لم يعد في طاقتهما أن يبعثاه إلى الكوفة أو البصرة ليتعلم العربية. وإنما جعلاه عند معلم كتاب القرية التي سكنا فيها ويح ويح وكان المعلم المذكور مثل سائر معلمي الصبيان في تلك البلاد في كونه لم يطالع مدة حياته كلها سوى كتاب الزبور وهو الذي يتعلمه الأولاد هناك لا غير أفّ أف وليس قولي إنهم يتعلمونه مؤذنا بأنه يفهمونه. معاذ الله. فإن هذا الكتاب مع تقادم السنين عليه لم يعد في طاقة بشر أن يفهمه غُط غط وقد زاده إبهاماً وغموضاً فساد ترجمته إلى اللغة العربية وركاكة عبارته حتى كاد أن يكون ضرباً من الأحاجي والمعمى رُط رط وإنما جرت عادة أهل تلك البلاد بأن يدرّبوا فيه أولادهم على القراءة من غير أن يفهموا معناه. بل فهم معانيه عندهم محظور تفّ تف وكما أنهم لا يفقهون معنى وحا وميم وقاف مثلاً. فكذلك لا يفهمون عبارة الكتاب المذكور إذا قرأوها طيخ طيخ.

стр. 8

والظاهر أن سادتنا رؤساء الدين والدنيا لا يريدون لرعيتهم المساكين أن يتفقهوا أو يتفقحوا. بل يحاولون ما أمكن أن يغادروهم متسكعين في مهامه الجهل والغباوة أع أع إذ لو شاؤوا غير ذلك لاجتهدوا في أن ينشئوا لهم هناك مطبعة تطبع فيها الكتب المفيدة سواء كانت عربية أو معرَّبة سر سر فكيف ترضون يا سادتنا الا عزة لعبيدكم الأذلة أن تربى أولادهم في الجهل والعمه عزوى عزوى وإن يكون معلموهم لا يعرفون العربية ولا الحط والحساب والتاريخ والجغرافية ولا شيئاً غير ذلك مما لا بدّ للمعلم من معرفته تعزى تعزى فكم لعمري من ملكات براعة وحذق من الله تعالى بها على كثير من هؤلاء الأولاد. غير أنه لفقد أسباب العلم وعدم ذرائع التأديب والتخريج طفئت جذوتها فيهم على صغر بحيث لم يمكن أن يستقبها بهم نتف التحصيل على كبر أوه أوه هذا وإنكم بحمد الله من المتمولين المثرين. لا يعجزكم أن تنفقوا كذا وكذا كيساً على إنشاء مدارس وطبع كتب مفيدة أيه أيه فإن لبطرك الطائفة المارونية دخلا له وقع عظيم، وقدر جسيم، بحيث يمكنه أن يحبي به قلوب طائفته هذه التارزة التي لا هم لها في المنافسة والمباراة في شيء بين من سبقوهم إلى كل علم وفضل هيس هيس وإنما همهم أن يتعلموا بعض قواعد في نحو اللغتين العربية والسريانية لمجرد العلم بها فقط من دون فائدة آه آه إذ لم يعلم إلي الآن أن واحداً منهم ترجم كتابا أو كراسة مفيدة في هاتين اللغتين ولا أن البطرك أمر بطبع كتاب لغة فيهما تغ تغ ولو إنه أنفق نصف دخله في كل سنة على تحصيل أسباب العلم بدل هذه الولائم والمآدب التي يهيئها لزواره. أو لو كان كل من الأمراء والمشايخ الكرام ينفل شيئا معلوما في كل سنة لأجل هذه المصلحة الخيرية أو لو بعث من قبله إلى البلاد الإفرنجية وكلاء يجمعون من ذوي الخير والإحسان فيها مبلغا يخصصه بما نحن بصدده. لأحمد كل من في الشرق والغرب فعله جنح جنح ولكن إذا تعنى أحد سادتنا هؤلاء لأن يبعث إلى إخوانه الإفرنج حنا أو متى أو لوقا لجمع المال فإنما يبعثه لبناء كنيسة أو صومعة آح آح مع أن الإنسان مذ يولد إلى أن يبلغ اثنتي عشرة سنة لا يمكنه أن يدرك شيئا على حقيقته من جهة الكنيسة والصومعة ويمكنه في خلال ذلك أن يتعلم ما يفيده في مدرسة أو كتاب ثع ثع فهل تعدونني يا سادة بإنشاء مكاتب وطبع كتب حتى لا أطبل عليكم هذا الفصل. فإن بقلبي منكم لحزازات حاكة وبصدري عليكم ملامات صاكة أخ أخ لأن خليصي الفارياق في دولتكم السعيدة لم يمكنه أن يتعلم في قريته غير الزبور وهو كتاب حشوه اللحن والخطأ والركاكة اخ اخ لأن معربه لم يكن يعرف العربية وقس عليه سائر الكتب التي طبعت في بلادكم وفي رومية العظمى هع هع ومعلوم أن الغلط إذا تأصل في عقل الصغير شب معه ونمى فلم يعد ممكنا بعد قلعه. فهل من سبب لهذا الشين والعيب سوى إهمالكم وسوء تصرفكم في السياسة المدنية والكنائسية أفواه أفواه. أتحسبون إن الركاكة من شعائر الدين ومعالمه وفرائضه وعزائمه وإن البلاغة تفضي بكم إلى الكفر والإلحاد. والبدعة والفساد مطغ مطغ أم حسبتم أن تلك الأبيات العاطلة قد أفحمت ذلك المسلم العالم عن المجادلة والمناضلة يع يع إما بعروقكم دم يهيجكم إلى حب الكلام الجزل الفخم. وإلى البلاغة والبلة. ونق العبارة على موجب القواعد المقررة. والإفصاح عما يخطر ببالكم دون الحشو المخل. والاعتراض المملّ. والتعقيد المعلّ. والإخلاء المسل. وقولكم في جوز الجملة في جوز الجملة الخ. وجعلكم الفعل الثلاثي رباعيا. وبالعكس. واستعمالهم ما يتعدى منه بالباء متعديا بفي وبالعكس. وأجرائكم المتعدي لازما وبالعكس. والمهموز معتلا وبالعكس وعدم فرقكم بين اسمي الفاعل والمفعول. فتقولون هم محسودون مني أي حاسدون لي وما أشبه ذلك قه قه وليس كتابي هذا درة الثين في أوهام القسيسين حتى أستوعب فيه ذكر أغلاطكم وأوهامكم ايحي ايحي وإنما المفصود من ذلك أن أبين لكم أن أدمغتكم قد سقيت اللحن والركاكة من وقت ذهابكم إلى الكتاب وقراءتكم فيه كتاب الزبور إلى أن تصيروا كهلا ثم شيوخاً دح دح وإنه ما دمتم على هذه الحال فلن يرجى لكم من ابلال ويب ويب.

стр. 9

ثم أن الفارياق أقام عند معلمه ريثما ختم الكتاب المذكور. وبعد ذلك أوجس منه العلم أن يربكه في مسائل تصعب عليه فينفضح بها. فأشار علي والده بأن يخرجه من الكتاب ويشغله بنسج الكتب في البيت به به فلبث على هذه الحالة مدة طويلة فاستفاد منها ما أمكن لمثله أن يستفيد من تجويد الخط وحفظ الألفاظ بَدْ بد وكان أهل البلاد يفضلون حسن الخط على كل ما تصنعه اليد. فعندهم إن من يكتب خطاً حسناً هو الذي أفق بين أقرانه في الفضل. ومع اشتهار ذلك فلم يكن حاكم البلاد يستخدم من الكتاب إلا من بذأت العين خطه وعاف الذوق السليم كلامه عيط عيط أشعارا بأن الخط لا يتوقف إلا على الحظ. وإن إدارة لا تفتقر إلى تهذيب الكلام. تع تع وإن كثيرا قد نالوا المراتب السامية والمناصب السنية وهم لا يحسنون توقيع اسمهم الشريف حس حس غير أن الفارياق لم يكن قرير العين بهذه الحرفة. إذ كان يعتقد أن الرزق الذي يأتي كشق القلم لا يكون إلا ضيقا وي وي نعم أن كثيرا من الناس قد نالوا العيش الواسع الهني. والخير المتتابع الوفي. من مورد هو بالنسبة إلى شق القلم رحب لكنه بالنسبة إلى شرههم وسرفهم ضيق واه واه غير أن الفارياق وقتئذ كان غراً لا تجربة له ولا خبرة فكان يحكم على العبيد بالقريب. ولا شيء أقرب إلى عين الكاتب من لسان قلمه وعارض قرطاسه. أو أدنى إلى قلبه من الكلام الذي يكتبه واللبيب من قنع بالحرفة التي يتعاطاها ولم يشق عليه أمت الشق ولم يشرئب إلى ما ليس يحسنه شع شع. انتكاسة حاقية وعمامة واقية قد كان من طبع الفارياق كما هو دأب جميع الأحداث أيضا يحاكي في الزي والأطوار والكلام من كان متميزا فيعصره بالفضل والدراية. وإنه رأى ذات يوم قرزاما معتما بعمامة كبيرة مدورة. وكان هذا القرزام يحسب وقتئذ من فحول الشعراء فأحب الفارياق أن يكون له مثل هذه العمامة على صغر رأسه. فكان إذا مشى يميل رأسه منها يمنة ويسرة كالقاضي الذي يخرج في الأسواق بعد صلوة الجمعة ويسلم على الناس. واتفق أن أباه سار مرة إلى دار الحاكم واستصحبه معه وأركبه مهرة له. وكان هو راكباً حصانا. فمكثا هناك أياماً. فعن للفارياق يوما من الأيام أن يركض المهرة في الميدان وكان الحصان مربوطا في جانب. فأجرى المهرة نصف شوط حتى إذا قابلت مربط أليفها التفتت إليه كالمشيرة إن فارسها غير جدير بركوبها بين جياد الأمير. فما كان من الفارياق إلا أن سقط على أم رأسه. وأقبلت المهرة تجري إلى الحصان وغادرته مجندلا على الجدالة. ولو كان فارسا مجيدا لما تركته على تلك الحالة بل كانت تنتظره حتى يقوم.

стр. 10

ثم أنه قام بعد ذلك يحمد الله على كبر عمامته فإنها هي التي وقت رأسه عن إحدى الشجات العشر وهي القاشرة الحارصة الباضعة الدامية المتلاحمة السمحاق الموضحة الهاشمة المنقلة الآمة الدامغة. ولكنه قام محقوا ويومئذ عرف إن لكبر العمامة فضلا ومزية. وظن أن اتخاذ العمائم الكبيرة عند أهل بلاده إنما هي لوقاية رؤوسهم فقط لا لتحسين وجوههم. فإن العمامة الضخمة تخفي محاسن الوجه وتشوه الوجه الصغير فضلا عن كونها توجع الرأس وتمنع صعود الأبخرة من مسامه كما نص عليه الساعور الأكبر. فإن قيل إذا كان سبب اتخاذ العمائم الكبيرة إنما هو لوقاية الرؤوس لا للزينة والتحسين فمال بال الذين يرقدون ليلا يتعممون. فهل يخافون أن تتدحرج رؤوسهم عن مصادغهم فيسقطوا في مهواة في بيتهم. مع إن فرشهم تكون على الأرض. قلت أن منشأ هذه العادة هو أن نساء تلك البلاد يتخذون في رؤوسهن هذه القرون التي يقال لها هناك طناطير. وهي تكون من فضة أو ذهب في طول الذراع وغلط الرسغ. فإذا بات الرجل مع امرأته حاسر الرأس أو كان على رأسه غطاء رقيق لم يأمن أن تنطحه بقرنها على قرنه فتمنيه بإحدى الشجاج المذكورة. فإن أبيت إلا اللجاجة وقلت ما سبب هذه القرون الحسية. هل هي دليل على التذكير بالقرون المعنوية عند مخالفة الرجل لامرأته. أو عند تقتيره عليها أو أجفاره عنها. أو هي من قبيل الزينة أو من بطر النساء وشرهن بحيث إذا شممن رائحة الأيسار من أزواجهن رأين أن كل مجس من أجسامهن قمين بالحلي والزينة. إذ كن يعتقدن أن المستور منها عن عيون الناس غير مستور عن عيونهن وعيون بعولتهن. وإن كان في المسألة خلاف عظيم، وتحليل وتحريم. وإن في التزين بحلي غير ظاهر للذة عظيمة. فإن مجرد العلم بإحراز شيء ثمين يسر صاحبه. كما لو أحرز إنسان كنزاً في حرز محجوب فإنه يفرح به من غير أن ينظر إليه. قلت إما التذكير بالقرون المعنوية فغير مظنون في نساء تلك البلاد لكونهن من ذوات العرض والتصاون. ولا سيما نساء الجبل. وفضلاً عن ذلك فإن هرواة الزوج ومقامع أهله وأهل امرأته وعيون الجيران أيضاً تمنعها عن الاتصاف بالصفة الزوجية التامة. أما في المدن فإن هذه الصفة أقوى وأفشى. وإنما كان اتخاذ هذه القرون في الأصل مناطاً للبراقع. وكانت في مبدأها صغيرة قصيرة ثم طالت وكبرت بطول الزمن وكبر الدينار. وكلما زاد إيسار الرجل وماله زاد قرن امرأته طولا وضخامة. وهنا فائدة لا بد من ذكرها، وهي أن لفظة القرن من الألفاظ التي اشترك فيها جميع اللغات كالصابون والقطّ والمزج وغيرها. وقد شهرت عند جميع المؤلفين بأنها كناية عن كذا وكذا من طرف زوجها. إلا عند المؤلفين من اليهود فإن الصفة القرنية في كتبهم من الصفات الحميدة. ولذلك فكثيرا ما تسمع في كتاب الزبور ارتفع قرني، وأنت رافع قرني وأني أنطح بقرني وما أشبه ذلك. وفي كلا الاستعمالين غموض وإِبهام. أما غموض استعمال القرن عند المؤلفين من غير اليهود كناية عن خيانة المرأة زوجها فلان هيئة القرن على عضو مخصوص من أعضاء الإنسان. وحقيقته أيضاً لا تدل على حيوان مخصوص. فإن الثور والوعل والتيس والكركدن في ذلك سواء، ولفظه كذلك غير مشتق من فعل يشير إلى خيانة أو ضمد. فما علة هذا الاستعمال، وقد استفتيت في هذه المسألة المشكلة كثيراً من المتزوجين المجرذين. فكلهم كان يتخيف ألواناً عند سؤالي له. ويجمجم في كلامه ويقوم من عندي وقد خجل ووجم. فإن فتح الله الآن على أحد ممن يطالع كتابي هذا في فهم حقيقة ما يراد من هذا الحرف عرفاً واصطلاحاً. وفي بيان سبب استعماله كناية عن الضمد فليتفضل بالجواب منةً وإِحساناً. فأما استعماله من مؤلفي اليهود كناية عن العزة والقوة والمنعة والغلبة فإنه يرد عليه ما ورد على الأول من أن كثيراً من الحيوانات قد اشترك فيه. ومنها ما هو غير ذي قوة ولا بأس. فأنظر اختلاف الناس في لفظة واحدة ومعنى واحد. أما العمامة، فإن اشتقاقها فيما أرى من عم بمعنى شمل لأنها تعم الرأس وهي على أشكال مختلفة. فمنها الحلزوني، والكعكي والإطاري، والمكوري، والمقوّري، والقهقوريّ، والقرطلي والقبعلي. وكلها على أصنافها أحسن من هذه الأجران التي تلبسها رؤساء المارونية في الدين فلينظروا وجوههم في مرآة جلية. نوادر مختلفة

стр. 11

كان للفارياق ارتياح غريزي من صغره لقراءة الكلام الفصيح وإمعان النظر فيه ولالتقاط الألفاظ الغريبة التي كان يجدها في الكتب: فإن أباه قد أحرز كتباً عديدة في فنون مختلفة، وكان أي الفارياق يتهافت منذ حداثته على النظم من قبل أن يتعلم شيئاً مما يلزم لهذه الصنعة. فكان مرة يصيب ومرة يخطئ، مع اعتقاده إن الشعراء أفضل الناس وأن الشعر أجل ما يتعاطاه الإنسان. فقرأ يوماً في بعض الأخبار عن شاعر كان في حداثته أبله مغفلاً، ثم صار أمره إلى أن نبغ فينظم القصائد المطولة وأجاد، فما حكي عنه أنه سكر يوماً فقعد في نحو ناموس وجعل يخطب منه خطبة أبي العِبَر طرد طبك طلندي بك يك نك من البلوعة. وأنه أراد يوماً أن يتسور حائطا ليتناول من بعض الثمر فوقع في فخ كان نصبه صاحب البستان للحيوانات.. وإنه قال يوماً لأمه إن عند فلان خادمة نظيفة غسلت اليوم باب دارها فجاء أسود يلمع. وإنه رأى يوما صبياً قد قلع أحد أضراسه فسار واقترض درهماً وقال للحجام اقلع ضرسي أنا أيضاً فإنه غير قاطع في الأكل. ولعل ينبت لي في مكانه ضرس أحد منه. وقيل له يوما قد دونت عنك حكايات من حمقك كثيرة فقال بودي لو أن أحداً يقرأها علي لأضحك ومرض أخوه يوماً فقال أبوه لزوجته قد أضره الطعام الذي أكله أمس. فقال نعم قد أضر الأكل والخادمة معاً. فقال أبوه ما دخل الخادمة هاهنا. فقال لعلها أعطته ما لم يحب. ورأت أمه على ثيابه دماً فقالت له ما هذا الدم. قال قد وقعت فجرى دمي وهو أحسن. فقد يقال من وقع وجرى منه دم صح وتقوى. وجرح يده بسكين فرمى بها وقال هذي السكين لا تساوي شيئاً. فقال أبوه لو كانت كذلك لما جرحت يدك فقال كل إنسان يجرح يده في الدنيا سواء بسكين أو غيرها. وقال مرة قد رأيت في السوق جبنا أبيض كالزفت. وقيل له لم لا تغسل يدك أغسلها فتعود وسخة في الحال. ولست أقدر على تنظيفها لكون دمي وسخاً. ورأى ذات يوم رجالاً مصلوبين فقال لأمه يا أم إذا عاشت هؤلاء الرجال أيضاً أفيقدر الذين صلبوهم على صلبهم مرة أخرى. وكان قوم يسألون عن منزل شخص فقال أنا أعرف مقرّه. قيل كيف عرفته. قال قد رأيت الرجل يمشي في السوق على رجليه. وقال يوماً من الثمانية إلى التسعة يمضي الوقت أسرع من الستة إلى السبعة. وقيل له أتحب اللحم أكثر من السمك قال أظن أني أحب هذا أكثر. وقال له أبوه إذا كنت تغيب عنا أفتحسن أن تكتب لنا كتاباً. قال نعم أكتبه وأجيء به أوصله إليكم. وسمع أباه يثني على حزٍ اشتراه وكان به فرحاً. فقال قد كانت ساعة سعيدة إنكم لم تشتروه. ورأى أباه يكتب كتاباً فقال له هل تستطيع يا أبت أن تقرأ ما تكتبه. فقال له كيف لا وأنا الذي كتبته. فال أما أنا فلا أستطيع. ورأى أباه يتأسف على طير فقده. فقال له بارك الله في الساعة التي طار فيها. فقال له يا أحمق إنا نتأسف على فقده قال له ولم لم تبنِ له داراً. قال أو يُبني للطائر دار. قال إنما أعني عودين يجعلان من هنا وهناك. ووصف مرة حيوانات رآها فقال ورأيت أيضاً خنزيراً أكبر مني وشكا وجعاً في رجله فقال ليت هذي الرجل تبلى. وكان أبوه يفسر له معنى أنقذ بأن قال له إذا وقع أحد في النار مثلاً وذهبت وأخرجته منها فلذلك هو الإنقاذ. فال ولكنه قد احترق فكيف أنقذه. وعلى فرض إني وضعت هذا السفود في النار ثم أحرجته منها أفيكون ذلك أيضاً إنقاذاً. وفسر له يوماً آخر معنى يلوم فقال إذا أبطأ عليك شخص في شيء وقلت له لِمَ تكاسلت فذلك يكون لوماً. فقال وأقول له أيضاً لمَ كبرت لِم صغرت لِم قصرت. ولامته أمه على نحره عند الكلام فقال لها ألا لا تلوميني ولكن لومي روحي. وأراد أبوه أن يخرج في يوم ماطر ثم عدل خوفاً من المطر. فقال لأمه يا أماه من عمّ الله أنا لم نخرج اليوم فإن الهواء كان طيباً. واشترت له أمه ثوباً فصلته قال لها أو يزول لون هذا الثوب. قالت لا أدري. قال أرجو أن يزول فلعله يصير أحسن. وقالت له أوان الشتاء وهو لابس قميصاً فقط البس ثوبك فوق القميص. فقال لها لا لأني أبرد به أكثر. ولامه أبوه على قراءته بصوت صلق فقال له لم هذا الصلق في القراءة قال لا أقدر أن أصرخ أكثر. وخفي عليه يوماً معنى الزيارة فقالت له أمه إذا سرت اليوم إلى السيدة فلانة لأنظرها فقد زرتها. قال قد فهمت إنك تسيرين إليها كي تخدعيها. وقالت له أمه إن فلانة التي تحسن إليك

стр. 12

قد ماتت فسكت ساعة ثم قال. قد حزنت عليها كما حزنت على موت أمي. الله يبعثها إلى الجنة هي وزوجها حالاً. وقال يوماً لوالده أن معلمنا اليوم قد أشترى قضيباً ليضرب به الأولاد ولكنهم يغضبونه عمداً حتى يضربهم به فينكسر فأستريح أنا أيضاً. وقال لأمه وقد مرضت إذا جئناك بالطبيب ولم يشأ الله أن يشفيك فما الحاجة إلى دواء. لها مرة أخرى استعملي هذا الدواء فلعلك تمرضين. وأراد يوماً أن يوقد النار فقال أردت أن أطفئها فما انطفأت. وقالت له أمه سر إلى فلانة وقل لها لأي شيء تخافين من أمي إنما هي بشر من بني آدم مثلك. فقال أقول لها تقول لك أمي لأي شيء تنفرين منها إنما هي من بني الحيوانات مثلك. وقال مرة في شيء أعجبه تبارك الله من كل عين. وقيل له يوماً أن فلاناً يريد أن يأخذك إلى مدرسته ليلمك. فقال بعثه الله إلى الجنة قال له أبوه أتريد أن تميته. قال فكيف أقول إذاً. قال أطال الله عمره. قال طوله الله. وقال لأمه أتعطينني الليلة من تلك الحلواء. فقالله أن عشنا إلى الليلة. قال نحن نعيش إلى غد فكيف لا نعيش إلى الليل- انتهى. فطالع بذلك أحد الألباء في بلاده وقال له قد ظهر لي أن هذا الكلام أبله مأموه. أو مدله توه. أو مسمه مسبوه. أو عمه مشدوه. أو نمه معتوه. فكيف صار بعد ذلك شاعراً. فقال له يحتمل أن كلامه هذا كان قد تعمده ليضحك به أبويه. أو أنه كان بليد البادرة ولكنه حديد الفاكرة. فإن من الناس من يدهش للسؤال فلا يكاد يجيب إلا خطأ. فإذا أعمل فكرة في خلوة أحسن كل الإحسان. أو أنه قصد بذلك أن يكون نبها مشهوراً بين الناس ولو بحماقة ورقاعة. فإن أكثر الناس يحاول الشهرة بأي وجه كان. فمنهم من يتعاطى الترجمة للكتب والتعليم وهو لا يدري شيا. ولكنه يفرح بأن يضع اسمه في أول الكتاب وبأن يحشيه بعبارات ركيكة وأقوال سخيفة من عنده أو بأن يروي عنه فيقال فلان كذا وكذا ويكون قوله خطأ وهذراً. ومنهم من يتربع في صدر المجلس بين إخوانه وإقرانه ويطفق يحكي لهم حكايات عن بلاد بعيدة ويخلط كلامه ببعض ألفاظ تعلمها من لغة العجم. فيقول لهم مثلا صان فاصون. وباردون موسيو. ودنكوي. وفاري ول. إشارة إلى إنه أطال السياحة في بلاد فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وتعلم لغاتهم وهو يجهل لغته التي نشأ عليها. ومنهم من يتخذ له عمامة كبيرة يضاهي بها بعض العلماء. فإن كبر العمامة يدل على كبر الرأس. وكبر الرأس يدل على جودة العقل وصواب الرأي. ومنهم من يتكلف محاكاة لهجة ما ممن عرفوا بالفصاحة فتراه يتشدف ويجعم ويستعمل ألفاظا ًفي غير محلها. وبعد فلا ينبغي أن يكون الشاعر عاقلاً أو فيلسوفاً. فأن كثيراً من المجانين كانوا شعراء. أو كثيراً من الشعراء كانوا مجانين. وذلك كأبي العبر وبهلول وعليان وطويس ومزبد. وقد قالت الفلاسفة إن أول الهوس الشعر وأحسن الشعر ما كان عن هوس وغرام. فأن الشعر العلماء المتوقرين لا يكون إلا مكرزماً.

стр. 13

فلما سمع الفارياق ذلك زهد في الشعر ورغب عنه إلى حفظ الألفاظ الغربية لكنه لم يلبث أن رجع إلى خلقه الأول. وذلك أن أباه أخذه معه إلى بعض القرى البعيدة ليجبي المال المضروب على سكانها إلى خزنة الحاكم. فأنزله أهلها منزلاً كريماً. وكان بالقرب من منزله جارية بديعة الجمال فجعل الفارياق على صغره ينظر إليها نظر المحب الراني جرياً على عادة الأغرار من العشاق. من أنهم يبتدئون العشق في جاراتهم استخفافاً للطلب واستشفاعاً بالجارية. كما أن عادة الجارات تهنيد جيرانهن وتغميرهم إشارة إلى إنه لا ينبغي البحث عن الطبيب البعيد إذا أمكن التداوي عند القريب. غير أن المحنكين في الحب يبعدون في الطلب ويرودون أنزح منتجع. لأنهم لما جعلوا دأبهم وديدنهم إشباع النفس من هواها كان عندهم السعي في ذلك فرضاً واجباً. ووجدوا في الإبعاد والنصب لذة عظيمة. إذ من فتح فاه رجاء أن تتساقط الأثمار فيع لم يعدّ إلا مع العاجزين. والحاصل أن الفارياق هوى جارته لأنه كان غراً. وإنها هي استهوته وأطعمته لكونها جارة. ولأن منزلته من حيث كونه مع أبيه كانت تميل الناس إليه. غير أن مدة إقامته هناك لم تطل. وأضطر إلى الرجوع مع أبيه وقد بقي كلفاً بالجارية. فلما حان الفراق بكى وتحسر وتنفس الصعداء. ونخره الوجد لأن ينظم قصيدة يعبر بها عن غرامه فقال من جملة أبيات. أفارقها على رغم وأني ... أعادر عندها والله روحي وهي أشبه بنفس شعراء عصره الذين يقسمون أيماناً مغلطة بأنهم قد عافوا الطعام والشراب شوقاً وغراماً. وسهروا الليالي الطويلة وجداً وهياماً. وإنهم ناسمون وقد ماتوا وكفنوا وحنطوا ودفنوا. وهم عند ذلك يتلهون بأي لهوة كانت. ثم أنه لما أطلع أبوه على تلك البيات الفراقية لامه عليها ونهاه عن النظم. فكأنما كان قد أغراه به. فإن من طبع الأولاد في الغالب الخلاف لما يريد منهم آباؤهم ثم أنه فصل من تلك القرية حزيناً كئيباً متيماً مفتوناً. شرور وطنبور قد كان أبو الفارياق آخذاً في أمور ضيقة المصادر. غير مأمونة العواقب والمصاير. لما فيها من إلقاء البغضة بين الرؤس. وشغْب أهل البلاد ما بين رئيس ومرؤوس. فقد كان ذا ضلع مع حزب من مشايخ الدروز مشهور بالنجدة والبسالة والكرم. غير أنهم كانوا صفر الأيدي والأكياس والصندوق والصوان والهميان والبيوت. ولا يخفى أن الدنيا لما كان شكلها كروياً كانت لا تميل إلى أحد إلا إذا استمالها بالمدوَّر مثلها وهو الدينار. فلا يكاد يتم فيها أمر بدونه. فالسيف والقلم قائمان في خدمته. والعلم والحسن حاشدان إلى طاعته. ومن كان ذا بسطة في الجسم وفضلٍ في المناقب فلا يفيد طوله وطوله بغير الدينار شياً. وهو على صغر حجمه يغلب ما كان كبيراً ثقيلاً من الأوطار ولُبانات النفس. فالوجوه المدوَّرة خاضعة له أيّان برز. والقدود الطويلة منقادة إليه كيفما دار والجباه العريضة الصليتة مكبَّة عليه والصدور الواسعة تضيق لفقده.

стр. 14

فأما ما يقال من أن الدروز هم من ذوي الكسل والتواني وإنهم لا ذمة لهم ولا ذمام فالحق خلاف ذلك. أما وسمهم بالكسل فأحرى أن يكون ذلك مدحاً لهم. فإنه ناشئ عن القناعة والزهد. غير أن الصفات الحميدة التي يتنافس فيها الناس متى جاوزت الحد قليلاً التبست بنقيضها. فالإفراط في الحلم مثلاً يلتبس بالضعف. وفي الكرم يلتبس بالتبذير. وفي الشجاعة بالتهور والمغامرة. لا بل الإفراط في العبادة والتديّن يلتبس بالهوس والخبال. هذا ولما كانت الدروز في القناعة إذ لا ترى من بينهم أحداً يقتحم القفار ويخوض البحار في طلب الأزاء وفي التأنق في الملبوس والمطعوم ولا من يُسَفّ للأمور الخسيسة ويدنق فيها. أو من يبشر الصنائع الشاقة ظن فيهم الكسل والتواني. ومعلوم أنه كلما كثر شره الإنسان ونهمُه، كثر نصبه وكده وهمّه. فالتجار من الإفرنج على ثروتهم وغناهم أشقى من فلاحي بلادنا. فنرى التاجر منهم يقوم على قدميه من الصباح إلى الساعة العاشرة ليلاً. وأما أن الدروز لا عهد لهم ولا ذمة فإنما هو محض افتراء وبهتان. إذ لم يعرف عنهم إنهم عاهدوا بشيء ثم نكثوا به دون أن يحسّوا من المعاهد إليه غدراً. أو أن أميراً منهم أو شيخاً رأى امرأة جاره النصراني تغتسل يوماً فأعجبته بضاضتها وبتيلتها وبوصها. فبعث إليها من تملق لها أو غصبها. وأنت خبير بأن كثيراً من النصارى عائشون في ظلهم. ومستأمنون في حماهم. وأنهم لو خُيّروا أن يتركوا مستأمنهم هذا ليكونوا تحت أمن مشايخ النصارى لأبوا. وعندي أن من كان يرعى حرمة الجار في حرمته كان خليقا بكل خير. ولم يكن ليخونه في غيرها. فأما ما جرى من التحزب والتألب بين طوائف الدروز وغيرهم فإنما هي أمور سياسية لا تعلق لها بالدين. فبعض الناس يريدون هذا الأمير حاكما عليهم وبعضهم يريد غيره. وكان أبو الفارياق ممن يحاول خلع الأمير الذي وقتئذ والياً سياسة الجبل. فانحاز إلى أعدائه وهم من ذوي قرابته فجرت بينهم مهاوش ومناوش غير مرة. وآل الأمر بعدها إلى فشل أعداء الأمير. ففروا إلى دمشق يلتمسون النجدة من وزيرها فوعدهم ومناهم. وفي تلك الليلة التي فروا فيها هجمت جنود الأمير على وطن الفارياق ففر مع أمه إلى دار حصينة بالقرب منها لبعض الأمراء.. فنهب الناهبون ما وجدوا في بيته من فضة وآنية ومن جملة ذلك طنبور كان يعزف به أوقات الفراغ. فلما إن سكنت تلك الزعازع رجع الفارياق مع أمه إلى البيت فوجداه قاعا صفصفا. ثم رد الطنبور عليه بعد أيام. فإن من نهبه لم يجد في حمله منفعة ولم يقدر أن يبيعه إذ العازفون بآلات الطرب في تلك البلاد قليلون جداً. فأعطاه لقسيس تلك القرية كفارة عما نهب. فرده القسيس على الفارياق.

стр. 15

وكأني بمعترض هنا يقول ما فائدة هذا الخبر البارد. قلت أن وجود الطنابير في الجبل عزيز جداً كما ذكرنا. فإن صنعة الإلحان والعزف بالملاهي يسم صاحبها بالشين. لما في ذلك من التطريب والتصبي والتشويق. والقوم هناك يغلون في الدين ويحذرون من كل ما يلذ الحواس. لذلك لا يشاءون أن يتعلموا الغناء والعزف بإحدى آلات الطرب أو يستعملوا في معابدهم وصلواتهم كما تفعل مشايخ الإفرنج خشية أن يفضي بهم ذلك إلى الإلحاد. فعندهم إن كل فن من الفنون اللطيفة كالشعر والإيقاع مثلا والتصوير مكروه. ولكن لو أنهم سمعوا ما يتغنى به في كنائس مشايخهم المذكورين من الموشحات أو ما يعزف به على الأرغن من اللحون التي ولع الناس بها في الملاعب والمراقص ومحال القهوة استجلاباً للرجال والنساء، لما رأوا في الطنبور إثماً. فإن الطنبور بالنسبة إلى الأرغن كالغصن من الشجرة وكالفخذ من الجسم. إذ لا يسمع منه إِلا طنطنة وفي الأرغن طنطنة ودندنة وخنخنة ودمدمة وصلصلة ودربلة وجلجلة وقلقلة وزقزقة ووقوقة وبقبقة وفقفقة وطقطقة ودقدقة وقعقعة وفرقعة وشخشخة وجرجرة وغرغرة وخرخرة وقرقرة وبربرة وطبطبة ودبدبة وكهكهة وقهقهة وبعبع وبعبعة وزمزمة وهمهمة وحمحمة وغطمطة وتأتأة ودأدأة وضأضأة ويأيأء وقأقأء وصهصلق وجلنبلق وغطيط وجخيف وفحيح وحفيف ونشيش ورنين ونقيق وطنين وعجيج وأرير ودوي وخرير وأزيز وهرير وصريف وصرير وشخب وصي وموا وغاق غاق وغق غق وطاق طاق وشيب شيب ومي ميء وطيخ طيخ وقيق قيق وخازباز وخاق باق. فإين هذا كله هداك الله من طن طن. فإن قيل إن الرغبة عن العزف به إنما هو لكونه يشبه الإلية. قيل فما بال النساء يدخلن الكنائس وعلى رؤوسهن هذه القرون الفضة وهي تشبه فنطيسة الخنزير أجلّك الله عن ذكره. وفنطيسة الخنزير أجلك الله عن ذكره تشبه كذا وكذا. فقد تبين لك إن اعتراضك غير وارد. وإن ذكر الطنبور كان في محله. فإن أبيت إلا العناد وتصديت لأن تخطئني وتعقبني بزلة وبغير زلة. وزمت أن تبدي للناس براعتك في الانتقاد عليّ أمسك عن إتمام هذا الكتاب. ولعمري لو إنك علمت سبب شروعي فيه وهو التنفيس عن كربك وتسلية خاطرك لما فتحت فاك عليّ بالملامة في شيء فقابل الإحسان أصلحك الله بالإحسان وأصبر عليّ حتى أفرغ من غزل قصتي. وبعد ذلك فإن لخاطرك إن تلقي بكتابي في النار أو الماء فافعل. ولنعد الآن إلى الفارياق فنقول أنه أقام مع والدته في البيت يتعاطى النساخة. وأنه لم يلبث أن ورد عليه نعي والده في دمشق. فتفطر قلبه لهذا الفجع وود لو بقي الطنبور عند ناهبه. وكانت أمه تنفرد في كل صباح وتندب زوجها وتتحسر عليه وتذرف المدامع لفقده. فإنها كانت من الصالحات المتحببات لأزواجهن عن خلوص وداد وصدق وفاء. وكانت تظن أن أبنها لا يراها في انفرادها حتى لا يزيد حزنها برؤيتها إياه يبكي لبكائها. لكن الفارياق كان ينظرها في خلوتها ويبكي لوحشتها ووحدتها أشد البكاء. فإذا رجعت كفكف عبراته وتشاغل بالكتابة أو بغيرها. ومذ ذلك الوقت عرف أنه لا ملجأ له بعد الله غير كدّه فعكف على النساخة. غير إن هذه الحرفة مذ خلق الله القلم لا تكفي المحترف بها ولا سيما في بلاد لوقع قرشها طنين ورنين. ولرؤية دينارها تكبير وتعويذ إلا ذلك جود من خطه ورقق من فهمه. قسيس وكيس وتحليس وتلحيس

стр. 16

قرأ الفصل المتقدم ثم أتاه خادمه يدعوه للعشاء فترك الكتاب وقام يستقبل الكأس والطاس والقدح والكوب مما اختلفت أشكاله وتفاوتت مقاديره. ثم أقبلت عليه إخوانه يسامرونه فمنهم من قال له إني ضربت اليوم جاريتي ونزلت بها إلى السوق على عزم أن أبيعها ولو بنصف ثمنها. وذلك لأنها أجابت سيدتها جوابا سخيفا. ومنهم من قال له وأنا أيضا ضربت أبني أشد الضرب لأني رأيته يلعب مع أولاد الجيران ثم حبسته في الكنيف وهو باق إلى الآن فيه. وبعضهم قال وأنا أيضا حرجت اليوم على زوجتي بأن تطلعني على جميع ما يخطر ببالها ويخلع صدرها من الأفكار والهواجس. وبما تحلمه أيضاً في الليل من الأحلام التي تنشأ عن امتلاء الدماغ من بخار الطعام. أومن دخان الغرام قبل النيام. وقلت لها أن لم تخبرني باليقين أضريت بك أبانا القسيس فيكفرك ويحظر عليك ثم يستخرج منك كل ما تكتمين وتضمرين ويطلع على كل ما تسترين وتخفين وتصونين وعلى ما تحذرين منه، وتحرصين عليه، وترتاحين له وتميلين إليه وتكلفين به. وقد خرجت من داري غضبانا متنمرا وجزمت بأن لا أصالحها إِلا إذا كانت تقص عليّ أحلامها. وبعضهم قال إن مصيبتي في بنتي أعظم. وذلك إنها بعد أن تمشطت اليوم وتعصبت وتعطرت وتطيبت وتوسطت وتبرقشت وتزينت وتبرجت، وتزيغت وتضرجت وتزخفت وتزبرجت وتشوفت وتسرجت وتنقشت وترقشت وتزهنعت وتبرقت وتحلفت وتزوقت وتقينت وتزلقت وتزيرقت وتألقت جلست بالشباك لتنظر الواردين والصادرين. فنهيتها عن ذلك فأنصرفت ثم خالفتني فرجعت إلى موضعها. وأوهمتني إنها تخيط هناك بعض ملبوس لها. فكانت كلما غرزت بالأبرة غرزة تنظر نظرتين. فقمت إليها مستشيطاً غيظاً وجبذتها بشعرها الذي مشطته وعقصته فطلع بيدي منه خصلة وهاهي معي. وهيهات إن تنتهي عن غيها ولو نتفت شعرها كله. فإنها كالمهرة الجامحة بغير عنان. لا يردها لكم بالأكف ولا ضرب بعيدان نعم أن من ملأ أعصاله بألوان الطعام وأذنيه بمثل هذا الكلام فلا بد وأن يكون قد نسي. ما جرى على الفارياق من الوقوع الحسي والمعنوي ومن فجعه بنعي أبيه. ومن إقباله على نسخ الكتب من ذلك جودة الخط فمن ثم اضطررت إلى الإعادة. وأزيد هنا أن أقول:

стр. 17

إنه لما شاعت براعته في النسخ أرسل إليه من اسمه على وزان بعير بيعر يستدعيه لنسخ دفاتر كان يودعها كل ما كان يحدث في زمانه. وليس الغرض من ذلك إفادة أحد من العالمين. وإنما كان إمساكاً للحوادث من أن تتفلت من مدار الأيام. أو تنفك من سلسلة الأحوال. فأن كثيراً من الناس يرون أن إحضار الماضي وجعله حالاً منظوراً من الأمور العظيمة. ولذلك كانت الإفرنج حراصاً على تقييد كلما يقع عندهم. فخرج عجوز من بيتها صباحاً وعودها إليه في الساعة العاشرة وهي تقود كلباً لها. والريح عاصفة والمطر واكف لا يفوت أقلامهم ولا يعدو خواطرهم. ففي مقدمة ديوان Lamartine أعظم شعراء الفرنساوية الموجودين في عصرنا وهو ديوان الذي سماه التأمل الشعري ما ترجمته. وكانت العرب يدخنون التبغ في قصبات لهم طويلة وهم ساكتون وينظرون إلى الدخان متصاعداً كأعمدة زرقاء لطيفة إلى أن يضمحل في الهواء اضمحلالاً يشوق الرائي. والهواء إذ ذاك شفاف لطيف إلى أن قال: ثم أن صحي من العرب جعلوا الشعير في مخال من شعر المعزي ووضعوها في أعناق الخيل وهي حول خيمتي. وأرجلها مربوطة في حلق من حديد وهي غير متحركة. ورؤوسها مخفوضة إلى الأرض مظللة بنواصيها الشعثة. وشعرها أشهب براق يخرج منه دخان تحت أشعة الشمس الحامية وكانت الرجال قد اجتمعت تحت ظل زيتونة من أعظم ما يكون. وفرشوا تحتهم على الأرض حصيراً شامياً وأخذوا في الحديث والحكايات عن البادية وهم يدخنون التبغ وينشدون أشعار عنتر وهو من شعراء العرب الذين اشتهروا بالحماسة والرعاية أي رعاية البهائم والبلاغة وقد بلغت أشعاره منهم مبلغ التنباك في الأركيلة. وحين كان يرد عليهم من الأبيات ما يؤثر في حسهم أكثر كانوا يرفعون أيديهم إلى آذانهم ويطرقون برؤوسهم ويصرخون تارة بعد تارة الله الله الله. إلى أن قال في وصف امرأة رآها تبكي عند قبر زوجها وكان شعرها مسدلاً من عند رأسها ملتفاً عليها ومماساً للأرض. وكان صدرها مكشوفاً كله على ما جرت بع العادة عند نساء تلك البلاد من بلاد العرب. وحين كانت تتطأطأ للثم صورة العمامة على رجال القبر أو تصغي أذنها إليه كان ثدياها البارزان يمسان الأرض ويرسمان في التراب شكلهما كالقالب. أهـ صفحة ٢٤ وسائر هذه المقدمة على هذا النمط مع انه سماها مقدور الشعر أي ما قدره الله تعالى على الشعر والشعراء. وفي رحلة شاتوبريان إلى أمريكا وهو أيضاً من أعظم شعراء عصره ما صورته. وكان منزل رئيس الدول المتحدة عبارة عن دار صغيرة مبنية على أسلوب إنكليزي في البناء من دون خفرة عندها من العسكر ولا حشم داخلها. فلما قرعت الباب فتحت جارية صغيرة فسألتها هل الجنرال في البيت فأجابت نعم. فقلت أن عندي رسالة أريد أن أبلغه إياها. فسألتني عن اسمي وصعب عليها حفظه فقالت لي بصوت منخفض أدخل يا سيدي وأورد هذه العبارة باللغة الإنكليزية Walk in sir تنبيهاً على معرفته لها ثم مشت أمامي في ممشى طويل كالدهليز. ثم دخلت بي إلى مقصورة وأشارت إليّ أن أجلس فيها منتظراً الخ صفحة ٢٥. وفي موضع آخر أنه رأى بقرة عجفاء لامرأة من هند أمريكا فقال لها وهو راث لحالها: ما بال هذه البقرة عجفاء؟ فقالت له إنها تأكل قليلاً وأورد هذه العبارة أيضاً باللغة الإنكليزية وهي She eats very little. وفي موضع آخر ذكر أنه كان يرى كسف السحاب بعضها في شكل حيوان وبعضها في شكل جبل أو شجرة وما أشبه ذلك. فإذ قد عرفت هذا فأعلم إن اعتراضك عليّ في إيراد ما هو غير مفيد لك لكنه مفيد لي لا يكون إلا تعنتاً فإن هذين الشاعرين كتبا ما كتباه ولم يخشيا لومة لائم، ولم يعترض عليها أحد من جنسيهما. وقد اشتهر فضلهما وصيتهما حتى أن مولانا السلطان أدام الله دولته أقطع لا مرتين في أرض أزمير إقطاعات عظيمة. ولم يسمع عن ملك من ملوك الإفرنج إنه أقطع شاعراً عربياً أو فارسياً أو تركياً مقدار جريب واحد في أرض عامرة. ولا غامرة. فأما كون وازن بعير بيعر قد حاكى الإفرنج في تاريخه وهو عربي وأبواه أيضاً عربيان وعمه وعمته كذلك عربيّان. فما لم أتيقنه إلى الآن. ولعلي أعلمه بعد إنجاز هذا الكتاب فأخبر به القارئ إن شاء الله. وإنما أرجو أي القارئ ألا يقطع قراءته لجهله سبب هذه المحاكاة وإن يكن العلم به مهماً.

стр. 18

ودونك مثالاً مما كان يكتبه الفارياق في أساطير بعير بيعر. في هذا اليوم وهو الحادي عشر من شهر آذار سنة ١٨١٨ قصَّ فلان ابن فلانة بيت فلانة ذنب حصانه الأشهب بعد أن كان طويلاً يكنس الأرض. وفي ذلك اليوم بعينه ركبه فكبا به. فإن قلت ما سبب النسبة إلى الأم دون الأب قلت أن بعير بيعر كان من المتديّنين، المتورعين المتقين. فنسبة الولد إلى أمه أصح وأصدق من نسبته إلى أبيه. فإن الأم لا تكون إلا واحدة بخلاف الأب ولكون الجنين لا يمكنه الخروج إلا من مخرج واحد، ومن ذلك اليوم نظرت سفينة في البحر ماخرة فظُن إنها بارجة قدمت من إحدى مراسي فرنسا لتحرير أهل البلاد، لكنه عند التحقيق ظهر أنها كانت زورقاً مشحوناً ببراميل فارغة وكان سبب قدومه للاستقاء من عين كذا. فإن قيل أن هذا خلاف المعهود، فإن من شأن الكبير أن يبدو للعين عن بُعد صغيراً لا عكسه. قيل أن الإنسان إذا أعطى نفسه هواها رأى الشيء بخلاف ما هو عليه. فمن أحب مثلاً امرأة قصيرة لم ير بها قِصْراً. ومنخلا بمحبوبته في فترة رآها أوسع من صرح بلقيس. فإنا نرى النور الصغير عن بُعدٍ كبيراً. فلا غرو أن يبدو الزورق بارجة أو شونة. فإن القوم هناك ما زالوا يحملون بأن رؤوسهم قد تبرطلت ببراطل الفرنساوية ولحموا عرضهم بعرضهم حتى يروا نساءهم كما قال الشاعر: تصيد ظباؤنا الأسدُ الضواري ... بلحظ أو بلفظ في المسالك وغزلان الفرنج تصيد أيضاً ... بذَيْن معا وبالأيدي كذلك وكان بعير بيعر سُتْهمَا جَعْظَرا أُحرقه. لكنه كان حليماً يجب السلم والدعة. وكان من التغفل على جانب عظيم. فكان مفوضاً أموره المعاشية إلى رجل لئيم شرس الأخلاق عيده به كبر وعنجهية وعجرفة وتفجُّس وغطرسة. وكان تمضي عليه الساعة والساعتان وهولا يبدي ولا يعيد. فيظن الغر أنه معمل فكره في تدبير الدول. أو تلخيص النحل. فقد جرت العادة بأن الرجل إذا كان ذا منزلة رفيعة فإن كان عييا مفحماً عُدّ رزيناً وقوراً. وأن يك مهذاراً عد فصيحاً. فأما أموره المعادية فإنها كانت تعلو وتسفل وتضوي وتجزل وتفتق وترتق بتدبير قسيس ذي دعابة وفكاهة وبشاشة وهشاشة. قصير سمين. أبيض بدين. وكان هذا القسيس الصالح قد تمكن من حريمه تمكناً لا يباريه فيه النسيم. وألقى عصاه عند إحدى بناته وكانت ذات وجه وسيم ومنطق رخيم. وكانت تزوجت برجل قد جُنّ وتخبل فخلته وجنونه واعتصمت بعقوة أبيها فكان القسيس آمراً عليها مطاعاً. ناهياً وزاعاً فكانت كلما دخل فيها شيء أوخرج منها شيء تطالعه به لأنها كانت ممن قفط قطري الدين والدنيا معاً. وكانت تعترف له بجرائرها في الخلوة. وهو يسألها عن كل زلة وهفوة. فيقول لها هل تتذبذب أليتاك ويترجرج ثدياك عند صعودك الدرك أو عند المشي. وهل يحدث فيك هذا الارتجاج من لذة. فقد ورد في بعض الأخبار أن بعض الجلامظة كان يرتاح إلى أي ارتجاج كان. حتى كان كثيراً ما يتمنى أن تتزلزل الأرض من تحته. وتمور الجبال من فوقه. وهل يمثل لك في الحلم ضجيع يكافحك. وخليع يصافحك إذ لا فرق عند الله بين اليقظة والمنام. وأن أعظم الحقائق إنما بني على الأحلام. وهل وسوس إليك الوسواس الخناس فاشتهيت أن تكوني خُنْثَى، أي ذكراً وأنثى لا ذكر ولا أنثى كما تقول العامة. فإن هذا القول لم يرتضه المحققون من الربانيين اللاتين وغير ذلك من الوسائل التي يضيق عن تفصيلها هذا الفصل. وكان أبوها لا يسيء به الظن لما تقرر عنده من أن كل من لبس السواد فهو من الفاطميين أهواءهم عن اللذات الخاصين أنفسهم عن الشهوات حتى أنه نظر يوماً في بعض الكتب هذا البيت وهو: وذموا لنا الدّنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتى ما تدّر لنا ثعل فظن أنه تعريض بهم وتلميح إليهم. فأمر بإحراقه فأحرق وذرى رماده. ورأى يوماً آخر بيتين في كتاب آخر وهما: ما بال عيني لا ترى من بين من ... لبس السواد من العباد نحيفاً ما كان من لحمٍ وشيء غيره ... فيهم فأصلب ما يكون وقوفاُ

стр. 19

فأمر أيضاً بإحراق الكتاب. وبعث جواسيس في البلد يتجسسون عن مؤلفه ونودي في الروابي والوهاد. ألا من دل على مؤلف كتاب كذا فإنه يجزي أحسن الجزاء. ويرقى إلى رتبة سنية. فلما سمع المؤلف بذلك اضطر إلى الاختفاء مدة حتى نُسي اسمه. فإن قلت أن هذا الفعل خلاف ما وصفته به من الحلم قلت إن عادة أهل تلك البلاد أن الحلم يكون محموداً في كل شيء إلا في أمرين حرمة العرض وحرمة الدين فأن الأخ ليبسل أخاه إلى الهلكة من أجلهما. ثم أن الفارياق أقام عند هذا الحليم مدة لم يحصل فيها على طائل. وكانت نفسه عزيزة عليه فلم يرد أن يسأله. فمن ثم جمع ذات ليلة حطباً وتبناً كثيراً وأطلق فيهما النار فانبعث اللهيب نحو مقصورة بعير بيعر، فظن أن النار قد سرت في قصره. فاستوشى القيام والقعود فأقبلوا يتسابقون إلى موضع النار. فرأوا الفارياق يزيدها من الحطب الجزل فسألوه عن ذلك فقال أن هذه النار من بعض النيران التي تنوب عن اللسان. وأن لم يكن لها صورة لسان. وإن لم يكن لها صورة لسان. ومن فوائدها إنها تنبه الغافلين وتنذر الباخلين. أن وراءها لقولاً شديداً ولساناً حديداً. فقالوا ويحك إنما هي من بدعك أو يكلم أحد بالنار. لقد سمعنا إن الإنسان يكلم غيره ببوق أو بقرع عصا أو بإشارة إصبع أو بغمز عين أو برمز حاجب أو برفع يد من عند الإبط. فأما بالنار فبدعة وضلال. وكادوا أن يبدعوه ويكفروه وينسبوه إلى التمجس ويطرحوه النار. لولا أن قال قائل منهم. ردوا الجواب على مرسلكم. ولا تفعلوا شيئا عن تهوك. فلما أخبروه بما رأوا وسمعوا. استرآه واستنطقه عن ذاك الأجيج. فقال أصلح الله المولى. وزاده فضلا وطولا. قد كان لي كيس لا ينفعني ولا أنفعه. والأكياس ولما جاء على وزنها ورويها عادة مخالفة لسائر العادات وهي إنها إذا خفت ثقلت. وإذا ثقلت خفت. فلما خف كيسي في جوارك السعيد أي ثقل أحرقته بهذه النار. وإنما جعلتها عظيمة هكذا لأني كنت أتوهمه كرضوى في جيبي. حتى إنه كثيرا ما منعني عن النهوض والخروج لحاجة مهمة فلما سمع قوله ضحك من خرافته ورضخ له من كفه الجامدة شيئا يقابل ما كتبه له الفرياق في أسفاره في الخساسة. فأقبل يحنبش إلى بيته وآلى أن لا يكتب شيئاً بعد ذلك الإ ما طاب موقعه. وجل نفعه. رجاء إن تكون الأجرة على قدر العمل. وهيهات فإن أكثر الناس نفعاً وشغلاً. أقلهم أجراً وجعلا. ومن لم يحسن إلا التوقيع. احل المحل الرفيع. ولقمت يده وقدمه كما يلقم الثدي الرضيع. طعام واِلتهام

стр. 20

بينما كان الفارياق رأسه ورجلاه في البيت كان فكره يصعد في الجبال. ويرتقي التلال. ويتسور الجدران. ويتسنم القصور ويهبط الأودية والغيران ويرتطم في الأوحال. ويخوض البحار. ويجوب القفار. إذ كان أقصى مراده أن يرى غير منزله وناسا غير أهله. وهو أول عناء الإنسان في حياته. فعن له أن يزور أخاً له كان كاتبا عند بعض أعيان الدروز. فسار وحقائبه الأماني. فلما أجتمع به ورأى ما كان عليه القوم من الخشونة والتقشف ومن الأحوال المغايرة لطباعه. أنكر بعضها ووطن نفسه على تحمل البعض الآخر. ولم يشأ وشك الرجوع من دون تقصي معرفتهم. ولو كان رشيدا لصرف نفسه عن هواها من أول يوم. إذ ليس من المحتمل إن أهل مدينة أو قرية يغيرون أخلاقهم وما ربوا عليه لأجل غريب دخل فيهم. ولا سيما إذا كانوا شياظمة ذوي بسطة وبأس. وكان هو قميا. ولكن الإنسان كلما قل شغله كثر فضوله فلا يكتفي بمجرد ما يسمع بإذنه حتى يرى بعينه. وكان الفارياق كلما زاد بهؤلاء القوم خبرة ونقداً. زاد أعراضاً عنهم وزهداً لأنهم كانوا غلاظ الطباع. بهم جفاء وإفظاع. وسخي الوساد والملبوس. ملازمي الضعف والبؤس. وأقذرهم كان طباخ الأمير فإن قميصه كان أنتن من الممحاة. وقدميه أقلتا من الوسخ ما لا تكاد تكشطه عنه المسحاة. وكانوا إذا قعدوا للطعام سمعت لهم زمزمة وهمهمة. وقعقعة وطعطعة. فخلتهم وحوشا على جيفة يثرملون ويرهطون وينهسون ويتعرقون ويتمششون ويتلمظون ويتمطقون ويلوسون ويلطعون ويتنطعون وكل ذلك في فرشطة خفيفة. فكنت ترى في جبهة كل منهم مضمون ما قيل من لفلف. لم يتقصف. فإذا قاموا رأيت الرز مزروعا في لحاهم والوضر متقاطرا من كساهم. فكان الفارياق إذ آكلهم قام جوعانا. ومعت أمعاؤه في الليل. فبات سهراناً. فكان يقول لأخيه عجباً لمن يعاشر هؤلاء الناس. من الأكياس. ما الفرق بينهم وبين البهائم. سوى باللحى والعمائم. لا جرم إنهم عائشون في الدنيا لسد بصائرهم وأفكارهم. ولفتح أفواههم وأدبارهم لا يكاد أحد منهم يظن أن الله تعالى بشرا إلاَّ وكان دونه وما يدرون إن الإنسان ليس له بمجرد النطق فضل على العجماوات ومزية على الجمادات. فإن الكلام إنما هو مادة لصورة المعاني. ولا تنفع المادة وحدها إذا لم تحل فيها الصورة التي هي الوجود الثاني. وقد يقال إن الرقين. تغطي أفن الأفين. وهؤلاء قد حرموا من العقل والنعمة. ورضوا من الكون كله بالنسمة. كيف تطيق إن تعاشر هؤلاء الهمج وفضلك بين الناس قد بلج. فقال له أخوة إن كثيرا ليحسدونني على مكانتي عند الأمير. وإني لكيد حسادي أصبر على العسير كما قيل. وكم أشياء يحسبها أناس ... لفاعلها نعيم وهي بؤسُ ولولا إن يكيد بها حسوداً ... لأنكر ذكرها وبه عبوسُ وفضلا عن ذلك فإن القوم ذوو نخوة ومروءة. وشهامة وفتوة. وإنهم وأن يكونوا سيئي الأدب على الطعام. فهم متأدبون في الفعال والكلام. لا ينطقون بالخنى ولا يعرف بينهم لواط ولا زنا. غير إن الفارياق كان يرى كله في المأدبة فكأنه كان قد تخرج على بعض الإفرنج أو كان فيهم نسبة. فمن ثم استدعى بقريحته على هجوم فلبته. ونادى القوافي لوصفهم فأجابته. فنظم فيهم قصيدة بين فيها سوء حالهم وخشونة بالهم. من جملتها في ثغر كل منهم سكيَّنة ... وسلاحه الماضي فأين المطعمُ ثم عرضها على أخيه وكان مشهوداً له بالأدب. وعلم لغة العرب. فاستحسنها منه على صغر سنه. وأعجب ببراعة فنه. ثم لم يلبث أن اشتهر أمرها وشاع ذكرها. وذلك لأن أخاه من شدة إعجابه بها تلاها على كثير من معارفه فبلغها بعض الحساد إلى أمير الناد. وكان هذا المبلغ نصرانياً فإن الحسد لا يكون إلا عند النصارى. مع أن كثيراً ممن تليت عليهم من الدروز كانوا داخلين في عداد المهجوين.

стр. 21

فلما سمع الأمير بذلك استاء جداً وقال لأخيه. تالله لقد جاء أَخوك آمراً فرياً. كيف يهجونا وهو ضيفنا وقد أنزلناه منزلاً كريما. وسقنا إليه رزقا عميما. لعمر الله لئن لم يتدارك هجوه بقصيدة مدح لأغيظنه. وكان هذا الأمير متصفا بصفات العرب في الفروسية والنجدة. وفي شراء الحمد جهده غير إنه كان يكل الأمور إلى المقدور. ولا يهمه ترتيب حاله. والنظر في ماله. ثم خشي من أن يكون هذا الوعيد أدعى إلى زيارة الهجوم إذا فصل عنه الفارياق وهو مغيظ. فرأى أن الإغضاء أجلب للإرضاء. وإن التملق أوفق للتلفق. فمن ثم سار صديقا له من علماء ملته وفضلاء نحلته إن يصنع مأدبة ويدعوه إليها والفارياق وأخاه. فلما جمعهم النادي. وجيء بالحلواء على أطباق كالهوادي. أقسم الأمير قائلاً والله لا أذوقن من هذا شيئا أو ينظم أبو دلامة يعني الفارياق بيتي مديح ارتجالا. فأبتدر وقال بديها. قد كان طبع أبي دلامة إنه ... يهجو لأن الهجو وفق جنانه لكنما هذا الخبيص نهاه إذ ... مزحت حلاوته بمر لسانه فجن الحاضرون استحسانا لهما. حتى الأمير لم يتمالك إن صافح الفارياق وقبله بين عينيه فانعقدت بذلك المواعدة ورجع كل راضيا. وقفل صاحبنا إلى بيته. وآلى إن لا يعقد فيما بعد ناصيته بذنب أحد من كبراء الناس. وإن يسد أذنيه عن صوت صيتهم غلب على الأجراس. حمار نهاق وسفر وإخفاق

стр. 22

ثم لبث الفارياق يتعاطى حرفته الأولى ومل منها ملل العليل من الفراش. وكان له صديق صدوق يراقب أحواله. فأجتمع به مرة وخاضا في حديث أفضى إلى ذكر المعاش. والتظاهر بين الناس بأحسن الريش فقر رأي كل منهما على إن الإنسان في عصرهما لا يعد إنسانا بفضله ومزيته. بل ببزته وزينته. وإن الناس المولودين من الخز والحرير والقطن والكتان المعلقين في أوتاد حوانيت التجار أعظم قدراً من الناس الماشين العارين عنها. وإن المرء إذا كان ضيق الصدر والرأس بحيث يكون واسع السراويلات واللباس كان هو النبه الآفق المشار إليه بالبنان. المحمود بكل لسان. فأجمعا رأيهما على أن يستبضعا بضاعة ويقصدا ترويجها في بعض البلاد استطلاعا لحال أهلها وتفرجا من كرب بالهما. فاكتريا حمارا لحمل البضاعة وهو لا يستطيع حمل جثته من الهزال والضوى فضلا عن علاوته. ولم يكن قد بقي فيه شيء شديد سوى نهاقة وزعاقة. فالأول للإسعاف. والثاني لمن ينخسه أو يلقي عليه الأكاف. ثم سار وهما يفصلان ثوب النجاح على قامة الآمال. ويقدران بساط الفوز على ندحه الآجال. فما بلغا طيتهما إلا والحمار على شفا جرف هار من رمقة. والفارياق أيضا زاهق الروح من تعبه وقلقله. نادم على ترك القلم الضئيل. مع ما كان ينفث به من الرزق القليل. ويومئذ عرف عاقبة الجشع وتبعة الرثع. وظهر له سفاه رأيه في الشراهة إلى ما يوجب نصب الأبدان. وبلبال الجنان. غير أن اللبيب من استخرج من كل مضرة منفعة. ومن كل مفسدة مصلحة. حتى إن في فقد الصحة لنفعا لمن رشد. وخيراً لمن قصد. إذ العليل وهو ممدود على وسادة. تقصر نفسه عن التمادي في فساده. وفي شهواته المنكرة وأهوائه الموبقة. فتقوى بصيرته والمرض ناهكه. ويملك سداده والألم مالكه. ويرضي الله والناس بما هو سالكه. وهكذا كانت حال الفارياق. بعد مقاساته تلك المشاق. فإنه لما أحس بضنك السفر. ولقي منه ما لقي من الضرر. تبين له إن شق القلم أوسع من حقائب البياعة. وإن سواد المداد أبهى من ألوان البضاعة. وإن في ترويج السلعة لمعرة دونها معرة الغدة والسلعة فجزم بأنه عند الإياب إلى وطنه يرضى بلين العيش وخشنه. ولا يبالي إن يكن ذا شارة رائعة أو طلالة رافعة. أو معيشة واسعة. بحيث لا يجوب أمصاراً. ولا يتلوا حماراً. أما وصف الحمار على أسلوبنا معاشرا العرب فإنه كان زبونا بليداً. حرونا عنيدا. تارزا قديدا. لا يكاد يخطو إلا بالهرواة. وإذا رأى نقطة ماء في الأرض ظنها بحرا ذا طفاوة فأجفل منها إجفال النعام. ووجل كما يوجل من الحمام. وإما على الطريقة الإفرنجية فإنه كان حمارا ولد حمار وأمه أتان من جيل كلهم حمير. وكان لونه يضرب إلى السواد. ومس شعره كمس القتاد مصلهم الأذنيين ولا نشاط. أعسم الرجلين بادي الأمعاط. أدرم أفوه. أد لم أقره. يفركح في بسه. ويرفس عند نخسه. ويكرف ويتمرغ. ويشغ ويبدغ لا تحيك فيه العصا. ولا يعمل فيه الزجر إذا عصى. ولا يتحرك إلا إذا أحس بالعلف وأن يكون زؤانا. ولا تظهر فيه الحيوانية إلا إذا رأى أتانا. فيريك ح سموها واستنانا. ونشاطا وصميانا، حتى كثيرا ما كان يقلب حمله. ويفسد عدله. وفيه خلة أخرى وهي أنه كان دائم الأحداث على قلة إِعمال ضرسه! مواصل الغفق في النجوة والخفق زيادة على نحسه فإن منشأة كان في بلاد يكثر فيها الكرنب والفجل والسلجم. واللفت والقنبيط كبعض بلاد العجم. فلهذا اعتاد على إخراج هذه الرائحة من صغره. وزادت فيه بازدياد عمره. فكان لا بد للماشي خلفه من سد أنفه والإكثار من أفه. وفي كلا الوصفين فإن رفقة هذا البهيم لم تكن أقل أذى من السفر الأليم.

стр. 23

وأنه بعد جولان عدة قرى ليس فيها من مأوى ولا قرى. وبعد مجادلات مع الشارين طويلة. ومحاولات ومصولات وبيلة قنع الفارياق وشريكه من الغنيمة بالإياب. ورضيا باللقاء والعود إلى المآب. وعلما إن البئر الفارغة لا تمتلئ من الندى. وإن التعب في تجارتهما يذهب سدى. فتسببا في بيع البضاعة بقيمتها كيلا يشمت بهما من ينظرهما راجعين بماهيتها. وباتا تلك الليلة خالي البال من القليل والقال. فإن من الناس من لا يعجبه شراء شيء إلا بعد تقليبه. وبعد تحميق بائعة وتكذيبه. فلا بد للبائع من أن يكون عن مثل هؤلاء متصاما متغافلا متعاميا متساهلا. وتلك خلة لم تكن في الفارياق ولا في صاحبه. فإن كلا منهما كان يحاول استمالة الكون إلى جانبه. ثم إنهما رجعا بثمن البضاعة وبالحمار وسلما المال لصاحبه. فعرض عليهما سلعة أخرى فأبيا. وتواعدا أن يجتمعا مرة أخرى للشركة في مصلحة أهم. وآثرا أن تكون في البيع والشراء. وقد جرت العادة بين الناس بأنه إذا تعاطى أحد عملا ولم ينجح به أول مرة لج به الشره إلى معاطاته مرة أخرى. إذ ليس أحد يرضى لنفسه نحس الطالع وشؤم الجد. وإنما ينسب حرفه فيما احترف به إلى بعض عوارض وطوارئ حدثت له. فيقول في نفسه لعل هذه العوارض لا تقع هذه المرة. وعلة ذلك كله اعتماد الإنسان على رشد نفسه وثقته بسعيه والركون إلى حدسه. وقد تهور في ذلك كثير من الخلق. وأكثرهم جنى على نفسه في التهافت على الرزق. خان وإخوان وخِوان ثم إنه بعد مذاكرة طويلة بين الفارياق وصاحبه قرّر رأيهما على أن يستأجرا خاناً مدينة الكعيكات. حيث ترد القافلة منها إلى مدينة الركاكات فاستبضعا ما يلزم لهما من الميرة والأدوات ولبثا قسه يبيعان ويشتريان بما تيسر لهما من رأس المال وذنبه. فلم تمض عليهما وجيزة حتى انتشر صيتهما عند الواردين والصادرين. وعرف رشدها جميع المسافرين. فكان الناس يقصدونهما لاقتصادهما. وكثيراً ما أنتاب خانهما أهل الفضل والبراعة، والوجاهة والاستطالة. حتى كأنه كان حديقة يتفرّج فيها الميكروب.

стр. 24

وعادة أهل ذلك الصقع أنهم لا يكادون يجتمعون في محل إلا ويتنازعون كاس البحث والمناظرة. ويخوضون في أمور الدنيا والآخرة. فإن أثبت أحد شيئاً نفاه الآخر. وإن استحسنه استهجنه وزعم أنه من المُنكَر. فيتحزب القوم أحزاباً قِدَداً. ويمتلئ المكان صخباً وإددا. وربما انتهى البحث إلى التفاخر بالنسب، والتكاثر بالحسب. فيقول أحدهم مثلاً لقرينه: أترد عليّ وأبي نديم الأمير وأكيله وشريبه وجليسه وأنيسه وخصيصه ونجّيه. لا يقضي ليلة من الليالي إلاّ ويستدعي به لمسارته. ولا يحكم بشيء إلاّ بعد مشاورته. وقد عرف أهلي من قديم الزمان بأنهم سُفراء البلاد، ونواميس الأمجاد. وما أحد من الناس ماجَدَهم ولا شارفهم ولا كاثرهم ولا فاخرهم ولا فاضلهم إلا وعاد ممجوداً ومشروفاً ومكثوراً ومفخوراً ومفضولاً وربما أعملت بعد ذلك الهراوات. وقامت مقام البينات. فيتنمر منهم من لم يكن ويربد من سكر، ومن لم يسكر. فينتهي الأمر إلى أمير الصَّقع. فيبعث عليهم مصادرين ذوي صقع. وويل لمن يكون قد ذكر اسم الأمير وقت الجدال. فإن عفوه حينئذ من المحال. فأما في الحوادث العظيمة فإن المتعدي إذا فرّ من القصاص أُخذ بذنبه أحد أهله أو جيرانه أو ماشيته أو ماعونه وقطع شجره وأحرق منزله. غير أن زمرتنا هذه لم تكن تتعدى حدّ الجدال إلى القتال. فإن الفارياق وصاحبه كانا يقومان فيهم مقام فيصل. فمن هذه الحثيثة كثر الوفود عليهما. وكثيراً ما بات عندهما أصحاب العيال والراح عليهم دائرة. والأغاني متواترة. والوجوه ناظرة والعمائم متطايرة. فكان ذلك داعياً إلى خصام النساء مع بعولتهن. ومن طبع النساء عموماً إنهنّ إذا علمن أحداً يعوق أزواجهنّ عنهنّ أضمون أن يتقربن إلى ذلك العائق ببعض حيلهن. فإن كان ممن يعشقن صفقن له حالاً على المقايضة والمبادلة أخذاً بثأرهن. فجعلهن من كل عضو منه بعلاً. ومن كل شعره خِلاّ. وإن كان ممن تبذأه العين رمينه بداهية وتحيلهن في خلاص بعولتهن منه وردّ بضاعتهن إليهنَّ. غير إن نساء تلك البلاد لا يخاصمن بعولتهن وهن مضمرات خيانتهم أو مستحلاَّتُ استبدالهم. فإنهنَّ ربَيَن على محبة آبائهن وعلى طاعة بعولتهن. وما خصامهن لهم الأعتاب. وكن في العتاب من لذة ولم يسمع عن واحدة منهن إلى الآن إنها خاصمت زوجها لدى حاكم شرعي أو أمير أو مطران. مع أن كثيراً من هؤلاء الأصناف الثلاثة يتمنون ذلك في بعض الأحوال أما للافتخار بأجراء العدل والأنصاف في رعيتهم أو لعلة أخرى. ومن طبع هؤلاء المخلوقات المباركات سلامة النية وصفاء العقيدة والتقرب إلى الرجال لا عن فجور فترى المرأة منهن متزوجة كانت أو ثيبة تجلس إلى جانب الرجل وتأخذه بيده وتلقي يدها على كتفه وتسند رأسها على صدره وتبسم له وتؤانسه في الحديث. وتتحفه ببعض ما تصل إليه يدها. كل ذلك عن صفاء نية وخلوص مودة. وأحسن ما يرى فيهن البلاهة والغِرية فإنهما في النساء من النُكْر والدّهاء. هذا إذا كان في غير ما يشين العرض وينتهك الحرمة. فأما في وقت الجد فلا تصح البلاهة. هذا ولما كان من دأبهن أن يكشفن عن صدورهن ولا يرفعن أثداءهن من صغرهن بشيء أكثرهن هُضْلاً أي ذوات أثداء طويلة. وأكثرهن يعتقد أن في طول رضاع الولد زيادة صحة له. فمنهن من ترضع ولدها عامين تامين. ومنهن من تزيد على ذلك أما محبتهن لأولادهن ورفقهن بهم وشوقهن إليهم فيجلّ عن الوصف. وأعرف كثيراً من البنات كنّ يبكين يوم زواجهن على فراق آبائهن وأمهاتهن وأخواتهن كما يبكي غيرهن في المأتم أو أشد. فأما ما يقال من أن البعولة يأكلون وحدهم دون نسائهم فكلام لا أصل له. وإنما يكون ذلك إذا كان عند الرجل ضيف غريب حتى لو أراد حينئذ أن تقعد امرأته مع الضيف لتأكل معه لأبت ورأت أن ذلك يكون استخفافاً بها وانتهاكاً لحرمتها. وفي الجملة فإنهن لا يُعبن بشيء إلا بالجهل وهن في ذلك معذورات. فأما الجاهلات من الإفرنج فإنهن يضفن إلى الجهل مكراً وخبثاً. وناهيك بذلك من سبَّه. وإني ليحزنني جداً أن أسمع إن هؤلاء المحبوبات قد مللن من هذه الفضائل وتخلقن بأخلاق أخرى. فيجب عليّ والحالة هذه أن أغيِّر ما وصفتهن به من المحامد أو أن آذن للقارئ في أن يكتب على الحاشية كذب كذب كذب أو هذين البيتين: إن النساء حيثما كنّ سوى ... يملن من حيث أتاهنَّ الهوى

стр. 25

لا يغرُرَنَّ الغِرّ منهنّ تقي ... ولا هُدى ولا نهى ولا حيَا أو هذين سَرْ مضرب الأرض في طول وفي عرض ... ترى النساء يبعن العرض كالعرض بالرجل يصفقن عند البيَع لا بيَد ... وكل قاض على تسجيله يمضي أو هذين وإذا رأيت من الخرائد غادة ... تبدو وتخفَي فأرجعونَّ وصالها وإذا دعتك لحاجة عنّت لها ... لتكون قاضيها فرج ما..... أو ما قاله دعبل لا يُؤيسِنَّك من مخدرّة ... قول تغلطه وإن جَرَحا عسر النساء إلى مُياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا واعلم أن البلاد التي يتجر فيها بعرض النساء بغير مانع إلا بمكس عليه قليل يدفع لبيت المال لبناء معابد وغيرها دون اعتبار لقول من قال أمطعمة الأيتام الخ. يقلّ فيها التغزل بهن. فإن الرجل هناك أيان الرجل خطر بباله أن رؤية الوجه الصبيح تنفي همَّه وتزيل بلباله. وتخف أثقاله. وتنفس عنه كربه وتجلو صدى قلبه وتصفي دمه. خرج فوجد ضالته تنتظره وراء الباب. فلا يحتاج عند ذلك إلى شكوى وعتاب وتواجُد. وإلى قوله أرق على أرق ومثلي يأرق. وكفى بجسمي نحولا إنني رجل. وذبت وجداً وغراماً ونحو ذلك. فأما البلاد التي يحظر فيها هذا فتجد الكلام في النساء متجاوزاً به وراء الحد. ولذلك كان في شعر الإفرنج الأقدمين من المجون ما تجده في كتب العرب. وما إلا لأن هذه البياعة كانت وقتئذ ممنوعة. فلما كثرت قلّ عندهم المجون. أما في الجبل فإنك لا تجد لهم بياعة ولا مجوناً. وحكى عن الفارياق إنه هوى واحدة من أولئك اللائي كن يترددن عليه ولم يكن يحظى إلا بلثم أخمصها فكان إذا أصبح يقول لصاحبه. إن المقبل رجلها ليجل عن ... تقبيل راحة قسِّه وأميره هن الفواتن للخلي فشعرة ... منهن خير من كنوز غروره محاورات خانية ومناقشات حانية لا بأس في أن نذكر هنا مثالاً لما كان يقع بين تلك الزمرة من المحاورات فنقول اجتمعت زمرتنا هذه مرة والكأس تدار عليهم. والسرور يرقص بين أيديهم. فقال أفصحهم مقالاً وألدهم جدالاً إي الناس فيما علمتم أنعم بألاّ وأحسن حالاً فقال من بيده الكأس هو من كان على مثل هذه الحالة. وفي راحته ذي الآلة. فقال له ليس ذلك على الإطلاق. ولم يقع عليه اتفاق. فإن هذه الحالة لا يمكن كونها دائمة. فتكون غبطتها غير تامة. وإنما هي بعض من كل وجز من جُل. وبقي النظر في الباقي. ولا خفاء أن مداومة المدام تورث السقام وتقهي عن الطعام. ولذلك سميت القهوة ولا يعتادها إنسان إلا حلت به الشقوة. فقال آخر إن النعم الناس بإلاّ أَمير يجلس على أريكته وتحفه جماعة من حشمته وحفدته يأتيه رزقه رغداً. ويكفيه رازقه في المعيشة جهداً فإذا أوى إلى حريمه خلا بأزهر امرأة على أوطأ فراش فصدق فيه قولهم. أعجب الأشياء وثْر على وثْر. هذا وإنّ أكله المرازمة. وثيابه الناعمة. وأمره مطاع. وحكمه مقابل بالأتباع. فقال بعضهم ليس كذلك. وما الحقَّ فيما هنالك. فإن الأمير لا يخلو بامرأته إلا وهو مشغول الخاطر مكّدر السرائر إذ لا يزال يفكر في كونه مخوْناً بماله. مغشوشاً من عماله. يأكل رهطه رزقه ويذمونه. ويأتمنهم فيخونونه. ويعطيهم فيبخلونه. وهو مع ذلك مرصود منهم فيما يفعله. منتقد عليه بما يتعلمه. وأنه لا يود السفر ولا يتاح له ويتمنى رؤية غير بلاده. ولا يدرك أمله. فهو يحسد من يمشي في الأرض سبهللاً. ويغبط من يعتسف في الطريق ضللاً.

стр. 26

فقام بعض النقاد. وقال سمعاً يا أهل الرشاد. أن أسعد خلق الله راهب لزم كتابه في صومعته وتفرغ عن الشغل بعقاره وضيعته. فهو يأكل من أرزاق الناس. ويعوضهم عنه دعاء يطفح من أصمار الكأس. ويغنيهم في الدياجي عن النبراس. ويركب ما لديهم من النجائب. فهو كما قيل أكل شارب. ثم ما عليه بعد ذلك أن خرب الكون أو عمر. وإن مات الخلق أو نشر. فقال بعض ذوي الرشاد. ما هذا القول من السداد. فإن الراهب وأمثاله إذا رأى الناس مقبلين على أعمالهم. مشتغلين بأشغالهم. لم يرض الدناءة لنفسه أن يعيش من كدهم. ويستريح على تعبهم وجهدهم. ويتحين أوان رفدهم. بل يود لو كان شريكاً لهم في أتعابهم. أحرى من أن يكون شريكاً في مصوناتهم. هذا إذا كان نزيه النفس. كريم القنس. صادق السعي. ضابط الوعي ثم أن له عند رؤية الرجال مع نسائهم وأولادهم لغصات. وحسرات وأي حسرات. ولا سيما إذا خلا في الصومعة. ورأى أن سمنه ذاهب سدى من غير منفعة. وإن غيره ممن أضواهم الكد والنصب. وأجاعهم الجهد والتعب أقدر منه على بلوغ الأرب. مما أصطلح عليه سائر خلق الله من عجم وعرب. فقال من استوصب مقاله. وأرتاح لما قاله. هذا لعمري هو الحق المبين. فإن الراهب ومن أشبه حري بأن يعد مع الشقيين. وإنما يظهر لي أن أسعد الناس عيشاً هو التاجر يقعد في حانوته بعض ساعات من يومه فيكسب بإيمانه المغلظة في ساعة واحدة ما ينفقه في شهره. يجعل الكاسد من سلعته بتكرير كلامه نافقاً. والدون فائقاً. ثم هو أن آوى إلى منزله ليلاً. أصاب في خدمته دعد وليلى. فهو في نهاره كساب للمال. وفي ليلته منفقة على ربات الحجال. فقال من انتقد كلامه. وتبين ذامه. إن التاجر لا تمكن له هذه العيشة الراضية. ولا تهنؤه هذه النعمة الزافية. إلا إذا كان قازبا ذا معاملات في البلاد القاصية. وركوب للأخطار. واقتحام للأوطار. ومتى كان كذلك نقص من رغده وافر تجشمه وكده. ونغص من لذاته تعدد بغياته. وملا خاطره أشجانا. ما حاوله ليرضى به زبوناً وأخواناً فكلما هبت ريح خشبي على سلعته في البحر. وكلما جشر صبح أوجس من ورود قادم يخبره بشر. أو مالكه تنبي عن تلف وخسر. وكساد وحظر. فهو لا يزال في أعمال نظر. وتجرع آسف وكدر. فقال بعض السامعين إنك لمن الصادقين. أما أنا فلا أود أن أكون ذا اتجار. ولو ربحت في كل يوم مائة دينار. لما يتعقب هذه الحرفة من القيل والقال. والتكذيب والمحال. والمحاولة والمكر. والمداهاة والنكر. فضلاً عن اقتصاري في الحانوت ربع عمري. ولا علم لي بما يجري في وكري. فلعل رقيباً يخالفني إلى داري. وأنا إذ ذاك أكذب على الشاري وأماري وأجامل وأداري. ففي عنقي حبل الإثم بما أفعل في محترفي. وبكوني صرت وسيلة لإرتكاب الحرام في مألفي.

стр. 27

وإنما أظن أن أحق الناس بأن يغبط على عيشته. ويبارك له في حرفته ومهنته. إنما هو الحارث الذي يسعى لنفع نفسه ولغيره فيما يحرثه. فيكسب به صحة بدنه ومؤونة عياله وذلك خير ما يبرئه. وأن زوجه تراوحه على عمله وترفق به في عسره وعطله. أن مرض مرضته بنفسها وقامت بأمر مربعه. وإن غاب رعت له ذمة وباتت تنتظر وشك ورجعه. هذا والتعب يستطيب طعامه. ويسحلي نيامه. إلا ترى أن أولاد ذوي السعي والكد. أصبح أبدانا وأذكى فهما من أولاد ذوي الترفه والجد. وما ذلك إلا لأنهم يرقدون عن نعاس ويأكلون عن جوع ويشربون عن ظمأ. فأجابه أقرب من وليه. إن فيما قلت لنظرا. فأنك لم تر الصورة إلا من جهة واحدة وفاتتك الجهة الأخرى. فلعمري أن الحارث مع كد بدنه. أسير همه وشجنه. وضجيع قلقه وحزنه. إذ هو عبد الناصر. ورقيق الحوادث والأكابر. أن عصفت ريح خشبي على ثمره أن يتساقط فيسقط قلبه معه. وأن كثر المطر أو قل وجل من أن يتلف ما زرعه. وإن مات كبير في بلده. أشفق من كساد ما تحت يده وإن يكن ذا بصيرة وجحى. ساءه ما يرى أهله فيه من العرى والوجى. والذل والاستكانة. والابتئاس والمهانة. وتحسرهم على الطيب من المأكول والناعم من الملبوس. وعلى كونه لا يحسن تربية ولده كما يشاء. ولا يمكنه رؤية بلد غير الذي فيه نشا. فهو مهده وقبره وسجنه وحجره. ومع ذلك فهو غرض لأغراض إمامه في الدين. وعصا يتوكأ عليها منهو فوقه من المثرين. والسائدين والمسيطرين. فما يكاد يتخلص من ورطة أحدهما إلا ويقع في شرك الآخر. ولا يفوته شر إلا واستقبله شر أكبر. وهو مع إِصره وجهله. لا يجد مخلصا له ولا لأهله. ولو أنه رام أن ينهج لأهله منهجا ارتضاه لنفسه واستصوبه. ولم يك على وفق مرام إِمامه وأميرة أو آخر ذي مرتبة. لم يأمن غرامة منهما أو حسم عرتبة. أو قصم رقبة. ولم يلبث إن يرى أصحابه له أعداء واخدانه ألداء. فهو على هذا رهين الخضوع. وأسير القنوع. فقال قرين له. وقد صدق على ما فصله. نعم إن هذا لهو الحق الواضح. وما بعد الرق ذل فاضح.

стр. 28

وإني أرى بعد إمعان النظر والتروي، والتحقق والتحري، إن أسعد الناس حالا رجل رزقه الله مالا. واصلح له بالاً. فجعل دابة السفر في البلاد الغريبة. والمشاهدة للكائنات العجيبة. فهو كل يوم في شأن. وله في كل معان أوطان وإخوان. فقال قائل قد استوعب فحوى مقاله. واعتقد ما ذهب إليه أنه من فنده وضلاله. لقد زعت قصداً. ولم تقل رشداً. أو ليس المتعرض للسفر. بلا عناء وخطر. إذ كثيرا ما يمنيه بأمراض شديدة. تغيير الهواء عليه والأحوال غير المعهودة. واضطراره إن يطعم ما يعافه. ويشرب ما به أدنافه. فيكون آكلا لما يأكل بدنه. ويذهب وسنه. هذه الإفرنج تأتي إلى بلادنا فينغصهم عدم وجود الخنزير فيها. وخلوها عن السلاحف والأرانب وما يضاهيها. إذ يزعمون أنهم يخلطون شحم الخنزير ودمه في كل صبة وحسو وحلواء. ويتخذون من لحم السلاحف مرقا به شفاء من كل داء ويعيبون علينا أن لبننا غير ضيح ولا ممذوق. وخبزنا مملوحا وطعامنا غير مزعوق. وإن ماءنا غير ممزوج بالجير. وخمرنا غير مصبوغة بالعقاقير. وإنا نذبح الحيوانات ذبحا ونأكل لحمها غريضا. وهم يخنقونها خنقا ويأكلونه دائدا أنيضا. وأن جونا غير ذي دجن. ومطرنا غير دائم الهثن. وإن سماءنا غير محلسة وأرضنا غير مطلي وجهها بالرجيع والروث وسائر الأشياء المنجسة. فبقولنا غير مسيخة. وأثمارنا غير مليخة. وإن شتانا لا يدوم ثلثي العام. وصيفنا لا يسمع فيه رعد ذو إرزام. فإذا جاء أحدهم إلى بلادنا ليتعلم لغتنا ومكث بين أظهارنا عشر سنين. ثم رجع وهو من أجهل الجاهلين. أحال الذنب على الهواء. فقال إنه مني منه بالحمى والجوى. أو بالإسهال المفرط. والسعال المقنط. هذا وإن من جهل لسان قوم وهو فيهم لم يمكنه أن يعرف عاداتهم وأخلاقهم. واستوى عنده ظاهرهم وخافيهم. فيرى عندهم ما يرى دون علم. ويسمع ما يسمع من غير فهم. فلم يكن لذي السياحة بد من اتخاذ ترجمان. واعتماده عليه في كل خطب وشأن. ولا يلبث أن يسيء به الظن. ويرى أن له عليه المن. ولو أنه حاول أن يستغني عنه لفاته معرفة الأحوال. وبات بين القوم ذا وحشة وبلبال. وربما حن إلى رؤية أهله. والاجتماع بشمله فأدنفه الحنين. وأضناه بين الخدين. وإنما يطيب السفر ما إذا اتفق إنسان مع ند له نوي. وصديق نجي. وكانا عارفين بلغات كثيرة. وقلوبها خالية من علاقة الحب والبصيرة. وهيهات أن يتفق اثنان على رأي واحد. وإن تتم لذة من دون مانع جاهد. وهم عاصد.

стр. 29

فقال أقل الحاضرين رشدا وفضلا. وأكثرهم هزلا. يا قوم. إني قائل قولاً ولا لوم. إن أسعد الناس وأحظاهم. وأترفهم وأرضاهم. البغي الجميلة التي تفتح بابها لقاصدها. وتبيح نفسها لمراودها. فإنها تغتنم أنس زائرها وماله. وتتبله بحبها حتى يرى ذله فيها عزاً له. ومتى تمكنت من نفر يبذلون لها العين. ويكفونها مؤونة الأطيبين. فلا تحتاج بعدها إلى البحث عن مراود في المسالك. والتعرض للمكارة والمهالك. فإذا هي شاخت وجدت مما ادخرته في صباها ما تنفق منه عن سعة. وما تكفر به عن سيئاتها السالفة فتعيش في دعة. ويثني عليها الناس بالتوبة الناصعة. والمعيشة الواسعة والإنسان مطبوع على النسيان مطبوع على النسيان. لا يبالي إلا بما هو كائن لا بما كان. ولا سيما إذا كان الحاضر يجدي نفعا جزيلا. ويسرا مأمولا وكفى بأئمة الدين إذا نالوا منها العطايا الوافرة. والصلاة المتواترة. أن ينتشروا عليها أحسن الثناء ويبرئوها منكل فحش وخنى. فلها منهم على كل صلة صلوات. وعلى كل دعوة دعوات. فمن ما رآني في ذلك فليسأل قرينته. ويكظم ضغينته. ريثما أقيم له على ذلك البراهين. ممن غبر وبقي من العالمين. فلما سمعت الجماعة دعواه. ولحنت مغزاه. ضحكوا من هذيانه. ورأوا أن الجواب على بهتانه. على طريقة الجدال إِنما هو من وضع الشيء في غير صوانه. فأضربوا عنه صفحاً. وقالوا له قبحاً لرأيك وشقحاً فلو كان أهل صقع على رأيك لفسدت الأرض. وبار العرض. ولم يبق من الصلاح أثر ولا برض. وإنما اللوم على الكأس التي ذهبت بلبك. وكشفت عن فساد مذهبك. وقبح اربك. ولعلك تهتدي إلى الرشاد إذا أفقت من خمارك. وتبين لك فضاعة هترك واستهتارك. فرأى إن السكوت له اسلم عاقبة من المحاورة والمجاوبة. والمناقرة والمغاضبة. وإن الجمهور يغلب الفرد. وإن كانوا على ضلال. وكان هو على هدى وقصد. فاستف تنفيدهم. وخشي وعيدهم. وتفرقوا ولم يجمعوا رأيهم على أي الناس اسعد. وأي عيش أرغد. إذ رأوا دون كل حرفة نغصاً. ومع كل حالة عنصا. وفي كل أكلة مغصاً، وقد فاتهم من أحوال الناس كثير مما ضاق وقتهم عن ذكره. كما ضاق هذا الفصل عن إحصاء كل ما أوردوه وعن حصره فقف على هذا القدر الذي ذكرته. وسر معي إلى استئناف قصة من غادرته وعليكم السلام. إغضاب شوافن وأنشاب براثن

стр. 30

السجع للمؤلف كالرجل من خشب للماشي. فينبغي لي أن لا أتوكأ عليه في جميع طرق التعبير لئلا تضيق بي مذاهبه. أو يرميني في ورطة لا مناص لي منها. ولقد رأيت أن كلفة السجع اشق من كلفة النظم. فإنه لا يشترط في أبيات القصيدة من الارتباط والمناسبة ما يشترط في الفقر المسجعة. وكثيرا ما ترى الساجع قد دارت به القافية عن طريقه التي سلك فيها حتى تبلغه إلى ما لم يكن يرتضيه لو كان غير متقيد بها. والغرض هنا أن نغزل قصتنا على وجه سائغ لأي قارئ كان. ومن أحب أن يسمع الكلام كله مسجعا مقفى ومرشحا بالاستعارات ومحسنا بالكايات فعليه بمقامات الحريري أو بالنوابغ للزمخشري. فنقول إن صاحبنا الفارياق بعد إقامته مدة على الحالة التي ذكرناها جرى بينه وبين جده من النزاع والمناقشات ما أوجب عليه ترك ما كان فيه واقتفاء طريق آخر من طرق المعاش. فتاح له أن يكون معلما لإحدى بنات الأمراء وكانت ذات طلعة بهية. وشمائل مرضية. تامة الظرف. ناعسة الطرف ولكن ليس المراد بذلك إنها كانت لا تبصر من يحبها كما يكون من به نعاس. وإنما المعنى أنها ذابلته. حتى ولا هذه العبارة مفصحة بما أريد أن أقوله. فإنها توهم إنها كانت ذابلة مع أنها كانت غضة بضة. بل المقصود أن نقول إنها كانت كأنها تنظر عن تحشيف. ولكن مادة حشف لا تعجبني فإن فيها معاني اليبوسة والخساسة والرداءة وشيء آخر تجل الملاح عن ذكره. بل المراد أنها كانت تكسر جفنيها عند النظر. ولا الكسر أيضاً لائق لها. فلا أدري كيف ألحن للقارئ ما أردت. ولعل الأوفق أن يقال أنها كانت ترمي بسهام عن عينها. ولم يكن سنها مانعاً من تتبيل من ينظرها. فأن القلب يعلق بهوى الصغيرة الجداء كما يعلق بهوى الكبيرة الوطباء. إذ ليس كل عشق مؤديا إلى الدعارة. فقد عشق الناس الرسوم والأطلال والآثار. والأشكال والديار. ومنهم من عشق لرؤيته كفاً مخصباً أو عقيصة شعر أو ثوبا أو سراويلات أو تكة أو نحو ذلك. وأعرف من أحب هرة امرأة فكان يلاعبها. ويخيل له الغرام أنه ملاعب صاحبتها. وكثيرا ما كانت تنشب فيه أظفارها وتدميه. وهو يستعذب ذلك ويستحليه. أما لاستعذاب العذاب في هوى المحبوب. أو لاعتقاده أن مداعبة النساء أيضا لا تخلوا من خدش أو دماء. فكون الجرح منهن أصالة أو وكالة إنما هو شيء واحد. وقد سئل أحد العشاق عن مبلغ الوجد منه فقال كنت أرتاح للريح إذا مرت على نتن مقبلة من صوب المحبوب. هذا وأن عشق أهل تلك البلاد أكثره على هذا النمط. أي أن العاشق منهم يكلف بأثر من محبوبه كمنديل أو زهرة أو رسالة وخصوصا بنصة شعر فيشمه ويضمه ويقبله ويعانقه كما قيل الشعر مثل الشَّعر داعية الهوى ... والشَّعر مثل الشعر ذخر يذخر من غاب عنك فلست تنظره سوى ... بالشعر وهو الأكثر فإن قيل أنهم إنما عشقوا ذلك طمعا في وصال الحبيب الذي تفضل بهذه النعم لا كلفا بها من حيث هي هي. قلت ما المانع من أن تعشق الصغيرة طمعا في أن تصير كبيرة. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. وربّ أمل أحلى من فوز. وقد علم أهل الدراية أن من حرمه الله من الجمال لغاية لا يعلمها إلا هو عوضه عنه زيادة قصاص له بحدة الفكر والبصيرة وشدة التصور والتخيل ودقة الحدس فيكون أسرع إلى العشق وأكثر حرصا على أهل الجمال إذ الإنسان كلما بعد الشيء المقصود كان توقانه إليه أكثر وتولعه به أشدَّ. والمراد من ذلك كله أن نقول أن الفارياق كان يعلم من صغره إنه بمعزل عن الجمال. وإنه من صبائه كان يعظم أهله ويميزهن على غيرهن وإن القبيح معذور على عشق المليح كما قال الشاعر: وقالوا يا قبيح الوجه تهوى ... مليحا دونه السمر الرقاق فقلت وهل أنا إلا أديب ... فكيف يفوتني هذا الطباق

стр. 31

قالوا أو أقول إنا عنهم. وقد يكون عشق الصغير كبيرا كما يكون عشق الكبير صغيرا. فإن الصغير لما كان غير ذي رشد يرده عن الاسترسال والتمادي في هواه كان هذا الاسترسال معقبا للجموع دون حد. ألا ترى أن الصغير إذا ولع بشيء من اللعب واللهو فإنه يتهتك فيه وينهمك غاية ما يكون. فكيف به إذا جنح إلى شيء هو أقوى من كل ما يستميل الطبع ويشوق النفس. نعم إن الكبير يقدر منافع ما يقصده من معشوقه أكثر من الصغير ولذلك يكون حرصه عليه أبلغ وطلبه له اكثر. غير إن عزة نفسه وسورة طباعه ونهيته قد تمنعه من أن يسلم عنان مشيئته للهوى. فيكون في طريق ميله وتوقانه تارة مقدما رجلا وتارة مؤخرا أخرى. والصغير متى ما استرسل استسهل. وبعد فقد نذرت على نفسي أن أكتب كتابا. وإن أودعه كل ما راق لخاطري من القول سديدا كان أو غير سديد فإني اعتقدت أن غير السديد عندي قد يكون عند غيري سديدا كما تحقق لدي عكسه. فإن شئت فأذعن أولا فليس هذا الوقت وقت العناد والخلاف. والحاصل أن الفارياق لبث يعلم سيدته الصغيرة وجعل من دأبه أن يتودد إليها بإغضاء النظر على إصلاح غلطها. بل لم يكن يرى إن صاحبة هذا الجمال يجوز ردها. فتأخرت هي في العلم وتقدم هو في الهوس فمما قال فيها. بروحي من أعلمه وقلبي ... أسير هواه لن يستطيع صبراً أغار عليه وجداً من حروف ... يفوه بها فتلثم منه ثغراً والحمد لله على كون اللغة العربية خالية عن الياء الفارسية والفاء الإفرنكية وإلا لزادت غيرة صاحبنا وربما كان ذلك سبباً في جنونه. فإن الغيرة والجنون يخرجان من مخرج واحد كما أفاده المشايخ الراسخون في الزواج. وهنا دقيقة وهي أن بعض العتاول جمع عتول وهو من لا خير عنده للنساء يستثقل المؤنث في الغزل والنسيب فيجعله مذكراً وبعضهم يضمره. وعليه قول الفارياق أعلمه. والظاهر إن المقدر في ذلك لفظة شخص. فيا ليت هذا الحرف كان في لغتنا مؤنثا كما هو في الفرنساوية والطليانية حتى لا يجد الناسب محيدا عن التأنيث. فأما تعليم نساء بلادنا القراءة والكتابة فعندي إنه محمدة بشرط استعماله على شروطه. وهو مطالعة الكتب التي تهذب الأخلاق وتحسن الإملاء. فإن المرأة إذا اشتغلت بالعلم كان لها به شاغل استنباط المكايد واختراع الحيل كما سيأتي ذكر ذلك. ولا بأس بالمتزوجات بقراءة كتابي هذا وأمثاله. لأنه كما إن من ألوان الطعام ما يباح للمتزوجين دون غيرهم. فكذلك هي ألوان الكلام. والظاهر إن اللغة العربية شرك للهوى إذ يوجد فيها من العبارات الشائقة المتصبية ما لا يوجد في غيرها.

стр. 32

فمن قرأت مثلا في شرح المشارق لابن مالك إن مراتب العشق ثمانية أدناها الاستحسان وينشأ عن النظر والسماع ثم يقوى التفكير فيصير مودة وهي الميل للمحبوب. أي المحبوبة. ثم يقوي فيصير محبة وهي ائتلاف الأرواح. ثم يقوى فيصير خلة وهي تمكن المحبة في القلب حتى تسقط بينهما السرائر. ثم يقوى فيصير بحيث لا يخالطه تلون ولا يداخله تغير. ثم يقوى فيصير عشقا وهو الإفراط في المحبة حتى لا يخلو فكر العاشق عن المعشوق أي المعشوقة. وإنه يقوى فيصير تتيما. وفي هذه الحالة لا ترضى نفسه سوى صورة معشوقة، أي معشوقته. ثم يقوى فيصير ولها وهو الخروج عن الحد حتى لا يدري ما يقول ولا أين يذهب وحينئذ تعجز الأطباء عن مداواته. قلت وإن من أنواعه أيضا الصبابة وهي رقة الهوى والشوق. والغرام وهو الحب المستأسر. والهيام وهو الجنون من العشق. والجوى وهو الهوى الباطن. والشوق وهو نزاع النفس. والتوقان وهو بمعناه. والوجد وهو ما يجده المحب من هوى المحبوب أي المحبوبة. والكلف وهو الولوغ. والشغف وهو إصابة الحب الشغاف أي غلاف القلب أو حجابه أو حبته أو سويداءه. والشغف وهو أن يغشى الحب شعفة القلب وهو رأسه عند معلق النياط منه. والشعف وهو بمعناه. والتدليه وهو ذهاب الفؤاد عشقا. لم تتمالك إن تحس بهذه المراتب السنية كلها حالا بعد حال. بخلاف لغات العجم فإنها لا يوجد فيها إلا لفظة واحدة بمعنى المحبة يطلقونها على الخالق والمخلوق. وقد يظهر لي أن كثيرا من الصفات المحمودة في الرجال تكون مذمومة في النساء كالكرم مثلا. فإن كرم الرجل يغطي جميع عيوبه وهو مذموم في المرأة. وقس على ذلك المكر والدهاء والإطراء والفروسية والشجاعة والحماسة والصلابة والخشونة والهمة إلى المراتب السامية والأمور الشاقة والأسفار البعيدة والنيات النائية والمطامع المتعذرة وغير ذلك. والعلة في ذلك كون المرأة تميل بالطبع إلى الشطط ومجاوزة الحد. ودليله في من تميل إلى العبادة والنسك فإنها لا تقف في ذلك على أمد بل تتمادى فيه حتى تتهوس وتتخبل فتدعي المعجزات والكرامات وتعمد إلى الرؤى والأحلام ويخيل لها أن ملكا يناجيها. وهاتفا يناغيها. وإنها تقيم بدعائها الأموات. وتحي الرفات. وربما قتلت أولادها على صغر ابتغاء دخولهم الجنة بغير حساب. أو ولدت توأمين فادعت إنهما من غير أب. وفي من مالت إلى الهوى فإنها تترك أباها وأمها اللذين ولداها وربياها وتقبل تجري في أثر رجل لا تعرف من صفاته شيئا سوى كونه ذكرا. فكل ما كلفت به المرأة كانت فيه اكثر تماديا من الرجل. فكلفهن بالقراءة لا أدري أين يكون مصيره.. والحامل لها هذا الغلو والشطط إنما هو من معرفتها من نفسها إنها أقوى على اللذات من الرجل. فزيادة إطاقتها لذلك زادت في تماديها فيه. ومنه سرى في غيره من الأطوار والشؤون والأحوال الطارئة وفي بعض الغريزية أيضاً وذلك كالكلام والضحك والسبح والحركة. وما قل منه فيها في بعض الأحوال فإنك تراه زائدا في البعض الآخر زيادة فوق القياس. ولعل كلامي هذا يسوء النساء إذا سمعن به وهن بين الرجال. لكني أعلم عين اليقين أنهن يضحكن له في أكمامهن استحسانا وتعجبا. حتى كأني يحسبن إني عشت برهة من الدهر امرأة حتى أمكن لي معرفة سرائرهن. ثم مسخني الله ﵎ رجلا. أو أني علمت ذلك من هند وسعاد وزينب ومية حين كنت أشبب بهن وأنا فتى وأكذب عليهن بقولي لهن إني حرمت الكرى وأجريت على نواهن عبراً. وإني قد فتن لي. وفارقني قلبي. لأجرم أنه لم يفارقني قط. ولو فارقني مرة لما رجع إلي أبدا. إني طالما أدخلت عليه هموما وأحزانا لم تكن لتهم أحدا من الناس في بلادي إذ كنت أحزن لتعصي معنى من المعاني علي وأحاول اختراع شيء من البديع لم يكن سبقني إليه. ظانا أنه الناس مقام هذه المخترعات التي يزهي بها الكون عصرنا عصرنا هذا فلم يتهيأ لي فكنت أبيت في الليل في يأس وكرب. معاذ الله لم تكلمني وما كلمت هند وإنما عرفت ما عرفت من الأحلام الصادقة إذ كنت أبيت وأنا مخلص لله الإنابة والقنوت فإن لم يصدقني فليبتن ليلة أو ليلتين تائبات قانتات مثلي وأنا ضامن لهن أنه يهبط عليهن من الأحلام الصادقة ما يوقفهن على أمور الرجال. الطويل والعريض

стр. 33

فلنرجع الآن إلى الفارياق فإنه هو أيضا رجع إلى حرفته وهي النساخة وإن كان ذلك على غير مراده. واتفق إذ ذاك إن فتيين من أمراء ذلك الصقع أرادا أن يقرأا النحو على بعض النجاة وكان الفارياق يحضر الدرس وهو مكب على النسخ. وكان أحد التلميذين. بطيئا عن الفهم سريعا إلى الجواب. يتثاءب ويتمطى. ويغرض ويخطا. ويتناعس ويتقاعس ويتفاسأ ويتعاطس. وإذا خيل له أنه فهم مسألة حك تحت إبطه وشم رائحتها وكرف ثم تمطق كما يتمطق من أقطه. ثم عربد من افتتانه. وسلق من وليه بلسانه. وقال ألا قبحا لذوي الخواطر البليدة. والفطن البعيدة. كيف لا يتعلم الناس كلهم فن النحو. وهو أسهل من حك ما تحت الحقو. أما والله لو كانت العلوم كلها مثله، لما غادرت منها كبيراً ولا صغيراً إِلا واستوعبته كله. لكني سمعت أن النحو إنما هو مفتاح للعلوم ولا يعد منها فلا بد وأن يكون غيره أصعب منه. فقال معلمه لا تقل هكذا بل النحو أساس العلوم وكل العلوم مفتقرة إليه افتقار البناء الأساس. ألا ترى أن أهل بلادنا لا يتعلمون سواه ولا يعرجون على غيره. وعندهم أن من تمكن منه فقد تمكن من معرفة خصائص الموجدات كلها. ولذلك لا يؤلفون إلا فيه. وإنما يحصل الخلاف بينهم في تقديم بعض الأبواب على بعض. وفي توضيح ما كان مبهما منه بأدلة وشواهد أو شاذة بيد أن المآل واحد. وهو أن العالم لا يسمى عالما إلا إذا كان متمكناً من النحو مستقصيا لجميع دقائقه. ولا يكاد يستتب أمر إلا به. ولو قلت مثلا ضرب زيد عمر من غير رفع زيد ونصب عمرو فما يكون ضربه حقا ولا يصح الاعتماد على هذا الإخبار. فإن حقيقة فعل الضرب متوقفة على علم كون زيد مرفوعا. وجميع اللغات التي ليس فيها علامات الرفع فهي خالية عن الإفاده التامة. وإنما يفهم بعض الناس بعضا من دون هذه العلامات عن دربة أو اتفاق. فلا معول على كتبهم وإن كثرت ولا على علومهم وإن جلت. وإني وإن كنت قد لقيت منه عرق القربة وكثيرا ما بت وبالي مشغول بعقله من عقله وبداهية من عراقيله فكت آرق ليلي كله ولا أهتدي إلى وجه الصواب فيما عوص علي من ذلك إلا إني استفدت منه فائدة عظيمة جعلتني ممنوناً لبنت أبي الأسود الدؤلي أبد الدهر فإنها هي التي كانت سبباً في استنباطه. قلت وكذا سائر البدائع كان أصل استنباطها مسبباً عن النساءفقال له التلميذ ما هذه الفائدة يا أستاذي. قال قد طالما كان يخامرني الريب في قضية خلود النفس. فكنت أميل إِلى ما قلته الفلاسفة من أنه كل ما كان له ابتداء فهو متناه. فلما رأيت النحو له ابتداء وليس له انتهاء قست النفس عليه فزل عني والحمد لله ذلك الإبهام.

стр. 34

ومثله أو أكثر منه في الصعوبة فن المعاني والبيان. فقال له التلميذ لم أسمع بذكر ذلك قط. قال أما أنا فقد سمعت به وأعرف كل ما يشتمل عليه. وهو المجاز والكناية والاستعارة والتورية والترصيع وغير ذلك مما ينيف على مائة نوع. وبيان ذلك مفصلا يستفرغ آجلاً. وربما قضى الإنسان عمره كله في علم الاستعارات وحدها. ثم يموت وهو جاهلها. أو يكون قد نسي في آخر الكتاب أو الكتب ما عرفه في أوله. وذلك أن من اخترع هذا العلم الجليل لم يكن سلطانا حتى يمكنه إجبار الناس جميعا على متابعته ومشايعته. بل يكون فقيراً بهذا الشيء وشرح الله صدره لتقرير قواعد له فكان لا يقع بصره على شيء إلا وخطر بباله طريقة من طرقه. فإذا نظر الشمس مثلا طالعة قال كيف ينبغي أن يفهم هنا طلوع الشمس هل هو حقيقي أو مجازي وهل هنا عرفي أو لغوي. وكذا لو رأى البقل نابتا في زمن الربيع قال كيف تأويل قول القائل انبت الربيع البقل. فهل يصح إسناد ذلك إلى الربيع وهو إنما نشأ عن دوران الأرض حول الشمس فهو لاشك مسبب عنها. ولا ريب أن مدير الأرض إنما هو الله . فيكون قوله انبت الربيع البقل مجازاً بدرجتين. لأن الربيع مسبب عن دوران الأرض ودوران الأرض مسبب عن تقدير الباري تعالى. وكذا قولهم جرت السفينة أو الحجر. ومن المجاز ماله أيضاً ثلاث درجات ومنه ما له أربع. ومنه ما تفوق درجاته درج المئذنة. ومن هذا الدرج ما شكله قرقي ومنه حلزوني ومنه لولبي. ومنه غير ذلك ثم مازال المستنبط يفكر في هذه البدائع حتى أدركه الأجل فمات وبقي عليه أشياء كثيرة لم يحكمها. فقام من بعده من أولع مثله بهذا الفن فاستدرك على سلفه مواضع كثيرة. وظل يباحثه ويعارضه إلى أن قضى نحبه وقد ترك مجالاً لغيره. فجاء من بعده من اصلح بينهما في عدة مواطن وعاب على كل منهما أيضا أمورا. ثم مات ولم ينه ما قصده. فخلفه من صنع به ما صنعه هو بغيره. وهكذا بقيت أبواب النقد مفتوحة إلى عصرنا هذا فمن قال إن هذه العبارة من الاستعارة التبعية. ومن قائل إنها من الترشيحية. قال بعض العلماء الاستعارة تنقسم إلى مصرح بها ومكني عنها. والمصرح بها تنقسم إلى قطعية واحتمالية. والقطعية تنقسم إلى تخييلية وتحقيقية. وتنقسم ثانياً إلى أصلية وتبعية. وثالثا إلى مجردة ومرشحة. وقال بعضهم وهذه تنقسم أيضا إلى عقيونية ومكانية ونبيصية وطعطعية وغميسية ولعلمية ويلمعية وعسعاسية. والعقيونية تنقسم أيضاً إلى فرقعية وقرقعية ومقامقية. والفرقعية إلى جحلنجعية وشنطفية وعطروسية ودمحالية وشينقورية وكربرية. والقرقعية إلى خعخعية وعهعخية وعهخغية وكشعثيجية وكثعظجية. والمكائية إلى معوية وعنترية وصفرية وعصلية وبلكية وصفارية وضغيلية وطرطبية وانقاضية. إلى غير ذلك من التقسيم. ويشترط في خطبة الكتاب أن تكون جامعة لجميع هذه الأنواع. وأن يراعي فيها وفي الكتاب كله نوع الطباق. مثال ذلك إذ قال القائل في فقرة طلع. فلا بد أن يقول فيها أو في الثانية نزل. وإذا قال أكل يقول بعده من غير تراخ تقيأ أو- وفي الجملة فينبغي أن تكون الخطبة عويصة ما أمكن. وأية خطبة لم تكن كذلك كانت عنوانا على ركاكة الكتاب كله فلم يكن جديرا بالمطالعة.

стр. 35

فقال له التلميذ وقد امتقع لونه وهل النحاة أيضا ماتوا ولم ينهوا قواعد هذا العلم. وهل قراءتي له عليك تغني عن إعادته عند غيرك هنا. وهل يجب على الطالب في كل بلد سافر إليه أن يتعلم نحو أهله أم هو علم مرة واحدة. فقال له شيخ إما عن المسألة الأولى فأجيب أنه ما جرى على البيانيين فقد جرى أيضا على النحاة. فقد قال الفراء أموت وفي قلبي شيء من حتى. وقد مات سيبويه وبقي في قلبه من فتح همزة أن وكسرها أشياء. ومات الكسائي وفي صدره من الفاء العاطفة والسببية والفصيحة والتقريعية والتعقيبية والرابطة حزازات. ومات اليزيدي وفي رأسه من الواو العاطفة والاستئنافية والقسمية والزائدة والإنكارية صداع وأي صداع. ومات الزمخشري وفي كبده من لام الاستحقاق والاختصاص والتمليك وشبه التمليك والتعليل وتوكيد النفي وغير ذلك قروح. ومات الأصمعي وفي عنقه من رسم كتابة الهمزة غدة. وفي الجملة فإن معرفة حرف واحد من هذه الحروف إذا تعمد الطالب استقصاءها وجب عليه أن يترك جميع أشغاله ومصالحه ويعكف على ما قيل فيه وأجيب عنه. وما قيل من الأمثال. أعط العلم كلك يعطك جزأه إلا لأجل ذلك. وأما قولك هل يلزم أن تقرأ النحو أيضاً على غير هنا أي في بلادنا فذلك غير لازم. فإن أهل بلادنا كلهم لا يطالعون غير هذا الكتاب الذي تطالعه أنت. بل قل من يطالعه ويفهمه أو يعمل بمقتضى قواعده. وأما عن سؤالك الثالث فأقول إنه لا ينبغي إعادة هذا العلم في كل بلد ولكنك حيثما سرت وأيان توجهت وجدت أُناساً ينتقدون عليك كلامك. فإن عبرت بالواو مثلا قالوا الأفصح هنا الفاء أو باء وقالوا الأولى أم. وفي بعض البلاد إذا علم إنك تنقط ياء قائل سقط اعتبارك من عيون الناس. فقد قرأت في بعض كتب الأدب أن بعض العلماء عاد صديقا له في حال مرضه فرأى عنده كراسة قد كتب فيها لفظة قائل بنقطتين تحت الياء تحت الياء فرجع في الحال على عقبه وقال لمن صار معه لقد أضعنا خطواتنا في زيارته. وهذا هو سبب قلة التأليف في عصرنا. فإن المؤلف والحالة هذه نفسه للطعن والقدح والبلاء. ولا يراعي الناس ما في كتابه من الفوائد والحكم. إلا إذا كان مشتعلاً على جميع المحسنات البديعة والدقائق اللغوية ومثل ذلك رجل فاضل يدخل على قوم بهيئة رئة ورعابيل شماطيط. فالناس لا تنظر إلى أدبه الباطني بل إلى بزّته وزيه. والحمد لله على قلة المؤلفين اليوم في بلادنا، إذ لو كثروا وكثر نقدهم وتخطبهم لكثرت أسباب البغض والمشاحنة بينهم. وقد استغنى الناس عن ذلك بتلفيق بعض فقر مسجعة في رسائل ونحوها كقولك السلام والإكرام. والسنية والبهية. فأخفه ما كان ساكناً. فأما الشعر في عصرنا هذا فأنه عبارة عن وصف ممدوح بالكرم والشجاعة أو وصف إمرأة بكون خصرها نحيلاً وردفها ثقيلاً. وطرفها كحيلاً ومن تعمد قصيدة جعل جل أبياتها غزلاً ونسيباً وعتاباً وشكوى وترك الباقي للمدح. ثم أن التقليد النجيب أستمر يقرأ على شيخه الأديب في النحو حتى وصل إلى باب الفاعل والمفعول فأعترض على أن الفاعل يكون مرفوعاً والمفعول منصوباً. وقال هذا الاصطلاح فاسد لأن الفاعل إذا كان مرفوعاً كان الذي عمل فيه الرفع آخر. والحال أنه هو العامل. وبياته إنا نرى الفاعل في البناء يرفع الحجر وغيره على كتفه فالحجر هو المرفوع والفاعل رافع وكذلك فاعل ال ... فإنه هو الذي يرفع الساق. فقال له المعلم مه مه لقد أفحشت، فكان ينبغي لك التأديب في مجلس العلم فإنه غير مجلس الإمارة. ثم ختم التلميذان قراءة الكتاب ولم يستفيدا شيئاً وكأن الشرح كله كان موجهاً إلى الفارياق. ومذ ذلك الوقت أخذ في تجويد عبارته بمقتضى القواعد النحوية فصار يهوّل بها على رعاع الناس كما يظهر في الفصل الآتي. أكلة وأكال

стр. 36

لا بد لي من أن أطيل الكلام في هذا الفصل امتحاناً لصبر القارئ. فإن أتى على آخره دفعة واحدة من غير أن تحترق أسنانه غيظاً أو تصطك رجلاه غيرة وحمية. أو ينزوي ما بين عينيه أنفة وحشمة. أو تنتفخ أو داجه وَغْرا وهوجاً. أفردت له فصلاً فيه وعددته من القراء الصابرين. ولكون الفارياق في هذا الوقت قد طال لسانه وإن يكن فكره قد بقي قصيراً، ورأسه صغيراً ناقصاً من عند فمحدوته. وقد نذرت على نفسي أن أمشي وراءه خطوة خطوة وأحاكيه في سرته. فإن رأيت منه حمقة جئت بمثلها. أو غواية غويت مثله. أو رشداً قابلته بنظيره قابلته بنظيره وإلا فإني أكون خصمه لا كاتب سيرته أو ناقل كلامه. وينبغي أن يعلق هذا الحكم في أعناق جميع المؤلفين. ولكن هيهات فأني أرى أكثرهم قد زاغ عن هذه المحجة. إذ المؤلف منهم بينا هو يذكر مصيبة أحد من العباد في عقله أو امرأته أو ماله إذا به تكلف لا يراد الفقر المسجعة والعبارات المرصعة وحشى قصته بجميع ضروب الاستعارات والكنايات. وتشاغل عن هم صاحبه بما أنه غير مكترث به. فترى المصاب ينتحب ويولولول ويشكو ويتظلم. والمؤلف يسجع ويجنس ويرصع ويروي ويستطرد ويلتفت ويتناول المعاني البعيدة. فيمد يده تارة إلى الشمس وتارة إلى النجوم. ويحاول إنزالها من أوج سمائها إلى سافل قوله. ومرة يقتحم البحار. وأخرى يقتطف الأزهار ويطفر في الحدائق والغياض. من أصل إلى فرع ومن غوطة إلى ربوة. ما ذلك دأبي فإني إذا أوردت كلاماً عن أحمق انتقيت فيه له جميع الألفاظ السخيفة. وإذا نقلت عن أمير تأدبت معه في النقل ما أمكن. فكأني جالس بمجلسه. أو عن قسيس مثلاً أو مطران أتخفته بجميع اللفظ الركيك والكلام المختل. لئلا يصعب عليه المعنى فيفوت الغرض من تأليف هذا الكتاب. فأعلم إذاً أن الفارياق بعد أن فار دماغه بحرارة النمو زيادة على ما كان له من الرغبة في النظم سارت ذات يوم لقضاء مصلحة له. فمر في طريقة على دير للرهبان. وكان الوقت مساء. فرأى أن يبيت ليلته تلك في الدير فعرج عليه وطرق الباب فبرز له رويهب. فقال له الفارياق هل من مبيت عندكم لضيف فقال له الرويهب. أهلاً به إن لم يكن ذا سيف. ففرج الفارياق بهذا الجواب وعجب من أنه يوجد في الدير من يحسن المساجلة. وإنما قال له الروية بما قال لأن الدير كان ينتابه كثير من أتباع الأمير ليبيتوا فيه منكل سرطم قهقم لهم نهم وحم وخم هقم يسمع له هيقم. فكان أحدهم إذا بات ثمّ ليلة يكلف الرهبان من المطاعم الفاخرة ما لم يعهدوه. لأن هؤلاء الخلق يعيشون عيشة المتقشفين المقترين المتبلغين بأدنى القوت. إذ هم ينظرون إلى الدنيا وإلى لذاتها نظر العدو. فهي عندهم ضرة الآخرة. كلما تباعد عنها الإنسان المخلوق فيها تقرب إلى الجنة. حتى أن الخبر الذي كثيراً ما يأكلونه بغير إدام ليس كخبز الناس. فإنهم بعد أن يخبزوه رقيقاً يشمسونه أياماً متوالية حتى يجف وييبس بحيث يمكن للإنسان إذا أخذ بكلتا يديه رغيفين وضرب أحدهما بالآخر أن يخيف بقرقعتهما جميع جرذان الدير. أو أن يتخذهما متخذ الناقوس الذي يضرب به لأوقات الصلاة. ولا يقدرون على أكله إلا منقوعاً بالماء حتى يعود عجيناً. فأما تقلد تابع الأمير بالسيف فإنما هو تهويل وإنذار بنكال المتهاون به. كتهويل الفارياق على الرويهب بسؤاله. ومن لم يكن له سيف استعار سيف صاحبه. أو أتخذ له خشبة رقيقة في غمد سيف. وليس في استعارة الماعون وغيره عند أهل الجبل من عار بل كثيراً ما يستعيرون حلياً ومعروضاً للعروس يزفونها به وللرجل ثياباً وعمامة يزينونه بها.

стр. 37

ثم أنه لما حان وقت العشاء جاء ذلك الرويهب بصحفة من العدس المطبوخ بالزيت وبثلاثة أصنج من ذلك الخبز وجعلها بين يدي الفارياق. فجلس للعشاء وتناول رغيفا ودقة بالآخر حتى انكسر. فلما التقم أول لقمة نشبت شظية من الخبز في سنه وكادت أن تذهب بها. فجعل يسندها ويسد موضع الخلل منها بالعدس. ولم يكد يتم العشاء حتى اشتدت حرارة العدس في بدنه فجعل يحك بأظفاره وببعض قصد الرغيف حتى تهشم جلده. فساءه ذلك جداً. وقال لقد خلخلت هذه الكسرة سني فلأقلعن سناً من أسنان هذا الدير. ثم إنه اعمل فكرة في نظم بيتين في العدس تشفيا مما ناله منه جريا على عادة الشعراء من انهم يتشفون بعتابهم الدهر مما هم فيه من النحس والقهر والشقاوة والضر. فالتبست عليه لفظة فقام في طلب القاموس فطرق باب جاره وكان من المتحمسين في الدين. فقال له هل عندك يا سيدي القاموس. قال ما عندنا بالدير جاموس بل ثيران. فما حاجتك به الآن. فطرق باب آخر وكان أشد منه خشونة. فقال له هل لك ان تعيريني القاموس ساعة قال اصبر عليّ إلى نصف الليل فإن الكابوس لا يأتيني إلا في هذا الوقت. فمضى إلى غيره وأعاد عليه السؤال. فقال له أي شيء هو هذا القاموص يا ماغوص فرجع إلى صومعته وقال. لابد من نظم البيتين. وسأترك محلا فارغا للفظة فقال: أكلت العدس في دير مساء ... فبث وبي أكال لا يطاق فلولا أنني أعملت ظفري ... لقال الناس ... الفارياق فلما كان نصف الليل والفارياق نائم إذ بأحد الرهبان يقرع عليه الباب. فظن أنه أتاه بالكتاب المطلوب. ففتح له وهو مستبشر بوجدان ضالته. فقال له الراهب قم إلى الصلاة اقفل الباب واتبعني فتذكر عند ذلك ما قاله له جاره من أن الكابوس لا يأتيه إلا في نصف الليل. فقال في نفسه لقد صدق الرجل فإن هذا الداعي أشد على النائم من الكابوس. قبحا لها من ليلة شؤمي لقد كاد الخبز يقلع سني والعدس منافي بالحكة. وما كدت الآن أغفى حتى أتاني هذا القارع الأقرع النحس يدعوني إلى الصلوة أكان أبي راهباً وأمي راهبة أم وجب على الشكر والصلاة من أجل أكلة عدس؟ ولكن سأصبر إلى الصباح.

стр. 38

فلما كان الغد جاءه ذلك الرويهب ليسأله عن حاله إذ كان قد دخل الدير مذ عهد غير بعيد فكان فيه بقية رقة ولطف. فقال له الفارياق سألتك بالله أن تجلس عندي قليلاً. فلما جلس قال له قل لي فديتك أفي كل يوم أنتم تفعلون هذا. فوجم الرويهب فظن به سواء ثم قال أي فعل تعني. قال أكلكم العدس مساء وقيامكم في نصف الليل للصلاة. قال نعم ذلك دأبنا في كل يوم. قال ما الذي أوجبه عليكم. قال التعبد لله والتقرب إليه. قال أن الله ﵎ لا يهمه أن كان الإنسان يأكل عدسا أو لحما. ولم يأمر بذلك في كتبه. إذ ليس فيه مصلحة لنفس الآكل أو المأكول. قال هذا دأب النساك العباد إذ التقشف في المعيشة ونهك الجسم بالرديء من الطعام وبقلة النوم ينفي الشهوات. قال لا بل هو مناف لما شاءه الله. إذ لو شاء أن ينهك بدنك ويخليه من الشهوات لخلقك ضاويا دنفا. ما قولك في من خلقه الله جميلا. أيجوز له أن يشوه وجهه بأن يبخق عينه أو يخرم أنفه أو يشرم شفته أو يقلع أسنانه كما أردتم قلع أسناني البارحة بخبزكم هذا اليابس. أو أن يسخم سحنته. قال في ظني أنه لا يجوز. قال أليس البدن كله على قياس الوجه. لعمري ما خلق الله الساعد الفعم إلا وهو يريد بقاءه فعما. ولا الساق المجدولة إلا وشاء لها أن تكون كذلك دائما. ولا حلل الطيبات من المآكل للناس إلا وهو يريد أن يأكلوها هنيئا مريئا. نعم قد حرم هذه الطيبات بعض الأديان المشطة. غير أن دين النصارى يحللها. وإنما جاء التحريم من بعض شهارب طعنوا في السن فلم يكن بهم قطم إلى اللحم ولا إلى غيره. ما المانع تناوله كل يوم؟ قال لا ادري وإنما سمعت علماءنا يقولون ذلك فقلدتهم. وأني أقول لك الحق أني مللت من هذه العيشة. فإني أرى جسمي كل يوم في ذبول ونفسي في انقباض. ولو كنت عرفت من قبل ما أصير إليه لما سلكت هذه الطريقة غير إن أبي وأمي فقيران وخشيا أن أكون من ذوي البطالة والتعطل، إذ لا صنائع نافعة في بلادنا يمكن للإنسان أن يتعلمها ويعيش منها فزينا لي الرهبانية. وقالا لي إذا واظبت على طريقة في الدير بضع سنين فربما ترتقي إلى رتبة عالية فتنتفع نفسك وإيانا وما زالا بي حتى أجبتهما ولو لم أجبهما طوعاً لأكرهاني على ذلك. فقال له الفارياق نعم أن الرهبانية هي ملجأ من البطالة فكل من كان عطلاً عن علم أو صنعة يقصدها إلا انك مازلت مثلي حدثا فيمكن لك أن تقصد أحدا من أهل الخير والشفقة فيدلك على ما ينفعك. والله تعالى خلق الأشداق وتكفل لها بالأرزاق. وقد جعل في الحركة بركة هذا وأنت تعلم أن الرهبانية مشتقة منالرهبة وهي خوف الله تعالى. فإذا تعاطيت حرفة وعشت بها بين الناس وتزوجت ورزقت ولداً وخشيت الله فأنت حق راهب. ليست الرهبانية بأكل العدس والخبز اليابس. أليس إن رهبان ديرك بينهم من الخصام والطعن والحقد ما لا يوجد عند غيرهم. فإن رئيسهم لا يزال يحاول إذلالهم وإخضاعهم له. وهم لا يزالون مدمدمين عليه شاكين منه. وبينه وبين رؤساء الأديار الأخرى من الحسد والمنافسة ما بين وزراء الدول. وأكثرهم ينال الرئاسة بالتملق للأمير الحاكم أو للبطرك. فإذا أحس بوشك انقضاء مدته وخشي العزل رأيته يجود بالهدايا والتحف لذوي الأمر والنهي بما لا يجود به أكرم أهل بلادنا. وذلك حتى يقروه على رئاسته. وهؤلاء الرهبان المكرهون على التبلغ بالعدس وعلى التنحس إذا دعاهم أحد لمأدبة سمعت لاستراطهم دويا. فيلفلفون ويلعمظون ويتلمظون ويتكظكظون ويشتفون حتى تجحظ عيونهم. وأضر ما يكون عليّ منهم انك لا تكاد تسلم على أحد منهم إلا ويمد لك يده لتبوسها. ربما كانت نجسة قذرة. فكيف الثم يد من هو أجهل مني ولا غناء عنده في شيء. انظر كم عندنا في بلادنا من دير وعلى كم تشتمل هذه الأديار من الرهبان. ولم أر أحداً منهم نبغ في علم ولا من أثرت عنه مكرمة. بل لا تسمع عنهم إلا ما يشين الإنسان في عقله وعرضه.

стр. 39

قد كنت في خدمة بعير بيعر مدة فرأيت أحد هؤلاء الكارزين قد تمكن من ابنته تمكن الزوج من امرأته. فكان يقول لها فيما يسألها عنه هل تتمجمج أليتاك ويترجرج ثدياك؟ فما للراهب ولترعد ألا يا النسوان ورجرجة أثدائهن!؟ وآخر كان رئيسا في دير فعلق بنتا في قرية بالقرب من الدير فلم تلبث أن علقت منه. غير أنه لما كان أخوه وجيها عند الحاكم خاف أبو البنت من أن يخاصمه ويفضحه. بل قد تقرر في عقول الجهلاء من أهل بلادنا أن إفشاء أمر مثل هذا مما يفتضح به عرض أحد هؤلاء النساك حرام. أيم الله أن الستر عليه حرام فإن فضيحته تردع غيره. وأعرف آخر جاء إلى قريتنا متماوتاً وقد طول كمية وأسبل قلنسوته حتى لم يكد يظهر من تحتها إلا فمه ولحيته وتظاهرا بالصلاح والتقوى. ثم أنزل نفسه منزلة خطيب في القوم. فجعل يخطب ويعظ وينذر بصوت جهير. وكان يبكي عند ذلك أشد البكاء ويذرف المدامع إذ كان جعل في منديله الذي يمسح به وجهه شيئاً ذا حرتة لا أدري ما هو. ثم آل أمره إلى أنه يقضي أياماً وليالي مع أرملة حسناء شابة من نساء الأمراء في خلوة استذراعا بأنها تعترف له اعترافا عاما. أي من يوم انتفخ ثديها ونبت شعرها إلى ذلك اليوم. وأعرف آخر كان قد ذهب إلى رومية وكان مغفلا فكان ينام في فراشه بثيابه الرهبانية على طريقته في الدير ويوسخ الملاءة. فكان صاحب المنزل ينهاه عن ذلك. ثم لما رأى أن جميع قسيسي رومية وأعيان أئمتها من البابا إلى الكردينال إلى الراهب ينامون عريانين لا شيء يستر سوءتهم غير ملاء. الكتان الرفيع كفر بهم وصار يستحل الحلال والحرام معاً. فانظر إلى هؤلاء العباد من العباد فإنك لا ترى فيهم إلا خبيثاً منافقا. أو جاهلا مائقا. وندر وجود الصالح بينهم. أما العلم فهو محرم عليهم كلهم. لا بأس في الرهبانية تطوعاً لا بأس إنما هي طريقة محمودة. ولكن بشرط مجاوزة الخمسين سنة. وإن يكون الداخلون فيها من أهل الفضائل والمعارف. يشتغلون بالعلم وبتهذيب إملاء إخوانهم ومعارفهم. ويحضون على مكارم الأخلاق والاتصاف بالمزايا الحميدة. ويؤلفون الكتب المفيدة وينهجون لقومهم المناهج المؤدية إلى الخير والفلاح والفوز والنجاح. لا مثل هؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً من الدنيا سوى التقشف والرثاثة. وناهيك دليلا على جهلهم أني سألت أشدهم تحمسا أن يعيرني القاموس فظنه الجاموس. وآخر ظنه الكابوس. وآخر القاموص. فبادر يا صاح وتخلص منهم هداك الله وإلا فتكون لا من أهل الدنيا ولا من أهل الآخرة. فإن دين الجاهل عند الله ليس بشيء. وإذا بلغت الستين سنة فيها هي الرهبانية بين يديك. فقال له كيف التخلص. قال ألك في الدير متاع فأساعدك على حمله. قال مالي سوى ما تراه عليّ. قال فامض بنا إذا فإن الرهبان الآن عاكفون على الصلاة. فخرجا من باب الدير ولم يعلم بهما أحد. فلما بعدا قليلا هنأ الفارياق صاحبه بخروجه من ربقة الجهل وقال له. لعمري لو كنت كلما أكلت أكلة عدس خلصت راهبا أو رويهبا أو بالحري راهبة أو رويهبة لوددت أن لا آكل الدهر غيره وإن أكل بدني. فجزى الله الدير خيراً. مقامة مقامة في الفصل الثالث عشر قد مضت عليّ برهة من الدهر من غير أن أتكلف السجع والتجنيس واحسبني نسيت ذلك. فلا بد من أن أختبر قريحتي في هذا الفصل فإنه أولى به من غيره. إذ هو أكثر من الثاني عشر وأقل من الرابع عشر. وهكذا أفعل في كل فصل يوسم بهذا العدد حتى أفرغ من كتبي الأربعة. فتكون جملة المقامات فيما أظن أربعاً فأقول.

стр. 40

حدس الهارس بن هشام قال أرقت في ليلة خافية الكوكب. بادية الهيدب. طويلة الذنب ملأى من الكرب. إلى الكرب. فجعلت أنام على ظهري مرة وعلى جنبي أخرى. وأتصور شخصا ناعسا أمامي يتثاءب وآخر ينخر نخرا. وآخر يتهوم سكرا. فإن التصور فيما قالوا يبعث على فعل ما ترغب النفس فيه. وينشط إلى ما تصبو إليه وتشتهيه. ومع ذلك فما اكتحلت غمضا. ولا فتح فمي تثاؤب طولا ولا عرضا. وكان يخيل لي أن أهل الأرض كلهم رقود وأنا وحدي من بينهم ارق. وإن جميع جيراني في سكون وأنا دونهم قلق. فقمت إلى الشراب فحسوت منه حسوة. فلم تك إلا غفوة. كإنما كانت هفوة. فأفقت في أسوأ حال. وشر بلبال. والهموم قد انثالت عليّ من كل جانب. والأفكار متطايرة على كل مقارب ومجانب. فكان يخطر ببالي كل ممكن ومحال ويعاودني ما كنت فكرت فيه من الأحوال مرة منذ أحوال. فلما علمت أن النوم قد ند عني. وإن تناومت. وأنه لابد من ترقب الفجر أن أذعنت وأن قاومت. مددت يدي إلى كتاب أطالع فيه. وقلت إن لم ينمي فينبهني ببعض معانيه. فتناولت أقرب ما وصلت إليه يدي. وأنا غير مؤثر أحد الكتب على غيره في خلدي وإذا به كتاب موازنة الحالتين. وموازنة الآلتين. للشيخ الإمام العالم العامل. الفاضل الكامل. أبي رشد نهية بن حزم. المشهور بالبلاغة في النثر والنظم. وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من المؤلفين. ولم يجاره فيه كاتب من المجلين. فقد وازن فيه بين حالتي بؤس المرء ونعيمه. وروحه وهمومه. ومنافعه ومضاره. وأحزانه ومساره. منذ كونه طفلاً. إلى أن يصير كهلا. ثم شيخنا قحلا. وقد جعل ذلك في جدولين متقابلين. وأسلوبين متفاضلين. إلا أنه لما الشيخ قدس الله سره. ورفع في أعلى عليين مقامه وقدره. على ما يظهر لي ذا عشية راضية. وسعادة وافية. وهمة ماضية. رجح طرف اللذات على غيرها. واستقل شر الحياة بالنسبة إلى خيرها. حتى أنه زعم أن اللذة تكون عن الفعل والتصور معاً. بخلاف الألم فإن الفكر لا يقع منه موقعا وأنه كان إذا امتثل خودا يداعبها وتداعبه. هزته نشوة طرب مال بها سريره ومركبه وكلكله ومنكبه. بيد إني ارتبت في كلامه في هذا المحل. وقلت سبحان الله لا بد لكل مؤلف من هفوة وإن جل. وذلك إني لما تصورت الشخص المتهوم. والناعس والمتثائب وأنا متناوم. لم يغنني التصور عن الفعل نقيراً. ولا وجدت فيه لذة لا قليلا ولا كثيرا. على أني أذهب إلى ما ذهب إليه بعض المجانين. من أن لذة اليوم لا تكون قبله ولا معه ولا بعده للنائمين. وهي عقدة للطبائعيين لا يمكنهم حلها بلسانهم وأفكارهم. ولا بسنانهم وأظفارهم. غير أن عبارة المصنف كانت من العلم والحكمة بحيث تخلب عقل الناقد الخبير. وتربك في تحري أحد القولين كل نحرير فلما أطلقت النظر فيهما وعاد إلي كليلا وأعلمت حد النقد ورجع مفلولا. عزمت على أن أسجل هذه الأشكال. من بعض ذوي الدراية والجدال. فقلت في نفسي كما أن يدي نالت أدنى الأسفار. كذلك يكون مراوحي عليه أدنى الجار. وكان يسكن بالقرب مني مطران يطري قومه على حليته. ويعظمون فضله وأدبه على طوال لحيته. فقصدته ضحوة النهار. بادي الاستبشار. فرأيته ذا بكلة تروق. وبزة تشوق. فعرضت عليه الجدولين وقلت افتني في هذه القضية. ولك الأجر من رب البرية. فنظر فيهما ثم حرك رأسه. وجعل يرمش ثم يشكو نعاسه. وقال لي ما ترجمته إذ لم يكن ممن تسمو إلي السجع همته ما لحنت مغزاهما. ولا دريت فحواهما ولو كانا بعبارة ركيكة. كان ذلك عليّ أسهل من الجلوس على هذه الأريكة. فقلت أخره في العلم والثقف. تقدمه في الصف. ونقص من عقله وفهمه ما زاد في لحيته وكمه. فلا ستعملن بعده أكثر الناس حمقا وهوجا. وما ذلك إلا معلم الصبيان الهجا وكان في البلد من اتصف بهذه الصفة. وهو مع ذلك ذو كبر وعجرفة. فقصدت محله. وألقيت عليه المسألة. فإذا به قام يصفق بيديه. ويراريء بعينيه. ويقول لقد سقطت على الخبير. واهتديت برأي بصير. إن شئت أن تعرف أي القولين أرجح. وأصدق وأصح. فزن الجدولين دون جلد الكتاب في ميزان. فما رجح منهما فهو الراجح ما اختلف في ذا اثنان. فقمت من عنده غضبان نادما. ولعنت الأرق الذي كان السبب في أن أكون لمعلمي الصبيان مكالما. بعد أن قرأت في غير كتاب وسمعت من ذوي الألباب. أنهم اسخف خلق الله عقلاً. وأكثرهم جهلاً. وأبعدهم عن الفهم وأسفهم إلى الوهم.
следующие страницы →