ويبدو أن المستشار العشماوي أراد أن يجرب بدعة أخرى - لم يسبق إليها- متوهما أنها ربما كانت أحسن حظا من بدعة صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم فسلم للقارئ أن رسول الله ﷺ قد أقام بالمدينة حكومة وحكما، لكنه قال: إنها كانت حكومة الله، خاصة بالنبي، ومثلها في هذا الاختصاص كمثل النبوة والرسالة، تنتهي وتطوى صفحتها بوفاة الرسول، وكما أنه لا امتداد للنبوة والرسالة بعد النبي ﷺ ، فكذلك حكومة الله لا امتداد لها بعد أن لحق بالرفيق الأعلى (١).
ولنا عودة بتفصيل لهذه المسألة فيما بعد إن شاء الله.
وتبدو هذه المحاولة أسخف من سابقتها بل هي أقرب إلى الجريمة الفكرية التي يمارسها الخطاب العلماني.
ونظرا للممانعة القوية والشرسة للعلمنة من قبل الإسلام فقد توالت إخفاقات العلمانية وتتابعت هزائمها، واعترف معظم العلمانيين بفشلها.
وحار العلمانيون في تبرير هذه الممانعة، فتارة ردوها لأسباب خارجية، وتارة لمقاومة الإسلاميين، وتارة لطبيعة الإسلام.
فمن هؤلاء محمود إسماعيل، فقد اعترف بفشل العلمانية والعلمانيين في العالم العربي (٢).
وكذا فعل عبد المجيد الشرفي، واعتبر أن الإسلاميين أحد أسباب فشلها (٣).
стр. 107
واعتبر صلاح عيسى أن علمانيتهم تعاني من أزمة حتى على مستوى الإفصاح عن نفسها.
قال: بل الأكثر من ذلك فإن أي حزب سياسي عربي لا يستطيع اليوم القول إنه حزب علماني، كما أنه يتهرب من مناقشة الموضوع خوفا من أن يفقد أصوات المتدينين في الانتخابات (١).
وقال: رغم أن الكثيرين لا يمتلكون الجرأة والاستعداد للدفاع عن فكرة العلمانية، إن تيار العلمانية تيار مكتوم وخائف (٢).
وستأتي معنا اعترافات أخرى تصب في نفس الاتجاه في آخر هذه الرسالة إن شاء الله.
стр. 108
جرائم العلمانية
سوقت العلمانية في العالم الإسلامي بمثابة المنقذ من الضلال، وجنة الفردوس الموعودة التي يعيش الإنسان في ظلها النعيم المقيم والرفاهية المطلقة.
في كتابه القرآن من التفسير الموروث (٨٥ - ٨٦) تحدث أركون عن الإخفاقات الصارخة لعقل التنوير من القرن الثامن عشر وحتى اليوم، أي الهيمنة الاستعمارية، والاستبداد الشيوعي والنازية والليبرالية المتوحشة، وتشكيل العالم الثالث ثم التخلي عنه، وتدمير الوعي الأخلاقي، والمنشأ الهدام للمعنى. . إلى آخر كلامه.
ولم تخف العلمانية منذ بدايتها مخالبها الفتاكة وشراستها وقسوتها، حيث ظهرت لنا بارزة في:
- استعمار لئيم وعنصري وإبادي، أفرزته فلسفة الأنوار.
- وفي التطهير العرقي الذي قادته الشيوعية والنازية والفاشية.
- وفي علمانية فرنسا الداعمة للدكتاتوريات العربية والإفريقية.
- وفي ديمقراطية بوش التي أبادت الملايين وما زالت.
- وفي الدعم الغربي للصهيونية.
هذه البنية الفاشية العنصرية للحداثة والعلمانية أضحت تزكم الأنوف. حتى اعترف عدد من العلمانيين بذلك، فهذا محمد عبد المطلب الهوني أقر بأن ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وجنوب إفريقيا العنصرية والاتحاد السوفياتي
стр. 109
الستاليني كانوا أنظمة علمانية قامت على العسف والطغيان وتسببت في محن وكوارث بشرية (١).
وكذا ذكر محمد الشرفي بأن ستالين وهتلر وماو وغيرهم كانوا علمانيين (٢).
وكذا أكد سعيد لكحل أن الأنظمة الديكتاتورية كنظام فرانكو وهتلر وبينوشي وموبوتو أنظمة علمانية (٣).
وهتلر بقسوته ووحشيته وعنصريته، علماني لم يولد في أفغانستان أو باكستان، بل ولد في أكثر البلدان الأوروبية حضارة ورقيا كما قال أركون (٤).
فسل صحارى سيبيريا وآسيا الوسطى كم من الملايين هلكوا فيها، وانظر كم من الشعوب أذلت وسحقت سحقا (٥).
وكم هدم الشيوعيون من المساجد وحولوا بعضها إلى اصطبلات ومواخير، والمدارس الدينية إلى نوادي، وكم صودرت من المحاصيل الزراعية للمسلمين (٦).
стр. 110
وفي كمبوديا قتل عصابات الثوار الحمر الماويين الشيوعيين ٣ ملايين من أصل ٩ ملايين، وإلى يومنا هذا تعرض في متحف العاصمة جماجم كثير من الضحايا.
وقد تم هدم مساجد المسلمين بها وأحرقت جميع المصاحف، وحوربت الأسرة كنظام إسلامي، وتم تلقين الشعب محبة الحزب الشيوعي.
وقتل ماو أكثر من مليون إنسان خالفوا حزبه الشيوعي، وكانوا يمتحنون الناس في الموقف من ماو ومن الشيوعية، وكانوا يعتبرونه مخلص البشرية وأنه يتمتع بصفات فوق بشرية.
وهذه الولايات المتحدة الأمريكية كم أخذت من عبيد إفريقيا وساقتهم ليعملوا عبيدا في مزارعها (١). وأبادت سكان أمريكا الأصليين الهنود الحمر، وألقت القنابل الذرية على هيروشيما ونكازاكي، ودعمت اليهود في اغتصاب فلسطين (٢). وكم قتلت في العراق وأفغانستان.
وانظر ماذا فعلت انجلترا بالهند وفلسطين وباقي مستعمراتها؟
وماذا فعلت فرنسا بالجزائر والمغرب وسوريا؟ وإيطاليا في ليبيا؟، والقائمة طويلة.
وكلها أنظمة علمانية.
стр. 111
وفي القرن العشرين وحده عرف العالم أكثر من (١٣٢) حربا بين أنظمة علمانية أو تقف خلفها أنظمة علمانية عدد ضحاياها أكثر من (١٢٠) مليونا من القتلى، عدا المشوهين والمرضى والأيتام والثكالى (١).
ألم تعاني البشرية الويلات على يد زعماء العلمانية في العالم؟ بدءا من نابليون بونابرت ومرورا بهتلر وموسوليني وستالين ووصولا إلى الجزار الأمريكي والتحالف الأوروبي والشيوعي في البوسنة والهرسك وألبانيا والشيشان والعراق وأفغانستان والفلبين (٢).
وإن تهجير وقتل وإبادة الشعوب في أمريكا الشمالية والجنوبية قاده زعماء علمانيون.
ولن تجد ما يشبه الرعب والإرهاب الستاليني واقتلاع الملايين من البشر من جذورهم تحت مسمى الخطة الخمسية (٣).
أليست التفرقة والميز العنصري في جنوب إفريقيا من قبل العلمانيين الهولنديين؟.
أليست العلمانية الأمريكية هي رائدة الإرهاب العالمي الحالي، والتي تقهر الشعوب الضعيفة وتهدد بالقوة وتلوح بالسلاح النووي؟ وتمنع بروز أي قوة منافسة لها في العالم؟.
стр. 112
وجرائم العلمانية على البشرية كثيرة لا تعد ولا تحصى، وآثارها على المجتمعات أكبر.
وهذه شهادات علمانيين ببعض آثارها السلبية على الأفراد والمجتمعات:
منها قول أركون: لقد تحول العقل التنويري والإنساني الحر إلى عقل أدواتي، انتهازي، رأسمالي، بارد، إنه عقل يهدف إلى الربح والفائدة بأي شكل وبأقصى سرعة ممكنة، ويضرب عرض الحائط بصحة الناس أو بالمصلحة العامة، وهو العقل ذاته الذي أدى إلى تلوث البيئة والهواء والطبيعة (١).
وتحدث عن الفراغ الروحي أو انعدام المعنى، بل انحصر المعنى كله في الاستهلاك، والمال سيد الجميع (٢).
وذكر محمد الشيخ في ما معنى أن يكون المرء حداثيا (١٢٣ - ١٢٦ - ١٢٩) ما سماه مناقضات الحداثة، منها: انتشار العدمية أي العقيدة القائلة بغياب القيم وغياب الغاية والبغية والمرمى، والريبة وفقدان المعنى وسيادة النزعات الذاتية، والعقلانية التجزيئية والحرية الفوضوية، والإحساس بالفراغ والضجر والاكتئاب وشيوع المخدرات والأمراض النفسية، وشيوع النفعية والأنانية والجشع وغيرها من الأمراض الاجتماعية.
وتحدث خليل عبد الكريم في أعماله الكاملة (٢٤٩) عن تفشي البطالة في المجتمع الأمريكي، والدعارة والمخدرات وجرائم السرقة والاغتصاب
стр. 113
والقتل وكافة أنواع الجرائم وتدهور التعليم بصورة أقلقت المسؤولين والمثقفين والمفكرين.
وعدد قسطنطين زريق سلبيات الحداثة، فذكر الحروب والأسلحة المحرمة والمدمرة، واتساع الفوارق بين الشعوب واختلال النظام الاقتصادي العالمي والتكاثر السكاني المقلق وتناقص الموارد الطبيعية وتلوث البيئة والشره الاستهلاكي وتزايد الانحراف والعنف والإجرام وغير ذلك (١).
كما تحدث هاشم صالح بوق أركون بأسى بالغ عن علمانيته التي قادت إلى استعمار وقمع شعوب أخرى، وأدت إلى حروب عالمية، وعولمة رأسمالية ظالمة ولا إنسانية، وتمركز عرقي أوروبي، وانحراف غربي مهيمن ومتغطرس ضد شعوب أخرى (٢).
ولقد فاجأت هذه الحقائق هاشم صالح وأرعبته، وخصوصا وأنه قد حدثنا قبل أنه يعيش رعبا طول حياته من التدين ومفاهيمه قال: وأعترف شخصيا أنه من أكبر خيبات حياتي أني اكتشفت مؤخرا حجم الخيانة التي ارتكبها الغرب في حق المشروع الحضاري لعصر النهضة وعصر التنوير في آن معا. لقد هالني اكتشاف حجم المرض الذي ينخر في أحشاء الحضارة الغربية، وهو مرض أخلاقي بالدرجة الأولى، إنه ناتج عن الجشع والأنانية واعتبار الاستملاك المادي والمصرفي الأفق الذي لا أفق بعده. كنت أتمنى لو أني لم أكتشفه
стр. 114
لأنه راعني وآلمني وثبط عزيمتي إلى حد كبير (١). هكذا يعترف هاشم صالح، ولعلي في غنى عن التعليق.
في ندوة لندن ١٩٩٤ الآنفة الذكر أكد المشاركون الغربيون في الندوة أن العلمانية لم تستجب لمتطلبات المجتمعات الغربية، ولا هي أشبعت أشواق ناسها، فعادوا يحتمون بالدين مرة أخرى. بعد أن جرفتهم العلمانية بعيدا عنه، آية ذلك أن الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية تحقق تناميا مستمرا، والخطاب السياسي الأمريكي اتسم بمسحة دينية في السنوات الأخيرة، وأن ثمة مطالبات متعددة بتعليم الدين في المدارس الحكومية.
وثانيا: فإن إفرازات علمنة المجتمع أصبحت تؤرق الضمير الغربي: كالتشرد والإيدز وإدمان المخدرات واللقطاء والتحلل الأخلاقي ...
وثالثا: التطورات السياسية في أوروبا من ظهور مؤشرات النازية والفاشية إلى عمليات الإبادة في البوسنة التي باركها الساسة الأوروبيون، مرورا بالموقف غير الإنساني للحكومات الغربية من قضية المهجرين أو الوافدين الأجانب وانتهاء بمسلك الحكومة الفرنسية والبلجيكية المستغرب من الحجاب والنقاب.
ورابعا: التجربة العلمانية في عدد من دول العالم الثالث المخيبة للآمال، مما يظهر بجلاء عدم التلازم بين العلمانية والديمقراطية، وعلى حد تعبير أحد الأساتذة الأمريكيين. فإن الخوف المفترض من المرجعية الدينية أتى ببديل لا
стр. 115
يقل سوءا، تمثل في مرجعية الأنظمة المطلقة وهي ظاهرة فشلت العلمانية في علاجها (١).
وأزيد كذلك التأييد اللامحدود للصهيونية العنصرية الإسرائيلية والدفاع عنها في المحافل الدولية، وإبادة مئات الآلاف من العراقيين والأفغان من قبل أمريكا والغرب، ودعم الديكتاتوريات في العالم وخاصة في إفريقيا، آخرهم ابن علي الذي أطيح به يوم ١٤/ ٠١/٢٠١١، ومبارك الذي أسقطه الشعب يوم ١١/ ٠٢/٢٠١١.
стр. 116
العلمانيون العرب والغرب
الغزل المتبادل
لما كانت العلمانية نبتا ونتاجا غربيا فقد حرص الغرب على الدفع بمشروعه نحو المنطقة الإسلامية بغية مزيد من السيطرة والتحكم فيها. ومع خروج جيوشه الاستعمارية عنها أبقى نخبا مغربة يرعاها برعايته ويكفلها بدعمه ويشملها بعطائه (١).
وفي المقابل تسابقت النخب في إظهار أصناف الطاعة والولاء للمشروع الغربي، تارة بالإشادة بالمشروع العلماني، وتارة بتوجيه ضربات موجعة للمشروع الإسلامي، استكمالا لما بدأه السادة، وتنفيذا للمخططات الغربية.
وتنافس العلمانيون في هذا تنافسا محتدما محموما. فهذا سلامة موسى مثلا وهو من أنصع النماذج العلمانية العربية للعمالة التامة للغرب ولمشروعه. «فالرجل كان باحثا ليس بالباطل فقط، ولكن بكل أنواع الباطل عن مبررات التفرنج والإلحاق بثقافة الغرب وحضارته» (٢).
стр. 117
وهو يمثل نموذجا للعلمانية المتطرفة بل الملحدة، التي لا تؤمن بأي دين وأي حضارة إسلامية، وتلعن كل ما يمت إلى الإسلام والشرق بكافة اللغات.
قال سلامة موسى في كتابه اليوم والغد (ص ٥ - ٧): ولست أجهل أن آسيا (١) قد حكمت مصر نحو ألف عام، وبسطت عليها حضارتها وثقافتها، بل ودست دمها في دماء أبنائها، ولكننا نحمد الأقدار [!!] أننا ما زلنا في السِّحنة والنزعة أوربيين، إذ نحن أقرب في هيئة الوجه ونزعة الفكر إلى الإنجليزي أو الإيطالي، وكذلك الحال في سوريا وشمال إفريقيا العربي، فإن سكان هذه الأقطار أوربيون سحنة ونزعة، فلماذا إذن لا نصطنع جميعا الثقافة والحضارة الأوروبيتين، ونخلع عنا ما تقمصناه من ثياب آسيا؟!.
هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي، سرا وجهرة، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب، وفي كل ما أكتب أحاول أن أغرس في ذهن القارئ تلك النزعات التي اتسمت بها أوروبا في العصر الحديث، وأن أجعل قرائي يولون وجوههم نحو الغرب، ويتنصلون من الشرق (٢) ... وأشاد بالإنجليز المستعمرين لمصر «كأرقى أمة في العالم .. جسما .. وعقلا .. وخلقا .. ».
وقال: ليس هناك حد يجب أن نقف عنده في اقتباسنا من الحضارة الأوربية (٣).
стр. 118
ذلك هو مذهب سلامة موسى، كما أكد عمارة: «مواجهة الإسلام وحضارته .. واحتقار كل ماله صلة بالعروبة والإسلام .. ودعوة لطي صفحة تاريخنا الحضاري العربي الإسلامي والتنصل من كل آثارها .. والاندماج في الحضارة الغربية وثقافتها باعتبارنا أوروبيين سحنة ونزعة، أي: في الخَلْق والخُلُق والفكر والثقافة جميعا» (١).
والعجيب أن سلامة موسى يكتب هذا وبلاده مصر تحت الاحتلال الإنجليزي.!!
«ولذلك كانت دعوة سلامة موسى إلى دمج الأجانب في المصريين. . وليس إلى تحرير مصر منهم. وإلى إزالة مخاوفهم بفصل الدين عن الدولة، وإلغاء التعليم الديني من المدارس. . والدين هنا هو الإسلام وحده، وإلا فالمدارس الأجنبية كلها مدارس إرساليات تبشيرية» (٢).
وهذا طه حسين نموذج من نماذج الولاء للمركزية الغربية العنصرية، بل وإعلان التسليم والاستسلام لإدارة الغرب والإلحاق الحضاري بالنموذج الغربي في الإدارة والحكم والتشريع.
لنقرأ ما قاله عميد الأدب العربي زورا في مستقبل الثقافة في مصر (١/ ٣٦ - ٣٧): التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة، ونسلك طريقها في التشريع، التزمنا هذا كله أمام أوروبا، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال [عام ١٩٣٦] ومعاهدة إلغاء الامتيازات [عام
стр. 119
١٩٣٨] إلا التزاما صريحا قاطعا أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع (١).
وهذا سيد القمني، يبدي عبودية مطلقة خانعة ساكنة للغرب وقيمه، ويسب المسلمين وتاريخهم وعلماءهم وفقههم، وأنهم لم يورثوا إلا السبي والإماء والنهب والسلب، وكل كتبه بعد محاكمته طافحة بهذا كـ «أهل الدين والديمقراطية» و «شكرا ابن لادن» و «انتكاسة المسلمين إلى الوثنية».
فالقيم عنده هي قيم الغرب والحقوق هي التي جاء بها الغرب، وأما تاريخنا فأسود قاتم يزكم الأنوف، لا نقطة بيضاء فيه واحدة، وأنا أتحدى من يطلعنا على صفحة واحدة أثنى فيها القمني على خلق إسلامي واحد.
فالرجل مريض بعقدة الغرب إلى حد لم أر له مثيلا في الهوس بالغرب والتحقير للمسلمين وتاريخهم.
وكتابه انتكاسة المسلمين مليء جدا جدا بسب المسلمين والتنقيص منهم لحديثهم عن السبي والإماء والعبيد، وأنه لا توجد في الإسلام قيم ولا أخلاق، وإنما هي أخلاق بدائية صحراوية، أما الغرب فجاءنا بحقوق الإنسان والمساواة والعدل.
ولم يحدثنا القمني عن حقوق المثليين (اللوطيين) الذي كَفَلَه غَرْبُه وعلمانيته وحقوق إنسانه، هل يوافق القمني أن يكون أحد المثليين؟، ما دامت قيم غربه صنما معبودا من دون الله. ومادام يزهو بعلمانيته ويترفع كما عبر في
стр. 120
بعض كتبه. وقال في شكرا ابن لادن (١٤٨) عن نفسه: يعلن بالفم المليان وكله شرف أنه علماني حتى النخاع.
وما رأي القمني إذا تحولت أحد بناته لعاهرة، فعلمانية غربه وحقوق إنسانه تكفل لها حقوقها الكاملة، ولها أن تصطحب عشيقها إلى الغرفة التي هيأها لها القمني. بل ولها أن تُعِين القمني مِنْ دَخْلِها الميمون في طبع كتبه لإشاعة هذه الثقافة. فهو حسب تعبيره علماني حتى النخاع!!!
وساند الاستعمار مفكرون غربيون كثيرون (١).
وقال القمني: وإن الاستعمار عندما جاء إلينا كان نعمة فتحت عيوننا على فارق تخلفنا المزري من تقدمه الهائل (٢).
فالاستعمار نعمة عند القمني!!؟؟.
ولهذا حظي العلمانيون بتقدير بالغ من قبل أعداء الأمة في الشرق والغرب، واعتبروا ما قدموه من أفكار وأطروحات تمثل مدا تنويريا مناهضا للإسلام التقليدي.
ولنكتف هنا بعلماني كرس حياته لمحاربة المد الإسلامي، ألا وهو المستشار العشماوي حيث قال عنه السفير الصهيوني بالقاهرة بين عامي ١٩٨١ - ١٩٨٨موشيه ساسون لأحد شباب الصحوة الإسلامية: وجدت نفسي أوصيه بقراءة الكثير مما تم نشره مثل مقال القاضي عشماوي رئيس محكمة أمن الدولة المصرية، وهو رجل ضليع في شؤون الإسلام، حيث تساعد القراءة على إيضاح
стр. 121
مفاهيم معينة في الإسلام، من روح الاعتدال والتسامح والسلام والجيرة الطيبة -[مع إسرائيل]- ونبذ الإرهاب والدمار والحرب (١).
لقد رأى الغرب في التيار العلماني خطه الهجومي الأول وطلائع غزوه ومعاول هدمه من داخل الجسم الإسلامي للإجهاز على ما تبقى من الحضارة الإسلامية.
وكل جهود العلمانيين رغم تلفيفها بحرير ناعم من العقلانية والديمقراطية والتنوير، فهي مبطنة بعمالة حضارية وانبطاح تام للفكر الغربي.
ويحاول أغلب العلمانيين التستر على عمالتهم وتغربهم تارة بالادعاء أن مفاهيم العلمانية مفاهيم إنسانية، أو أنها تراث عالمي، أو أنها نتيجة تطور طبيعي حتمي، أو أنهم امتداد لنزعات عقلانية قديمة كالمعتزلة والفلسفة.
وأطروحات العلمانيين لا تعدو أن تكون نسخا كربونية لأبحاث المستشرقين والفلاسفة الغربيين. وليست اجتهادا مبتكرا، «إذ الاجتهاد فيما نعلم هو استنباط حكم أو رأي جديد، أما ترديد آراء السابقين أو شرحها وتفسيرها، فهو من قبيل الانتحال أو التقليد على أحسن الظروف، والاجتهاد من علامات الصحة ومن إفرازات الازدهار العقلي. أما التقليد فهو عند أهل العلم والنظر من علامات المرض ومن مؤشرات عصور التدهور والانحطاط» (٢).
стр. 122
وأدنى تأمل في أي بحث لعلماني عربي يظهر أنه لا يعدو أن يكون نسخا لبحوث إخوانهم الغربيين، وخاصة البحوث المتعلقة بالقرآن والسنة وعلوم الشريعة والتاريخ الإسلامي.
ولما كان التيار الإسلامي يمثل صف ممانعة ضد الغزو الغربي وتجسدت فيه المقاومة الإسلامية للتيار المادي الجارف، أخذت الميلشيات العلمانية على عاتقها التصدي لهذا التيار، بل تخصص بعضهم في هذا كالمستشار العشماوي الذي نال إعجاب السفير الصهيوني كما تقدم.
وكل العلمانيين مع العشماوي في نفس الطرح، ولا ريب أن الصهاينة جميعا راضون عن الأداء العلماني عموما، لأنه لا يوجد شيء يقلق راحتهم مثل التيار الإسلامي باعترافهم وباعتراف الغرب كله.
ولأن المشروع العلماني خادم للصهيونية في الوطن العربي، وأقصى ما يتمناه الصهاينة هو الطعن في الإسلام وأحكامه وأصوله وشرائعه ورموزه وأعلامه. وهذا ما قام به التيار العلماني العربي بامتياز، كما سنكشف أدلته القاطعة وبراهينه الساطعة التي لا تدع مجالا للشك أو الريبة في كتابي الثاني: «الإسلام في نظر العلمانيين».
بل تتجلى المغازلة بين التيار العلماني والصهيونية بوضوح تام في عدة مؤشرات منها: اعتراف كثير من العلمانيين الماركسيين العرب بإسرائيل (١).
وصرح العلماني اللبناني علي حرب في نقد النص (٢٨٤) أنه لا يرى مانعا من التواصل مع الصهاينة وقبول جوائزهم.
стр. 123
هكذا يقول صاحب مشروع النقد ونقد النقد والقراءة التفكيكية. مع أنه في حاجة إلى من ينقذه من هذا النقد.
وهذا دكتور الأساطير سيد القمني يقول في انتكاسة المسلمين إلى الوثنية (٣٣٨): إني لا أجد أي مانع في التعامل مع المثقفين الإسرائيليين أو حتى رسميين إسرائيليين.
وصب جام غضبه على مقاومة حماس للصهاينة فقال - فض فوه-: ولذلك تفتعل حماس كل هذه الحرائق (١) وتضحي بأبناء غزة في حروب بلا معنى ولا هدف سوى إجبار العالم على الاعتراف بسيادتها على الدولة .... إلخ كلامه (٢).
وكان أركون يحضر مؤتمرات الصهيونية كما ذكر في كتابه نحو نقد العقل الإسلامي (٢٩٧ - ٢٩٨) أنه حضر لمؤتمرين للفرع الفرنسي للمؤتمر اليهودي العالمي عامي (١٩٧٧ - ١٩٧٨) وذكر أنه تكلم فيها عن اليهود بطريقة إيجابية جدا. كذا قال: ولا ندري ماذا قال لهم؟.
ومحمد سعيد العشماوي الذي أثنى على كتبه السفير الصهيوني كما تقدم، نشرت له مجلة شؤون الشرق الأوسط، وهي مجلة يهودية أمريكية معروفة بانحيازها لإسرائيل، نشرت له كتاب الإسلام السياسي في صيغته الإنجليزية (٣).
стр. 124
إن ضرب التيار الإسلامي أعظم خدمة يقدمها العلمانيون للصهيونية خصوصا وللمشروع الغربي عموما. وخصوصا بعد سقوط الشيوعية حيث أصبح الغرب يرى المواجهة القادمة والخطر الداهم هو الإسلام (١).
وهذا الرئيس الأمريكي السابق نيكسون يصرح في كتابه الفرصة السانحة بوجوب دعم التيار العلماني ضد الأصولية الإسلامية (٢).
وهذا محمد أركون نفسه يصرح بما يلي: ومن جهة أخرى نلاحظ أنه بعد أن ركز جهوده على النضال ضد المعسكر الشيوعي ودحره، فإن الغرب جعل من استئصال الإرهاب الأصولي الإسلاموي (٣) أولويته الأولى الجديدة (٤).
وكتبت ما رجريت تاتشر رئيسة وزراء انجلترا السابقة عن تحدي الإرهاب الإسلامي الفريد الذي لا يقف عند أسامة بن لادن، بل يشمل حتى
стр. 125
الذين أدانوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر. . على أمريكا، والذين انتقدوا بشدة أسامة بن لادن وطالبان، لكنهم يرفضون القيم الغربية وتتعارض مصالحهم مع مصالح الغرب، وتصفهم بأنهم أعداء أمريكا وأعداؤها وتشبههم بالشيوعية، وتدعو الغرب إلى معاملتهم كما عامل الشيوعية (١).
وكثيرا ما تتستر العلمانية الغربية في صورة دعم البحث العلمي لتحريك عملائها في داخل المنطقة لإنجاز بحوث تحت الطلب.
ولا بأس أن أشير هنا إلى علماني سوداني اسمه عبد الله أحمد النعيم الذي أصدر مؤخرا كتابا ضخما حول العلمانية، سماه: الإسلام وعلمانية الدولة، أعانه فيه فريق من ٢٣ فردا من دول العالم المختلفة، وتبنته مؤسسة فورد الأمريكية، ودعمه مركز دراسة القانون والدين بكلية القانون بجامعة إموري الأمريكية.
ومع هذا فكتابه مليء بالأخطاء العلمية، طافح بالمغالطات الفجة، فتأمل مثلا قوله: والحقيقة هي أن مسألة الدولة الإسلامية ما هي إلا خطاب مستحدث مع الحكم الاستعماري الأوروبي للبلاد الإسلامية، لأنها قائمة على نموذج أوروبي للدولة (٣٤). مع أن هذه هي صفة العلمانية، بدلالة حجج التاريخ الدامغة وبإقرار عدد من إخوانه العلمانيين الغربيين والعرب، ولما جاء الاستعمار ألغى حكم الشريعة التي كانت تحكم بها الدول الإسلامية وفرض العلمانية. هذا منطق التاريخ. ولكن هكذا أرادت مؤسسة فورد.
ثم اقرأ معي هذه المغالطة المكشوفة الأخرى وفي نفس الصفحة (٣٤): فإن السبب الآخر للحرص على حياد الدولة تجاه الدين هو أن ذلك شرط ضروري لإذعان المسلمين لأحكام الشريعة الإسلامية، وتطبيقها كالتزام ديني،
стр. 126
وليس خضوعا لإرادة الدولة، فالتزام أحكام الشريعة يجب أن يقوم على النية الخالصة، وهذا لا يستقيم مع الإرغام الجبري للأفراد من جانب الدولة ...
بهذه السذاجة في التفكير والضحالة في التنظير يكتب، ولا أظنني بحاجة إلى التعليق على هذا الهراء الفارغ الذي مولته مؤسسة فورد، ودعمه مركز عمل فيه ٢٣ فردا فيهم مجموعة من المراجعين.
إن التخبط الذي يعيشه التيار العلماني يجعله يبحث عن أي شيء ولو كان تافها جدا، المهم لا للإسلام.
والكتاب كله مليء بالمغالطات والمهاترات بل هو نسخة كربونية لآراء المستشرقين مع تعديلات إسلامية إن صح التعبير، وهوامش الكتاب خير دليل على ذلك. فكل مراجعه أجنبية أو على أقل تقدير ٩٩% منها أجنبية، إلا الفصل السابع، والسبب فيه أنه حرره له مجموعة من السودانيين، فالرجل محرَّك لا مبدع، ومسيَّر لا ناقد، والسلام.
ولهذا فيستحيل أن يقال إن البحث العلمي بمنأى عن التوجيه والتأثير، بل حتى في الغرب لا يتمتع البحث العلمي باستقلالية كافية عن السلطات السياسية، كما يقول محمد أركون نفسه (١).
وكان البحث العلمي للمستشرقين في الفترة ما قبل الاستعمار وبعده بقليل منصب على فهم الأوضاع والعقليات السائدة والذهنيات المسيطرة لتسهل السيطرة عليها.
стр. 127
وكان القرن التاسع عشر قد امتلأ بالإداريين والعسكريين والباحثين المحكومين بالرؤيا الاستعمارية كما يؤكد أركون دائما (١).
ولهذا فغالب رواد العلمانيين مدينون للغرب بالتكوين والتوجيه، بدءا برفاعة الطهطاوي ومرورا بطه حسين خريج الأزهر ثم السربون، وعلي عبد الرازق الذي تابع تحصيله في أوكسفورد، وحسن حنفي ابن السربون (٢). وكذا أركون الذي قال عن نفسه وعن محمد الطالبي وهشام جعيط والجابري ومحمد قبلي وعبد الله العروي: إننا جميعا مدينون للجامعة الفرنسية بتكويننا العلمي (٣).
وبيَّن تلميذ أركون ومترجمه هاشم صالح أنهم درسوا في الجامعات الفرنسية وتشكلوا علميا أو إبستمولوجيا من خلال الحداثة المنهجية الفرنسية. هكذا قال (٤).
وقضى زكي نجيب محمود ٤ سنوات في انجلترا للدراسة (٥).
وأقر حسن حنفي في التراث والتجديد (٣٠) أن أكثر العلمانيين تربطهم بأوروبا أوشاج ثقافية أو دينية، وأنهم تربوا في مدارس غربية خاصة.
وكذا فعل محمد الشيخ في «ما معنى أن يكون المرء حداثيا»، فيه (١٢٦) إحالة إلى مصادره، ٩٩% منها أجنبية.
стр. 128
وعلى امتداد صفحات كتب أركون لا تراه يحيل إلا على المصادر الأجنبية، حتى لبيان أبحاث في مسائل من صلب تاريخنا وفقهنا الإسلامي. ولهذا تعجب أنه لما سرد مراجعه في آخر كتابه الأنسنة والإسلام لم يذكر إلا الكتب الغربية فهي عنده مصدر العلم والبحث والنقد. وأما كتب أهل الإسلام فهي مجال للدراسة لا مرجعا للبحث.
ويتعلق هاشم صالح وإخوانه بفلاسفة الغرب تعلقا مُريديَّا كتعلق مريدي الطرق الصوفية بشيوخهم. قال هاشم صالح: من هنا تركيزي على مفكري عصر النهضة والتنوير الأوروبي الذين أتعلق بهم وبأفكارهم وطروحاتهم كخشبة خلاص تنقذني من الظلام اللاهوتي المرعب الذي يلف طفولتي ويلف العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه أيضا في هذه اللحظة. فعند هؤلاء المفكرين النهضويين أو التنويريين أجد ضالتي، أجد نفسي، بهجتي، أفقي المنفتح، بهم أستعين لكي أزيح الكابوس الأخطبوطي المرعب عن حياتي ووجودي (١).
فالرجل كان يعاني من أزمة نفسية حادة، ظهرت آثارها في كتاباته، أكثر مما هو يمارس التفكير والبحث العلمي.
أو لنقل إنه يمارس التلوين الإيديولوجي النفعي.
العلمانيون العرب والانبهار بالمستشرقين .
تقدم معنا أن كتابات العلمانيين العرب لا تعدو أن تكون صدى شاحبا وباهتا للغاية للفكر الغربي والفلسفة الغربية وكتابات المستشرقين بالذات. أو
стр. 129
على حد تعبير العلماني اللبناني علي حرب: الخطاب العربي الحديث الذي هو صدى خافت أو صورة مشوهة عن الخطاب الغربي (١).
ولهذا حظي عندهم المستشرقون بالتقدير والتبجيل، وقد أخذ علينا أركون نحن المسلمين بأننا ننظر إلى ديننا وتاريخنا نظرة احتفالية تبجيلية، وفاته أن كتابات إخوانه المستشرقين تتميز بنظرة انتهازية احتقارية.
يبدي أركون إعجابا كبيرا بالمستشرقين وأبحاثهم ويتحسر على المسلمين كيف رفضوا تلك الأبحاث ووقفوا منها موقفا عدائيا، ووصف كتب المستشرقين التي مُلِئت حقدا وطعنا في الإسلام بالأبحاث الاستشراقية القيمة (٢).
وقال عن العلماء المسلمين: يرفضون هذه الأبحاث العلمية والتاريخية للأساتذة المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم (٣).
واعتبر أن الغربيين هم الذين يقدمون البحوث التاريخية الرصينة عن التراث الإسلامي وليس المسلمين (٤).
стр. 130
وتأسف مرارا لعدم ترجمة كتبهم عن الإسلام والنبي ﷺ وعن القرآن (١). بل اعتبر مرة من العار ألا يترجم كتاب اللاهوت والمجتمع في العصور الأولى للإسلام لمستشرق ألماني (٢).
وحاول أن يضفي الشرعية على الاستشراق، فحور اسمه إلى الإسلامياتي. تاريخية الفكر العربي (٢٠٣).
فربطه بالإسلام ليكتسب شرعية ما، وبين مترجمه بإشرافه هاشم صالح (٢٠٣) ذلك قائلا: يستخدم أركون عادة كلمة إسلامياتي Islamologie عوضا عن كلمة مستشرق المشحونة بالقيم السلبية والجدالية في الوعي العربي والإسلامي.
ومما يثير الدهشة والاستغراب أن أركون تأسف مرارا في كتبه على مستشرقين لا ينقدون نقدا جذريا، بل كتبوا مقالات تبجيلية باردة تدافع عن الإسلام، وجعل هذا مؤسفا ومخيبا للآمال. الفكر الإسلامي (١٨٤).
فلا يرضى أركون إلا على الحاقدين منهم، الذين همهم كما هو همه أيضا الإجهاز على الإسلام والقضاء على التدين عموما وإحلال العلمانية الغربية محله تحت ستار النقد التاريخي والدراسة الانتروبولوجية والسيميائية والدلالية للنص الديني.
وانظر مثلا ما قاله عن برنارد لويس في تاريخية الفكر العربي (٢٥٦).
стр. 131
وكذا فعل تلميذه، بل بوقه هاشم صالح العلماني السوري ذو الأصول الشيعية، فقد أظهر في كتابه الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٢١ - ٢٢ - ٢٨) إعجابا منقطع القرين بالمستشرقين، وأن من أراد أن يقرأ الدين الإسلامي وتاريخه فعليه بكتبهم وإلا فلن يفهم تراثه على حقيقته (١).
وهكذا فعل خليل عبد الكريم في الأعمال الكاملة (٢٠١) فقد تهجم بعنف على كتاب غربيين دافعوا عن الإسلام بطريقة أو بأخرى كموريس بوكاي في كتابه: الثورة والقرآن والعلم، وروجيه جارودي في: وعود الإسلام، والفريد هوفمان في الإسلام هو البديل.
стр. 132
مغالطات علمانية
ادعت العلمانية أنها سيرورة تاريخية لا مفر منها، وأنها أرقى ما وصل إليه العقل البشري.
وبالتالي فهي حقيقة مطلقة، تنبني على أصول فلسفية وعقلية واحدة، وتقوم على أرض ديمقراطية صلبة.
وذلك ما نحاول مناقشته باختصار في هذه الفقرات:
١ - العلمانية وامتلاك الحقيقة المطلقة .
طالما رمت العلمانية الأديان بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، في حين أكدت هي على نسبيتها، لكنها تحولت هي الأخرى إلى حقيقة مطلقة جديدة، وادعت لنفسها أنها أرفع ما وصله العقل البشري من الفلسفات والأفكار، وأنه إما هي أو الطوفان.
إن الاتجاه العلماني يعتبر نفسه ماسكا للحقيقة وصانعا لها، ويعامل الآخر على أنه مناف لها (١).
ويتعامل بعض هواة الحداثة مع الحداثة «كما لو أنها ديانة حديثة يدينون بها، بدليل أنهم يقفون منها موقف التبجيل والتعظيم والتقديس، وهذا التعبد أعني التعلق الوهمي يقلص القدرة على الخلق والابتكار، إنه يسلب الإرادة ويخنق الإمكانية». كذا قال العلماني اللبناني علي حرب في الممنوع والممتنع (٢٤٧).
стр. 133
والحق ما شهدت به الأعداء.
واستمر علي حرب مؤكدا (٢٦٣) أن المثقف العلماني يصدر في تعامله مع ذاته ومع غيره عن إحساس بمركزيته ونرجسيته بنخبويته وتفوقه، ولهذا فهو يمارس الاستبداد والهيمنة.
وزاد أن المشاريع العلمانية وخاصة الثورية منها آلت إلى نقيض شعاراتها وأعطت مردودا عكسيا وقادت إلى أسوأ النتائج (٢٦٣).
وأن العلمانية تقوم على منظومة مغلقة أرثذوكسية وتقوم على وحدانية الحقيقة وتوراث الحق واحتكار المشروعية وديكتاتورية السلطة وامبريالية الشعارات المقدسة: العقل والحداثة والتقدم (٢٦٦).
وذكر أن العلمانية لا تكف عن إنتاج أشكالها القدسية وأبعادها اللاهوتية، وقال: ولا تخلو المجتمعات الغربية الحديثة من الممارسات التقديسية بالرغم من أنها تمارس حياتها باسم العقلانية والعلمانية والديمقراطية. ولهذا فقد يمارس المرء علمانيته بطريقة لاهوتية أصولية، وذلك بقدر ما يتعامل مع الحقيقة بصورة دغمائية أحادية، وبقدر ما يتعامل مع المشروعية بطريقة قدسية لاهوتية، وبقدر ما يتعامل مع السلطة بطريقة فاشية. (٢٦٧).
وقال: هذا هو شأن المثقف الحديث العلماني على ما يمارس علمانيته عندنا، إنه إذ يتحدث أو يدافع عن الحرية أو الديمقراطية أو العروبة، إنما يتماهى مع هذه الشعارات ويتصرف كأنه المعيار الذي تقاس به الحرية والديمقراطية والعروبة (٢٦٨).
стр. 134
وتحدث علي حرب عن تحول المشاريع الإيديولوجية العلمانية إلى نمط لاهوتي له مقدساته وله مبادؤه المتعالية التي قهر البشر تحت راياتها باسم الأمة أو الزعيم أو البروليتاريا أو المجتمع الاشتراكي (١).
وهكذا المثقف العلماني مارس دوره كما يقول علي حرب بطريقة نبوية رسولية إنه ألَّه أفكاره ومبادئه ونزَّه ممارساته أعني تجاربه وأخطاءه، وعصم زعماءه وقادته، إذن مارس استبداده باسم المبادئ السامية والقضايا المقدسة (٢).
والعلمانية في نظر بعض العلمانيين حسب كمال عبد اللطيف بديل للعقائد والحقائق المطلقة السائدة. التفكير في العلمانية (١٧).
وعند آخر وهو الدكتور جوتفرايد كونزلن أن العلمانية بمثابة دين حل محل الدين المسيحي (٣).
وكذا ذكر أركون أن الإيديولوجيات الحالية كالماركسية والليبرالية تحولت إلى أديان دنيوية (٤).
وأكد البروفسور لويس كنتوري الأستاذ بجامعة جورج تاون وأحد أبرز الخبراء الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط، في ندوة لندن يونيو ١٩٩٤: إن الليبراليين من أكثر الناس ضيقا بالنقد، لاعتقادهم أنهم يملكون الحقيقة والمفتاح السحري للتقدم بعد الذي حققه الغرب من إنجازات على ذلك الصعيد. وقد آن الأوان لفك الارتباط بين المصطلحات الثلاثة: الليبرالية
стр. 135
والعلمانية والتقدم، فليس صحيحا أنها متداخلة ومترابطة بحيث يتعلق كل منها بمصير الآخر، وبوجه أخص فإن تجربة قرنين من الزمان أثبتت في حالات عدة أن العلمانية لا تعني بالضرورة التقدم (١).
والعلمانية في صورتها الماركسية أكثر وضوحا في ادعائها امتلاك الحقيقة باعتراف جمع من العلمانيين.
فقد تحولت إلى عقيدة جاهزة مكتملة مطلقة الكمال، إنهم ينفون عنها صبغتها التاريخية، كما قال الجابري في الثرات والحداثة (١٠٦).
ولنتأمل أولا كلام أحد العلمانيين الماركسيين عن ماركسيته، قال: والحقيقة أن النظرية الماركسية هي أنضج النظريات وأعمقها وأصرحها كذلك في فهم الديمقراطية وتقييمها (٢).
وصب جام غضبه على الديمقراطية التي أصبحت أحد أعظم المقدسات الآن قال: وليست عملية الانتخابات التي تتم مرة كل بضعة أعوام - على حد تعبير ماركس - إلا وسيلة يسمح بها البورجوازية للجماهير التي يستغلونها أن تقرر من سوف يذهب إلى البرلمان من هؤلاء البورجوازيين لتمثيلهم وسحقهم.
على أن البرلمانات البورجوازية ليست إلا أماكن للثرثرة وخداع الجماهير (٣).
стр. 136
وأكد أن الاشتراكية تقول بديكتاتورية البروليتاريا ضد الأقلية البورجوازية (١).
تمهيدا للقضاء على الديمقراطية نهائيا بالقضاء على الدولة نفسها (٢).
وهنا يكون العنف ضد جهاز الدولة البورجوازي عنفا مشروعا (٣).
بل تقوم ديكتاتورية البروليتاريا على سلطة القهر (٤).
هكذا يقول محمود أمين العالم في يوم ما وفي زمان ما، لما كان مسلوب الإرادة، وكان يفكر بعقل غيره.
وإذا أضفنا إلى هذه المهازل أصول الماركسية التي تعتبر العامل الاقتصادي هو العامل المهيمن والحاسم في التاريخ، وبقية العوامل (الفكر والدين والفن وغيرها) انعكاس للعامل الاقتصادي لا غير. وأن البشرية مرت بستة مراحل: المشاعية البدائية ثم الرق ثم الإقطاع ثم الرأسمالية ثم الاشتراكية ثم الشيوعية. وأن الشيوعية مرحلة حتمية في تاريخ البشرية دلت عليها المادية الديالكتيكية العلمية، فيها يشيع كل شيء بما فيها النساء وتشيع الملكية.
وتحولت هذه العقائد إلى حقيقة مطلقة، لأنها تعتبر كل التفسيرات غير الماركسية رجعية وطوبوية وبورجوازية.
стр. 137
والمادية الديالكتيكية هي المفسر الوحيد للتاريخ وتقلباته وهي وحدها التفسير العلمي.
وبالتالي فالماركسية تمتلك الحقيقة المطلقة (١).
وهكذا تحولت الماركسية إلى قوالب فكرية مهترئة أو جامدة، كما قال أركون (٢).
وأصبحت مفاهيم ماركس وإنجيله «رأس المال» نصوصا مقدسة (٣).
وهكذا يقال عن الرأسمالية في مطلقاتها حول الحرية والمنفعة.
وهكذا العلمانية كلها تدور حول مطلقات ثابتة، وخاصة فيما يتعلق بالموقف من الدين والأخلاق والقيم، وقضايا حقوق الإنسان وغيرها.
وطالما اتهم أركون غيره بالدوغمائية واعتقاد امتلاك الحقيقة المطلقة، مع أنه هو كذلك له مطلقاته ودوغمائيته، والمناهج التي يستخدمها كمنهج النقد التاريخي والبنيوي الذي يؤمن بها إلى حد الهوس. ويدعو الناس إلى تبنيه والانخراط فيه.
وقد تحولت الحداثة -حسب ما يؤكد فادي إسماعيل- «بكل ما يتضمنه دينها من علمانية وعقلانية إلى جوهر مطلق يحتوي جملة من الشروط والتعريفات المقدسة والمنزلة، فإن جوهرها المتعالي يفقد إنسانيته ويتجه على يد قساوسته
стр. 138
المحدثين في السلطة نحو همجية معاصرة تغطيها قشرة رقيقة من أوهام التقدم ومؤسساته» (١).
والحاصل أن العلماني تسيّج في سياج يدعي فيه امتلاك الحقيقة المطلقة التي تعلو فوق جميع الحقائق، بل لا حقيقة إلا هي، وتقوقع في معسكره الإيديولوجي مسفها كل ما هو خارجه، معتبرا أن العلمانية أرقى ما وصل له العقل البشري، بل هي الفردوس الأعلى الذي ليس فوقه أو بعده من نعيم. وليست العلمانية مرحلة من المراحل، بل هي المرحلة النهائية.
أليست هذه هي حقيقة الدوغمائية التي ينكرها العلمانيون على مخالفهم؟ بل ألم تتحول العلمانية إلى عقيدة حديدية متخشبة صارمة مغلقة؟ أليست هذه هي الفاشية والتطرف والعنصرية في أبهى صورها؟. أليست هذه نظرة متعالية وطقوسية؟ ألم تتحول العلمانية إلى معسكر عقائدي وسجن إيديولوجي حديدي مغلق؟ ألا تعتبر نفسها أرقى ما وصل إليه الفكر البشري كفلسفة للوجود؟ وبالتالي فهي حقيقة مطلقة، تحولت لدى أتباعها إلى مقدس يستحيل التنازل عليه مهما كانت الظروف والأحوال، وهذا هو المقدس (٢)، وترى أنه يحق لها أن تمارس العنف لفرض القيم العلمانية، وهذا ما يفسر ظهور الاستعمار بعد ترسخ العلمانية في أوروبا.
ولا شك أن قلة من العلمانيين هم الذين اعترفوا بإيجابية هذه الأسئلة التي طرحناها هنا.
стр. 139
ويقف على رأسهم علي حرب، وخاصة في أوهام النخبة، وتركي علي الربيعو في أغلب كتبه.
وتنطلق العلمانية من رؤية دهرية أحادية الجانب، فهي ترى أنها تستند إلى حتمية تاريخية وأن الكون يتجه طوعا وكرها نحو رؤية دهرية علمانية تنحو نحو التخلص نهائيا من التصورات الدينية والخرافية (١).
وهي لا تعدو هنا أن تكون متأثرة بالتوجهات الوضعية والنزعات الإلحادية للقرن ١٩ وبداية القرن العشرين (٢).
فأوجيست كونت مثلا يرى أن للتاريخ ثلاث مراحل: الحقبة الأسطورية الغيبية، ثم الحقبة المتافيزيقية، وأخيرا الحقبة الوضعية العلمية المتطابقة مع نظرة العلمانية الدهرية.
فالعلمانية إذن عندهم هي مرحلة نهائية لنضج الوعي (٣).
ثم جاءت فلسفة ما بعد الحداثة، ورجوع التدين بقوة إلى أوروبا وأمريكا لبدء ضعف تلك الحتميات السابقة لتتحول فيما بعد إلى أفكار متجاوزة، كما حدث مع الشيوعية، التي غردت نفس التغريد سابقا، وضربت على نفس الوتر، ثم انهارت كما تنهار بناية متصدعة.
стр. 140
٢ - هل ترتكز العلمانية على أسس فلسفية وعقلية قطعية ؟
يزعم العلمانيون أن أطروحتهم تستند إلى أسس فلسفية عقلية ضرورية لا مجال للنزاع فيها، وهي بالتالي حتمية، يجب أن يذعن لها الجميع.
ومن أنشط العلمانيين لهذه الأطروحة عادل ضاهر في كتابه الأسس الفلسفية للعلمانية.
وتدور أطروحته والتي أكد عليها غير مرة (٦ - ٣٣) أنه لا يريد التوفيق بين العلمانية والإسلام، أو البحث عن أسس دينية للعلمانية كما فعل غيره من العلمانيين، خاصة علي عبد الرازق وخلف الله والعشماوي (١). إنما يريد تأسيس أسس فلسفية للعلمانية.
يحدثنا بهذه الأريحية وكأن الأسس الفلسفية مجمع عليها بين كافة العقلاء والفلاسفة، مقطوع بها، ليس أمامنا غير البناء عليها والارتكاز عليها.
مع أن لكل فيلسوف فلسفته، أو بعبارة أوضح وأكثر خلخلة لأسس عادل ضاهر: لكل مدرسة فلسفية أسسها الفلسفية التي تخالف وربما تناقض المدارس الأخرى. وداخل كل مدرسة أسس لكل فيلسوف. بدءا من فلاسفة اليونان ومرورا بالفلاسفة المسلمين، ووصولا للفلاسفة المعاصرين.
وعادل ضاهر أدرى مني بهذه الأمور، لكنه يحاول أن يغالط، لعله ينجح في تمرير الأطروحة. لكن ما هو العقل؟ وما هي الأسس العقلية الفلسفية التي يعتبرونها ضرورية حتمية؟.
стр. 141
ولأمر ما جذع قصير أنفه، فقد تغافل عادل ضاهر عن طرح هذه الإشكالية.
لا يوجد تعريف موحد للعقل وماهيته واختلف الناس فيه: الفلاسفة والمتكلمون والفقهاء والمعاصرون، حتى ذكر الزركشي أنه قيل فيه ألف قول (١).
والأسس الفلسفية لمن اعتبر العقل هو مصدر المعرفة متناقضة ومتعارضة (٢).
فإذا نظرنا في الفلاسفة وحدهم نجد فلاسفة اليونان مختلفين: ففلسفة سقراط قائمة على اللاأدرية وفلسفة أفلاطون قائمة على الحركة، وفلسفة بيرون قائمة على الشك. وليست الفلسفة الحديثة بأقل اختلاف من الفلسفة القديمة، فإن سبينوزا رفض فلسفة ديكارت، وأقام فلسفته على شكل من أشكال وحدة الوجود، ثم جاء كانط فنقد كل أشكال العقل، ثم أقام هيجل فلسفته على المطلق، ثم رفض فيورباخ كل الفلسفات السابقة، وأقام فلسفته على الطبيعة والأنسنة، وإذا كان باركلي قد أنكر المادة، فإن ماركس رفض كل ذلك وقرر أن المادة هي المتحكمة بكل ما في الكون، وهكذا لم يتفق الفلاسفة على هذه الأسس المزعومة (٣).
وما هي الاعتبارات العقلية والفلسفية التي يسلم بها العقل؟ هل هي الفلسفة الميكافيلية التي أجازت للحاكم أن يبيد بشكل سريع وخاطف كل
стр. 142
المعارضين الذين يهددون ملكه، وذلك من أجل جلب الاستقرار للبلاد، والتي تبناها نابليون ومحمد علي وهتلر وستالين وغيرهم.
أم هي مثالية جان جاك روسو التي دعا إلى الهمجي النبيل؟.
أم هي اللاعقلانية المادية النيتشوية التي تكرس الإنسان الأقوى وتحكم بإبادة ملايين الضعفاء حتى لا يبقى إلا الإنسان الأعلى.
أم العقلانية المادية التي تتمثل في النفعية المطلقة دون أي اعتبارات إنسانية أخرى، والتي كرسها كل من وليم جيمس وجون ديوي وغيرهم.
أم هي العقلانية المادية التي رأت إبادة الملايين من الغجر والسلاف واليهود والأطفال المعوقين والمسنين ممن صنفوا باعتبارهم أفواها مستهلكة غير منتجة، كما فعلت النازية، وكما فعل ستالين الذي أباد ملايين الفلاحين الكولاك الذين كانوا يعوقون عملية الإنتاج الحتمية (١).
٣ - هل العلمانية والديمقراطية توأمان لا ينفصلان ؟
لعلنا إذا تذكرنا ما أوردناه سابقا عن النازية والفاشية والشيوعية وبرتوريا العنصرية باعتبارها أنظمة علمانية مارست الاستبداد والقهر والظلم والإبادة، كاف في الإجابة عن هذا السؤال. وقد وصل هتلر إلى الحكم من خلال إجراءات ديمقراطية، وعمليات الإبادة التي قامت بها النازية كانت تحظى بموافقة الأغلبية الساحقة للشعب الألماني.
стр. 143
والمشروع الامبريالي الغربي الاستعماري، قامت به نخب تم انتخابها بطرق ديمقراطية سليمة، وحظي بدعم جماهيري واسع. ولهذا لم نسمع بمظاهرات وتنديدات بالاستعمار الغربي للدول.
وحروب بوش الحالية وإن عارضها أمريكيون، فالأكثرية منهم تؤيدها.
وإبادات حكام إسرائيل للفلسطينيين مدعومة بأغلبية جماهيرية.
إذن لا تلازم بين العلمانية والديمقراطية، فالعلمانية قد تؤدي إلى الديمقراطية، وقد تؤدي إلى الديكتاتورية (١). هذا من جهة، ومن جهة فإن الديمقراطية ليست دائما تؤدي إلى ما فيه خير وسعادة البشرية.
ألم يأت اليوم الذي يعترف فيه الغرب بضرورة الممارسات الديمقراطية بمرجعية أخلاقية؟ (٢).
وعندما يرى شعب ما أن قطاع المخدرات أو الدعارة أو بيع الأعضاء هو عصب اقتصاده الوطني وتنتخب حكومة تدافع عن مثل هذه السياسات، ألا يعتبر هذا خللا في النظام الديمقراطي؟.
وترشحت إحدى نجمات أفلام الإباحية في انتخابات البرلمان الإيطالي، وكانت حملتها الانتخابية تتلخص في خلعها لملابسها لإقناع وإغواء الناخبين، وقد نجحت وتفوقت (٣).
стр. 144
فهل علينا أن نقبل بمثل هذه القرارات (ابتداء من الإبادة النازية وانتهاء بالمخدرات والإباحية) أم ينبغي أن نرفض مثل هذه القرارات الديمقراطية استنادا إلى مرجعية أخلاقية، متجاورة للإجراءات الديمقراطية؟ (١).
٤ - ما بعد الحداثة .
ونظرا لكل الاعتبارات المتقدمة. أعني كل المآسي التي جلبتها العلمانية معها لم يعد هناك بد من الاعتراف بأزمة الحداثة.
ولهذا شاع في الغرب الحديث عن ما بعد الحداثة أو نهاية الحداثة كما قال محمد الشيخ في «ما معنى أن يكون المرء حداثيا» (١٦٥).
وقد ذكر الجابري في التراث والحداثة (١٦) أن في أوروبا يتحدثون اليوم عن ما بعد الحداثة باعتبار أن الحداثة ظاهريا انتهت مع نهاية القرن التاسع عشر بوصفها مرحلة تاريخية قامت في أعقاب عصر الأنوار (القرن الثامن عشر). هذا العصر الذي جاء هو نفسه في أعقاب عصر النهضة (القرن السادس عشر).
وهذا ما أكده أركون في مواطن عديدة من كتبه، منها قوله: يمكن اعتبار مدرسة فرانكفورت أو أبحاث ميشيل فوكو وآلان تورين ويورغين هابرماس .. إلخ بمثابة الأعمال الفكرية التي تجسد مرحلة ما بعد الحداثة، فهي التي قامت بعودة نقدية راديكالية على عقل التنوير والعقل الوضعي الذي ساد القرن التاسع عشر وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية (٢).
стр. 145
وتحدث أركون في «نحو نقد العقل الإسلامي» (٢٦٥) عن تحول الليبرالية إلى دين في الغرب له زواياه الغامضة، حيث يتراكم اللامفكر فيه والمستحيل التفكير فيه.
ومن أكثر الفلاسفة نقدا للحداثة الغربية نيتشه، حسب هاشم صالح، ولهذا انتقد عقلانية ديكارت وكانط وهيغل، واعتبر أنها تخفي وراءها غايات شخصية أو مصالح منفعية، وشكك في كل النظم الفلسفية السابقة باعتبار أنها تخفي غير ما تظهر (١).
وذكر الدكتور جوتفرايد كونزلن أن العلمانية باعتبارها دين حل محل الدين المسيحي يفهم الوجود بقوة دنيوية هي العقل والعلم ... وذكر أن العلمانية عجزت عن الإجابة عن أسئلة الإنسان التي كان الدين يقدم لها الإجابات، فالقناعات العقلية أصبحت مفتقرة إلى اليقين ... وغدت الحداثة العلمانية غير واثقة من نفسها، بل وتفكك أنساقها - العقلية والعلمية- عدمية ما بعد الحداثة ... فدخلت الثقافة العلمانية في أزمة بعد أن أدخلت الدين المسيحي في أزمة.
وقال: وتحققت نبوءة نيتشه (١٨٤٤ - ١٩٠٠م) عن إفراز التطور الثقافي الغربي لأناس يفقدون نجمهم الذي فوقهم، ويحيون حياة تافهة ذات بعد واحد لا يعرف الواحد منهم شيئا خارج نطاقه. وبعبارة ماكس فيبر (١٨٦٤ - ١٩٢٠م): لقد أصبح هناك أخصائيون لا روح لهم، وعلماء لا قلوب لهم (٢).