← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96931

العلمانية المفهوم والمظاهر والأسباب

مصطفى باحو

Полный текст (164 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تجاه الدين ومقوماته وقيمه، والاستقلالية تعني أن هناك قيما ذاتية فعلية للعالم غير مستمدة من الدين وغير خاضعة له (١). وهذا تعريف شامل للعلمانية. إنها باختصار إقصاء للدين من جميع المجالات. وهو نفس ما عبر عنه عبد السلام سيد أحمد، فالعلمانية عنده تقوم على إحلال منظومة متكاملة من القيم والأخلاق والعلائق الإنسانية أو الإنسية مقابل الدينية (٢). وعرفها معجم أكسفورد (٧٨٥): العلمانية تعني: أ- دنيوي أو مادي، ليس دينيا ولا روحيا، مثل التربية اللادينية، الفن، الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية أو الحكومة المناقضة للكنيسة. ب- الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسا للأخلاق والتربية (٣). وعرفتها دائرة المعارف البريطانية (٩/ ١٩) تحت مادة ( Secularism): هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها. وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت ( Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية،

стр. 37

حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق مطامعهم في هذه الدنيا القريبة، وظل هذا الاتجاه يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية (١). وفي معجم ويبستر Webster عرفها بـ: فهي رؤية للحياة، أو في أي أمر معين يعتمد أساسا على أنه يجب استبعاد الدين وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها، ومن ثم فهي نظام أخلاقي يعتمد على قانون يقول: بأن المستويات الأخلاقية والسلوكيات الاجتماعية يجب أن تحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعيشية والرفاهية الاجتماعية دونما الرجوع إلى الدين (٢). وفي معجم المورد عرفها بـ (٨٢٧): عدم المبالاة بالدين أو بالاعتبارات الدينية (٣). والملتزم بالعلمانية عند عبد الصبور شاهين هو: الإنسان الرافض للدين، المبعد له عن حياته، المحارب لرسالته في المجتمع، الحريص على أن يلتزم الناس بقيم مدنية ولا دينية عالمية (٤). وهي عند فهمي هويدي: منظومة فكرية متكاملة، وأساس متميز لرؤية الواقع والعالم، وأنها رؤية للكون وفلسفة في الحياة (٥).

стр. 38

وهو ما أكده جماعة من العلمانيين: فاعتبر عادل ضاهر أن العلمانية غير منحصرة في فصل الدين عن الدولة، وقال: هي موقف شامل ومتماسك من طبيعة الدين وطبيعة العقل وطبيعة القيم وطبيعة السياسة (١). واعتبر كذلك أن التعريف السائد للعلمانية (أي: فصل الدين عن الدولة) تعريف سطحي جدا (٢)، إنها عنده في المقام الأول موقف من الإنسان والقيم والدين والمعرفة (ص٩). وقال في مكان آخر (ص٥٤) معرفا العلمانية: تعني بالضرورة رفض مبدأ العودة إلى الدين بوصفه المرجع الأخير والسلطة الأخيرة في كل الشؤون. واختار العلماني المصري شريف حتاتة أن العلمانية دعوة شاملة وليست قاصرة على فصل الدين عن الدولة (٣). وزاد مؤكدا قبل هذا (١٠٢) أن القوانين والنظم والتعليم والإعلام ومختلف الأنشطة التي تقوم بها الدولة مفروض ألا تبقى لها أية علاقة بالأفكار الدينية بأي نوع من الأنواع. وعند لكحل: إن العلمانية منظومة فكرية وسياسية وقانونية (٤).

стр. 39

وقالت ماجدة رفاعة الطهطاوي: فالعلمانية لا تنحصر في الفصل بين الدين والدولة، وإنما هي تمثل قطيعة معرفية مع الماضي أي: الانتقال من هيمنة الفكر الميتافيزيقي (المطلق) التي اتسمت به العصور الوسطى إلى الأزمنة الحديثة التي اهتمت بالحقائق النسبية والجزئية، وأعطت الأولوية للعقل وحرية التفكير (١). ولا زلنا مع هذه النصوص التي نريد من تنويعها وتكثيرها البرهنة على أن العلمانية فلسفة عامة للحياة، وليست فصل الدين عن السياسة كما يوهم بعض العلمانيين تمويها وتعمية. وهذه شهادة غاية في الصراحة: قال محمود إسماعيل بعد تأكيده أن تعريف العلمانية بفصل الدين عن الدولة تعريف قاصر، وزاد: إذ نعتقد أنه يشمل إلى جانب ذلك نمطا في التفكير يتعلق برؤية عامة للكون والحياة، ولا يقتصر على تصور للحكم فقط، إنه مشتق من العالم كبديل للرؤية اللاهوتية التي ترى أن هذا العالم محكوم بقوة غيبية مفارقة لهذا العالم، تقدر مصائره وتتحكم في أقداره. من هنا كانت العلمانية رؤية تذهب إلى أن القوانين الموضوعية لحركة التاريخ تنبثق من العالم نفسه، وليست قدرا مهيمنا عليه من خارجه (٢). وزاد: فالعلمانية كما أوضحنا سلفا رؤية شاملة وفلسفة حياة (٣).

стр. 40

وعند أركون الحداثة في الفكر الفرنسي والألماني تعني أولا وقبل كل شيء الموقف الفلسفي من الوجود (١). وقال كمال عبد اللطيف في التفكير في العلمانية (٣٧) بعد تأكيده على أن العلمانية تعني رفض هيمنة المقدس (أي: الدين) على الحياة، وهي بديل عنه، قال: وقد ارتكز المفهوم في سياق تطوره الفكري إلى قاعدة فلسفية كبيرة، هي قاعدة المعتقد الليبرالي، هذه القاعدة التي تسلم بأولوية الإنسان الفرد في الوجود، كما تسلم بالقيمة المطلقة للحرية، وتعتقد بالأهمية اللانهائية لقدرات العقل الإنساني. وعرفها عاطف أحمد بقوله: موقف معرفي يتسم بالتعامل مع أمور الواقع البشري والطبيعي بعقل مستقل يستمد معطياته من خبرتنا بالواقع ذاته خارج أية هيمنة لأية سلطة معرفية أخرى تعتبر نفسها فوق بشرية. الإسلام والعلمنة (١٥). أي بعبارة أوضح: إقصاء الدين من أي تدخل في شؤون الحياة وإحلال العقل محله. وعرفها بعضهم بأنها التخلي عن كل سند ديني أو غيبي أو ميتافيزيقي، وجعل الإنسان يعتمد على نفسه (٢).

стр. 41

وعرفها هبة رؤوف عزت في المرأة والدين والأخلاق (١٧٠ - ١٧٢) بأنها نزع القداسة عن كل ما هو مقدس وإخراج المطلق من المنظومة المعرفية وسيادة النسبية (١). وعرفها توماس فورد هلت في معجم علم الاجتماع المعاصر بأنها منظومة متكاملة تحتوي على ميتافيزيقا واضحة ورؤية شاملة للكون (٢). وفي المعجم نقلا عن للاري ساينر أن للعلمانية استخدامات: ١ - انحسار الدين وتراجعه (الرموز والعقائد والمؤسسات تفقد هيمنتها ونفوذها). ٢ - الفصل بين المجتمع والدين. ٣ - التركيز على الحياة المادية في الوقت الراهن بدلا من مستقبل روحي. ٤ - اضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدينية. ٥ - اختفاء فكرة المقدس. ٦ - إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس (٣). وجعل الطعان بعد تحليل طويل في كتابه العلمانيون والقرآن الكريم (١٣٠) العلمانية في المنظور الغربي: هي التحرر من الأديان عبر السيرورة التاريخية، واعتبار الأديان مرحلة بدائية لأنها تشتمل على عناصر خرافية

стр. 42

كالماورائيات والغيبيات، ولا يتم الخلاص من هذه الأعباء إلا عن طريق تحقيق النضج العقلي الذي تحققه العلمنة عبر آلياتها الثقافية والفكرية والفلسفية. وعرفها كذلك (٢٨١) بأنها أنسنة الإلهي وتأليه الإنساني. وعرفها محمود أمين العالم العلماني المصري بأنها ليست مجرد فصل الدين عن الدولة، وإنما هي رؤية وسلوك ومنهج. وهي عند علماني آخر هو جلال أمين منظومة شاملة ورؤية للكون (الطبيعة والإنسان) تستند إلى ميتافيزيقا مسبقة، تطرح إجابات عن الأسئلة النهائية الكبرى، والعلمانية رؤية للكون تضم إيديولوجيات مختلفة (١). إذن فالعلمانية حسب جلال أمين رؤية للكون تضم إيديولوجيات مختلفة (٢). بينما جعل المسيري (٣) للعلمانية مفهومين: ١ - العلمانية الجزئية: وهي المعبر عنها بفصل الدين عن الدولة، أي فصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد، وربما بعض الجوانب الأخرى

стр. 43

من الحياة العامة، وهي تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية، وربما دينية. ٢ - العلمانية الشاملة، وهي رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلي ونهائي). وهي ترى أن مركز الكون كامن فيه غير مفارق أو متجاوز له، وأن العالم بأسره مكون من مادة واحدة، ليست لها قداسة ولا تحوي أية أسرار. وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف ولا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت. فلا يوجد فيها مجال لسوى حيز واحد هو الحيز الطبيعي/ المادي، ويتفرع عن هذه الرؤية منظومات معرفية، الحواس والواقع المادي مصدر المعرفة ... ويتفرع عنها: - رؤية أخلاقية: المعرفة المادية هي المصدر الوحيد للأخلاق، وبما أن المادة في حالة حركة دائمة، لا يوجد أية قيم أخلاقية ثابتة. - ورؤية تاريخية: فالتاريخ يتبع مسارا واحدا، وإن اتبع مسارات مختلفة، فإنه سيؤدي في نهاية الأمر إلى النقطة النهائية نفسها. - ورؤية للإنسان: فالإنسان جزء لا يتجزأ من طبيعة المادة، ليس له حدود مستقلة تفصله عنها، وهو كائن ليس له وعي مستقل خاضع للحتميات المادية المختلفة، غير

стр. 44

قادر على التجاوز والاختيار الأخلاقي الحر، أي أنه يتم تفكيكه وتسويته بالكائنات الأخرى. فمرجعيته النهائية مادية كامنة، وهو إنسان يتم اختزاله إلى بعد واحد (البعد المادي). والحاصل كما يرى المسيري أن العلمانية الشاملة ليست مجرد فصل الدين عن الدولة، أو عما يسمى الحياة العامة، وإنما هي فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية (المتجاوزة لقوانين الحركة المادية والحواس) عن العالم، أي عن كل الإنسان (في حياته العامة والخاصة) بحيث يصبح العالم مادة نسبية لا قداسة لها. وعرف المسيري في ندوة لندن حول سقوط العلمانية والتحدي الإسلامي (يونيو ١٩٩٤) بأنها فصل كل المطلقات الأخلاقية والمعرفية والإنسانية عن الدنيا، بحيث تصبح كل الأمور نسبية، والتعبير الفلسفي لذلك هو: إن العلمانية تعني أن العالم مكتف بذاته، وأنه يحوي داخله كل ماهو ضروري لإدراكه والإفادة منه، وأن عقل الإنسان قادر على فهم كامل للطبيعة وعلى تحقيق السيطرة التامة عليها، وهو قادر وحده على إدارة العالم وتأسيس نظمه المعرفية والأخلاقية، وليس بحاجة إلى أي شيء آخر خارج النظام الطبيعي المادي وفي هذه الحالة تصبح مرجعية الإنسان كامنة في ذاته (١). من هنا ذهب المسيري إلى أن العلمانية الشاملة والامبريالية صنوان، لأسباب ذكرها في كتابه (٢). وأهم تلك الأسباب:

стр. 45

١ - الإنسان الغربي بدأ مشروعه التحديثي بالنزعة الإنسانية التي همشت الإله ووضعت الإنسان في مركز الكون، إلا أنها شأنها شأن أية فلسفة مادية ترى أن الإنسان هو إنسان طبيعي/ مادي، يضرب بجذوره في الطبيعة/ المادة، لا يعرف حدودا أو قيودا، ولا يلتزم بأية قيمة معرفية أو أخلاقية، فهو مرجعية ذاته، ولكنه في الوقت نفسه يتبع القانون الطبيعي ولا يلتزم سواه، ولا يمكن تجاوزه. ٢ - إنه بدلا من مركزية الإنسان في الكون تظهر مركزية الإنسان الأبيض، وبدلا من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض. وبدلا من ثنائية الإنسان الطبيعية/ المادة، وتأكيد أسبقية الأول على الثاني، تظهر ثنائية الإنسان الأبيض في مقابل الطبيعة/ المادة وبقية البشر الآخرين، وتأكيد أسبقيته وأفضليته عليهم، وبدلا من الاحتكام للقيم الإنسانية تستخدم القوة ويصبح هم هذا الإنسان الأبيض هو غزو الطبيعة المادية والبشرية وحوسلتها (١) وتوظيفها لحسابه واستغلالها. كل هذا دفع المسيري إلى القول بأن العلمانية الشاملة هي النظرية، والامبريالية هي الممارسة. وقد تابعه على هذا الرأي الطعان في دراسته. ويؤكد ذلك أن العلمانية لما هيمنت على الحياة والمجتمعات والدول في القرن التاسع عشر سال لعابها على قهر المجتمعات والدول الضعيفة، فاكتسح العلمانيون والحداثيون دول أوروبا وآسيا وعاثوا فيها فسادا ونهبا وقتلا وتشريدا وتجويعا وإبادة جماعية. فالثورة الفرنسية مثلا التي نادت بالحرية والإخاء والمساواة هي التي أرسلت جيوشها الاستعمارية لقهر الآخر وإذلاله واستعباده. إذن العلمانية فلسفة لها نظرة معينة للكون والإنسان والمستقبل. لهذا وصف المفكر الأمريكي اليهودي العلمانية بأنها رؤية دينية، لأنها تحتوي على مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله لا يمكن تسميتها علمية، ذلك لأنها مقولات ميتافيزيقية لاهوتية. وفي هذا الدين (العلماني) يصنع الإنسان نفسه أو يخلقها (تأليه الإنسان) كما أن العالم ليس له معنى يتجاوز حدوده، وبوسع الإنسان أن يفهم الظواهر الطبيعية وأن يتحكم فيها وأن يوظفها بشكل رشيد لتحسين الوضع الإنساني (٢). وقد قارب فهمي هويدي تقسيم المسيري العلمانية إلى جزئية وشاملة، فقسمها إلى معتدلة ومتطرفة (٣). وعند هويدي العلمانيون المتطرفون ليسوا ضد الشريعة فحسب، بل ضد العقيدة أيضا، ولذا فهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب حلها بالانتهاء منها وتجفيف ينابيعها لاستئصالها. وزعم أن المعتدلين ليس لديهم مشكلة مع العقيدة، فهم يعتبرون أن الدين الإسلامي حالة يمكن التعايش معها.

стр. 46

ويرى هويدي ضرورة القبول بشرعية التيار المعتدل المتصالح مع الدين. وادعى هويدي والمسيري أن التيار المعتدل قابل للتعايش والحوار بخلاف الآخر. ولي وقفة تصحيحية مع هذا الرأي فيما بعد إن شاء الله، وإن تحمس له المسيري وحكاه المسيري عن القرضاوي والعوا وطه جابر العلواني وجماعة سماهم التيار الإسلامي الأساسي (١). لكني أشير إشارة إلى ما يلي: هذه الدعوة التي أطلقها هويدي وآخرون لا تعدو أن تكون شعارا لإبداء حسن النوايا فقط، أو بالأحرى للتظاهر بمظهر الاعتدال والوسطية، أو طلب ود التيار العلماني ومغازلته، لسبب بسيط هو عدم وجود ما أسماه التيار المعتدل داخل العلمانية باعترافهم هم. وإلا فليخبرنا مَنْ مِن رموز العلمانيين الكبار هو معتدل؟ هل القمني الذي يقول بتضمن القرآن للأساطير والخرافات ويسخر من أحكام الشريعة؟ أم أبو زيد الذي يقول بأن القرآن منتج ثقافي؟ أم حسن حنفي الذي هدم أصول الإسلام كلها باسم التجديد؟ أم أركون المشكك في القرآن والسنة؟ أم طيب تيزيني؟ أم فرج فودة؟ أم فؤاد زكريا؟ أم غيرهم؟ ثم على فرض وجود معتدل، فالجميع يقف في صف واحد وفي خندق واحد في السراء والضراء، ويناصر بعضهم بعضا. وكم من عرائض كتبها مختلف العلمانيين دفاعا عن القمني وأبي زيد وعشرات غيرهم. وزعم عمارة أن الخلاف مع من سماهم تيار العلمانيين الوطنيين والقوميين خلاف في الفروع لا في الأصول، وبين أنهم من يرفضون تبني الدولة للإسلام (٢).

стр. 47

وزاد أن العلمانيين لابد أن يساهموا في نهضة الأمة (١). وفي اعتقادي أن العلمانية المعتدلة أو الجزئية هي قنطرة العلمانية المتطرفة أو الشاملة (٢). وقد مرت العلمانية الغربية بهذا المسار. وثانيا: لا توجد حدود فاصلة بين هذه وتلك، ونسأل هنا فهمي هويدي: وماذا إذا أنكرت العلمانية عقيدة واحدة لا العقيدة جملة، هل هي معتدلة تقبل التعايش أم متطرفة لا سبيل معها إلى التعايش معها. وثالثا: الذي يعترض على كل أحكام الشريعة مثله من يعترض على قسم منها. فما سموه بالتيار العلماني المعتدل لا يرى تحكيم الشريعة في السياسة ولا في الاقتصاد، وأي فرق بين هذا وبين من يلغي الشريعة جملة وتفصيلا. وهذا علماني يؤكد على أنه لا توجد علمانية معتدلة وأخرى راديكالية وأن العلمانية شيء واحد، إما أن تؤخذ كاملة أو تترك كاملة، إنه شاكر النابلسي (٣). الخلاصة: نخلص بعد هذا إلى استنتاج الأسس التي تقوم عليها العلمانية: ١ - الرؤية المادية، وإنكار كل ما وراء المادة.

стр. 48

٢ - تنحية الغيب والميتافيزيقا. ٣ - نزع القداسة عن المقدس. ٤ - العقلانية المطلقة. ٥ - النسبية المطلقة. ٦ - فصل الدين عن الحياة، وإلغاؤه تماما من المنظومة المعرفية أو السلوكية (١). من هنا يتضح أن العلمانية مذهب إلحادي. ولهذا فدائرة المعارف البريطانية لما ذكرت الإلحاد قسمته إلى قسمين: ١ - إلحاد نظري. ٢ - وإلحاد عملي. وذكرت الفلسفة العلمانية ضمن الإلحاد العملي (٢). ولما ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الحادية عشر بالمنامة في مملكة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ، الموافق ١٤ - ١٩ تشرين الأول (نوفمبر) ١٩٩٨م. أصدر قرارا رقم: ٩٩ (٢/ ١١) في قضية العلمانية جعلها مذهبا إلحاديا. ومما جاء فيه: إن العلمانية نظام وضعي يقوم على أساس من الإلحاد يناقض الإسلام في جملته وتفصيله، وتلتقي مع الصهيونية العالمية والدعوات الإباحية والهدامة، لهذا فهي مذهب إلحادي يأباه الله ورسوله والمؤمنون. انتهى.

стр. 49

نعم قد يوجد من العلمانيين من ليس ملحدا نظريا، لكنه يقصي الدين والمفاهيم الدينية عن كل مجالات الحياة. لأن الدين في نظره كان تعبيرا زمنيا عن أوضاع اجتماعية معينة قبل تمكن العقل البشري من فهم آليات الكون وتفاعلاته المختلفة. واتضح من خلال كل ما تقدم أن العلمانية ليست مجرد تحكيم العقل كما يدعي بعض العلمانيين (١)، بل هي منظومة فلسفية، لها رؤية للكون والمستقبل، ولهذا سمى أتباع روبرت أدين العلمانية بالدين العقلاني (٢). فالعلمانية كما قال بعض الباحثين لا تكتفي بتحرير الدولة أو الفضاء السياسي عامة من سيطرة الدين بقدر ما تعمل على إحلال دين علماني وثوقي محل الديانات القائمة، أي: فرض رؤية دهرية وغرس قيم وسلوكيات علمانية صلبة تحل محل التصورات والقيم الدينية بقوة الدولة وأجهزتها الإيديولوجية العنيفة. وهي حسب المسيري: رؤية عقلانية مادية ترى العالم في إطار مرجعية مادية كامنة فيه، فالعالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، والعقل قادر على

стр. 50

استخلاص القوانين التي تلزمه لإدارة حياته (١). فليس في حاجة إلى قوى غيبية لإرشاده وهدايته. وليست -كما يرى عزيز العظمة- واقعا تاريخيا موضوعيا وعالميا في آن (٢). يريد أن يجعلها حتمية موضوعية وينفي تاريختها. وفي ختام هذا المبحث هذا تعريف شامل حسب تصوري للعلمانية: هي رؤية عقلانية مادية شاملة للإنسان والكون وفلسفة عامة للحياة تؤمن بقدرة العقل البشري المطلقة على فهم الطبيعة والسيطرة عليها، وتقوم على فصل كل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية عن القيم الدينية والأخلاقية، وإنكار كل ما وراء المادة وتنحية الغيب والميتافيزيقا ونزع القداسة عن المقدس.

стр. 51

مظاهر العلمانية قدمت أن العلمانية فلسفة للوجود بكل مكوناته وتنوعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وغيرها، وليست محصورة في فصل الدين عن السياسة. فالعلمنة السياسية «ليست إلا جزءا لا يتجزأ من علمنة حقول أخرى كثيرة تراهن على إدخالها حركة العلمنة، بما في ذلك حقول الاقتصاد والثقافة العامة والتشريع إلى جانب مجالات التعبير الجمالي والفني، فالرهان العلماني يتجاوز في نهاية المطاف الجانب الحصري الذي يخص علاقة الدولة بالجهاز الديني ليطال مجالات أوسع وأشمل» (١). ومن مظاهر العلمنة في مجالات الحياة المختلفة: ١ - في المعرفة والفكر والفلسفة . تؤمن العلمانية بالمادة، ولا شيء وراء المادة (٢). وأما الدين فلا مكان له هنا لأنه يعتمد في أصوله على مقومات غيبية وخرافية، ولا يوجد شيء مقدس إلا ما دلت عليه التجربة. وما عداه محض خرافات. وليس من هم العلمانية التطلع للآخرة، لأنها غيبيات أسطورية، بل

стр. 52

محورها المركزي والوحيد هو هذه الحياة الدنيا. ولهذا السبب عرف بعضهم العلمانية بالدنيوية (١). ٢ - العلمانية في السياسة: فصل الدين عن السياسة واعتماد القوانين الوضعية والتشريعات الإنسانية، وإبعاد كل اعتبار ديني. فليس من شرط الرئيس أو الأمير أو الحاكم أو من دونه أن يكون عدلا تقيا، بل ولا مسلما. لأن هذه اعتبارات دينية. وليس من شرط الدولة الدفاع عن الإسلام ولا إقامة الشعائر ولا الدفاع عن الهوية الإسلامية. بل الدين في نظر العلمانية شيء شخصي، متعلق بالضمير من أحب أن يكون مسلما أو نصرانيا أو يهوديا فله ذلك. ٣ - العلمانية في الاقتصاد: تسن القوانين والتشريعات والضوابط الاقتصادية بعيدا عن الدين. ولا مكان في العلمانية للحديث عن تحريم الربا والاحتكار والميسر وغير ذلك، ولا مكان لإيجاب الزكاة، لأنها معاملات ذات صبغة دينية، والدين لا دخل له في شؤون الدولة حسب المعتقد العلماني. ويدور الاقتصاد العلماني على الربح والمنفعة، ولا يَهُم بما تحقق سواء بخمور أو ربا أو ميسر أو أفلام إباحية، أو دور دعارة، أو حتى أسلحة للعصابات المسلحة، ولا اعتبار لأية كوابح دينية.

стр. 53

بل حتى الشواذ إذا أدوا الضرائب المفروضة فلا مانع من فتح دور للدعارة خاصة بهم، والدين لا دخل له في كل هذه التشريعات. ٤ - العلمانية في المواطنة: الوطن القومي في العلمانية هو معيار المواطنة بغض النظر عن الدين. ويجب إبعاد مفهوم الأمة الإسلامية (١) أو الوحدة الإسلامية لقيامها على أسس دينية، وهو ما لا ترضاه العلمانية. لأن أساس الولاء هو الوطن، والدين أَيُّ دين مسألة شخصية (٢). ٥ - العلمانية في التربية والأخلاق: تقوم فلسفة العلمانية بخصوص الأخلاق على إبعاد الدين والمقدسات عن مجالاتها، واعتبار الأخلاق انعكاسا للأوضاع الفكرية والاقتصادية العامة، فلكل عصر أخلاقه وفنونه. فليس هناك قيم مطلقة لا تاريخية. فما كان ممنوعا بالأمس ليس بالضرورة أن يكون ممنوعا الآن. فالشذوذ الجنسي أو زنا المحارم لا ترى العلمانية به بأسا إذا كان بالتراضي، لأنه ممارسة للحرية المطلقة التي ما جاءت العلمانية إلا لتحقيقها. ونظام الإرث نظام إقطاعي استغلالي للمرأة يجب تجاوزه.

стр. 54

وكل القيود والأحكام الشرعية المتعلقة بالمحرمات كالصور الخليعة والأفلام الجنسية الماجنة، وتبرج المرأة والخلوة بها اعتداء على الحرية الشخصية للأفراد في نظر العلمانية. وبالجملة تربط الأخلاق بالتاريخ والزمن لا بالثوابت كما سنبسط هذا في فصل خاص في الكتاب الثاني إن شاء الله. ٦ - العلمانية في الاجتماع: النظم الاجتماعية تستمد من الفلسفات والبحوث في علم الاجتماع لا من الدين، بمعنى أن نُظم الأسرة والزواج والطلاق في شكلها الديني لا مكان لها في العلمانية، ويجب سن مفاهيم حديثة لا ترتبط بنظام الأسرة التقليدي القائم على سيطرة الأب، قال مورو بيرجر في «العالم العربي اليوم»: يجب أن يوضع في الحسبان نقطتان رئيستان: الأولى: أن يعمل على تقليل سلطة الأب على أولاده ليمكن أن تحمل الأسرة العربية كل طبيعة الحياة الغربية. النقطة الثاني: ضرورة تأسيس حكومات عسكرية في البلاد العربية للقيام بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتطبيق علم الاجتماع بنظرياته (١). ٧ - العلمانية في الإعلام: للإعلام الحرية المطلقة في عمله ولا خطوط حمراء له، سواء تعرض للمقدسات أو الأديان أو الرموز الدينية. ولا ضير في إجراء تحقيق مع الشواذ والعاهرات والإشادة بهم، وعقد جلسات حوارية معهم، وفسح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم، ولا ضير في عرض الأفلام الإباحية أو رجل يقبل امرأة أو

стр. 55

يجامعها، فالتقزز من هذه المناظر إنما هو من رواسب المؤثرات الدينية، أما في دين العلمانية فتلك ممارسة للحرية الشخصية وإبداع فني لا علاقة له بالدين. ولا مانع من إظهار الساقطين خلقيا كرموز وطنية وقادة وقدوة للجماهير. ولا مانع كذلك من نقد الأحكام الشرعية، بل نقد القرآن والسنة والأنبياء، وربما الاستهزاء بهم، لأن كل هذا لا يعدو ممارسة للحرية الشخصية، والدين مكانه المسجد، وحرية التعبير مكفولة للجميع. ٨ - العلمانية في الرياضة: ترى العلمانية أنه يجب إقصاء الدين من تحجيم حرية الرياضيين أو تعكير صفاء مزاجهم، كالحديث عن العري والفضيلة والحشمة والرذيلة، فكل هذه عقائد دينية لا دخل لها في الرياضة، فلا ضير على الشابة في السباحة، أو لاعبة كرة المضرب أو ألعاب القوى من لبس ثوب صغير، يبدي العورة أو لا يبديها لا يهم، فالعورة وأحكام سترها من مخلفات سيطرة الدين على المجتمعات. ٩ - العلمانية في الفن: لا دخل للدين في الفن، فمشاركة المرأة في فلم شبه عارية يضاجعها رجل في الفراش ويقبلها لا تعدو أن تكون عروضا فنية من جهة، ومن جهة أخرى فالحرية الشخصية مكفولة للجميع. والحديث عن أن هذا حرام أو تفسخ أخلاقي أو أفلام إباحية فحديث ديني بال، يعود للقرون الوسطى.

стр. 56

١٠ - العلمانية في القانون: تسن القوانين الضرورية لإدارة الحياة المدنية والجنائية والدستورية من قبل مجلس منتخب، وإبعاد أي صلة للدين بهذه القوانين. ولا يهم وافقت هذه القوانين الشريعة الإسلامية أم خالفتها. وأما أحكام الشريعة فيجب تجاوزها وتخطيها وإلغاؤها لتاريخيتها وكونها كانت تعبيرا عن أوضاع معينة كما يرى أركون ونصر أبو زيد والقمني وعبد المجيد الشرفي والعشماوي وغيرهم. وزاد العشماوي فاختزل الإسلام في مجموعة من الوصايا الأخلاقية التي يمكن أن تحل محلها وصايا الإنجيل (١). وسيأتي معنا لاحقا كلام أبي زيد في تاريخية القرآن، وكونه منتجا ثقافيا أفرزته ثقافة الواقع العربي، وبالتالي كان صالحا لتاريخ نزول هذه الأحكام. ولا يظن أن العلمانية لا تمانع من أن يحتكم الناس للدين في الأحوال الشخصية، بدليل أن العلمانية الغربية التي هي أم العلمانيات لا دخل للدين في الأحوال الشخصية عندها، من زواج وطلاق وميراث. بل حتى تركيا لا تسمح للإسلام بإدارة الأحوال الشخصية، وتقرب منها تونس، وحاول العلمانيون في المغرب تحقيق هذا الهدف عبر حملتهم المسعورة: إدماج المرأة في التنمية، فرد الله كيدهم في نحرهم. ومن سمح بذلك من العلمانيين فهو إما جاهل بحقيقة العلمانية أو لبقايا إيمانية في قلبه، أو مجاملة وقتية، لأن أصل العلمانية يمنع الدين من التدخل في

стр. 57

الحياة العامة وحياة الأفراد الشخصية، والتحليل والتحريم من خصائص الشعب ومؤسساته الديمقراطية كما يقولون. ١١ - العلمانية في التعليم: ترى العلمانية أن التعليم يجب أن يبتعد عن كل المؤثرات والضوابط الدينية، فلا يلقن الطفل أي عقيدة دينية، كوجود الله والقرآن والرسل والآخرة ونحو ذلك، ولا يسمح للدين بالتدخل في التعليم، لا من حيث المواد التي تدرس، ولا من حيث منهج التعليم، ولا من حيث آلياته، وحتى مادة التربية الإسلامية فيجب أن تقتصر على المبادئ العامة التي تناسب العلمانية كالمساواة والتسامح والرحمة والتعاون والحرية وما أشبه ذلك، وأما الموقف من الآخر الكافر، وتفاصيل العقيدة الإسلامية والفقه الإسلامي فكانت ملائمة لأوضاع اجتماعية واقتصادية معينة. ومن هنا سعى العلمانيون لإظهار رجل الدين في قالب السكوني المنغلق المتطرف، ورجل التعليم المدني في قالب المتحرر والمتنور والواعي. في المغرب مثلا قتل التعليم الأصيل قتلا، ولم يسمح لخريجي القرويين بأي شهادة أكاديمية معترف بها تمكنه من الحصول على وظيفة وعلى مكانة اجتماعية مرموقة، ولم يعط لها الاعتبار الجزئي إلا حديثا بعد أن فقد التعليم الأصيل مشروعيته واستطالت العلمانية على البلاد والعباد. وطبعا كان هذا المخطط فرنسيا بامتياز تولى تنفيذه من دربهم في سربونه وعلمهم في معاهده. ورد في توجيهات وزارة التعليم الفرنسية في إطار قانون تعميم التعليم الصادر يوم ٢٨ مارس سنة ١٨٨٢ ما يلي: يجب ألا نذكر للطفل البالغ من العمر

стр. 58

سبع سنوات شيئا عن الله، ليشعر هذا الطفل من تلقاء نفسه على امتداد ساعات الست التي يتلقاها يوميا أن الله غير موجود أصلا، أو أننا في أحسن الأحوال لم نعد بحاجة إليه (١). علمانية حسب الطلب . أختم هذا الفصل بهذه المهزلة: اعترف محمد الشرفي في الإسلام والحرية (٢٠٧) باستحالة العلمانية في البلدان الإسلامية، ولم يتردد في الاعتراف باستحالة العلمانية على النمط الغربي، قال: ولذا لا يتسنى في البلاد الإسلامية كما رأينا تبني اللائكية حسب النمط الغربي لأنه لا وجود فيها لكنيسة ولا لكهنوت (٢). ولذلك فهو يريدها علمانية من نوع خاص. ولهذا اقترح علمانية على مقاسه ومزاجه، فجاءت علمانيته على النحو التالي: - إحداث سلطة دينية مستقلة عن باقي السلط. - مهمتها البحث في إدارة المساجد فقط. - المساجد أماكن عبادة وخشوع وتأمل فقط. - لا يدعو الأئمة للحكام ولا عليهم. - لا ينتقد الأئمة عمل السلطات العمومية ولا اتخاذ أي موقف من التيارات السياسية.

стр. 59

- ينتخب الناس في إسلام محمد الشرفي الجديد إمام المسجد، وينتخب أئمة المساجد بدورهم مفتيا بكل جهة، ثم تقوم هذه الهيئة المنتخبة بانتخاب مجلس إسلامي أعلى ومفتيا أكبر على الصعيد الوطني. وطبعا سيفتي فيما يتعلق بالصلاة في المساجد فقط. هذا هو كهنوت الشرفي، بل مهزلته، إنها كنيسة إسلامية إن صح التعبير. ومع اعترافه بأن لا كهنوت في الإسلام، فهو يريد أن يصنعه بأحلامه الغزيرة واقتراحاته الدالة على فقدان الدين والعقل معا.

стр. 60

أسباب العلمانية أقصد بالأسباب الشروط التاريخية التي تسببت في إفرازها ووجودها في العالم الغربي أولا، وفي نسختها الكربونية العربية، من أجل فهم منطقي ومعمق لحقيقتها ومدلولها المفاهيمي، ومن ثم موقف الإسلام منها. فلابد من تتبع السياق التاريخي الذي ولدت فيه العلمانية في الغرب، ويتعين تقصي الملابسات التاريخية لنشأتها في إطار الحضارة الغربية المسيحية بجذورها الإغريقية الفلسفية، وتراثها الروماني القانوني، ودينها المسيحي. وقد بحث هذا المبحث كثيرا في شقيه الغربي والعربي ولذلك فستكون مقاربتنا هنا ملخصا جامعا لتلك المطارحات، مع إضافات ملتقطة من هنا وهناك. والمتفق عليه بين جل الباحثين بما فيهم كثير من العلمانيين أن العلمانية إفراز ثقافي فلسفي في ظل شروط تاريخية واجتماعية ودينية غربية مخالفة للسياق الذي وجدت-أو بالأحرى- أُوجدت فيه في العالم العربي. فالعلمانية ظاهرة غربية محضة تاريخا وموطنا وأسبابا، لها شروط سياسية ودينية واجتماعية ولدتها وساهمت في تشكيلها وبررت وجودها، وجعلت من أوروبا حاضنا رسميا لها. بل الأكثر من هذا فالمسيحية بحد ذاتها لإقرارها بترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله هي العامل المركزي الذي ساهم في بروز العلمانية. فمن رحم المسيحية المحرفة مذهبا وتاريخا خرجت العلمانية.

стр. 61

ويمكن إجمال الأسباب التي ساهمت في تشكلها في الغرب فيما يلي (١): ١ - الطغيان الكنيسي: يظهر هذا الطغيان من خلال العناصر التالية: أولا: الطغيان الديني: انفردت الكنيسة بادعاء الحق في التكلم باسم الله وحاربت كل فرق المسيحية المخالفة لها. وكان رجال الدين المسيحيون في القرن السابع عشر الميلادي يدعون أنهم يحكمون بناء على أوامر ونواهي إلهية، وأن عندهم تفويضا إلهيا بذلك، وأن لهم اتصالا مباشرا مع الله، فسيطروا على الدولة وأصبحت تحت رحمتهم. وهذه هي الحكومة الدينية أو الحكومة التيوقراطية (٢).

стр. 62

وزاد رجال الكنيسة فادعوا لأنفسهم حقوقا لا يملكها إلا الله، مثل حق الغفران. فأصدروا صكوكا بذلك. ثم أعقب ذلك محاكم التفتيش التي راح ضحيتها الملايين، والتي كانت مخصصة لكل مخالفي الكنيسة، بدأت أولا بالمسلمين الأندلسيين، ثم بباقي أتباع المسيحية المخالفين للكنيسة، ثم بالعلماء التجريبيين المخالفين لآراء الكنيسة. وكان للكنيسة سجون تحت الأرض، بها غرف خاصة للتعذيب وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري. وكان الزبانية يبدؤون بسحق عظام الرجلين ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا حتى يهشم الجسم كله. في ظل هذه الأوضاع عاش الناس تحت الرعب والاضطهاد، ترتعد قلوبهم وترتجف أوصالهم عند ذكر الكنيسة. ثانيا: الطغيان السياسي: كان رجال الكنيسة يدعون أنهم الأحق بالسلطة السياسية، لأنها نظام إلهي يمثل الخلافة عن الله. ولذلك كان البابوات هم الذين يتولون تنصيب الملوك وبإمكانهم خلعهم، ومن حق الكنيسة أن تعلن الحرب الصليبية. وكان الملوك الأوروبيون يهابون البابا ويطلبون مرضاته (١). ثالثا: الطغيان المالي:

стр. 63

كانت الكنيسة تحث أتباعها على القناعة والزهد والصوم والبعد عن الدنيا. في حين كان أساقفتها يملكون الإقطاعات الضخمة والأملاك الكثيرة والقصور الفارهة التي تصرف غالبها في شهواتهم وترفهم. وزاد رجال الكنيسة ففرضوا عشورا على كل أتباعها، هذا فضلا عن الهبات والعطايا التي كانت تصلها من الأثرياء الإقطاعيين للتملق لها وضمان سكوتها. زيادة على ما كانت تجنيه من مواسمها ومهرجاناتها من أموال ضخمة. إضافة إلى إرغام الكنيسة لأتباعها على العمل المجاني داخل أملاك الكنيسة وإقطاعاتها. وهكذا تحولت الكنيسة بتحالفها مع قوى الإقطاع الظالمة إلى هيئة إقطاعية تحتها آلاف الهكتارات والثروات الهائلة، وأصبح هَمُّ رجال الدين الأساسي هو الثروة وتوسيع دائرة نفوذهم وتسلطهم على الشعوب. ٢ - السبب الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم . ترجع أسباب هذا الصراع إلى عدة أمور منها: - تعصب رجال الكنيسة الذين اعتبروا أنفسهم المصدر الوحيد للمعرفة. فتدخلوا فيما ليس من اختصاصهم كالعلوم التجريبية البحتة وعلوم الفلك ونحوها. إدخال رجال الكنيسة للمفاهيم الدينية نظريات مغلوطة عن الكون والطبيعة مستمدة من نظريات فلسفية قديمة أو من أقوال القديسين القدامى، كنظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون وأن باقي الأجرام تدور حولها.

стр. 64

كما كانت تعتبر نفسها المصدر الوحيد للمعلومات الطبية والفلكية وغيرها. فلما جاء القرن السابع عشر بدأ الباحثون الأوروبيون في الجهر ببعض النظريات التي تخالف ما عليه الكنيسة، وكانت أول النظريات ظهورا نظرية كوبرنيك الفلكية في كتابه «حركات الأجرام السماوية» التي بين فيها أن الأرض تدور كما تدور باقي الكواكب. فحرمت الكنيسة كتابه ومنعت تداوله. ثم جاء بعده برونو فأكد نفس النظرية فقبضت عليه محكمة التفتيش وسجنته ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة ١٦٠٠ وذرت رماده في الهواء. وبعده جاء جليلو فأكد نفس النظرية فقبض عليه وسجن حتى تراجع خوفا وهو راكع، ومما قال في تراجعه أمام المحكمة: أنا جليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض (١). وأي إلحاد في دوران الأرض أو عدمه؟ ولكن هكذا رأت الكنيسة، وهكذا أسست لنهايتها. وحبست الكنيسة دي روفنيس لإثباته أن قوس قزح إنما هو انعكاس لضوء الشمس في نقط الماء، وليس قوسا حربيا بيد الله ينتقم به من عباده إذا أراد كما تقول الكنيسة. وضربت برنيلي لأنه قال: إن النجوم لا تقع. وسجنت هارفي لبرهنته أن الدم يجري في الجسم (٢).

стр. 65

ومع انتشار البحث العلمي في أوروبا بدأت تهتز مكانة الكنيسة في النفوس، وبدأت مصداقيتها تتلاشى، وكثرت المناهج الفلسفية الداعية إلى المنهج العقلي التجريبي بدل أساطير الكنيسة. وهكذا تتابعت أبحاث ديكارت وسبينوزا وجون لوك وغيرهم. وكذلك قابلت نظرية نيوتن في الجاذبية التي بينت إمكان تفسير الظواهر الطبيعية اعتمادا على ربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل خارجي. فحاربتها الكنيسة واعتبرت أن الأشياء لا تعمل بذاتها، ولكن عناية الله هي التي تسيرها. ولم تفهم الكنيسة أنه لا منافاة بين كون الله فاعلا من جهة، وبين كون الأشياء لها أسباب طبيعية تؤثر فيها كما هو رأي أهل السنة والحديث، خلافا للجبرية والقدرية. كل هذه الظروف وغيرها جعلت من الكنيسة عائقا كبيرا أمام التقدم والبحث العلمي والتطور. لذلك كان واجبا الحد من نشاط الكنيسة ومجال عملها، وفصلها التام عن مجمل الحياة العامة وأصبح جميع الأوروبيين مقتنعين بضرورة الحد من هيمنة الكنيسة وحبسها داخل جدرانها وإفساح المجال للبحث العلمي بالتحرر السياسي. من رحم هذه الأوضاع جاءت فلسفة الأنوار العلمانية. «جاء التنوير الأوربي فلسفة رافضة لتجاوز الكنيسة حدودها التي رسمها الإنجيل: خلاص الروح ومملكة السماء، ومدافعة عن النزعة الدنيوية [العلمانية] للفلسفة الأوربية وداعية إلى العقل الذي استبعدته الكنيسة والرأي

стр. 66

الذي قهره اللاهوت، ومنادية بالتحرر من سلطة التقاليد الكنسية التي كانت سوقا تجارية راجت فيها مفاسد القساوسة والبابوات» (١). لما اشتعلت الثورة الفرنسية وانتصرت على الإقطاعيين وحلفائهم، هنا تلقت الكنيسة الضربة القاضية. فحلت الجمعيات الدينية وسرح الرهبان وصودرت أملاكهم، فكان نهاية هذا العهد البئيس. ٣ - السبب الثالث: طبيعة الدين المسيحي: ألا غضاضة عند المسيحيين بما فيهم رجال الدين من الفصل بين الدين وشؤون الحياة، كما هو واضح من خلال ما جاء في الإنجيل المحرف عن عيسى ﵇: أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فالعلمانية في نشأتها تتلاءم مع الديانة المسيحية، ولم تكن خارجة عنها أو منكرة لحقيقتها، بل هي من أركان الديانة المسيحية، حتى قال بولس: إن من يقاوم السلطة يقاوم إرادة الله ويستحق إدانة الكنيسة (٢). فالديانة المسيحية في حد ذاتها تحمل بذورا علمانية، ولهذا دعا البابا الحالي يوم ١٠/ ١٠/ ٢٠١٠ في اجتماع له مع قساوسة الشرق الأوسط إلى تطبيق ما سماه: العلمانية الإيجابية، كما أذيع في حينه في القنوات الإخبارية، منها الجزيرة. وإذا كانت المسيحية ممثلة في كنيستها والدولة ممثلة في الرئيس أو الملك في الغرب، فإن الفصل بين الدين المسيحي والدولة شيء منطقي وممكن، على اعتبار وجود كيانين منفصلين لكل منهما.

стр. 67

أما في الإسلام حيث لا كهنوت ولا طبقة دينية خاصة بالدين، فالفصل إذن بين الدين والدولة يعني الفصل بين الدولة واللاشيء حسب محمد الشرفي (١). وحيث إن الإسلام متغلغل في كل المستويات داخل الدولة اجتماعيا واقتصاديا وشعبيا وسياسيا، فالفصل يعني الفصل بين الدولة والدولة. ب ليس في المسيحية تشريعات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وغيرها. تدور الأناجيل على مبادئ أخلاقية عامة ومواعظ. بخلاف الشريعة الإسلامية الصالحة والمُصلحة لكل زمان ومكان، ففيها تشريعات سياسية واقتصادية واجتماعية، ونظم لشؤون الأسرة وتحديد لكل من الرجل والمرأة حقوقهما وواجباتهما، وضبط المعاملات التجارية والبيع والشراء، ووضع للعقوبات حدودا معلومة وغير ذلك. ولكي يكون الرجل مسيحيا فهو ملزم باعتقاد عقيدة المسيحية وبالذهاب يوم الأحد للكنيسة إن شاء وأن يحتفل بعيد الميلاد. بينما في الإسلام فهو أمام منظومة متكاملة من التشريعات والأوامر والنواهي التي تحكم حياته كلها، منذ استيقاظه إلى نومه، تحكم اعتقاداته وأفعاله وبيعه وشرائه وعلاقاته وغير ذلك. وقد اعترف أحد أعتى العلمانيين تطرفا وهو القمني في أهل الدين والديمقراطية (٢٥٦) بأن المسيحية ليست لها شريعة سماوية إلا في معاني المحبة والسلام والتراحم الإنساني بخلاف الإسلام.

стр. 68

٤ - السبب الرابع: الفصل بين الدين والدولة من سمات المسيحية حتى قبل انتشار العلمانية . فقد كانت في أوروبا سلطتان: سلطة سياسية يمثلها الرئيس أو الملك وأعوانه، وسلطة دينية يترأسها البابا ويساعده الرهبان والراهبات والقساوسة والكردنالات وغيرهم من رجال الإكليروس. وكانت لها ميزانيتها وإقطاعها وثرواتها (١). وحتى بعد العلمانية لا زالت هذه السلطة على حالها إلى عصرنا، فللفاتكان حكومة خاصة غير الحكومة السياسية، فالمسيحية منذ نشأتها ظلت دينا لا دولة، وشريعة محبة، لا تقدم للمجتمع مرجعية قانونية ولا نظاما للحكم، ورسالة مكرسة لخلاص الروح، تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وظلت رسالة كنيستها خاصة بمملكة السماء، لا شأن لها بسلطان الأرض وقوانين تنظيم الاجتماع البشري في السياسة والاجتماع والاقتصاد وعلومها ومعارفها، كما قال عمارة (٢). وزاد: «فلما حدث وتجاوزت الكنيسة حدود رسالة الروح ومملكة السماء فاغتصبت السلطة الزمنية أيضا، أضفت على الدنيا قداسة الدين، وثبتت متغيرات الاجتماع الإنساني ثبات الدين، فدخلت بالمجتمعات الأوروبية مرحلة الجمود والانحطاط وعصورها المظلمة .. » (٣).

стр. 69

هنا تفجرت فلسفة الأنوار العلمانية كحركة تصحيحية للدين المسيحي وإرجاعه لطبيعته الأولى الذي أخرجته الكنيسة منها بجعل ما لقيصر لقيصر وما لله لله. «الأمر الذي جعل سجن الدين في الكنيسة وفي الضمير الفردي ثورة تصحيح ديني، وليس عدوانا على الدين» (١). أما في تاريخنا الإسلامي فكانت هناك سلطة سياسية واحدة تستمد مشروعيتها من بيعة العلماء والفقهاء والكتاب والوجهاء. وكان العلماء والقضاة جزءا من الشعب ومرجعا له في القضايا الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في تناغم وتجانس تام. ولم يعرف تاريخ الإسلام سلطة دينية من جهة وأخرى سياسية. وعليه «من هذا يتضح لنا أن نظام لا دينية الدولة إذا كان ينسجم مع المسيحية، ولا يقضي على سلطتها، وإنما يحدد اختصاصاتها بالنسبة للسلطة الدنيوية، فإن هذا النظام يتعارض تماما مع طبيعة الإسلام، ويكون خطرا مباشرا عليه كشريعة كاملة للحياة، ويعطل أجهزته المتحركة عن القيام بوظيفتها ويُحيله بالتالي إلى عاطفة وجدانية نائمة في قلوب الناس» (٢). ٥ - السبب الخامس: الحروب الدينية . «العلمانية لم تكن نتاج مطارحات فكرية هادئة أو مجرد تعبير عن رغبة مزاجية عنت لبعض الأفراد أو المجموعات الفكرية والسياسية، بقدر ما كانت عبارة عن حل عملي فرضته أجواء الحروب الدينية التي شقت عموم القارة الأوروبية في القرنين السادس والسابع عشر.

стр. 70

فالعلمانية كانت في صورتها العامة عبارة عن تسويات تاريخية فرضتها أجواء الحروب الدينية، مما جعل من غير الممكن استمرار الوضع على ما هو عليه، أو العودة به إلى ما قبل مرحلة الحروب الدينية» (١). أدارت الكنيسة البابوية حروبا دائمة ولا هوادة فيها ضد من أسمتهم هراطقة الداخل وضد وثنيي وكفرة الخارج (٢). مرت أوروبا على امتداد (١٣٠) سنة (١٥٥٩ - ١٦٨٩) أي منذ ظهور الحركة البروتستانتية في الشمال الأوروبي ثم محاولة امتدادها نحو الوسط، بحالة واسعة من الاضطرابات السياسية والحروب الدينية المفزعة (٣). لذلك وفي ظل هذا الجو القاسي المفزع كان لابد من الخلاص من هذا الكابوس المرعب. في حين كان الإسلام عامل راحة وطمأنينة لجميع المسلمين، ولم يَقُد رجال الدين فيه حروبا دينية، ولم تعش البلاد الإسلامية رعبا باسم الإسلام. والحاصل أن العلمانية الأوروبية كانت رد فعل لصكوك الغفران والحرمان والطغيان الكنسي ومظالم الحكومة الدينية المتحدثة باسم الله، والتي اعتبرت كل ما لم يرضه رجال الكنيسة مخالفا للإرادة الإلهية (٤). وكانت ردة فعل للحروب الدينية التي أفزعت أوروبا وأقلقت راحتها. وقد اعترف جمع من العلمانيين بأن العلمانية نبت غربي محض، خارج إطار التطور الطبيعي لبلادنا الإسلامية:

стр. 71

منهم العلماني التونسي المتطرف عبد المجيد الشرفي، وهذه عبارته: إن العلمانية قد ظهرت أول ما ظهرت في المجتمعات المخالفة لنا في الدين ولم تنشأ من رحم مجتمعاتنا ومن تطورها الذاتي (١). واعترف شريف حتاتة أن العلمانية في الغرب نتجت من خلال الصراع بين الرأسمالية الناشئة والإقطاع المدعوم من طرف الكنيسة الكاثوليكية، وأن هذا الصراع لم يحدث في البلدان العربية (٢). وهذا علماني راديكالي آخر يقر بأن العلمانية ولدت في سياق آخر وتاريخ آخر غير تاريخ الشعوب الإسلامية، وأنها إنتاج غربي تم فرضه مع الاستعمار. إنه محمد أركون (٣). وهذا اعتراف هام. وهذه علمانية بنت أحد علماء السوء الذين استغفلهم الغرب وصنعهم بيده فباعوا دينهم بدنياهم: إنها ماجدة بنت رفاعة الطهطاوي. فحسب ماجدة فإن العلمانية دخلت مع الاستعمار (٤). بل زادت المسألة إيضاحا فأقرت أنها نتيجة لتحولات تاريخية، كما حدث في أوروبا، لكنها ظهرت إما كنتيجة لقرارات علوية، وإما كاستجابة للضغوط الخارجية أو الاثنين معا، لذلك لم يكن لها مرتكزات اجتماعية في داخل المجتمعات العربية (٥).

стр. 72

بل زادت الاعتراف اعترافا فقالت: وإنما جاءت نتيجة عدوان خارجي وإخضاع المجتمعات العربية لاحتياجات التراكم الرأسمالي في المركز الأوروبي المسيطر (١). وأكد محمد سبيلا العلماني المغربي على التميز الواضح بين الحالة الغربية والحالة العربية وأن بلادنا لم تعش حروبا طاحنة بين الفرق الدينية التي جاءت العلمانية حلا لمشاكلها. بينما لم نشاهد هذه الظاهرة في العالم العربي والإسلامي. ولم يظهر كهنوت متحالف مع الإقطاع (٢). ووضَّح سبيلا أنه لا يجد أي حرج عندما يقول: إن المجتمع العربي الإسلامي غير مستعد الآن لطرح إشكالية علمنة المجتمع (٣). وغنى العلماني المغربي أحمد عصيد خارج السرب وقفز فوق الحقائق، ضاربا عرض الحائط للثوابت التاريخية أن العلمانية جاءت مع الاستعمار فزعم أن العلمانية هي سيرورة تاريخية من داخل المجتمعات العربية واستشهد بأن أجداده الأمازيغ رغم أنهم كانوا ينصبون إماما للصلاة، ففي شؤونهم الدنيوية كانوا يحتكمون إلى أعرافهم وعقولهم وقوانينهم الخاصة (٤). وأنا على يقين أنه هو نفسه يعلم أن هذا كذب وتزوير للتاريخ، فلا زال المغاربة بشتى أطيافهم يحتكمون إلى شريعة الإسلام طيلة حكم الدول الإسلامية التي تعاقبت على المغرب إلى أن جاء المستعمر.

стр. 73

وسنعود لهذه (العصيدة) التي ادعاها عصيد في رسالة مفردة نفند فيها مزاعمه ومزاعم غيره في هذا الباب. ولكننا نهمس الآن في أذنه بهمستين: الأولى: ولماذا وجد الظهير البربري إذن؟ ولماذا قاومه المغاربة جميعا؟ أليس لأنه أراد التفريق بين العرب والأمازيغ في الحكم وأن الشريعة خاصة بالعرب، بينما يحتكم البربر إلى قوانين خاصة، فثار المغاربة جميعا عربهم وبربرهم ضد العلمانية الاستعمارية وسياستها. فلو لم يكن الأمازيغ يحكمون بالشريعة لما ثاروا ضد الوافد الجديد. أليست هذه (العصيدة) امتدادا لتلك السياسة الاستعمارية؟ والثانية: يكفي عصيد أن يراجع ما قاله عدد من رفاقه في مفاهيمهم الملتبسة، في تنصيصهم على دخول العلمانية مع الاستعمار، وقد نقلت له أقوالهم، وأزيد هنا نقلا واحدا لشاكر النابلسي الذي يمارس نوعا من الدعارة الفكرية، فكتب يمتن للمستعمر الغازي الذي أنقذه من الشريعة بفرض العلمانية، بما في ذلك غزو بوش للعراق، الذي اعتبره فتحا مجيدا. قال: العلمانية العربية لم تفشل، بل على العكس من ذلك فمنذ مطلع القرن العشرين وبفضل الاستعمار البريطاني والفرنسي للمنطقة العربية، تم تبني العلمانية الاقتصادية أو البنوك الربوية، وفصل الدين عن الاقتصاد، وكذلك بفضل هذين الاستعمارين تم تبني العلمانية في السياسة ... وتم جزئيا فصل الدين عن الدولة ولم يبق من الدين في الدولة والدستور غير نص (دين الدولة

стр. 74

الإسلام) وهو نص غبي لا يعني شيئا وقد وُضع تَرْضِية للمؤسسات الدينية في العالم العربي، فالدولة العربية الحديثة لا علاقة لها بالإسلام (١). وزاد: وأعتقد أن فتح بغداد المجيد في التاسع من أبريل ٢٠٠٣ كان نقطة تحول كبرى تجاه المزيد من العلمانية في العالم العربي. وهو أبعد أثرا من حملة نابليون على مصر (١٧٩٨)، التي أدخلت عصر الأنوار والعلمانية إلى العالم العربي من البوابة المصرية (٢). فتح بغداد المجيد!!؟؟ فما رأي عصيد؟ أسباب انتقال العلمانية للعالم الإسلامي . لانتقال العلمانية للعالم الإسلامي أسباب موضوعية تاريخية تقف خلفها، وليست حتمية تاريخية وصيرورة لا مفر منها، كما زعم جماعة من العلمانيين كعزيز العظمة وعبد المجيد الشرفي (٣)، والعفيف الأخضر (٤)، وكما تقدم قريبا عن أحمد عصيد. ونسوا أو تناسوا أن العلمانية ليست اختيارا ديمقراطيا للأمة وفق منهجهم، ولم تقبلها الأمة في يوم من الأيام، وإن إلغاء تطبيق الشريعة وإقرار

стр. 75

النظم والقوانين الغربية فُرِض على هذه الأمة بالحديد والنار وبالقتل والإبادة في ظل الاستعمار الذي خلف وراءه شرذمة من الأبناء البررة بمشروعه العلماني (١). وإن العلمانية رغم تسلطها وتجبرها ووقوف أجهزة الدولة خاصة الإعلام بقضها وقضيضها معها لا تمثل إلا قشرة رقيقة جدا طافية على السطح، لا تلبث طويلا حتى تيبس ثم تتساقط متناثرة لأنها لا تستطيع النفاذ إلى الجماهير الشعبية التي هي قوة الإسلام وردؤه ومعدنه، وليس كالمسيحية المثخنة بالجراح، وإن الإسلام أقوى وأعظم من أن تناله أيادي العابثين أعداء الأمة، كما سنذكر في فصل لاحق إن شاء الله (٢). وقد بدأت أول بوادر العلمانية في العالم العربي والإسلامي مع بدء الحملة الاستعمارية وإرهاصاتها الأولى في القرن ١٩م. وكان أول من قاد محاولات الاختراق الأولى مسيحيو الشام وغيره مثل يعقوب صروف (١٨٥٢ - ١٩٢٧) وفارس نمر (١٨٥٦ - ١٩٥١) وشاهين مكاريوس (١٨٥٣ - ١٩١٠) وشبلي شميل (١٨٦٠ - ١٩١٧) ونقولا حداد (١٨٧٨ - ١٩٥٤) وجرجي زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤) وفرح أنطون (١٨٧٤ - ١٩٢٢) وسلامة موسى (١٨٨٨ - ١٩٥٨) وغيرهم. فهو خيار غير إسلامي لنفر من غير المسلمين، أنشأه وبلوره وزكاه - لدى بعضهم- العداء المستكن للإسلام والإعجاب المفرط إلى درجة الانبهار والتقليد للحضارة الغربية، ورد الفعل الحاد لمأساة التعصب الطائفي الذي لعب الاستعمار الدور الأول في إشعال ناره بلبنان والشام سنة ١٨٦٠م (٣).
следующие страницы →