← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96931

العلمانية المفهوم والمظاهر والأسباب

مصطفى باحو

Полный текст (164 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة: بحوث في العلمانية (١) طليعة السلسلة: العلمانية المفهوم والمظاهر والأسباب مصطفى باحو

стр. 2

الطبعة الأولى: رمضان ١٤٣٢ - غشت ٢٠١١ الناشر: جريدة السبيل. سلا. المغرب. الإيداع القانوني: ٢٠١١ MO٢٢٤٠

стр. 3

تمهيد بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد، فهذه سلسلة متتابعة حول العلمانية أبدؤها بهذه الرسالة، التي جعلتها طليعة لباقي السلسلة، أي: بمثابة المقدمة العامة لها، تمهيدا لبحوثها وتأسيسا لمواضعها، ولهذا تمحورت حول مفهوم العلمانية وأسبابها ومظاهرها وتاريخها وتطورها وآثارها وغير ذلك. وستتلوها إن شاء الله سلسلة تضم أبحاثا عديدة نَجَز بعضها، وبعضها في الطريق إلى الإنجاز. منها: ١. الإسلام في نظر العلمانيين. وهو تحت الطبع بحمد الله. ٢. موقف القرآن من العلمانية. وقد فرغت منه. ٣. موقف السنة من العلمانية. ٤. ماذا تريد العلمانية؟. وقد فرغت منه. ٥. ماذا يعني تطبيق الشريعة؟ ٦. العلمانية والمذهب المالكي. ٧. المذهب المالكي والقوانين المغربية. ٨. النصوص الواردة في الفقه السياسي الإسلامي. ٩. الأخبار الواردة في جمع المصحف وتدوينه. دراسة حديثية نقدية. ١٠. الأخبار الواردة في الحنفاء: دراسة حديثية نقدية. ١١. الأخبار الواردة في الخلافة الراشدة. دراسة حديثية نقدية. ١٢. المعتزلة والصوفية، والتوظيف العلماني.

стр. 4

وستصدر تباعا إن شاء الله، وقد يحصل فيها تقديم وتأخير. هذا وتبقى بحوث كثيرة في حاجة إلى من يتصدى لها، لأنها تعتبر أحد أهم ركائز المشروع العلماني منها: ١ - دراسة تاريخ الأديان، وبيان أن الأديان سماوية، وليست مرحلة من مراحل تطور الفكر البشري، ودحض جميع الشبهات التي تثار حول الموضوع. وعلم تاريخ الأديان علم غربي، نشأ في وسط إلحادي ينكر الأديان، ويبحث لها عن مبررات وجودها، ولهذا اصطبغ بصبغة إيديولوجية أكثر منها علمية معرفية. فأغلب الباحثين الغربيين فيه وقبل كتابة بحوثهم لا يرون في الدين إلا خرافة نسجها العقل البشري، فكيف نتحدث عن نزاهة البحث العلمي وحياديته؟ هنا يكون البحث العلمي محكوما بآراء مسبقة يصعب تجاهلها (١). ٢ - دراسة علوم قراءة النص كالسميولوجيا، والهرمنيوطيقا، والألسنية، والأسلوبية، وعلم السرد، وبيان ما لها وما عليها وإبراز اختلاف اجتهادات رموزها، وأن ما فيها من مناهج صحيحة لقراءة النص لا يمكن أن تؤدي إلا إلى قراءة صحيحة للنص الديني، وأن الآفة من القارئ لا من المنهج، الذي يريد أن يقرأ ما يريد هو في النص لا ما يريد أن يقوله النص.

стр. 5

وطالما تبجح أركون ونصر أبو زيد بهذه الآليات، وأن اعتمادها كاف لتجاوز النص الديني برمته. وطوال عصور الإسلام الخالدة بما فيها عصور الضعف والانحطاط والوهن كان لا يسمع في أرجاء العالم الإسلامي إلا القرآن والسنة وأحكامهما وما تفرع عنهما من فقه واستنباط. ولم يكن يُرفع صوت فوق صوت القرآن والسنة، وأن أحكامهما فوق كل حكم وكل تشريع وكل قانون. وهكذا صار الحال في المغرب، فكان إلى فقهاء المالكية المفزع والمرجع في كل شيء، منهم القضاة والحكام، ولا نعرف في تاريخ المغرب خروجا عن أحكام المذهب المالكي لا في البيوع ولا في قضاء الأسرة، ولا في الحدود ولا غيرها. وهذه تواريخ المغرب مدونة ومنشورة. وهذه كتب النوازل والأحكام للونشريسي والعلمي والوزاني والبرزلي وغيرها، يظهر فيها جليا أن الشريعة الإسلامية هي الحكم في كل شيء. وهذه كتب الوثائق وأحكام القضاء مدونة معروفة كتبصرة ابن فرحون والمتيطية وغيرها، بل حتى حكام المغرب إلى ما قبل الاستعمار لم يعرف في تاريخهم الطويل تحكيم غير الشريعة الإسلامية، ممثلة في المذهب المالكي، ولم يعرف عن واحد منهم أنه ألغى أحكام الشريعة واستبدلها بقوانين أخرى مناقضة لها ومعارضة لأحكامها. إلى أن جاء الاستعمار فأحكم سيطرته، وفرض أحكامه، وألغى حكم الشريعة واستبدلها بقوانينه الوضعية، ثم بعد الاستقلال الصوري بقي الحال على ما هو عليه، وإلى الله المشتكى وحده لا شريك له. وخلف الاستعمار خلفه فلولا من العلمانيين يسهرون على تنفيذ خططه والإجهاز على ما تبقى من أحكام الشريعة «مدونة الأسرة»، ثم لا زالت شوكة

стр. 6

العلمانيين تشتد مع مرور الوقت إلى أن جاهروا بعقائدهم وآرائهم، فدافعوا على علمانية الدولة وفصلوا الشريعة التي حكمت المغرب لقرون عديدة عن الحياة العامة. لهذه الأسباب شرعت في إصدار هذه السلسة التي ستستمر ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. ولا يفوتني التنبيه هنا إلى ضرورة إنشاء مركز لدراسة العلمانية، من كافة جوانبها، ودراسة تطبيق الشريعة الإسلامية ومعوقاته ومشاكله وحلوله، ودراسة مناهج النقد الغربية المعاصرة والمذاهب الفلسفية التي لها علاقة بموضوع العلمانية، ومذاهب قراءة النص، ومذاهب المستشرقين. فهذه ثلاثة محاور رئيسة مترابطة فيما بينها: - العلمانية. - تطبيق الشريعة. - المذاهب الفلسفية والنقدية الغربية. وإن كان الموضوع الأول كُتِبت فيه بحوث عديدة، فإن المبحث الثاني أقل عناية، والمبحث الثالث تقل فيه البحوث أكثر. وإنما قلت مترابطة، لأن العلمانية تقف على أسس فلسفية غربية، كما سيأتي، وهدفها تنحية الشريعة من الوجود الفعلي وإقصاؤها. ولبلوغ هذا الإقصاء يتم استدعاء جملة من المناهج النقدية التفكيكية. ويقوم المشروع العلماني في نقده للإسلام على ثلاث ركائز:

стр. 7

١ - النصوص الدينية ومفاهيمها القروسطية (١) متناقضة ومختلة، وهذا دور الاستشراق وأذنابه العرب. ٢ - المناهج الإسلامية لقراءة النص الديني (أصول الفقه وعلوم اللغة وعلوم القرآن) أصبحت متجاوزة وغير علمية. بينما المناهج النقدية الغربية لقراءة النصوص فهي علمية وعلى درجة كبيرة من الاحترافية والمصداقية. ٣ - تطبيق النصوص الدينية عبر التاريخ لم يجلب للبشرية إلا الشر والخراب والدمار (٢). تحليل هذه المسائل ودراستها دراسة معمقة أكاديمية يمثل نقطة البدء في مواجهة المشروع العلماني وتفكيك خطابه من أجل تجاوزه وتهميشه. وأنا أرى أن تأسيس مركز علمي أكاديمي راق لكشف حقيقة العلمانية وبيان خطرها على الإسلام والمسلمين أفضل عند الله من إفطار مليون مسلم، وخير من ١٠٠٠ محاضرة. لأن ذاك واجب، وهذا مستحب.

стр. 8

ولابد من حشد الطاقات العلمية اللازمة لهذا المركز منها مثلا: - متخصصون في اللغة والترجمة التي لها علاقة بهذا الموضوع كالفرنسية والإنجليزية والألمانية. - متخصصون في العلوم الإنسانية المعاصرة. - متخصصون في الفلسفة وخاصة الغربية. - متخصصون في العلمانية. - متخصصون في التاريخ. - متخصصون في الاستشراق. - متخصصون في علوم الشريعة المختلفة. ولابد من وضع خطة متكاملة للعمل، ووضع استراتيجية شاملة للمشروع. ولابد من ضمان التمويل الضروري بعيدا عن الحكومات حتى لا يبقى المركز تحت سيطرة أحد أو لخدمة أجندة خاصة. ولابد من توفير مكتبة متكالمة لهذه المهمة. يكون المركز تحت إشراف هيئة رفيعة المستوى يرأسها مدير وتحته لجان متعددة متخصصة. ويجب أن يكون كل العاملين في المركز متفرغين. والله أسأل التوفيق والسداد في هذه البحوث، عسى -إن لم أُوَفق للتمام فيها- أن أقاربه وأدانيه. وصلى الله وسلم على رسوله المبعوث رحمة للعالمين.

стр. 9

مقدمة بعد سقوط الشيوعية تحول الإسلام إلى عدو استراتيجي للغرب باعتراف نصر حامد أبي زيد (١) ومحمد أركون (٢). فلم يجد سلاحا أمضى من سلاح العلمانية لإزاحة الإسلام وزعزعته من المجتمعات الإسلامية والحد من هيمنته على الحياة العامة للمسلمين، وتحجيم دوره وتهميشه داخل جدران المساجد والزوايا، وتحويله في النهاية إلى نوع من الفولكلور أو التراث الشعبي. فجُندت وحشدت جحافل من العلمانيين العرب للقيام بدور الطليعة الأولى والنيابة عن الغرب في نشر المشروع الحضاري الغربي. ولا تعدو العلمانية في تقديري أن تكون واجهة للرجل الأبيض المتفوق، ومقدمة لهيمنة الحضارة الغالبة وتركيع باقي الحضارات. وقد بين العلماني تركي علي الربيعو كيف سعى الخطاب الغربي عموما إلى إبراز تفوق الرجل الأبيض أو قل تبرير التمركز الأوربي عن طريق تبرير المعجزة الأوربية الحالية بأنها تستند إلى معجزة عريقة في تاريخ البشرية ألا وهي المعجزة الإغريقية، وبالتالي تبرير العرقية والعنصرية (٣).

стр. 10

من هنا جاء تبرير الاستعمار، وأن الرجل الأبيض المتفوق حضاريا يسعى إلى تحضير وتحديث الشعوب المتخلفة ونقلها إلى جنته. وقد ظل الفكر الحداثي «هو الفكر الذي أُوكل إليه أو أوكل إلى نفسه مهمة إعادة تركيب النسيج الثقافي الاجتماعي العربي والإسلامي وفقا لنموذج أرقى، النموذج الغربي المكتمل للتاريخ للثقافة للمجتمع للعلمنة للدولة الأمة» (١). وحاولت جوقة العلمانيين العرب القفز على هذه الحقائق وتسويق علمانيتهم كفهم تنويري تجديدي للإسلام، مرفقة ذلك بهجمة شرسة على الإسلام وأصوله وأحكامه، وتصوير مخالفيهم من العلماء الرسميين والإسلاميين بمثابة قطيع أو حثالة من الناس دوغمائيين متحجرين متزمتين لا عقلانيين متعطشين للدماء، خارج التاريخ وفوق الواقع. والنقد في الخطاب العلماني دائما يتوجه إلى «الأنا» أي: إلى ذلك الموروث الثقيل الخرافي المكبل للحركة وللتقدم. وينسى أو يتناسى ذاك «الآخر» الغربي المترصد الباحث عن الهيمنة والسيطرة والإلحاق الحضاري. فالتراث هو الشيطان الأكبر، بل والوحيد، وهو الظلام الدامس الغارق في كل أصناف الرجعية والتخلف. والنور الوحيد والأمل الوحيد هو ذاك الغرب بفكره التنويري الحداثي، ولا يهم أنه هو الذي احتل أرضنا ونهب ثرواتنا وقسم بلادنا ولازال يعرقل حركتنا ويساند عدونا ويتآمر على مصالحنا. والعلمانية ليست فصل الدين عن الدولة فقط كما يروج عدد من العلمانيين تسترا وتزييفا، بل هي كما سيأتي مفصلا فلسفة عامة للوجود، لها رؤية

стр. 11

للكون وللإنسان، تعتبر فيه الإنسان مركزا رئيسا ووحيدا لهذا الكون، ولا مكان فيها للماورائيات والغيبيات والأساطير الدينية. والتي تتحول إلى شيء فردي وشخصي شأنه شأن الأكل والشرب واللباس. «الأمر الذي تبدو فيه قضية السياسة مجرد جزئية في المشروع العلماني، الذي يقوم أساسا على تهميش المقدس كحد أدنى، أو إلغائه وإنكاره تماما كحد أقصى. إن شئت الدقة فقل: إن الدين في ظل ذلك المشروع: إما محال إلى التقاعد، وإما مفصول من الخدمة» (١). «ولا ريب أن موجة العلمنة التي شهدت نوعا من الصعود منذ بدايات القرن الماضي تتجه اليوم نحو مزيد من الضمور والانكماش، وخصوصا في أوساط المثقفين والقطاعات الشبابية الحديثة، ولعل هذا ما يفسر حرص بعض القوى العلمانية الجذرية على الاستنجاد بأدوات الدولة للتعويض عن انكماش قاعدتها الاجتماعية في محاولة لفرض نمط من العلمنة الفوقية والقسرية عبر المؤسسات الرسمية» (٢). فيما سعى آخرون إلى الاستنجاد بالدين نفسه وبعلومه ورموزه وتاريخه، حتى زعم حسن حنفي أن الإسلام في جوهره علماني (٣). بينما فضل علماني آخر القول بأن العلمنة بدأت بعد موت النبي ﷺ . وزعم آخر أنها بدأت بمجيء الدولة الأموية.

стр. 12

وزعم آخرون أن التاريخ الإسلامي عرف نماذج علمانية فقط كالمعتزلة والفلاسفة وابن مسكويه وابن خلدون وابن عربي وآخرين (١). وهذا رأي محمد أركون وغيره. وأكد كثيرون أن العلمانية لم تعرفها البلدان الإسلامية إلا مع الاستعمار، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله. و «بذريعة مواجهة التطرف ظهرت في العقدين الأخيرين «ميلشيات» ضمت نفرا من المثقفين كانت مهمتهم ومازالت محاولة قطع الطريق على تقدم المسيرة الإسلامية بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وبشكل أساسي فإن الذين انخرطوا في تلك الميلشيات كانوا خليطا من غلاة العلمانيين والماركسيين وغيرهم من الذين نجحت حملات التعبئة في تخويفهم من الإسلام والمسلمين، أو الذين استقرت في أعماقهم كراهية الاثنين، ووجدوا أن مكانهم الطبيعي هو في معسكر «الضد» الرافض لكل ما هو إسلامي» (٢). وقد نجح الخطاب الرسمي في استقطاب أعداد هائلة من العلمانيين وجيشهم في صفه، مستثمرا موجة العداء للإرهاب، وبث في روعهم أن الخطر الداهم هو خطر الإسلاميين، ولذلك أصبحت ترى كيف أن المثقف التقدمي الماركسي الذي كان بالأمس يزعم مناصرة الطبقة الكادحة والمستضعفة كيف تحول إلى بوق من أبواق مَنْ هُم في نظره قوى رجعية تعادي التقدم.

стр. 13

فغدت حرية التعبير وتأسيس الأحزاب والجمعيات حكرا على الطائفة العلمانية، أما الإسلامي فهو الخطر الداهم. إنها الديمقراطية الانتقائية أو ديمقراطية الاستثناءات. لقد اختار كثير من العلمانيين الماركسيين الانحياز إلى الأنظمة المستبدة واختاروا أن يدعموها بتبرير سياستها تجاه الإسلاميين وابتلاع خطاياها وتحسين صورتها. لأنه بعد فشل مشروعهم وجدوا أن التعلق بأهداب الأنظمة الحاكمة بذريعة الدفاع عنها ضد الخطر الأصولي باب يكسبهم بعض الشرعية ودور يفتعل لهم قضية (١). ولهذا لم تكن العلمانية يوما ما خيارا شعبيا ولا تتمتع برضى جماهيري، بل هي قرينة التسلط السياسي وانعكاس لمصالح بعض الفئات العلمانية النخبوية المتسلحة بمخالب الدولة، ثم بحماية القوى الخارجية (٢). وغالبا ما غازل الساسة العرب التيار العلماني لتشاركهم في مصالح فئوية ونخبوية ضيقة، وكره متطرف للآخر الإسلامي. كان أغلب العلمانيين التونسيين يمثلون الطابور الخامس لحكم الطاغية ابن علي الذي أطاح به الشعب التونسي. فعبد المجيد الشرفي ومحمد الشرفي وعبد الوهاب المؤدب والعفيف الأخضر وغيرهم من التونسيين لم يجدوا أمامهم من يستحق النقد والتجريح إلا

стр. 14

القرآن والسنة وعلوم المسلمين وأحكام الشريعة وصحابة رسول الله وعلماء الأمة على مر التاريخ. ولم يسلم من عضاتهم ونهشاتهم إلا الطاغية ابن علي وزبانيته. بل كان الثاني منهم وزيرا في حكومته. وقد انكشف للعالم الآن بعد الثورة التونسية حجم الفساد والطغيان والقهر والظلم والتسلط التي كان يتمتع بها النظام التونسي الديكتاتوري الذي روج له الإعلام العلماني العالمي والمغربي بمثابة النظام العلماني الناجح، بل دعا كتَّاب الأحداث المغربية والاتحاد الاشتراكي عندنا في المغرب إلى استيراد النموذج التونسي وتعميمه. ولذلك فأنا دائما أنبه إلى أن حراس الهيكل العلماني وسدنته غالبا ما يغطي بعضهم على بعض ويسكت بعضهم عن جرائم بعض، مهما قمع وقتل وسفك، ما دام يذب عن الهيكل. والطغمة العلمانية الفاسدة سياسيا وماليا واجتماعيا تساندها وتبارك خطواتها مليشيات علمانية فاسدة فكريا وسياسيا ودينيا. وأكثر العلمانيين في تناولهم للإسلام محكومون بسلف وبرؤية حاقدة مسبقة. كما سيأتي. ويغلب على كتابات كثير منهم طابع التشنج والتصميم الإيديولوجي القبلي والجاهز، الرافض للآخر والمصمم على إقصائه وتهميشه، بل تصويره كحثالة من الذباب الهائج، كما سيأتي تفصيله في محله.

стр. 15

ولنؤجل الكلام عن سيد القمامة القمني الآن فهو فارس هذا الميدان بلا منازع، ولنختر علمانيا جزائريا يُسَوق له العلمانيون على أنه مؤرخ الفكر الإسلامي، إنه محمد أركون. يظهر جليا لمتتبع كتبه وأبحاثه أنه محكوم برؤية استشراقية مغلفة بغلاف النقد التاريخي العلمي. فهو كغيره من العلمانيين يكن عداءا عميقا وجذريا للإسلاميين، بل ولرجال الدين والعلماء والفقهاء على مر العصور، لكن هو أكثر عدائية مع الإسلاميين. وعامة كتبه وخاصة «قضايا في نقد العقل الديني» مليء بالتهجمات الرخيصة، وطافح بأطنان من التهم البئيسة والاتهامات المجانية الخسيسة، ولا يفرق بين إسلامي وآخر، فالكل متطرفون دوغمائيون دمويون. بينما نراه إذا ذكر أستاذه بلاشير ونحوه من الغربيين والمستشرقين انْحَلَّت حُبْوَتُه وانطلق لسانه كالسيل الجارف تمجيدا وتبجيلا. بل الأكثر من هذا كتب في الكتاب (٢٢٩) مقالا مطولا حول التسامح واللاتسامح. وفي نفس الكتاب كان نصيب الإسلام قرآنا وسنة وفقهاء: اللاتسامح. وكال لهم مختلف أنواع الاتهامات من مثل: إن الإسلام عنيف ويؤصل للعنف من خلال مصدره الرئيسي القرآن، وخاصة سورة التوبة. فهو من جهة يؤصل لثقافة التسامح مع الآخر، ويعاتب القرآن والسنة لإشاعتها ثقافة اللاتسامح. ومن جهة يمارس اللاتسامح مع دينه وقرآنه وسنته تحت ستار النقد التاريخي.

стр. 16

فهو ليس معنيا بالتسامح مع غرمائه التقليديين، وإنما عليهم هم أن يتسامحوا معه ومع اليهود المحاربين والغاصبين وسندهم الدائم النصراني. ثم أين التسامح في الفكر العلماني الحداثي عموما، ولا منهج له في دولنا إلا الاستئصال والنبذ والإقصاء؟ وأين التسامح في العلمانية الفرنسية مع أبناء بلده الجزائر لما كان تحت الاحتلال؟ وأين التسامح فيما يجري في العراق وأفغانستان وفلسطين؟ أليست العلمانية هناك هي القاتلة الناهبة المستعمرة؟ أين التسامح لما كانت الشيوعية تبيد الملايين، وتحول المساجد إلى اصطبلات؟ أليست فرنسا العلمانية داعما مركزيا للصهيونية العنصرية؟ كان العلمانيون يهدفون إلى توجيه ضربات موجعة للإسلام وعقائده وعلومه ورموزه عبر ترسانة ضخمة من المفاهيم والآليات النقدية الغربية. لكن أثبتت التجارب والملاحظات فشل هذا المشروع التغريبي، وثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه كلما زادت جرعات العلمنة في المجتمع زادت قوة التدين، وأن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار مضاد له في الاتجاه (١). مما يؤكد ما قاله جماعة من الغربيين إن الإسلام يشكل استثناء في قبول العلمنة.

стр. 17

مشكلة التيار العلماني أنه مصمم لرؤية واحدة ذات هدف واحد. يجعل من ديننا مشكلة، فلا يرى فيه إلا ظلامية وتطرفا وعنفا وتخلفا ورجعية، بينما يتغاضى عن جرائم أولياء نعمته. فالعسكر الذي يتحكم في الجزائر، ومن خلفه فرنسا، التي تتحكم في مصائر شعوب إفريقية عديدة، وتتدخل فيها تدخلا سافرا وتحول دون تقدمها ونهضتها وتدعم الديكتاتوريات فيها التي تحتاج إلى ترسانة أركون الجزائري الضخمة من المناهج لسبر أغوارها وتفكيكها وفضحها. علما أن دينه المعشوق «العلمانية» هي السبب في جميع تلك الجرائم. ألم تكن فرنسا لما احتلت الجزائر وقتلت وشردت ونهبت علمانية إلى النخاع؟. قتل ونهب ودعم للظلم والطغيان والاستبداد، كل ذلك في صحيفة العلمانية التي احتضنت أغلب العلمانيين وربتهم على عينها ودججتهم بالأسلحة الفلسفية والمعرفية، وجَيَّشت معهم مُطَّوعين للإجهاز على ما تبقى من القوة الحضارية للمسلمين المتمثلة في هذا الدين العظيم (١).

стр. 18

وقد دلت الشواهد التاريخية العديدة والوثائق المنشورة أن العلمانية سلاح غربي للهيمنة ومقدمة للغزو الفكري والإلحاق الحضاري والتبعية الثقافية وذوبان الهوية، أو لنقل بعبارة أدق كما سماها بعض الكتاب: العمالة الحضارية. وإن التجديد الذي يزعم العلمانيون أنهم يمارسونه للدين ليس أكثر من عملية نقل أو سطو على ما هو شائع في الثقافة الغربية الوضعية، وعرضه في الساحة الثقافية العربية والإسلامية على أنه إبداع أصيل (١). الأمر الذي جعل العلمانيين يتحولون إلى أسرى للغزو الفكري، ينظرون بنظارات غربية سميكة لا ترى في ديننا وحضارتنا وتاريخنا إلا صورا كربونية للحضارة الغربية ودينها وتاريخها (٢). ولو أزالوا تلك النظارات من أعينهم لتبين لهم أن الشريعة الإسلامية تمثل الطاقة المحركة للأمة نحو التحرر الوطني والعزة الوطنية والقومية، وصمام الأمان نحو التمايز الثقافي والحضاري، الذي يكرس التنوع والتعدد، لا الذوبان والتبعية والإلحاق الحضاري للحضارة الغربية (٣). والعلمانية هي الرمز لاستسلام الأمة الإسلامية لخيار التبعية للغرب الاستعماري والذوبان في الحضارة الغربية الوضعية المادية (٤).

стр. 19

وقد عبر العلماني اللبناني علي حرب عن هذه الحقيقة بقوله عن منجزات الفكر الغربي: لأننا نتغذى منه، بل نحن ثمرة من ثمراته. الممنوع والممتنع (٢٣١). فالنموذج الغربي المحتذى يسكن في تلافيف دماغ المثقف العربي يمنعه من رؤية واقعه ويدفعه للتفكير وفق النموذج المحتذى (١). وسيأتي مزيد بسط في محله لهذه المسألة إن شاء الله. ولكن لننقل الآن ثلاثة نقول هامة في هذا الصدد: الأول: قال المستشرق جب في كتابه «حيثما يتجه الإسلام»: إن جعل العالم الإسلامي غربيا، أو حمله على حضارة الغرب لا يتوقف على المظاهر الخارجية للتقليد والاقتباس، بل يجب علينا أن نبحث عن الآراء الجريئة والحركات المستحدثة التي ابتكرت بدافع من التأثر (٢) بالأساليب الغربية، وينتهي إلى ضرورة خضوع العالم الإسلامي لقيم الغرب وعاداته. ويقول: المدارس والمعاهد ليست إلا خطوة في الطريق (٣). والثاني: قال السيناتور الأمريكي جوزيف ليبرمان المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس في الانتخابات الأمريكية سنة ٢٠٠٠م: إنه لا حل مع الدول العربية والإسلامية إلا أن تفرض عليها أمريكا القيم والنظم والسياسات

стр. 20

التي نراها ضرورية. فالشعارات التي أعلنتها أمريكا عند استقلالها لا تنتهي عند الحدود الأمريكية بل تتعداها إلى الدول الأخرى (١). والثالث: في كتاب الأقليات بين العروبة والإسلام لمحمد السماك (ص ٥٧ - ٥٩) أن فلاسفة الاستعمار الفرنسي ومنظروه أعلنوا أن الأسلحة الفرنسية هي التي فتحت البلاد العربية، وهذا يخولنا اختيار التشريع الذي يجب تطبيقه في هذه البلاد!. . ويجب فصل الدين الإسلامي عن القانون المدني. . وحصر الإسلام في الاعتقاد وحده. . والحيلولة دون اندماج العادات والأعراف في الشرع الإسلامي، ليتيسر دمجها في القانون الفرنسي بدلا من القانون الإسلامي (٢). ومن ناحية أكد جمع من الكتاب الغربيين والعرب العلمانيين أن الإسلام يمثل استثناء فريدا في الممانعة ضد العلمنة، وأنه رغم الهجمة الاستعمارية الشرسة والحملات التغريبية المتعددة والدعم اللامشروط للمليشيات العلمانية، ظل الإسلام عصيا على أي اختراق علماني باعتراف العلمانيين كما سيأتي بيانه في فصل خاص إن شاء الله. مما أوقع العلمانية في أزمة ومأزق حقيقي حتى صارت مرادفة للكفر والإلحاد عند جماهير الناس، وشاع في الإعلام والجرائد والمجلات ومراكز البحوث والأوساط السياسية مقابلة الإسلام بالعلمانية والإسلاميين بالعلمانيين. ولهذا سارع عدد منهم إلى محاولة التمظهر بالتدين وأن هدفهم فقط هو إبعاد الدين عن أي استغلال سياسي.

стр. 21

في حين فضل آخرون تجاوز هذا المصطلح لما ارتبط به من حمولة إلحادية معادية للدين. وأبرز من مثل هذا التيار هو الجابري، الذي فضل مصطلح الديمقراطية والعقلانية بدل العلمانية (١). لكن لا تعدو المسألة أن تكون مناورة مكشوفة من الجابري. وقد بين العلماني اللبناني علي حرب في نقد النص (١٢٦) أن مراد الجابري عدم إثارة حفيظة الإسلاميين وحسب. وفضَّل عبد العلي بنعمور استعمال مصطلح الزمنية بدل العلمانية، لأن العلمانية تحمل فكرة عقائدية مادية بارزة (٢). واقترح سعد الدين إبراهيم إبدال مصطلح «علماني» إلى «مدني»، و «إسلامي» إلى «ديني» (٣). وكذا نقل نصر أبو زيد عن إخوانه تفضيل مصطلح «التنوير» و «الليبرالية» وغيرها على مصطلح العلمانية (٤). واستحسن عبد الله العروي مصطلح «دنيوي» أو «معاملاتي» أو «سلطاني» بدل علماني (٥).

стр. 22

ولم تثمر هذه المحاولات شيئا يذكر، بل ظلت العلمانية مصطلحا ذا حمولة سلبية، زيادة على ذلك تحولت إلى مفهوم متحجر مغلق ونهائي، وتصلبت وتخشبت مفاهيمها حتى تحولت إلى أصنام وأوثان هامدة كما سيأتي بيانه في محله. وهكذا كل فكر متسلط عبر التاريخ، فقد كانت الماركسية تزعم أنها الحقيقة العلمية الوحيدة، وأنها أرقى ما وصل إليه العقل البشري، وما عداها أفكار رجعية متخلفة. وهكذا يرى جمع من العلمانيين أن العلمانية حتمية غير قابلة للنقاش (١)، فوق تاريخية ومطلقة، فإما العلمانية وإما الجحيم (٢). وهذا ما تنعاه العلمانية على الأديان. ولهذا أحس جمع من العلمانيين بالمأزق الذي وصلته علمانيتهم فتحدثوا عن أزمة العلمانية أو ما بعد العلمانية، أو ما بعد الحداثة. وكالعادة جاء النقد من الغرب، فما كان على المقلِّدين إلا الإتباع. ومن أكثر العلمانيين نقدا لمأزق العلمانية العربية علي حرب وتركي علي الربيعو، وقليلا كمال عبد اللطيف، وقد عبر الأخير في كتابه التفكير في العلمانية (٥) عن الالتباس الكبير في مفهوم العلمانية، ووصفه بأنه من أكثر مفاهيم الفكر السياسي العربي التباسا، سواء على مستوى اللفظ والرسم والجذر اللغوي، أو

стр. 23

على مستوى الدلالة المباشرة أو الدلالات المختزنة ضمن تلافيف طبقات معانيه العديدة المترسبة بفعل الزمان. وقبل أن نختم هذه المقدمة لابد من التأكيد على الحقائق التالية: الأولى: إذا كانت العلمانية حلا لمشاكل المجتمعات الغربية فإنها لما قطعت عن سياقها وشروطها أصبحت هي نفسها جزءا من المشكلة في المجتمعات العربية والإسلامية، بل هي المشكلة ذاتها، لأن الظروف غير الظروف والشروط غير الشروط والذهنيات مختلفة والحضارة مختلفة. فلم نجن منها إلا البطالة والفقر والظلم والاستبداد ولم تنجح العلمانية في إخراجنا من تخلفنا، بل زادته عمقا وتعقيدا. ولطالما سوق الإعلام الغربي والعربي والمغربي نموذج تونس باعتباره نموذجا علمانيا ناجحا واعدا. فجاءت الثورة البوعزيزية لتكشف الغطاء عن التضليل الإعلامي والضلال العلماني: دولة استبدادية قمعية بوليسية وتدهور اجتماعي وفساد إداري، والقائمة طويلة. وطالما هتف العلمانيون بنموذج تركيا، التي لم تحس بنعمة الرفاهية والتقدم إلا في ظل حكم العدالة والتنمية الإسلامي. قال أركون عن التجربة العلمانية التونسية: إنها تستحق أن تُستعار وتُقلد وتُعمم وتُرسَّخ في مجمل بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط (١).

стр. 24

وماذا عن حقوق الإنسان يا ابن السربون؟ أليس النظام الذي تريد أن تعممه علينا نظاما بوليسيا قمعيا استبداديا باعتراف المنظمات الفرنسية التي توجد بين أظهرها وتكتب في كل وقت عنه؟. انظر كيف يتغاضى العلمانيون بعضهم عن بعض، فالهم الإيديولوجي فوق حقوق الإنسان والحريات العامة، أو لنقل إن العلمانية مقدسة وفوق كل الاعتبارات، وما دامت ستطبق فلا يهم بأية وسيلة، ولا بأس أن تكون على أشلاء الناس وجثثهم فضلا عن حقوقهم وآدميتهم. وكانت العلمانية الفرنسية وعلى رأسها ساركوزي أكبر داعم للطاغية ابن علي، طوال ٢٣ عاما. ولزمت الصمت طوال ٢٣ يوما من القتل والقمع إبان الثورة. وقد أدان مجموعة من السياسيين والحقوقيين الفرنسيين هرم السلطة السياسية الفرنسية العلمانية تواطؤهم مع الطاغية. ولأن العلمانيين لا أيمان لهم، رفض ساركوزي استقبال صديقه الجلاد ابن علي، ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ الحشر١٦ (١). والثانية: إذا كانت محاكمة العلماء في محاكم التفتيش من أهم الأسباب التي أفرزت العلمنة في الغرب، فإنه لم يحاكم عالم لبحوثه العلمية في التاريخ الإسلامي باعتراف العلماني محمد أركون في تاريخية الفكر العربي (٢٥).

стр. 25

وقد شجع الإسلام العلم وطلبه، ولم يعرف تاريخه معارضة البحث العلمي الجاد. وقد نَعِم العلماء المسلمون بحرية مطلقة في بحوثهم خلال القرون السالفة في ميادين البحث المختلفة. أما الكنيسة فكانت ترى أن الجهالة أم التقوى. وإذا كانت الاكتشافات العلمية مضادة للتعاليم المسيحية المحرفة التي لا تمثل عقائد عيسى ﵇. فديننا بخلاف ذلك، فقد عضدت الاكتشافات العلمية ما دل عليه القرآن والسنة من حديث حول نشأة الأرض والكواكب والسحاب والأجنة وغيرها، كما هو معروف، حتى نشأ علم جديد يسمى علم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وله رجاله ومؤلفاته ومؤتمراته، يشارك فيها المسلمون وغيرهم. ولقد رماه العلمانيون عن قوس واحدة، وسخروا منه واستهزؤوا من رموزه، لأنه يهدم أصلا أصيلا من أصولهم، ألا هو تاريخية النص الديني. كما سيأتي تفصيله في الجزء الثاني عند حديثنا عن موقف العلمانيين من القرآن الكريم إن شاء الله تعالى. وقد تواطأ العلمانيون على إدانته والتنقيص من قيمته، فأركون مثلا في تاريخية الفكر العربي (١٩٩) اعتبره من الأدبيات الإسلامية التبريرية التبجيلية، وقال: إن هذا خطأ يجب أن يدان فورا. أما خليل عبد الكريم فأزعجه كثيرا وجود هذا العلم (١).

стр. 26

ولهذا لم ير بأسا هو والقمني (١) في اختراع المغالطات حوله، فزعما أن علماءه يدعون أن في النصوص المقدسة سائر النظريات العلمية التجريبية والإنسانية التي ظهرت وتظهر وسوف تظهر إلى يوم القيامة (٢). وليس في المسلمين من يقول هذا، ولكن هذه سِلْعة المُفْلس. والقوم لا هَمَّ لهم بشيء اسمه كذب وافتراء، لأن علمانيتهم لا تهتم بهذه الأمور الإيمانية. وكلنا نعلم أن هذه الفرية من بنات أفكارهم ومما عملت أيديهم. ولا يوجد عالم واحد يقول إن كل النظريات المكتشفة في القرآن والسنة، ولكن يقولون: إن الله أودع في كتابه إشارات لبعض الحقائق العلمية من باب الحجة ومن باب إقامة البراهين المناسبة لهذا العصر لإظهار كون هذا الكتاب من عند الله وأنه حق. فكل ما في الأمر أن القرآن والسنة اشتملا على حقائق علمية معينة إظهارا لإعجازه المستمر إلى يوم القيامة وتثبيتا لإيمان أهله. والعجيب أن علماء غربيين في شتى التخصصات اعترفوا للقرآن والسنة بذلك، وشارك عدد منهم في مؤتمرات هذا العلم. ولكن الطابور الخامس يشكك ويهمز ويلمز. وقال خليل عبد الكريم بعد أن ذكر أن عرب الحجاز كانوا في الدرك الأسفل من السلم الحضاري وأن محصولهم من الطب والفلك وغيرها كانت مجرد معارف، وإن تلك البيئة من المستحيل عقلا أن تنبثق عنها نصوص تحمل نظريات علمية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه (٣).

стр. 27

كان علماء السنة قديما يقولون عن الجهمية: إنهم يدورون على أنه لا يوجد إله في السماء. وهكذا العلمانيون في تقديري، يتحدث خليل عبد الكريم عن القرآن والسنة بمثابتهما إفرازا ثقافيا لعرب الحجاز في القرن السابع، لا أن إلها في السماء يعلم السر وأخفى هو الذي أنزله. وهذه هي حقيقة «تاريخية النص» كما سيأتي تفصيله في الجزء الثاني. وهذا عادل الجندي يقول: بل إن هناك من أدعياء الدين ممن يقومون بدور المشعوذ والساحر بصورة بارعة (راجع ما يقوم به خبراء الإعجاز العلمي في القرآن) (١). وقال أشرف عبد القادر: وأتعجب من جريدة الأهرام المصرية كيف تسمح للمشعوذ زغلول النجار أن ينشر أكاذيبه وهذياناته عن الإعجاز العلمي في القرآن الذي هو كذب وقح على القرآن والعلم معا (٢). وجزم أبو زيد بأن النصوص الدينية ليست نصوصا مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال (٣). من هنا يستحيل عند أبي زيد الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن، لأنه ما دام نصا لغويا فيجب بحثه داخل إطار الثقافة التي تشكل فيها لا

стр. 28

خارجها، قال: وأي حديث عن الكلام الإلهي خارج اللغة من شأنه أن يجذبنا شئنا ذلك أم أبينا إلى دائرة الخرافة والأسطورة (١). يتظاهر هنا أبو زيد بمثابة الناصح الأمين الحريص على عدم تحويل القرآن إلى خرافة وأساطير، مع أنه هو وإخوانه هم الذين طالما اتهموا القرآن بتضمنه الخرافات والأساطير. لكن ما يسكت عنه أبو زيد ويضمره هو أن الإعجاز العلمي في القرآن سيقضي على مفهوم تاريخية القرآن التي يدور عليها مشروعه ومشروع إخوانه. لأن القرآن إذا كان أخبر عن نظريات علمية لم تكن في عصر إنتاجه وتشكله حسب عبارة أبي زيد، إذا فالقرآن بهذا الاعتبار يلغي تماما الحديث عن تاريخيته، وبالتالي فهو نص مفارق فوق بشري. وهذا يهدم الصرح العلماني بأسره. وأما سيد القمامة فقد سخر في معظم كتبه من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، منها: انتكاسة المسلمين (٢٥ - ٢٦)، وحجة القمني أمران: ١ - إن القرآن كتاب إيمان وليس كتاب تكنولوجيا ورياضيات وبيولوجيا. ٢ - لماذا لم يكتشف المسلمون أيا من هذه النظريات اعتمادا على القرآن والسنة (٢).

стр. 29

وليس من همنا الآن بيان تهافت هذا الطرح. ونؤجل ذلك إلى بحوث قادمة إن شاء الله. والثالثة: نَعَم للحداثة التقنية ولا للحداثة الفكرية الفلسفية. الحداثة التقنية لها ارتباط بالترفيه المادي والتحديث الآلي، وليست لها أبعاد أيديولوجية ولا فلسفة حياتية، ولا أفكار مسبقة. بينما الحداثة الفكرية مرتبطة تمام الارتباط بنظرة وجودية وفلسفة للحياة وموقف من الآخر سواء كان هذا الآخر دينا أو مذهبا أو حضارة أو شخصا أو غيره. والحداثة التقنية يتفق عليها كل الناس. وهي جوهر الرقي والتقدم والازدهار. ولهذا فاليابان مثلا لها حداثة تقنية هائلة مع حفاظها على هويتها وأديانها المعروفة. ويحاول العلمانيون خلط الحداثة التقنية بالحداثة الفكرية الفلسفية، وإيهام الجماهير بأن كل معارض للحداثة فهو ضد التحضر والتقدم. مع أن الفرق واضح بين الأمرين. والحداثة التقنية والعلمية شيء، والحداثة الفكرية الفلسفية التي تعني في الأصل إقصاء الدين من المجتمع وإبعاده عن المشاركة شيء آخر. والحداثة الأولى مرحب بها من قبل الجميع، والثانية مقبولة كنيسيا وغربيا، ومرفوضة إسلاميا. فمن الممكن كما قال رفيق عبد السلام في كتابه «في العلمانية والدين والديمقراطية» (١٢٥) الخروج من دائرة الروابط التقليدية الموروثة مثل رابطة القبيلة والطائفة والمذهب لصالح الانتماء الحديث، والانتقال من نمط الإنتاج

стр. 30

التقليدي إلى النمط الحديث، والتحول من عالم الريف والبادية إلى المدينة المفتوحة، دون أن يكون ذلك مشفوعا بالضرورة بانتقال نحو ثقافة العلمنة أو القطع مع التصورات والمسلكيات الدينية على نحو ما تدعي نظريات العلمنة غالبا. وقد اعترف محمد أركون في نحو نقد العقل الإسلامي (٢٧٠) بالفرق بين الحداثة الفكرية والثقافية، والحداثة المادية والتكنولوجية والمعلوماتية وأن الأولى تثير اشتباه رجال الدين، والثانية تثير شهيتهم. ورغم وضوح هذه الحقيقة للأعمى والبصير، فإن علمانيا مثل القمني (١) اعتبر أن العلمانية أنتجت العلوم التقنية والطب الحديث والسيارات الفاخرة والطائرة، وقضت على الكوليرا والسل وغيره. بينما الأديان لم تفعل شيئا من ذلك رغم طِبِّها النبوي وغيره (٢). بهذه البساطة، بل الضحالة يكتب، مع وضوح الفرق بين العلم الذي لا علاقة له لا بدين ولا مذهب ولا شيء. وبين العلمانية كموقف سياسي واجتماعي واقتصادي مناهض للدين. ومن أَلِف القمامة واعتاد عليها ليس من السهل عليه التفريق بين الإنتاج العلمي الذي يقوم به المتدين وغيره وبين الموقف الفلسفي. ولكن لا بأس أن نسوق له خبرا هاما كتبه علماني مثله يلقمه أحجارا لا حجرا واحدا:

стр. 31

قال محمد الشيخ في «ما معنى أن يكون المرء حداثيا؟» (١٤ - ١٥): وبعد هذا، هذان رجلا دين كانا وراء أعظم ثورتين حداثيتين في مضمار العلم: القس النمساوي جريجور يوهان ماندل (١٨٢٢ - ١٨٨٤) الذي يقف وراء الثورة الجينية الحديثة، وذلك بوسمه واضع قواعد التوارث وضوابطه، والقس البلجيكي جورج هنري لوميتر (١٨٩٤ - ١٩٦٦) الذي يقف وراء الثورة الكوسمولوجية الحديثة، وذلك بوصفه أول من قال بنظرية الانفجار الأعظم، وعانى ما عاناه من زراية خصومه به، بما فيهم العالم الكبير ألبير اينشتاين بعد أن اتهموه بأنه استملى نظريته من عقيدته الدينية استملاء، مستندا إلى القول التوراتي: في البدء كان النور ... ثم زاد وقال (١٥): فقد ثبت لدى المحققين من أهل النظر إمكان أن يكون الدين مفهوما الفهم الدقيق العميق ملهم الحداثة، وذلك بحسب ما بينه العلامة الاجتماعي الألماني ماكس فيبر في كتابه الشهير عن البروتستانتية وروح الرأسمالية. انتهى. أقول هذا وأنا أعلم أن القمامي يصعب عليه فهم ما هو خارج دائرة التقمم. لكنه عبرة لغيره. والحاصل أن التقدم العلمي والتقني والرفاهية والتحضر شيء، ورفض الدين أو قبوله شيء آخر. فقد يحصل التقدم العلمي التكنولوجي في ظل مجتمع علماني، وقد يحصل في ظل مجتمع متدين وخاصة الإسلامي لعدم معارضته للبحث العلمي.

стр. 32

حقيقة العلمانية العلمانية لغة (١): العلمانية لفظ مترجم عن ( Secularism) بالإنجليزية أو ( Secularite) بالفرنسية. وهي مشتقة من كلمة ( Saeculum سيكولوم)، وتعني العالم أو الدنيا. هناك من ينطق العلمانية بكسر العين، نسبة إلى العلم نسبة خاطئة. لأن ( Science) العلم النسبة إليه بالإنجليزية: ( Scientific)، وبالفرنسية: Scientifique. وهناك من ينطقها بالفتح، نسبة إلى العَلْم، بمعنى العالم أي: الدنيا. في المعجم الوسيط (٢/ ٦٢٤): العَلماني: نسبة إلى العَلْم بمعنى العَالَم وهو خلاف الديني أو الكهنوتي. انتهى. لكن ضبط العَلْم بالفتح فالسكون بمعنى العالم فيه نظر، فقد استند من قال به للقاموس المحيط ونقلوه هكذا: والعَلْمُ والعالَمُ: الخَلْقُ كُلُّهُ. والذي في القاموس المحيط (١٤٧٢): ومَعْلَمُ الشيءِ كمَقْعَدِ: مَظِنَّتُه وما يُسْتَدَلُّ به كالعُلاَّمَةِ كرُمَّانَةٍ والعَلْمِ. والعالَمُ: الخَلْقُ كُلُّهُ. انتهى. «والعَلْمِ» معطوف على العُلامة، لا أنه مبتدأ معطوف عليه. فكأنه قال: ومَعْلَمُ الشيءِ: مَظِنَّتُه كالعُلاَّمَةِ والعَلْمِ.

стр. 33

وعليه فالأصوب أن العَلْمانية منسوبة إلى العَالَم، لأن النسبة له: عَالَماني، فحذفت الألف الأولى تخفيفا وانتقلت حركتها للحرف بعدها فقيل: عَلْمَاني. كما يقال: طلقاني، نسبة لطالقان. والألف والنون فيها للدلالة على المبالغة في الإيمان بهذا العالم المحسوس دون سواه (١). قال عدنان الخطيب في قصة دخول العلمانية في المعجم العربي (١٦٦): إن ضبط كلمة علماني بكسر العين لا سند له من لغة أو تاريخ، بل هو مجرد إقرار لخطأ شاع بين طوائف من المثقفين غير المبالين بسلامة نطق الكلمة ... وكذا نبه عبد الصبور شاهين في العلمانية تاريخ الكلمة وصيغتها (١٢٤) إلى أن كلمة العلمانية لا علاقة لها بكلمة العلم بالكسر، لا من حيث الضبط ولا من حيث الدلالة، وأن الصواب نطقها بالفتح (٢). وبالنظر في السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي الذي نشأت فيه العلمانية يؤكد على عدم ربط المصطلح بالعلم، وإنما بالعالم المحسوس المادي المقابل للعالم الغيبي الميتافيزيقي الذي ما قامت العلمانية إلا لتجاوزه.

стр. 34

العلمانية اصطلاحا (١): لابد من النظر إلى العلمانية عند إرادة تعريفها نظرة شمولية من خلال كافة الإفرازات الثقافية لروادها، ولابد من التعامل مع الظواهر الاجتماعية والثقافية المختلفة وغيرها التي خلفتها، ولابد من الأخذ بعين الاعتبار للأسس الفلسفية التي خرجت من رحمها، ولابد كذلك من فهم السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي العام الذي وجدت فيه. وقد غفل عن كل هذا أو بعضه كثير ممن تصدوا للتعريف بالعلمانية. فعرفها بعضهم بأنها فصل الدين عن الدولة، أو فصل الدين عن السياسة. وهو تعريف ساذج قاصر لا يغطي حقيقة العلمانية الغربية، ونسختها العربية المستوردة. واختزالها إلى هذا نوع من التبسيط المخل، باعتراف جمع من العلمانيين. فليست العلمانية قاصرة على السياسة، بل هي شاملة للاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفن وفلسفة الحياة وغيرها. بل من الباحثين من يرى أن التعريف السابق تعريف سطحي ومضلل، إذ جذور العلمانية أعمق من ذلك بكثير، وفصل الدين عن السياسة يمثل إحدى الثمار البدائية التي يمكن اقتطافها من هذه الشجرة. وهي تمتد إلى جميع أبعاد شؤون الحياة البشرية، ومنها الحياة السياسية (٢).

стр. 35

ولهذا عرفها آخرون بأنها فصل الدين عن الحياة (١). وهو تعريف قاصر كذلك، لأن العلمانية بمفهومها الشامل لا تقف عند مجرد الفصل، بل لها موقف سلبي من الدين من جهة، ومن جهة أخرى لها مفهوم فلسفي حسب د. ج. ويل، حيث قال: الفكرة العلمانية تنطوي على مفهوم فلسفي يتعلق باستقلال العقل في قدرته. وعند كلود جفراي: إلغاء كل مرجع ديني (٢). وعرفها كورنليس فان بيرسن بأنها تعني: تحرر الإنسان من السيطرة الدينية أولا، ثم الميتافيزقية ثانيا على عقله ولغته. وقال: إنها تعني تحرر العالم من الفهم الديني وشبه الديني، إنها نبذ لجميع الرؤى الكونية المغلقة وتحطيم لكل الأساطير الخارقة وللرموز المقدسة ... إنها تعني أن يدير الإنسان ظهره لعالم ما وراء الطبيعة (٣). وعرفها فتحي القاسمي العلماني: بأنها نزعة استقلالية بشرية انبنت على انسلاخ عن سيطرة المفاهيم الدينية على الإنسان (٤). وعرفها المؤتمر العام الدائم للتيار العلماني في لبنان: نظرة شاملة للعالم أي للإنسانية جمعاء، والكون كله تؤكد استقلالية العالم بكل مقوماته وأبعاده وقيمه،

стр. 36

تجاه الدين ومقوماته وقيمه، والاستقلالية تعني أن هناك قيما ذاتية فعلية للعالم غير مستمدة من الدين وغير خاضعة له (١). وهذا تعريف شامل للعلمانية. إنها باختصار إقصاء للدين من جميع المجالات. وهو نفس ما عبر عنه عبد السلام سيد أحمد، فالعلمانية عنده تقوم على إحلال منظومة متكاملة من القيم والأخلاق والعلائق الإنسانية أو الإنسية مقابل الدينية (٢). وعرفها معجم أكسفورد (٧٨٥): العلمانية تعني: أ- دنيوي أو مادي، ليس دينيا ولا روحيا، مثل التربية اللادينية، الفن، الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية أو الحكومة المناقضة للكنيسة. ب- الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسا للأخلاق والتربية (٣). وعرفتها دائرة المعارف البريطانية (٩/ ١٩) تحت مادة ( Secularism): هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها. وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت ( Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية،

стр. 37

حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق مطامعهم في هذه الدنيا القريبة، وظل هذا الاتجاه يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية (١). وفي معجم ويبستر Webster عرفها بـ: فهي رؤية للحياة، أو في أي أمر معين يعتمد أساسا على أنه يجب استبعاد الدين وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها، ومن ثم فهي نظام أخلاقي يعتمد على قانون يقول: بأن المستويات الأخلاقية والسلوكيات الاجتماعية يجب أن تحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعيشية والرفاهية الاجتماعية دونما الرجوع إلى الدين (٢). وفي معجم المورد عرفها بـ (٨٢٧): عدم المبالاة بالدين أو بالاعتبارات الدينية (٣). والملتزم بالعلمانية عند عبد الصبور شاهين هو: الإنسان الرافض للدين، المبعد له عن حياته، المحارب لرسالته في المجتمع، الحريص على أن يلتزم الناس بقيم مدنية ولا دينية عالمية (٤). وهي عند فهمي هويدي: منظومة فكرية متكاملة، وأساس متميز لرؤية الواقع والعالم، وأنها رؤية للكون وفلسفة في الحياة (٥).

стр. 38

وهو ما أكده جماعة من العلمانيين: فاعتبر عادل ضاهر أن العلمانية غير منحصرة في فصل الدين عن الدولة، وقال: هي موقف شامل ومتماسك من طبيعة الدين وطبيعة العقل وطبيعة القيم وطبيعة السياسة (١). واعتبر كذلك أن التعريف السائد للعلمانية (أي: فصل الدين عن الدولة) تعريف سطحي جدا (٢)، إنها عنده في المقام الأول موقف من الإنسان والقيم والدين والمعرفة (ص٩). وقال في مكان آخر (ص٥٤) معرفا العلمانية: تعني بالضرورة رفض مبدأ العودة إلى الدين بوصفه المرجع الأخير والسلطة الأخيرة في كل الشؤون. واختار العلماني المصري شريف حتاتة أن العلمانية دعوة شاملة وليست قاصرة على فصل الدين عن الدولة (٣). وزاد مؤكدا قبل هذا (١٠٢) أن القوانين والنظم والتعليم والإعلام ومختلف الأنشطة التي تقوم بها الدولة مفروض ألا تبقى لها أية علاقة بالأفكار الدينية بأي نوع من الأنواع. وعند لكحل: إن العلمانية منظومة فكرية وسياسية وقانونية (٤).

стр. 39

وقالت ماجدة رفاعة الطهطاوي: فالعلمانية لا تنحصر في الفصل بين الدين والدولة، وإنما هي تمثل قطيعة معرفية مع الماضي أي: الانتقال من هيمنة الفكر الميتافيزيقي (المطلق) التي اتسمت به العصور الوسطى إلى الأزمنة الحديثة التي اهتمت بالحقائق النسبية والجزئية، وأعطت الأولوية للعقل وحرية التفكير (١). ولا زلنا مع هذه النصوص التي نريد من تنويعها وتكثيرها البرهنة على أن العلمانية فلسفة عامة للحياة، وليست فصل الدين عن السياسة كما يوهم بعض العلمانيين تمويها وتعمية. وهذه شهادة غاية في الصراحة: قال محمود إسماعيل بعد تأكيده أن تعريف العلمانية بفصل الدين عن الدولة تعريف قاصر، وزاد: إذ نعتقد أنه يشمل إلى جانب ذلك نمطا في التفكير يتعلق برؤية عامة للكون والحياة، ولا يقتصر على تصور للحكم فقط، إنه مشتق من العالم كبديل للرؤية اللاهوتية التي ترى أن هذا العالم محكوم بقوة غيبية مفارقة لهذا العالم، تقدر مصائره وتتحكم في أقداره. من هنا كانت العلمانية رؤية تذهب إلى أن القوانين الموضوعية لحركة التاريخ تنبثق من العالم نفسه، وليست قدرا مهيمنا عليه من خارجه (٢). وزاد: فالعلمانية كما أوضحنا سلفا رؤية شاملة وفلسفة حياة (٣).

стр. 40

وعند أركون الحداثة في الفكر الفرنسي والألماني تعني أولا وقبل كل شيء الموقف الفلسفي من الوجود (١). وقال كمال عبد اللطيف في التفكير في العلمانية (٣٧) بعد تأكيده على أن العلمانية تعني رفض هيمنة المقدس (أي: الدين) على الحياة، وهي بديل عنه، قال: وقد ارتكز المفهوم في سياق تطوره الفكري إلى قاعدة فلسفية كبيرة، هي قاعدة المعتقد الليبرالي، هذه القاعدة التي تسلم بأولوية الإنسان الفرد في الوجود، كما تسلم بالقيمة المطلقة للحرية، وتعتقد بالأهمية اللانهائية لقدرات العقل الإنساني. وعرفها عاطف أحمد بقوله: موقف معرفي يتسم بالتعامل مع أمور الواقع البشري والطبيعي بعقل مستقل يستمد معطياته من خبرتنا بالواقع ذاته خارج أية هيمنة لأية سلطة معرفية أخرى تعتبر نفسها فوق بشرية. الإسلام والعلمنة (١٥). أي بعبارة أوضح: إقصاء الدين من أي تدخل في شؤون الحياة وإحلال العقل محله. وعرفها بعضهم بأنها التخلي عن كل سند ديني أو غيبي أو ميتافيزيقي، وجعل الإنسان يعتمد على نفسه (٢).
следующие страницы →