Полный текст (294 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لا بد لي من أن أطيل الكلام في هذا الفصل امتحاناً لصبر القارئ. فإن أتى على آخره دفعة واحدة من غير أن تحترق أسنانه غيظاً أو تصطك رجلاه غيرة وحمية. أو ينزوي ما بين عينيه أنفة وحشمة. أو تنتفخ أو داجه وَغْرا وهوجاً. أفردت له فصلاً فيه وعددته من القراء الصابرين. ولكون الفارياق في هذا الوقت قد طال لسانه وإن يكن فكره قد بقي قصيراً، ورأسه صغيراً ناقصاً من عند فمحدوته. وقد نذرت على نفسي أن أمشي وراءه خطوة خطوة وأحاكيه في سرته. فإن رأيت منه حمقة جئت بمثلها. أو غواية غويت مثله. أو رشداً قابلته بنظيره قابلته بنظيره وإلا فإني أكون خصمه لا كاتب سيرته أو ناقل كلامه. وينبغي أن يعلق هذا الحكم في أعناق جميع المؤلفين. ولكن هيهات فأني أرى أكثرهم قد زاغ عن هذه المحجة. إذ المؤلف منهم بينا هو يذكر مصيبة أحد من العباد في عقله أو امرأته أو ماله إذا به تكلف لا يراد الفقر المسجعة والعبارات المرصعة وحشى قصته بجميع ضروب الاستعارات والكنايات. وتشاغل عن هم صاحبه بما أنه غير مكترث به. فترى المصاب ينتحب ويولولول ويشكو ويتظلم. والمؤلف يسجع ويجنس ويرصع ويروي ويستطرد ويلتفت ويتناول المعاني البعيدة. فيمد يده تارة إلى الشمس وتارة إلى النجوم. ويحاول إنزالها من أوج سمائها إلى سافل قوله. ومرة يقتحم البحار. وأخرى يقتطف الأزهار ويطفر في الحدائق والغياض. من أصل إلى فرع ومن غوطة إلى ربوة.
ما ذلك دأبي فإني إذا أوردت كلاماً عن أحمق انتقيت فيه له جميع الألفاظ السخيفة. وإذا نقلت عن أمير تأدبت معه في النقل ما أمكن. فكأني جالس بمجلسه. أو عن قسيس مثلاً أو مطران أتخفته بجميع اللفظ الركيك والكلام المختل. لئلا يصعب عليه المعنى فيفوت الغرض من تأليف هذا الكتاب.
فأعلم إذاً أن الفارياق بعد أن فار دماغه بحرارة النمو زيادة على ما كان له من الرغبة في النظم سارت ذات يوم لقضاء مصلحة له. فمر في طريقة على دير للرهبان. وكان الوقت مساء. فرأى أن يبيت ليلته تلك في الدير فعرج عليه وطرق الباب فبرز له رويهب. فقال له الفارياق هل من مبيت عندكم لضيف فقال له الرويهب. أهلاً به إن لم يكن ذا سيف. ففرج الفارياق بهذا الجواب وعجب من أنه يوجد في الدير من يحسن المساجلة. وإنما قال له الروية بما قال لأن الدير كان ينتابه كثير من أتباع الأمير ليبيتوا فيه منكل سرطم قهقم لهم نهم وحم وخم هقم يسمع له هيقم. فكان أحدهم إذا بات ثمّ ليلة يكلف الرهبان من المطاعم الفاخرة ما لم يعهدوه. لأن هؤلاء الخلق يعيشون عيشة المتقشفين المقترين المتبلغين بأدنى القوت. إذ هم ينظرون إلى الدنيا وإلى لذاتها نظر العدو. فهي عندهم ضرة الآخرة. كلما تباعد عنها الإنسان المخلوق فيها تقرب إلى الجنة. حتى أن الخبر الذي كثيراً ما يأكلونه بغير إدام ليس كخبز الناس. فإنهم بعد أن يخبزوه رقيقاً يشمسونه أياماً متوالية حتى يجف وييبس بحيث يمكن للإنسان إذا أخذ بكلتا يديه رغيفين وضرب أحدهما بالآخر أن يخيف بقرقعتهما جميع جرذان الدير. أو أن يتخذهما متخذ الناقوس الذي يضرب به لأوقات الصلاة. ولا يقدرون على أكله إلا منقوعاً بالماء حتى يعود عجيناً. فأما تقلد تابع الأمير بالسيف فإنما هو تهويل وإنذار بنكال المتهاون به. كتهويل الفارياق على الرويهب بسؤاله. ومن لم يكن له سيف استعار سيف صاحبه. أو أتخذ له خشبة رقيقة في غمد سيف. وليس في استعارة الماعون وغيره عند أهل الجبل من عار بل كثيراً ما يستعيرون حلياً ومعروضاً للعروس يزفونها به وللرجل ثياباً وعمامة يزينونه بها.
стр. 37
ثم أنه لما حان وقت العشاء جاء ذلك الرويهب بصحفة من العدس المطبوخ بالزيت وبثلاثة أصنج من ذلك الخبز وجعلها بين يدي الفارياق. فجلس للعشاء وتناول رغيفا ودقة بالآخر حتى انكسر. فلما التقم أول لقمة نشبت شظية من الخبز في سنه وكادت أن تذهب بها. فجعل يسندها ويسد موضع الخلل منها بالعدس. ولم يكد يتم العشاء حتى اشتدت حرارة العدس في بدنه فجعل يحك بأظفاره وببعض قصد الرغيف حتى تهشم جلده. فساءه ذلك جداً. وقال لقد خلخلت هذه الكسرة سني فلأقلعن سناً من أسنان هذا الدير. ثم إنه اعمل فكرة في نظم بيتين في العدس تشفيا مما ناله منه جريا على عادة الشعراء من انهم يتشفون بعتابهم الدهر مما هم فيه من النحس والقهر والشقاوة والضر. فالتبست عليه لفظة فقام في طلب القاموس فطرق باب جاره وكان من المتحمسين في الدين. فقال له هل عندك يا سيدي القاموس. قال ما عندنا بالدير جاموس بل ثيران. فما حاجتك به الآن. فطرق باب آخر وكان أشد منه خشونة. فقال له هل لك ان تعيريني القاموس ساعة قال اصبر عليّ إلى نصف الليل فإن الكابوس لا يأتيني إلا في هذا الوقت. فمضى إلى غيره وأعاد عليه السؤال. فقال له أي شيء هو هذا القاموص يا ماغوص فرجع إلى صومعته وقال. لابد من نظم البيتين. وسأترك محلا فارغا للفظة فقال:
أكلت العدس في دير مساء ... فبث وبي أكال لا يطاق
فلولا أنني أعملت ظفري ... لقال الناس ... الفارياق
فلما كان نصف الليل والفارياق نائم إذ بأحد الرهبان يقرع عليه الباب. فظن أنه أتاه بالكتاب المطلوب. ففتح له وهو مستبشر بوجدان ضالته. فقال له الراهب قم إلى الصلاة اقفل الباب واتبعني فتذكر عند ذلك ما قاله له جاره من أن الكابوس لا يأتيه إلا في نصف الليل. فقال في نفسه لقد صدق الرجل فإن هذا الداعي أشد على النائم من الكابوس. قبحا لها من ليلة شؤمي لقد كاد الخبز يقلع سني والعدس منافي بالحكة. وما كدت الآن أغفى حتى أتاني هذا القارع الأقرع النحس يدعوني إلى الصلوة أكان أبي راهباً وأمي راهبة أم وجب على الشكر والصلاة من أجل أكلة عدس؟ ولكن سأصبر إلى الصباح.
стр. 38
فلما كان الغد جاءه ذلك الرويهب ليسأله عن حاله إذ كان قد دخل الدير مذ عهد غير بعيد فكان فيه بقية رقة ولطف. فقال له الفارياق سألتك بالله أن تجلس عندي قليلاً. فلما جلس قال له قل لي فديتك أفي كل يوم أنتم تفعلون هذا. فوجم الرويهب فظن به سواء ثم قال أي فعل تعني. قال أكلكم العدس مساء وقيامكم في نصف الليل للصلاة. قال نعم ذلك دأبنا في كل يوم. قال ما الذي أوجبه عليكم. قال التعبد لله والتقرب إليه. قال أن الله ﵎ لا يهمه أن كان الإنسان يأكل عدسا أو لحما. ولم يأمر بذلك في كتبه. إذ ليس فيه مصلحة لنفس الآكل أو المأكول. قال هذا دأب النساك العباد إذ التقشف في المعيشة ونهك الجسم بالرديء من الطعام وبقلة النوم ينفي الشهوات. قال لا بل هو مناف لما شاءه الله. إذ لو شاء أن ينهك بدنك ويخليه من الشهوات لخلقك ضاويا دنفا. ما قولك في من خلقه الله جميلا. أيجوز له أن يشوه وجهه بأن يبخق عينه أو يخرم أنفه أو يشرم شفته أو يقلع أسنانه كما أردتم قلع أسناني البارحة بخبزكم هذا اليابس. أو أن يسخم سحنته. قال في ظني أنه لا يجوز. قال أليس البدن كله على قياس الوجه. لعمري ما خلق الله الساعد الفعم إلا وهو يريد بقاءه فعما. ولا الساق المجدولة إلا وشاء لها أن تكون كذلك دائما. ولا حلل الطيبات من المآكل للناس إلا وهو يريد أن يأكلوها هنيئا مريئا. نعم قد حرم هذه الطيبات بعض الأديان المشطة. غير أن دين النصارى يحللها. وإنما جاء التحريم من بعض شهارب طعنوا في السن فلم يكن بهم قطم إلى اللحم ولا إلى غيره. ما المانع تناوله كل يوم؟ قال لا ادري وإنما سمعت علماءنا يقولون ذلك فقلدتهم. وأني أقول لك الحق أني مللت من هذه العيشة. فإني أرى جسمي كل يوم في ذبول ونفسي في انقباض. ولو كنت عرفت من قبل ما أصير إليه لما سلكت هذه الطريقة غير إن أبي وأمي فقيران وخشيا أن أكون من ذوي البطالة والتعطل، إذ لا صنائع نافعة في بلادنا يمكن للإنسان أن يتعلمها ويعيش منها فزينا لي الرهبانية. وقالا لي إذا واظبت على طريقة في الدير بضع سنين فربما ترتقي إلى رتبة عالية فتنتفع نفسك وإيانا وما زالا بي حتى أجبتهما ولو لم أجبهما طوعاً لأكرهاني على ذلك. فقال له الفارياق نعم أن الرهبانية هي ملجأ من البطالة فكل من كان عطلاً عن علم أو صنعة يقصدها إلا انك مازلت مثلي حدثا فيمكن لك أن تقصد أحدا من أهل الخير والشفقة فيدلك على ما ينفعك. والله تعالى خلق الأشداق وتكفل لها بالأرزاق. وقد جعل في الحركة بركة هذا وأنت تعلم أن الرهبانية مشتقة منالرهبة وهي خوف الله تعالى. فإذا تعاطيت حرفة وعشت بها بين الناس وتزوجت ورزقت ولداً وخشيت الله فأنت حق راهب. ليست الرهبانية بأكل العدس والخبز اليابس. أليس إن رهبان ديرك بينهم من الخصام والطعن والحقد ما لا يوجد عند غيرهم. فإن رئيسهم لا يزال يحاول إذلالهم وإخضاعهم له. وهم لا يزالون مدمدمين عليه شاكين منه. وبينه وبين رؤساء الأديار الأخرى من الحسد والمنافسة ما بين وزراء الدول. وأكثرهم ينال الرئاسة بالتملق للأمير الحاكم أو للبطرك. فإذا أحس بوشك انقضاء مدته وخشي العزل رأيته يجود بالهدايا والتحف لذوي الأمر والنهي بما لا يجود به أكرم أهل بلادنا. وذلك حتى يقروه على رئاسته. وهؤلاء الرهبان المكرهون على التبلغ بالعدس وعلى التنحس إذا دعاهم أحد لمأدبة سمعت لاستراطهم دويا. فيلفلفون ويلعمظون ويتلمظون ويتكظكظون ويشتفون حتى تجحظ عيونهم. وأضر ما يكون عليّ منهم انك لا تكاد تسلم على أحد منهم إلا ويمد لك يده لتبوسها. ربما كانت نجسة قذرة. فكيف الثم يد من هو أجهل مني ولا غناء عنده في شيء. انظر كم عندنا في بلادنا من دير وعلى كم تشتمل هذه الأديار من الرهبان. ولم أر أحداً منهم نبغ في علم ولا من أثرت عنه مكرمة. بل لا تسمع عنهم إلا ما يشين الإنسان في عقله وعرضه.
стр. 39
قد كنت في خدمة بعير بيعر مدة فرأيت أحد هؤلاء الكارزين قد تمكن من ابنته تمكن الزوج من امرأته. فكان يقول لها فيما يسألها عنه هل تتمجمج أليتاك ويترجرج ثدياك؟ فما للراهب ولترعد ألا يا النسوان ورجرجة أثدائهن!؟ وآخر كان رئيسا في دير فعلق بنتا في قرية بالقرب من الدير فلم تلبث أن علقت منه. غير أنه لما كان أخوه وجيها عند الحاكم خاف أبو البنت من أن يخاصمه ويفضحه. بل قد تقرر في عقول الجهلاء من أهل بلادنا أن إفشاء أمر مثل هذا مما يفتضح به عرض أحد هؤلاء النساك حرام. أيم الله أن الستر عليه حرام فإن فضيحته تردع غيره. وأعرف آخر جاء إلى قريتنا متماوتاً وقد طول كمية وأسبل قلنسوته حتى لم يكد يظهر من تحتها إلا فمه ولحيته وتظاهرا بالصلاح والتقوى. ثم أنزل نفسه منزلة خطيب في القوم. فجعل يخطب ويعظ وينذر بصوت جهير. وكان يبكي عند ذلك أشد البكاء ويذرف المدامع إذ كان جعل في منديله الذي يمسح به وجهه شيئاً ذا حرتة لا أدري ما هو. ثم آل أمره إلى أنه يقضي أياماً وليالي مع أرملة حسناء شابة من نساء الأمراء في خلوة استذراعا بأنها تعترف له اعترافا عاما. أي من يوم انتفخ ثديها ونبت شعرها إلى ذلك اليوم. وأعرف آخر كان قد ذهب إلى رومية وكان مغفلا فكان ينام في فراشه بثيابه الرهبانية على طريقته في الدير ويوسخ الملاءة. فكان صاحب المنزل ينهاه عن ذلك. ثم لما رأى أن جميع قسيسي رومية وأعيان أئمتها من البابا إلى الكردينال إلى الراهب ينامون عريانين لا شيء يستر سوءتهم غير ملاء. الكتان الرفيع كفر بهم وصار يستحل الحلال والحرام معاً. فانظر إلى هؤلاء العباد من العباد فإنك لا ترى فيهم إلا خبيثاً منافقا. أو جاهلا مائقا. وندر وجود الصالح بينهم. أما العلم فهو محرم عليهم كلهم.
لا بأس في الرهبانية تطوعاً لا بأس إنما هي طريقة محمودة. ولكن بشرط مجاوزة الخمسين سنة. وإن يكون الداخلون فيها من أهل الفضائل والمعارف. يشتغلون بالعلم وبتهذيب إملاء إخوانهم ومعارفهم. ويحضون على مكارم الأخلاق والاتصاف بالمزايا الحميدة. ويؤلفون الكتب المفيدة وينهجون لقومهم المناهج المؤدية إلى الخير والفلاح والفوز والنجاح. لا مثل هؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً من الدنيا سوى التقشف والرثاثة. وناهيك دليلا على جهلهم أني سألت أشدهم تحمسا أن يعيرني القاموس فظنه الجاموس. وآخر ظنه الكابوس. وآخر القاموص. فبادر يا صاح وتخلص منهم هداك الله وإلا فتكون لا من أهل الدنيا ولا من أهل الآخرة. فإن دين الجاهل عند الله ليس بشيء. وإذا بلغت الستين سنة فيها هي الرهبانية بين يديك.
فقال له كيف التخلص. قال ألك في الدير متاع فأساعدك على حمله. قال مالي سوى ما تراه عليّ. قال فامض بنا إذا فإن الرهبان الآن عاكفون على الصلاة. فخرجا من باب الدير ولم يعلم بهما أحد. فلما بعدا قليلا هنأ الفارياق صاحبه بخروجه من ربقة الجهل وقال له. لعمري لو كنت كلما أكلت أكلة عدس خلصت راهبا أو رويهبا أو بالحري راهبة أو رويهبة لوددت أن لا آكل الدهر غيره وإن أكل بدني. فجزى الله الدير خيراً.
مقامة
مقامة في الفصل الثالث عشر
قد مضت عليّ برهة من الدهر من غير أن أتكلف السجع والتجنيس واحسبني نسيت ذلك. فلا بد من أن أختبر قريحتي في هذا الفصل فإنه أولى به من غيره. إذ هو أكثر من الثاني عشر وأقل من الرابع عشر. وهكذا أفعل في كل فصل يوسم بهذا العدد حتى أفرغ من كتبي الأربعة. فتكون جملة المقامات فيما أظن أربعاً فأقول.
стр. 40
حدس الهارس بن هشام قال أرقت في ليلة خافية الكوكب. بادية الهيدب. طويلة الذنب ملأى من الكرب. إلى الكرب. فجعلت أنام على ظهري مرة وعلى جنبي أخرى. وأتصور شخصا ناعسا أمامي يتثاءب وآخر ينخر نخرا. وآخر يتهوم سكرا. فإن التصور فيما قالوا يبعث على فعل ما ترغب النفس فيه. وينشط إلى ما تصبو إليه وتشتهيه. ومع ذلك فما اكتحلت غمضا. ولا فتح فمي تثاؤب طولا ولا عرضا. وكان يخيل لي أن أهل الأرض كلهم رقود وأنا وحدي من بينهم ارق. وإن جميع جيراني في سكون وأنا دونهم قلق. فقمت إلى الشراب فحسوت منه حسوة. فلم تك إلا غفوة. كإنما كانت هفوة. فأفقت في أسوأ حال. وشر بلبال. والهموم قد انثالت عليّ من كل جانب. والأفكار متطايرة على كل مقارب ومجانب. فكان يخطر ببالي كل ممكن ومحال ويعاودني ما كنت فكرت فيه من الأحوال مرة منذ أحوال.
فلما علمت أن النوم قد ند عني. وإن تناومت. وأنه لابد من ترقب الفجر أن أذعنت وأن قاومت. مددت يدي إلى كتاب أطالع فيه. وقلت إن لم ينمي فينبهني ببعض معانيه. فتناولت أقرب ما وصلت إليه يدي. وأنا غير مؤثر أحد الكتب على غيره في خلدي وإذا به كتاب موازنة الحالتين. وموازنة الآلتين. للشيخ الإمام العالم العامل. الفاضل الكامل. أبي رشد نهية بن حزم. المشهور بالبلاغة في النثر والنظم. وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد من المؤلفين. ولم يجاره فيه كاتب من المجلين. فقد وازن فيه بين حالتي بؤس المرء ونعيمه. وروحه وهمومه. ومنافعه ومضاره. وأحزانه ومساره. منذ كونه طفلاً. إلى أن يصير كهلا. ثم شيخنا قحلا. وقد جعل ذلك في جدولين متقابلين. وأسلوبين متفاضلين. إلا أنه لما الشيخ قدس الله سره. ورفع في أعلى عليين مقامه وقدره. على ما يظهر لي ذا عشية راضية. وسعادة وافية. وهمة ماضية. رجح طرف اللذات على غيرها. واستقل شر الحياة بالنسبة إلى خيرها. حتى أنه زعم أن اللذة تكون عن الفعل والتصور معاً. بخلاف الألم فإن الفكر لا يقع منه موقعا وأنه كان إذا امتثل خودا يداعبها وتداعبه. هزته نشوة طرب مال بها سريره ومركبه وكلكله ومنكبه. بيد إني ارتبت في كلامه في هذا المحل. وقلت سبحان الله لا بد لكل مؤلف من هفوة وإن جل. وذلك إني لما تصورت الشخص المتهوم. والناعس والمتثائب وأنا متناوم. لم يغنني التصور عن الفعل نقيراً. ولا وجدت فيه لذة لا قليلا ولا كثيرا. على أني أذهب إلى ما ذهب إليه بعض المجانين. من أن لذة اليوم لا تكون قبله ولا معه ولا بعده للنائمين. وهي عقدة للطبائعيين لا يمكنهم حلها بلسانهم وأفكارهم. ولا بسنانهم وأظفارهم. غير أن عبارة المصنف كانت من العلم والحكمة بحيث تخلب عقل الناقد الخبير. وتربك في تحري أحد القولين كل نحرير فلما أطلقت النظر فيهما وعاد إلي كليلا وأعلمت حد النقد ورجع مفلولا. عزمت على أن أسجل هذه الأشكال. من بعض ذوي الدراية والجدال. فقلت في نفسي كما أن يدي نالت أدنى الأسفار. كذلك يكون مراوحي عليه أدنى الجار.
وكان يسكن بالقرب مني مطران يطري قومه على حليته. ويعظمون فضله وأدبه على طوال لحيته. فقصدته ضحوة النهار. بادي الاستبشار. فرأيته ذا بكلة تروق. وبزة تشوق. فعرضت عليه الجدولين وقلت افتني في هذه القضية. ولك الأجر من رب البرية. فنظر فيهما ثم حرك رأسه. وجعل يرمش ثم يشكو نعاسه. وقال لي ما ترجمته إذ لم يكن ممن تسمو إلي السجع همته ما لحنت مغزاهما. ولا دريت فحواهما ولو كانا بعبارة ركيكة. كان ذلك عليّ أسهل من الجلوس على هذه الأريكة. فقلت أخره في العلم والثقف. تقدمه في الصف. ونقص من عقله وفهمه ما زاد في لحيته وكمه. فلا ستعملن بعده أكثر الناس حمقا وهوجا. وما ذلك إلا معلم الصبيان الهجا وكان في البلد من اتصف بهذه الصفة. وهو مع ذلك ذو كبر وعجرفة. فقصدت محله. وألقيت عليه المسألة. فإذا به قام يصفق بيديه. ويراريء بعينيه. ويقول لقد سقطت على الخبير. واهتديت برأي بصير. إن شئت أن تعرف أي القولين أرجح. وأصدق وأصح. فزن الجدولين دون جلد الكتاب في ميزان. فما رجح منهما فهو الراجح ما اختلف في ذا اثنان. فقمت من عنده غضبان نادما. ولعنت الأرق الذي كان السبب في أن أكون لمعلمي الصبيان مكالما. بعد أن قرأت في غير كتاب وسمعت من ذوي الألباب. أنهم اسخف خلق الله عقلاً. وأكثرهم جهلاً. وأبعدهم عن الفهم وأسفهم إلى الوهم.
стр. 41
فسرت في ذلك اليوم. إلى فقيه من جلة القوم. قد كبر عمامته وكورها. ووسع جبته وزورها. فقلت افتني أيها الفاضل الأحذق. أي القولين عندك أحق وأصدق. فقال أما إذا جئتني مستنفيا. ورمت أن تكون برأيي مستهديا. وبطريقي مقتديا. فإني أقول لك بعد التروي في هذا المذهب المتحوي أنا معاشر الفقهاء من أهل الكلام. القائمين بأحكام الأحكام. وتبيين المتشابه بين الأنام. وان من دأبنا إظهاراً للحق أن نسهب في التعليل. ونكثر من قال وقيل. إِذ لا بد من انتشاء عرف الصواب من الإسهاب. ومن الاهتداء إلى بعض المذاهب. بفرض المستحيل وجعل المعدوم كالموجود الواجب. فعندي أنه لا بد من عد ألفاظ القولين. وإحصاء حروف الجدولين. فما كان منهما اكثر حروفا فهو أرجح وأحسن تأليفا. والله اعلم. ففصلت من عند الفقيه كما فصلت من عند صاحبه السفيه. وقلت إنما اللوم على مستفتيه.
ثم قصدت شاعراً كنت أعهده يتلهوق ويتشدق. ويتفصح. ويتمدح. ويتبجح ويتزنح، وقلت له هاك ما تحرز عليه أجراً. ويكسبك بين الناس فخراً فأبن لي أي الأهلوبين أبدع. وبالحق فاصدع قال أما أنا فما لي من خلاق في الدنيا ولا نصيب غير المدح والنسيب. ففي الأول غصتي وفي الثاني لذتي. فاصبر عليّ ريثما أطالع ديواني كله. وأتصفحه جملة. فإن وجدت المديح فيه اكثر من الغزل. كان الخير في الدنيا اقل. فألحقته بصاحبيه الفقيه والمعلم وقلت كم من متكلم مكلم. ثم سرت إلى كاتب الأمير. وكان مشهوداً له بالتحري والتحرير. فأثنيت عليه قبل السؤال مطرئاً. وقلت لم يكن غيرك في ذا مجزئاً. فقال إن سعادتي في الكون هي أن أرضى عن أميري ويرضى عني. وشقاوتي هي أن أغضب منه ويغضب مني. وقد نسيت كل ما جرى عليّ من الغضب والرضى. لكثرة المشادة والمقتضى فإن صبرت عليّ في المستأنف شهراً. لأقيد في دفتري ما ألقاه منه حلواً ومراً. ونفعا وضراً. أفدتك الجواب فاقبل عذراً فصيرته رابع الثلاثة. وقلت لأستشيرن ذا حداثة. فإن أهل المراتب والمناصب قد ذهبت صدارتهم بألبابهم. فلم يبق فيهم خير لقارع بابهم. فجئت الفارياق وهو مكب على النسخ. وفي طلعته مبادئ المسخ. فقد رأيت عينيه غائرتين. ويديه ذاويتين. وعظم خديه نانئاً. وجلده كالظل زائناً. حتى رثيت لحالته. وكدت امسك عن الكلام إشفاقا من بطالته. لكنه لما رآني قام إلي. ثم أقبل عليّ. وقال هل من خدمة اقتضيت سعيي. أو نجوى أو جبت وعيي. فقلت قد أقدمني كذا وكذا. فاكفني ذل السؤال كفيت الأذى. فأخذ رقعة من تحت أسمال. وكتب فيها في الحال
أتيتني مستفتياً في أمر ... يعلمه كل امرئ ذي حجر
الخير إن قابلته بالشرّ ... في العمر كان قطرة من بحر
ألا ترى الأجرب كيف تسري ... عدواه في جميع أهل المصر
وليس من ذي صحة ويسر ... عدوى لمن داناه طوال العمر
والطفل إذ يثغركم من ضر ... يلقي ويلقىَ عنده في قبر
وعند إشعار ونبت ظفر ... ليس له من لذة وسر
وكل عضو لقبول الكسر ... أقرب منه لقبول الجبر
وما فساده سريعاً يزري ... كالعين لن تصلحه في دهر
ونعي طفل لأبيه يفري ... فؤاده وكل عظم يبري
وليس في مولده من بشر ... ندّ لحزن موته الأضرّ
وما تكون لذة عن فكر ... إذا تحققت ولا عن ذكر
وإنما ذا هوس قد يجري ... في خاطر المغفل المغتر
فهل تصور الشفاء يبري ... ذا مرض أمرض منذ شهر
وهل لمن يبرد وقت القرَّ ... دفء بتذكار أوان الحرّ
فليس دنيانا لأهل الخبر ... سوى بلاء دائم وخسر
يولد فيها العبد غير حرٍ ... وهكذا يموت رغما فادر
قال فلما أخذت الرقعة وتأملت فيها. وتحققت معانيها. علمت أن قوله هو الأسد. وإن قول غيره هذيان وفند. فقلت له بورك في زمن جاد بمثلك. وهدى المستفيدين إلى رشدك وفضلك. وقبحا لأهل الثرا إذ لم يحلوك ارفع الذرى. ثم انصرفت من عنده داعيا ولما قاله واعياً.
سرّ الاعتراف
стр. 42
هجع هجع الحمد لله. الحمد لله قد تخلصت من إنشاء هذه المقامة ومن رقمها أيضاً فأنها كانت باهضة. ولم يبقَ لي همّ منها سوى حث القارئ على مطالعتها. وهي وإن تكن خشنة غير مهلهلة كسجع الحريري إلا إنها تلبس على علاتها. وتحمد لإفادتها. وفي ظني أن الثانية تكون أحسن منها. والثالثة أحسن من الثانية. والرابعة أحسن من الثالثة. والخمسين أحسن من التاسعة والأربعين لا من هذا التهويل والتهويل لا تخف. إنما هي أربع لا غير كما وعدتك. والآن ينبغي أن أعصر يافوخي لا ستقطر منه أفكاراً ومعاني حسنة وألفاظاً رائقة مع تجنب الثرثرة. فإن العلماء يسمون ذلك فيما أظن إخلاء. ولكن قف هنا حتى أسألهم. ماذا تسمون الكلام الذي يتدفق بالمعاني ويبلّ قارئه حتى آتيكم به. فإن لم تسموه لي حالاً فلا تلوموني على نقيضه. فإني أنا من الموجود ودأبي أن أبحث عنه لا عن المعدوم. ولما كان اسم الإخلاء موجوداً ونقيضه معدوماً ناسب أن أعدل إليه عن غيره. إلى أن تتواطئوا على اسم ولكن لا بالخناق والتناوش. والنقار والتهاوش. وبالجلاد والجدال. وبالتماسك بالجيوب والأذيال بل بالرزانة والوقار. والأوان والاستبصار. فإن الرزين إذا وضع اسماً لشيء جاء ذلك الاسم رزيناً مثله. فلا يمكن بعد انتقاله إلى آخر. بل ربما وقر بالاسم المسمى وإن يكن مما اتصف بالخفة والطيش. ألا ترى أن كلام الشاعر الرقيق يأتي رقيقاً. وكلام الضخم يأتي ضخماً. كما قيل كلام الملوك ملوك الكلام. وشعر المرأة يأتي خالباً للعقول لاعباً بالألباب مثلها. ويستثنى من هذه القاعدة وضع الولد من قبل أبيه أي مادة توزيع الولد. لا أن الأب يحبل ويلد. وذلك أن الوالد قد يكون قبيحاً ويأتي ولده صبيحاً. وسببه أن الإيلاد لما كان من الأفعال التي لا تتم إلا بمشاركة اثنين أعني رجلاً وامرأة إذ التغليب هنا لا يخلو أيضاً من الإبهام. لم يكن للوالد مطلق التصرف في تهيئة ولده كما شاء. فقد يكون هو عند ذلك مقدراً له شكلاً ارتضاه وتكون أمه حرسها الله مقدرة له شكلاً آخر بحسبما استحسنته وخلع صدرها إذ ذاك. فيأتي الولد خنفشارياً. لا يقال أن الرجل لا يستحضر عند ذلك صورة معلومة لذهوله بشاغل المادة. فإن ذلك لا يصدق على من ألف شيئاً واحداً بخصوصه. فإن طول ألفة الإنسان لشيء تعدل هواه فيه فيباشره برشده وروية. فمثله كمثل الطباخ الشبعان يطبخ خضض الطعام بإتقان وإحكام بخلاف الجائع فإنه يلهوج عمله ويلهوته.
стр. 43
فاعلم إذاً بعد هذا الاستطراد البديع. والعضال المُجيع. أن الفارياق ذهب ذات يوم إلى بعض القسيسين ليعترف له بما فعل وفكر. وقال من المنكر. فقال له القسيس فيما سأله به: قد سمعت عنك إنك كلف بالنظم وبالألحان وهما من أعظم أسباب الفساد والغرام. فهل سول إليك الخناس أن تتغزل في الشعر بامرأة قاعدة النهد. مورَّدة الخد. بينة الكحل. مرتجة الكفل. نحيلة الخصر. مفلجة الثغر. عثلة الساقين. مجدولة الساعدين. سوداء الشعر والحلمتين. نجلاء العينين. مخضبة الكفين. رقيقة الشفتين. مزججة الحاجبين. مدورة السرَّة. ذات عكن مفترة. حلوة الابتسام. مهفهفة القوام. لها رُضاب عذب. ونكهة تسكر الصبَّ. قال قد فعلت ذلك لكني أن أراك إلا حريفي في هذه الصنعة. فقد رأيتك تحسن وصف الحسان أي إحسان. قال ليست حرفتي تلفيق الكلام. وإنما هو شيء عرفته بالقياس والإلهام. فأنكل من تعاطى النظم يملأ دماغه بهذا الوصف المحرَّم. وكيف كان فلا بد من أن تحرق غزلك كله، بالتفصيل والجملة. فإنه يبعث الإغرار على المعاصي. فتجزى به يوم يؤخذ بالنواصي. وتعز التفاصي. قال كيف أحرق في ساعة واحدة ما سهرت فيه ليالي متعددة حرمت فيها من الكرى. وكابدت بها جهداً ولا جهد الشَّرى أو السُّرى. فكنت إذا نظمت البيت من القصيدة يخيَّل إليَّ إني قطعت مرحلة إلى محل المتغزل بها. وعند تمام القصيدة أتصور أني وصلت إليها ولم يبق بيني وبينها سوى فتح الباب. فكان الختام عندي افتتاحاً خلافاً لجميع الشعراء. ولذلك لم أكن أقصد القصائد الطويلة خشية أن تطول عليَّ المسافة بطولها فهل من الرأي السديد أن يحبط عملي كله من أجل الإغرار. وبعد فإني لا أريد أنهم يقرءون كلامي لأنهم أن لم سألوا عنه أهل العلم فيذمه هؤلاء ويخطئونني ويفندونني. إذ لا يرون في كلام الصغير الوضيع حسناً. إن استحسنوه لم يكن جزائي منهم إلا قولهم أخزاه الله وقاتله الله وثكلته أمه ولا أب له ولا أم له. قال أن أبيت إلا الإصرار على العناد. والزيغ عن جادة الرشاد. أمسكت عنك مغفرة ذنوبك. ونددت في الكنيسة بعيونك. قال لا تعجل فإن العجلة من الشيطان. أرأيتك لو مدحتك بقصيدة طويلة تجعلها كفارة عن الذنب. وإن شئت أن أمدح فيها أيضاً جميع الرهبان والراهبات والعابدين والعابدات والزاهدين والزاهدات والناسكين والناسكات والقانتين والقانتات والمفردين والمفردات والمغبرين والمغبرات والمذكرين والمذكرات والذاكرين والذاكرات والمتقين والمتقيات والمتبتلين والمتبتلات والمتهجدين والمتهجدات والساجدين والساجدات والمخبتين والمخبتات والمسبّحين والمسبّحات فعلتَ. فكر ساعة وكأنه رأى أن ليس في التغزل كبير إثم. فإن وصف المرأة مثلا بضخم الكفل وفعومة الذراع وتدملك الثدي إذا كانت في الواقع كذلك إنما هو من قبيل قول القائل البدر طالع عند طلوعه أو السحاب منقشع عند انقشاعه. وإنما يكون افتراء وإنما إذا وصفت بذلك وكانت مسحاء مرداء وكانت تتخذ الحشايا لتحسب عجزاء فصدقها ناظرها في ذلك وقال فيها ما قال مجازفة. فلما تدبر الأمر ورازه بعقله قال. لا ينبغي أن تتخذ مدحي كفارة فأني أخشى أن تمسك بي ولا تعود تطلقني. إذ أرى من قوافيك في الفاعلين والفاعلات إنك مُسَكة عُلقة نشبة لزمة. وإنما تمدح أولياء الله والربانيين الصالحين الذين زهدوا في الدنيا رغبة في الآخرة لوجه الله ولبسوا المسوح ولزموا السهر في طاعة الله وداوموا على التقشف حباً بالله. فمنهم من لم يأكل مدة حياته إلا العدس والخبز جافاً صلباً. فقال الفارياق وأعقبه أيضاً كسر سن وحكة. قِف قِف. قد نسيت أن أذكر لك شيئاً أخطره الآن ببالي العدس. وذلك إني تسببت مرة في إخراج رويهب من ديره وتركه الطريقة، وإنما الذي أغراني بذلك ما قاسيته فيه ففعلت ما تشفياً. فقال ذنبك في التشفي وهو ضرب من الانتقام أكبر من ذنبك في إخراج الرويهب. فإن أكثر الرهبان لا فائدة من إقامتهم في الدير لا لهم ولا لغيرهم. وما عدا ذلك فقد يحتمل أن هذا الرويهب يتزوج ويجعل من ولده رهباناً كثيرين. ولكن إذا مدحت الراهبات فأحذر من أن تذكر لهن أثداء وأعجاز إذ لاشيء لهن من ذلك. فأن طول الاعتكاف والاحتجاب قد صيرهن مخالفات لسائر النساء. ونحن معاشر العباد أعلم بهن. فقال له الفارياق سألتك بالله معبود أهل السماوات والأرض هل جميع القسيسن
стр. 44
مثلك في الظرافة والدعابة. قال لا أدري وإنما أدري إني أنا وحدي شقيت بما عرفت وإني لو بقيت جاهلاً مثلهم لكان خيراً لي أن من الجهل لراحة. فقال له وكيف ذلك. قال أعندك للسر مكان حريز. قال أن سري من دمعي فلا أبوح به. قلت بل باح به الآن قال أتريد أن أقص عليك قصتي. قال أكرم بها قال أصخ سمعا.
قصة القسيس
стр. 45
ثم طفق يقول. اعلم إني كنت في مبدأ أمري حائكاً. ولما شاء الله تعالى من الأزل أن يخلقني قبيحاً وقصيراً. حتى أن أمي عند نظرها إلي كانت تحمد الله على أنه لم يخلقني بنتاً لم أكن أصلح للحياكة. لأن قصري الفاحش مناني غير مرة في حفرة النول بالبهر والخناق. إذ كان جسمي كله يغيب فيها فينقطع نفسي. مع إن منخري بحمد الله يسعان من الهواء ما يكفي خمسين رثة وخمسين كرشاً. وكثيراً ما كان يغشى علي فيها وأوخذ منها على آخر رمق. فلما قاسيت من هذه الحرفة كل جهد وعناء رأيت أن التسبب ببعض ما يرغب فيه النساء أصلح. فاكتريت لي حانوتاً صغيراً وقعدت فيه فكانت النساء يمرون علي وينظرن إلي ثم يتضاحكن. وسمعت مرة منهن من تقول لو كان الظاهر عنواناً صادقاً على الباطن لكان خرطوم هذا التاجر يشفع له في جثته ويروح سلمته فاعتمدت على كلامها وقلت لعل من القبح سعادة. فقد قيل في الأمثال إن من الحسن لشقوة. ومكثت مدة على هذه الحال من غير طائل. فإن أنفي وقف بيني وبين رزقي. وبلغ كبره من الفحش بحيث أنه لم يدع لغير الأباء والأعراض عني موضعاً. فقعدت يوماً أفكر في خلق الله تعالى هذا الكون. وأقول يا لحكمة الله كيف تخلق في الدنيا إنساناً ثم تخلق فيه شيئاً يمنع رزقه وقوام معيشته. ما الفائدة من هذا الأنف الضخم الذي لا يصلح لشيء إلا لأن تضمن فيه إعجاز قفا نبك. ولمَ لم يقور منه شيء ويكور في جثتي. ومالي أرى بعض الناس جميلاً كالملك وبعضهم قبيحاً كالشيطان. ألسنا جميعاً خلق الله؟ أليس سبحانه يعمهم كلهم بعنايته على خد سوى. أليس الصانع الأرضي إذا أراد أن يصنع شيئاً فإنه يتأنق فيه ويتقنه عند استطاعته ويأتي به من أحسن ما يكون. هل يصور المصور صورة قبيحة إلا لكي يضحك الناس من المصور عنه. العل في ضخم الأنف حسناً أو خيراً أو نفعاً ونحن معاشر المخلوقين لا نعلمه. ثم أقوم إلى المرآة وأتأمل وجهي فيها فأنكره ولا أجد فيه موضعاً للاستحسان فأعود إلى مذهبي الأول وأقول: إن كنت أنا لم أستحسن وجهي فهل يستحسنه آخر غيري. على أن الإنسان يرى ذم غيره فيه حسناً ورذيلته فضيلة أترى في الناس من يروق لعينه القبح. فقد يقال أن السود لا يرون في الأبيض منا حسناً. غير أن لون السواد عندهم عامّ فلذلك يستحسنونه. وما أرى غيري من أقلّ أنفاً كأنفي حتى أطمع في أنه يكون مستحسناً. أما اللون فإني لست من البيض ولا من السود بين اللاعنين ألا ليت أهل بلدتي كانوا كلهم مثلي قنافيين فأتسلى وأتأسى بهم. من أين ورثت هذا الجلمود وأنف أبي كان كأنوف الناس. ليت شعري أين كان عقل أبي حين نقر في رأسه فكر إنشائي في هذا الكون وفي أي طود أو طربال أو منارة كانت أمي تفكر ليلة رواحته على هذا العمل. إلا ليتما غشي عليهما تلك الليلة فما أفاقاً. أو فدرا فما أطاقا. أو سحرا فما تاقا. أو سكرا فماقا. وجعلت أجيل هذه الأفكار في رأسي وأصوغها في قوالب مختلفة وأفانين متنوعة. وإذا بامرأة متنقبة أقبلت عليّ وقد نتأ من تحت نقابها شيء شبيه بالقلة. فظننت إنها جعلت حنجور عطر عند أنفها لتشمه عند مرورها على الجيف في أسواق المدينة. فسألتني عن شيء تريد شراءه فسعرته لها فكأنها استغلته فقالت لي أقصد فإن تسعيرك هذا تسعير فقلت لها وأن شراءك لشرى. فضحكت وقالت لقد أحسنت في الجواب ولكنك أسأت في الطلب فراع حقوق الشركة والجنسية فإني شريكتك ورفيقتك. فكان ينبغي لك أن تحابيني قلت أيّ شركة بيننا أصلحك الله وهذه أول خطوة شرفتني فيها الزيارة. فرفعت النقاب وإذا بأنفها الناتئ يضيق عنه وجهها. وكأنه واجه أنفي ليحييه. فخطر ببالي حٍ ما قيل عن ذلك الغراب الذي كان يخمع وألف غراباً مهيض الجناح. وأن أحد الشعراء لما أبصرهما قال ما كنت أدري ما أراده بعضهم يقول أن الطيور على آلفها تقع حتى رأيت هذين الغرابين. ثم أني بعتها أخيرا ما أردت أن تشتريه. وحاولت أن أقبلها قبلة واحدة تعويضا عما خسرته معها فما أمكن لي. لان أنفينا حالا ما بيننا. ثم ذهبت ومكثت أنا على تلك الحال مدة. فلما تحققت أني لا اصلح للتجارة لان النساء لا يشترين إلا ممن كان فرهدا غيسانياً تبركا بجمال طلعته في إنهن يتمتعن بما اشترين من عنده. وتذكراً لذلك النهار السعيد الذي عرفنه فيه. وإني مذ فتحت الدكان لم أبع إلا لتلك الكرنيفية وكان ذلك بخسارة. عزمت على
стр. 46
الرهبانية فذهبت إلى دير ما وقلت للرئيس. وقد أقدمني الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. فإن الدنيا لا تغني عن الآخرة شيئاً. وأن اللبيب من اتخذ دنياه هذه مجازا إلى تلك. إذ لو كانت هذه وطننا الذي شاءه لنا خالقنا لكنا نعمر فيها طويلا. على أنا نرى أن من الناس من يولد فيها ويعيش يوما واحدا فهذا دليل على أنا لم نخلق لها. وأشباه ذلك من الكلام الذي جرى على ألسنة العباد. فقبلني الرئيس وأعتقد في الفضل. واتفق في اليوم القابل أنه حاول التسور على حائط لينفذ منه إلى بعض بيوت الشركاء فدخلت في إحدى عينيه قاصدة من غصن شجرة فذهبت بها. فرجع غضبان وقد تشاءم بقدومي إلى الدير. إذ كان قد ألف التسور قبل مجيئي بمدة طويلة ولم يعرض له شيء قط فمن ثم طردني من الدير فدخلت ديراً آخر واعدت الكلام الأول. فقبلني رئيسه فأقمت ثم أياماً أقاسي فيها من قشف المعيشة والوسخ ما لا يرضي الله ولا أحداً من العالمين. هذا ما عدا ما كنت أرى من عناد الرهبان وتفرق آرائهم. وطعن بعضهم في بعض وشكواهم الدائمة للرئيس من أمور باطلة. وتكبر هذا عليهم وأثرته بأشياء استخصها لنفسه من دونهم. وتنافسهم فيما يهدي إليهم النساء من نحو منديل وكيس وتكة. وزد على ذلك كله جهل الجميع إذ لم يكن في الدير كله من يحسن كتب رسالة في معنى من المعاني. حتى أن الرئيس نفسه أدام الله عزه لم يكن يعرف أن يكتب سطرا واحدا بالعربية وإنما كان يخط هذه الحروف السريانية المعروفة عندهم باسم كرشوني. وكان هذا الجاهل يتبجح بمعرفته لها ويحمل كل من دخل صومعته على إعظامها. حتى أنه كان يدعو أياً ما كان لزيارته. فكانت الأغرار من الرهبان تعتقد أن ذلك من حسن أخلاقه وكرم طباعه. وكان قد كتب بها على بابه سطراً وعلى الحائط سطراً آخر. فكنت حين انظر ذلك اضحك. وهو من غفلته يظن أني أضحك إعجاباً بها. ومن كان خبا مخاتلا من الرهبان على جهله فإن كثيراً من الناس قد جمعوا بين الختل والجهل كان يقترب غليه استجلابا لرضاه بان يقول له وهو حاسر الرأس تواضعا وخشوعا أكرم عليّ يا سيدي بنسخة من خطك اصلح عليها خطي. فكان ذلك من أحسن ما يدل به عليه. فلما اشتد عليَّ الخطب من عشرتهم وخصوصاً من رداءة الطعام أدمدم وأتضجر. فسمعني يوما طباخ الدير أشكو من قلة السمن في الأرز الذي كان يطبخه في بعض الأعياد العظيمة. وكان عتلا زنيما. فاستشاط مني غيظا وحملني على كتفه كما يحمل الرجل ولده ولكن بلا شفقة. ثم ذهب بي إلى ممار الدير وغطسني في خابية السمن وهو يقول. هذا السمن الذي أطبخ به الأرز الذي لم يعجبك يا صاحب الخرطوم. يا سليل البوم. يا نصيب المحروم. يا ابن اللوم. يا أبا الكبائر والجروم. يا رائحة الثوم. يا ربح السموم. يا علجوم. يا منهوم. يا لهوم. يا وخوم. وصب عليّ قوافي كثيرة غير هذه. فبلغ مني تغطيسه عرضي في السب أكثر من تغطيسة رأسي في السمن. فتملصت منه بعد جهد ودخلت صومعتي حتى أغسل وإذا به يطرق الباب ويعج ويقول. لابد من أن أعصر أنفك فقد دخل فيه من السمن ما يكفي الرهبان أياما. ثم أهوى بيديه على منخري كأنهما كلبتا حداد وجعل يعصرهما أشد العصر. حتى ظننت أن قد زهقت نفسي منهما. فإن الأنف وحده دون سائر ثقوب الجسد محل دخول النفس وخروجها خلافا لقوم. ولذلك يقال تنفس الإنسان. فلما شق عليّ ما قاسيته ولم أجد في الدير من أشكو إليه. إذ الرهبان كلهم يتملقون ويتوددون إليه حتى يشبعهم ولو من الثرتم.
стр. 47
خرجت من الدير مبتئسا حزينا قانطا وقد ضاقت الدنيا عليّ برحبها. وقلت أين أذهب بأنفي هذا الذي سد عليّ مذاهب الرزق أم أين يذهب بي هو. فخطر ببالي أن أقصد ديراً بعيداً كنت أسمع عن رهبانه انهم صلاح. وإن بعضهم يحسن الخط العربي ويحب الغريب ويكرم الضيف. فتوجهت إليه فلما سلمت على رئيسه وطالعته بما عزمت عليه أحمد رأيي وهش بي. لكنه لم يتمالك أن نظر إليّ نظر المتعجب مني المستعيذ من شؤم تبعة تلحقه من أنفي فمكث في ديره ما شاء الله أن أمكث.
تمام قصة القسيس
وجعلت من مدة مكثي هناك بادئ بدئ مداراة الطباخ ومساحنته والثناء عليه. فكان لا يحوجني إلى شيء مما يمكن نيله في الدير. حتى أني جعلت جلّ مقامي في المطبخ. وكنت أحسن أيضاً طبخ ألوان من الطعام لا يعرفها هو فعلمته إياها فكلف بي. فكان رئيس الدير إذا استضافه أحد عزيز عليه أو اشتهى لونا من الطعام بخصوصه كلفني به. فكنت أتأنق له فيعمله ما أمكن حتى حظيت عنده. أعني أني كنت أسامره وأجلس بين يديه. ثم أني تلبست بالصلاح والتقوى بين الرهبان. فكنت أسدل قلنسوتي حتى تبلغ قصبة انفي. ويا ليت العادة جرت بان يستر الأنف بها كله. وكنت إذا مشيت أخفض رأسي إلى الأرض ولا انظر يمينا ولا شمالا إلى المحا. وإذا أكلت أو شربت أو رقدت أو مشيت أو غسلت وجهي أخبر عن ذلك كله حامداً لله ومثنياً عليه. فأقول مثلا: قد خرجت اليوم من صومعتي ولله الحمد أو ولله المجد وهي أحب إلى الرهبان. أو تناولت في هذا الصباح مسهلاً إن كان الله تقبل وما أشبه ذلك مما عرف عند المتظاهرين بالتقوى. حتى اعتقد الرهبان فيّ جميعا الصلاح والفضيلة. وكنت أيضاً قد كتبت بعض صلوات ركيكة للرئيس فأعجب بخطي ومدحني على ذلك. ووعدني بأن يرقيني إلى درجة تليق بي. إذ رآني متميزاً عن الرهبان بالعلم وجودة الرأي. وأخص ذلك بكوني غيدارا الغيدار هو السيئ الظن يظن فيصيب.
стр. 48
ثم قدر الله رب الموت والحياة أن مات بعض البلدان البعيدة بعض القسيسين الذين يباشرون خدمة الرعية. أي الذين يأكلون ويشربون في بيوت الناس لا في الدير. واللذين يختلطون برعيتهم خلافا لعادة الرهبان. فإن هؤلاء لا يخالطون الناس إلا عند الضرورة. فتسبب رئيس الدير في أن يبعثني إلى ذلك البلد في مكان القسيس المتوفى أي بدلاً منه لا أني دفنت معه. فلما وصلت تلقاني أهل كنيستي بالإكرام والترحيب. فأبديت فيهم الورع والعفة فشاع فضلي بينهم. حتى أن بعض التجار ممن كان حرمه الله من لذة البنين دعاني إلى منزله لأقيم عنده رجاء أن يفتح الله رحم امرأته بسببي كما تقول التوراة فتلد له البنين. وكانت جميلة رشيقة القد قاعدة النهد. تحب الخلاعة واللهو. والقصف والزهو. سبحان الله ما أحد يذكر النساء إلا ويهيج خاطره للسجع فأقمت عنده مدة في أنعم عيش وجدة. ثم عنّ لي أن أغازل زوجته وأناغيها. وأعاشرها وأراضيها. فأجابت إلى مراودتي. ولم تبال بأرنبتي. فإن من طبع النساء الميل إلى الوليّ. والاستغناء عنه بالقصي. وما أدراك ما اعتذرت به إحدى النساء بقولها قرب الوساد. وطول السواد. فبرزت الدنيا لعيني في أحسن صورة. ونسيت ما لاقيت في الدير من المشاق الكثيرة. وقلت لأعوضنّ عليّ ما دامت فرصة الحظ لي ممكنة. وشوارده مذعنة. كل ما فاتني منه أيام كنت حائكا. وطباخا وناسكا. ثم فرضت علي نفسي أنت قسم لذاتي معها على كل يوم غير مرة. كدأب المتزوج بحرة. وعلى الحاضر. وهو الآن أيضاً في حيز الغابر. بحسب البواعث والبوادر. فبدأت بالعدد. حتى بلغت الأمد. وكان الرجل ذا نية سليمة. وشيمة مستقيمة. فلم يكن يسيء بي الظن. ولا يعوقه عن شغله أمر عن. فترك لنا قطوف اللذات دانية. وكؤوس المسرات صافية. ومن العجب. الذي ينبغي أن يدون في الكتب. إنها كانت تخاصم الخادمة في حضرته وغيابه. وتشتمها بين يديه افحش الشتم منعا لارتيابه. ولم تخش منها تبعة. ولا كانت من طردها جزعة. وقد طردت كثيراً من الخوادم لسبب ولغير سبب. بعد سبَّهن كل السب. وحملهن على الحقد والغضب. وذلك من معجزات النساء وبدعهن الغريب الذي يعمي الرجال عن كنه سره العجيب. والحاصل أنى كنت أعجب بحسنها. كما كنت أعجب من فنها. وأني أقمت معها على هذه الحالة في غاية السر. مفنقاً راتعا ولا حظر ومتزوجا ولا مهر. ثم استأنفت عدداً آخر. أطول من ذاك وأكثر. فلما أبطرتني النعمة. وأمنت من الدهر كل نقمة. نقر في رأسي أن أجمع بين الكافين. فإن بكثرة العين قرة العين. وقلما رأيت من انهمك في الأول. إلا وتعاطى الثاني وما أشبه من العقل. وذلك كالقمار والجبخ والفشخ والمجر والإمجار والندب والخطر والرشق والقرع والنجش والصبن والضغو والغذمرة والمحارضة والمناحبة والمراهنة والمجازفة والمحاقلة والمزابنة والاجباء والمداحلة والمعارضة والمنابذة والمبادة والمباخسة والمغابنة والموالسة والتدليس والتطويش والمقاطرة والمعاومة والمراوضة والمواصفة. فهطهبل وطهفل. ومحل وثطهمل. ودجل وزعفل. وابطل وتخبل. وعرقل وتبهلص وتبهلص وبهصل فاجتمعت برجل كنت اسمع عنه إنه يتعاطى هذه الصنعة. وقد تفرغ لها بجد وبذل فيها وسعه. وأوسع فيها بذله. وعقل بها عقله وفي الجملة والتفصيل. من دون قافية وسجع طويل. تعاطيتها معه انتهى سجع القسيس قال فجعلت انفق فيها ما اجمعه من العجائز والإغرار برسم النفوس والأرواح. وأنا مع ذلك مواظب على الصنعة الأولى. بل كان ذلك داعياً لزيارة هيام كل مني ومن بزيعتي. فإنها طمعت ح في الهدايا والصلات كما هو دأب النساء في كل أمر يحدث لأزواجهن وعشاقهن. فبلغ خبر صنعتي هذه الحديثة للجاثليق. فأرسل يطلب مني المال الذي جمعته. فتعللت له بعلل أباها ولم يرضها. فتسبب في إحضاري إليه وضبط ما كان عندي من متاع وغيره. ولم يشق عليّ فقد ذلك كله قدر ما شقَّ عليَّ انقطاع العدد الذي كنت شرعت فيه في بيت التاجر الصالح.
стр. 49
ثم أني تفلت من عكال الجاثليق بعد مدة كادت أن تنسيني لذات الأيام الغابرة. وخرجت في طلب آخر نكاية لذاك فصرت إلى جاثليق من اشدّ الناس عداوة لجاثليقي القديم. إذ العداوة توجد بين الجثالقة، كما توجد بين الزنادقة. فأقمت عنده مدة ثم خشي عليّ أن يرهقني من ذاك سوء فسفرني إلى بلاد بعيدة في سفينة حرب. فما سرنا بعض ساعات حتى تعطل بعض أدوات السفينة وخشي ربانها أن تغرق بهم. فرجع وقد تشاءم بي وقال لبعض الركاب أنه إنما جرى عليه ما جرى من شمختريتي فتعجب إذ بلغني كلامه جداً. لأن أولئك القوم لا يرتسمون ولا يتشاءمون. ولا يتطيرون ولا يتفاءلون. ولا يتحتمون ولا يتيمنون. ولا يتسعدون ولا يتمسحون ولا يقلدون بعود الشبارق ولا يستعلمون نبت العطف. وما عندهم هقعة ولا لجام ولا عاطوس ولا عاطس. ولا كابح ولا كادس. ولا قعيد ولا داكس. ولا بارح ولا سانح. ولا زجر ولا تحزي. ولا عثيرة ولا عيافة ولا طرق ولا عرافة ولا هجيج ولا كهانة. ولا ابنا عيان ولا تنجي. ولا لمة ولا حفوف. ولا لعطة ولا انتجاء. ولا تشوه ولا تعيد. ولا طلاسم ولا تشهق. ولا عزائم. ولا رقي ولا تمائم. ولا الينجلب ولا تولة. ولا حوط ولا غز. ولا تدسيم النونة ولا شد الحقاب. ولا رسع ولا صخبة. ولا قليب ولا كبدة ولا وجيه ولا سلوانة. ولا سلوان ولا نقرة. ولا مجول ولا مهرة. ولا أخذة ولا عوذة. ولا هبرة ولا رأمة. ولا كحلة ولا هنمة. ولا جلبة ولا صرة. ولا قبلة ولا نشزة. ولا قبلة ولا نفرة. ولا صدحة ولا همزة. ولا زرقة ولا عطفة. ولا فطسة ولا صرفة. ولا غضار ولا كرار. ولا بريم ولا حرز. ولا خصمة ولا رتيمة. ولا اسحم ولا صهيم. ولا تذعب ولا صوت اللوف. ولا هامة ولاصفر. ولا أخذة النار ولا تنجيس ولا لحج ولا انكيس. ولا أس ولا شحيثا ولا طلب ولا تول. ولاسحر ولاماقط. ولا عاضه ولا مستنشئة. ولا نفاثات في العقد ولا صدي. ولا شعبذة ولا نيرنج. ولا شعوذة ولا حابل ولا حاوٍ.
ويومئذ أيقنت أن القنافي مكروه عند جميع الأمم. وإن أوقية لحم زائدة في وجه الرجل تشفيه وتحرمه. ورطلين في بتلية المرأة يسعدانها ويفيزانها. فزاد تعجبي من هذه الدنيا المبنية على رطلين وأوقية لحم ومع ذلك فلم يمكن لي الزهد فيها.
ثم إني سافرت بعد ذلك إلى تلك البلاد وأمنت فيها من مكر أعدائي. واستأجرت بيتاً واتخذت لي امرأة تخدمني. وقد جرت العادة في تلك البلاد وفي بلاد الإفرنج أيضاً بأن يتخذ القسيسون نساء للخدمة. فتأتي المرأة أحدهم صباحا وهو في فراشه الوثير وتقضي له ما يروم منها. فلما ذقت طيب العيش وسوس إلي الوسواس أن أتزوج بنتاً فقيرة لكنها كانت جميلة غير أني لم أكن على يقين من نهود ثدييها ومع ذلك فقد كلفت بها. فطلبت من الجاثليق أن يزيد وظيفتي فأبى. فألححت عليه وهو مصر على المنع وأنا مصر على الاستزادة. ثم ناقشته وراغمته فرأى أن يردني من حيث جئت.
فسرت إلى جاثليق محب للجاثليق الأول برؤيتي وأنزلني عنده. فرجعت إلى ما كنت عليه سابقا. وها أنا مترقب فرصة أخرى تمكنني من المقايضة على هذا النحس الآخر أيضاً فإنه جاهل جداً. وعندي أن مبادلة الجثالقة في هذا الزمان العسوف انفع من حجر الفيلسوف. انتهت قصة القسيس وهذا تفسير ما أشار إليه آنفاً من الألفاظ الغربية: أبناعيان: طائران أو خطان يخطهما العائف في الأرض يقول ابناعيان أسرعا البيان أخذة النار بعيد صلاة المغرب يزعمون إنها شر ساعة يقتدح فيها.
الأخذة رقية كالسحر أو خرزة يؤخذ بها الارتسام التكبير والتعوذ والتحتم التفاؤل الأسحم الدم تغمس فيه أيدي المتحالفين أس كلمة تقال للحية فتخضع الانكيس في أشكال الرمل كالمنكوس البارح من الصيد ما مرّ من ميامنك إلى مياسرك البريم خيطان مختلفان أحمر وأبيض على وسطها وعضدها.. والعوذة التحزي حزا حزواً وتحزي زجر وتكهن وحزي الطير ساقها وزجرها تدسيم النونة تدسيم نونة الصبي تسويدها كيلا تصيبها العين التذعب تذعبته الجن أفزعته التشهق شهقت عين الناظرعليه أصابته بعين التشوه يقال لا تشوه علي أي لا تصبني بعين التعيد تعيد العاين على المعيون تشهق عليه وتشدد ليبالغ في إصابته بعينه ذكره الفيروزابادي في ع ود
стр. 50
التنجيس اسم شيء من القذر أو عظام الموتى أو خرقة الحائض كان يعلق على من يخاف عليه من ولوع الجن به تنجي تنجي لفلان تشوه له ليصيبه بالعين كنجا له ونجأة بالهمز أصابه بالعين التَوْل تال يتول عالج السحر التُوَلَة السحر أو شبه وخرز تحبب معها المرأة إلى زوجها كالتولة.
الجُلبّة العوذة تحرز عليها جلدة الحابل الساحر الحِرز العوذة الحُفوف شدة الإصابة بالعين الحوط خرزات وهلال من فضة تشده المرأة في وسطها لئلا تصيبها العين الخصمة من حروز الرجال تلبس عند المنازعة او الدخول على السلطان الرأمة خرزة المحبة الرَتيْمة كان من أراد سفراً يعمد إلى شجرة فيعقد غصنين منها فأن رجع وكان على حالهما قال أن أهله لم تخنه وإلا فقد خانته وذلك الرتم والرتيمة الرسع رسع الصبي شد في يده أو رجله خرزاً لدفع العين الزجر العيافة والتكهن.
الزرقة خرزة للتأخيذ السائح ضد البارح السلوان ما يشرب ليسلي أو هو أن يؤخذ تراب قبر ميت فيجعل في ماء فيسقى العاشق فيموت حبه الخ.
السلوانة خرزة للتأخيذ وخرزة تدفن في الرمل فتسود فيبحث عنها ويسقاها الإنسان فتسليه شدة الحقاب الحقاب خيط في حقو الصبي لدفع العين الشعبذة السعوذة الشعوذة أخذ كالسحر يرى الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين شيحثا كلمة سريانية تنفتح بها الأغاليق بلا مفاتيح الصخبة خرزة تستعمل في الحب والبغض الصدحة وبالضم والتحريك خرزة للتأخيذ الصَرَّة خرزة للتأخيذ الصرفة خرزة للتأخيذ الصِهْمِيْم حلوان الكاهن صوت اللوف نبات له بصلة تسمى الصراخة لأن له في يوم المهرجان صوتاً يزعمون أن من سمعه يموت في يومه الصَفَر حية في البطن تلزق بالضلوع فتعضها أو الخ.
الطب مثلثة الرفق والسحر الطرق أن يخلط الكاهن القطن بالصوف إذا تكهن العاضة الساحر والعضة الكذب والبهتان والسحر العاطو ما يعطس منه ودابة يتشاءم بها والعاطس ما استقبلك من أمامك من الظباء العرافة العرَّاف الكاهن والطبيب وصنعته العرافة وقد عرف ككتب العطف نبت يؤخذ بعض عروقه ويلوي ويطرح على الفارك فتحب زوجها العطفة خرزة للتأنيذ العقرة خرزة تحملها المرأة لئلا تلد عود الشبارق الشبارق شجر عال ويقلد الخيل وغيره بعوده للعين العيافة عفتُ الطير أعيفها عياقة زجرتها وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها وأنوائها فتتسعد أو تتشاءم.
العيثرة عيثر الطير رآها جارية فزجرها الغز غز الإبل والصبي علقا عليهما العهون من العين غضار وكرار الغضار خزف يحمل لدفع العين وكرار خرزة للتأنيذ تقول الساحرة يا كرار كريه ويا همرة أهمريه أن أقبل فسريّه وإن أدبر فضرّبه الفطسة خرزة لهم للتأنيذ يقلن اخذته بالفطسة بالثؤبا والعطسة القبلة ضرب من الخرز يؤخذ بها القُبْلة ما تتخذه الساحرة لتقبل به وجه الإنسان على صاحبه القُليب خرزة للتأنيذ الكابح ما استقبلك مما يتطير منه الكادِس ما يتطير به من الفال والعطاس وغيرهما والقعيد من الظباء وهو الذي يجي من خلفك ويتشاءم به ونخوه الداكس الكبدة خرزة للحبّ الكَحْلة خرزة للتأنيذ أو للعين اللجام ما يتطير منه اللحج لحجه بعينه أصابه بها اللعطة اسم من لعطه بسهم أو بعين أصابه اللمَّة يقال أصابته من الجن لمة أي مس أو تقليل والعين اللاّمة المصيبة بالسوء الماقط الحازي المتكهن الطارق بالحصى المجول العُوذة المستنشئة الكاهنة المُهرة خرزة كان النساء يتحبِّبن بها النشرة رقية يعالج بها المجنون أو المريض النفاثات في العقد السواحر النُفّرة شيء يعلق على الصبي لخوف النظرة النيرنج أخذ كالسحر وليس به الهامة الصدى وهو طائر يخرج من رأس المقتول بزعم الجاهلية الهبره خرزة يؤخذ بها الرجال الهجيج الخط يخط في الأرض للكهانة الهقعة دائرة في الفرس يتشاءم بها الهمرة خرزة للتأنيذ الهِنَّمة خرزة للتأنيذ الوجيه خرزة م كالوجيهة. قلت الظاهر أنها للوجاهة الينجلب خرزة للتأنيذ أو الرجوع بعد الفرار
стр. 51
الحاوي رجل حَوَّاء وحاوٍ يجمع الحيات. قلت هذا غاية ما ذكره صاحب القاموس في ح ي ى والظاهر أنه ووايّ ولكن ضعفه في الواو بقوله قيل ومنه الحية لتحوّيها الخ وقوله يجمع الحيات كأنه لحظ فيه معنى حوى لا يناسب ما قاله في تسير الحِنفش وعبارته. أو حية عظيمة ضخمة الرأس رقشاء ركداء إذا حويتها انتفخ وريدها. فهو صريح هنا في الرقية وقد ذكرت ذلك وما أشبه في كتاب مفرد.
الثلج
لا غرو أن يجد بعض القارئين كلامي في هذا الفصل بارداً لأني كتبته في يوم عبوس قمطرير. ذي زمهرير. والثلج إذ ذاك ساقط على السطوح. وقد سدّ الطرق ودخل في البيوت والصروح. وكاد يطفئ النار ويذهب بالاصطبار. ويمني بالقمر والقمار. غير أنه لا ينكر أحد أن شارب الثلج أو آكلة أو اللاعب به يحس منه بحرارة وكذلك قارئ كلامي فإنه وأن وجده بارداً فلا بدّ وأن يحتمي عليَّ من هذه البرودة فيكون قد حصل الغرض وهو تسخين دماغه. ولا سيما إذ كان قد بقيت فيه بقية غيظ وحدّة من الفصل المتقدم. ولكني لم أقصد فيما حكيته إلا الصدق. ولو خطر ببالي أن آتي إفكا وعضيهة لا وعيت ذلك في قصيدة وختمتها بدعاء ومدح لأحد البخلاء. ومن ماراني في ذلك فليسأل القسيس نفسه. إلا أن الثلج يخالف كلامي من جهة أنه يسقط على الأسود فيبيضه وكلامي قد سقط على القرطاس فسوّده. وكلاهما في ظني يروق العين وكلاهما يجتمعان في هذه الجهة. وهي أن الثلج لا تطلع عليه الشمس أياماً إلا ويذوب. وكذا كلامي فإنه لا يكاد يبقى منه شيء في رأس القارئ بعد تقمّره أو عند ظهور بوح عليه. وهناك جهة أخرى تضمّهما. وهو أن الثلج بعد سقوطه ينشأ عنه الصحو وانجلاء الجو. وكذلك كلامي فإنه بعد تساقطه من رأسي ينشأ عنه انجلاء جوّ فكري وصحو بالي واستعداده إلى ما يروق ويروع. فعلى كل حال تجد المشابهة هنا في موقعها وعذري في محله. وبعد فأني أرى الأغنياء المثرين يتخذون في ديارهم الفسيحة مساكن للصيف وأخرى للشتاء وكنّا للمبيت وآخر للاستحمام. ومن لم يكن له من غيرهم إلا بيت واحد فغير جدير بأن يزار فيه إلا حين يكون بيته موافقا لوقت الزيارة. أو يكون وقت الزيارة موفقا لبيته. فبناء على ذلك ينبغي للعلماء اقتداء بأكابرهم الأغنياء أن يتخذوا لهم في رؤوسهم الفيحاء مواطن متعددة مختلفة لما يأتي عليهم من الكلام البارد والفاتر والحميم. ففي وقت ثوران الدم وهيجان الطبع يقرءون البارد تقليلاً مما حركهم من بواعث الحرارة. وفي وقت السكون يتلون الحميم. أو بالعكس على مذهب من يداوي الشيء بجنسه لا بضده.
стр. 52
لا يقال أن القارئ يضيع وقته في تمييز البارد والحميم من هذه الفصول. إذ لا يستوعب مضمونها إلا إذا أتى على آخرها. بخلاف سائر الكتب فإنه لا يتعمّد فيها الكلام البارد فهي على منهاج واحد. فإني أقول أن كل فصل من تلك الفصول له عنوان يدل عليه دلالة قطعية كدلالة الدخان على النار. فمن درى العنوان فقد درى الفصل كله. مثال ذلك إذا مرّ بك في أحد الفصول ترجمة البالوعة أو البلوعة أو البلاعة أو البربخ أو الاردبة فلا بدّ لك من أن تفطن إلى أن حماراً من حُمَر الدير قد غطس فيها للتعريب أو الترجمة. إلا أنه لا ينبغي للقارئ إذا درى مَغْزَى الفصل من العنوان أن يضرب عن قراءته. ثم يقول متبجحا بين أقرانه وإخوانه قد قرأت كتاب الساق على الساق وفهمت معانيه كلها. فإن ذلك يكون كقول مقنس قد رأيت اليوم الأمير أعزه الله وكلمته مع أنه لم يكن رأى منه إلا قذاله عن بعد. ولم يتح له يده الشريفة. أو كان ذلك الأمير قد سأله عن شيء فتلعثم في الجواب أو تروي فيه فسب أباه وأجداده ولعنه وتهدده بالصلب أو بسمل عينيه. أو كقول هبنقع المزهو الأحمق المحب لمحادثة النساء قد رأيت اليوم فلانة. ولما أن واجهتني وقفت وتنفست الصعداء. مع أنها تكون قد وقفت لتبصق أو أنها تنفست الصعداء بهراً. بل الأولى أن ينوي القارئ عند افتتاحه هذا الكتاب أن يتصفحه كله من أوله إلى آخره حتى حواشيه وعدد صفحاته. ويعتقد أن لكل مؤلف أسلوباً. وأنه لا يمكن لأحد أن يعجب الناس كلهم. إذ الأهواء متفاوتة والآراء مختلفة. ومن الأسرار التي بقيت مكتومة عني إنك تجد بعض المؤلفين فاتر الحركة غير ذي نشاط ولا مرح. قليل الارتياح إلى ما يبعث على التهاوش والتناوش. متقاعس الهمة عن السبح والحركة. ناظر إلى الحوادث كلها نظر المتوقع لها. وهو مع ذلك إذا أخذ القلم أنبض كل عرق في القارئ وحرك كل ساكن. ومنهم من تراه نزقاً حركا ذا تترع وتسرع وحفد وصميان وأقبال وأديار وسعي وتهافت. ومعاجلة ومبادرة ومزاحمة ومزاهمة ومسابقة ومحاشرة ثم هو أن قال شيئاً سقط من رأسه على ذهن القارئ سقوط الثلج حتى يكاد أن يخمد منه ذكاه. فلما تأملت في ذلك وتحققته ارتبت في كون سقط الثلج ناشئاً عن فرط برودة متكونة في الهواء وقلت بل لعل سببه فرط حرارة حزت في صدر الجو على سكان هذه الأرض. ووافر وغر تكون في حشاه فلفظه عليهم ثلجاً انتقاماً منهم عما يأتونه في الليالي الباردة من المنكرات وذلك أن بعضهم يحاول عكس الطبيعة فيسخن فراشه بأداة فيها نار. وبعضهم بأداة فيها ماء حميم. وبعضهم بأداة فيها ماء شراب. فمن أجل ذلك أسقط الجوّ عليهم الثلج المتراكم منعاً لهم من الخروج من ديارهم لاستعمال هذه الأدوات لكي يستريح من فسادهم ولو يومين. إلا أنه قد أن كثيراً من هؤلاء الناس يتخذون أداة للأداة أو أداة للأداة الأدوات. مثال الأول ما إذا تربع الغني في دسته وتدثر بفروته وقال لغلامه سرْ يا غلام إلى محل كذا وائتني منه بأداة لتسخين فراشي هذه الليلة. فيذهب الغلام يطأ الوحول والثلوج ورجل سيده نظيفة. ومثال الثاني ما إذا كان السيد جواداً سخياً فيبعث غلامه في موكب له أو في آخر مما يستأجر من الطرق. أو إذا كان ذا سيادة وإمارة ويريد أن يكتم سره عن غلامه. لأن لذة الخادم إنما هي القلب في عرض مخدومه وجعل نفسه أولى بالخدومية منه فيستعمل ذلك السيد آخر أو آخرين أو آخر في مكان غلامه. ويكون قد بعث إليهم من قبل بهدية على يد خادمه إظهاراً لمكارمه. أو إنه أعطاهم إياها من بعد. فيكون سقوط الثلج على أي حال كان سبباً في التسخين والحرارة.
стр. 53
لأنه إذا اعتبُر في حق المخدوم كان سبباً في اتخاذه الأداة. وأن أعتبر في حق الخادم وغيره ممن سد مسده كان موجباً للحسد. وهو من أعظم المؤثرات تسخيناً وإحماء. ومع كونه أي الثلج يرى ساقطاً على كل موضع في المدينة دون أي تمييز دار عن دار فإن لفظه في الحقيقة لا يصيب إلا رؤوس بعض الناس. وكان الأولى أن يطرد حكمه فيعمّ لا مثل أحكام اللفظ الأرضي فإنها تجري على قوم دون قوم. والفرق بين اللفظتين هو أن الثلج لما كان سقوطه أو لفظه من علو إلى سفل كان المظنون به أنه يتصوب على جميع الرؤوس بشدة. فيشمل الكبير منها والصغير والمسفط منها والمسمراط. فأما الأحكام والقوانين الأرضية فمن حيث كان لفظها من سفل إلى أي من رؤوس ناس مسودين إلى رؤوس ناس سائدين. لم يكن من المحتمل أن يكون تبعثها قوياً حتى يبلغ ذوي الرفعة والعلاء الذين يمر السحاب من تحت قذُلهم. ثم أن الثلج مع ما يتبعه في الواقع من الضنك والمشقة لمن ألفه فقد يروق لعين من لم يكن رآه.
فقد بلغنا أن بعض الصعاليك كان مرة ضيفاً عند أناس لم يكرموه ولم يحتفلوا به إذ كان دونهم في المعارف والنباهة. وكان بلدهم لا يسقط فيه الثلج البتة. فلما فصل من عندهم إلى بلاد أخرى رأى فيها الرزق وعاين بها الثلج كبر لرؤيته وهلل وأعجب به غاية الإعجاب. حتى زعم أنه منة من الله خصّ بها ذلك الصقع تمزية له على غيره. كما أنه تعالى حرم منها بلد مضيفه الأول.
وكذلك كلامي هاهنا. فإنه مع ما فيه من الاستطراد والحشر والألفاظ المضغوطة بين المعاني ومن المغازي المعقودة بالتلميح والتلويح. والتحويل والتمليح. فقد يروق لخاطر من لم يكن قد ألف هذا التخليط بل ربما يجعله الإعجاب به على تحديه ومحاكاته. ولكن هيهات فإن الباب قد أغلق في وجوه المتحدين. على إني لست أزعم إني أول كاتب في الدنيا نهج هذه الطريقة وأسعطها المتناعسين. إلا إني رأيت جميع المؤلفين في سهوة كتبي قد قيدوا أنفسهم بسلسلة نفس من التأليف واحدة. لكنني لا أعلم الآن هل غيروا أسلوبهم أولا. إذ قد مضى عليّ بعد فراقهم أكثر من خمس سنين. فكأن العارف بحلقة واحدة من تلك السلسلة قد عرف سائر الحَلَق حتى أن كل واحد منهم يصدق عليه أمن يسمى حلقياً. بناء على إنه مشى وراء القوم وحذا حذوهم. فإذ قد قرر ذلك فاعلم إني قد خرجت من السلسة فما أنا بحلقي ولا بُسَتْيهّي ولا أكون أمام القوم فإن الثانية أنحس من الأولى. وإنما أنا مستقبل لما استحسنت. آخذ بناصية ما استظرفت. رافض مكلف العادة.
النحس
لقد أرحت سن القلم من كدم اسم الفارياق قليلاً بعد أن تركته مع القسيس الربيط وتلهيت بالكلام على الثلج لما داخلني من فرط الحدة عليهما معاً. أما على القسيس فلكونه خان صديقه الذي أواه إلى منزله في حرمته. وكان ينبغي له أن يذهب إلى مواجرة أو يفعل كسائر القسيسين من أهل حرفته. إذ لو كان الله تعالى رزق ذلك التاجر ولداً على نيته أي فتح له رحم امرأته كما تقول التوراة لكان أربعة أرباع هذا الولد من القسيس والباقي وهو اسمه من التاجر. فيكون قد أقام نفسه مقام من يربي النغول. مع أن أول ذكر فاتح رحم كما تقول التوراة مبارك ومعظم عند جميع الأمم. ولهذا كان حق الوراثة عند الإنكليز للبكر أي لفاتح الرحم. فكيف يحاول القسيس هنا جمع اللعنة والبركة على رأس مخلوق واحد. إن ذلك إلا محال. وأما على الفارياق فلأنه هو الذي كان السبب في إفشاء هذا السر بما أبداه من العناد والتصلُّف في حفظ أبياته التي لا أشك في أنه أرتكب فيها المين والغلو والمبالغة والمردودة لغير نفع. وهو مع ذك يحسب أنه يحسن صنعاً. فأما مشابهة الولد أباه في الخلق هل دلالة قطيعة على كونه ابنه فغير متفق عليها. فذهب بعض إلى إنها ليست علامة كافية. لأن الأم قد يحتمل في حاله كونها مسافحة أن تكون مفكرة في زوجها ومتصورة له فيأتي توزيع الجنين بحسب هذا التصور. وذهب بعض الأولاد إلى أن الأم وحدها لا فاعلية لها في التوزيع فقد يأتي بعض الأولاد مشابهاً لعمه أو خاله أو لآخر ممن لم تكن أمه قد رأته قط.
стр. 54
والآن ينبغي لي أن أستمر في القصة. وأن أعرضها على مسامع القارئ من دون اجراض أحدنا بغصة. فأقول قد تقدم في أول هذا الكتاب أن الفارياق ولد والطالع نحس النحوس والعقرب شائلة بذنبها إلى التيس. والسرطان واقف على قرن الثور. فأعلم هنا أن النحس على قسمين نحس ملازم ونحس مفارق. فالنحس الملازم ما لزم الإنسان في يقظته ومنامه وأكله وشربه وغدوه ورواحه وفي كل ما يأتيه. والنحس المفارق ما خالف ذلك أعني ما لزم الإنسان في حال دون حال. وأعرف ما يكون لزومه في الأحوال الخطيرة الشأن كالزواج والسفر وتأليف كتاب ونحو ذلك. ثم أن ماهيات النحس الملازم مختلفة أيضاً. فمنه ما يكون كالعقدة المحكاة. ومنه كالربقة ومنه كالمسمار. ومنه كالوتد ومنه كالمشبك. ومنه كالقفل بلا مفتاح ومنه كالغِراء ومنه كالغمجار. ومنه كاللجاذ ومنه كالشراس. ومنه كالدبق والطِبق. أو كالرومة أو الثرْط واللزاق. ومنه كالجلد ومنه كالدم الساري في جميع أوصال الجسد ومفاصله. وجناجنه وسلائله. وسنانه وشلاشله. وترائبه وتراقيه. وشراسيفه وبوانيه. وغضاريفه وحوانيه. وربلاته ومذاخره. وعضلاته ونواشره. وعصبه وبوادره. وأعصاله ومرادغه وسافينه وناعوره. ووريده ووتينه. وأسهريه وأخدعيه. ومريئه وفليقه. وحلقومه وبخاعه. ونائطه ونخاعه. وأوداجه وذفراه. وثقنته وشظاه. ورواهشه وشرايينه. ونسيسيه وأشلائه. وغموده وأشوائه. فنحس الفارياق كان من هذا النوع، غير أنه لا ينبغي ان يفهم هنا أنه كان دموياً أي كثير الدم أو محباً لسفكه أو ولاّجاً فيه. فإنه كان منزهاً عن هذه الصفات كلها. وإنما كان نحسه كالدم من جهة أنه كان ملازماً له في جميع أحواله. فقد حكي وأن يكن كاذباً فعليه كذبه إنه بات ليلة وقد رأى في المنام أنه شرب مثلوجاً عقبه سخيناً فأصبح يشكو من وجع أضراسه شديد ومن بحح في حلقه. وكان يحلم إنه يتهور من قنة جبل أو يسقط عن ظهر جمل فيغدو وظهره متقوّس. وكان إذا حلم أنه أكل الكامخ مغسه في ليلته. أو شرب أجاجاً أو زعاقا قاء. أو أشتم روائح كريهة غثت نفسه. وكان إذا حدثه أحد بأنه رأى في حديقته ربَحْلة رأى هو في المنام ليلته تلك إنه في ويل واد في جهنم أو بئر أو باب لها أو في الموبق واد فيها أو في الفلق جهنم أو جب فيها أوفي بولس سجن فيها أوفي سجين واد فيها أو في أثام واد فيها أو في الحطمة باب لها أو في غي واد فيها أونهر أو في الصعود جبل فيها. وحوله لبيني اسم بنت أبليس اوزلنبور أحد أولاد أبليس الخمسة اومسوط ولد لأبليس يغري على الغضب أو السرحوب شيطان أعمى يسكن البحر أو خنزب شيطان أو السرفح اسم شيطان أو الجم الشيطان أو الشياطين أو نهم شبطان أو هياه من أسماء الشياطين أوالحباب اسم شيطان أو الأزب اسم شيطان أو أزب العقبة اسم شيطان أو الهِراء اسم شيطان موكلّ بقبيح الاحلام أو الولهْان شيطان يغري بكثرة صب الماء في الوضوء أو الخبث والخبائث ذكور الشياطين وإناثها أو السفيف إبليس ويسمى أيضاً المبطل وكنيته أبو مرّة وأبو قترة أو عمرو اسم شيطان الفرزدق أو الفلوط من أولاد الجن والشياطين أو الشيطان والبلأز والقاز والخابل والخناس والوسواس والفتان والأجدع وكان إذا بصر من كوة بيته بكمكامة مكماكة خيّل له في المنام أنه في خافية بها جن أو في البراص منازل الجن أو في البلوقة موضع بناحية فوق كاظمة يزعمون أنه من مساكن الجن أو في البقَّار موضع برمل عالج كثير الجن أو العازف ع سمَّي لأنه تعزف به الجن أو في الحوش بلاد الجن أو في وبار وبار كقطام وقد يصرف أرض بين اليمن ورمال يبرين سميت بوبار بن إرم لما اهلك الله تعالى عاداً ورَّث محلهم الجن فلا ينزلها أحد منا أو في عبقر ع كثير الجن أو في جيهم ع كثير الجن. ولديه الشيصبان قبيلة من الجن أو بنو هنام قبيلة من الجن أو بنو غزوان حي من الجن أو دهرش اسم أبي قبيلة من الجن أو أحقب اسم جني من الذين استمعوا القرآن أو زمزمة قطعة من الجن أو الشق جنس من الجن أو شنقناق رئيس للجن أو العسل قبيلة من الجن أو العسر قبيلة من الجن وهو أيضاً أسم أرض للجن أو السعلاة والعيسجور والشهام ساحرة الجن
стр. 55
أو السعسلق أم السَّعالي أو العضرفوط من دواب الجن أو النظرة الطائف من الجن أو الزوبعة رئيس للجن أو الخافي والخافية والخافيا الجن وكذا الخبل أو التابع والتابعة الجني أو الجنية يكونان مع الانسان يتبعانه حيث ذهب أو العكنكع والكعنكع الغول الذكر أو الخيدع الغول الخداعة أو السلتم والصيدانة والخيعل والخولع والخيتعور والسمرمرة والسَّمع والعولق والعلوق والهيرعة والملد والعفرناة كلها من أسماء الغول أو العتريس الغول الذكر أو التمسح المارد الخبيث أو الدرقم اسم الدجال وهو أيضاً المسيح كسكين أو الغموس المارد من الشيطان والخبيث من الغيلان أو الزبانية جمع زبنية وهو متمرد الأنس والجن ومثله العكبّ أو الحيزبون وكان صاحبنا وهم في هذه فإني لم أجدها في القاموس فكيف يمكن رؤيتها في المنام. واسمها غير موجود في قاموس الكلام. مع أن المص رحمه وزن عليها الحيزبور والخيتعور والقيدحور والعيجلوف والعيطبول والهيجبوس والجيهبوق والزيزفون والجيثلوط والعيضفوط. ثم أنه كان إذا سمع نخبة تكلم رجلا بمنطق رخيم سمع في الليل عزيفاً وهساهس وتهويداً وزيزماً وهدهداً وزهزجاً وزي زي. كلها من أصوات الجن وإذا رأى جارية تردي نصف النهار جاءه في نصف الليل الكابوس والجاثوم والدوفان والنيدل والباروك والدئثان والديثاني. ورأى ليلة ما أن قد زفت إليه عروس فأتاه تجعل تيس وجعل ينطحه بقرنيه فاستيقظ فإذا بقرن رأسه مرضوض. ورأى ليلة أخرى أن قد وجد على شاطئ نهر دنانير ودراهم فمدّ يده وأخذ منها خمسة عشر درهما لا غير. فلما عبر الشط الثاني رأى شيخاً بيده كرة يديرها. فكان كلما أدارها أخذ الفارياق في ظهره وجع شديد كوجع الداء المعروف في بلاد الشام بالوثَّاب. فلما رمى الدراهم من يده من شدة ما أصابه سكن عنه الوجع ورأى ليلة أخرى أن رجلاً مغربياً أتحفه بشيء فتلقفه في الحال مشرقي وذهب به. قال والي الآن لم يرجع به مع انتظاري له كل ليلة. وقس علي ذلك سائر أحلامه. ومما قاله في الحلم نظماً
كأن همومي وهي تحت مخدَّتي ... إذا بتُّ تغري بي الهراء لتُذرئة
تقول عليّ اليوم كان بُواله ... وإنّ عليك الليل ذا أن تخرّئه
وقال
أسرّ إذا انقضى يومي لأني ... أرجّي فيه أحلاماً تسرّ
فأحلم أنني أسعى وأشقى ... فليلي مثل يومي أو أشرّ
وقال أيضاً
ويا رب حتى في المنام تروعني ... بأضغاث أحلام تسوء وتزعج
فيا ليتني أشقى نهاري وفي الكرى ... أسرُّ برؤيا من أحبّ وأبهجُ
стр. 56
وعنّ له يوما أن يمدح بعض ذوي السيادة والسعادة. فلما حظي بلثم أعتابه الشريفة وأنشده القصيدة رجع القهقري على عادة أهل بلاده من أن الصغير لا يري الكبير قفاه. إشارة إلى أنه لا قذال إلا قذال الكبير. ثم جاءه الحاجب يقول أن الأمير أدام الله دولته. وخلد صولته. وجعل الشمس والقمر نعلا لفرسه. وجعل يومه خيراً من أمسه. وجعل ظله ممدوداً على الأرض ظليلاً. وجعل طرف الكون بتراب نعله مكحولا. وجعل الثريا مقراً لرجليه والعيوق شراكاً لنعليه. وجعل الوجود باسمه مبتهجاً وبابه لكل لائذ رتجاً مرتجى. وجعل- فلم يتمالك الفارياق أن بادرهُ وقال دعني من جَعَل يا جُعل. ماذا يقول الأمير. قال يقول الأمير المعظم. الخطير المكرم. ذو الآلاء الغامرة. والنعم الوافرة. من إذا قال فعل وإذا سئل أعطى فأجذل وأذ تنحنح ألقى الرعب في قلوب أعاديه. وإذا سعل خفقت فرقا أفئدة شانئيه. وإذا مخط ارتج المكان لهيبته. وإذا حبق تزلزل المجلس لحبقته. فقال الفارياق أف لهذه الرائحة الخبيثة ياخبيث قل ما يقوله الأمير. وأرحني من هذا التقعير. لقد برزت على الشعراء بهذا الغلو والإطراء. قال أنه يقول لك أنك قد أحسنت في أبيات القصيدة وأبدعت ما شئت. لأنك شبهته بالقمر والبحر والأسد والسيف الماضي والطود الراسخ والسيل المنهمر مما هو خليق بالاتصاف به. إلاّ في بيت واحد جعلته فيه قواداً. قال كيف ذلك جلّ الأمير عن القيادة. قال نعم انك قلت أنه يجود بالمال والنفائس ويولي الأبكار. وقلت في بيت آخر أنه محمَّد الذكر محمود المناقب وهو غير محمد ولا محمود. وبسبب هذا الخطأ الفاحش حرمك من رؤيته. قال هذه عادة الشعراء انهم لا يزالون يتلمظون بذكر الخرائد والمحامد. وليس المقصود بذلك نسبة القيادة إلى الممدوح. قال هذا غاية ما عندي فلا تطمع بعد في المثول بحضرة أميرنا المبجل. فمن ثم رجع الفارياق محروماً من هذا المغنم الهنيء. وبلغ منه الغيظ أن أضله عن الطريق المستقيم. فسار في طريق آخر وما وصل إلى منزله إلاّ بعد اللتيَّا والتي. وأخذ يفكر في نحس طالعه وشؤم قلمه. فظهر لهوسه أن القلم أنحس شيء يتخذه الإنسان سبباً لمصالحه. وإن أشفى الاسكاف أنفع منه. وأن تقديم النون عليه في قوله تعالى ن والقلم وما يسطرون إن هو إلا إشارة إلى النحس. وإن ما قاله المنجم في طالعه صحيح. فأنه أوَّل المرأة التي زفّت إليه في المنام بالعقرب. والجدي بالتيس الذي كان ينطحه. والسرطان بنفسه إذ رجع القهقري من عند الأمير فكاد أن يعثر بحصير مجلسه السامي لولا أن تمسك ببعض أوتاده الشريفة. وأول الثور بالأمير الممدوح. إلا أن العبارة الأولى وهي قول المنجم نحس المنحوس غير محصورة في حادث واحد. إذ هي تستغرق جميع الأحوال والحوادث كما سيرد بيانه. وذلك أن الفارياق لما سمع من نجيه الذي قايضه على الاعتراف أن المساومة في قيل وقال هي من البياعات الرابحة، والأسباب الناجحة خلج في صدره أن يجرب تنفيق ما عنده من البضاعة المزجاة. إلا أنه لم يعرضها من أولَّ وهلة على أحد المشترين من الجثالقة كما فعل صاحبه. بل أخذ في تقليبها وتفليتها وتمشيطها وتنسيلها من جهة واستشفافها من أخرى. فظهر له أنها قديمة قد ركت بحيث لا يكاد أحد أن يرغب فيها.
стр. 57
واتفق وقتئذ أن قدم عنقاش يفدد على شراء السلع القديمة وعلى إصلاحها أو على مقايضتها أو على صبغها. وأدعى أنه يقدر أن يعيدها إلى لونها الأول وأنه لا يعجزه شيء من أحوالها بحيث أن صاحب السلعة نفسه إذ رآها بعد صبغها وتصليحها يتعجب منها غاية العجب ولا يعود يعرفها. وإنه أي العنقاش لما بلغه في بلاده فساد تلك السلع أقبل حفداً إلى تلك البلاد وهو يحمل خرجاً كبيراً فيه من الأصباغ والأدوات ما يرفأ كل خرق ويعيد كل لون نافض. فسار إليه الفارياق عجلاً إلى المقايضة وواطأه على إبدال ما عنده من السلعة القديمة بأخرى جديدة راقت لعينه. فقد يقال لكل جديد بهجة. ثم قفل إلى منزله مسروراً بصفقته. فلما علم أهله وجيرانه بذلك استشاطوا عليه غيظاً وقالوا. لعمر ربّ الجنود ما جرت العادة في بلادنا بتغيير البياعات ولا بمقايضتها ولا بإصلاحها ولا بصبغها. ثم لم يلبث الخبر أن بلغ مطران الصقع وكان من الضواطرة الكبار. فكأنما كان سكيناً سقط على حلقومه. أو خردلاً دخل خرطومه. فهاج وأزبد. وأبرق وأرعد. وماج واضطرب. وضج وصخب. وألبّ وحزب. وبربر وثرثر. وأقبل وأدبر. وزجر ونهر. ووثب وطفر. وفتل لحيته من الغيظ حتى صارت كالمقرعة. وأغرى كل حنتوف مثله بأن يهيج معه. ونادى يا خيل الله على الكفار. أنهم صالوا النار. كيف تجرأ هذا الشقي المنحوس. المعتوه المهلوس. على أن يذهب مذهباً غير ما نهجه له جاثليقه. وسلكه فيه بطريقة. وكيف أقدم بوقاحته. وصفاقة وجهه وقباحته. على معاملة ذلك العنقاش اللئيم. ومبايعته ما ورثه من آبائه من الزمن القديم. أليس في بلادنا صلب. وادهاق ويلب. هلموا به مُهاناً. اجلدوه عرياناً. اطرحوه نيراناً. ألقموه حيتانا. أطعموه دمانا. اقطعوا منه لسانا. اسقوه الزناني. عليّ به الآن الآن. فابتدر بعض الحاضرين وقال انا آتيك بهذا الجعشوش بأسرع من رد طرفك إليك. ثم وليّ حفداً إلى الفارياق فوجده مكبّا على قراءة الدفتر الذي فيه أثمان السلعة. فتناوله بالسيف فأصاب فروته. ثم سيق الفارياق إلى الجزار المشار إليه. فلما بصر به انتفخت أوداجه واتسع منخراه وتعقدت أسرة جبينه واصفرت شفتاه. ورقص شارباه واحمرت حدقتاه. واحترقت أسنانه ودارت بينهما هذه المحاورة: قال الضوطار ويلك يا مغبون، ما دعاك إلى المساومة في سلعتك؟ الفارياق إذا كانت هي سلعتي كما أقررت فما الذي يمنعني من ذلك؟ الضوطار ضللت. هي سلعتك من حيث أنك ورثتها من آبائك لا من حيث أن لك حق التصرف فيها.
الفارياق هذا خلاف العادة والحق فإن ما يرثه الإنسان يحق له التصرف فيه الضوطار كذبت. إنك إنما ورثتها لتحفظها لا لتضيعها ولا لتبادل بها الفارياق هي ميراثي أفعل به ما أشاء الضوطار قبحت إني أنا القيّم عليه الصائن له من الشوائب الفارياق ما بلغنا عن أحد أنه تولى ميراث غيره إلا كان الوارث غير راشد الضوطار غويت. أنك أنت غير رشيد وأنا وليُّك ووصيك وكفيلك ووكيلك وحسيبك الفارياق ما الدليل على أني لست من الراشدين ومن ذا الذي جعلك وصيا وولياً الضوطار زغت. إنما الدليل على غوايتك وضلالك هو أنك تبدلت به متاعا غيره وإما كوني وصيا فإن جميع أمثالي يشهدون لي به كما أني أنا أيضاً أشهد لهم بأنهم أولياء غيرك الفارياق ليس تبديل شيء بآخر دليلاً على الضلال والزيغ إذا كان المبدل والمبدل منه من جنس واحد. ولا سيما أني رأيت لون القديم يوشك أن ينصل وقد ركت رقعته فتبدلته بما هو أزمى وأقوى الضوطار كفرت. إنه غشي على بصرك فما تستطيع أن تفرق بين الألوان الفارياق كيف ذلكولي عينان ناظرتان ويدان لامستان الضوطار عميت. فإن الحواس قد تغش ولا سيما حاسة البصر الفارياق إذا كانت حواسي قد غشت فكيف سلمت حواسك من الغش وأنت بشر مثلي الضوطار حِنت. إني وأن كنت بشراً مثلك لكني وكيل من طرف شيخ السوق. وقد أفادني مما أودع الله فيه من الأسوار العجيبة أن لا يطرأ عليّ غبن ولا إلا وتبينته لأنه هو منزه عن الغش فقال القارياق وكان به فأفأة. وأين شيخ الفسوق هذا ثم إستدرك كلامه وقال إنما أردت شيخ السوق. فلا تكن زيادة هذه الثمانين موجبة لحد الثمانين.
الضوطار لعنت. هو بعيد عنا بيننا وبينه أبحار وجبال. غير أن أنفاسه القدسية تسري فينا
стр. 58
الفارياق كيف به إذا مرض أو جن مسه طائف من الجن أو أصابه برسام. فكيف يمكنه والحالة هذه تمييز المتاع الردي من الجيد الضوطار هلكت. ما هو ببلو للعوارض لإنه بواب رتاج عظيم وبيده مزلاجان عظيمان لاحكام الباب من قبل ومن دُبُر الفارياق ليس هذا بدليل فأن كل إنسان في العالم يمكنه أن يصير بواباً ذا مزلاجين الضوطار فسقت وفجرت. إنه هو وحده مستبد بهذه الخطة إذ قد فوضت إليه من المالك الآمر الفارياق متى كان ذلك؟ الضوطار صلبت مذ ألفي سنة تقريباً الفارياق أو عاش هذا الشيخ ألفي سنة الضوطار الحدت. إنما إنتقلت إليه بالوراثة الفارياق ممن ورثها أمن ابيه وجده الضوطار نكلت. من إنسان لايعد في أهله الفارياق هذا أمر عجيب كيف يرث الإنسان شيئا من رجل غريب فإن الغريب إذا مات عن غير وارث انتقل ماله إلى بيت المال فهو أولى به من رجل على حدته الضوطار عذبت. هذا سر ليس لك أن تبحث فيه الفارياق ما الدليل على كونه سراً الضوطار أفحشت. هذا هو الدليل. وعند ذلك قام عجلاً وأتى بكتاب وأخذ يقلب فيه من أوله إلى آخره حتى يجد فيه مطلوبه إذ لم يكن كثير الدراسة له. إلى أن وجد عبارة مضمونها أن المالك كان احب مرة رجلاً فوهبه هبات شتى من جملتها كأس وطست وعصا في رأسها صورة ثعبان وجبة وتبان ونعلان وباب له مزلاجان. وقال له قد وهبتك هذه كلها فأستعملها واهناً بها الفارياق لعمري ليس في هذه الهبة ما يدل على سره هذا وقت مات كل من الواهب والموهوب له وفقد الموهوب كله. فكيف لم يبق إلا المزلاجان فقط وقد ضاع الباب وهما لا ينفعان من دونه شيئا الضوطار فندّت. لم يبق لنا في غير المزلاجين من حاجة الفارياق بحق هذين المزلاجين عليك يا سيدي إلا ما أريتني الكأس مرة في العمر وحسب. ولك عليّ بعد ذلك إلا مرة التامة.
فلما ضغط الضوطار بين السلب والإيجاب استشاط وغراً وهم أن يلحق الفارياق بالباب والكأس لولا أن دعاه داع إلى اللوس. فقام ناشطاً ووكل به الأوغاد وكان وقتئذ يتضور جوعاً فرأى أن رؤية قعر القدر في المطبخ أشهى إليه من النظر إلى وجه الفارياق. فتغافل عنه فتملص الفارياق من هذه الورطة وأقبل يهرول إلى الخرجي وقال له.. لقد خسرت تجارتي معك فإن البضاعة كادت تمنيني بمبضع. فأبتغي منك الإقالة. أولاً فإن يكن عندك في الخرج رأس يلائم جثتي حين تعدم هذا فأرني إياه ليسكن روعي. إذ لا يمكن لي أن أعيش بلا رأس. فأما أن لم يكن في الخرج غير اللسان فما لي به حاجة هذا متاعك فضمه إليك. فقال له الخرجي ما هكذا حق التعامل ينبغي أن تصبر على ما يلحقك من تبعة الصفقة كما هو دأب جميع المتابعين عندنا. وتلك من بعض خواص هذه التجارة. ولكن لا تخف فإن من خواصها أيضا أن تقي الواقي لها وتحفظ المحافظ عليها. فيكون له بها غنى عن الرأس إذا نقف وعن العينين إذا سملتا وعن اللسان إذا استل. وعن الساقين إذا غمزتا بالدهق. وعن اليدين إذ غلتا بالكبل. وعن العنق إذا وقصت. والكبد إذا فرصت. قال ما أرى ما ترى فإن الأسف لا يحي مائتا والندم لا يرد فائتاً. فإن يكن عندك مخزن آمن فيه من العدو على السلعة فآوني إليه. وإلا فهذا فراق بيني وبينك. فأطرق الخرجي ساعة ثم دخل به حجرة صغيرة وأغلق الباب. وأخذ يمتحن الفارياق كما سيرد بيانه في الفصل الآتي:
الحس والحركة
стр. 59
قد جرت عادة الناس جميعا بأن يقولوا إذا أحبوا شيئا أو اشتاقوا إلى شيء أن قلبي يجب هذا الشيء. أو يحس بمحبة هذا الشيء. أو يشتهي ذلك الشيء. ولست أدرى علة هذا الاستعمال. فإن القلب إنما هو عضو في الجسم من جملة الأعضاء فلا يمكن أن تكون حاستيها كلها مجموعة فيه. وبيانه أنّ من أحبّ مثلاً لوناً من الطعام بخصوصه فلينظر في أدوات الأكل الباعثة على اشتهائه. ومن أحبّ امرأة فلينظر في الأداة الباعثة على اشتهائها. وما يميل إليه الطبع وهو غير محتاج إلى أعمال أداة ظاهرة وذلك كحب الرئاسة والسعادة والدين ينبغي أن يحمل على الرأس. إذ هي أمور معنوية لا علاقة لها بتلك البضعة أي القلب. وكما أن الطحال الذي هو وزير الميمنة لا تعلق له بهذه الأمور. فكذلك كان وزير الميسرة أي القلب. إلا إنه لما كانت حركة القلب أسرع من غيره لكونه أقرب إلى الرئة التي هي حرز التنفس. ظن الناس أن القلب أصل في جميع أهواء الإنسان وأشواقه. ومن عاداتهم اجتنابا للبحث عن كثرة الأسباب والعلل والتيقن للحقائق أن يقتصروا على سبب واحد من الأسباب المتعددة. وينسبوا إليه كل ما تسبب عن غيره. كما تنسب الشعراء مثلاً دواعي النحس إلى الدهر ودواعي البين والفراق إلى الغرب.
وبناء على هذا الاعتقاد أي نسبة الأهواء كلها إلى القلب أراد الخرجي أن يمتحن الفارياق ليعلم هل نبض فيه حبّ السلعة الجديدة نبضاً قويا أو لا. فجعل يقول له هل تحس في قلبك بأن السلعة الجديدة خير من الأولى. وهل يضطرب فرحاً وسروراً عند ما تسمع بذكرها؟ وهل ينبسط ويتسع وينشرح عند خطور هذه ببالك. وينقبض ويضيق ويتضام عند ذكر تلك. وهل عند قراءتك دفتر الأثمان يخيل لك أن قد طبع فيه أي في قلبك كل حرف من حروف الدفتر. حتى لو أعوزك وجوده سدّت تلك الحروف مسدّه وهل يضطرم ويتوقد مرة ويذوب ويضمحل أخرى. ثم يعود أقوى مما كان عليه كالسمندل المعروف. وهل تحس أيضاً بأن ناخساً ينخسه. وواخزاً يخزه وعاصره يعصره. وراهصاً يرهصه. وممزقاً يمزقه. وضاغطاً يضغطه. فقال له الفارياق أما الاضطراب والخفقان فإنه دائماً على مثل هذه الحالة. وهو عرضة لذلك في حالتي الفرح والترح فأن أدنى شيء يؤثر فيه. وأما التوقد والذوبان فلا أدري. فقال المراد بالتوقد هنا والنخر والعصر الحمية والتحمس والتهوس وتخيل ما هو معدوم موجوداً وما هو موهوم يقيناً. ومثل ذلك مثل من يسافر في فلاة لا ماء فيها فيبلغ منه الظمأ أن يتصور السراب ماء وشعاع الشمس نقزاً. ولا يزال يمنى نفسه بوجدان الماء حتى يقطع المفازة. فإن شدة التخيل والتهوس تعين الإنسان على تحمل المكاره والمشاق. فيكون رازحاً تحت ثقلها وهو يحسب إنه المتكئين على الأرائك. فيستوي بذلك عنده المجاز والحقيقة والمحسوس وغبر المحسوس. حتى يحب الصفر خواناً والنعش عرشاً والخازوق أو الصليب منبراً. وربما كان ذا زوجة وعيال فيتخذهم متخذ الماعون من الخزف فيغادرهم ويجري في البلدان القاصية لترويج السلعة. ويستغني عن أهله وإخوانه ورهطه بما لديه في الخرج فيحمله على كتفه مستبشراً مسروراً ويضرب في مناكب الأرض طولاً وعرضاً. فكل من مر به من عباد الله عرض عليه الشركة والمضاربة. ولا يزال دأبه كذلك حتى يقضي نحبه وطوبى له أن مات على هذه الحالة. الخرج الخرج. ما لنا سواه من حرفة ولا شغل. السلعة السلعة. ليس لنا غيرها من جعل. ثم طفق يبكي وينتحب.
فلما أفاق بعد حين سأله الفارياق هل عندكم معاشر الخرجيين سوق وشيخ للسوق؟ قال لا. قال ومن يقوم لكم المتاع قال كل منا يقوم متاعه كل منا يقوم متاعه بنفسه ولا يحتاج إلى آخر. فتعجب الفارياق وقال في نفسه أن في هذا لعجباً.
стр. 60
فإن قوماً من هؤلاء الصعافيق لهم شيخ سوقٍ وما لهم خرج. وقوماً لهم خرج وليس لهم شيخ ولكن لعل صاحبي هذا على الحق. إذ لو لم يكن كذلك لما تكلف حمل الخرج من أقصى البلاد وتجشم أخطار السفر وغيره ثم نخره الخناس أن الخرجي ربما لم يجد محترفاً في بلاده فجاء بما عنده لينفقه في بلاد أخرى. فإن تاجراً لو استبضع من بلده مثلاً خزاً أو كرباساً إلى بلد آخر لم يحكم له بأنه قدم إلى هذا البلد حباً بأهله. فقد جرت العادة بأن المتسببين يطوفون في كل الأقطار. ثم فكر في أن أناة الخرجي وما هو عليه من الرزانة والصبر لا بد وأن يكون قرينها الرشد والحزم بخلاف النزق والطيش فإنه لا يكون إلا قرين الغواية والضلال. فمن ثم حكم بأن الخرجي كان على هدى وذلك لإتاحه وحلمه. وإن المطران كان من الضالين لحدّته وتترعه. ثم قال للخرجي قد وعيت يا سيدي كل ما أوعيته أذني. وما أرى الحق إلا معك. وأني مشايعك ومتابعك وحامل للخرج معك. ولكن أجرني من هؤلاء الصعافيق فأنهم كالأسود الضارية لا تأخذهم في خلق الله رأفة ولا شفقة. وعندهم أن أهلاك نفس غيرةً على الدين يكسبهم عند الله زُلْفَى. وقد تمسكوا بظاهر أقوال من الإنجيل فيما رأوه موافقاً لغرضهم وزائداً في جاههم وسلطانهم. فيقولون أن المسيح بقوله ما جئت لألقي على الأرض سلماً لكن سيفاً إنما رخص لهم في إعمال هذه الأداة في رقاب الناس رداً لهم إلى طريقة الحق. وقد نبذوا وراء ظهورهم خلاصة الدين وجوهره ونتيجته. وهي الألفة بين جميع الناس والمحبة والمساعدة وحسن اليقين بالله تعالى. وما صعب على من زاغ وعمي عن الحق أن يستخرج من كل كتاب وحياً كان أو غير وحي ما يوافق غرضه وفساد عقيدته. فإن باب التأويل واسع. أيجوز الآن الأمير الجبل إذا شاخ ولم يعد التدثرُّ بالثياب يدفئه أن يتكوى ببنت عذراء جميلة أي يتدفأ بها ويصطلي بحر جسدها كما فعل الملك داود. أم يجوز له إذا حارب الدروز وانتصر عليهم أن يقتل نساءهم المتزوجات وأطفالهم ويستحيي أبكارهم لتفجر بهن فحول جنده. كما فعل موسى بأهل مدين على ما ذكر في الفصل الحادي والثلاثين من سفر العدد. أم يجوز له أن يتزوج بألف امرأة ما بين ملكة وسرية كما فعل سليمان. أم يجوز لأحد من القسيسين أن ينكح زانية ويولدها النغول كما فعل النبي هوشع. أم يسوع لأحد من الولاة أن يقتل من أعدائه كل رجل وكل امرأة وكل طفل رضيع كما فعل شاول بالعمالقة عن أمر رب الجنود. حتى أن الرب غضب عليه لعدم قتله خيار الشاه والأنعام لإبقائه على أجاج ملك العمالقة وندم على أنه ملكه على بني إسرائيل فقام صموئيل وقطع الملك قطعاً أمام الريفي جلجال. هذا وأني قد قرأت في فهرست التوراة المطبوعة في رومية في حرف الهاء ما نصه: ينبغي لنا أي لأهل كنيسة رومية أن نهلك الهراطقة. أي المبتدعين أو المشاحنين. واستشهدوا على ذلك بما كان يجري بين اليهود وأعدائهم من القتال والفتك والاغتيال على ما سبق ذكره. فإن يكن دين النصارى يحلل قتل الرجال والنساء والأطفال والفجور بالأبكار من النساء ويبيح التوثب على عقار الغير من دون دعوة إلى الدين بل مجرد عتوّ وظلم كما كان يحلله دين اليهود فلا يسبب نسخه إذن وأبطال أحكامه لكن دين النصارى مبني على مكارم الأخلاق وغايته من أوله إلى آخره إبقاء السلم بين الناس وحثهم على الصلاح والخير. وإلا فلنرجع يهوداً. فلما سمع الخرجي ذلك رأى أن وراء هذا الكلام لباقعة. فحرص على إنقاذ الفارياق من أيدي العتاة. وارتأى أن يبعثه إلى جزيرة تسمى الملوط استئماناً فيها. فركب الفارياق في سفينة صغيرة سائرة إلى الإسكندرية. فلما أن سارت به غير بعيد هاج البحر وأضطرب بالسفينة فلزم صاحبنا فراشه من الدوار. وطفق يشكو من ألم البحر وينوح قائلاً:
نوح الفارياق وشكواه
стр. 61
ويلي من السفر وما أشتق منه ما كان أغناني عن مقاساة هذا الضر الأليم. ما كان أغناني عن هذه المساومة التي سامتني هذا الكرب العظيم. ماذا وسوس إليّ حتى دخلت بين الظواطرة ولا عائدة لي من هذا الفضول الذميم لقد ولدت في الدنيا وعشت زماناً ولم يخطر ببالي ما أختلف فيه عبام وبعيم. فلأي شيء دخلت في هذه المضايق وتورطت في هذا الشر العقيم. هل كان يعنيني ما تهاتر عليه أهل المشرقين من فساد رأيهم وخلقهم اللئيم. لهفي على القلم وأن يكن في شقه شق وحول مجاجه الونيم. لهفي على الحمار الذي كان يزقع ويرفس من لي بذلك البهيم. لعله الآن أحسن حالاً مني ولعله في نعيم مقيم وأنا اليوم بما فرطت مُليم. من لي بالخان والأخوان فيهم كل بزيع نديم زمان لا شغل إلا معاقرة المدام والتطريب والترنيم. ليتني قلت ما قال الناس وعبدت معهم البعيم. أستغفر الله قد كفر صاحبنا ليس كل الوقت وقت جدال ومناقشة خصيم. لقد نصحني المطران بقوله أن الحواسّ قد تغش في الضئيل والجسيم. والغبي والحكيم والجاهل والعليم. إنه يعرف الحق ويقول غيره خوف كل عتل زنيم. إذ الجاهلون لا يعجبهم إلا التضليل والتهييم. ألم يقل لي أنك لا تقدر على تجديد القديم. وعلى تقويم ما لا يستقيم. نعم أن الحواس تغش وسيان في ذلك السفيه والحليم. والكريم واللئيم. ثم وقف قليلاً حتى يورد أمثلة على هذا وإذا به يقول. إن القبيحة الشوهاء إذا نظرت وجهها في مرآة تقول أن كنت شوهاء عند بعض فإني حسناء عند آخرين. ولذلك قال صاحب القاموس الشوهاء العابسة والجميلة ضدّ. وأن القناف إذا نظر جلمود أنفه قال يحتمل أن بعض الحسان يرغبن فيه وما يرين به أمتاً ولا عوجاً. وإن سادتنا القباح من الملوك والملكات وذوي السعادة والجدّ لا يصورهم المصورون إلا حساناً. وهم لا ينظرون أنفسهم في العناس إلا كما صورهم المصورون. وإننا لنرى الشمس طالعة ولما قد طلعت كما يقول الرياضيون. ونرى العصا في الماء معوجة وهي غير ذات عوج. وأن السراب يرى الشخص أثنين. وأن بعض الألوان يبدو بلونين. وإن السحرة يخيلون للناظرين أنهم يمشون على الماء ويدخلون في النار ولا يحترقون. ومن يك في سفينة ماخرة قابلة ديار وعقار فإنه يرى ما يقابله في الأرض متحركاً ماشياً وهو ساكن ثابت. ومن يعقد في شباك مناوح لشباك آخر مساو له في الارتفاع فإنه ينظره أعلى من شباكه. ولعل صاحبي الخرجي كان بكاؤه لداع غير داعي السلعة. فإنه يبلغني عن اللاعبين واللاعبات في الملاهي إنهم يبكون ويضحكون أيان شاءوا فلعل البكاء عندهم من الصنائع التي يتعلمونها على صغر. ماذا يفيدوني الخرج الآن. أأدعوه ويتركني. أأحبه ويبغضني. أأحمله وينبذني. فلما أبتدأ هذه السفاهة التي تعد عند الخرجيين كفراً. وعند السوقيين تسبيحاً. وعند المتوسطين بينهم سفاهة ناشئة عن الجزع. إذ الناس لم يتفقوا إلى الآن إلا على الخلاف مادت به السفينة ميدة شديدة يحسبها الخرجيون انتقاماً من الرب. والسوقيون عارضاً من العوارض. فجعل يصرخ ويقول ألا يا شيخ السوق عفواً بحق لحيتك التي عند الحلاقين إلا ما أجرتني. يا خرج. يا سلعة يا دفتر. يا ضواطرة. يا صعافقة. يا نساجي السلعة. يا صياغيها. يا مسديها يا ملحميها يا منيريها يا مطرزيها يا موشيها يا رقاميها يا رفائيها يا شصاريها يا خياطيها يا كافيها يا شراجيها يا نشاريها يا طوائيها يا قساميها يا لفافيها يا ملفقيها. تدار كوني بحقهم قد هلكت. فما كاد يتم هذا الدعاء إلا ومالت به السفينة ميلة تدحرج بها رأسه الصغير كالبطية. فجعل يصرخ ويستغيث ويقول لقد عدّيت عن التفديد. هذا أثره ظهر من أول الطريق فكيف يكون في آخره. ثم غشي عليه وصار يهذي ويقول الخر الخر. فسمعه أحد الركاب يكرر ذلك فظن أنه يشكو من أحد الأخبثين في فراشه. فلما لم يجد شيئاً قال هو يهذي من الألم وتركه. ثم قدر الله أن سكن البحر وصفا الجو وظهرت بعد ساعات أرض الإسكندرية. فجاء ذلك الرجل وبشر الفارياق برؤية الأرض. فقام متجلداً وغسل وجهه وبدل ثيابه. فلما خرجوا من السفينة سبقهم الفارياق وما كاد يطأ الأرض حتى تناول منها حصاة وألتقمها وقال هذه أمي. وإليها أمي. فيها ولدت وفيها أموت. ثم أنه توجه إلى خرجي كان في المدينة وأدى إليه كتاب توصية من الخرجي الآخر ولبث عنده ينتظر سفينة تسافر إلى تلك الجزيرة.
стр. 62
فلنهنئه بوصوله سالماً آمناً ولنقدم عرض حال للسدة الأميرية. والحضرة الملكية. حضرة بطريرك الطائفة المارونية كائناً ما كان. ثم نعرج قليلاً على السوقيين والخرجيين ونذكر الفرق بينهم.
عرض كاتب الحروف
стр. 63
قد تفلت الفارياق من ناديكم. وانملص من بين أياديكم. وعنجر في وجوهكم جميعاً وأصبح لا يخاف لكم وعيداً وبقي الآن أن أذكركم ما أشططتم به من الظلم والطغيان والجور والعدوان على أخي المرحوم أسعد. إذ أودعتموه السجن في داركم الوزيرية بقنوبين نحو ست سنين. وبعد أن أذقتموه جميع ضروب الذل والهوان والبؤس والضنك في صومعة صغيرة لزمها فلم يكن يخرج منها إلى موضع يبصر فيه النور أو يستنشق الهواء اللذين يمن بهما الخالق على الأبرار والفجار من عباده قضى نحبه وما كان سجنكم له إلا لمخالفته لكم في أشياء لا تقتضي عذاباً ولا عتاباً. وما كان لكم عليه من سلطان ديني ولا مدني. أما الدين فإن المسيح ورسله لم يأمروا بسجن من كان يخالف كلامهم وإنما كانوا يعتزلونهم فقط. ولو كان دين النصارى نشأ على هذه القساوة الوحشية التي اتصفتم بها الآن أنتم رعاة التائهين وهداة الضالين لما آمن به أحد، إذ لا أحد من الناس يصبو إلا إذا كان يرى الدين الذي خرج إليه خيراً من الذي خرج منه. وكل إنسان في الدنيا يعلم أن السجن والتجويع والإذلال والتوعد والتأويق والتشنيع ليس من الخير في شيء. وناهيك أن المسيح ورسله أقرَّوا ذوي السيادة على سيادتهم وأمرتهم. ولم يكن دأبهم إلا الحضَّ على مكارم الأخلاق والأمر بالبر والدعة والسلم والأناة والحلم. فأنها هي المراد من كل دين عرف بين الناس. وأما المدني فلان أخي أسعد لم يأت منكراً ولا ارتكب خيانة في حق جاره أو أميره أو في حق الدولة. ولو فعل ذلك لوجب محاكمته لدى حاكم شرعي. فإساءة البطرك إليه إنما هي إساءة إلى ذات مولانا السلطان. لأننا جميعاً عبيد له مستأمنون في أمانه وحكمه. وكلنا في الحقوق سواء إذ البطرك ليس له حق في أن يخطف من بيتي درهماً واحداً لو شاءه فإني له أن يخطف الأرواح وهب أن أخي جادل في الدين وناظر وقال أنكم على ضلال فليس لكم أن تميتموه بسبب هذا. وإنما كان يجب عليكم أن تنقضوا أدلته وتدحضوا حجته بالكلام أو الكتابة إذا أنزلتموه منزلة عالم تخشون تبعته. وإلا فكان الأولى لكم أن تنفوه من البلاد كما كان هو يطلب ذلك. بل أصررتم على عتوكم في تنكيله وزعمتم إن فراره من داركم مرة لنجاة نفسه كان زيادة في جناية وجريرته فزتم تجبراً عليه وظلماً. وكأني بكم معاشر السفهاء تقولون أن إهلاك نفس واحدة لسلامة نفوس كثيرة محمدة يندب إليها. ولكن لو كان لكم بصيرة ورشد لعلمتم أن الاضطهاد والإجبار على شيء لا يزيد المضطهد وشيعته إلا كلفاً بما اضطهد عليه. ولاسيما إذا علم نفسه إنه على الحق وإن خصمه القاهر له على ضلال. أو أنه متحل بالعلم والفضائل وقرينه عطل عنها فقد فاتكم على هذا العلم الديني والسياسي. وعرضتم عرضكم للقذف والتسويد. وذكركم للمقت والتنفيذ. ما دامت السماء والأرض أرضاً. وإن أخي ﵀ وأن يكن قد مات فذكره لن يموت. وكلما ذكره ذاكر من أهل الرشد والبصيرة ذكر معه أيضاً سوء فعلكم وأفحاشكم وغلو وجهلكم وشناعتكم وقد لعمري أخرج عنكم بموته من شيعتكم هذه المتوحمة على سفك الدم أكثر مما لو بقي حياً. وحسبك بالخواجه ميخائيل ميشاقه الأكرم وبغيره من ذوي الفضل والبراعة مثالاً. ألم تأخذكم يا غلاط الأعناق رأفة في شبابه وجماله. ألم تتأثر قلوبكم التارزة لصفرة وجهه حين حجبتموه عن النور والهواء. وحين ذوت غضاضة جسمه وبضاضته. وحين لم يبق ترارته غير الجلد والعظم وبخلتم عليه أيضاً أن تطلقوه بهما. ألم تشفقوا عليه إذ رأيتم أنامله قد ضنيت لعوز ما كان يتمتع به حمر ديركم ولقد طالما والله أخذت القلم فخطت ما يعجب به الملوك. ولقد طالما واللًه صعد المنبر فخطب فيكم ارتجالا والعرق يتصبب من جبينه ذاك الصليت. ولا شد ما ابكي سامعيه تذكيرا وتزهيداً. وطالما ألف وعرب لكم كتبا ركيكة وعلم حمقى رهبانكم وأخرجهم من ظلمات الجهل. ألم يغز وجوهكم الصفيقة ما كان يترقرق في وجهه من ماء الحياة فكان أشد خفراً من مخدرة. وإنه كان عزيزا في أهله مكرما عند الأمراء محبباً إلى الخاصة والعامة. نزيه النفس. كريم الخلق فصيح اللهجة. أنيس المحضة أمثله يحبس ست سنين ويذل وينكل ويموت والله يعلم بأي شيء مات. ما بال الكنائس الفرنسوية والنمساوية والإنكليزية والمسكوبية والرومية الأرثوذكسية والرومية الملكية والقبطية واليعقوبية والنصطوية والدرزية
стр. 64
والمتوالية والأنصارية واليهودية لا تفعل هذه الفظاعة والشناعة التي تفعلها الكنيسة الماورنية. أم هي وحدها على الحق والناس أجمعون على الباطل.
ألستم تزعمون أن ملك فرنسا هو مجير الدين وناصره. والناس من أهل مملكته الكاثوليكيين ما زالوا يطبعون كتبا ينددون فيها بعيوب رؤساء كنيستهم وقبائحهم وسفاهتهم وفحشهم وشراهتهم وإلحادهم. بل أن كثيراً بل أن كثيرا منهم قد ألفوا تواريخ خاصة بما كان عليه الباباوات من الفسق والفجور وسوء التصرف. وبكفرهم بخلود النفس والوحي وبإلهية المسيح. فمنهم من قال أن البابا ارمديوس الثامن ويعرف بدوق صفوي رقي إلى درجة بابا وهو عامي. ومنهم من قال أن مجمع ياسيل إنما كان انعقاده لخلع البابا يوجين وإنهم حكموا عليه بالعصيان والارتشاء والشقاق والبدع ونكث اليمين. ومنهم من قال أن البابا نيقولاس الأول كان قد حرم كنتيار مطران كولون لمخالفته له في المجمع الذي عقد في متز سنة ٨٦٤. فكتب المطران المذكور رسائل إلى جميع كنائسه يقول فيها. إن المولى نيقولاس الذي اتخذ له لقب بابا ويحسب نفسه أنه بابا وسلطان معاً وأن يكن قد حرمنا فقد علونا على سفاهته. ومنهم من قال إن أمبروسيوس حاكم ميلان حصل على درجة مطران مع أنه كان غير صحيح الاعتقاد بدين النصارى. ومنهم من قال أن البابا يوحنا الثامن أرسل نواباً من طرفه إلى القسطنطينية. فعقدوا ثم مجمعا اجتمع فيه أربعمائة أسقف وكلهم حكموا ببراءة فوتيوس وإنه جدير برتبة مطران. ومنهم من قال أن البابا اسطفانوس السادس أمر بأن تنبش جثة فرموسيوس أسقف بورطو من القبر لأنه كان قد أثار شغبا على سلفة البابا يوحنا الثامن ثم حكم عليه حالة كونه ميتا يقطع رأسه وثلاث من أصابعه وألقيت جثته في طيبر. وأن البابا سرجيوس كان قد استوزر ثاودورة أم ماروزيا التي تزوجت بمركيز طوكساني. وأنه أي البابا ماروزيا هذه ولداً رباه عنده داخل قصره من دون محاشاة أحد من أهل رومية. ثم تزوجت ماروزيا بعد ذلك بهون ملك أولس وعلمت على قتل البابا يوحنا العاشر لانه كان يهوى أختها. فخنقته بين فراشين واستبدت بالأمر. ثم احتالت أن ولت ليو هذه الرتبة ثم قتلته في السجن بعد أشهر. ثم ولت من بعده رجلا خامل الذكر فولي بعض سنين ثم عزلته ونصبت يوحنا الحادي عشر وهو ابنها من سرجيوس الثالث وكان قد أتي عليه أربع وعشرون سنة لا غير. وشرطت عليه أن لا يباشر من الأحكام إلا ما كان مختصا برتبة الباباوية. وإنها سمت زوجها ثم تزوجت بسلفها ملك لومباري وفوضت إليه الحكم. فقام أحد ولدها من زوجها الأول وشغب عليها أهل رومية وحبسها وابنها البابا في أنجلو. وإنه ولي بعده اسطفانوس الثامن. غير إنه لما كان بغيضا عند الرومانيين لكونه من جرمانية شوهوا وجهه فلم يقدر بعدها على الظهور بين الناس. ثم انتخب ابن ولد ماروزيا المسمى اكطافيانوس وله من العمر ثماني عشرة سنة وسمي من بعد ذلك يوحنا الثاني عشر. وكان خليعا ماجنا فحاشا مستهترا منهمكا في اللذات وهوى النفس مولعا بركوب الخيل والفروسية. وإنما لم يخل ذلك بأمور الكنيسة لان اكثر الدول والكنائس كان على هذه الحال. وأن أوثو الإمبراطور لما علم أن هذا البابا قد أضمر العصيان وكان أهل إيطاليا قد استدعوا حضوره لإصلاح ما اختل من أحوالهم توجه من بافيا إلى رومية. وبعد أن استتب له الأمر في المدينة عقد مجمعا حضر فيه البابا بنفسه وكثير من أمراء جرمانية ورومية وأربعون أسقفا وسبعة عشر كردينالاً وذلك في كنيسة مار بطرس. وشكى البابا بحضرتهم أجمعين أنه فسق بعدة نساء وخصوصا أيتنت التي ماتت وهي نفساء. وأنه قلد مطرانية طودى لغلام كان سنه عشر سنين لا غير.
стр. 65
وأنه كان يبيع الرتب والدرجات الكنائسية بيعا وسمل عيني أشبينه في المعمودية سملاً. وجبّ أي خصى أحد الكرادلة أو الكردينالات جباً. ثم قتله. وأنه لم يكن يؤمن بالمسيح وغير ذلك مما أوجب على الإمبراطور خلعه ونصب ليو الثامن في مكانه. إلا أنه لم يكد الإمبراطور يخرج من رومية حتى هاج البابا عليه أهل المدينة. وعقد مجمعا خلع فيه ليو الثامن وأمر بقطع يد الكردينال الذي كتب الشكوى عليه. وقطع أيضا لسان الكاتب الذي كان يقيد الحوادث وأنفه واثنتين من أصابعه. ثم قتل البابا يوحنا الثاني عشر وهو معانق لامرأة. وكان القاتل له على ما قيل زوجها. ثم أن القنصل كريستنيوس ابن البابا يوحنا العاشر من ماروزيا جيش أهل رومية على اوثو الثاني وسجن بندكتوس وكان من حزب الإمبراطور فمات في السجن. فلما بلغ ذلك مسامع أوثو وليّ يوحنا الرابع عشر. فقام عليه بونيفاس السابع الذي كان ولي الرئاسة من قبل القنصل وقتله. وبقي القنصل مستقلاً بتدبير الأمور ومباشرة الأحكام إلى أن قام غريغوريوس ابن أخت الإمبراطور وخلع اوثو الثالث. ثم احتال عليه الإمبراطور وضرب عنقه وأمر بأن تعلق جثته من القدمين. وسملت عينا البابا يوحنا الخامس عشر الذي أنتخبه الرومانيون وقطع أنفه ثم رمي به من ذروة قلعة صانت أنجلو. ثم عرضت الرئاسة الباباوية على البيع فاشتراها كل من بندكتوس الثامن ويوحنا التاسع عشر واحداً بعد واحد. وكانا أخوي مركيز طوسكاني ثم اشتريت لولد سنه عشر سنين وهو بندكتوس التاسع. ثم انتخب باباوان آخران وكان أحدهما يكفّر الآخر ويحرمه. ثم اصطلحا على أن يتقاسما دخل الكنيسة فيما بينهما وأن يعيش كل منهما مع سرّيته. ومنهم من قال أن كنيسة رومية أصدرت مرة منشوراً حكمت فيه على بعض ملوك فرنسا بان يطلق امرأته ويباشر دواعي التوبة سبع سنين. وإنه لما شهر المنشور في المملكة سقطت حرمة الملك من عيون الناس فتجنبته الخاصة والعامة حتى لم يبق عنده غير خادمين. ومنهم من قال أن البابا غريغوريوس السابع عقد مجمعاً في رومية على آنري الرابع سلطان جرمانية وقال فيه. قد خلعت آنري عن ولاية النمسا وإيطاليا وأعفيت جميع النصارى من الطاعة له ونقضت عهدهم له. ولست آذن لأحد في أن يخدمه باعتبار إنه ملك ذو سلطان. وأن آنري لما ضاق بذلك ذرعاً اضطر إلى الذهاب إلى رومية. فلما قدم على البابا وجده خاليا بالكنتس ماتيلدة في كانوزا فوقف السلطان يستأذن في الدخول لدى الباب ولم يكن معه أحد يخفره. فلما دخل المقام الأول اعترضه بعض حشم البابا ونزعوا عنه حلته الملكية وألبسوه ثوباً من الشعر. ووقف أيضاً ينتظر الأذن في صحن القصر حافياً وكان ذلك في قلب الشتاء. ثم ألزم أن يصوم ثلاثة أيام قبل تقبيل قدم البابا. فلما انقضت الأيام الثلاثة دخل به إلى مجلس البابا فوعده بالعفو بشرط أن ينتظر ما يحكم به عليه في مجلس اغوسبرغ. إلى أن قال ثم مات البابا المذكور وخلفه رئيس دير سُمَّي اوربانوس الثاني. وكان مثل سلفه في العتو والتجبر. فمن ثم جعل يحرض ابني آنري على قتال أبيهما. وهذه ثاني مرة هاج البابا فيها الأبناء على آبائهم. فقاما عليه وأودعاه السجن ثم فرَّ منهومات في لياج مسكينا ذليلاً. ومنهم من قال أن آنري السادس ولد فريدريك الثاني سار إلى رومية ليتوجه البابا سيلستانوس. ولما كان الإمبراطور متطأطأ لتقبيل قدمه وعلى رأسه تاج الملك رفع البابا رجله ورفس بها التاج عن رأسه فوقع على الأرض وكان سن البابا وقتئذ ستاً وثمانين سنة. ومنهم من قال أن بعض الباباوات وأظنه اينوصنت الثالث حرم الملك لويس وأباه. غير أن مطارين فرنسا نسخوا حكمه وأمروا بإلغائه. وأن البابا اينوصنت الرابع عقد المجمع الثالث عشر الإمبراطور فريدريك الثاني وذلك في سنة ١٣٤٥ وحكم عليه فيه بكفره وبأنه كان يتسرى بجواري مسلمات. فناضل عن الإمبراطور خطباؤه وحزبه وردَّوا على البابا أنه افتض بنتاً وارتشى غير مرة. ومنهم من قال أن البابا المذكور أغرى طبيب الإمبراطور المشار إليه بأن يدس له السم في طعامه. وأن البابا لوقيوس الثاني ولي مرة حصار رومية بنفسه ومات من رمية حجر على رأسه. وأن البابا إكليمنضوس الخامس عسر كان يجول في فينا وليون لجمع المال ومعه عشيقته. وإن راهباً من الدومينيقيين سم الإمبراطور آنري عن أمر البابا وذلك في القربان
стр. 66
وإنه في سنة ١٢٠٠ تزاحم باباوان على الرئاسة وجمع كل منهما حزبه للقتال وعلى راية كل صور المفاتيح. وأن أحدهما تصرف في آنية كنيسة مار بطرس وأنفقها في أهبة الحرب. وأن البابا أوربانوس كان يعذب كل من خالفه من الكرادلة أو الكردينالات وفي ذلك الوقت أنكرت دولة فرنسا رئاسة البابا واستبدت أساقفتها بأمور رعيتهم. ومنهم من قال أن البابا يوحنا الثالث والعشرين شكي بأنه سم وباع الوظائف الكنائسية وقتل عدة أبرياء. وأنه كان كافراً ولوطياً معاً. فمن ثم خلع بحضرة الإمبراطور. إلى غير ذلك مما يضيق عنه هذا الكتاب فإني لم أضعه في الدين وإنما أوردت ما مرّ بك على سبيل الاستطراد.
فإن كان ما قاله هؤلاء المؤلفون من الفرنساويين حقاً كان أبرّ من هؤلاء الأئمة وأتقى. إذا لم يُشْكَ قط بأنه لاط أو زنى أو سم أحداً أو هاج الأبناء على آبائهم ليقتلوهم. أو أنه اختلس آنية الكنائس أو طغى وتجبر على سلطانه أو ارتشى. وإنما هي مماحكات جرت بينه وبين بطركه على أشياء غير مقيسة ولا معدودة ولا موزونة ولا مكيلة. فأنت تقول مثلاً أن دركات قنو بين المؤدية إلى سجَّين ثلاث. وهو قال ثلاثمائة. وأنا أقول ثلاثة آلاف. فما مدخل السجن هنا والعذاب. وإن كان ما قالوه كذباً وافتراء كان ذلك أدعى إلى تنكيلهم والاقتصاص منهم. لافترائهم على أحبار الله وخلفائه فواحش لن يستطيع عباد الفتيش أن يأتوا بأفظع منها. مع أنا لم نر أحد منهم عُذب أو نفي استفز من داره أو أنف من محضره. بل قد طبعت كتبهم المرة بعد المرة. وسعرها في الأسواق كسعر كتب العلم. ولعل قائلا أن عرضك هذا موجه إلى البطرك المتولي الآن وهو من أهل الفضل والمكارم وليس هو الذي سجن أخاك وقتله وإنما سلفه. قلت عندي علم ذلك. غير أنه ما دام هو يعتقد بأن ما فعله سلفه كان صواباً فهو شريك له ولا يلبث أن يعامل من يقتدي بأخي معاملة سلفه. وكذلك يعم اللوم جميع المطارنة والأساقفة والقسيسين والرهبان أن كانوا يصوبون ما فعله البطرك المتوفى. وكنت أود لو أختم هذا العرض بعتاب أوجهه إلى حضرة المطران بولس مسعد ابن خالي وخال أخي وكاتب أسرار البطرك. ولكني خشيت الآن من الإطالة. وفيما قلت ما يغني اللبيب.
الفرق بين السوقيين والخرجين
стр. 67
اعلم أن للسوقيين شهرة عظيمة في جميع الأقطار. وذلك أنهم احتكروا السلعة منذ القديم في مخازن لهم. وقالوا كل من لم يشتر من مخازننا أنزلنا به القصاص. ثم أنهم أخفوا دفتر أسعار البياعات عن المشترين وغالوا بثمن الأصناف وأشطوا. فكانوا يتقاضون من المشتري أضعاف القيمة. ثم اتخذوا لهم معامل ومخازن في جميع الأمصار وجعلوها مظلمة خالية عن الكوى ومنافذ النور. فكانوا يبيعون منها من غير أن يبدو حقيقة لون السلعة ورقعتها. وكانوا يجعلون ما يبيعونه من أصنافها ملفوفاً مظروفاً فيأخذه الشاري وينطلق به ولا يرى منه شيئا. وكان عندهم من النساجين والخياطين والرفائين والصباغين ما يفوق العدد. فكان هؤلاء يصنعون لهم كل ما يأمرونهم به. واتفق في بعض السنين أن وقع موات ذريع في الماشية وأمحلت البلاد فقلّ الصوف والحرير عندهم وكادت الانوال والمعامل تتعطل. فارتأى رجل منهم من أهل الحصافة والحذق أن يستعمل الشعر وبعض أصناف الحشيش بدل ما أعوزهم من الحرير وغيره. وجاء عمله هذا متقنا محكما حتى اشتبه على أكثر الناس. ثم أن نفراً من المعسرين الذين حملهم الضنك في المعيشة على توسيع دائرة الفكر والنظر في الأمور والتمييز لها فإن جل العلماء والمستنبطين من الصعاليك ذهبوا يوماً إلى بعض المخازن لشراء ما لزم لهم وجاءوا بما اشتروه إلى منازلهم ملفوفا مصوناً على العادة. وكان أحدهم يهوى إمرأة يريد أن يتزوج بها وقد اشترى لها منديلاً. فلما أهداها إياه بحضرتهم وكانت ذات استشراف واستطلاع واستكشاف للمستور كما هو شأن سائر النساء. أخذت المنديل وقبل أن تشكره على معروفه أدنته من نور السراج إذ كانت زيارتها له في الليل. فرأت فيه خللاً كبيراً مع أن النور كان طفيفاً يوشك أن ينطفئ. وإذا بها صرخت تقول بئس من باعك هذا أنه قد غبنك. إن فيه خللاً مثل الذي قد فتنك. فلما سمعوا ذلك تنبهوا فأخذ بعضهم ينسل حاجته. وصار الآخر يقيس ثوبه على قامته وهلمّ جرّا. فظهر لهم أن البضاعة ليست على وفق مرادهم. لأن من ذهب ليشتري حاجة بلون أحمر وجدها سوداء. ومن أراد ثوباً طويلاً وجده قصيراً. ومن أراد حريراً وجده كرباساً فرجعوا بها في الغد إلى الباعة وقالوا لهم قد بعتمونا ما لم نرده. وأوردوا لهم عللاً وأسباباً للإقالة. فقال صاحب المنديل لقد كدتم تسودون وجهي عند محبوبتي البيضاء. وكادت تغاضبني لما أتحفتها من سقط المتاع لولا إنها طمعت فيما يكون خيراً منه. فقالت لهم الباعة إنما بعناكم ما طلبتم ولكن على أبصاركم غشاوة فلستم تبصرون اللون ولا الرقعة ولا تعرفون المقادير ولا المقاييس. فقال من اشترى الثوب كيف يمكن أن يجهل الإنسان قامته ويعرفها آخر غيره. وقال صاحب اللون الأسود إنما أردت اللون الأحمر وها أن ثوبك أسود ورفيقاي هذان يشهدان لي وما هو واضح لكل ذي عينين. فقال له البائع أنت أعمى لا تميز الألوان ثم ذهب ليأتيه بلماك ليكحله به فأبى ذاك وقال لا بل أنت عمه أعمى. وقال من أشترى الكرباس بدل الحرير هب أن البصر يغش أفيخفي اللمس على الأعمى. فلج بينهم الجدال والعناد وملئوا المكان صخباً وضجيجاً. وفيما هم على ذلك إذا برجل أقبل يسعى وهو يلهث بُهراً وقد اندلع لسانه ووضع يديه على كشحيه. فما كاد يدخل الحانوت حتى سقط لا يستطيع حراكاً وغدا يئن ويقول آه امرأتي آه امرأتي. ثم غشي عليه ساعة. فلما أفاق أدار نظره يمينه ويسره فرأى غريمه. فلم يتمالك أن وثب من مجثمه وقال. يا أهل الفساد. ومروجي الكساد. ومسببي الفتن بين المرء وزوجته ومفرقي الأب عن ابنه وابنته. وغابني الأغرار من الشارين ومبرقعي وجوه المبصرين. كيف حلّ لكم من الله أن تغشوني وتبيعوني ما لا حاجة لي به. إني أتيتكم بالأمس أطلب منكم أن تبيعوني لحماً لأتخذ منه مرقاً لزوجتي لأنها عليلة مذ أيام. فبعتموني كسر خبز وقلتم لي إنه لحم غريض. فلما أوقدت النار لأطبخه إذا به خبز فباتت امرأتي من غير أن تذوق شيئاً وقد أصبحت لا حراك بها بلسانها. فهي لا تزال تلعن تلك الساعة التي رأتني فيها قبل الزواجز وتسب القسيس الذي كان السبب فيه. وقد حلقت إنها إذا برئت من مرضها لتأمرن النساء جميعاً يكن مع أزواجي ضجعاً مفسلات مناشيص وكأنه لما قال ذلك فار دمه في دماغه فوثب من مكانه وكاد أن يبطش بالبائع. لولا أن تداركه بعض الصنّاع في الحانوت.
стр. 68
فلما تملص البائع من يديه صعد منبراً وقال. أيها الخصماء. ولا تعجلوا إلى اللوم فإنه من دأب اللؤماء. أن عيونكم قد غشي عليها فهي تبصر الأحمر أسود. وذوقكم قد فسد فعندكم أن اللحم خبز مُفْتاد. وعقلكم قد رك وحرض فأنتم تحسبون الحرير قطناً. والجوهر عهنا. فما ينصفنا إلا قيم السوق فهلموا إليه وإلا فأنتم من أهل الكفر والفسوق. فلما سمعوا مقالته وعلموا أن محاكمته لهم عند شيخ السوق شطط لكونه أضعف منهم بصراً وبصيرة لهرمه. التهبوا غيضاً فجعلوا يركسون الأمتعه ويشوشونها ويبعثرونها ويمزقون كل ما قدروا عليه ويطئون ما أمكن لهم وطؤه ويكسرون كل ما أصابوا من معد وصندوق وكؤوس وأكواب وخرجوا وهم سامدون. ثم تواطئوا على أن يعتقدوا مجلساً تلك الليلة ليدبروا في أمورهم. فلما كان المساء اجتمعوا وقالوا قد اتضح لنا إن هؤلاء الباعة ظالمون غابنون. وإن حواسنا لم تر الشيء إلا على ما هو عليه. فشكراً لله ولصاحبة المنديل التي هدتنا إلى هذا. فتعالوا نستقلّ بأمورنا ونعمل لنا مخازن ومعامل كما عملوا هم. ثم اتخذوا لهم شيعة وأخدانا وأصحاباً وأعواناً. وأسقطوا عنهم من السعر ما أمال إليهم كثيراً من الناس. وقالوا لهم أن عهدنا إليكم أن نبيعكم البضاعة بمرأى أعينكم ولمس أيديكم وذوق ألسنتكم. ومن لم يرض شيئاً اشتراه فإنا نبدله له بما هو خير منه. ثم بحثوا عن الدفتر ونشروه في جميع البلاد واستعملوا لذلك وسائل مختلفة. وقالوا للناس هاؤكم الدفتر النور. والدستور الأكبر. فلا تشتروا منا حاجة إلا على مقتضى تسعيرة. ولا تذهبوا إلى شيخ السوق فإنه هالك في غروره. فرضي الناس بما اشترطه هؤلاء على أنفسهم. وانفصلوا عن الشيخ المذكور وعن حزبه. وغدا كل من الحزبين يكذب حريفه ويسوئ عليه ويخطئه ويسفه ويحمرّه ويفنده ويحرفه ويلعنه ويكفره ويؤثمه ويفسقه.
وسبحان من يداول الأيام بين الأنام.
الكتاب الثاني
دحرجة جلمود
قد ألقيت عني والحمد لله الكتاب الأول وأرحت يافوخي من حمله. وما كدت أصدق أن أصل إلى الثاني فإني لقيت منه الدُّوار. ولا سيما حين خضت البحر مشيعاً للفارياق تفضلاً وتكريماً. إذ لم يكن مفروضاً عليّ أن أرافقه في كل مكان وقد مضى عليّ حين بعد وصوله إلى الإسكندرية والتقامه الحصاة من الأرض ولسان قلمي يتمطق وثغر دواتي مطبق حتى عاد إلى نشاطي فاستأنفت الإنشاء ورأيت أن أبتدئ هذا الكتاب الثاني بشيء ثقيل ليكون عند الناس أكثر اعتباراً وأطول أذكاراً. وكما إني ابتدأت الكتاب الأول بما يدل على إلمامي بشيء من العلويات إن كنت لما تنس ما مر بك، استحسنت الآن أن آخذ في شيء من السلفيات لأجل المطابقة. هذا ولما كان الحجر من الجواهر المنيعة المفيدة راق لي أن أدحرج منه هنا جلموداً من أعلى قمة أفكاري إلى أسفل حضيض المسامع. فإن وقفت تنظر إلى تصوبه من دون أن تتعرض له. وتحاول توقيفه مرَّ بك كما تمر السعادة عليّ. أي من غير أن يصيبك منه شيء. وإلا أي من استسهلت حبسه عن منحدره كر عليك ودفعك تحته. والعياذ بالله مما وراء هذا الدفع. فأنظر إليه ما هو متحرط للسقوط. هاهو متصوب فالحذر الحذر. قف بعيداً وأسمع من دويًه ما يقول.
أن من نظر بعين المعقول إلى هذه الدنيا وإلى ما أختلف فيها ائتلف من الأحوال والأطوار والجوار والأعراض. والأوطار والأغراض. والعادات والمذاهب. والمراتب والمناصب. وجد أن كل شيء يمر عليه منها يفوق كنهه إدراكه ويفوت تأمله. وأن حواسنا وأن تكن قد ألفت أشياء لم تغادر الألفة عليها محلاً للتعجب منها. إلا أن تلكم الأشياء لا تنفك في نفس الأمر عن كونها معجبة محيرة ومن تبصر في أدنى ما يكون منها حق التبصر رأى نفسه كمن قد أهمل أداء فرض تعين عليه. أنظر مثلاً إلى اختلاف ضروب النبات في الأرض فكم فيه من الأزهار البديعة الصنعة العجيبة الكينة من دون أن نعلم لها منفعة خصوصية. وإلى اختلاف أنواع الحيوان من دبابات وهوام وحشرات وغيرها. فإن منها ما هو حسن الشكل ولا فائدة منه ومنها ما هو قبيحه والحاجة إليه ماسة. وأنظر في السماء إلى هذه النجوم درارئها كوكب درّي ويضم متوقد متلألئ.
وخنسها الخنس الكواكب كلها أو السيارة أو النجوم الخمسة إلخ.
وبيانياتها الكواكب البيانيات التي لا تنزل بها الشمس ولا القمر.
стр. 69
وتوائمها توائم النجوم واللؤلؤ ما تشابك منها.
وبروجها معروف وتنينها التنين بياض خفي في السماء يكون جسده في ستة بروج وذنبه في البرج السابع الخ.
ومجرتها باب السماء أو شرجها.
ورجمها النجوم التي يرمى بها.
وأعلاطها أعلاط الكواكب الدراري التي لا أسماء لها: وإناثها الإناث صغار النجوم.
وخسانها النجوم لا تغرب كالجدي والقطب وبنات نعش والفرقدين.
وأنوائها النوء النجم مال للغروب أو سقوط النجم في المغرب مع الفجر وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق. التي يرجع البصر عنها وهو كليل.
وإلى اختلاف سجن الناس ورؤوسهم. فإنك لا تكاد ترى سحنة بشر تشبه سحنة آخر غيره. ولا تجد بين رؤوسهم أي عقولهم رأساً يشبه غيره. فمن عباد الله هؤلاء من أختار المخالطة والمقارفة. والمحاشرة والمزاحمة والمضاغطة والمصادمة. والمباراة والمعاجمة. والملاهسة والمداحمة. والمجاحسة والمداغمة. والمزاعمة والمداهمة. والمساومة والمزاهمة. على اختلاف فيها. وذلك كالتجار والنساء. ومنهم من قابلهم بضد ذلك فاختار العزلة والانفراد كالنساك والزهاد. ومنهم من جعل دأبه التهافت على اليمين والافتراء. والغلو والإطراء. كالشعراء والمستأجرين لمدح الملوك فيما يطبعونه من هذه الوقائع الإخبارية -ومنهم من قابلهم بضده فآثر الصدق والتحري- والتحقيق والتروي. والقول الفصل والمطابقة بين الماضي والحاضر والآتي. وذلك كأهل الفلسفة والحكمة والرياضة. ومنهم من يعمل النهار كله ويكد بكلتا يديه وكلتا رجليه وربما لم ينطق بكلمة واحدة. وذلك كأصحاب الصنائع الشاقة، ومنهم من لا يحرك يده ولا رجله ولا كتفه ولا رأسه وإنما ينطق في بعض أيام الأسبوع بكلمات ثم يقضي سائر الأيام مستريحا متنعما -مترفها متترفا- وذلك كالخطباء والوعاظ والمرشدين إلى الدين. ومنهم من يفتك ويبطش ويجرح ويقتل كالجند. ومنهم من يعالج ويداوي ويشفي ويحي كالإساءة وأولياء الله تعالى أهل الكرامات والمعجزات. ومنهم من يستأجر للتطليق. ومنهم للتحليل. ومنهم للإيلاد. ومنهم للإلحاد. ومنهم للتفريق. ومنهم للتأليف بين الآحاد. ومنهم من يتكوى في بيته فلا يكاد يخرج منه إلا لضرورة. ومنهم من يصعد الجبال والأدقال. والمنابر والأشجار. ومنهم من يهبط الأودية والبواليع والمراحيض. ومنهم من يسهر الليالي في تأليف كتاب. ومنهم من لا يذوق النوم حتى يحرقه. ومنهم من يسود ومن يساد. ومنهم من يقود أو يقاد. ومع هذا التنافي والتباين فمآل مساعيهم وحركاتها كلها إلى شيء واحد. وهو إدخال الإنسان خنابتيه غداة كل يوم في رائحة كريهة قبل أن يستنشق روائح الأزهار. ويتمتع بمتوع النهار.
وأعجب من جميع ما مر بك من هذه الأحوال حالتا أصحابنا السوقيين والخرجيين. فإن حرفتهم لما كانت لا تتوقف إِلا على استعمال أداتين فقط. أي المخيلة والقسم دون افتقار إلى آلة أخرى. وكان مورد أقوالهم. ومصدر جدالهم. ومبنى انتحالهم. وجلّ رأس مالهم قولهم يحتمل أن يكون هذا الشيء من باب المجاز الإسناد أو اللغوي. أو من مجاز المجاز أو الكناية. أو من حمل النظير على النظير. أو النقيض. أو من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم أو بالعكس. أو من قبيل ذكر البعض. وإرادة الكل أو بالعكس أو من نوع أسلوب الحكيم. أو من باب التهكم. أو من طاقة التلميح. أو من كوّة الالتفات. أو من خرق الحشو. أو من خرت الإدماج. أو من خصائص الاكتفاء. أو من شق الاحتباك. أو من سم عكس التشبيه. أو من خلل سوق المعلوم مساق غيره. أو من فتخات التجريد. أومن فرجة الاستطراد. أو من ثقوب التورية. لم يكن من اللائق بهم أن يخلطوا هذه الأوّات وتلك اللوَّات بشيء.
من العرّادات العرّادة شيء أصغر من المنجنيق.
والدبابات الدبابة آلة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها.
الدراجة الدبابة تعمل لحرب الحصار تدخل تحتها الرجال.
المنجنيق. المنجنيق آلة ترمي بها الحجارة كالمنجنوق معربة والمنجليق المنجنيق والنفَّاطات النفّاطة أداة من نحاس يرمي فيها بالنفط.
والخَطّار المنجنيق والذي يطعن بالرمح.
والسبطانات السبطانة قناة جوفاء يرمي بها الطير.
والضبر جلد يغشى خشباً فيها رجال تقرَّب إلى الحصون للقتال.
стр. 70
والقَفْع جُنَّة من خشب يدخل تحته الرجال يمشون به في الحرب إلى الحصون والجُلاهق الذي يرمي به ونحوه البراقيل والبنادق.
والَحسَك أداة للحرب من حديد أو قصب فيلقى حول العسكر تعمل على مثال الحسك المعروف.
والقُرْدُمانّي قباء محشو يتخذ للحرب وسلاح كانت إلا كاسرة تدخرها في خزائنهم والدروع الغليظة.
والتجفاف آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان.
واليَلب التِرَسة أو الدروع من الجلود.
والسَرْد اسم جامع الدروع.
والدَرَق التروس من جلود بلا خشب ولا عقب ونحوه الحجف.
والحرشف الرجالة وما يزيّن به من سلاح.
والعَتَلات العَتَلة العصا الضخمة من حديد لها رأس مفلطح يهدم بها الحائط.
والمِنْسَفات المِنسفة آلة يقلع بها البناء.
والفَلقَ مقطرة السجّان وهي خشبة فيها خروق على قدر سعة الساق والَخنازر الَخنزرة فأس عظيمة يكسّر بها الحجارة.
والعذراء شيء من حديد يعذّب به الإنسان لا قرار بأمر ونحوه.
والمقاطِر المقطرة خشبة فيها خروق على قدر سعة أرجل المحبوسين.
والمراديس المِرداس آلة يدك بها الحائط والأرض.
والدَهَق خشبتان يغمز بهما الساق.
والصاقور الفأس العظيمة.
والمَلاطِس المِلْطس المِعول الغليظ.
والمَقاريص المقراص السكين المعقرب الرأس.
والملاوظ المِلوظ عصا يضرب بها.
والمقامع المِقمعة خشبة يضرب بها الإنسان على رأسه.
والمقافع المقفعة خشبة يضرب بها الأصابع.
والحَدّأة الفأس ذات الرأسين.
والمِنقار حديدة كالفأس.
والمهامِز المِهْمزة المقرعة أو عصا.
والعرافيص العِرْفاص السوط يعاقب به السلطان.
والمخافق المخفقة الدِرّة أو سوط من خشب.
ولا بالرماح الطاعنات والسيوف الباترات والنبال الصاردات والنصال المدميات والمقادع المولمات والمقارع المضنيات والصلب المهلكات والخوازيق النافذات والأغلال المصلصلات والنيران المتأججات والغارات والغزوات والنكايات والكبسات والاستلابات والافتضاضات والاثكالات والعداوات والمشاحنات وآخر الجميع بالركاكات. فكم لعمري من دم سفكوا. وجند أهلكوا. وعرض هتكوا. وحرمة انتهكوا. وذي أهل ربكوا. وعزب همكوا. ونساء أيّموا وأولاد يتموا. وبيوت خرّبوا. وأموال نهبوا. ومصون أذالوا. وحرز نالوا. ومستور فضحوا. وحرام أباحوا. فهل فعل ذلك من قبلهم شَدَنة.
الأنصاب الأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهلّ عليها ويذبح لغير الله تعالى.
والكعَبَات الكعبات أو ذو الكعبات بيت كان لربيعة كانوا يطوفون فيه والربّة كعَبة لَمذحِج.
وبُسّ بيت لغطفان بناها ظالم بن أسعد لما رأى قريشاً يطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا والمروة فذرع البيت وأخذ حجراً من الصفا وحجراً من المروة فرجع إلى قومه فبنى بيتاً على قدر البيت ووضع الحجرين فقال هذان الصفا والمروة واجتزأ به عن الحج فأغار زهير بن جناب الكلبي فقتل ظالماً وهدم بناءه. وعَبَدة مَرحَب صنم كان بحضرموت.
والعَبْعَب صنم.
والغَبْغَب صنم.
ويَغُوث صنم كان لمذحج.
والبُجّة والسجّة صنمان.
وسَعْد صنم كان لبني ملكان.
وود صنم ويضم.
وآزر صنم.
وباَجر صنم عبدته الأزدويكسر.
وجِهار صنم كان لهوازِن.
والدوَّار صنم ويضم.
والدارِ صنم سمّي به عبد الدار أبو بطن.
وسُعَير صنم.
والأُقَيْصِر صنم.
وكَثْرَى صنم لجديس وطسم كسره نهشل بن الرئيس ولحق بالنبي ﷺ فأسلم.
والضمار صنم عبده العباس بن مرداوس ورهطة.
ونَسْر صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير.
والشمس صنم قديم.
وعُمْيانِس صنم لِخَولان كانوا يقسمون له من أنعامهم وحروثهم.
والفِلسْ صنم لطيء.
وجُرَيش صنم كان في الجاهلية.
والخلصة صنم كان في بيت يدعى الكعبة اليمانية لخثعم.
وعوْض صنم لبكر بن وائل.
وإِساف صنم وضعه عمر بن لَحيّ على الصفا.
ونائلة صنم آخر وضعه على المروة وكان يذبح عليهما "في قول".
والُمحرَّق صنم لبكر بن وائل.
والشارقِ صنم في الجاهلية.
والبعل صنم كان لقوم الياس عم.
وسواع صنم عبد في زمن نوح عم فدفنه الطوفان فاستشاره إبليس فعبد وصار لهذيل وحُجّ إليه.
والكُسْعة صنم.
والعَوْف صنم.
وذي الكفَّين صنم كان لدوس.
ومناف صنم
стр. 71
ويعوق صنم لقوم نوح أو كان رجلاً من صالحي زمانه فلما مات جزعوا عليه فأتاهم الشيطان في صورة إنسان فقال أمثله لكم في محرابكم حتى كلما صليتم ففعلوا ذلك به وبسبعة من بعده من صالحيهم ثم تمادى بهم الأمر إلى أن اتخذوا تلك الأمثلة أصناماً يعبدونها.
والأشهل صنم ومنه بنو عبد الأشهل لحيّ من العرب وهُبل صنم كان في الكعبة.
وياليل صنم.
والبَعيم صنم والتمثال من الخشب والدمية من الصبغ.
والأسحم والأسحم ونهُمْ صنم لمزينة وبه سموا عبد نهم.
وعائِم صنم.
والضَيْزن صنم.
والمدان صنم.
والجبهة صنم.
واللات صنم لثقيف سمى بالذي كان يلتّ عنده السويق بالسمن ثم خفف وهو في حديث عروة الرَّبة.
وذي الشرى صنم لدَوْس.
والعزَّى صنم أو سَمُرَة عبدتها غطفان أول من أتخذها ظالم بن أسعد فوق ذات عِرْق إلى البستان بتسعة أميال بنى عليها بيتاً وسماه بساً وكانوا يسمعون فيها الصوت فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلمخالد بن الوليد فهدم البيت وأحرق السمرة.
ومناة صنم.
واِلالاهة الحية والأصنام والهلال والشمس ويثلث كالاليهة.
والطاغوت اللات والعزّى والكاهن والشيطان وكل راس ضلال والأصنام وكل ما عُبد من دون الله.
والزَوْن الصنم وما يتخذ ويعبد- والموضع تجمع فيه الأصنام وتنصب وتزيَّن.
والجِبْت الصنم والكاهن والساحر والسحر والذي لا خير فيه وكل ما عُبد من دون الله تعالى.
أو عبدة الشمس والقمر وزحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد وفُرْدود والفرقد والذِيْخ والكَتَد والعوائذ والحَضار والأحور والزُبْرة والأظفار والعُذر والمعَرَّة والأعيار والنثرة والجوزاء والبرجيس والتياسين والمَيْسان والسُنَّيق والشَرَطين والفارطين والأثافي والعيوق والعوهقين والصرفة والطرفة والأبيض والضباع والهقمة والهنعة والردف والمغلف والناقة والنسقين والسماكين وشُهَيل والشولة والعوكلين والمِرْزَمين والسلم والبُطَين والقدر والحية والتحايي والخراتين والخِباء وسُهَي والشاة والعَوَّاء وكُوَيّ.
стр. 72
فكان يجب عليهم أن يجمعوا رأيهم على أمر واحد ويقولوا من حيث أن حرفتنا لا تحتاج بحمد الله إلى قياس وعدد كحرفة الطبيعيين والمهندسين والرياضيين. فإنهم أيّان طلب المناقش منهم دليلاً بادروا حالاً إلى البرهان بالمقادير والمساحة والحساب. فانصبوا أنفسهم وأنفس سائليهم. كان حقاً علينا أن ننهج منهاجاً مريحاً يقرّبنا ومُعاملينا إلى الغرض المقصود. وهو أن نيسر أسباب تعلم هذه الحرفة لكل مضطر إليها منهم. فمن شاء بعد ذلك أن يلبس قباء أوجبة مع سراويلات من تحتها أو تبان فليصنعها هو بأي لون أعجبه وبأي شكل راق له. إذ ليس من الرشد أن يعترض الإنسان إنساناً آخر في كيفية لبسه أو في ذوقه ومنامه. لأن أبن آدم من يوم يستهل بالبكاء إلى أن يبلغ أربع عشرة سنة يعيش مستغنياً عنا مفتقر إلى ما رسمنا به عليه. إذ الغريزة تهديه إلى ما يلائمه ويصلح له. إلا ترى أن الطفل إذا خُلي وطبعه لم يلبس الكتان الرفيع في الشتاء وإن كان مطرّزاً. ولا الفرو في القيط وأن كان مزركشاً. وأنه متى جاع طلب الأكل. ومتى نعس نام. وأن طربته بجميع آلات الطرب والأنغام. ومتى ظمئ شرب. ومتى تعب استراح فهو في غنى عنا من أصل الفطرة. حتى أنه يمكنه بحول الله تعالى أن يعيش مائة وعشرين عاماً وشهراً من دون رؤية وجه أحد منا أو مشاهدة تاجه وحلته الفاخرة وخاتمه النفيس وعصاه المفضضة. فلندع الناس إذاً في دعتهم وسلامتهم وشغلهم. ولا نتطفل عليهم ولا نكلفهم ما لا طاقة لهم به. إذ لو شاء الله أن يخرج الطفل إلينا لأوحى إليه أن يسأل أبويه من وقت ترعرعه عن أسمائنا ومقامنا. وعما نحن عليه من المماحكة والجدال، والقيل والقال، والتشاحن والتشاجر، والتناقر والتنافر، والتلاعن والتهاتر، والتدابر والتهاجر، وأحسن من تركه على هذه الحالة ما إذا عنينا بتأديبه وتربيته وتهذيبه وتعليمه صنعة تنفعه في تحصيل معيشته والديه. كالقراءة والخط والحساب والأدب والطب والتصوير. وما إذا نصحنا له أن يسعى في خير أبويه نفسه وخير أبويه ومهارفه وجنسه وكل من صدق عليه أنه إنسان بقطع النظر عن هيئات اللباس وتفاوت الألوان والبلاد. لأن اللبيب الرشيد لا ينظر إلى الإنسان إلا لكونه متصفاً بالإنسانية مثله. ومن أعتبر الأمور الطارئة عليه كالألوان والطعام والزي فإنه يتباعد عن مركز البشرية كثيراً. وإنما يتم حسن صنيعنا هذا كله ما صنعناه حسبة لوجه الله تعالى. غير طالبي الجزاء والهدايا. ولا النذر والعطايا. لأن كثيراً من الأطباء يداوون المعسرين مجاناً. فترى أحدهم يغادر طعامه وفراشه ويذهب إلى مريض محموم أو به جدري أو طاعون احتساباً عند الله. إذ الناس كلهم عيال على الله. وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله.
هذا ما كان ينبغي أن يقولوه. وهذا ما أقوله أنا. تأمل في خرجي أقبل يطوف البحار والأمصار. ويجول في الجبال والقفار. ويعرّض نفسه ونفس من ينحاز إليه للسب والقذف والعداوة والمشاحنة وما ذلك ألا ليقول للناس أنه أعرف منهم بأحوالهم. وإذا سُئل عن دواء لعين رمدت أو ساق قرحت أو أُدرة انتفخت أو إصبع دميت. أو إذا قيل له ما ترى في من كثرت عياله، وقلّ ماله، وعّظه زمانه، وجار عليه سلطانه، فمني بالجوع، وحرم الهجوع. وأصبح يمشي والناس ينظرون جهوته، ويتجنبون خلطته. ولا يستعملونه ولا يستخدمونه، لما تقرر في عقولهم من أن الفقير لا يحسن عملاً. وقد أصبحت أولاده يبطون ويتضورون وامرأته تشكو وتسترحم ولا راحم لها لكون شبابها قد ذهب في تربية أولادها. أو قيل له هل عندك من مأوى لضيف عرير، ما له من نصير؟ قال ما جئتكم لهذا وإنما قدمت إليكم لأنظر في أنوالكم التي تنسجون عليها بضاعتكم وفي ألوانها التي لا تشاكل ما عندي في الخرج من اللون الناصع، وما أن يهمني النظر فيما فيه راحتكم وإنما الراحة فيما به تعبكم. ولو تعطلت جميع معاملكم لاقتصاركم على لوني الذي أبرزه لكم راموزاً وعنواناً واستوجبتم بذلك لوم التجار والحراث والحكام لم يكن عليّ في ذلك من شيء.
стр. 73
وهذا سوقي يضع إحدى عينيه على فم جاره والأخرى على عينيه. ثم يغلّ يديه ورجليه. ويقول له اليوم يجب عليك أن تتنحس. لأن شيخ السوق أصبح متخماً يشكو وجعاً في معدته وأمعائه وأضراسه وهو نحس. فينبغي أن نجانسه ونمسك معه. لا يحل لك لليوم أن تنظر. لأن الشيخ المشار إليه أضربه طوال السهر البارحة مع ندمائه ونديماته فغدا وبإحدى عينيه الكريمتين رمد أو عمش. لا يحل لك اليوم أن تعمل بيديك. ولا أن تحرك رجليك. ولا أن تسمع بأذنيك. أو تستنشق بمنخريك لأن السوق اليوم لم تقم والبياعات لم تنفق. ثم هو إذا قيل له أفلا تصلح بين زيد وزوجته فقد خاصمته بالأمس بعد أن جاءت من حانوتك العالي وتماسكا بالشعور وحلفت المرأة لتمنينه بحيزبون أو لتشكونه إلى أحد أصحابك الضواطرة الكبار. أو أن عمرا قد حبس منذ يومين لكونه دان بعض الأمراء ولم يمكن له أن يحاكمه ويستوفي منه حقه. ففلّهُ القاضي وأركبه حماراً في الأسواق ووجهه إلى دبه الحمار. أو أن فلاناً قد مرض ولزم فراشه لأنه ناقش بعض خدّام الأمير فنكل به الأمير ضرباً بالعصي على رجليه وصفعا بالنعال على القذال. فغدا لا حراك به وقد ورمت رجلاه وانتفخ قفاه. لم يكن منه إلا قوله ما دام السوق وشيخه سالمين فالدنيا كلها سالمة. والمصالح مستتبة والسوق مرفوعة وقائمة. والبطون ملئى والأفواه لاقمة. والأضراس خاضمة والمعد هاضمة والأيدي غانمة. والأفراح دائمة. والخيرات متراكمة. والرؤساء حارمة. والعناية عاصمة. والقادمات بالبذور متزاحمة. والوقوف شاملة عامة. وثغور الأماني باسمة. والسلامة خاتمة. إلى السوق. إلى السوق. فهو حرز العلوق. وذخر الحقوق. في الصندوق. في الصندوق. فهو أولى من الصبوح والغبوق. وقد طالما والله امتلأ هذا الصندوق ذهباً وجواهر ثم افرغ على تهاتر وترهات ومباحث فارغة وأمور سخيفة. فقد بلغنا أن بعض ضواطرة السوق انفق في مدة ست سنين قضاها بالبحث والجدال على شكل قبعة كذا وكذا بدرة من المال. وتفصيل ذلك أنه نظر نفسه ذات يوم في المرآة وكان قد تعلم مبادئ الهندسة والهيئة. فرأى رأسه مدورّاً كالبطيخة فراق له أن يتخذ قبعة مدورة على هيئة رأسه. لأن المدور يلائم المدور كما تقرر في الأصول. فرآه بعض مزاميله من سوق آخر وكان اعظم منه قدراً ووجاهة وأوفر علماً. فسخر منه وقال له من وسوس إليك يا ابن قبعة، حتى لبست هذه القبعة. مع إن شكل رأسك مخروط. فقال له قد ضللت بل هو أكثر استدارة من رأسك كما يشهد لي بذلك شيخ السوق. قال كذبت بل هو مخروط وأن كنت كثير العنس إليه وإني أهدي من شيخك وأقوم طريقاً. قال كفرت وعميت عن معرفة نفسك فأنى لك أن تعرف غيرك. قال تبدعت بل أنت عمه كمه وقد حمقت وسفهت في عدم قبولك النصح. فاليوم ترى الناس المدور من المخروط. والسارط من المسروط. ثم لجّ بينهما العناد وتقابضا بالازياق والجيوب والإقلاع. ثم بالجمم ثم بالأعراض.
стр. 74
فمزق كل منهما عرض صاحبه أي عدوه. ثم صاحا واستغاثا وتشاكيا لدى الحاكم وتباهلا وتهاترا. فلما ثبت للحاكم أن فعلهما فعل الشبازقة رأى أن مداومتهما بغرامة رابية، أولى من حصرهما في الزاوية. فانصرف كل منهما وقد غرم كذا وكذا بدرة. ثم أن الضوطار الأول اتخذ له بعد ذلك قبعة بين بين. أي نصفها مدور ونصفها مخروط بحيث لا يقدر على تمييزها إلا الجهبذ النحرير، والناقد الخبير وآب إلى حانوته كمن قفل من غزوة أو اسر الدحية "رئيس الجند" أو كذلك الديك الغالب. وأول ما أطل على السوق أمر جميع القبعيين أن يخرجوا لملاقاته بالتقليس لا بالتلقيس. فخرجوا على تلك الحالة وهم يضجون ويقولون: اليوم عيد القبعة. اليوم عيد الفرقعة. يا أمععة يا أمعة. فبصر بهم أعوان الحاكم في ذلك الصقع فظنوا أنهم خلعوا ربقة الطاعة. وشقوا عصا الجماعة. فبادروهم بآلات الاز والبحز والبخز والبزّ والبغز والبهز والجرز والجلز والحزّ والحفز والخز والدغز والرز والرفز والزز والشخز والشرز والشفز والشكز والضخز والضفز والطعز والعرز والقحز والقلز واللبز واللتز واللزّ واللكز واللقز واللمز واللهز والمحز والمرز والمهز والنحز والنخز والنغز والنكز والنهز والوخز والوكز والوقز والوهز والهبز والهرز والهمز والرهز. حتى جعلوهم عبرة للمعتبر. وفرّ الضوطار بقبعته وقد أوقع قومه في الخزي والعار مما أصاب الرجال من الرزء ولحق النساء من الزيادة. ومع ذلك كله فلم يجده شيخ السوق المستعز به شيا. بل ظل مكبّاً على تعاطي الأفيون لطول أرقه وتبييته. وقد سد أذنيه ببعض أوراق دفاتر السوق لئلا يسمع صراخ المستجيرين به أو يوقظه أحد من سباته. فهو راقد إلى هذا اليوم أي يوم تدوين هذه الواقعة. فإن أفاق فللقارئ أن يقيد ذلك في آخر هذا الفصل فقد تركت له محلا.
انتهت دحرجة الجلمود والحمد لواجد الوجود
سلام وكلام
стр. 75
عمت صباحا يا فارياق؟ كيف أنت؟ وكيف رأيت الإسكندرية؟ هل تبيَّنت نساءها من رجالها فإن النساء في بلدكم لا يتبرقعن. وكيف وجدت مآكلها ومشاربها وملابسها وهواءها وماءها ومنازلها وإكرام أهلها للغرباء؟ ألم يزل برأسك الدوار؟ وعلى لسانك هجو الأسفار؟ قال: أما موقع المدينة فأنيق لكونه على البحر. وقد زادت بهجة بكثرة الغرباء فيها فترى روس ناس مغطاة بطراطير وأخرى بطرابيش. وأخرى بكمام وغيرها بمقاعط. وأخرى ببرانس وغيرها بعمائم. وأخرى بأصناع وغيرها بعصائب. وأخرى بعمارات وغيرها بمداميج. وأخرى بنصاف وغيرها بقبعات. وأخرى بقلانس وغيرها ببراطل. وأخرى بسبوب وغيرها بأراصيص. وأخرى بأراسيس وغيرها بخنابع. وأخرى بقنابع وغيرها بدنيات وأخرى بصواقع وغيرها بصمد وأخرى بصوامع. وغيرها بمشامذ وأخرى بمشاوذ. وغيرها ببرانيط على شكل الشقيط والشبابيط والضفاريط والضماريط والقلاليط والعضاريط والعذافيط والعماريط والقماعيط. ومنهم من له سراويلات طويلة مفرسخة تكنس ما خلفه وما قدَّامه ومنهم من لا سراويلات له فبعثطه باد والناس يتمسحون بما أمامه. ومنهم من له تبّان. ومنه من له إتب. ومنهم يؤثر ومنهم بهميان ومنهم برجل "السراويل الطاق" ومنهم بأندرورد ومنهم بدقرارة أودُقرور. ومنهم من يركب الحمير والبغال. وغيرهم على الخيل والجمال. والإبل في ازدحام والناس في التطام. فينبغي للسائر بينهم أن لا يفتر على الدعاء بقوله اللهم أجِر. اللهم أحفظ. اللهم ألطف. توكلت على الله. استعنت بالله. أعوذ بالله. فأما براقع النساء فهي وأن كانت تخفي جمال بعضهن إلا تريح العين أيضاً من قبح سائرين. غير أن تستر القبيحات اكثر. لأن المليحة لا يهون عليها إذا خرجت من قفصها أن تطير في الأسواق من دون أن تمكن الناظرين من رؤية ملامحها. لينظروا حسنها وجمالها ويكبروا لافترارها. فيقولوا ما شاء الله. تبارك الله. جل الله. الله الله. حتى إذا رجعت إلى منزلها اعتقدت أن جميع أهل البلد قد شغفوا بها حباً. فباتت تنتظر منهم الهدايا والصلات. والأشعار والمواليات. فكلما غنى مغن أنصّت إلى غنائه وسمعت اسمها يتشبب به. فإذا بكرت في اليوم القابل إلى الأسواق ورأت الناس مكبين على أشغالهم تعجبت من بقائهم أصحاء قادرين على السعي والحركة. فزادت لهم في كشف مسافرها، وقسامتها، ومحاجرها وفتنتهم بإشاراتها وإيمائها. ورأرأتها وإيبائها ورمزها ولمزها. وهجلها وعمزها وعنجها ودلالها. وتيهها وعجبها. وزهوها وشكلت. وتدعبها وتصعيرها. ودعجلتها ودغنجتها وتبغنجها ودهمجتها. وشزرها وخزرها وشنفها وحدلقتها وشفونها وإزلاقها. واستشفافها. واستيضاحها واستشرافها. وخلاعتها وخُيَلائها. وتمايلها وتهاديها. وتغدّنها وتعاطفها. وتثنيِّها وتاودها. وتدكلها وتخودها. وتذيلها وتعيلها. وتفتلها وتقتلها. وتذبلها وترفلها. وتبخترها وتخطلها. وتفختها وتدهكرها. وتبهكنا وتهذخرها. وتخلعها وتفككها. وميحها وحككها. وتدأديها وتغطرفها. وتوذفها وتغضفها. ودألها ووهازتها. وألها وهوادتها. وخيزلاها وخيزراها. وزأنباها وأوزّاها. ومطيطائها وكردَحائها. وهبيخاها وعِجّيساها. وهربذاها وحيداها. وهبصاها وجيضاها. وفنجلاها وهبلاها. وخبقاها ودفقاها. وعرقلاها وهمقاها. وعميثليتها وقمطراها. وسبطراها وتبدحها وترنحها. وخندفتها وخزرفتها. وخظرفتها وبادلتها. وبجدلتها وبهدلتها. وذحذحتها وحرقلتها. وحركلتها وهركلتها. ورابلتها ورهبلتها. وقهبلتها وكسملتها. وقندلتها وحنكلتها. وعردلتها وهيقلتها. وخذعلتها ودريحلتها ووكوكتها ووذوذتها. وزوزكتها ورهوكتها وفرتكتها. ومككتها ورهدنتها. وكتكتتها وبرقطتها. وقرمطتها وحرقصتها. وزهرمتها وحذلمتها. ودعرمتها وزهلقتها. وترهيها وتعمجها. وتبهرسها وتهترسها. وتغطرسها. وتكدسها وترهوكها وتهالكها وتهكيلها. وتفركها وتومزها. وتهيمها وأنفها. ورسمها وزوفها. وزيفها وهوجلها. وحتكانها وعيكانها. وزيكانها وزوكانها. ورفلانها وملدانها وزيفانها وذالانها. وريسانها وكتفانها. وميسانها وتزابيها. وهمدانيها وتثرطلها. وتعذقلها وتخزلجها. وحقطها وأبطها. وبفزها وقفزها ونقرها مقبلة مدبرة. وزاد طمعها أيضاً في الهدايا قال وقد نظمت في البرقع بيتين ما أظن أحداً سبقني إليهما وهما:
следующие страницы →