Полный текст (294 стр.). Показаны 281–294 · переход к 286.
стр. 281
إذا أغطشت آفاق أمر فإنما يجليّه لفظ موجز منه مهموس وكم فيهم من فاضل ذي استقامة تقيم قوام الدهر إذ هو منكوس وتمسكه أن لا يجور كأنما وتُعدَّل في كلتا يديه قساطيس وربَّ خطيب لفظة فوق منبر يبين ولو بُلِّغْتَه وهو معكوس يشف خفي الغيب عما يقوله وقدرك مرفوع وشملك محروس فآثر بها ليلاً على عمر بذي على فرض أن الليل إذ ذاك أدموس ولا غرو أن تزداد في العمر حقبة ففي الصفر للفرد العقيم تخاميس لقد كنب أخشى الحين في غير منشأي فيا شقوتي فيها إذا أنا مرموس وقد طالما حذّرت نفسي فسادها فبت ولي أحلام سوء وكابوس فألفيتها يربو على الوصف قبحها فما ثمّ أشباه له ومقاييس وفيها من القوم اللئام ثعالب ولكنهم أن يؤدبوا أسد شوس لقد فطورا طبعاً على الغدر والجفا جميعاً فلا يغررك في ذاك تلبيس لئن سَبقوا سبق الوجود فانه ليسبق جسماً ظله وهو مدعوس لهم في بحور الشك وطالما تغشّتهم منه ضلالا قواميس فكم فيهم من مدّع صَلِف له لتطريس آثار المعارف تطليس إذا ما انجلت آفاق فانه ليخفيه لفظ موجز منه مهموس وكم قيهم من فاضل من فضوله اعتدال قوام الدهر أحدب منكوس يحاول لؤماً أن يميل به فلا تعدّل في كلتا يديه قساطيس وربّ عييّ لفظة فوق منبر يسوء ولو بلّغته وهو معكوس يشفّ خفيّ العيب عما يقوله فيبصره من طرفه بعد مطموس وكم فيهم من خيّرٍ صالح له أنا الليل تسبيح طويل وتقديس وكم فاتح منهم وما بارح الحمى كتائبه أقلامه والقراطيس وكم بينهم من ليث حرب إذا سطا جريء له فيها احتناك وتضريس حمام إذا هيجوا حياة إذا اتقوا أسود إذا صالوا جبابرة هيس إذا سمحوا لا نوا وإن حمِسوا فسّوا ويَرْبُون فضلاً أن بغيرهم قيسوا أولو هّمة دانت لها هِمَم الورى وفخرهم في ذاك كالدهر قدوموس بشاشتهم للضيف خير من القِرَى وما لقراهم لو تأخّر تبنيس وأكرمهم مثوى الغريب سجية فيغدوا أقناه أهل وتأنيس مديحهم يشدو به كل رائح وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس لقد أكرموا هذا اللسان وأهله فمازال يحظى عندهم وهو مدروس وقد ألّفوا فيه تآليف جمّة وجلّت لهم فيه شيوخ وتدريس يعزّ الفتى بالمال عند سواهم وعندهم تغنيك عنه الكراكيس فقل لمباريهم تحدّوا لغيرهم فإن مجاراة المجلّين تهويس شِعارهم حرّية وأُخوَّة وتسوية كلّ بذلك ناموس فلا فرق بين الدون والدون في القضا فيبصره من طرفه بعدُ مطموس وكم فيهم من فاسق عاهر له أنا الليل تجديف طويل وتنجيس وكم طامع في الملك منهم سفاهة كتائبه أقلامه والقراطيس وكم من طفيلّي لكل وليمة جريء له فيها احتناك وتضريس حمام إذا زيْروا حياة إذا اجتدوا أسود إذا لاسوا جبابرة هيس إذا سألوا لا نوا وإن سُئلوا قَسُوا ويربون شحّا أن بغيرهم قيسوا أولوا جّشَع من دونه جشع الورى وصيتهم في ذاك كالدهر قدموس بشاشتهم للضيف في زعمهم قرى وفي وعدهم مّيْنُ ومطل وتبنيس وإكرامهم مثوى الغريب سجية إذا كان ذا زوج وبالزوج تانيس هجاؤهم يشدو به كل رائح وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس لقد جهلوا هذا اللسان وأهله فما زال يخفى عنهم وهو مدروس وقد لفقوا فيه أساطير جمّة وشطّت لهم فيه شيوخ وتدريس يعزّ الفتى بالعلم عند سواهم وعندهم ليست تفيد الكراريس فقل لذوي الدعوى المبارين منهم لعمري مجاراة المجلّين تهويس شعارهم حرّية وأخوّة وتسوية لكن عدا ذاك ناموس فلا فرق بين الدون والدون في القضا وإرّيسهم في اليُسر والرفة أرّيس ترى كلَّ فرد منهم كيساً له مشاركة في العلم والفضل ما كيسوا وإن لهم من سيمياء وجوههم دلائل أن الخير منهم مانوس وأن لهم رزقاً كريماً رضوا به فما هم مسفّى ما رب فيه تدنيس فتحسب كلاّ حلّ صرْحا ممرّدا تحيته فيه سلام وتقليس فما نظرت عيناي فيهم صاغرا ولا عن الخيرات والرشد مرجوس أراني سعيداً محْبّراً في جوارهم ومن لم يزر هذا الحمى فهو منحوس عفوت عن الأيام سالف ذنبها فقد شفعت فيها وفي الناس باريس فلا فرق في الدون والدون في القضا وأرّيسهم في الأمر والنهي أرَّيس ترى كل فرد عاتياً طاغياً له مشاركة في الحكم مع إنهم خيسوا وإن لهم من سيمياء وجوههم دلائل منهم أن الشرّ مانوس
стр. 282
وأن لهم رزقاً حراماً رضوا به فشأنهم أسفاف ما فيه تدنيس فتحسب كلاّ حل ماخور ريبة تحيته فيها سِلام وتلقيس فما نظرت عيناي فيهم فاضلا ولا من عن الآثام والرجس مرجوس أراني كثيباً نادماً في جوارهم ومن زار يوماً أرضهم فهو منحوس وجدت على الأيام عتباً بعيشها فقد أخبثته والبريةَ باريس وقد كنت في مدحي لها قبلُ مخطئا فهذا له كفارة وهو مركوس
القصيدة التي أمتدح بها الجناب المكرم الأمير عبد القادر
بن محيي الدين المشهور بالعلم والجهاد
ما دام شخصك غائباً عن ناظري ... ليس السرور يخاطر في خاطري
يا من على قرب المزار وبعده ... حبي له والشوق ملء سرائري
أن كنت لي يوماً فديتك وافياً ... ما ضرني أن كان غيرك غادري
فإذا رضيت فكل سخط هيّن ... وإذا وصلت فلم أبالِ بهاجر
وإذا بقربك كنت يوماً نافعي ... لم أخشَ شيئاً بعد ذلك ضائري
يا فاتني بدلاله وشماله ... وكماله وجماله ذا الزاهر
عقلي سلبت ومهجتي فأرددهما ... لا جيد مدح شمائل لك باهري
وليعلم العذَّال إني صادق ... في وصف حسن حلاك وصفة شاعر
يا محرقي شوقاً بفاتر جفنه ... أرأيت قبلي محرقاً بالفاتر
يا بدر تمَّ لاع قلبي حبه ... يا شمس حسن قد تملك سائري
يا ظبي أنس شاق عيني شكله ... لكن له طبع الغزال النافر
هلا رثيت لحالتي ورفقت بي ... ووعدتني عدة ولو في الظاهر
كلَم الحشا مني وعيدك قَسْوة ... قبل الفراق بأن تكون معاسري
وفطرت قلبي بالجفا عمداً فلا ... عجب إذا ما قلت أنك فاطري
أفهكذا فعل الحبيب بحبِّه ... أم صرت بعدي عاذلي لا عاذري
لو كنت تدري ما لقيت من النوى ... لرحمتني وودت أنك زائري
مذ غبت عنك أرتد عن طرفي الكرى ... من بعد ما هدى ارتداد الكافر
وأزداد سقمي واستثيرت لوعتي ... وبدا بحبّك ما تكن ضمائري
أني وحق هواك غاية مطلبي ... وسنا محيّاك الصبيح الناضر
من يوم لحتَ لناظري ما لا قنى ... شيء ولم يملأ جمال الناظر
ما كان حسن سواك يوماً شائقي ... كلا ولا لحظ لغيرك ساحري
أهوى لأجلك من حكاك بشكله ... لا شكله إذ ذاك دون النادر
كيف اصطباري اليوم والأجل انقضى ... وأبيت إرضائي بطيف زائري
وبمهجتي إني أراه ساعة ... قبل الممات معانقي ومسامري
هَبْه أتى فلقد يراني ساهراً ... والطيف ليس براقد مع ساهري
أنسيت عهدي حيث ملت مع الهوى ... ولقد عهدتك ما ذكرتك ذاكري
أما أنا فكما علمت على النوى ... والقرب صبّ فيك غير مغاير
شيئان لست أطيق صبراً عنهما ... ذكري هواك ومدح عبد القادر
هو ذلك الشهم شهدت له ... كل البرية بالفعال الفاخر
ومناقب محمودة وشمائل ... مرضية ومحامد ومآثر
هو ذلك المولى الممدح سعيه ... عند الإله وعند كل مفاخر
هو ذلك الفرد الذي أفعاله ... أمْدوحة البادي وفخر الحاضر
وهو المهيب لدى الملوك نزاهة ... والنازح الصيت الكريم الطاهري
من معشر العرب العريق نجارُهم ... أهل المكارم كابرا عن كابر
العاملين بمحكم التنزيل في ... التحريم والتحليل حزب الحاشر
الناحرين إذا دَعَوا وإذا دعُوا ... يا للبراز فنحرهم للناحر
المؤثرين على خصاصتهم وقد ... نظروا إلى الدنيا كشيء غابر
ولَرُب قوم يحسبون خلاقهم ... فيها وغابر لهوها كالغابر
ولديهم ردُّ التحية مِنّة ... كبرى بها أحياء عظم ناخر
يُحْيي الليالي بالدعاء تهجداً ... فيميت في الأعداء أي جماهر
ويروع أفئدة الرجال لقاؤه ... حتى يخوروا عن نداء الناصر
في قلب كلّ محنّك من رُعبه ... ما عنه يحجم كل ليث زائر
وبكل حرف من بليغ كلامه ... حرف يفلّهم كحرف الباتر
الفضل شيمته وسيمته التقى ... لله واسترباح أجر الصابر
يولى الندى قبل السؤال وبشره ... لزائريه مؤذن ببشائر
يغنيهم عن أن يمتّوا عنده ... بضرورة وَخَّتْهم وأواصر
стр. 283
جهد الزمانَ غلاؤه فكبا ولم ... يبرح لديه وفيه سورة آفر
ولقد يكون النسر يوماً واقعاً ... ويعود بعدُ إلى مطير الطائر
فالله ينصر من يغار لدينه ... والله يخذل كل عات فاجر
والله غز يداول الأيام ما ... بين العباد لسابق ولقاصر
سكن الأمير وطارق في الدنيا اسمه ... وروى المعالي عنه كل معاصر
فالعجم بين موقر ومبجل ... والعرب بين مُفاخر ومنافر
يا ناصر الدين العزيز وحزبه ... يا خير صبّار وأعظم شاكر
يا خير ناهٍ عن تعاطي مُنكّر ... وبخطّة المعروف أفضل آمر
لا تخش من بأس فربك قاهر ... بدعائك الميمون جيش الجائر
كن كيف شئت فإن أجرك ثابت ... في اللوح وهو أجل ذخر الذاخر
لك حيث شئت عناية صمدية ... ترعى حماك ونصر ربّ قادر
فإذا مدنت فأنت أعظم خادر ... وإذا ظعنت فأنت أكرم سافر
القصيدة التي أمتدح بها الجناب المكرم النجيب الحسيب صبحي بيك
في إسلامبول
أرى الدهر صافاني ومال إلى الصلح ... ومن بعد حرماني أتاني بالنُجح
وأصغي إليَّ الجد حين دعوته ... ولاحت تباشر المنى لي من صُبحي
أتاني على الإبحار والبرّ برّه ... بأسرع من شكوى احتياجي إلى السمح
فلم تكُ إلا دعوة فأجابني ... إجابة صنو وهو لي سيد لحّ
ولو لم يجرني من زماني بفضله ... لا صحت في بؤس وأمسيت في برح
وحنت بأشجاء التمني فإن لي ... لجرحا ممضاً دونه ألم الجرح
فلي في نهار جهد سبح وخرفة ... وفي ليلتي حبس وحُرف عن السبح
إذا كنت لا أشكو إليه فمن عسى ... يكون إليه مشتكى الضرّ والتَّرح
ومن ذا الذي تلقاه في الناس مسجحاً ... سواه إذا أضطر المضيم إلى السجح
خلائق لا يوفي الثناء بوصفها ... ولو كنت حسّان البلاغة والفصح
أغار على أوصافه الغر إنها ... تشاركها أوصاف آخر في المدح
هداني له جدّي وقد كنت غاوياً ... مع الشعراء البائرين ذوي الكسح
وكان زماني مازحاً فمزحته ... فلما تعاطى الجدَّ ملت عن المزح
فصار لشعري رونق وطلاوة ... وحُقَّ له الإملاء في ملأ فصح
وقد كان في سوق الأعاجم كاسداً ... مقالي واطرائي عليهم بلا ربح
فكم بتُّ أُنضي خاطري لمديحهم ... فقمت وبي رنح وأعييت كالطلح
ولم يغن عني ما مدحتهم به ... فتيلاً وما ازدادوا سوى البخل والشح
ولم ينقدوا كفارة الكذب الذي ... عليّ بأعلى اللوح ما هو بالممحي
ولو أنني راسين عصري فيهم ... وملطن ما استثقت منهم سوى النشح
فها أنا ذو ربح ولست بمفتر ... ثناء وإطراء وكنت بها أُلحي
فحل يا زماني بين فوزي ومطلبي ... أن أسطعت واستعد الخطوب على فدحي
فلي باسمه استفتاح كلّ قضية ... ويمناه اقليد السعادة والفتح
ألا فليزرني اليوم من كان مزرياً ... بشأني يجد كوخي اعزَّ من الصرح
علا بمعاليه مقامي ورتبتي ... وصرت إلى أقصى الأماني ذا طمح
إذا أبصرت عيناي من هو مخفق ... كدأبي من قبل انتحلت له نصحي
وقلت له أبشر بما أنت طالب ... فمن يدع يوماً باسمه فاز بالسنح
هو الماجد النائي مدى الدهر صيته ... قريب من الداعي على القرب والنزح
فليس علي بعد يؤخر رفده ... وليس على قرب يمل من المنح
هو الحازم النحرير طلاّع أنجد ... كريم نزيه النفس ذو خلق سجح
مليل أجلّ الخلق سامي الذري الذي ... مناقبه الغرَّاء تغني عن الثرح
أميري ومولاي الكريم وسيدي ... ومن هو بعد الله لي سند الركح
تظنّيت فيك الخير والفضل كله ... فحققت ظني فهو دوني في صح
أتاني وعد عنك إنك منزلي ... لديك كما أنزلت أهلي في ندح
ولا ريب عندي أن وعدك منجز ... وأني لا أحتاج معه إلى فسح
فهاك مني المدح خدمة مخلص ... فجد بالرضى عنه فديتك والصفح
ودم كهف عزَّ للذليل وملجإ ... لقاصده ما انجاب ليل من الصبح
стр. 284
وكتب إلى الفاضل اللبيب الخوري غبرائيل جباره أرسلها إليهمن باريس إلى مرسيليه وهو أول شعر مدح به قسيساً
قف بالطول أن أسقطت قليلاً ... وأسأل عن الركب المغذّ رحيلا
ساروا وأبقوا وحشة لك دونها ... غصص المنون وحسرة ونحولا
طلل عهدت به الخلاعة والصبى ... وشربت فيه سلسلاً مشمولا
وجررت أذيالي وتهت على المُنى ... واقتدت منها ما استعزّ ذليلا
وخلعت من نعم ولذات على ... أهل الهوى ما كنت منه ملولا
واحسرتاه متى يعود العيش في ... عرصاته وألذّ فيه مقيلا
لم يبق إلاّ ذكر أفراحي به ... ومضى كأمس نعيمُه مبتولا
أن غيّرت آثاره الأيام أو ... أن عطلت أعلامه تعطيلا
فبخاطري تذكاره متجدد ... ولقد يظل بأنسهم مأهولا
من بعد حسادي عليه الريح قد ... حامت لديه بكرة وأصيلا
تبدي الحنين به وأنَّه ثاكل ... فأزيد فيه زفرة وعويلا
تسقي تراب فنائه وكأنما ... تهفو به لتحله الإكليلا
عجباً وقد بلته مني عبرة ... أن صار فوق عنانها محمولا
أم قد درت نكب الرياح بأنه ... أولى بأن يثوي السماء مقيلا
أم مثل عيني أعين الجوزاء قد ... رمدت فتستشفي به تكحيلا
ما كدت أدري رسمه لولا شذا ... عرْف إليه كان منه دليلا
نؤي الحبائب للمحبّ أعز من ... صرح لديه لا يصيب خليلا
وسويعة مع من تحب أجل من ... دهر به تلقى أخاك عذولا
قلبي السَمنْدل يصطلي نار الهوى ... وسلوه العنقاء عز وصولا
لله كم منه يعذَّب عاشق ... ولكم به يمسي البريء قتيلا
لو رقَّ من عشقٍ كلام رتل ... القراء قولي في الدجى ترتيلا
أو لو تداوى الناس منه بالبكا ... لشفيتُ كلّ شجٍ يبيت عليلا
حاولت قلب القلب عن علل الهوى ... فأجاب أنك قد ضللت سبيلا
مني ابتداء الشوق كان وختمه ... بي لست عن دابي أحول حؤولا
قد قانتي المولى عليه كما على ... حب المكارم قان غبرائيلا
هو ذلك الحبر المهذَّب خلقه ... وعليه يبدو خلقه دليلى
الطيّب الأصل الكريم الفعل لن ... تلقاه إلا مرشداً ومنيلا
يهب الجزيل وعنده كالجزل ما ... يحجوه جزلاً غيره منقولا
المرتدي ثوب العفاف مطرّزاً ... بتقًى يقي التحريم والتحليلا
طلق المحيا واللسان طلاقة ... تَدَع الأسى من قيده محلولا
يستدرك الأشكال فصل خطابه ... وبعلمه يستخرج المجهولا
فلكل ريب قضية ما زال مسئولا ... وللراجي ندًى مأمولا
صافي السريرة حيث آي وفائه ... لن تقبل التحريف والتبديلا
ما أن يزال إذا دنا وإذا نأى ... بَرّاً نصوحا وأصلا مسئولا
كانت مشورته هدى وسعادة ... للمستشير ونصحه منخولا
ودعاؤه في الضرّ أعظم عاصم ... لك فأطمئنّ به وكن مكفولا
ليس المنيخ ببابه قنطِاً ولا ... من يستغيث بجاهه مخذولا
مولى تحرّى الزهد في الدنيا وقد ... دانت له لو شاءها تبتيلا
فنجاره ما زال ملجأ لاجئ ... يلقي الأماني عنده والسولا
جبر الخواطر من جبارة يرتجي ... وبفرعه كل الفخار أنيلا
سمح الزمان بقربه لي سبة ... ما كان أحلاها وعاد بخيلا
حتى أرى قِصرَ الأيادي بعده ... ومن استطال بفضله مفضولا
ولقد علمت أوان كل الطرف ... مقصوراً عليه ذلك التأويلا
مارست دهري واختبرت صروفه ... فإذا به لا يستفيق غفولا
هلاّ أتاني من قبل أن ... يقضي الفراق وكان فيه عجولا
هل من ممار أن شخصاً واحداً ... يحوي الفضائل كلها تكميلا
أم منكر أن ليس يذكر سيدُ ... مع ذكره إلا وكان ضئيلا
ولئن أفض في ذكر آلاء له ... فاضت عليّ أملّ عنه طويلا
أدب وإحسان وبشر دائم ... وسماحة تستغرق التمثيلا
ما كنت في مدحي له بمبالغ ... ما قلت إلا بعض ما قد قيلا
ولو استطعت لكنت أنظم ... كل درّيّ له مدحاً أو التنزيلا
من حاول الإسهاب فيه فإنما ... هو موقد وقت الضحى قنديلا
стр. 285
بشرى لمن يحظى بقرب جنابه ... ولمن يقبّل ذيله تقبيلا
ولمن له يهدي التحية والثنا ... والحمد والتعظيم والتبجيلا
القصيدة القمارية
جمعتنا الشيوخ ما بين أصِ ... وكول وفرشخ هو شقصي
في مقام جيرانه لا يبيحو ... ن هُتاف المغلوب أو بعض نبص
بعضنا شاطر وآخر غِرّ ... خصي أثنين غابن ثم لصّ
لم أقم قطّ غالباً غير ليل ... بات فيه للاصّ ظفري كشصّ
ظل سعدي يقوى على النحس حتى ... خلتني في القمار شيخ أبن بعص
وشريكي له نشاط إلى قنص ... ملوك يدينها أيّ قنص
فانثنى ساحر المزوق حيرا ... ن عليه تأليفه متعصّي
وبعد من سماته ما يحاكي ... بعضه خايماً وبعض كفص
بلغ اللعب منه ما يبلغ الجدّ ... والهاه عن مداراة خلص
فغدا بالكلام يقرص والإصبع ... من جاد رميه كل قرص
لم يبت ليلة وأصبح يشكو ... من دوار أمضه مع مغص
جاره ذو الزلاّت وهو أنا لم ... يبدُ منه في الرمي خطة نقص
بعد ستّ وأربعين ولم يبلغه ... عن بنده احتجاج بنصّ
ما عليه أن كان يَغلب أو ... يُغلب أو لزّه الشريك بشرص
فكره في اختلاق أكذوبة عن ... ذي علاء ما أن يجود بجص
يسهر الليل مطرئاً فإذا ما ... أصبح الصبح خار من فرط خمص
لو أطاق المسير من هذه الأر ... ض لما حلّ غير بلدة حمص
ربما ينفع التغفلّ يوما ... ويضر الإنسان زائد حرص
ليس يدري ما اللعب إلا بشعر ... عنه ما عاش ليس بالمتفصّي
وبشعر من شاربيه إذا حا ... ول شعراء ينحى عليها بنمص
وإذا سامه أمرؤ سهر الليل ... أتاها من غيظه بالمقص
لم يدعها تطول حتى تحاكي ... نصَّة الخود ذات ضفر وعقص
عن قريب يخضّب البيض منها ... بمدادٍ أو زعفران وحُصّ
ليس ينفك ذا ملال وشكوى ... وعلى كل نعمة ذا غمص
وشريك له تربَّع في الدَست ... كشيخ مسائل العلم يُحصي
أو كمن ينقد الدراهم للسلطان ... من شأنه تمام التقصّي
أن يجدْ هفوة يصح ويولول ... ويُقم للجدال قيّم فحص
يبذل الأصّ بذله المال لكن ... ثمَّ فرق في بذل هذين أصّى أصلي
حيث في الأول اضطراراً وفي الثا ... ني اختياراً لغير كسب ورَبْص
أخذ العلم عن شيوخ مشاهير ... ذوي حكمة ومَحْص ولحص
لا كبعض الغواة خرّيج بصّا ... قين كلّ أعمالهم عن خَرْص
ليس يدري سوى الخديعة والمكر ... وما يجمُل الخداع بشخص
يفرز الغالبات في اللعب لكن ... يتعاطى جدّ الأمور بخبص
ليس في حارة اليهود سواه ... من يجيز الحرام والحقَّ يعصي
قد حكاهم في أكله ذات ظِلفْ ... فوق ساق وفي الدهاء الأخصّ
أن يكن غالباً تجده طروباً ... ضاحكاً ذا غمز ذا وقرص ورقص
وإذا فاز خصمه ودّ لو كلّ ... خبير سواه باللعب مخصي
ولذات الثلث يعطوا بكلتا ... راحتيه وللثماني بقبص
فاغراً فاه كالذي لاح ماءً ... ثم لم يرو منه غُلاّ بمص
ما لعمري دهاؤك اليوم مُنج ... لك أن كدت شيخنا أو محصّي
قد حباك المزوّقات ولكن ... ليس يعفيك من نكال مغص
أنَّ بعض العطاء حلو شهي ... ثم من دونه مرارة عفص
يا لها زمرةً قماريّة ما ... عابها جهبذ ولا حبر قص
غير كون اجتماعها خارجاً عن ... غرفتي فالحرام فيها بقفْص
شكلها شكل بيضة ولهذا ... فالمعاصي من جوفها ذات فَقص
من بناها أوصى بهذا وشأني ... كل حين إمضاء عهد الموصي
الغرفيات
أنا الولي على كل المفاليس ... وغرفتي ذي مزار للمناحيس
يأتي بهم زُحَل القوّاد سدّتها ... وثم تصرعهم ريح الكراكيس
ومنها
لا يدخلنّ مقامي ذو حجى أبدا ... فإنما هو منتاب المآفيك
يلفون فيه أكاذيب المديح على ... زمّارة أو على نذل من النُوْك
ومنها
يا طالعاً درجات قدرها مائة ... إليَّ ماذا ترجيّ بعد ذا الدرج
إن كنت من حركات طالباً فرجاً ... فإنني بسكون طالب الفرج
ومنها
стр. 286
ما زارني إلاّ خليع ما جن ... فدع الحياء إذا حضرت حصيري
أن الحياء أخو النفاقّ وما صفت ... دون المجون سرسرة لعشير
ومنها
يا زائري رأسك أحفظ ... من ضرب زيد وعمرو
فما بكسري هذا ... يصاب جابر كسر
ومنها
أيها الزائري لفائدة لا ... ترم المستحيل ما ذاك عندي
راح علمي في طلب الجدّ ... والجدّ شرود فضاع علمي وجدّي
ومنها
للناس نار بلا دخان ... ولي دخان بغير نار
فها أنا اليوم منه قار ... ضيفي وفيه أبيت قاري
ومنها
إن للصالحين معجزة أن ... يجملوا أن شاءوا الضرير بصيرا
عكسُ ذا اليومَ معجزاتُ دخاني ... أنه يجعل البصيرا ضريرا
ومنها
تجود عليّ زواري ولكن ... أكافئهم بَواء وهو شأني
تُقلّ نعالهم لي تربَ كُحْل ... فأكحلهم بشيء من دخاني
ومنها
نعم لي غرفة عليا ولكن ... بأسفل سافلين هبوط نجمي
فكيف أطيق أصعد مرتقاها ... وأحمل حمل أشجاني وهمي
ومنها
ومن يكن مثلي رفيع الدرجات ... فهو أولى بمفاعيل السّراة
من معاطاة فضول الشعر في ... فاعلات فاعلات فاعلات
ومنها
كل زوّاري ذكور ... ليس فيهم من إناث
أفما في الكون من ... أنثى ولا جنس الخناث
ومنها
قصرت عن الورى ... وآمنت منهم سَبَّة غدْرا
فلا عجب إذا ما قلت ... صارت غرفتي قصرا
ومنها
إذا زارني مُلوٍ نظيري أمنته ... وإن يك ذو جَدّ حذرت محاله
فإني أدري بالمناحيس كلهم ... وما فيهم من أجهل اليوم حاله
ومنها
من أوى إلى البيت ... مثل بيتي الحرج
ضاق صدره سدما ... وأنزوى مع الهمج
ومنها
ولي داخل البيت جثة قطّ ... وخارجه صيت فيل عظيم
وقد كنت أحسب أن بالعظام ... تكون العظام وأهل العلوم
ومنها
تعالوا وأفقهوا عني ثلاثاً ... تعلمكم مراعاة النظير
خلاقي ثم جسمي ثم بيتي ... صغير في صغير في صغير
ومنها
أمسى بيتي قبراً حرجاً ... لكن زواري أحياء
مع أني لست أرى فيهم ... حيّاً لي منه إحياء
ومنها
إذا عصفت ريح ونارت زوابع ... وهدّت رعود والغيوم مواطر
ومادت زوايا غرفتي وتزلزلت ... علمت بأن عندي يشرّف زائر
ومنها
ارفعوا لي حاجاتكم فأنا اليومَ ... رفيع المقام والدرجات
أن يكن مُفْلسون فليستعيروا ... مُدْيتي لإنتحارهم أو دَواتي
ومنها
يقولون إني لضنك وجاريَ ... قدرك شعري وصار ركيّا
وأجدر بشيء إذا ما تبعَّث ... من ضيق أن يكون قويا
ومنها
مقامي بذي الغرفة ... لحرمان ذي الحرفة
فمن زارني فيها ... فلا يُرجون ترفه
ومنها
أصبحت في غرفتي رهن الهموم فما ... يعتادني غير أشجاني وأوطاري
أرى لكل امرئ أنثى تؤانسه ... وليس عندي من أنثى سوى النار
ومنها
ألا لا يطمعن أحد ... لكوني صاحب الغرقة
بإنَّ لديَّ مأدبة ... له من فيضها غرفة
ومنها
حقّ المزُور على الزوار أنهم ... يؤمنون له في الصدق والكذب
وما عليه لهم حقّ ولو جلبوا ... إليه من سبأ وسقا من الذهب
ومنها
ولي حرفتان فلا أحذر ... البطالة عندي أن ترسخا
أصوغ القوافي في ليلتي ... وفي الصبح أستقبل المطبخا
ومنها
طبخ المحاشي رائج في عصرنا ... لكنما طبخ القوافي كاسد
من أجل ذلك صرت طباخاً فما ... أنا شاعر فالشعر شيء فاسد
ومنها
حوت غرفتي كتبي ورزقي كله ... فبرنطتي فيها عزاء وسلوان
إذا غبت عنها خلتني أفقر الورى ... وأن جئتها أوهمت أني سلطان
ومنها
يفوح من حجرتي عرف الشواء على ... عرف القريض ومعه عرف ميَّان
فمن يكن جائعاً ينعشه أوّلها ... ومن يكن كاذباً ينعش من الثاني
ومنها
أرى في الحلم أني ساقط من ... مهدَّم طاقتي في مثل غار
فأصبح في الفراش ولا قوى لي ... فلست إلى المعبّر ذا اضطرار
ومنها
стр. 287
بيني وبين دخاني أُلفة ثبتت ... أن نمت نام وإلا فهو لم ينم
وأن يزرني أمرؤ غطّى على بصري ... إذ عنده رؤية الزوَّار كالسقم
ومنها
لي غرفة ملأى من الكذب الذي ... أنفقته في مدح كل بخيل
لم يبق فيها من محلَّ فارغ ... للزائريّ ولا مقيل خليل
ومنها
قالوا نزورك حيث كنت خليلنا ... فأجبتهم لا ريب فيه زور
قد محّص العرفان عن أخلاقكم ... وخلاقكم فلكم بذا التعزير
ومنها
أقول لزائريّ قفوا قليلاً ... إلى أن ألبس الثوب القشيبا
فإني في الخليع أرى خليعاً ... وفي لبس القشيب أرى أديبا
ومنها
لبابي صريف حين يفتح هائل ... يقول لزوّاري دعوني مغلقا
فهذه عَدْوى كفكم فيَّ قد سرت ... ولم يُعْدِكم داب افتتاحي مطلقا
ومنها
كانت مقاماً للكواعب غرفتي ... والآن صارت معدن التشبيب
ما زال فيها من عبير العشق ما ... هاج المحبّ إلى عناق حبيب
ومنها
يراني الناس في كِرج حقير ... فيحتقرون منزلتي احتقارا
فهل يا قوم عندكم المعالي ... علوّ مباءة تحوي حمارا
ومنها
من زارني ورأى مكاني ضيقاً ... فلبِرّه صدري يكون رحيبا
أهلاً به للنار والأصلاء مع ... كِسف الدخان ونعم ذاك نصيبا
ومنها
طوّقت بابي بأبيات منمّقة ... لمّا بدأ عُطُلا من خير زوّاري
فصار كنز علوم غير ذي رصد ... تنقير أظفاره في نقر أظفار
ومنها
ألا يا داخلين أليّ مهلاً ... لأسألكم سؤالاً عن مزاري
أأعجبكم له شكل فجئتم ... لتبنوا مثله دار القِمار
ومنها
نعم المهندس من بنى ... كوخي بأشكال وهندس
هو كالمثلث والمربَّع ... والمخمس والمسدس
ومنها
من جاءني تَعِباً وأبصر سدّتي ... نسي الذي قاساه من أتعابه
فالناس تعرف من تزور إذا هم ... نظروا ولو لمحا إلى أعتابه
ومنها
لا يطلعنّ إليَّ اليوم مشئوم ... فطالعي بضروب الشؤم موسوم
ومن يكن واحداً مثلي فليس له ... لطالعين احتياج قاله البوم
ومنها
يحسدني الناس على غرفتي ... لشبهها أعينهم ضيقا
مع إنها تحوي جهازا له ... طول وعرض بلغا الشيقا
ومنها
قرَوْتُ المصر بيتاً ثم بيتا ... فلم أرَ مثل مجلسي الشريف
يرد الشمس إنْ تدخُله كبراً ... لرؤيته لها فوق الكنيف
ومنها
ولي في غرفتي أدوات طبخ ... على مقدار أسناني جميعا
وإن يُكَسر من الأدوات شيء ... أصاب الكسر أسناني سريعا
ومنها
ليس بالرفس فتح بابي ولا ... بالقرع فأعلم لكن بنفر خفيف
فهو من جوهر الزجاج لطيف ... لا يسنّى إلا لكل لطيف
ومنها
مقامي أولّ في القدر لكن ... أتى في الصيف عن خطأ أخيرا
فلا تلووا على شيء سواه ... إذا جئتم إليه ولو كبيرا
ومنها
إذا صعّدت في درجات كوخي ... وجاوزت الأخيرة وهي أعسر
يخيّل لي بأني طالع كي ... أؤذّن صارخاً الله أكبر
ومنها
لا يراني الناس في غرفتي ... لا أرى من غرفتي الناسا
ربّنا يعلم من لذَّ من ... بيننا البَيْنَ ومَن قاسى
ومنها
سمّوا على منزلي قبل الدخول ولا ... تستعجلوا بعد فتح الباب واحتشموا
فإنه حَرَم ذو حُرمة ولئن ... لم يُلفَ لي حرمة فيه ولا حُرَم
ومنها
أن قلت سمّوا على مقامي ... فلست أعني سمّا يميته
وإنما القصد أن تقولوا ... تبارك الله عز صيته
ومنها
لا تنظرنّ ملاوصا يا زائري ... من ثَقْب مفتاحي إلى إعراضي
كالعرض لي عَرضي ومن ينظر ... إلى الإعراض لم يأمن من الإعراض
ومنها
بشرى لمن ينظر المفتاح في بابي ... دليل أني موجود بأثوابي
أو لا فإني في فرشي أغطّط أو ... إني خرجت وأمن الله أشعى بي
ومنها
أنا ساكن في غرفتي متحرك ... لزلازل العجلات تجري تحتها
لكن بحمد الله ليس بواطئ ... من فوق رأسي مَن يحاول نحتها
ومنها
стр. 288
إلى الله أشكو ما أرى تحت طاقتي ... أموراً غداً تكليفها فوق طاقتي
أرى كل يوم ألف ماش مخاصراً ... لأنثى على أني مخاصر فاقتي
ومنها
لي غرفة ما شأنها شيء سوى ... أن ليس تجري تحتها الأنهار
وغنيت عن هذا بما يجري ... من العجلات تحسد من بها الأقمار
ومنها
عجبت لكم يا قوم مع ضعف دينكم ... وشدة برد كيف لم تعبدوا النارا
كأني بكم تلهون عنها بحرّ من ... تذيقكم في حبها النار والعارا
ومنها
شرط الزيارة من بعد الطعام على ... حكم المزور وأن لا تمنع الشغلا
ومن يزرني صباحاً فهو في خطر ... أن لا أقول له أهلاً ولا سَهْلا
ومنها
رأوا دخان قميني صاعداً فجرى ... بالماء قوم ليطفوا سورة اللهب
فقال بعض أقينُ أنت قلت نعم ... أقين شعراً وعندي معمل الكذب
الفراقيات
خليلي لا تستنكر عائل الوجد ... إذا كنتما ممن درى لائع البعد
ولا تعذلاني في الغرام فأنني ... على خير ما أهوى غريم له وحدي
ومن ذا الذي يرضى البلاء لنفسه ... وتزكو له حال مع الحزن والسهد
وهل ينعمن عيشاً مُكابد وحشةٍ ... مشتت شمل ضائع والقصد
نأى سكني عني وعوّضت عنهم ... يحيرة مقت ليس قربهم يجدي
كأنَّ زماني شاء في كل حالة ... يراني فرداً يا لشأني من فرد
فماضي نعيمي لم يكن من مضارع ... له حيث هم في الحسن جلوا عن الندّ
فماذا دهاني بعد حظٍّ غنمته ... وقد كنت فيعيش بقربهم رغد
وماذا على الأيام لو كان طُولها ... له لا سواد من مطالعها يُعدي
أفي الناس مثلي في مقام فؤادُهُ ... وفي غيره جُثمانه واحدَ الفقد
وغيري أراهُ فاقد الوجد وهو في ... نعيمٍ له جَدّ مُعين بلا جِدّ
وهل في سبيل الله راحم لوعة ... تعاودني لا بل غرتني كالجِلد
وهل مبلغ عني النسيم تحية ... إليهم وما بي من غرام لهم يبدي
أهيم بما كانت تراه أحبّتي ... وأن يك من بعض الجماد أو الضد
وألهج بالقول الذي لهجوا به ... فتذكاره ذكرى وإيراده ورِدْي
يحق لي التشبيب ما دمت شاعراً ... بهم لا بهند أو بميّة أو دعد
ولو لم يكن لي مطمع في لقائهم ... لآثرت توسيدي مذ اليوم في لحدي
ولكنني أرجو زماناً يسرّني ... بهم عن قريب وهو أشهى المنى عندي
يقولون لي صبراً وكيف تصبري ... ولست إلى نور التبصّر أستهدي
لعمرك سلطان الهوى قاهرُ فما ... نجا من مغاويه الرشيد ولا المهدي
ألا ليت دمعي حيث هم واقفون قد ... جرى ولدي أقدامهم قام كالحد
فيمنعهم عن أن يسيروا ويبعدوا ... فحسبي من سير وحسبي من بُعد
أأحبابنا هل ودّكم بعدُ سالمُ ... وهل أنتم باقون مثلي على العهد
أرى بكم الدنيا وليست أراكمُ ... بها أن شأني اليومّ حَيْرة ذي الرشد
أتى العيد بالأفراح للناس كلهم ... وما اعتادني فيه سوى الهمّ والنكْد
وما لي لا أشكو وقد طال بُعدكم ... وما بيننا ما ليس يُبلَغ بالوخد
وماذا الذي أرجوه بعد فراقكم ... وعندي استوى شأنا الترفه والجَهْد
فيا حبذا عيد انبعاثي إليكم ... كما يُبعث الطيرُ الغليل إلى الورْد
ولو زارني قبل اللقاء خيالكم ... وعانقته ليلاً فلذلك من جدّي
إذا نظرت عيني البريد فأنّ لي ... لقَلباً من الأيْجاس يخفق كالبند
فإن كان لي منكم كتابُ لثمته ... وأقررته من بعد ذاك على كبدي
فما كان من آثاركم فهو مؤثّر ... على العين والعِينين والعَين والنقد
فليس سواه اليوم عندي تعلّة ... وما غيره أُلفى لحرّي من برد
وإن لم يكن تجرِ الدموع لما جوى ... وأرتدّ عنه كالعديم عن الرفد
وقال
أو ما كفاني اليوم طول تناء ... عمن أحب ولات حين لقاء
يا راحلين وفي الفؤاد مقامهم ... كم ذا أقول سكنتم أحشائي
ولكم أعاتب سوء حظي فيكم ... لكن دهري لا يجيب ندائي
سافرتم للبرء مما نالكم ... فمتى يكون بقربكم إبرائي
стр. 289
يتيح لي الزمان لقاءكم ... ويكف كف البين عن إيذائي
شرقتم فأنا بغُصَّة غربتي ... في الغرب ذو شرق وذو أشجاء
يا من يرق لذي جراحٍ مدنفٍ ... أنا ذو الجراح ملازم الأدواء
فصفن لي ما أنت واصفه لمن ... أشفى وكن فطناً إلى الأشقاء
لا يغررنَّك ما ترى من بزَّتي ... تحت القشيب طهامل الأعضاء
أنا والذي يحيي ويفنى لست في ... الهلكي أعدّ ولا مع الأحياء
أنا أن سلت عني الأحبة لم أكن ... أسلوهم في البؤس والضراء
إني على ما بي أرقّ لعاشق ... مثلي وأن هو كان من أعدائي
ما البعد يخمد نار شوقي إنما ... بُعد الغزالة علة الإحماء
ما أن يحل حشاشتي من بعدهم ... حب وليس يحلّ نسخ وفائي
حال الورى طُرّأ تحول وحالتي ... هي ما ترى في غدوتي ومسائي
الدمع موقوف على جريانه ... والعين مُعفاة من الإغفاء
وأرى الذي مثلي بكى من فرقة ... مع من مناه بعده ببكاء
عجباً لدهري لم يزل بي مُبْصراً ... وضناي وأراني عن الرقباء
عجباً لدمعي مدنفي استحمامه ... والناس يشفيهم حميم الماء
عجباً لعمري كيف طال من النوى ... والأرض ضاقت عن مدار رجائي
عجباً لليل الناس يسرع صبحه ... وصباح ليلي دائم الإبطاء
تبنى الرجاء خواطري فيه على ... اسّ المحال فبئس آسّ بناء
ويخيّل الشوق المقيم بأضلعي ... لي أنني مغف وهم ضجعائي
حتى إذا أصبحت بأنت إنها ... لي لم تكن إلاّ حبال هباء
يا أهل ودي ليس من داء لكم ... عدوى فعودوا وائمنوا من دائي
سقمي من الطرف السقيم ومنحلي ... الخصر النحيل عداكم أعدائي
ما أن أكلفكم سوى ذكر أسم من ... أهوى فحسبي ذاك عن أسماء
لو كان يجدي الفال كنت اليوم من ... أحظى الأنام وأسعد السعداء
إذ كل غاد باسمهم متفوّه ... أم ذاك وسواس الهوى الغواء
أم بعض ماذا الوجد يوجد أنه ... يُلهي بمعدوم من الأشياء
يا ليت قلب الناس لي أو جدَّهم ... إن عزّ طعن فالتزم عزاء
أوليت أحبائي بما بي قد دروا ... فيسارعوا شفقا إلى أنجائي
حاشاهم إن يهجروا كلفاً بهم ... يكفيه. ما يلقي من الإقصاء
ومع النوى يرى النوى سهلاً كما ... أن الدنوّ مع الجفوّ تناء
لهفي على زمن تولى وانقضى ... معه السرور لديهم وهنائي
فلأي بث بعدها ورزيئة ... أبقتني الأيام شرّ بقاء
كيف التصبر للفراق وما ترى ... عيني شبيههم من الأرناء
إن أشك لم أجد امرأ لي مشاكياً ... وشماتة المشكين شرّ بلاء
وإذا سكت توهم السلوان بي الرّأي ... وذلك دون فعل الرائي
يا ليت شعري ما أمال أحبتي ... عني من التحذير والإغراء
بخلوا عليَّ بنفحة من فيهم ... تأتي الصبا نحوي بها لشفائي
أن أستمر حديد قلبهم على ... نار الهوى بي لم يلن لدعائي
لعلهم وجدوا علي ملامة ... فأرتهم الحسنى من الأسواء
هبني أسأت فها أنا مستغفر ... والعفو مأمول من الكرماء
بُرْئي عليهم هين وهو الرضى ... سيّان فيه من دنا والنائي
إن لم يصرح فيه قول فلينب ... إضمار ذكر عنه فهو كفائي
أني بحسن القصد منكم قانع ... ولئن يكن قد فاتني إرضائي
وقال في المعنى
أتاني كتاب من خليل منمق ... على كل حرف منه حسن ورونق
تنشَّيْتُ وجدا إذ تنشَّيت عرفه ... ولم لا ومنه عاطر الورد يعبق
فيا حبذا ذاك العبير وحبذا ... نسيم به نحوي التباشيري يسبق
إلى الله أشكو ما لقيت من النوى ... وحرّ جوى كادت به النفس تزهق
أقمت وأحبابي ابروا وأبحروا ... على غير ما أهوى وشملي مفرّق
فما زلت مذ بانوا حليف صبابة ... إذ حان سبح كدت بالدمع أغرق
ففي قلبي المأسور أدّخر الهوى ... ومن طرفي المسجور دمعي أنفق
كئيب نحيل وأجد متشوف ... غريب عليل فاقد متشوق
ولست بذي صبر فيؤمل أجره ... ولست بذي سلوى إليه موفق
стр. 290
وليس بمأمون زماني على اللقا ... وهل يؤخذن يوماً على الدهر موثق
أحن إلى لقياهم متلهفاً ... إذا ما سميري النجم لاح واقلق
وإن ذرّ قرن الشمس أوهمت إنها ... تبلغني عنهم سلاماً وتنطق
فأني أرى فيها علامات حسنهم ... وفي كل حسن ذكر ما القلب يعشق
أعلل قلباً بالأماني هائماً ... ولم يبق فيه للتمني مصدق
يطير اشتياقاً بي إليهم وإنني ... أسير هوى فيهم ببيني موثق
ويخفق من ذكر أسمهم فكأنما ... يخيل لي أن مضجعي منه يخفق
وأسكب دمعاً كان يجري بقربهم ... فكيف وباب الوصل دوني مغلق
متى يجمع الله المحبين ساعة ... وحجب النوى بعد الوصال تمزق
ورب بعاد كان منه دوام ما ... يؤمل من قرب الأحبّة شيّق
فلله أسرار يعزّ بيانها ... وللدهر أطوار تسوء وتونق
وقال
أمودّعي والدمع كاد يحولُ ... ما بيننا ولظى الغرام تهول
كيف التصبّر بعد بعدك موحشا ... وبقيت لا أرب ولا مأمول
قد كان يشجيني غيابك ساعةً ... وأخال أن قد عزّ منك قفول
والآن غبت على حسابي صبابتي ... دهراً فليل المبتلين طويل
إن تنسَني أذكرْك أو إن تشجني ... أشكرك لست الدَّهر عنك أحول
يا ليت طيفك في الكرى يعتادني ... أو كان يغفى الطرف حين أليل
فلزوره منه أحبُّ إليّ من ... لذّات وصلٍ من سواك يطول
أذهلت في حُبّيك عن ألم النوى ... ولقد يريح العاشقين ذهول
إنسانُ عيني أنت جَيرٍ ومهجة ... للقلب ما لهما لديّ بديل
لو في رضاك بذلتُ كل جوارحي ... كنتُ الضنينَ وما بذلتُ قليل
ألقاك في كل الجمال مصوَّراً ... فيطول فيه مني التأميل
وإذا سمعتُ بمفرد في حسنه ... أيقنت في هذا لك التأويل
وأبيت أسال عنك سيّار الدجى ... لو كان ينفع سائلاً مسئول
يا فاتني بدلاله لم يبق لي ... في العيش بعدك بَتَّةً تعليل
ما كان غيرك مالئاً طرفي ولا ... أعتقد الضمير بأن سواك جميل
وإذا الورى شغلتهم دنياهم ... فأنا الذي بك دائماً مشغول
فيك الدليل على توحدّ مبدعٍ ... إن عزَّ عند الفلسفيّ دليل
أرسلتُ دمعي مع كتابي عالماً ... إن لا ينوب عن الحبيب رسول
يا عاذلين على الهوى لا تعذلوا ... فبلائي هذا أصله التعجيل
سبق الفؤادُ الطرف مني في الهوى ... فهويت فيه فعاذلي معذول
أسفاً على وقت الوصال فيا تُرى ... للبين يغدو مثله تأجيل
لولا ادّكار نعيمه لقضيت من ... مجد فكم بالوجد طُلَّ قتيل
ساعُ التعانق ليس يُنسي ذكرها ... وخطورَها بالبال قطّ حؤول
ولربَّ يوم مسرَّة يغنيك عن ... عمر بأكدار البعاد يطول
فَلا فطمنّ النفس عن لذَّاتها ... وليشجني بعد الغناء عويل
يا منكراً لحقيقة الغول اعتقدْ ... إنَّ النوى هي في الحقيقة غول
من لم يذُقْ ألم الفراق فما له ... يوماً إلى عتب الزمان سبيل
فلكل رزءٍ غيره سلوى لذي ... رشد وطبُّ بالعزاء كفيل
يا لوعة الشوق أسكني في مهجتي ... ما فاتني مَّمن أحبّ وصول
خفقَان قلبي من سكونك دائم ... ولعلّ عن كثبٍ بلاي يزول
هذا ما انتهى إلينا من أخبار الفارياق. مما أقضي الآن إيداعه بطون الأوراق. فمن شاء أن يدعو له أو عليه فجزاؤه يوم تلتفت الساق بالساق. ويقال إلى ربك يومئذ المساق. فأمّا من دعا له يعود زواجه هذه المرّة وفي الحياة أرماق. فإني أضمن له إن يدعوه إلى مأدبة حولها وفيها كل ما شاق وراق. مما ذكر في هذا الكتاب بالانتساق على سرر وأطباق.
ذنب للكتاب
ينتظم به لآلئ أغلاط الرؤوس العظام الأساتيذ الكرام مدرّسي اللغات العربية في مدارس باريس
стр. 291
قال الكسندر شدءزكو "Alexandre Chodzko" في فاتحة كتاب ألّفه في نحو اللغة الفارسية سنة ١٨٥٢ ما ترجمته "حصلت بلاد أروبا منذ زمن طويل على كل ما يلزم لعلم اللغات الشرقية إذ فيها خزائن كتب ومدارس وعلماء جديرون بإدارتها حتى أنه باعتبار فن أدب لغات آسية وما يلحق بها من الفلسفة والتاريخ أصبح أستاذ الفرس ومعلم العرب وبراهميّ الهند وبهم افتقار إلى أن يتعلموا من أساتيذنا كثيراً" "انتهى". وأنا أقول أن هذه الدعوى كذب ومن إفك وافتراء وترّهة وتزوير وبهتان وأبعاط وشحط وشطط وفرَظ وهِتر وعضيهة واختلاق وتزهق وتصلّف وتزبّب. وأن قائلها ينبغي أن يدمج مع من جهلوا أنفسهم في حد نبدي لأنه جهل نفسه بل حمل غيره أيضاً على الجهل بنفسه. أما أولاً فلأنه أي قائل هذه المقالة لا يعرف اللغات الشرقية ولا يعرف مقدار ما نتف منها هؤلاء الأساتيذ حتى يشهد لهم بالفضل والبراعة. وأنه في نقله للرسائل الفارسية التي أثبتها في كتابه أرتكب أغلاطاً كثيرة فاضحة سواء في النقل والترجمة. فمن ذلك قوله في صفحة ١٩٨ قانع صفصف وهي في الأصل قاع صفصف اقتباساً من قوله تعالى (ويَسألونَكَ عن الجبالِ قلْ يَنسِفها رَبيّ نسفاً فيذَرُها قاعاً صفْصَفاً) . فلما جهل المعنى بدّل قاع بقانع وترجمه باللغة الفرنساوية بقوله ويُقنع نفسه برمل البرّية. فكيف أستحلّ هذا العالم أن يملأ الكلام بالرمل واستكبر أن يسأل أحداً من أهل العلم عن المعنى. لكنها عادة له ولأسلافه ولأساتيذه في إنهم حين يشتبه عليهم المعنى يعمدون إلى الترقيع والترميق والتلفيق. والثاني إن هؤلاء الأساتيذ لم يأخذوا العلم عن شيوخه أي عن الشيوخ محمد والملاّ حسن والأستاذ سعدي وإنما تطفلوا عليه تطفلاً وتوثبوا توثباً. ومن تخرّج فيه بشيء فإنما تخرج على القس حنا والراهب توما والخوري متي. ثم أدخل رأسه في أضغاث أحلام أو أدخل أضغاث أحلام في رأسه وتوهم إنه يعرف شيئاً وهو يجهله. وكل منهم إذا درّس في إحدى لغات الشرق أو ترجم شيئاً منها تراه يخبط فيها خبط عشواء فما أشتبه عليه منها رقّعه من عنده بما شاء. وما كان بين الشبهة واليقين حدَّس فيه وخمّن فرجَّح منه المرجوح وفضل المفضول. وذلك لأنه لم يوجد عندهم من تصدّى لتخطئهم وتسوئتهم. وقد قال أبو الطيب:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الحرب وحده والنزالا
ولأنهم إنما اعتمدوا على اتصافهم بنعت مدرسين فاجتزأوا بالاسم عن الفعل وعن حقيقة ما يراد من التدريس. فإن المتصدي لهذه الرتبة الجليلة ينبغي أن يكون صادق النقل متثّبتاً في الرواية. متخرجاً من التهافت على ترجيح ما استحسنه هو دون مراد المؤلف. متروَّياً في سياق الحديث وسباقه وقرائنه وعلائقه. مضطلعاً باللغة والنحو والصرف والأدب. فأين هذه الصفات كلها من هؤلاء الأساتيذ كلام ذي جد فقد وجب عليك بعد قراءة جدول أغلاطهم الفاضحة أن ترجع عما تبهلقت فيه وتزببت من دون علم. وإن تكذّب نفسك في طالعة كتاب آخر تؤلفه في نحو اللغة العربية إن شاء الله. وإلا فإن أثم أفجاسك هذا في عنقك. فأما إن كان مزاحاً وأردت به السخرية من هؤلاء الأساتيذ المشاهير والأساطين المذاكير فهم أولى بأن يجيبوك. غير أني أراهم قد سكتوا عنك. فكأن دغدغة هرفك هذا لهم قد أعجبتهم. فما مثلك إلا مثَل ذلك الأبله الذي عشق امرأة ولم يقدر وصالها حتى أدفعه عشقها وهيَّمه فلم يستطع بعده حراكاّ. فعاده رجل داهٍ مثلك وأخذ يهنئه على قضاء وطره منها. فقال له الأبله كيف وأنا مغرم بها وكلما زدت شوقاً إليها ووجدا زادت أعراضاً عني وصدّا؟ قال قد رأيتك بعيني تعانقها بالأمس ثم خرجت من دارها وأنت مبتهج متهلل. ورآك غيري أيضاً وهم كثيرون. فإن أنكرت فها هم كلهم يشهدون لي، وما زال به حتى أقنعه وحمله على أن يسلوها. فأفاق من مرضه. إلا أن بينك وبين هذا الداهي فرقاص عظيماً وذلك أنه إنما استعمل دهاءه للإصلاح. وأنت إنما استعمله للإفساد. لأن كتابك هذا ربما يقع في يد بعض أرباب السياسة الذين يجهلون الفارسية والعربية. ولغفلته يظن أن مشايخ مصر وأساتيذ الفرس محتاجون الآن إلى أخذ العلم عن أصحابك. ومتى تهوّر أحد هؤلاء الوجوه في ضلال تهوَّرت معه الرعية بأسرها.
стр. 292
فأما قولك إن في البلاد الإفرنجية خزائن كتب كثيرة. كأنك تقول أنه يوجد فيها من الكتب ما لا يوجد في بلادنا لأن نوّاب الدول لا يزالون يشترون من بلادنا أنفس الكتب. فهو ليس بدليل على وجود العلم عند وجود الكتب فأين حمل الأسفار هداك الله من العلم. لأن العلم في الصدور لا في السطور ولكن أفدني ما بال هؤلاء الأساتيذ لم يؤلفوا في اللغات الشرقية شيئاً قط. فغاية ما صنعوا إنما هو أحدهم ترجم من لغتنا لغة الأطيار والأزهار فخمن فيها وحدس ما شاء. وآخر ترجم محاورة يهودي وأحمق من التجار. وآخر مسخ أمثال لقمن الحكيم إلى الكلام الركيك المتعارف في الجزائر. وآخر تعنّى لطبع أقوال سخيفة من رعاع العامة في مصر والشام. وترك ما فيها من اللحن والفساد كما هو استذراعاً بقولة كذا رأيتها في الأصل. فيظن بذلك إنه تنصل من تبعة اللوم والتنفيذ. فما سبب هذا التهافت على ترجمة مثل هذه الكتب وطبع مثل هذه الأقوال من لغتنا إلى اللغة الفرنساوية سوى توحُّم ملفقيها على الانخراط فيسلك المؤلفين. ولمَ لم يتعن أحد منهم لترجمة شيء من الكتب الفرنساوية إلى العربية ليظهر براعته في هذه حالة كونه شيخ طلبتها وإمام آمّيها. على أن في اللغة الفرنساوية كتباً جليلة القدر في كل فن. وأعجب من ذلك إنه لم يخطر ببال أحد منهم قطّ أن يترجم نحو لغتهم إلى لغتنا. فهل من سبب آخر غير التحذّر من أن يعرّضوا أنفسهم للتحقيق والتنفيد والتحمير. فإن عبارة النحاة والمعرّبين لا بدّ من أن تكون محرّرة صحيحة ولا عذر لهم معها أن يقولوا كذا وجدناه في الأصل. ويا ليت شعري ما الفائدة في كون أحد هؤلاء الأساتيذ يؤلف كلاماً معلسطاً فاسداً في لغة أهل حلب ويسميه نحواً. ثم يذكر فيه انجق بيكفي وايشلون كيفك خيّو وهلكتاب وقوي طيب. وفي كون آخر يكتب بلسان أهل الجزائر كان في واحد الدار طوبات بالزاف الطوبات كشافوا وكيناكل وراهي وانتينا وانتيَّا ونقجم وخّمم باش وواسيت شغل المهابل ويوالم أي يلائم وماجي أي جاء وكلي أي كأنه وحرامي أي بستاني والستاش أي السادس والدجاجة ترجع تولّد زوج عظمات وما أشبه ذلك من المشّو. فما بالكم يا أساتيذ لا تؤلفون كتباً بكلامكم الفاسد الذي تسمونه بنّوى. وهل تشيرون على عربيّ أقام بمرسيلية مثلاً أن يتعلم كلام أهلها أو كلام أهل باريس. ولو كان فعلكم هذا فعل رشيد لوجب أن تقيدوا جميع الاختلافات والفروق الموجودة عند المتكلمين بالعربية. فإن أهل الشام يستعلمون ألفاظاً لا يستعملها أهل مصر. وقس على ذلك سائر البلاد الإسلامية. بل أن لأهل صقع واحد اصطلاحات شتى. فكلام أهل بيروت مثلاً مخالف لكلام أهل جبل لبنان. وكلام هؤلاء مخالف لكلام أهل دمشق. وذلك يفضي بكم إلى هوس وإلى إفساد هذه اللغة الشريفة التي من بعض خصائصها إنها بقيت ثابتة القواعد قارّة الأساليب على انقراض جميع ما عداها من اللغات القديمة. وإن المؤلفين فيها يومنا هذا لا يقصرون عن أسلافهم الذين انقرضوا مذ ألف ومايتي سنة. فهل حسدتمونا على ذلك وحاولتم أن تحيلوها وتلحقوها بلغتكم التي لا تفهمون ما ألف فيها مذ ثلاثمائة سنة. ويا ليت شعري هل تأذن أرباب السياسة عندكم لرجل أراد أن يفتح مكتباً يعلم فيه الصبيان في أن يتعاطى ذلك من دون أن يُمتحن اوّلاً. فمن الذي امتحنكم أنتم ووجدكم أهلاً لهذه الرتبة التي هي أرفع من رتبة معلم كتَّاب ومن ذا الذي عارض ما ترجمتم ولفّقتم ورمقَّتم بالمترجم منه. وكيف رُخصَّ لكم في أن تطبعوا ذلك من دون الوقوف على صحته. ولعمري أن مدرساً لا يحسن أن يكتب سطراً واحداً صحيحاً باللغة التي يعلّمها لجدير بأن يرجع إلى المكتب من ذي أنف. على أن من هؤلاء الأساتيذ من لا يفهم إذا خوطب فضلاً عن جهل التأليف. ولا يفهم إذا قرأ. ولا يقوّم الألفاظ في القراءة وقد سمعت مرة بعض التلاميذ يقرأ على شيخه في مقامات الحريري ولا يكاد ينطق بحرف واحد نطقاً بيّناً من هذه الحروف التي خلت منها لغتهم. وهي الثاء والحاء والخاء والذال والصاد والضاد والطا والظا والعين والغين والقاف والهاء. وشيخه ساكت لما أنه يعلم أن تصحيحه له لا يكون إلا فاسداً. فكيف يمكن لمن لم يسمع اللغة من أهلها أن يحسن النطق بها. كيف لا وأن من ألف منهم في نحو لغتنا شيئاً فإنما بنى نحوه كله على فساد. فإنهم يترجمون عن الجيم بلساننا
стр. 293
بحرفي الدال والجيم بلسانهم. وقد جهلوا إنه ليس عندنا في العربية حروف مركبة كما في اليونانية. فإن الابتداء بالساكن مرفوض عند العرب إذ لم نقل إنه، ويترجمون عن الثاء بالتاء وعن الذال بالتاء والزاي وكذا عن الظاء. فأما سائر الحروف فالعين والهاء والحاء عندهم همزة والخا كاف والصاد سين والضاد دال والطاء تاء والقاف كاف. وينطقون بالسين إذا تقدمتها حركة كالزاي وعلى ذلك المطران الخطيب اقطعوا الأزباب كما مرّ. فأما الهمزة فإنها وأن وقعت عندهم في أوائل الألفاظ فلا تقع متوسطة ولا متطرفة ولا يمكنهم النطق بها إلا مليَّنة. بل أعظم مؤلفيهم لا يدري أن الألف في أول الكلام لا تكون إلا همزة. وليس الغرض هنا تعليمهم الهمز فإنهم همازون. وإنما الغرض أن أبيّن لهذا الرملي الهارف المتملق مناضلة عن شيوخي الذين أخذت عنهم من العلم ما أخذت إن شيوخه لا يحسبون في عداد العلماء وإنه ليس من علماء مصر وتونس والغرب والشام والحجاز وبغداد من هو محتاج لأخذ حرف واحد عنهم. نعم أنَّ لهم باعاً طويلاً في التاريخ فيعرفون مثلاً أن أبا تمام والبحتري كانا متعاصرين. وأن الثاني أخذ عن الأول. وأن المتنبي كان متأخراً عنهما. وأن الحريري ألَّف خمسين مقامة حذا بها حذو البديع وما أشبه ذلك. إلا أنهم لا يفهمون كتبهم. ولا يدرون جزل الكلام من ركيكة وثبته من مصنوعه. ولا المحسنات اللفظية والمعنوية. ولا الدقائق اللغوية. ولا النكات الأدبية ولا النحوية. ولا الاصطلاحات الشعرية. فغاية ما يقال إنهم نتفوا نتفة من علوم الصرف بواسطة كتب الَّفت بالفرنساوية. فهل يسلّمون لعربي تعلّم لغتهم من كتب لغته بأنه كعلمائهم وإنهم محتاجون إلى التخرج عنه. ثم لا ينكر أيضاً أن مسيو دساسي "De Sacy" حصّل بقوة اجتهاده ما أقدره على فهم كثير من كتبنا بل على الإنشاء في لغتنا أيضاً ولكن ما كلّ بيضاء شحمة. على إنه ﵀ لا يُنظم في سلك العلماء المحررين. فقد فاته أشياء كثيرة في الأدب واللغة والعروض. وأني طالما والله أثنيت على براعته وأعظمت علمه وفضله. إلا أنه لما صارت مهارته وبراعته هذه سبباً للفساد فإنها هي التي جرّأت غيره على التصدر للتدريس بلغتنا وسوَّلت لهذا المفتري أن يتطاول على أهل العلم، كان من الواجب عليّ رعاية لحق العلم وأهله أن أسطر أسمه من بين أسماء الشيوخ في البلاد الإسلامية كافة. فدعا لمن تترس باسمه واستذرع بعلمه عن الدعوى والانتحال ولولا فحش قول هذا النقّاع المتحذلق وكذب دعواه لما تعرضت لتخطئة أحد منهم. فإني أعلم إنهم لن يرعووا عن غيّهم وما يزيدهم كلامي هذا إلا غروراً. بل الشيوخ الذين قضوا عمرهم في طلب العلم يتوّرعون من أن يقولوا مقالته. لأن الإنسان كلما زاد علمه زادت معرفته بجهله. ولعل كتابي هذا يقع في يد أستاذ فارسي أو هندي فيكون باعثاً لهما على الانتداب لتخطئتهم أيضاً في هاتين اللغتين. لأني أعلم عين اليقين إنهم فيهما أشد جهلاً. لأن الذين سافروا منهم إلى بلاد العرب أكثر من الذين سافروا إلى غيرها. ومع ذلك فلم يتعلموا منها سوى الركاكة والخطل وأعلم أيها القارئ العربي إني لم أجد من بين جميع ما طبعوا بلغتنا جديراً بالانتقاد سوى مقامات الحريري. وإني لضيق وقتي حالة كوني على جناح السفر لم يمكن لي النظر إلا في أبيات الشرح فقط. وقد وكلت غيري في نقد الباقي كما وكلني العلماء في نقد الأبيات ثم عثرت بعد ذلك برحلة العالم الأديب الشيخ محمد بن السيد عمر التونسي مطبوعة على الحجر عن خط مسيو بيرون وقد شحنها كلها بالتحريف والغلط مما لا تصح نسبته إلى أدنى تلامذة الشيخ المذكور. أيمكن لأحد من الطلبة فضلاً عن العالم أن يقول جوده ناسخ لكل الوجود أي لكل الجود. وإن يكتب العصا بالياء غير مرة- وأعلى أفعل التفضيل بالألف نحو عشرين مرة- ونجا باليا- واتعمى العالمون الضياء أي أيعمى العالمون- وآمنين مطمئنين حاله كونهما مرفوين- وفلاحين مصر- ومحموين السيرة- واستوزر الفقيه مالك- ولا يعصا- ولا أرى سوء رأيك أي لا أرى سوء رأيك ويتعدا رأيه - وأنني عشر ملك - ومن حيث أن أبا ديما والتكنياوي متعادلين لم أي متعادلان فلم - وتجد الرجال والنساء حسان - ودعى لنا - وعجوبة - وصواحبتها وصواحباتها - ولغة فيها حماس - وأنهما متقاربتي المعنى - وحتى تأتي أرباب الماشية فيقبضون
стр. 294
- فهل أحدى منكم - ويرفعون أصواتهم بذلك حتى يدخلون - وماشيين - والمسميين - وحتى يشقون - ومنحنيون - وأنهم يكونوا - ولا اعتاض - أي لأعتاض. أو أنه يجهل بحور الشعر فيجعل الكامل هزجاً والطويل مديداً وما شبه ذلك. ومن العجب أن الشيخ الموما إليه أورد هذين البيتين وهما:
أبرك الأيام يوم قيل لي ... هذه طيبة هذه الكُشُبُ
هذه روضة طه المصطفى ... هذه الزرقا لديكم فاشربوا
قال والياء في هذي بدل عن الهاء فلما قرأهما بعض التلامذة على مسيو كُسان دو برسفال "Caussin De Perceval" أحد المدرسين العظام أصلح قوله طه بوطا وفسرها بوط الرجل. وأبدل الهاء من قوله هذه الزرقا ياء وذلك لقول الشيخ والياء في هذي بدل عن الهاء فانكسر الوزن. وترك لفظة الزرقا غير مصححة فإن مسيو بيرون وضع بعد الألف همزة فانكسر بها الوزن أيضاً. وحق وط أن تكتب بغير ألف.
تم الذنب
تنبيه من عادة الأساتيذ المزبورين ومن أشبههم ممن ألف في العربية شيئاً أن يعتذروا عن أغلاطهم الفاضحة بالتورك على الطبّاع أو على صفّاف الحروف بأن يقولوا أن وقوع الغلط إنما ينشأ عن جهلهما باللغة كما ذكر لي ذلك الكنت الكس دكرانج "Allix Desgrange" نقلاً عن الأستاذ كسان دبرسفال وهو عذر أقبح من ذنب فإن الصفّاف كيفما وجهته اتجه ومهما ترسم له يمتثله ألا ترى أن المسيو بيرو "M. Perrault rue de Castellane ١٥ Paris" ومع كونه لم يعرف من اللغة العربية شيئاً فقد امتثل كل ما رسمنا له في كتابنا هذا من التصحيح والتبديل بغاية التأني وبذل مجهوده في صف الحروف وجودة الطبع حتى جاء بحمد الله أحسن ما طبع بلغتنا في البلاد الإفرنجية فلهذا ننوه باسمه عند كل من شاء أن يطبع شيئاً بالعربية ولا شك أنهم يحمدون سعيه ويرضون عن صنعه وإن لم يكن في المطبعة السلطانية وكفى بحسن العمل وصاة.