← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96931

العلمانية المفهوم والمظاهر والأسباب

مصطفى باحو

Полный текст (164 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

منهم العلماني التونسي المتطرف عبد المجيد الشرفي، وهذه عبارته: إن العلمانية قد ظهرت أول ما ظهرت في المجتمعات المخالفة لنا في الدين ولم تنشأ من رحم مجتمعاتنا ومن تطورها الذاتي (١). واعترف شريف حتاتة أن العلمانية في الغرب نتجت من خلال الصراع بين الرأسمالية الناشئة والإقطاع المدعوم من طرف الكنيسة الكاثوليكية، وأن هذا الصراع لم يحدث في البلدان العربية (٢). وهذا علماني راديكالي آخر يقر بأن العلمانية ولدت في سياق آخر وتاريخ آخر غير تاريخ الشعوب الإسلامية، وأنها إنتاج غربي تم فرضه مع الاستعمار. إنه محمد أركون (٣). وهذا اعتراف هام. وهذه علمانية بنت أحد علماء السوء الذين استغفلهم الغرب وصنعهم بيده فباعوا دينهم بدنياهم: إنها ماجدة بنت رفاعة الطهطاوي. فحسب ماجدة فإن العلمانية دخلت مع الاستعمار (٤). بل زادت المسألة إيضاحا فأقرت أنها نتيجة لتحولات تاريخية، كما حدث في أوروبا، لكنها ظهرت إما كنتيجة لقرارات علوية، وإما كاستجابة للضغوط الخارجية أو الاثنين معا، لذلك لم يكن لها مرتكزات اجتماعية في داخل المجتمعات العربية (٥).

стр. 72

بل زادت الاعتراف اعترافا فقالت: وإنما جاءت نتيجة عدوان خارجي وإخضاع المجتمعات العربية لاحتياجات التراكم الرأسمالي في المركز الأوروبي المسيطر (١). وأكد محمد سبيلا العلماني المغربي على التميز الواضح بين الحالة الغربية والحالة العربية وأن بلادنا لم تعش حروبا طاحنة بين الفرق الدينية التي جاءت العلمانية حلا لمشاكلها. بينما لم نشاهد هذه الظاهرة في العالم العربي والإسلامي. ولم يظهر كهنوت متحالف مع الإقطاع (٢). ووضَّح سبيلا أنه لا يجد أي حرج عندما يقول: إن المجتمع العربي الإسلامي غير مستعد الآن لطرح إشكالية علمنة المجتمع (٣). وغنى العلماني المغربي أحمد عصيد خارج السرب وقفز فوق الحقائق، ضاربا عرض الحائط للثوابت التاريخية أن العلمانية جاءت مع الاستعمار فزعم أن العلمانية هي سيرورة تاريخية من داخل المجتمعات العربية واستشهد بأن أجداده الأمازيغ رغم أنهم كانوا ينصبون إماما للصلاة، ففي شؤونهم الدنيوية كانوا يحتكمون إلى أعرافهم وعقولهم وقوانينهم الخاصة (٤). وأنا على يقين أنه هو نفسه يعلم أن هذا كذب وتزوير للتاريخ، فلا زال المغاربة بشتى أطيافهم يحتكمون إلى شريعة الإسلام طيلة حكم الدول الإسلامية التي تعاقبت على المغرب إلى أن جاء المستعمر.

стр. 73

وسنعود لهذه (العصيدة) التي ادعاها عصيد في رسالة مفردة نفند فيها مزاعمه ومزاعم غيره في هذا الباب. ولكننا نهمس الآن في أذنه بهمستين: الأولى: ولماذا وجد الظهير البربري إذن؟ ولماذا قاومه المغاربة جميعا؟ أليس لأنه أراد التفريق بين العرب والأمازيغ في الحكم وأن الشريعة خاصة بالعرب، بينما يحتكم البربر إلى قوانين خاصة، فثار المغاربة جميعا عربهم وبربرهم ضد العلمانية الاستعمارية وسياستها. فلو لم يكن الأمازيغ يحكمون بالشريعة لما ثاروا ضد الوافد الجديد. أليست هذه (العصيدة) امتدادا لتلك السياسة الاستعمارية؟ والثانية: يكفي عصيد أن يراجع ما قاله عدد من رفاقه في مفاهيمهم الملتبسة، في تنصيصهم على دخول العلمانية مع الاستعمار، وقد نقلت له أقوالهم، وأزيد هنا نقلا واحدا لشاكر النابلسي الذي يمارس نوعا من الدعارة الفكرية، فكتب يمتن للمستعمر الغازي الذي أنقذه من الشريعة بفرض العلمانية، بما في ذلك غزو بوش للعراق، الذي اعتبره فتحا مجيدا. قال: العلمانية العربية لم تفشل، بل على العكس من ذلك فمنذ مطلع القرن العشرين وبفضل الاستعمار البريطاني والفرنسي للمنطقة العربية، تم تبني العلمانية الاقتصادية أو البنوك الربوية، وفصل الدين عن الاقتصاد، وكذلك بفضل هذين الاستعمارين تم تبني العلمانية في السياسة ... وتم جزئيا فصل الدين عن الدولة ولم يبق من الدين في الدولة والدستور غير نص (دين الدولة

стр. 74

الإسلام) وهو نص غبي لا يعني شيئا وقد وُضع تَرْضِية للمؤسسات الدينية في العالم العربي، فالدولة العربية الحديثة لا علاقة لها بالإسلام (١). وزاد: وأعتقد أن فتح بغداد المجيد في التاسع من أبريل ٢٠٠٣ كان نقطة تحول كبرى تجاه المزيد من العلمانية في العالم العربي. وهو أبعد أثرا من حملة نابليون على مصر (١٧٩٨)، التي أدخلت عصر الأنوار والعلمانية إلى العالم العربي من البوابة المصرية (٢). فتح بغداد المجيد!!؟؟ فما رأي عصيد؟ أسباب انتقال العلمانية للعالم الإسلامي . لانتقال العلمانية للعالم الإسلامي أسباب موضوعية تاريخية تقف خلفها، وليست حتمية تاريخية وصيرورة لا مفر منها، كما زعم جماعة من العلمانيين كعزيز العظمة وعبد المجيد الشرفي (٣)، والعفيف الأخضر (٤)، وكما تقدم قريبا عن أحمد عصيد. ونسوا أو تناسوا أن العلمانية ليست اختيارا ديمقراطيا للأمة وفق منهجهم، ولم تقبلها الأمة في يوم من الأيام، وإن إلغاء تطبيق الشريعة وإقرار

стр. 75

النظم والقوانين الغربية فُرِض على هذه الأمة بالحديد والنار وبالقتل والإبادة في ظل الاستعمار الذي خلف وراءه شرذمة من الأبناء البررة بمشروعه العلماني (١). وإن العلمانية رغم تسلطها وتجبرها ووقوف أجهزة الدولة خاصة الإعلام بقضها وقضيضها معها لا تمثل إلا قشرة رقيقة جدا طافية على السطح، لا تلبث طويلا حتى تيبس ثم تتساقط متناثرة لأنها لا تستطيع النفاذ إلى الجماهير الشعبية التي هي قوة الإسلام وردؤه ومعدنه، وليس كالمسيحية المثخنة بالجراح، وإن الإسلام أقوى وأعظم من أن تناله أيادي العابثين أعداء الأمة، كما سنذكر في فصل لاحق إن شاء الله (٢). وقد بدأت أول بوادر العلمانية في العالم العربي والإسلامي مع بدء الحملة الاستعمارية وإرهاصاتها الأولى في القرن ١٩م. وكان أول من قاد محاولات الاختراق الأولى مسيحيو الشام وغيره مثل يعقوب صروف (١٨٥٢ - ١٩٢٧) وفارس نمر (١٨٥٦ - ١٩٥١) وشاهين مكاريوس (١٨٥٣ - ١٩١٠) وشبلي شميل (١٨٦٠ - ١٩١٧) ونقولا حداد (١٨٧٨ - ١٩٥٤) وجرجي زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤) وفرح أنطون (١٨٧٤ - ١٩٢٢) وسلامة موسى (١٨٨٨ - ١٩٥٨) وغيرهم. فهو خيار غير إسلامي لنفر من غير المسلمين، أنشأه وبلوره وزكاه - لدى بعضهم- العداء المستكن للإسلام والإعجاب المفرط إلى درجة الانبهار والتقليد للحضارة الغربية، ورد الفعل الحاد لمأساة التعصب الطائفي الذي لعب الاستعمار الدور الأول في إشعال ناره بلبنان والشام سنة ١٨٦٠م (٣).

стр. 76

إذن فالبوابة الرئيسة لانتقال العلمنة إلى العالم الإسلامي جاءت عبر المسيحيين العرب الذين تتأصل العلمانية في مسيحيتهم تأصلا، كما مر معنا قريبا. وقد حصلت مطارحات فكرية عديدة بين فرح أنطون ومحمد عبده حول العلمانية والدولة الإسلامية والخلافة في مجلة الجامعة ومجلة المنار. مع أن سر لهف فرح أنطون بالعلمانية كونه كان مسيحيا، فيندرج رأيه في إطار الصراع الإسلامي المسيحي في الشام في نهاية القرن ١٩م. فتماهى مع إخوانه الغربيين في هذا التوجه. وأصاب ذلك هوى في نفسه لمحاولة التخلص من الإسلام المهيمن. زد على أنه في المدة التي كانت الجيوش الاستعمارية الغربية تجيش المقاتلين، بل بدأت فعلا في الغزو كان فرح أنطون يكتب بحماسة بالغة عن فلسفة الأنوار، الأب الشرعي للاستعمار. فبينما كانت الجيوش على الأرض كواجهة عسكرية للاستعمار، كان فرح أنطون وشبلي شميل وغيرهم من المسيحيين في الواجهة الفكرية. وذلك ما سنحاول بسطه في الفقرة التالية: إذن فمن أهم الأسباب التي ساهمت في انتقال العلمانية للعالم الإسلامي: أولا: الاستعمار (١). كان الغرب قد اكتسحته العلمانية على كافة الصعد، ومع إحساسه بنشوة الانتصار هذه سعى لفرض نموذجه الغربي بقوة الحديد والنار، وفرض قوانينه ونظمه على الدول المستعمرة وإشاعه القيم الغربية ... فشجع تبرج المرأة والربا

стр. 77

والاختلاط وسن القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، وفرض دساتيره ومسخ مناهج التعليم وحارب التعليم الإسلامي وضيق على ما أبقى من دروس دينية، وفرض لغته في التعليم والمراسلات. فنشأ جيل مقطوع الصلة بتراثه وحضارته إلا قليلا، معجب بالغرب وحضارته مفتون بها. وهكذا لم يخرج الاستعمار من البلاد الإسلامية حتى خلف وراءه جيشا من العلمانيين الذين دربهم وصنعهم على عينه. فتحولوا إلى «صنابير» يسيل منها كل ما هو غربي. ففي مصر مثلا خلف الاستعمار محمد علي وابنه إبراهيم ليقوموا بالدور الذي عجز عنه نابليون في حملته على مصر حتى سنة ١٨٦٣ لما جاء إسماعيل باشا فألغى المحاكم الشرعية وترجم القانون الفرنسي المدني والجنائي إلى العربية (١). وأما في تركيا فلم تنسحب بريطانيا منها حتى فرضت شروطها في معاهدة لوزان سنة ١٩٢٣، التي كان أبرزها إلغاء الخلافة الإسلامية وطرد الخليفة خارج البلاد، مع مصادرة أمواله وأملاكه وإعلان علمانية الدولة (٢). وكانت العلمانية قد تسللت إلى تركيا قبل منتصف القرن التاسع عشر، ولكن بهدوء وملاينة وبشكل لا يثير مشاعر الأمة، بل جاءت مغلفة بالرغبة في الإصلاح، ونقل البلاد إلى الحضارة الحديثة وتطوير مرافق الدولة بطريقة تستجيب لمتطلبات العصر، وكانت القوانين تذكر أن دين الدولة هو الإسلام، وأن كل ما تريده الدولة هو الخروج من حالة التخلف والفوضى التي تعانيها،

стр. 78

ومن الضعف العسكري والسياسي والاجتماعي إلى القوة والوقوف في وجه الأطماع الخارجية والخطر المحدق بها (١). وصدرت في هذه الفقرة عدة قوانين مقتبسة من القانون الفرنسي، منها القانون التجاري عام ١٨٥٠، ثم الجنائي عام ١٨٥٨، وقانون البحرية عام ١٨٦٣، ومجموع الإجراءات التجارية الصادرة عام ١٨٦١م (٢). وقد علق أحد الأتراك على استيراد القانون المدني بدون تعديل وبدون نظر إلى العادات والتقاليد وظروف المكان بقوله: إننا حتى لو أخذنا بقرة من سويسرا وبقرة من الأناضول لرأينا أن هناك فروقا بينهما من ناحية الخصائص الإقليمية والغذاء والتربية والرعاية، لذلك فإن ما يظهره النقل الحرفي والارتجالي لمنظومة القوانين الغربية وإحلالها محل القوانين الإسلامية في المعاملات، فيه خروج عن الدين وقتل للشخصية المستقلة، وتقليد قردي للعالم الغربي، وعبودية له لا يحتاج إلى مزيد من الإيضاح (٣). لما خرجت تركيا منهزمة مع ألمانيا ضد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، استغلت اليونان الأوضاع فغزت تركيا تحت الحماية البريطانية واحتلت أجزاء منها. وقسمت بريطانيا وفرنسا الدولة العثمانية إلى أشلاء. وذلك سنة ١٩٢٠. ودارت حروب بين الأتراك واليونان كانت لصالح الأتراك. وهنا بزغ أتاتورك كمنقذ قومي. وتم إعلان الجمهورية وانتخاب أتاتورك رئيسا سنة ١٩٢٣. بعدها مباشرة جاء مؤتمر الصلح في لوزان في سويسرا في نفس السنة.

стр. 79

وفي المؤتمر ظهرت شخصية صهيونية اسمه حاييم ناعوم كبير الحاخامات اليهود في تركيا، وكان الوسيط الأساسي في موضوع الصلح بين أتاتورك والإنجليز. ولما اجتمع حاييم ناعوم مع أتاتورك وقدم له شروط بريطانيا فكانت كالتالي: ١ - أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام. ٢ - أن تلغي الخلافة الإسلامية. ٣ - أن تتعهد بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة. ٤ - أن تختار تركيا دستورا مدنيا بدلا من الدستور العثماني المستمد من أحكام الشريعة الإسلامية (١). أهم الإجراءات التي اتخذها أتاتورك (٢): - استبدال القوانين الإسلامية التركية بالقانون المدني السويسري في أكتوبر سنة ١٩٢٦. - إلغاء المدارس الدينية ومصادرة ممتلكاتها. - إلغاء اللغة العربية واعتماد الأحرف اللاتينية. بل نص قانون تركيا على معاقبة من يكتب بالحروف العربية بالسجن ثلاثة أشهر وغرامة قدرها عشرة جنيهات. - قانون الخيانة العظمى الذي صدر بعودة الدين والمقدسات أو بإعادة شكل الحكومة الدينية. ونص فيه على منع إنشاء الجمعيات السياسية التي

стр. 80

يكون الدين أساسا أو وسيلة أو مظهرا لها. ووصف منشئها والمشتركين فيها بالخيانة الوطنية. - تغيير التقويم الهجري إلى الميلادي في ١ يناير ١٩٢٦. - إلغاء اعتماد الإسلام كدين رسمي للدولة في ١٠ إبريل ١٩٢٨. وأما المغرب فلعب الاستعمار نفس الدور في إلغاء أغلب المظاهر الإسلامية وعوضها بأخرى غربية. وضيق على التعليم الإسلامي، كما سنبين ذلك في رسالة مستقلة إن شاء الله. وعموما كان الاستعمار حريصا على تهميش دور الإسلام في الحياة العامة، مع ترك هامش ضيق جدا وحصره في وزارة الشؤون الدينية، وقراءة القرآن في بعض المناسبات الرسمية، ودرس التربية الإسلامية المهمش ضمن تعليم بمواده العديدة والمتعددة. وتحول الإسلام من فاعل أساسي ومحرك مركزي للمجتمع والتاريخ إلى هامش ضيق. وعليه فلا يمكن فصل ظاهرة العلمانية عن حركة التوسع الامبريالي وآثارها التي خلفتها في الرقعة الإسلامية (١). ورغم وضوح هذه الحقائق التاريخية حاول عبثا عزيز العظمة القفز عليها من أجل إضفاء نوع من الشرعية التاريخية والموضوعية للعلمانية، ولو على حساب الحقيقة والتاريخ. ولا تعدو محاولات العظمة أن تكون بحثا ميئوسا منه عن جذور للعلمانية في الوطن الإسلامي عبر مجموعة من الأوهام.

стр. 81

فشكك في تجذر الإسلام في النسيج الاجتماعي (١). وحاول عبثا إيجاد ما يشبه التطرف الكنسي في تاريخنا ولو بشكل أقل حدة (١٧١ - ١٧٢ - ١٧٣). وطرح عددا من المغالطات التاريخية التي ليس التعرض لها من همنا الآن. وشكك في كون العلمانية شأنا خارجا عن تاريخنا وشيمنا وواقعنا. (١٨٤). وفي كون الإسلام متجذرا في الشعوب العربية (١٨٢). ولا تتجاوز هذه المغالطات مرحلة تزييف الوعي التي يتقنه العظمة. وقد أحسن المسيري في رده عليه. ولسوء حظ العظمة فجماهير إخوانه العلمانيين يخالفونه في هذا، فاعترفوا صراحة بأن العلمانية جاءت للبلاد الإسلامية تحت راية الاستعمار. منهم محمود إسماعيل الذي أقر بأنها جاءت إلى العالم العربي مع الاستعمار، وزاد: وإذ وقف الفقهاء موقف الرفض للعلمانية، فلأنها وفدت في الغالب الأعم من قبل مفكرين مسيحيين وتحت ظل الاستعمار الأوروبي (٢). واعترف العفيف الأخضر كذلك بأن العلمانية جاءت عبر الاستعمار. ولهذا لم تدخل السعودية لأنها لم تعرف الاستعمار (٣). وتابعه عادل الجندي، وزاد: العلمانية لم تدخل قط إلى العالم العربي كجزء من الفكر السياسي (٤).

стр. 82

وكذا فعل سعيد لكحل (١) وماجدة رفاعة الطهطاوي حيث اعترفا بدخولها مع الاستعمار (٢). ومع اعتراف هؤلاء بدور الاستعمار في زرع العلمانية في البلاد الإسلامية إلا أنه اعتراف محتشم، لا يرقى إلى مستوى النقد الموضوعي لدوره في عملية الإلحاق الحضاري والتذويب الثقافي. وليس اقتران العلمانية بالاستعمار والهيمنة الامبريالية والتحكم الغربي في الشعوب مرحلة من مراحل العلمانية، بل كما أسلفت عن المسيري والطعان: العلمانية هي النظرية والامبريالية هي التطبيق. وشواهد التاريخ تؤكد هذا، ففلسفة الأنوار العلمانية تلاها مباشرة التوسع الامبريالي الاستعماري. وغير خاف على أحد استمرار الهيمنة الغربية على الشعوب العربية إلى الآن، وما الأمم المتحدة وقصرها حق النقض على خمسة كبار، وصندوق النقد الدولي الذي يفرض شروطه على الدول إلا بعض تجليات ذلك. ولماذا نذهب في التحليل بعيدا، ها هي العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان ماثلة أمامنا. وكل الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا تجد سندها القوي من دول استعمارية علمانية سابقة كفرنسا مثلا. ويكفي كذلك أن تتبع أي نزاع عرقي أو طائفي أو سياسي عبر العالم وخاصة إفريقيا إلا وتجد القوى العلمانية الكبرى لها يد طويلة في ذلك. وطالما بشرنا العلمانيون في الغرب بحقوق الإنسان وكرامة الشعوب في ظل العلمانية

стр. 83

الموعودة، وإذا بنا نرى الشعوب تداس بالأقدام من قبل أنظمة علمانية غربية أو بالوكالة من قبل عملائها بالمنطقة. هذا فضلا عن التدخلات السافرة للغرب العلماني في سياسات دول المنطقة عبر لوبيات اقتصادية ومالية ضاغطة لها علاقات مشبوهة بالسفارات الغربية أو بالمنظمات المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تمارس الاستعمار المالي والتحكم في الثروات وفرض شروط مذلة تكرس الهيمنة على شعوب الجنوب المستضعفة. أليست هذه منظمات علمانية في يد السياسيين العلمانيين لترسيخ الهيمنة المالية والاستبداد والتحكم في الشعوب الأخرى؟ وما رأي العلمانيين العرب في كل هذا، وخاصة أصحاب المفاهيم الملتبسة؟ يعزو بعض العلمانيين -عملا بمبدأ المغالطة من أجل المغالطة- هذه الإخفاقات أو الجرائم العلمانية إلى الفرق بين النظرية والتطبيق. لكن الواضح للعيان أن العلمانية منذ نشأتها وهي تعيش هذه الإخفاقات والمآزق، فهناك تلازم شديد في نظرنا بينهما، وليس الأمر مجرد إكراهات سيتم تجاوزها أو إخفاقات سيتم تداركها. إنها فلسفة منظمة واستراتيجية واضحة، إنها عقلية استعمارية احتقارية عنصرية عامة تحكم النظام العلماني الغربي، وتربض خلفها مسيحية تبشيرية حاقدة. ونحن نرى كل صباح ومساء الامبريالية الغربية تتجلى في صور متعددة متناسخة، ليس آخرها الدعم اللامشروط للصهيونية.

стр. 84

ولا يفوتني هنا التنبيه إلى أن الاستقلال عند العلمانيين من الاستعمار يقف عند حدود الاستقلال السياسي، كما بين محمد عمارة في الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين (١٣)، وزاد أن بعضهم قد يدعو إلى قدر من الاستقلال الاقتصادي ولكنهم يعادون ما نسميه الاستقلال الحضاري، استقلال الهوية المتميزة عن هوية الغرب. . ولذلك فإن الاستقلال الذي يدعون إليه هو في حقيقته استقلال الوطن عن ماضيه وتراثه ومكوناته الإسلامية وعن محيطه الإسلامي. وزاد مؤكدا أنهم عندما يدعون هذا الوطن الذي يعزله هذا الاستقلال عن هويته الإسلامية وعن أمته الإسلامية، عندما يدعونه إلى تبني الخيار الحضاري الغربي، فإنهم يدعونه إلى الالتحاق والإلحاق الحضاري بالمركز الغربي ... فهي حقيقة - والحال هذه - دعوة للتبعية وليست للاستقلال ... ودعاتها هم عملاء لحضارة الغرب، حتى وإن رفعوا شعارات الاستقلال عن الاستعمار السياسي الغربي لأوطانهم. السبب الثاني: الصحافة الموالية للاستعمار (١). كان للصحف الموالية للاستعمار دور كبير في تربية الشعب على الطريقة التي أرادها المستعمر، إذ كانت تعمل دائبة على إقناع الناس بضرورة احترام المحتلين لما نالت البلاد بزعمهم من خير على أيديهم. وطالبوا بالارتباط بالحياة الأوروبية وضرورة تعليم الأبناء على الأساتذة الأوروبيين.

стр. 85

وقام بتنفيذ هذا المخطط الاستعماري في مصر الصحفيون المسيحيون، وفي مقدمتهم فارس نمر ويعقوب صروف (١)، وشاهين مكاريوس الذين أسسوا دار المقطم (٢) للصحافة. وأصدروا ثلاثة صحف: - مجلة المقتطف العلمية سنة ١٨٨٥. - مجلة اللطائف الأدبية سنة ١٨٨٦. - صحيفة المقطم السياسية سنة ١٨٨٩. وقد تربى أصحاب المقطم الثلاثة في أكبر مدرسة تبشيرية في الشرق، وهي الكلية الأمريكية في بيروت واقترن أحدهم، وهو فارس نمر عام ١٨٨٨ بابنة قنصل انجلترا بالإسكندرية، وسافر إلى انجلترا واجتمع بكبار السياسيين الإنجليز، وشرب أفكارهم قبل إصدار جريدة المقطم بعام ليبثوا فيه الأفكار التي يجب أن ينفثها للمصريين. ثالثا: التخلف والتفكك المجتمعي العام. عاشت الإمبراطورية العثمانية حالة من الضعف والتدهور العام، حتى لقبت بالرجل المريض. فسَهُل على الغرب تفكيكها وتقسيمها وفرض شروطه عليها. وكانت العلمانية هي الشرط الأكيد الذي سعت إلى زرعه وإنباته داخل المنطقة.

стр. 86

وانتشرت الطرق الصوفية الخرافية، وكثر المجاذيب والبهاليل، وأشاعوا أن الأولياء الصوفية يحفظون البلاد والعباد. فركن الجميع إلى عقيدة تواكلية انهزامية خرافية سهَّلت كل اختراق خارجي للصف الإسلامي، لضعف مناعته وانهيار مقومات الممانعة وأسباب المقاومة. زد على ذلك ضعف أو انهيار الجانب العلمي المتمثل في علماء الشريعة، وتحول بعضهم إلى علماء في يد العلمانية، وهو السبب الرابع. رابعا: علماء السوء (١). مثل علماء السوء أحد أهم الركائز التي اتكأ عليها المشروع العلماني لإحداث اختراق نوعي من داخل الصف، ولهذا حرص المستعمر على إرسال بعثات علمية للدراسة كان الهدف من ورائها تدجين طبقة من العلماء والمثقفين لخدمة المشروع الامبريالي، فكانت البعثات العلمية إلى أوربا، بدءا برفاعة الطهطاوي ومرورا بطه حسين خريج الأزهر ثم السربون، وعلي عبد الرازق الذي تابع تعليمه في أوكسفورد. وكان لهذه البعثات أهداف غير بريئة وشكلت عناصر اختراق متقدمة خلقت فجوات داخل بنيان الدولة والمجتمع العثماني وشكلت جسرا لتعبر عليه سياسات الغرب لاحقا (٢).

стр. 87

عايش رفاعة الطهطاوي (١٨٠٨ - ١٨٧٠) محمد علي وإبراهيم وعباس وسعيد وإسماعيل، ورضي معظمهم عليه، وأنعموا عليه بالرتب والتشريفات، حتى ترك لورثته عند وفاته ما يزيد على (١٦٠٠) فدان. ومن هنا لم يكن لرفاعة أن يقف مواقف لا يرضى عنها الحكام. خامسا: الماسونية. نشر الغرب الماسونية في القرن التاسع عشر في مصر والبلاد الإسلامية، وانخرط فيها كثير من المسلمين بحسن نية وعدم إدراك لأهدافها، من أشهرهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم انفصلا عنها لما تبين لهم ما تبين. وكانت مجلة اللطائف الآنفة الذكر أول جهاز إعلامي يجاهر بنشر التعاليم الماسونية والإلحاد في مصر (١). سادسا: التنصير. تضاعفت أعداد المنصرين حتى وصل إلى ٤٣٠٠٠ منصر إلى غاية سنة ١٩٥٨. وكان أهم أهداف هؤلاء المنصرين الذي يحركهم علماني أمريكي اسمه جون رالي موط، لا ينتمي أصلا إلى رجال الكنائس والذي اختاره مجلس الكنائس العالمي ليكون رئيسه الفخري، عملا بخطة استعمارية هي إبعاد الدين عن الحياة في البلاد الإسلامية من كل مشاركة أو اقتراب في الحياة السياسية أو الاجتماعية والاقتصادية، أي: عزل الدين عن حياة المسلم عزلا تاما، وفصل المسلم بالتالي عن حقيقة دينه.

стр. 88

كان هذا هو همهم الأول قبل اهتمامهم بالتبشير للدين المسيحي (١). وقد أسلفت أن العلمانية متجذرة في الدين النصراني، ولذلك كان التبشير به تبشير بالعلمانية وقطع للطريق على الإسلام. وقد كانت الشريعة الإسلامية في المغرب في صورة المذهب المالكي حاكمة لقرون عديدة، وكانت المرجع الوحيد للقوانين التي كان يحكم بها القضاة في المحاكم والمساجد وغيرها، كما سأبين ذلك بتفصيل في رسالة مفردة بإذن الله. حتى جاء الاستعمار بعلمانيته فأزاح الشريعة واستبدلها بالقوانين الوضعية وأزاح المحاكم الشرعية وهمشها. في عالمنا الإسلامي أراد طغمة من العلمانيين اجترار نفس الأساليب لواقع مختلف جذريا عن واقع أوربا. فلا المساجد هيمنت وطغت، بل وبالعكس كانت ملاذا للضعفاء والمساكين والمحتاجين. ولا (رجال الدين) المسلمين شكلوا خطرا على الثقافة ولا تحالفوا مع الإقطاعيين ضد عامة الفقراء، كما حدث في أوربا، ولا شكلوا طبقة كنهوت، بل كان علماء الإسلام من عموم الناس الضعفاء يتشاركون معهم همومهم وأفراحهم، ولا أدل على ذلك من الاحترام الكبير الذي يحظى به العلماء في الأوساط الشعبية. ولا محاكم تفتيش في تاريخنا الإسلامي، ولا صكوك غفران. فلا يجدي نفعا استنساخ تجربة لواقع مختلف كانت العلمانية فيه حلا منطقيا لمشاكل معينة تختلف تماما عن واقعنا وتاريخنا وبيئتنا وحضارتنا.

стр. 89

الحكومة الدينية ليس في الإسلام «رجال الدين» بالمعنى الطبقي الاجتماعي أي: طبقة معينة لها مميزات خاصة وامتيازات معينة، ولها الحق وحدها في معرفة الحقيقة المطلقة، وأنها تحكم بتفويض إلهي (١). والحكومة الدينية المسيحية أو الحكومة الإلهية أو الحكومة التيوقراطية التي نشأت في الغرب تتميز بعدة خصائص، منها (٢): - أفرادها من الكهنة ورجال الدين. - رجال الدين هم وحدهم لهم الحق في التحدث باسم الله. - هم يحكمون بتفويض من الله، وبالحق الإلهي الذي يخول لهم التصرف في أرزاق الناس وتشريعاتهم ومصائرهم. - لا يجوز لأحد مهما بلغ من العلم أن يخالف آراء رجال الدين لأنهم يمتلكون وحدهم الحق المطلق، ولو في العلوم التجريبية والفلكية والطبية. وأما في الإسلام فالحاكم مدني. ولا يدعي أنه يحكم بتفويض إلهي، أو أنه يحكم باسم الله بمعنى النيابة عنه (٣).

стр. 90

والفرق بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية أن الدولة الإسلامية تكون ذات مرجعية إسلامية أي منضبطة بضوابط الشريعة، والحاكم فيها يخطئ ويصيب، ولا يتحدث أحد باسم الله ونيابة عنه إلا الأنبياء. والقول بحاكمية الشريعة لا يعني الحكومة الدينية كما توهم بعض الكتاب، لأن الحاكمية لا تعني أن يباشر حكام بأعيانهم سلطانا من الله على الناس كما كان في أوروبا، بل تعني أن تكون شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، وأن الحكم للخليفة الذي بايعته الأمة وفق مبدأ الشورى (١). إذن فالدولة الدينية نمط من أنماط الحكم التي تميزت بها أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، والتي لم تعرف لها في بلاد الإسلام مثيلا. والدولة الإسلامية لها خصائص ومميزات تفارق فيها الدولة الدينية والدولة العلمانية. من هنا يتضح أننا إزاء ثلاثة أنواع من الحكم: - الدولة الدينية، دولة الكهنة ورجال الدين، الذي يحكمون بتفويض إلهي ونيابة عن الله. - الدولة العلمانية. - والدولة الإسلامية التي تتميز بإسلامية المرجعية ومدنية النظم (٢). وعليه فليس الأمر كما يزعم العلمانيون أننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العلمانية، وفصل الدين عن الدولة. وإما السلطة الدينية، التي تجعل للحكام فيها ولقوانينها قداسة الدين.

стр. 91

بل لإسلامنا نهج خاص وطريق وسط (١). كثير من العلمانيين يحاولون تصوير علاقة الدين بالسياسة في المجتمعات الإسلامية كأنها تتلخص في سيطرة رجال الدين والمعممين على شؤون الحكم وعالم السياسة، بينما واقع الحال يشهد على تسلط الدولة على الدين ومؤسسات المجتمع والاستيلاء على مقدراته الرمزية والمادية (٢). وقد ذكر إدوارد مورتيمر البريطاني في كتابه «الإسلام والدولة» أن الإسلام دين ودولة، وأنه لا يعد مسلما من ادعى أن من حقه أن يختار شريعة أخرى أو قانونا آخر غير الإسلام، وأكد أنه لا يوجد في الإسلام نظام الحكومة الدينية في أوروبا، فلا صلة أبدا بين التشريع الإسلامي وحكومة الكنهوت في أوروبا. وقد شهد بهذا علماء من النصارى منهم الدكتور نظمي لوقا في كتابه محمد الرسول والرسالة (٣). وقد شهد بهذا كذلك من العلمانيين عادل الجندي، أي بعدم وجود كنهوت في الإسلام (٤). وأكد نصر حامد أبو زيد أن الدولة الدينية لم تقم أبدا في تاريخ المجتمعات الإسلامية إلا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران (٥).

стр. 92

وخالف أحمد عصيد إخوانه أصحاب المفاهيم الملتبسة، فزعم أن في الإسلام كذلك كان يحكم بالحق الإلهي أي الدولة الدينية (١). وعصيد في هذا محكوم بموقف إيديولوجي أكثر منه ببحث علمي. ونشير هنا إلى خالد محمد خالد الذي حاول تشبيه الحكم الإسلامي بالنظام التيوقراطي في كتابه «من هنا نبدأ» ورد عليه محمد الغزالي بكتاب «من هنا نعلم». لكن عاد خالد محمد خالد فتراجع عن أفكاره في كتاب الدولة في الإسلام، وبين بطلان الحكم بالحق الإلهي في الإسلام. تصرف الحاكم المسلم في ظل الحكم الإسلامي ليس مقدسا. وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة على هذا، وهي من الوضوح في تاريخنا بحيث لا تحتاج إلى بحث ولا تنقيب لمعرفتها. ومع هذا طالما لهج العلمانيون برفعها فزاعة في وجه الإسلاميين، كما فعل العلماني السوداني عبد الله أحمد النعيم في الإسلام وعلمانية الدولة (٣٠). ولبلوغ هذا الهدف أصل النعيم أصلا باطلا، ثم بنى عليه بناء صحيحا، موهما أن الأصل الذي بنى عليه صحيح مثله. فأصَّل أولا أن السياسي إذا طبق الإسلام يعني أنه أصبح مقدسا. والنتيجة أنه إذا أصبح مقدسا أو عمله مقدسا فتنتفي المعارضة والتقويم.

стр. 93

وكل هذه التأصيلات غربية قرأها النعيم في تاريخ أوروبا، ولكثرة وجوده في أوروبا وأمريكا ظن أن كل بلاد الدنيا هكذا، أو على الأقل يحاول أن يغالطنا. . فمن أين له أن الدولة إذا طبقت الإسلام تتحول إلى دولة مقدسة؟ هل في الإسلام ما يثبت ذلك؟ أم في تاريخ الدول الإسلامية ما يثبت ذلك؟ أم في الإسلاميين من يقول ذلك؟ أم أن الفكر الغربي طغى عليه حتى فَقَد ضوابط التمييز بين ما هو إسلامي وما هو غربي. وإذا كان الخطاب العلماني يتهم الخطاب الإسلامي برفع شعار «لا حكم إلا لله» وأنه شعار يخفي وراءه دولة دينية قامعة للحريات تحكم بالحديد والنار ومحاكم التفتيش. فإن الخطاب العلماني يرفع شعارا متشابها: لا حكم إلا للعلمانية، الذي يتمترس خلف الإقصاء وتجفيف المنابع بل واستئصال الدين من الحياة وإقامة المحاكم العسكرية لمحاربة المتدينين. فقد أكدنا في غير ما موضع أن العلمانية ليست حركة محايدة ونواياها ليست شريفة تجاه الدين كما توهم الخطابات العلمانية، والدليل هو الواقع المعاش منذ الثورة الفرنسية وإلى الآن (١).

стр. 94

الإسلام وممانعة العلمنة - المزج بين الديني والدنيوي. أحكام الإسلام وعقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه وتشريعاته متداخلة متشابكة، بل هي كل لا يتجزأ. وإذا كانت العقيدة هي أس الإسلام وأصله، فإن العبادات والمعاملات خادمة لهذا الأصل وراعية له وحافظة له. ويستحيل أن تحفظ العقائد الإسلامية في ظل مجتمع علماني. والعقيدة والعبادة والمعاملة متداخلة متشابكة في الإسلام يصعب فصلها، وأي خلل في هذه هو خلل في الأخرى. بل العقيدة في حد ذاتها مناقضة في أصولها لأصول العلمانية، لأن الشهادتين تعني الاستسلام لأحكام الله وأوامره والاستسلام لأحكام رسول الله ﷺ . وما يميز الإسلام -كما أكد رفيق عبد السلام- «عن بقية الديانات الكبرى بما في ذلك الديانات التوحيدية السابقة، هو هذا الترابط الوثيق بين الديني والدنيوي، خلافا للأديان السابقة التي لم يكن هذا الالتقاء في أصل كينونتها الذاتية ... أما الإسلام فدين يقترن فيه سلطان الحق بسلطان القوة، وليس مجرد مواعظ روحية أو تبتلات زهدية أو تأملات علوية مفاصلة لعالم البشر وشؤون العالم وما يحكمه من صراعات وتناقضات ... ففي الإسلام فقط كان التركيب المنسجم والمتوازن بين الدين ومشاغل الدنيا، أو بين العالم الدنيوي والعالم الأخروي بحيث غدا الجانب الزمني والتاريخي بعدا مكينا في الحقيقة الدينية ذاتها. في الإسلام فقط اكتسب الوعي الديني بنفسه ضربا من الروحانية

стр. 95

الدنيوية أو الدنيوية المتعالية أي: الروحانية الفاعلة في هذا العالم وبوسائل هذا العالم ... » (١). وزاد قبل هذا: «إن إضافة الإسلام الكبرى تتمثل في تغيير معنى الديني أصلا من خلال وصله بالدنيوي، وتغيير معنى الدنيوي عبر وصله بالروحي والديني، بما يجعل الواحد منهما وثيق الصلة بالآخر» (٢). وزاد: «ويمكن القول هنا إن الإسلام يؤسس ضربا جديدا من الدنيوية يمكن تسميتها بالدنيوية المتعالية أو الدنيوية الروحية، كما أنه يعطي دلالة جديدة لمعنى الروحي والديني في إطار ما يمكن تسميته بالروحية الدنيوية. ففيما يحث الإسلام على التمتع بطيبات هذه الحياة الدنيا فإنه يحرص على إكسائها بالفضائل الأخلاقية والروحية بهدف الارتقاء بالمادي إلى طور السمو الروحي. وهكذا يمكن القول إن جوهر الاختلاف بين الإسلام والعلمانية لا يعود إلى ارتباط الإسلام بالمطلقات الغيبية مقابل ارتباط العلمانية بعالم الدنيا النسبية، بقدر ما يتعلق بنوعية الرؤية إلى هذه الدنيا وصلتها بالآخرة. وخلافا للقراءة الفيبرية (٣) التي ترى الديني لا يكتسب سموه وأفضليته إلا بقدر نأيه عن مشاغل العالم بما يتيح عقلنة البنى الاجتماعية والسياسية بعيدا عن الكوابح والموجهات الدينية على حد قوله، فإن القاعدة العامة التي تحكم الإسلام تقوم على كون الديني لا يكتسب قيمته إلا من خلال انخراطه في مشاغل العالم. ومن ثم استيعاب ما يسمى بالعلماني (٤) والدنيوي ضمن بنيته الداخلية، وهذا ما

стр. 96

ينطبق فعلا على الإسلام، إذ يتعاضد الدين الطبيعي مع الدين التشريعي إلى الحد الذي لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر» (١). قال المستشرق والباحث في العلوم السياسية جيل كيبل: إن الإسلام هو وحده الذي يخلط بين الدين والسياسة أو بين الروحي والزمني ويتخذ من ذلك عقيدة مقدمة معصومة، وذلك على عكس المسيحية التي كانت قد فصلت بينهما منذ زمن طويل، أي: منذ أن قال المسيح تلك العبارة الشهيرة في الإنجيل: اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله (٢). والدين في المفهوم الغربي -حسبما يؤكد رفيق عبد السلام- يطلق على ممارسة طقوس وأدعية وصلوات في الكنيسة بإشراف طبقة متخصصة ذات تراتبية هرمية. فتم حصر الدين في ممارسة الشعائر التعبدية والطقوسية (٣). وفي المقابل التأكيد على البعد عن الدنيوي والمادي والزهد فيه. أما في الإسلام فيلاحظ أن فيه تجانسا كبيرا بين ما هو ديني غيبي وطقوسي وبين ما هو دنيوي، وعليه فإن الدين لا ينحصر في الإسلام في الجانب الطقوسي والشعائري، بل تعداه إلى كافة مناحي الحياة (٤). وزاد أن الإسلام لا يقيم مقابلة أو مفاصلة بين الديني المتطابق مع الروحي والباطني والمطلق، وبين العلماني المتطابق مع الزمني والدنيوي والنسبي لأن كل ما هو ديني في فلسفة الإسلام يحمل في كينونته الذاتية ما هو زمني

стр. 97

ودنيوي، وكل ما هو زمني ودنيوي لا ينفصل عن مرتكزاته الروحية باعتباره من الطيبات التي أحلها الله (١). ولهذا السبب اقترن الإسلام في وعي المسيحية (٢) بالدين المادي، بما يتناقض مع هوية الدين القويم القائم على الطهورية الزهدية. وهو ما حذا ببعض المفكرين الغربيين أمثال فولتير ومارسيا ألياد ونيتشه إلى اعتبار الإسلام أنموذجا مكثفا للدين الطبيعي المناقض للزهدية المسيحية (٣). فالعقيدة الإسلامية تفرض على المسلم أن يكيف حياته وفقا للأحكام التي تجسدها وأن يتجلى أثرها في سلوكه وعلاقاته كلها، سواء كان حاكما أم محكوما. والعلمانية تريد من العقيدة أن تظل حبيسة الضمير لا تخوض معترك الحياة، ولا تؤثر في أهدافها ومناهجها، فإن سمح لها بالظهور فليكن بين جدران المسجد، لا تخرج عنها، على أن يكون المسجد نفسه تحت سلطانها. وبهذا نرى المسلم الذي يعيش تحت سلطان العلمانية يعاني من التناقض بين العقيدة التي يؤمن بها والواقع الذي يفرض عليه، فعقيدته تشرق وواقعه يغرب، عقيدته تحرم والعلمانية تبيح ... عقيدته تلزم، والعلمانية تعارض، وهكذا لا تعايش بين الإسلام الحقيقي والعلمانية الحقيقية، فهما كالضرتين، إذا رضيت إحداهما

стр. 98

أسخطت الأخرى، أو ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بمقدار ما تخف الأخرى (١). هذه الحقيقة الناصعة أعني هيمنة الإسلام على كل مناحي الحياة ودمجه بين الدين والسياسة اعترف بها تقريبا كل الباحثين الغربيين بحسب شهادة علماني راديكالي هو أركون، ومما قال: كل الباحثين والمستشرقين الغربيين مقتنعون بذلك، ولا يمكن أن تنزع من رؤوسهم هذه الفكرة (٢). وأكد على أن الإسلام صاغ جميع مناحي الحياة، بما فيها السياسة والقانون ونمط البناء والعمران والأساليب الفنية (٣). وأن الإسلام لا يفصل بين الدين والسياسة (٤). وأنهم إنما قالوا بذلك باعتباره نقصا في الإسلام أو عرقلة للتطور (٥). ونقل عن الباحث الفرنسي ماريل غوشيه في كتابه «خيبة العالم» الذي أحدث ضجة واسعة في أوساط الباحثين حسب أركون، وملخص كتابه أن المسيحية هي وحدها الدين الذي يقبل بأن يخرج المجتمع منه، أما الإسلام واليهودية فهما دينان لا يعترفان بالعلمنة أو بالفصل بين الدين والسياسة أو

стр. 99

الدين والدنيا، وحدها المسيحية تسمح بذلك، وهنا تكمن خصوصيتها وتفوقها على كافة الأديان الأخرى (١). وزاد أركون مؤكدا ترابط الديني والسياسي في الإسلام وأن تدخل الإسلام في الحياة العامة يظهر جليا من الولادة (الختان) وحتى الموت مرورا بالمدرسة والتعليم والزواج والولادات وغير ذلك. ليستنتج استنتاجا هاما هو أن مسألة ظهور العلمانية يبدو صعبا على الوصف والتحديد (٢). وكذا نقل العلماني المصري شريف حتاتة أن كثيرا من المفكرين في الغرب يقولون إن الإسلام لا يقبل الحداثة ولا الديمقراطية ولا الفكر العلماني (٣). وقال البروفسور لويس كنتوري الأستاذ بجامعة جورج تاون وأحد أبرز الخبراء الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط في ندوة يونيو ١٩٩٤ بلندن: إنه آن الأوان أيضا لإدراك أن خطاب التنوير الغربي المنطلق من العداء للدين، لا يصلح للعالم الإسلامي والعربي الذي يمثل فيه الدين قيمة عظمى، وتسوده قيم أخرى تعلي من شأن الدولة والجماعة والأسرة. وأكد أنه لا العلمانية ولا الليبرالية ولا الماركسية تصلح أساسا لإنهاض العالم الإسلامي، فكل منها يصطدم أو يتناقض مع تركيبة المجتمع الإسلامي، الذي لا مفر من الاعتراف بأنه يمثل ثقافة مغايرة تماما لتلك السائدة في المجتمع الغربي (٤).

стр. 100

والندوة المذكورة دعا إليها مركز أبحاث الديمقراطية بجامعة ويستمنستر بالتعاون مع منظمة ليبرتي المختصة بشؤون الحريات في العالم الإسلامي بعنوان: انهيار العلمانية والتحدي الإسلامي للغرب. وموضوعها البحث في إخفاقات العلمانية وسر التحدي الإسلامي لها مع تزايد المطالبة بتعليم الدين في المدارس الحكومية الغربية، ومع الدور المتزايد للكنيسة ورموزها في الحياة العامة، ومع شيوع الظاهرة الإسلامية في العالم الإسلامي (١). وقال عالم الاجتماع الإنجليزي إرنست جيلنر: إن النظرية الاجتماعية التي تقول: إن المجتمع الصناعي والعلمي الحديث يقوض الإيمان الديني -مقولة العلمنة- صالحة على العموم، لكن عالم الإسلام استثناء مدهش وتام جدا من هذا!! إنه لم تتم أي علمنة في عالم الإسلام، إن سيطرة الإسلام على المؤمنين به قوية، وهي أقوى مما كانت من مائة سنة مضت، إن الإسلام مقاوم للعلمنة في ظل مختلف النظم الراديكالية والتقليدية والتي تقف بين النوعين ... (٢) وذكر نفس الباحث أن حركة العلمنة وإن فرضت نفسها في أغلب مناحي المعمورة الكونية بما في ذلك داخل الفضاءات الجغرافية والدينية الكبرى كاليهودية والمسيحية والهندوسية والكونفشيوسية، إلا أن عالم الإسلام يمثل استثناء من القاعدة العامة ... فالإسلام يبدو اليوم قويا كما كان شأنه قبل قرن من الزمن، وربما هو اليوم أقوى مما كان عليه (٣).

стр. 101

واعتراف المستشرقين رغم حقدهم وحنقهم على الإسلام مع بحثهم الدؤوب عن كل نقيصة أو شبهة لإبعاد الإسلام عن الحياة العامة، اعترافهم دليل واضح على غربة العلمانية عن الإسلام. والأدهى من كل ما تقدم أن أركون أزعجه كثيرا ذلك الاعتراف الغربي، بل ذكر أنه يشعر بالأسى والحزن وبالسخرية المُرَّة من ذلك (١). وناشدهم بالتخلي عن هذه الأطروحة، وأن الإسلام عامل فقط من عوامل عديدة مهيمنة على المسلمين (٢). وانتقد في تاريخية الفكر العربي (٢٠٤) الكتابات الاستشراقية التي تبجل الإسلام أو تمجده، واعتبرها انتهازية. والمستشرقون والباحثون الغربيون في نظر أركون بلغوا الذروة في النقد والبحث والتحري والعمق، لكن إذا تعلق الأمر باعترافات لصالح الإسلام فأركون منزعج وغضبان. يريد أركون أن يقزم دور الإسلام إلى عامل من عوامل عديدة ليسهل تجاوزه وعدم تركيز الاهتمام عليه. والاستشراق والبحث الغربي عند أركون إذا نقض أصول الإسلام فهو جدي ونقده علمي، وإذا اعترف له بشيء فقد انحرف عن مساره العلمي. وأكد نفس الحقيقة، أعني ممانعة الإسلام للعلمنة علماني آخر، لكن هذه المرة من المغرب، وإن كانت بطريقة ملتوية.

стр. 102

إنه محمد عابد الجابري، الذي أكد على صعوبة تحقيق العلمانية في البلاد الإسلامية، لأسباب منها أن مضمون هذا الشعار مرتبط بظاهرة دينية حضارية لا وجود لها في التجربة الحضارية الإسلامية، أي ظاهرة الكنيسة. ولأنه لا توجد هيئة دينية عليا تعتبر نفسها المشرع الوحيد في ميدان الحياة الروحية (١). وأن أول من طرح العلمانية في البلاد الإسلامية هم المسيحيون العرب من سوريا ولبنان (٢). وبين أنه لا معنى في الإسلام لإقامة التعارض بين الدين والدولة (٣). واعتبر الجابري زعم حسن حنفي أن الإسلام لا يحتاج إلى علمانية غربية لأنه علماني في جوهره، اعتبره قفزا على مسألة العلمانية وأنه طرح لا يحل المشكل وقال: لذلك أكدت وأعود فأؤكد أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، ديانة وحضارة، ملة وثقافة ... (٤) ويرى القطاع الأوسع من الباحثين والأكاديميين حسب رفيق عبد السلام، فضلا عن الإعلاميين والسياسيين الغربيين في ظاهرة الأسلمة ضربا من الفشل والإخفاق الذي يطبع عالم الإسلام اليوم، بسبب ما يعدونه ممانعة العرب والمسلمين لتقبل القيم الحداثية العلمانية الموصوفة بالكونية.

стр. 103

مؤكدا أن التوجهات العلمانية تلقى نوعا من المقاومة والممانعة من أكثر القطاعات تعلما وتحديثا، وليس من قبل القطاعات الأمية أو التقليدية، أي: من قبل القطاعات المفترض فيها أن تكون طليعة القاطرة في غرس الثقافة الدهرية العلمانية (١). وكتبت مجلة شؤون دولية - وهي مجلة متخصصة أكاديمية وتصدر في لندن في ملف لها عن الإسلام والماركسية، والإسلام والمسيحية نشرته في يناير ١٩٩٠: إن الغرب والفكر الشائع في الغرب - وليس مجرد دائرة من دوائر الغرب- يرى أن العدو الجديد هو الإسلام، لأن الإسلام أثبت أنه حالة استثنائية في مقاومة العلمنة، فرغم العلم الحديث والتصنيع، استعصى الإسلام على العلمنة، ولا يزال الإيمان الديني عند أهله قوي السيطرة، بل إنه اليوم أشد مما كان منذ (١٠٠ عام) ومن ثم فإن الثقافة الإسلامية هي التحدي الوحيد للحضارة الغربية التي تتصف بالشك والتحلل واللاأدرية (٢). ولهذا فكما قال محمد عمارة: إن من حقنا أن نسعد بإسلامنا المستعصي على العلمنة، والمقاوم للاختراق العلماني، والذي ضمن بقاء العلمانيين في بلادنا -بعد قرنين من الدعم الاستعماري- شريحة معزولة تعاني من الرفض، بل والاحتقار (٣). بل الأكثر من هذا - وخلافا للتجربة الغربية - كلما زادت جرعات العلمنة زاد التشبث بالدين أكثر.

стр. 104

ولم تؤد محاولات العلمنة في العالم الإسلامي «إلى تحلل المنظومة الرمزية الإسلامية أو تحولها إلى مجرد تعبير فولكلوري مثلما جرى للعديد من ثقافات أخرى كثيرة، اجتاحتها صدمة الحداثة الغربية، بل خلافا لذلك مثَّل التحدي الغربي عامل استفاقة للوعي الإسلامي وعنصر تجدد لأسس الهوية الثقافية والاجتماعية الداخلية فقد غدا الشعور بجسامة المخاطر الغربية نوعا من الوعي التاريخي بين النخبة الإصلاحية الإسلامية، وكان ذلك مصحوبا بتساؤلات مؤلمة وغير مسبوقة حول أسباب تراجع العمران الإسلامي أو التخلف الإسلامي، ثم حول شروط النهوض والتجديد (١). من هنا يمكن لنا أن نفهم سر التركيز الغربي على الأصولية الإسلامية. «فالحرب الغربية المعلنة على ما يسمونه بالأصولية الإسلامية هي في الجوهر والحقيقة معلنة على حقيقة الإسلام لا لشيء إلا لأنه المستعصي الأول -بل الوحيد- على العلمنة، أي على الذوبان في النموذج الحداثي الغربي، والرافض - من ثم- للوقوف ذليلا أمام هذا النموذج الغربي موقف التقليد والمحاكاة!. . وهو موقف إسلامي يجعل من التدين بالأصول الإسلامية طاقة إيمانية تفجر في المسلم طاقات العزة والسيادة والغَلَب، فلا يرضى بالتبعية السياسية والفكرية والاقتصادية والأمنية للمركزية الغربية والهيمنة الغربية. وهذا هو جوهر ما يخشاه الغرب ويحاربه الغربيون في الإسلام» (٢). ومسألة تداخل الديني والسياسي في الإسلام برزت في أجلى صورها في حياة النبي ﷺ .

стр. 105

فكان ﷺ يولي العمال والولاة جباة الزكاة والقضاة، وعين لهم مهامهم وبينها لهم وأوصاهم عند تعيينهم مجموعة من الوصايا، وبين فرائض الزكاة وقواعدها ومصارفها والعشور والخراج والجزية، كما هو مبسوط في كتب الفقه والأموال والخراج وغيرها. وجهز الجيوش وخطب فيهم وعين قادة الجيش من الخيالة والمشاة والرماة وغيرهم. وراسل ملوك زمانه مراسلات دبلوماسية عديدة، وعقد اتفاقيات ومعاهدات مع كثير من أهل زمانه، وأقام الحدود على الجناة، وأنشأ نظاما اجتماعيا متكاملا. وإلى جانب هذا كان واعظا وخطيبا وإمام الصلاة والحج ومعلم الدعوات والأذكار. فضلا عن قيامه بأعبائه المنزلية والإشراف على شؤونه الخاصة. أمام هذه الحقائق الباهرة لم يجد العلمانيون العرب من سبيل إلا اختراع شبهات واهية، بل مضحكة للقفز عليها وتجاوزها أو لنقل القيام بما سماه علي حرب تزييف الوعي. أولى تلك المحاولات اليائسة محاولة الشيخ علي عبد الرازق. فعندما أراد الشيخ إثبات أن الإسلام دين لا دولة، ابتدع الرأي الذي زعم فيه أن رسول الله ﷺ لم يقم دولة ولا ملكا ولا حكومة في المدينة بعد هجرته إليها. وهو رأي شذ فيه عن الكافة، ثم عاد فتبرأ منه، بل ونسبه إلى الشيطان، ورفض إعادة طبع كتابه (١). ولم تنفع علي عبد الرازق هذه المغالطة المفضوحة التي سخرت فيها منه الجماهير.

стр. 106

ويبدو أن المستشار العشماوي أراد أن يجرب بدعة أخرى - لم يسبق إليها- متوهما أنها ربما كانت أحسن حظا من بدعة صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم فسلم للقارئ أن رسول الله ﷺ قد أقام بالمدينة حكومة وحكما، لكنه قال: إنها كانت حكومة الله، خاصة بالنبي، ومثلها في هذا الاختصاص كمثل النبوة والرسالة، تنتهي وتطوى صفحتها بوفاة الرسول، وكما أنه لا امتداد للنبوة والرسالة بعد النبي ﷺ ، فكذلك حكومة الله لا امتداد لها بعد أن لحق بالرفيق الأعلى (١). ولنا عودة بتفصيل لهذه المسألة فيما بعد إن شاء الله. وتبدو هذه المحاولة أسخف من سابقتها بل هي أقرب إلى الجريمة الفكرية التي يمارسها الخطاب العلماني. ونظرا للممانعة القوية والشرسة للعلمنة من قبل الإسلام فقد توالت إخفاقات العلمانية وتتابعت هزائمها، واعترف معظم العلمانيين بفشلها. وحار العلمانيون في تبرير هذه الممانعة، فتارة ردوها لأسباب خارجية، وتارة لمقاومة الإسلاميين، وتارة لطبيعة الإسلام. فمن هؤلاء محمود إسماعيل، فقد اعترف بفشل العلمانية والعلمانيين في العالم العربي (٢). وكذا فعل عبد المجيد الشرفي، واعتبر أن الإسلاميين أحد أسباب فشلها (٣).

стр. 107

واعتبر صلاح عيسى أن علمانيتهم تعاني من أزمة حتى على مستوى الإفصاح عن نفسها. قال: بل الأكثر من ذلك فإن أي حزب سياسي عربي لا يستطيع اليوم القول إنه حزب علماني، كما أنه يتهرب من مناقشة الموضوع خوفا من أن يفقد أصوات المتدينين في الانتخابات (١). وقال: رغم أن الكثيرين لا يمتلكون الجرأة والاستعداد للدفاع عن فكرة العلمانية، إن تيار العلمانية تيار مكتوم وخائف (٢). وستأتي معنا اعترافات أخرى تصب في نفس الاتجاه في آخر هذه الرسالة إن شاء الله.

стр. 108

جرائم العلمانية سوقت العلمانية في العالم الإسلامي بمثابة المنقذ من الضلال، وجنة الفردوس الموعودة التي يعيش الإنسان في ظلها النعيم المقيم والرفاهية المطلقة. في كتابه القرآن من التفسير الموروث (٨٥ - ٨٦) تحدث أركون عن الإخفاقات الصارخة لعقل التنوير من القرن الثامن عشر وحتى اليوم، أي الهيمنة الاستعمارية، والاستبداد الشيوعي والنازية والليبرالية المتوحشة، وتشكيل العالم الثالث ثم التخلي عنه، وتدمير الوعي الأخلاقي، والمنشأ الهدام للمعنى. . إلى آخر كلامه. ولم تخف العلمانية منذ بدايتها مخالبها الفتاكة وشراستها وقسوتها، حيث ظهرت لنا بارزة في: - استعمار لئيم وعنصري وإبادي، أفرزته فلسفة الأنوار. - وفي التطهير العرقي الذي قادته الشيوعية والنازية والفاشية. - وفي علمانية فرنسا الداعمة للدكتاتوريات العربية والإفريقية. - وفي ديمقراطية بوش التي أبادت الملايين وما زالت. - وفي الدعم الغربي للصهيونية. هذه البنية الفاشية العنصرية للحداثة والعلمانية أضحت تزكم الأنوف. حتى اعترف عدد من العلمانيين بذلك، فهذا محمد عبد المطلب الهوني أقر بأن ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وجنوب إفريقيا العنصرية والاتحاد السوفياتي

стр. 109

الستاليني كانوا أنظمة علمانية قامت على العسف والطغيان وتسببت في محن وكوارث بشرية (١). وكذا ذكر محمد الشرفي بأن ستالين وهتلر وماو وغيرهم كانوا علمانيين (٢). وكذا أكد سعيد لكحل أن الأنظمة الديكتاتورية كنظام فرانكو وهتلر وبينوشي وموبوتو أنظمة علمانية (٣). وهتلر بقسوته ووحشيته وعنصريته، علماني لم يولد في أفغانستان أو باكستان، بل ولد في أكثر البلدان الأوروبية حضارة ورقيا كما قال أركون (٤). فسل صحارى سيبيريا وآسيا الوسطى كم من الملايين هلكوا فيها، وانظر كم من الشعوب أذلت وسحقت سحقا (٥). وكم هدم الشيوعيون من المساجد وحولوا بعضها إلى اصطبلات ومواخير، والمدارس الدينية إلى نوادي، وكم صودرت من المحاصيل الزراعية للمسلمين (٦).

стр. 110

وفي كمبوديا قتل عصابات الثوار الحمر الماويين الشيوعيين ٣ ملايين من أصل ٩ ملايين، وإلى يومنا هذا تعرض في متحف العاصمة جماجم كثير من الضحايا. وقد تم هدم مساجد المسلمين بها وأحرقت جميع المصاحف، وحوربت الأسرة كنظام إسلامي، وتم تلقين الشعب محبة الحزب الشيوعي. وقتل ماو أكثر من مليون إنسان خالفوا حزبه الشيوعي، وكانوا يمتحنون الناس في الموقف من ماو ومن الشيوعية، وكانوا يعتبرونه مخلص البشرية وأنه يتمتع بصفات فوق بشرية. وهذه الولايات المتحدة الأمريكية كم أخذت من عبيد إفريقيا وساقتهم ليعملوا عبيدا في مزارعها (١). وأبادت سكان أمريكا الأصليين الهنود الحمر، وألقت القنابل الذرية على هيروشيما ونكازاكي، ودعمت اليهود في اغتصاب فلسطين (٢). وكم قتلت في العراق وأفغانستان. وانظر ماذا فعلت انجلترا بالهند وفلسطين وباقي مستعمراتها؟ وماذا فعلت فرنسا بالجزائر والمغرب وسوريا؟ وإيطاليا في ليبيا؟، والقائمة طويلة. وكلها أنظمة علمانية.
следующие страницы →