Полный текст (294 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ثم لما مضت مدة على الفارياقية في بلاد الفلاحين حيث لا أنس للغريب ولا حظ غير خضرة الأرض عيل صبرها وضاق صدرها وعرتها السآمة والقلق. فقالت لزوجها ذات يوم: يا للعجب من هذه الدنيا ومن أحوالها. واعجب ما فيها هذا الحيوان الناطق الماشي على ظهرها كف تمر عليه الليالي والأيام والأماني تغره. والآمال تشغله وتعلله. وكلما جرى وراءها ليدركها تقدمته وبعدت عنه كظله. وكل يوم يحسب إنه في يومه أعقل منه في أمسه. وإن غده يكون خيراً من يومه.
قد كنت احسب ونحن في الجزيرة أن الإنكليز احسن الناس حالاً. وانعم بالاً. فلما قدمنا بلادهم وعاشرناهم إذا فلاّحوهم أشقى خلق الله. انظر إلى أهل هذه القرى التي حولنا وأمعن النظر فيهم تجدهم لا فرق بينهم وبين الهمج. يذهب الفلاح منهم في الغداة إلى الكد والتعب ثم يأتي بيته مساء فلا يرى أحداً من خلق الله ولا يراه أحد. فيرقد في العشاء ثم يبكر لما كان فيه وهلم جرا. فهو كالآلة التي تدور مدارا محتتنا فلا في دورانها لها حظ وفوز ولا في وقفها راحة. فإذا جاء يوم الأحد وهو يوم الفرح واللهو في جميع الأقطار لم يكن له حظ سوى الذهاب إلى الكنيسة. فيمكث فيها ساعتين كالصنم يتثاءب ساعة ويرقد أخرى ثم يعود إلى بيته. فليس عندهم مثابة ولا موضع للسمر والطرب. وليست أيضاً عيشة المتمولين في الريف بأنعم من عيشة الفلاحين إذ لا يعرفون من المطاعم غير الشواء وهذا القلقاس. ولكن هيهت أين المتمولون في القرى فإنك لا ترى فيها مثريا إلا القسيس وخولي الأرض وهو الذي يضمن المزارع والحقول من مالكها. وهما أيضاً بمثابة الفلاحين.
стр. 247
ومع ذلك فإذا دخلت قصور الملوك وطفت في أسواق المدن وعاينت ما فيها من الصنائع البديعة والتحف العجيبة والآلات الظريفة والفرش النفيس والثياب الفاخرة والأواني المحكمة ولا سيما مدينة لندن، علمت أن صناعها هم القائمون بالدنيا وهم منها محرمون فإن دأب الصانع كدأب الفلاح من جهة إنه يشقى ويكدّ النهار كله ولاحظ له في الليل سوى إغماض عينيه. فكيف يزين هذا الصنف من الناس هذه الدنيا ويبهجونها ويعمرونها وهم عطل عنها ومحدودون منها. والمترفون فيها لا يحسنون عمل شيء وربما لم يكونوا أيضاً يحسنون الكلام. وإذا كان الناس عباد الله في أرضه على اختلاف أحوالهم ومراتبهم هم كالجسم الواحد باختلاف ما فيه من الأعضاء الجليلة والحقيرة فلم لا يجري العدل بينهم كما يجري بين الأعضاء. فإن الإنسان إذا أكل شيئاً أو لبس شيئاً فإنما يفعل ذلك يفعل ذلك لإصلاح الجسم كله. أم يزعم المثرون إذا وسعوا على هؤلاء الضناك الصعاليك. ونفّسوا عنهم الكرب الذي يكابدونه من جهد المعيشة ومن عدم قدرتهم على تربية أولادهم أنهم يحملونهم على إهمال شغلهم وعلى تركهم الأرض بوراً فتتعطل وتمحل فيهلكون جوعاً فما بال ذي الدولة إذا يولي المبالغ الجسيمة والجوائز الجزيلة لمن يقلده عملا ويرقيه مرتبة ولا يخاف أن يفسد عليه بكثرة ما يعطيه. لا بل أن الفقير إذا كفاه واليه أو سيده المؤونة وهو شيء بالنسبة إليه هيّن فإنه يؤدي ما يجب عليه من الخدمة والعمل عن طيب نفس. ويدعو له بزيادة الخيرات والبركات بدل ما إنه يبيت الليالي شابحا يديه بالدعاء عليه لتيقنه إن حقه ضائع عنده وأن هزاله وضواه ذاهب في تسمين غيره. وفي حمله على البطر والعتو واقتناء ما لا تلزم قنيته من الخيول المطهمة والمراكب النفيسة والأثاث المنضد. فيأكل الغني لقمته والحالة هذه مغموسة بدعاء الفقير عليه. أم يحسبون أن الله تعالى إنما خلق الفقراء لخدمتهم فقط. لعمري أن حاجة الغني إلى الفقير أشد حاجة الفقير إلى الغني. أم يأنفون من النظر من مقامهم الرفيع السامي إلى ذوي الضعة والخمول خشية أن يسري إليهم من بؤسهم ما يسوءهم. كمن ارتقى شرفاً باذخاً وتحتح هوّة عظيمة فهو يأبى من أن يتطأطأ وينظر إليها لئلا يلحقه من ذلك دوار أو غشيان فيهبط من شرفه. ليت شعري هل جرب الأغنياء حينا من الدهر أن يسعدوا الشقي بمالهم. وينعشوه برفدهم. ثم وجدوه مقابلا نعمتهم عليه بالكفران والبطالة وبإهمال ما فرض عليه من قبل الله والطبيعة. وإنما هو محض وهم دخل في رؤوسهم مع الرحيق فخرج هذا ولم يخرج ذاك. ألا فليمكنوه من أن يذوق لذة العيش ويرى الدنيا كما هي عليه شهراً واحداً في عمره في الأقل أو يوماً في العام حتى يموت راضياً قرير العين. وإذا كانوا يخشون منه الفساد لكسله وتعطله. فخوفهم من فساد نيته لفقره ومن كراهته إياهم أولى. لأن الشقاوة ادعى إلى الفساد من السعادة.
стр. 248
إلا ترى إلى هؤلاء الألوف من البنات اللائي يجرين في أسواق لندن وجميع المدن العامرة بأخلاق من الثياب، كيف يتهافت على الرائح والغادي رجاء أن ينلن ما يتقوّتن به ويتجملن به من الثياب. ولا سيما هؤلاء النواشي اللائي لم يبلغن بعد عمر خمس عشرة سنة. فهذا لعمري الاهتجان بعينه. فكيف يعيبون علينا هذه العادة في بلادنا وهي مستعملة عندنا على وجه الحلال وعندهم بالحرام. فلو كنّ مكفيات المؤونة لما فعلن ذلك. لأن البنت في هذا الحدّ من السن لا تكرع إلى الرجال. ولا تبضع للبعال. ولا سيما في البلاد الباردة. ولسلم من كيدهن وتهافتهن جشعاً إلى المال أناس كثيرون جلب عليهم شرههم إليهن مضارّ كثيرة. وماعدا ذلك فإن هؤلاء البنات الحسان لو كانت الدولة وأهل الكنيسة يُعنون بتجهيزهن بما يقدرن على الزواج الشرعي بعد تربيتهن وتهذيبهن، لكنّ يلدن الأولاد الصباح فيزين المملكة بإثمار أرحامهن كما تقول التوراة. بخلاف ما إذا بقين على حالة السفاح فما يتولد منهن إلا الخبائث والرذائل. فهن كالشجرة الناضرة التي فضلاً عن كونها لا ثمر تلثى بالسم الناقع لمن تذوقها. وكم لعمري من بنت حبلت أوّل مرّة من مبادئ شوطها في ميدان العهر. ثم أسقطت جنينها خوف الفقر. وأن منهن لمن تلد في طرق المدينة في ليالي الشتاء الباردة لعدم مأوى لها. أو أنها تبيت مع بنت أخرى على فراش واحد وهي عادة مستفيضة في لندن. وذلك لعدم قدرتها على أن تستقل بفراش وكنّ خاصّ بها. فلا تأمن والحالة هذة من أن يلحقها أذى من ضجيعتها ليلاً. نعم أن أولاد الزنا يأتون في الغالب شياظمة جبابرة كيفتاح الجلعادي الذي حلّ عليه روح الرب فأنقذ إسرائيل من بني عمون. وكوليم الفاتح الذي فتح هذه البلاد أي بلاد الإنجليز. إلا أن النفع الأكثري مع الاقتصاد والاعتدال أحق بالمراعاة والتقديم من النفع ألا ندريّ مع الإسراف والأرغال أليس يعاب صاحب أرض أريضة يغادرها بوراً ومتمرغاً للوحوش. أو صاحب أشجار مثمرة يتركها دون سياج ولا ناطور عرضه لهم كل متفكة.
стр. 249
نعم لا ينكر أن وجود الغني والفقير في الدنيا لا بدّ منه كوجود الجميل والقبيح. ولولا ذلك لوقف الكون عن الحركة وتعطلت المصالح كما أفاده المتكلمون. إلا أن الكلام هنا في الفقر الذي لا يقال فيه أنه عيش مؤدّ إلى الشره والبطر. لا في الفقر المدقع الذي يلقي الهموم والأحزان الدائمة في قلب صاحبه. فيفضي به مرة إلى الانتحار ومرة إلى الإغراق أو الخنق كما شاع فعل ذلك في هذه البلاد. أليس من العار على الرجال في هذه الأرض ارض العلوم والصنائع والتمدن والتحضر انهم لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان عندها الجهازان. وأقبح من ذلك أن الكبراء هنا لا يتزوجون عن حب بل عن طمع في زيادة المال. فإن من كان دخله مثلاً مائة دينار في كل يوم يريد أن يتزوج من دخلها مائة دينار أيضاً تماماً. ولو كان تسعة وتسعين لم يصح. ولذلك فكثيراً ما ترى شاباً جميلاً قد تزوج نصفاً شوهاء. وهيهات فإن الرجال هنا أكثرهم مصاييف. أي لا يتزوجون إلا إذا دخلوا في حّيز الكهول فيقضون شبابهم في السفاح ومن حدّ الثلاثين والأربعين في البحث عمن عندها جدة وغنى. وتبقى الجميلة الفقيرة كاسدة وما عليهم من الاصافة من عار. مع مراعاة الولد في حق الزوجية من اعظم الأسباب الباعثة على الزواج على ما ذهب إليه الربانيون. وإن يكن توزيع الولد يتمّ بمرة واحدة في مدة تسعة أشهر. أعني أن أولاد النصف الشوهاء لا يأتون صباحاً أصحاء كأولاد الفتيّة الجميلة. وفضلاً عن ذلك من تزوج وهو في سن الثلاثين سنة مثلاً امرأة في سن ثماني عشرة فمتى بلغ الخمسين وكانت امرأته بعد لفوتاً متلعجة كان له من ولده رقيب عليها. فلأي شيء زيادة المال لمن أغناه الله بفضله. ومن يكن له في كل يوم مائة دينار فما الفرق بينه وبين من له خمسون أو عشرون. فإن من لم يكتف بهذا القدر لم يكفه ملء الأرض ذهباً. هذا وإن المرأة إذا كانت غنية فلا بدّ وأن يتبع غناها عناء. لأنها تتعمدّ حٍ الولائم والمآدب والمحافل وأن تزور وأن تزار. وأن تتخذ لها من الخدام من تقر عينها بترارته وبضاضته.. وكلما اختلج منها عضو تمارضت وتوحمت على السفر أو الأرافة. وهناك حالة كون زوجها فائر الدماغ بالأمور السياسية أو البواعث المالية ي مقره تخلو بمن تخلو وتلهو بمن تلهو. وبيد خادمها من الدينار ما يعمي عينيه ويصمّ أذنه ويقطع لسانه. أليس هؤلاء الأغنياء يُمنون بالأمراض والأدواء كالفقراء. أليس الموت يفاجئهم وهم في غمرة لذاتهم منهمكون. وإن كثيراً منهم لسرفهم ورغبتهم ونهمهم وفسادهم واستهتارهم في الشهوات يموت عن غير ولد. أو أنه إذا رزق ولداً يعيش ما عاش ضاوياً نحيفاً شقوة له وكمدا على أبويه. وقد قال أحد مؤلفيهم أن من ترى من أولاد الأعيان والأمراء هنا تاراً قوياً فإنما هو من إِلقاح بعض الحثم. وترى أولاد الفلاحين صباحاً أقوياء الرطب واليابس. ولعمري لو لم يكن لهم هذا الجزاء من الله تعالى أي رؤية أولادهم حولهم معافين محببين لكانوا في عداد الموتى.
كيف بُني هذا العالم على الفساد. كيف يشقى فيه ألف رجل بل ألفان ليسعد رجل واحد. وأي رجل. فقد يكون له قلب ولا رحمة. ويدان ولا عمل. ورأس ولا رشد ولا نهية. وكيف يقع هذا في البلاد التي ضربت بعدلها الأمثال. لا جرم أن فلاح بلادنا اسعد من هؤلاء الناس بل التجار هنا أشقياء على غناهم وثروتهم. فإن أحدهم يقضي النهار كله وهزيعاً من الليل واقفاً على قدميه. وقد سألت واحداً مرة فقلت له لم لا تقعد على كرسي وعندك كراسي كثيرة. فقال لي أنها للذين يشرفوننا بالزيارة ليشتروا من عندنا. فإذا قعدت مثلهم صرت منهم. فأما في يوم الأحد فيلبثون خدري الأبدان والأفكار. سدري البصائر والأبصار فأين هذا من التاجر عندنا يعقف إحدى رجليه على الأخرى بعض ساعات على أريكته. ثم إِذا حان العصر كبّب جبته وراءه وذهب إلى بعض المنازه وهو يمشي الخيلاء. فإن كان التمدن والعلم قد سبب هذا فالجهل إذاً سعادة. غير أن الفلاحين هنا في غاية الجهل زيادة على بؤسهم.
стр. 250
ومن أين يأتيهم العلم وهم ملازمون للكدّ والترقح وليس عندهم مدارس. قد كنت أظن إنهم جميعاً يحسنون القراءة والكتابة فإذا هم لا يحسنون النطق بلغتهم. فإني أقرأ في الكتاب شيئاً واسمعه منهم مخالفاً لحقيقة استعماله. وناهيك أن أكثرهم لا يعرف اسم بلادنا ولا جنسنا. وقد قيل لأحدهم مرّة أن الملك أمر بتسفير خيل في سفن لحرب العدو. فقال أني اعجب كيف يقاتل الناس في البحر على الخيل. وكأني بهم لجلهم يحسبون أن سكان الأرض بأسرها دونهم. أو يظنون أن الرجال في غير البلاد يبيعون نساءهم أو يأكلونهن أكلاً. أو إنهم يتقوتون بالجذور والبقول. ولو إنهم عرفوا أحوال الأمم وخصائص البلدان لعلموا إنه لو كان لهم من لذات العيش أضعاف مالنا مع شدة بردهم ومنكر هوائهم ودكنة جوهم لما وفي ذلك لهم. وإن غناء الصنعة عندهم لا يقوم مقام غناء الطبيعة عندنا من طبيب الهواء والماء وصفاء الجو وزكاء الأرض وعذورها ومراءتها ولذة المطعوم والمشروب والتنزه في الرياض والحدائق. والأكل عند المياه الجارية تحت الأشجار الناضرة والتردد على الحمامات والسهر في السمر واستماع آلات الطرب. يعرف ذلك منهم من زار بلادنا وألف حظنا ونعيمنا. غير أن اللبيب من استخرج من كل ضر نفعاً، وأعتبر بكل ما جرى عليه فاستفاد وارعوى.
قد تعلمت الآن مما لقيت من الوحشة في بلادهم كيف أعيش في بلادنا أن رجعت إليها سالمة. وكيف أن الطخطخة والقرقرة والهزر والكركرة والتجلق والهرهرة والأغراب والكدكدة والآهى والهزرقة والأنزاق والزغربة وطيخ طيخ وعيط عيط وتغ تغ وهاه هاه لأفْرج للهم عن القلب من أواني موضونة ومباني مرصونة. فخير البلاد ما ألفت هواءها وألفيت فيها مخلصاً لك ودّه. وكيف يكون خلوص الود من دون كشف السرائر. وكيف تنكشف السرائر وتعلن الضمائر من دون إطلاق اللسان في ميدان الكلام. والقوم هنا يتكتمون ويرون أن في ذكر الإنسان ما يحس به وما يحبه وما يكرهه طيشاً وهوجاً. إنما مثلي كمثل الثعلب الذي كان يسمع لطبل تضربه أغصان شجرة صوتاً عظيماً. فلما أتاه وعالجه حتى شقه وجده فارغاً. لا جرم لا عدت أملك خاطري سمعي. أو كراكب البحر وهو ظمآن يرى الماء حوله ولا يمكن أن يروي غليله منه. إني أرى وجه الأرض هنا أخضر ولكن لا شيء من هذه الخضرة يبيّض الوجه عند الأكل. إذ ما به من الطعب شيء لأن كل ما ينبت عندهم فإنما تغصب الأرض تنبيته غصباً من إفراط التدميل. فلو كان أحد هنا من اللاطة لسألناه عن طعم بقولهم ما هو. هذا ما عدا خلطهم المأكول والمشروب وغشهم وإفسادهم ما من الله تعالى به عليهم سائغاً طيباً. وناهيك أن الخبز الذي هو قوام هذا البدن لا طعم له. فإنهم يخمرونه برغوة نبات ويخلطونه بهذه البطاطا ثم يخفقونه بعد الاختمار خفقاً. فماذا يفيد القائل قوله إني كنت في بلاد الإفرنج وهو لم يجد فيها إلا الوحشة والنكد. بل ذكر ذلك له فيما بعد غصّة. إلى مصر إلى الشام. إلى تونس ذا العام. فهناك تلقى من يزورك أو تزوره. وهناك تلقى البشر دون تصلُّف والفضل دون توقف وتكلف. إلى آخر ما ذكرت لي من التأنف والتأفف. لا يطيب العيش للإنسان إلا إذا كان يتكلم بلغته. ليس العيش بطول الليالي ولا بكثرة الأيام ولا برؤية أرض خضراء ولا بمشاهدة أدوات وآلات. وإنما باغتنام أنس الأحباب. وعشرة ذوي الآداب الذين تصفو منهم السرائر في الحضرة والغياب. وتخلص لك مودتهم في الابتعاد والاقتراب. إنما الدنيا مفاكهة. قال فقلت ومناكهة. قالت ومنادمة قات ومشامة. قالت وملاءمة. قلت ومطاعمة. قالت وملاينة. قلت وملاسنة. قالت ومطايبة. قلت ومراضبة. قالت ومخادنة. قلت ومحاضنة. قالت ومراءمة. قلت ومفاغمة. قالت وملاطفة. قلت وملاغفة. قالت ومخالقة. قلت ومعانقة. قالت ومحاضرة. قلت ومحاصرة. قالت ومباغمة. قلت ومكاعمة. قالت ومعاشرة. قلت ومشاعرة. قالت ومؤانسة. قلت وملامسة. قالت ومساجلة. قلت ومباعله. قالت ومخالطة. قلت ومخارطة. قالت ومطارحة. قلت ومشارحة. قالت ومجارزه. قلت ومراهزة. قالت ومداعبة. قلت ومزاعبة. وهنا كان ختام الملاعبة.
مقامة ممشية
стр. 251
حدس الهارس بن هشام قال. كنت سمعت كثيراً عن النساء حتى كدت أمنى بالنساء فمن قائل أن المحصن أطيب من العزب. وأسلم عاقبة من المزاحمة على منهل دونه مذب. أو المكابدة لِلْوب واللهب. أو التعرض للتجبية والعطب. وأنه كلما صدى قلبه من الكرُرَب، جلاه بابتسامة من زوجه عن شنب وارتشافه من رضاب كالضْرَب. وسماع نامة تغني عن آلات الطرب ومدام ذات حبب. فإن مما خص الله تعالى به المرأة من المزايا، وفضلها به من السجايا أن صوتها الرخيم لا يمرد عليه نكد. ولا يبدو معه هم وكمد. فأول ما تحرك شفتيها. تسكن القلوب إليها. وعند مغازلة عينيها، تنهال المسرات على من هو بين يديها. فيحنبش ويمحش. ويحفش وينتعش. ويدركل ويدرقل. ويسجل ويدوقل. ويبحشل ويدربل. وحين تمشي في بيتها متبدحة. تقول لها الأقدار فديناك من مغناج مرحِة. إن شئت رفعنا زوجك إلى قرن الغزالة. لينعم بالك بأحسن حاله. وإن شئت بقاءه عندك الليلة. لم تُعينا من ذاك حُويلة. وإن شئت أن نزيّن له السفر عاماً أو أكثر إلى طرح ذي أمن أو خطر. فأنت لدينا أكرم من نهى وأمر. فما عليك إلا نضنضة لسان. أو إشارة بنان. وحسبنا بطرفة عين من بيان. قال وأن الزوج متّعه الله بإحصانه. وهنّأه بنطرة بستانه. وجنى تفاحه ورمانه. وزاده من آلاته وإحسانه. يبعث بحضرة زوجه باللذات كما شاء. أن توخى مسَّاً مس وأن أشتهى نشوة نشا. وأن شاء داعب ولاعب وأن أبى إلى الجد فالجد طوع له كما أحب. وأن له منها منزهاً "ولكن غير بعيد عن الماء" تغيب فيه الأتراح. وتطلع منه الأفراح. وبشائر النجاح. وسراً تُزَفُّ به الدنيا إليه بمعرض بشر. ومهدي كُشْر. أن التوى عليه أمر قومته بمهارتها. وسددته بإشارتها. وإنها إذا تدعَّبت عليه وتقيأت. وتبعّلت له وفيأت. زاده الله نضرة ونعيماً. وزادك صبراً وجموماً. خُيل له أنه ملك الدنيا بحذافيرها. وفاز بجميع لذاتها وحبورها.. وأنه قد قام مقام العاهل الأعظم. خليفة باري الأمم. فلو رأى وقتئذ قاضي ماراً على بلغته، حسبه من أتباعه وخدمته. ولو رأى كافها أو وافها، لأنف من أن يكلمهما مشافها. فبعث مكانه إلى جانب الأول وصيفاً وإلى حضرة الثاني وصيفة وقال لهما أن لديَّ لكل فاتح قاهر ولاية شريفة ولكل سائل شاكر وظيفة. ولو إن امرأً أغلظ له وحاشاه في الكلام. وسفه فبادره بالتقريع والملام. أو رأى والعياذ بالله أن يمس له قذالا. ويسومه عليه قفئدا وإذلالا. فزع إلى زوجته أعزها الله فنفت عنه كل كرب. وأمنته من كل رعب. وردَّت عليه حجْره من حجرها. وصدارته من صدرها. وقالت له لا تخشَ من كيده وغِلّه. فإنما يدفع كل استحصاف بمثله. فرجع إلى ما كان عليه من الأنفة والفخار. والعز والذرار. حتى لو رأى قيلا أو ردفا، لهاء بنفسه عن أن ينظر إليهما نظر الأكفاء. فهو الراتع المنفق. المترف المتملق. الآكل وتلقاءه من درر الثنايا ومرجان الفم، ما يخيل إليه من الكامخ خير مطعم. والمسيخ أهنأ مغنم. وأن الأجاج والزعاق. أشهى من مدام الاغتباق. ألا ولو أنه بات معها على فرش حشوه شظايا. وماس منها زغابة لكان له من أوطأ الحشايا. فكل ضرّ معها يستحيل إلى فنع ونفع. وكل شظف بقربها فهو قصوف ورَتْع: ومن قائل لا بل عيش العزب أهنأ. واللذات أجنى. فإن السيدات يحسبه في كل وقت ذا جموم. وعندهن أن نبَّة واحدة منه تنفي جميع الهموم. إذ ليس له من تلزه كل ليلة للعظال. وتؤرّقه من الليل على مثل ذي الحال. ليتذكر دائماً أنه محصن ذات قرطق وخلخال. فهو على هذا محبب عند البنات. محروص عليه من السيدات المتزوجات. مشار إليه بالبنان من الأرامل الهائجات. وأنه إذا رجع إلى منزله رجع ويده خفيفة. ورانفته نظيفة. فلا من تقول له هات. أو تلومه على ما فات. ولا من تستوحيه عن المستقبل وتستفتيه في المصالح المَهْبل. ولا من تزجره عند قيق غيرها له وجلجه إليها بحفْ. أو تنجفه قبل مفارقته أياها أي نجف. أو تقول له نزاف نزاف. وإلا فالإزهاف. ولا من يبكي بين يديه وهو عاجز هن كفالته كما يحق عليه. فتراه أبد الدهر مياحا مفراحا. متعرضا للنساء متياحاً. شراحاً سداحاً. رفيقاً بالمُجحّ منهن مساحاً. وقد قيل في الأمثال السائرة سير العجاج، في كل فجاج. من لم يكن ذا زوجة كان ذا أزواج. قيل فمن ثم كانت خطوات العزب أوسع. وحركته أسرع. وكلامه أنجع. وأناؤه أترع ونغمته أرخم.
стр. 252
ونهمته أضرم. ونهزته أقوى. ومزته أروى. وسنانه أذلق. وسهمه أخسق. ونشره أعبق. وحبه أعلق. وطعمته أطيب وأوفر. ومادته أسكب وأغزر. وقد نسوا أن تبعق حوضه في غير سقي واحد هو عين السبب في تنكيزنزه ونزته. وتفتير شرزه ولزته إلى ذلك مما لا يليق أن تقابل به مومسة ولا حَصان. ولا يوصف به دالف ولا تيقان. قال الهارس فلما تراجع المذهبان. وتكافح المطلبان. قلت في نفسي من لنا اليوم بالفارياق. فيفتينا في هذا الأمر الرباق. فأنه أعلق بالنساء من الريبة. وأعرف بأحوالهن من ذي شيبة وشبيبة. فلقد ذاق منهن الحلو والمرَّ ولقي من حبهن النفع والضر. فلو كان حاضراً لدينا لجلا عنا ما ألتبس علينا. فسرت إلى بعض أصحابي. لا طلعه على ما بي. فما كدت اقرع الباب. حتى هوى إليّ وبيده كتاب. ثم قال بشرى بشرى فهذا كتاب من الفارياق بلغني أمس ولم يحو إِلا شعراً فتلقفته من يده فإذا فيه. أما بعد فإن:
القرطبان هو الذي ... يقرو البلاد بعرسه
وبها الحسان الغيد ... يستنشين نفحة فلسه
من كل ذات تدهكر ... شحاذ نابي ضرسه
شدّاد رخو فقاره ... نعّاشه من تعسه
وبها الفحول الهائجو ... ن إلى تسدّيعَنْسه
وإلى اشتفاف جميع ما ... في قعبه أو عُسّه
ولربما نبرزه بالأد ... ساف أقبح رجسه
حتى يعود وما له ... آسٍ لمعضل ألسه
أن اللبيب من استشا ... ر منجّذاً في لبَسْه
لا سيما شأن الزوا ... ج وحمل فادح وقسه
من شاقه تمويهه ... ومذاق لذة رغسه
فليبعلن في قَسّه ... كي يستبد بحلسه
حيث السفاح مغصّص ... من يشرئب للحسه
إن الغريب أضر من ... متهتك في جنسه
أو لا ففي حال العزو ... بة وهو مالك رأسه
صون لدرهمه وحر ... مته وراحة نفسه
بل من تزوج يومه ... خير له من أمسه
إذ كان في حال التعزّ ... ب موحشاً من إنسه
لكن بشرط نفوره ... عن ريبة في حدسه
فالبضعَ ثم البضعَ لا ... تتشاغلن عن قَسّه
ما أن يضر ختام ما ... قد طاب نافع رَسّه
لكنما يجب التحرّ ... زمن بواعث نحسه
قال الهارس فلما تصفحت الأبيات. وزكنت ما فيها من الإشارات. قلت لله دره ما أفصله لأمور النساء ناظماً وناثراً. وما أحوجنا إلى استفتائه فيهن غائباً وحاضراً. لكنه لم ينبس عن حاله إلا فيما هو من مشكل الزواج. فكأنه رأى كل أمر دونه فإنما صوانه الإعفاج. ثم انصرفت مثنياً عليه.. وقد زاد تشوقي إليه.
"حاشية: صغا الهارس مع الفارياق فلذلك لم يعب عليه بعض أبياته فإنها مضطربة العبارة. وليس من شأني التدليس على القاري فقد صار بيننا صحبة طويلة من أول هذا الكتاب. فليتنبّه لذلك".
رثاء ولد
стр. 253
قد غُرس في طبع كل والد أن يحب ولده كلهم على كثرتهم وبرقحتم وعيوبهم وإن يراهم أحسن الناس. وأن يحسد كل من يفوقه في المحامد والمكارم إلا أباه وابنه. ومتى شاخ الرجل وضعف عن التمتع بلذات الدنيا فحسبه أن يرى ابنه متمتعاً بها. ولا لذة للمتزوج اعظم من أن يبيت مع امرأته على فراش واحد وبينهما ولد صغير لا يؤرقه ببكائه وصراخه ولا يبلّه ببلبله. كما إنه لا شيء أوجع لقلبه من أن يراه مريضاً غير قادر على الشكوى بلسانه ليعلم ما ينبغي أن يداوى به. بل الأطباء أنفسهم يحارون في مداواة الأطفال وقلما يصيبون الغرض. وكان الأولى أن يعيّن لعلاجهم أطباء اختصوا بمزاولة ذلك عهداً طويلاً. وأن ينوَّه بمن نبغ منهم فيه كل كلام مستطر ومطبوع. ويجب على الوالد أول ما يرى ولده قد مرض أن يتعهده ويراعي أحواله وما يطرأ عليه ويقيد ذلك في كتاب ليخبر الطبيب به أخباراً مبيناً. فربما أغنى ذلك عن كثير من الدواء الذي يجازف به الأطباء أحياناً لامتحان حال المريض. ومن أهم ما يستنهض عناية الوالدين في حق ولدهما أمر الطعام. لأن الطفل لما كان لا يدري حدّ الشبع الذي يقف عنده الراشد كان أكثر أسباب مرضه من الأكل. فليس من الحنّو والشفقة أن تطعم الأم ولدها كل ما يشتهيه. وإنما الأولى أن يلهّى عنه أشياء من اللعب والصور المنقشة والآلات المزوقة وما أشبه ذلك. وما أحلى الولد يطلب شيئاً من أبيه وقد حمّر الخجل وجنته أو غض الوجل طرفه. وما أحبّه وهو مطوق عنق والده أو والدته بيديه اللطيفتين ويقول إني أريد هذا الشيء لآكله. ومن سوء التدبير أيضاً أن يحرم ما يشتهيه. ويبكي لأجل ما لا ضرر فيه. ولعمري أن من أغفل رضى ابنه حتى أبكاه وأجرى دموعه لغير تأديب كان بمعزل عن الأبوة. وينبغي أن يدرّب الطفل على الخفيف من الطعام بعد ولادته بستة أشهر مع بقاء الإرضاع قليلاً. فإن الطعام يغذّيه ويقوّيه فضلاً عن أنه يحفظ صحة والدته. بل ربما مناها طول إرضاعها إياه بمرض ولم يفده شيئاً كما هو مذهب الإفرنج وهم أكثر الناس ذرّية. ولا ينبغي أن ترضعه وهي غضبى أو مذعورة أو مضطربة أو مريضة.
ثم إنه ما دام الرجل عزباً أو كان لم يربّ قط لم يشعر حق الشعور بالحنو على أولاد غيره. بل لم يقدر والديه اللذين ربّياه حق قدرهما إلا بعد أن يصير هو والداً مربّياً. والأمّهات اللائي يرضعن أولادهن يكن بالضرورة أحنّ فؤاداً عليهم من اللائي يستأجرن لهم المراضع. ولا جرم أن من كان له ولدا وقرأ قول الشاعر. وربّ أمّ وطفل حيل بينهما كما تفرّق أرواح وأبدان. لم يتمالك أن يذرف الدمع لوعة وتحسّراً. وكذا لو قرأ قصصاً فيها فجع الآباء بقتل أولادهم الصغار الأبرياء كقتل أطفال مدين بأمر موسى على ما ذكر في الفصل الحادي والثلاثين من سفر العدد سواء كان أبوا الطفل مؤمنين أو كافرين. ومن لم يكن قد تحلى بصفة الأبوة كالراهب وأمثاله ودعاك: يا بُني أو يا ولدي فلا تثق بكلامه ولا تعول على دعائه لأنه لا يعلم معزة البنوّة إلا من كان ذا أبوة.
стр. 254
وكان الفارياق ممن أذاقه الله حلواء البنين ثم تجرع مع ذلك مرارة الثكل. فقد كان له ولد بلغ سنتين وكأنه قد سبك في قالب الحسن والجمال فجاء لم يَعْدُه شيء مما تقر به العين. وكان على صغر سنه ينظر نظر المميز بين المؤنس والموحش ويألف من تملق له ولو بإشارة. فكان أبوه إذا رنا إليه ينسى في الحال جميع أشجانه وهمومه. ولكن لم يلبث أن يغشاه عارض من الكآبة إذا كان يوجس إنه لا يدوم له على عين الدهر اللامّة. ويرى نفسه إنه غير جدير بأن يتملى بتلك الطلعة الناضرة. وكان يحمله على ساعديه مسافة ساعة وهو يناغيه ويغني له. حتى ألفه الطفل بحيث لم يعد يشأ أن أحداً غيره يحمله أو يلهيه أو أنه يأكل وحده على انفراد. إلى أن قدر الله ربّ الموت والحياة أن أخذ الصبيّ سعال في تلك القرية. ولما كانت قرى الإنكليز الصغيرة كغيرها من قرى البلاد من أنه لا يوجد فيها أطباء مهرة وكان لا بدّ من مشاور طبيب على أية صفة كان، أستشار أبواه أحد المتطببين هناك. فأشار عليهما بأن يتداركاه بالاستحمام بالماء الساخن إلا رأسه. فعملا بوصيته أياماً. ولم يزدد الصبي إلا سقاماً. حتى كان إذا أنزل في الماء بعدها يُغشى عليه ويُرى فوق قلبه لطخة حمراء كالدم على شكل القلب. ثم أشتد بع الداء حتى أحتبس السعال في صدره وخفت صوته. وكان يعاوده مع ذلك الرعدة والهزة. وبقي في حالة النزع ستة أيام بلياليها وهو يئن أنيناً ضعيفاً وينظر إلى والديه كالشاكي لهما مما يقاسيه. استحال الورد من خديه عبهراً. وغارت عيناه النجلاوان. ولم يعد شيء من الغذاء والدواء يسوغ في حلقه إلاّ تكلفاً. وكان الفارياق في خلال ذلك يذرف العبرات ويجأر بالدعاء إلى الله ويقول: ربّ اصرف هذا العذاب عن ابني أليّ إن كان ذلك يرضيك. أنني لا مأربَ لي في الحياة من بعده ولا طاقة لي على مشاهدته في هذا النزع الأليم. فأمِتْني قبله ولو بساعة حتى لا أراه يجود بنفسه. آه عظمت ساعةً. وأن كان لا بدّ من نفوذ قضائك به فتوفّه الآن ولعل الفارياق هو أول والد دعا على ابنه بالموت عن شفق وحنوّ. فإن رؤية الطفل يغرغر ستة أيام مما لا يطاق. وبعد أن تُوفيّ الولد، وأبقى في قلوب والديه الحسرة والكمد، استوحشا من مقامهما إذ كان كل شيء فيه يذكرهما فقده ويزيد في لوعتهما. ففصلا منه إلى لندرة على حين غفلة وقد وضعاه في صندوق فلما دفناه واستقرا في منزل قال أبوه يرثيه:
الدمع بعدكما ذكرتك جارِ ... والذكر ما وأراك تربُ وارِ
يا راحلاً عن مهجة غادرتها ... تصلي من الحسرات كل أوار
خطأ وهمتُ فأين بعدك مهجتي ... ما في حشاي سوى لهيب النار
رَمَقاً أقل الجسم مني فادحاً ... فكأنه وقر من الأوقار
ما كان ضرّ الدهر لو أبقاك لي ... عيناً على الآثار والأذكار
ما بعد فقدك رائعي أو رائقي ... شيء من الظلمات والأنوار
سيان أن جنّ الظلام عليّ أو ... طلع الصباح وأنت عني سار
يا بئس ذاك الليل إذ لم يبق لي ... من مطمع فيه إلى الأسحار
أرّقتني من قبله ستّاً وفيه ... حُرمْت خمسي واستطبت شعاري
أبُني ما يجدي التصبر قولهم ... حكم المنية في البرية جار
كلا ولا بي قرّ بعدك من حمى ... ما هذه الدنيا بدار قرار
كم قد حملتك فوق راحي إذ غدو ... تورحت ثُمت حُرْتُ خير محار
ولكم سهرت الليل من جزع فما ... أغنى بكاي عليك أو أسهاري
ولكم جأرت لبرء دائك ضارعاً ... ولغير نفع كان طول جؤاري
ولكم حضنتك في الحنادس خوف أن ... يطرأ عليك من الحوادث طاري
وجمال وجهك لي يخيل أنني ... في روضة أنف ضحاء نهار
أن لم يصورك المصور لي فقد ... صُوّرت بالمأثور من أشعاري
أو أن يكن وأراك لحد ضيق ... فالأرض عندي اليوم أضيق دار
أو أن تكن عني حجبت فإنما ... بقيتْ حلال خوالج الأفكار
لا أنسينك أو أحين فما أتى ... حين عليّ خلا من استذكار
ولا رثينك ما بقيت وأن أمُت ... فليتلون رثاك عني القاري
يا حسرة عدم التبصر بعدها ... عدم التبصر في احتمال خساري
كثر المعاين لي وقل معاوني ... وكوت حشاي شماتة الزوار
стр. 255
فرويتُ بيتاً قاله من ذاق ما ... قد ذقت من ثكل ووحشة جار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
يا فجعة نزلت فحطم كاهلي ... تأويقها وأبان قصم فقاري
في ليلة فارقت فيها ناظري ... أبدا وفارقني على إجبار
لا غرو أن يك قد سرى جنح الدجى ... عن ناظريّ فكل نجم سار
قد كنت أطمع أن يعيش مهنأً ... بعدي ويبلغ أطول الأعمار
ووددت لو أن ذقت حتفي قبله ... لكن خيار الله غير خياري
وسَّدته بيديّ رغماً ليته ... هو كان وسدني على إيثاري
عيني إليه رنت وما لي حيلة ... يا ليت من نظرِ مُنَى إنظار
قصرت يدي عن كف ما أودى به ... أن القصور مظنة الأقصار
لهفي عليه وطرفه لي يشتكي ... إذ كان لم يقدر على الأخبار
لهفي عليه على السرير موسّداً ... ولو استطعت لكان فوق يساري
لكن أدنى اللمس كان يزيده ... ألماً فكان يؤوه من أشعاري
ويئنّ أنة مستجير واجفاً ... كالطير قُرّ فبات دون قرار
حتى خشيت الدمع يؤلم جسمه ... لما عليه همي كودْق جار
يا رعشة أودت به قد أورثت ... قلبي الوجوب ولوعة التذكار
ليت النفوض أقرّ عيني بعد أن ... سخنت بنفض فيه ذي إقرار
لهفي عليه في الظلام معانقي ... وكرايَ من شفق أليم غرار
لهفي عليه والغناء ينميه ... وإذا سكتّ صبا إلى الإكثار
لهفي عليه وهو يأخذ من يدي ... ويعيد ما يعطوه لاستغزار
لهفي عليه وهو لائك رُدْنه ... بلآلئٍ وضاحة ودراري
يا يوم أنشبت المنيةُ فيه ... طفلاً لا يطيق عوالق الأظفار
يا خطة عالت فسوَّت بين ... حتفي والحياة إلى مدى مقدار
قد كان يحلو العيش حين يلوح لي ... والآن مرّ فصار ذا أمرار
لا البعد يسليني ولا طول المدى ... وتخالف الأعصار والأمصار
ما تنقضي الحسرات أو أقضي أميً ... فبذا عليّ جرى قضاء الباري
كلا ولا تطفي أواري عبرتي ... ولئن همت في الصب كالأمطار
فالنار إلا النار ثكل تنطفي ... والماء إلا الدَّمع ضد النار
يا ليت راهي العيش يوماً راجع ... وفداء مربوب أبوه الهاري
فأكون فاديَ عمر نجليَ لاقيا ... حتفي لقاء القانع المختار
داريت ما لا ضير فيه لأجله ... فاليوم لست لما بضير أداري
أن المنية والأماني بعده ... سيان مستويان في استئثاري
فلتفعل الأيام بي ما تشتهي ... ما بعد هذا الخطب من أضرار
ولتذهب الآمال عني أنني ... لم يبق لي في العيش من أوطار
من ذاق ثكلاً مثل ثكلي فاجعا ... فليُقصرنَّ اليوم عن أصْباري
وليبكينّ معي ويحملني على ... فرط البكاء بمدمع مدرار
ما هدّ ركن الصبر مثل الثكل أو ... حَسَم المطا كحسامه البتّار
الطفل يقضي مرة لكنما ... يقضي أبوه فبله بمرار
تمروه في نزع أبنه وخفوته ... أدوار حين أيّما أدوار
هيهات من قد أشبهت أطواره ... في فقده أوطاره أطواري
أو أنّ في سوء الأسى لي أسوة ... أو أن في طول الحياة قصاري
لن ينفع الإنسان شيئاً حرصه ... كلَّ إلى أجل على مقدار
الموت غاية كل حيّ يستوي ... يه ذرو الأيسار والأعسار
والسابقون يضعهم يوم ... مع المتأخرين إلى ثرىً منهار
لكن يوم الطفل أفجع حيث لم ... يعرف له مضمار سعي دار
ما لذّ طعم العيش إلاّ من عداه ... الثكل لا من كان ذا أيسار
فالرزء في الأموال مثل الشعر تر ... زأه فينبت خِلفة الأطوار
فليهْنِ من عاشت بنوه عيشه ... وليصف مورده عن الأكدار
بعض الزوايا قد يساغ وبعضها ... يبقى شجا يشجي مدى الأعصار
الحِداد
стр. 256
ثم لما يكن بدَّ للفارياق من السكنى بالقرب من تلك القرية المشؤومة سافر بأهله إلى كامبردج. وبقوا مدة طويلة يمشون وجفوفهم ما بين منطبقة ومنفتحة. لأن شدة الحزن تصرف القلب عن الشهوات أو بالعكس. ثم تراخت عقدة الحزن قليلاً عن العيون لا عن القلوب. لأن العينين لا تطاوعان القلب دائما. كيف وقد قيل وضعيفان يغلبان قويا. فاستحلّ كل منهما أولاً الصأصأة والوصوصة والتيصيص والتيضيض والتجصيص والتبصيص والوبص والتبصير والتفقيح. ثم اللوح واللمح والنقد والخزر والتخازر والشُّطور والمخاوتة والمخاوصة والملاوصة والتحشيف والعرضنة والرَّمْق والحَدَل والزَّر والايماض واللحظ والالتفات والدنفسة والتشاوس والمغاضنة والمخاوتة. ثم الايشام والنظر والبغو والصَرو والاجتلاء والتجلية والرَّنء والبصر والمعاينة والمشاهدة والرؤية والبغي والبقاوة والبقي. ثم الرأرأة والالأة والتبريق والبشق والتحديج والتحديق والتجحيظ والتبجيم والتحجيم والتجحيم والتحميج والحملقة والعسحرة واللتء والضبَّز والتبخُّص والاسفاف والارغاف والورورة والحتر والطنفشة والاتْآر والحدقلة والطرفسة والزنهرة والبندقة والبنق والتجنيص والتفصيص والتهصيص والارشاق والرعام والبرشمة والبرهمة والجرسمة. ثم الشخوص والطمس والجحم والاشصاء والتطاول والتطالل والاشرئباب والاسلطاء والاشتياف والاستيضاح والاستشراف والاهطاع والتدنيق والترنيق والحتء والحتش والصدء والاسجاد والتأمل والتكلئة والتفرس والتطلع والرنوَّ والترني. ثم تصالحت العيون والقلوب، فغدت تلك تترجم عن هذه والكمد مع ذلك مخيم في اطرافها.
стр. 257
غير إن الإنسان خلق من نطفة أمشاج وركب من عدة أخلاط وجواهر وأعراض مختلفة. فهو لا يزال ابد الدهر ماشجاً هذا في ذاك وخالطاً جداً بهزل وفرحاً بترح. فتراه ساعة قانطاً وأخرى كأشعب. وآونة مفراحاً وأخرى مبتئساً. ويوماً طرباً شنقاً ويوماً أو بعض يوم عزها. فهو بشر خَلقاً وغول خُلقاً. وأكثر ما ترى منه غملجيته هذه في أمر النساء. فإنه أن تزوج بمليحة قال ليتني كنت تزوجت بقبيحة وسلمت من ضيزنية معارفي وجيراني. وأن تزوج قبيحة قال ليتني تملّحت بمليحة لأكون ذا وجاهة ونباهة. وإن كانت امرأته بيضاء قال ليتها كانت سمراء. فإن السمر أخف حركة واسخن في الشتاء. وإن كانت سمراء قال ليتها بيضاء فإن البيض ارطب أبداناً في الصيف. وإن كانت كمكامة مكتنزة قال ليتها كانت ممشوقة هيفاء. فإن الهيف أقل مؤونة. وإن سافر عنها قال ليتها هي التي سافرت وبالعكس. إلا في مدة وضعها فإنه لا يتمنى أن يكون في موضعها وقس على ذلك من الأحوال النسائية ما لا يمكن حصره. إذ أخفى شيء من المرأة إنما هو بحر لا يمكن البلوغ إلى قعره. والحاصل إن القلب شؤوناً كثيرة وأحوالاً متباينة لا يزال يتقلب بها. أو لا تزال هي تتقلب به. وعلى كل فتسميته قلباً دالّة عليه. ويستثنى من هذه القاعدة شيء واحد وهو ثبات الإنسان في كل حال وشان. وإصراره في كل زمان ومكان على تفضيل نفسه على غيره. فلو كان فاجراً حسب أن لا بره عند الله إلا بره. وإن كان فظَّاً غليظاً رأى كل كيس ربيز دونه. وإن كان بخيلاً ظن إن كل حرف يفوه به هو منَّة كبرى. وإن كان دميماً ذميماً لم ير اللوم إلا على نظر الناظرين له. وكما أن عين الإنسان تنظر كل ما واجهها ولا ترى نفسها كذلك كانت بصيرته مبصرة بعيوب الخلق كافة إلا عيب نفسه. ولو طاف الدنيا بأسرها لما رأى فيها من المحاسن ما في مدينته أو قريته. ثم ليس من المحاسن في بلدته ما في بيته. ولكن ليست هي أحد من أهله كما هي فيه. فتحصل من ذلك إنه أفضل من في العالم كله. ولو أنه كان شاعراً أو بالحري شعوراً لا يحسن إلا الإطراء على بخيل أو التغزل بهند ودعد. ثم رأى علماء الرياضة والهندسة يخترعون من الأدوات مثلاً ما يطوي شقة خمسمائة فرسخ في يوم واحد. لحسب أن شعره أنفع من ذلك وألزم. ولو كان مغنياً أو لاعباً بآلة من آلات الطرب ورأى جاراً له طبيباً نطاسياً يداوي في كل يوم خمسين عليلاً ويبرئهم بإذن الله لاعتقد أن صنعته أشفى وأنفع. ولم يخطر بباله قط أن الإنسان يمكنه أن يعمر في الأرض دهراً طويلاً من دون سماع غناء أو عزف بآلة. فمتى يتعلم الإنسان أن يعرف نفسه. وإن يفرق بين الحق والباطل وأن لا يخلط الحزن الكامن في القلب بالتحديق والحملقة.
стр. 258
وأقبح من ذلك أن كل واحد من الناس يظن أن غيره أيضاً يفعل كذلك فهو معذور عند نفسه بكونه حاذياً حذو غيره. ومثله قباحة شأن من تلبس الحداد على ميَّت لها وهي في خلال ذلك يزدهيها الرناء ويستخفها ذكر الذكران. وترتاح إلى رؤية اللون الأسود وتطربها نغمة القائل لها أن فلانا مشغوف بحبك. وأنك جديرة بأن تقعدي على منصبة وتأمري وتنهي الوصائف من حولك أو بالحري الوصفاء. وإن لا تتناولي شيئاً بيدك هذه الرخصة. وأن لا تخرجي من دارك ماشية على رجلك هذه اللطيفة. وأن لك في كل مكان عشاقاً كثيرين بحيث لا تعدمين في كل وقت من يحوطك ويخدمك ويلاطفك وينسيك حزنك. وغير ذلك من الكلام الذي هو انتهاك لحرمة كل من الموت والميّت. قال الفارياق قد رأيت كثيراً من النساء الحوادَّ في بلاد الإنكليز وغيرها وهن اكثر خفة وطرباً وازدهاء وضحكاً من العروس وأمها ولم أرَ بينهن من كانت تنظر إلى ثيابها السوداء إذا ضحكت لتتذكر أن كركرتها في غير محلها. أما في أمر الزواج فربما يطلب لهن الحليم عذراً بأن يقول مثلاً: لعل زوجها كان يخونها في الليالي الحالكة فترديها السواد إنما هو لتتذكر سوء أفعاله معها في سواد تلك الليالي. أو أن أيامها معه كانت كلها سوداً كالليالي. فأما في أمر الولد والأب وغيره فلا عذر لمن أحدت وهي مرارئة مهزقة. ثم أن المحدّ عند الإفرنج مطلوبة للرجال مرغوب فيها بمنزلة العروس. إذ الفحول يتزاحمون على تسليتها وتلهيتها لعلمهم بما تحت ذلك السواد. وبأن هذه العادة هي من جملة العادات التي خالف استعمالها وضعها. والظاهر أن لفظة المُحدّ في لغتنا هذه الشريفة مشتقة من حدّ السكين وأحدّها وحددها أي مسحها بحجر أو مبرد فحدّت تحدّ. فكأن لابسة الحداد تحدّ شهوة الناظر إليها إذ يرى عليها آثار الحزن والكآبة والانكسار وهو أشوق ما يكون في النساء. ويؤيده إن صنفاً من الثياب السود يسمى إِسباداً. وهذا الحرف يجيء أيضاً بمعنى حلق الشعر كالسبد وأنت بتمام المعنى أدرى. وتسمى أيضاً سلاباً والسليب هو المستلب العقل. فكأن المرأة إذا تسلبّت أي أحدَّت ولبست السَّلابا سلبت عقل ناظرها. فأول ما يقع نظره عليها يقع قلبه معه فيقول لها أو في نفسه. فديتك بأبي أنت وأمي. لله أنت. وقاك الله. وهبني الله فداك. إن شئت أن أكون أول من توسل لمحو هذا الحزن من صدرك فعلت فإني أنا أقْدر منك على تحمل المكاره. فالق عليَّ هذا الهمّ القادح وكوني أنت مهْنأة مسرورة. أن لدى آلة طرب عظيمة وخزعبيلات كثيرة تفرّج عنك الكرب. فلو زرتني مرة أو سمحت لي بأن أزورك لم يعد يخطر ببالك شيء من الأشجان. إنك رخصة رعبوبة وأرى هذا الخطب قاسحاً عليك فلا يزول إِلا بقاسح مثله. ليتك تعلمين ما عندي من الأسى والوجد لأجلك. وإني عتيد لأن أحرم نفسي من جميع المسّرات بحيث أراك تفترين عن ذلك الشنب الأشهى. وتبدين في خديك عند الضحك تلك النقرة التي طالما نقرت قلوب العشاق. أي قلب لا يذوب لهذا الانكسار. وأية عين لا تنزف الدمع على هذا الإزار. قدني حزناً لحزنك وحسبي أن أجلو عنك صدأ هذا الهم.
وكذلك المرأة المحدّ فإنها تعلم وهي ماشية ما يخطر ببال ذلك المشفق عليها فتقول له أو في نفسها. نعم والله إني محتاجة إليك لتخفف عني ما أجده اليوم من الوحشة والسدم. وقد بت البارحة وأنا غريقة في غريقة في بحر الأفكار والأكدار. واراك جديراً بأن تعاقرني وتسامرني وتعاشرني وتبادرني وتباكرني وتجاورني وتحاضرني وتخاصرني وتذاكرني وتساورني وتسايرني وتداورني وتشاعرني. فالحمد لله الذي هداني اليوم إليك وهداك إليّ وقيضك لي. لأني امرأة منكسرة الخاطر ولابدّ لي مَّمن ينفس عني ويؤنسني. حتى إذا نسيت ما أكابده وألمّ بك كرب كان عليّ أن افرج عنك فإن عندي مصدر اشتقاق الفرج. ومني تنال أتمّ الحبور، واعمّ السرور. فهلمّ إذا إلى المخالطة والمراوحة. والمساجلة والمكافحة. فهذا ما ينشأ عن لبس الحداد. ولذلك كان كثيراً من النساء يؤثرون الثياب السود ثقة بأنها تقوم في تشويق من يلاقينه من الرجال مقام الحداد. ولذلك كانت الإفرنج أيضاً يحبون اللون الأسود في الملابس ولا يتجاوزونه. ولذلك كان لباس القسيسين والأئمة أسود.
جود الإنكليز
стр. 259
لما فرغ الفارياق من علمه في كامبردج سافر إلى لندرة على عزم أن يرجع إلى الجزيرة واستصحب معه حمى نافضا. غير أن أحد الأطباء الخيرين في هذه المدينة نفضها عن ظهره ولم يتقاضه شيئاً. ثم أصيب الفارياقية بخفقاني القلب واللسان. فإنها كانت وقتئذ مهرت في لغة القوم. ثم أصيب هو بخفقاني العقل والرأي. وذلك إنه لما تصرمت مدة غيابه عن الجزيرة وأزف وقت رجوعه رأى أن العود إليها غير أحمد. لأن أحوالها تغيرت عمل كانت عليه من الخصب والبحبحة في المساكن. وتلك عادة الفارياق إنه لا يدخل بلداً خصيباً إلا ويفارقه ممحلا كما تقدمت الإشارة إليه. ولأنه فاته فيها بعض فوائد فحرم منها لطول غيابه. فمن ثم قصد مدينة اكسفورد ومعه كتاب توصية إلى أحد أعيانها وعلمائها وهو من أهل الكنيسة. فرأى الوصول إليه متعذراً فإن العلماء في هذه المدينة ليسوا كعلماء مصر في رقة الجانب وبشاشة اللقاء. بل هم أشد فظاظة من العامة. وعندهم إن الغريب لا يأتي إلى بلادهم إلا والشلاّق على عاتقه. ولذلك لما ذهب الفارياق ذات ليلة ليرى بعض هؤلاء العلماء صادفه أحدهم بباب المدرسة فقال له: من تقصد؟ قال فلانا. قال أين تسكن؟ قال في محل كذا. قال أعندك دراهم لتفي أجرة المسكن. قال ما أنا بمطران ولا راهب حتى تزعمني أني قدمت إليكم متسولاً.
ثم لما تعذر عليه الوصول إلى جناب ذلك القسيس المعظم ولم يجد فيها أهلاً للخير سوى رجل من الطلبة يسمى وليم سكولتك Williams Scoltock وآخر من التجار كان الفارياق اشترى منه قطعة حبل ليربط بها صندوقه فأبى التاجر أن يأخذ منه ثمنها فكأنه ظن الفارياق لم يشترها إلا بعد أن استخار الله في أن يخنق بها نفسه. رجع إلى لندرة وفاوض زوجته في ذلك فقالت له أن الجزيرة أقل خيراً من أكسفورد وإني مللت منها كل الملل. فقد أضعنا فيها زهرة عمرنا ولم نحصل منها على ثمرة. فما الرأي أن نعود إليها. فقر رأيه حٍ على أن يستعفي من خدمته فيها وكتب كتاباً إلى كاتب سر الحاكم يؤذن بذلك. ثم أشتد بالفارياقية الخفقان فرأى إن مقامها بباريس خير لهما. وذلك لما شاع عند الناس إن هواء باريس أصح من هواء لندرة. وإن المعيشة فيها أرخص والحظ أوفر. إن الفرنسيس أبش بالغريب من الإنكليز وابر. وإن لغة العرب عندهم اكثر نفعاً واشهر. وغير ذلك من الأوهام التي تدخل أحياناً في رؤوس الناس ولا تعود تخرج إلا مع خروج الروح.
ولكن ينبغي قبل سفر الفارياق من هذه المدينة أن نعيد عليك بعبارة وجيزة وصف ما فيها من المحاسن والجود على أهلها أي على أهل الجمال. لتعلم هل رحيل الفارياق حلال أو حرام. وليكون ذلك وداعاً من الإنكليز. فإن الكتاب قارب أن يتم ولم يبق من مجال للإسهاب. لأني أخشى من أن يأتي هذا الكتاب الأخير اكبر من الأول فيكون ذلك موجباً للقدح فيَّ من وجهين. أحدهما إن مطالعيه يقولون إن المؤلف كان يؤلف الفصول في أوله قصيرة والآن ينشئها طويلة. فكأنه كان أولاّ غير ذي دربة بالتأليف أو أنه يريد أن ينسب إليه مضمون قولهم جري المذكيات غلاء. والثاني إنه كاد أن يلحق نفسه بالطرّادين وهو لم يشعر ولم يدر. فلقد مللنا من كلامه وإعادة قوله قيل وقال وكان وصار فهو قد تبوّأ صهوة الجدل منه وإليه. ولم يغادرنا نراجعه ونعترض عليه. فما جزاء الثرثار من المؤلفين إلا إلقاء كتابه في القمين.
قال الفارياق تصوّر في عقلك إنك ساكن في حارة من حارات لندره ذات صفين متوازيين متصاقبين متناوحين. في كل صف عشرون داراً. ولكل دار باب ولكل باب عتبة. وأمام كل عتبة درج أو وصيد مبلط. ثم مثل لعينك هداك الله أربعون بنتاً من الرُّمم النواهد. والجثم الخرائد. والعُبُن المواغد. والرَّجح الثوامد. ذوات التبهكن والمرافد. والمراضب والمشانب. والصلوتة والسجاحة. والاسولة والصباحة. واللباقة والملاحة. والكلثمة والترارة. والوثامة والنضارة. والوضاءة والبشارة. والقسامة والشارة. والطلاوة والوثارة. والوثامة والبضاضة. والطراوة والغضاضة. والغرض والمسألة. والملد والعبالة. ومن الزهر والغر والفر والصهب والصبح والصحر والعفر والفضح والمغر والادم والخلس والبره والوده والعين والنجل والشهل والبرج. والشكل والدعج والجود والبج والفرق والزج والجبه والبلج والبلد والذلف والخنس والشم واللعس والحو واللمى. ومن كلّ
стр. 260
رغُبوبة شطبة تارة أوبيضاء حسنة رطبة حلوة أو ناعمة. وكان حق هذا الحرف أن يوضع في جدول الكتاب الثاني لكن رأيت الحكاكات أولى به لتحقق معناه فيهن.
ولبّة لطيفة.
وذات وجه مصفح المصفح من الوجوه السهل الحسن.
وبهْصَلة شديدة البياض.
ورَبلة عظيمة الرَبَلات والرَبْلة ويحرّك كل لحمة غليظة والربالة كثرة اللحم.
وربَحْلة ضخمة جيدة الخلق طويلة.
وربيل ناعمة لحيمة.
وذات شعر رجل بين السبوطة والجعودة.
ورفلة أي تجرّ ذيلها جرّاً حسناً.
وزولة خفيفة ظريفة فطنة.
وذات عين سبلاء طويلة الهدب.
وسبحل ضخمة كالسبحلل.
واسحلانية المرأة الرائعة الطويلة الجملية.
وطفلة رخصة ناعمة.
وعبلة عثلة ضخمة فخمة.
وعيطل طويلة العنق في حسن جسم.
وعطبول فتيّة جميلة ممتلئة طويلة العنق.
وعيطبول طويلة القدّ.
وعميثلة البطيئة لعظمها وترهلها ومن تسبل ثيابها دلالا.
ومكتَّلة مدورة مجتمعة.
وهيضلة الضخمة الطويلة.
وهيكلة عظيمة.
وهولة المرأة تهوّل بحسنها.
وعيهل طويلة ومثلها العيطبول والغلفاق والعنشطة والعنطنطة والعلهبة والسَّلهبة.
وعندلة ضخمة الثديين وهي أيضاً الطويلة.
وعر طويلة حسنة الشباب والقدّ.
وعرندلة طويلة صلبة شديدة.
ومجدولة لطيفة القصب محكمة الفتل.
وخثلة ضخمة البطن.
وهركيل حسنة الجسم والخلق والمشية كالهركولة.
ومأرومة حسنة الخلق مجدولته.
وجريمة عظيمة الجسد ونحوها الجسيمة.
وجمّاء العظام كثيرة اللحم.
وحمامة جميلة.
ودرماء لا تستبين كعوبها ومرافقها "من تغطيه اللحم لها".
ورعموم ناعمة.
وسلمة ناعمة الأطراف.
وشغموم طويلة مليحة كالشغمومة.
وضخمة عريضة اريضة ناعمة.
ومطهمة السمينة والبارعة الجمال والمدوّرة الوجه المجتمعه.
وفعمة استوى خلقها وغلظ ساقها.
وقسيمة جميلة وكذا الوسيمة.
وكثمة ريا من شراب وغيره.
ومكلثمة مجتمعة لحم الخدين بلا جهومة.
وكمكامة قصيرة مجتمعة الخلق.
ووثيمة مكتنزة لحما.
وموشم أوشمت المرأة بدا ثديها.
وهضيم الهضم خمص البطن ولطف الكشح.
وبثنة حسناء بضة.
وبخدن ناعمة.
وبادن معروف كبادنة.
وبهنانة الطيبة النفس والريح واللينة في عملها ومنطقها والضحاكة الخفيفة الروح.
وبهنكة شابة غضة ويقال للعجزاء تبهكنت في مشيتها.
وجهانة شابة.
وحبناء ضخمة البطن.
ذات شعر حجن متسلسل مسترسل.
وخليف المرأة التي أسبلت شعرها خلفها.
وراقنة حسنة اللون.
ومسنونة الوجه حسنته سهلته أو في وجهها وانفها طول.
ومشدونة العاتق من الجواري.
وذات عسن الطول مع حسن الشعر.
وعكْناء تعكن بطنها.
وغيْسانة ناعمة.
وفينانة كثيرة الشعر.
وقتين جميلة.
وملَسَنة القدمين الملسّنة من الأقدام والنعال ما فيها طول ولطافة كهيئة اللسان.
ووَهْنانة بها فتور عند القيام.
وبرَهْرَهة البيضاء الشابة والناعمة أو التي تُرعد رطوبة ونعومة والبره الترارة.
وذات رهْرهة الرهرهة حسن بصيص لون البشرة ونحوه وترهره جسمه "والأحرى جسمها" أبيض من النعَّمة وجسم زهْراه ورُهروه ورهْره ناعم أبيض.
وفارهة الجارية المليحة والفتيّة.
وودهاء المرأة الحسنة اللون في بياض.
وموهوهة التي ترعد من الامتلاء.
وسجْواء الطرف ساجيته أي ساكنته.
وعابية حسناء من عبا يعبو أي أضاء وجهه.
وحسنة العُرية أي المجرد والمعاري حيث يرى كالوجه واليدين والرجلين. تأخذ بيديها اللطيفتين مكشطا وصابونة ودلواً فيه ماء حميم. ثم تجثو على ركبتيها المدملجتين وتطفق تحك عتبة الدار ووصيدها وهي تتذبذب وتضطرب وتتحثحث وتتعثعث وتتمثمث وتتبعج وتتحلج وتتخلج وتترجرج وتتمخج وتتمعج وتتنجنج وترتجح وتتضحضح وتتأود وتتخضدَّ وتترعد وتميد وتتأطر وتتدهكر وتتزرزر وتسجهر وتتمرمر وتتململ وتمور وتتحيز وتترجز وتتلزلز وتتمزمز وتتهزز وتتحسحس وتترهس وتتمخس وتترخش وتتنغش وترتعص وتترقص وتتنصنص وتوخص وتتخضخض وتلضلض وتتمخض وتتريع وتتريه وتتنوع وتتغضف وتترقرق وتتريق وتتركرك وتروه وتريه وتتلوه وتتلوى وتصرى. وربما أتفق مع رؤية ذلك سماع آلات الطرب يعزف بها في الشوارع فيا حسن ذلك منظراً ومسمعاً.
стр. 261
ولكن يا أغنياء لندن وأعيانها ألم يكن لكم من وسيلة لمشاهدة هذه الشواخص والجواهض إلا باذلة عزة الحسن المصون. أيحل لكم انتهاك حرمة الجمال وأمجال أيدي هؤلاء الحسان وركبهن لتلامس أعتابكم. ما بال جيرانكم الفرنساوية لا يفعلون ذلك وأنما يسومون خدمتهم تنظيف درج الديار من داخل فقط. فيضع الخادم شيئاً كالقبقاب أو النعل في رجله ويكشط به ما قدر عليه وما لم يقدر عليه يتركه إلى المرة الثانية أو الثالثة. ونحن كذلك لا نكلف نساءنا هذا التنطس الذي لا معنى له. وإنما نكل اليهن ما آل إلى الفقش والرفش أي الطعام والفراش. ومع ذلك فتزعمون أنكم تحترمون النساء وتعرفون قدرهن أكثر منا. لقد كبر ذلك قولاً. فأما تسريحهن في الليالي ليطفن في كل زقاق وشارع وتسفيرهن إلى البلاد الشاسعة وحدهن فلا يعدّ عندنا من الإكرام لهن في شيء: بل هو أحرى أن يكون ديبوبية وقرطبانية وكلتبانية وديوثية وقمعوثية وقوّادية وتوريّة وسقْرية وصقْرية وعزورية ولياسية وطزعية وطسعية وقنْدعية وقنذعية ودُسفانية وإدْسافية وإمذائية ومُمانويّة. وشعنبية وشقحطبية وأدفائية وأرفحيّة. ليت شعري كيف يكون قلب الخادمة حين تأمرها مخدومتها في كل يوم قائلة حكي العتبة. أو حين تسألها رفيقتها هل حككت اليوم عتبة سيدتك. نعم لو كانت العتبة وردت عندكم بمعنى المرأة كما هي في لغتنا هذه الشريفة لكان لا يبعد أن يسبق وهمها عند السؤال إلى ذلك إلا أن لغتكم يابسة قاسحة لا تحتمل التأويل ولا التخريج. ولست أرى لهذه العادة المشطة من سبب سوى أن أحد كبرائكم كان قد أتخذ خادمة رعبوبة والله أعلم منذ ثلاثمائة وخمسين سنة. وكانت امرأته دميمة فغارت السيدة منها فكلفتها حك العتبة والوصيد في كل يوم إذلالاً لها في عين سيدها كأنّ القلب لا يعلق بهوى الجميلة المسكينة كما يعلق بهوى الفُنُق. أو كأنّ الشيء الممجمج يحتاج إلى مرفد. أو الشيء المتدملك إلى وشيعة من القطن. أو الغيل إلى غلالة من الخز. أو المكْرة إلى جوارب من حرير. فسرت هذه العادة الذميمة في جميع كبرائكم إلى عصرنا هذا عصر التمدن والرفق بالنساء. وأنتم أسارى العادات والتقليد. فمتى الفتم فعلة لم يمكنكم أن تنتقلوا عنها. وذلك كتكليف الفتيان من خدمتكم ذرّ رماداً أبيض على رؤوسهم حتى يكونوا كالشيوخ من فوق. وككشف عجائزكم في الولائم عن ترائبهن وأذرعهن. مع أنه لا مناسبة بين أوقات القصوف والحظ ورؤية ترائب منجرد تمني القوم بالقمة. فأما مواطأة الناس على ما اخترعه الأمراء والأعيان على العادات السيئة فهو غير خاص بكم. بل هو عام أيضاً عند سائر الأمم الأفرنجية.
وصف باريس
كان وصول الفارياق إلى هذه مدينة الشهيرة في ذات ليلة ضباب فكانت عيناه معمشتين عن رؤية ما فيها من الخصائص. فلما أصبح أخذ يطوف في شوارعها كالمتفرّغ المتبطل فإذا بها ملآنة من المزالج والمزالق والروامج والروامق والجرائي والأطناء والرباي والملمُوات والجَذّابات والرُجَب والروب والفخوت والحراج واللُبَج والبياحات والنصاحات والمصايد والفخاخ والشواصر والنوامير والقحازات والدحاحيس والمفاقيس والشصوص والبيضاوات والقُفّاعات والمجازف والخواطيف والعواطيف والكُفف والربَق والطبق والعوادق والنُشَق والعلاليق والأوهاق والشباك والأشراك والشَوْدكات والأحابيل والكوابيل والشهوم والمصالي. فظهر له أن قوام كل شيء وعتاده وملاكه وقطبه العاصمة متوقف على وجود امرأة. فجميع الصُؤب والكُلَب والحوانيت والكُفُت والقرابج والكرابج والكناديج والمفاتح والمحاسب والمثابر والأنبار والمخازن والمحارف والمصانع والفناتق والفنادق والدكاكين والقرابق والبلاّنات والمنامات والحانات والخانات والأفدية والمطاعم والمشارب تديرها نساء وأي نساء. وما من كَعْب أو تأريجٍ أو أوارجة أو أنجيدج أو بُرْجان أو جُذاء أو برْنامِج أو عهده أو محضر أو جذر أو وصر أو قِط أو نداق أو صكّ أو فذلكة أو سيّال أو ترقيم أو ترقين أو جداء إلا وتتعاطاه المرأة هنا. واللبيب من الرجال من أتخذ في حانوته أو محترفه رامجاً مليحاً يلوّح به للشارين والمجتازين في السبيل. ولا فرق بين أن يكون ذلك الرامج من أهل بيته أو غريباً وإنما العبرة بانفقاس الفخ على أعناقهم.
стр. 262
هذا وقد اختصت نساء باريس بصفات لا يشاركنهن فيها أحد من نساء الإفرنج. فمن ذلك أنهن يتكلمن بالغنة والحنة والنشيج والهُزامج والترنجح والتطريب والسكت والحبرة والنبرة والأجشّ والتعثيث والرجيع والأضجاع والقُطْعة والتغريد والتهويد والمد والترسيل والترتيل والفصل والوصل والزجل والهلهلة والإدغام والترخيم والتدنيم والترنيم والروْم والإشباع والتفخيم والإمالة والتنعيم والتنغيم والتحزين والحنين والجدن والتلحين والطثن والشجو والترنية. حتى ينتشي السامع فلا يعلم بعد ذلك هل هن يفككن أزرارة أوفقاره. ومن ذلك تغيير الزي في كل برهة وبهن تقتدي سائر النساء فلو لبست إحداهن مثلاً عبْعبا أو حزقت ثوبها لعبّ الناس حب ذلك العبعب وصار التحزيق سنة فيهم. وعنهن يؤخذ أيضاً تقصيب الشعر وسَبْته وتسريحه وتسميده وتجميره وصفره وتطويره وتنفيشه وعفصه وتصفيفه وزرقلته وتشكيله وفرقه وكدْحه وكدهه وأدّراؤه وجدله وتفتيله وتغبيته ومشطه الكُعْكُبّة والمقدّمة واتخاذ قصة منه أو قزَّعة أو قنزعة وجعله مكرهفاً أو مسبلاً. ومن ذلك أنه لطول ترددهن على مواضع الرقص يحسبن كل مكان يطأنه مرقصاً. فترى المرأة منهن تمشي في الأسواق والشوارع وهي تميد وتميل وتتخلع وتتفكك. ويا ليت مولانا صاحب القاموس كان يعرف البُلْكي والمازركي والسوتشكي والكدريل والريدوقي والفلس وغيرها من ضروب الرقص حتى أوريها عنه هنا في حق الماشيات في باريس. ومن ذلك تحكمهن على الرجال وتعززهن عليهم في كل حال وبال. فترى الرجل يماشي المرأة وقلبه بين رجليها. وإذا خلا معها في البيت فهي الآمرة الناهية المستعلية القاضية. وهو المُصحِب المِصحاب المُدربح المُدلبح المُدمّح المكبوح المعنوج المصوّب المدبّخ المتزيّخ المختضَد المُسجد المعتسَر المشروس المتضع. ولا يزلن طول الدهر وحاماً ولا حَبَل. وبرمن أن يكون لهن كل شيء صهابيّا مؤربّا مرفّلا موفَّراً مؤَّفلاً مسبغاً ضافياً مرتبزاً وافياً تاماً كاملاً. حتى أن اللغة الفرنساوية مبنية على هذا الروحم. وذلك أنهم يحذقون في اللفظ أواخر جميع الألفاظ المذكورة وينطقون بها في المؤنثة. وعلى ذلك قول الفارياق.
عند الفرنسيس المؤنث واجب ... تبليغ آخره إلى الأسماع
وهو الدليل على تؤوق نسائهم ... طبعاً على التبليغ والإشباع
أو أنه صفة الكمال لهن أن ... يك ممكناً يوماً لذات قناع
وكان أحد التيتائيين من نحاتهم غاظه ذلك فجعل من بعض قواعد لغتهم تغليب المذكر على المؤنث. ولكن هيهات فإن امرأة واحدة هنا تقوى على عشرين ذكراً. ومن ذلك عنوان جمالهن مكتوب على جباههن نظماً ونثيراً. فمن النظم
مَلَكُ الجمال أعزّ من ملك له ... جند وأعوان وعرش أرفع
ذو المُلك تتبعه الجنود تكلفاً ... ولذي الجمال الناس طوعاً تتبع
ومنه
من حارب العين خانته مضاربه ... وليس يجديه شحذ السيف عن جلده
فمضرب السيف مشحوذ على حجر ... ومضرب الطرف مشحوذ على كبده
ومن النثر. الكلام بالغنّة، شفاء من العُنة. فرط التنهيد أبلغ في التهنيد. الخَدَل جلاء المقل. ضخم الحماة يفتح اللهاة. صغر الأقدام يقزح الأدام. كم صريع في السوق من كشف السوق. أن إبراز الترائب كاشف غمّ النوائب أن العَبعَب أملأ للعين واحب. أن الأعجان داعي الافتتان. أن النّوَق أصل الشَنَق. لا تفكن إلا ويزيله التبهكن. التهييم أدعى للتهييم والتتيّم المغاضنة دليل المحاضنة. غلائل الصيف أمضى من السيف. لا فرار بعدَّ الافترار. لا عاصم بعد كشف المعاصم. توهج الطيب. أشوق للحبيب. رب ابتسامة جلبت غرامة. العين غزالة. والقامة فتالة. الحسن معبود. والدينار منقود. الدينار فكلك الأزرار. من أكثر من الصلة نال ما أمله البضع لذي الدنيا والدنيا لذي البضع. من ذاق عرف ومن غازل هرف. إلى الملهى إلى الملهى. فبادر ثم لا تله. وعللها بكاس ثم عما شئت فاسألها.
стр. 263
والحاصل أن الفرق بين عنوان جمال الفرنساويات وجمال الإنكليزيات هو إن الأول من قبيل التداوي من الشيء بضده. والثاني من قبيل التداوي منه بجنسه. وذلك أن العنوان الأول هو ناطق عن الونى والفتور والترهل والتربخ والاسترسال والاسترخاء والاسترخاخ والاسترخاف والرشرشة والنشنشة والانحرار والثملطة والثلمطة والختت والهنبتة واللوثة والهلاث والابثئجاج والطرشحة والامرخداد والترترة والتختر والفيشوشة والتعة والخراعة واللخع والطريقة والرهوكة والثرطلة والغدن والانثطاء المستدعية لنقائضها من الاشتداد والتصلب والاتمئرار والتأتب والتقسح والتقسب والتوتر والتعلب والتعرد والتعلد والانزاز والتأدد والعص والاستعزاز والتأيد والكأن والاتكاع والتكلد. وجمال أولئك عنوان على هذه الصفات المستدعية لنظائرها وكلاهما في المرأة حسن. ومن ذلك أنهن يرين التقليد في الحب والزي معرة فكل واحدة منهن تجتهد في فنها حتى تصير قدوة لغيرها. أما في الزي فمنهن من تقبب صدرها بقدر ما تقبب نساء الإنكليز بتائلهن. ومنهن من تتخذ لها قبَّتين من قبل ومن دبر. حتى تكون إذا مشت عائقة أساتها ومواجهها. وكشف الساق لإبراز الحماة ونظافة الجوارب مطرد لهنّ. فأما في الحبَّ فمنهن من تريد على صفات المدقم الصفة التي ذكرها أبو نواس في الهمزية. ومنهن من يؤثر التجضّم الكمري أو الامتلاج القنبي. وأكثر الناس حرصاً على هذا الشيوخ المحنكون. فإمصاصهم وتبظيرهم ليس من السب في شيء. ومنهن من تجمع بين اللذتين الخرنوفية والفنقورية ولها سعران. ومنهن من تزيد على ذلك ما أراد الشيخ جمال الدين ابن نباتة من شوص الفرخ وله ثلاثة أسعار. ومنهن من تزيد عليه الشوص بالأخمصين وله أربعة. ومنهن من تمكن من قفط النودلين وثغر ما بينهما مجرداً. ومنهن من تضيفه إلى اللذتين المذكورتين مع شوص الفرخ بأنامل وأخامص وهو أغلى ما يكون. ومنهن من تتفاحل وتتقمد على أخرى مثلها. وهذا النوع عزيز لا يراه إلا الموسرون. ومنهن من تتعاطى الحرفة التترسية وهو قرع الترس بالترس.
ومن أغرب ما يكون أن بعض شيوخ الفرنساوية الذين يشب فكرهم وتخيلهم لهرم أجسامهم ووهن حركتهم يؤثرون على جميع الأنواع المذكورة التلمُّط بالعذرة وذلك بأن يتضجع أحدهم وهو عريان ويأمر من تستوي فوقه وتملأ فمه. ومنهم من يستغني عنه بشرب الزغرب من مشخبه زُغلة زُغله أو بمص القنب. وقد يجتمع رجال بواحدة فيقيمونها بين أيديهم عريانة ويقعد لدى قبلها ودبرها اثنان. ويأخذ آخر في صب الشراب من فوق صدرها وظهرها. فيبادر إليه الرجلان فأغرين أفواهمها ويشربانه عند مروره على السميَّن والنساء المثريات المغتلمات يستعملن رجالاً يقودون إليهن كل من رأوه أبتع من الرجال ولا سيما من أهل الريف. فيدخلون عليهن في بعض الديار وهن متبرقعات كيلا يُعرَفن ثم يأجرنهم على ذلك. وفي الجملة فإن كل ما يخطر ببال النحرير من أمور الفسق يراه الإنسان في باريس بعينه بالعَيْن.
стр. 264
وأعلم أن أهل باريس قد اصطلحوا على أمور في المعاش والنساء تميزوا بها عمن سواهم. أما في المعاش فإن من يأكل منهم في المطاعم الشائعة فأنه يشارط صاحب المحل أو بالحري صاحبته على أن يعطيها في الشهر قدراً معلوماً ويأكل عندها شيئاً معلوماً. فتعطيه تذاكر تؤذن بعدد المرات فيدفع ثمنها ثم يعيدها عليها فيودّي عن كل غداء أو عشاء تذكرة. فيتوفر عليه في ذلك ربع المصروف. وقس عليه الحمامات والملاهي وما أشبهها. فأما أمر النساء فإن أصحاب البيع والشراء لما كانوا قد اتخذوا لإدارة أشغالهم نساء حساناً كما سبقت إليه، فإذا خرجن في الليل بعد انقضاء أشغالهن ترصدتهن الرجال ودعوهن إلى مواضع الأكل والقهوة والرقص واللعب. فتذهب كل واحدة مع من تحب. فمتى رافقته إلى أحد هذه المواضع علم أن حقه صار لازب. فأما أن يستوفيه منها تلك الليلة فقط أو يوافقها على إعادة الوصل في كل أسبوع مثلاً مرتين أو ثلاثاً وإن يعطيها في آخر الشهر أُجرة معلومة. وما بقي لها من الساعات فإنها تؤجره لآخرين بأجرة معيَّنة. فترى للواحدة منهن عدة عشاق تواصلهم في أوقات مختلفة من الليل والنهار. ومع ذلك فلا تزال تلقب بُدمْوازل وهي كلمة تطلق على الأبكار على وجه التعظيم. ومعناها سيدة غير ذات بعل. ومنهم من يتصدى لمعرفة هؤلاء البنات من المراقص. فيعمد الرجل إلى بنت ويدعوها للرقص. فإذا أعجبته وأعجبها دعاها للشراب في موضع مخصوص في المرقص وعقد عليها عقد الزيارة الشهري. ومن عامل واحدة منهن مشاهرة لم ينفق عليها نصف ما ينفقه لو قضاها على مرة على حدتها وللنساء رخصة في باريس إن يدخلن جميع المراقص العمومية من دون أن يدفعن شيئاً اجتذاباً للرجال بكثرتهن. ولكن عليهن أن يرقصن معهم إذا استرقصوهنَّ. إلا إذا اعتذرن لهم بعذر يقبلونه كأن تقول المدعوة مثلاً قد دعاني آخر من قبلك فلا بد لي من أن أرقص معه أو نحو ذلك. ثم لا حرج أيضاً على من اكترى في منزل بيتاً مفروشاً كان أو غير مفروش إن تزوره صاحبته في مسكنه. شواء كانت من النوع الذي ذكرناه أعني من النساء اللائي بمنزلة بين الحرائر والزواني أو من غيره. وإن تبيت عنده على علم من الجيران والسكان. فإن منزلة هذا عند منزلة أهل باريس كمنزلة المتزوج. ولا فرق عند أهل باريس بين امرأة متزوجة لها سبعة بنين وسبع بنات تربيهم في تقوى الله وطاعة الملك وبين قحيبة تبيع عرضها لكل إبن سبيل وتتفنشخ لكل مجتاز في الطريق كما تقول التوراة.
стр. 265
وهناك أسباب أخرى كثيرة للفساد في الديار. وذلك أنه لما كانت جميع الأشغال في باريس تديرها النساء وكان منهن غسالات وخدامات لهن يأخذن ثياب السكان وخياطات وفرّاشات وبياعات للمأكول والمشروب والملبوس، أمكن الرجل أن يصاحب واحدة منهن فتأتيه مياومة إذا شاء بججة إنها تقضيه شيئاً أو تبيع له حاجة أو ملايلة أو مشاهرة أو مساوعة أو محاينة وذلك ممنوع في لندرة. بل ربما صاحب الرجل امرأة من نفس الدار التي يسكنها. لآن ديار هذه المدينة العامرة لما كانت تشتمل على عدة طبقات وكان أصغرها يحوي في الأقل عشرين ما بين رجال ونساء. أمكن للرجل أن يعاشر إحدى جارته. بل المتزوجون المقيمون في هذه الديار لا يأمنون على نسائهم وبناتهم لأن الرجل إذا خرج من بيته وخالفه فيه جاره إلى زوجته مائة مرة في اليوم لم يمكنه أن يعلم ذلك لقرب ما بين المسكين. ولهذا كان أهل باريس أقلّ غيرة على نسائهم من جميع الناس. لأنهم ربوا على هذا ولا مناص لهم منه. ولا يمكنهم أن يربوا أطفالهم عندهم خوفاً من تضجر الجيران منهم. وإنما يبعثونهم إلى الريف من أول أسبوع ميلادهم فيربون في أحجار المراضع وهي عادة حميدة من جهة أن الأطفال يتقوّون هناك بطيب الهواء. وهناك سبب آخر أن المُطفل بترشيحها ولدها وتربيته تخسر من نفع حرفتها أكثر مما تعطيه للظئر لأن نساء باريس يباشرون الحرف ولا يرين في التكسب عاراً بأي وجه كان. وهن في البيع والشراء أشط من الرجال ومن تكن جميلة تتقاضَ على النظر إلى جمالها شيئاً زائداً على الثمن. ثم أن حالة الرجال مع النساء على المنوال الذي ذكرناه تعد عند هؤلاء الناس من المصالح المهمة المرتبة المطردة. بمعنى أنه ليس من دار إلاّ ويحصل فيها وصال بين الرجال والنساء مع مراعاة حرمة كل من الزائر والمزور. ومع عدم الإخلال بالوقت الموقوت لكيلا يحصل تعطيل للمزور في شغله. ومع مجانبة ما يسوء الجيران من لغط وعربدة. ولا تكاد ترى في باريس كلها فقيرة أو مومسة تطوف في الليل وهي سكرى كما ترى في لندرة. وندر وجود إحداهنَّ في متأخر الليل. وقلّ من آذت زائرها أو قاصدها.
وهناك فرق آخر بين نساء الفرنسيس والإنكليز من جهة الخُلق لا الخَلق فالظاهر من نساء الإنكليز في الغالب الكِبر والأنَفَة والصُلف. والظاهر من نساء الفرنسيس اللين والبشاشة. إلا أن نساء الإنكليز لا يتدللن على الرجال ولا يجشمنهم الترف والتحف والولائم والملاهي والمنازه والفرج. فأكلة من الكباب وكرعة من المزر تكفيان في استجلاب رضاهن. وليس عندهن من الورم والمحال. والخلب والاختتال. والدها والنكر والاحتيال ما عند نساء باريس. فإما أن تحب إحداهن مثلا وترضى معه بالكثير والقليل وأما أن تصرمه. فأما نساء باريس فمهما يظهر منهن من الملاينة والمباغمة، والملاطفة والملاءمة. فإذا عاشرت واحدة منهن وشعرَتْ بأنك ارتبقت في هواها ورُقبت تبغنجت عليك وتدللت. وتصلّفت وتمحّلت. وأوهمتك أن مجرد كلامها معك منّة. وأن إرضاءها والخضوع لها سنة وإن كثيراُ في عشقها متيمون ناحلون هائمون ناسمون. حتى تستقل عليها كل كثير من الصلات والهدايا فتقبل منك ما تقبل وأنت لها من الشاكرين. وإذا دعوتها لوليمة فلا بد من إروائها من الرحيق المختوم. وتوحيمها بأفخر المطعوم. فتلتهم ما تلتهم وتشتفّ ما تشتف وهي متشبعة متعففة. متمنعة متظرفة. فإذا ضحكت حسبت أن ليس لضحكها من نظير. وإذا مشت ودت لو كان خطوها على الديباج والحرير. حتى إن هذا التصلف أيضاً صفة ملازمة للمتزوجات. فإن المرأة المتزوجة في باريس تغرّم زوجها على كسوتها فقط ما ينفقه المتزوج من الإنكليز على جميع أهله. فدأب الرجل في باريس وهمه وشغله إرضاء زوجته وهيهات أن ترضى وما أحسن ما قيل في هذا المعنى:
لا يعجب الزوج إلا أن تكون بمن ... تحب محفوفة أولا فاعنات
وكيف يرضى أمرء يحمي حقيقته ... بالقِرن والقَرن أفتوا بها النات
وقال
وداخلة الإنسان تفسد كلها ... إذا أصبحت زوج له أم خارجه
ويخرج عنه الحلم لو قيل مرة ... له هي في البيت الفلاني والِجَه
стр. 266
ولهذا يقال في المثل السائر عند الفرنساوية أن باريس نعيم النساء ومطهر الرجال وجحيم الخيل. ولما كانت حالة الرجال مع النساء هكذا كان ثلاثة أرباع سكان باريس مسافحين. ونصف الربع الأخير متزوجين زواجاً شرعياً والباقي منقطعون عن النكاح. كذا أخبرني من يوثق بكلامه. ثم أن المومسة من الإنكليز تعرف نفسها أنها حرة أيضاً أن الناس يعرفونها كذلك. فلا تكلفهم احترامها. ولا تسومهم إعظامها. فإما البغي من الفرنسيس فعندها إن مجرد استبضاعها للبضع يؤهلها لأن يكرمها الناس ويداروها. ويجلوها ويسانوها. وذلك لعدم استغنائهم عنها. وجرّهم النفع منها. وقد تقدم أن الفرنساوية لا يفرقون بين الحرة والبغي وبقي هنا أن نقول أنهم أشد الناس شبقاً إلى البعال. وأقرمهم إلى السفاح. وناهيك إنهم في الفتنة الكبيرة التي حدثت في سنة ١٧٩٣ أقاموا امرأة عريانة على مذبح إحدى الكنائس وسجدوا لها. فصوّر لخاطرك أيها القارئ كيف تكون الرجال والنساء في هذه المدينة في ليالي الشتاء البارد الطويلة وكم من ملهى يغص بهم وبهن وكم من مآب. وكم من مائدة تميد لهم بالطعام والشراب. وكم من سرر تهتزّ. ومضاجع تأزّ. وأجناب تلزّ. وأوطاب تمزّ. وأوتار تنزّ. أنشدني الفارياق لنفسه في وصف باريس وأجازني روايته:
وفي باريس لذات كما في ... جنان الخلد جير وحور عين
ولكن شأنهن دوام طمث ... لكل أربعون من القرين
وقال في الراقصات
لله در الراقصات لنا على ... نغم المثاني حيث تجلى الكوب
لو كان يوماً وطؤهن عليّ لم ... تثقل لديَّ من الزمان خطوب
وقال في رامج
ذي الباريزية طلعتها ... كالصبح بها قلبي مغرم
في الليل أربد تحيتها ... فأقول لها بُن جُوْر مادم
قال وكما أن الغريب المسكين ينشرح صدره وينجلي بصره بمشاهدة تلكم الحكاكات للأعتاب في لندرة على الصفة التي تقدم ذكرها. كذلك تقر عينه أمثالهن في باريس طائفات في الشوارع والأسواق من دون غطاء على رؤوسهن ولا ساتر لخصورهن وما يليها. بخلاف عادة النساء في لندرة فإنهن لا يخرجن إلا ملتحفات. قال وعندي إن هاتين الخلتين وهما حك الأعتاب والخروج من دون التحاف هما السبب في قلة وجود العميان في هاتين المدينتين السعيدتين. وقلما ترى في رجالها احول أو أزور أو أحوص أو أخوص أو أرمص أو أكمس أو أعشى أو أخفش أو أعفش أو أعمش أو أعبش أو أغمش أو أرمش أو امتش أو ذادوش أو مدش أو طخش أوغطش أو غفش أو طفنشئاً أو غطمَّشاً أو مغطرشاً. أو مطغمشاً أو مطرفشاً أو مطفرفشاً أو مطنفشاً أو مدنفشاً أو مدنقشاً. فعلى كل من كان في بلادنا أعمش ذا عين أن يقصد هذه البلاد ليجلو بصره بهذه المناظر الأنيقة. وليستصحب معه أيضاً لهذه الجلاء جلاء أي لقباً يبني عن شرف وسيادة. فإن القوم يعظمون هذه الزنمة ولا يرون للإنسان فضلاً بغيرها. وعلى فرض تحرجه من الانتحال والتزوير فإن غناه يكسبه إياها من عندهم. لأنه متى كان غنياً وجعل دأبة أن يتردد على مواضع اللهو والحظ لم يلبث ان يتعرف بزمرة من الكبراء السعداء وإن يزورهم في مغانيهم. وحٍ يسمونه بسمة شرف تشريفاً له وتشرّفاً به إذ لا يزورهم إلا الشريف مثلهم. فأما حرص النساء على هذه الزنمة وخصوصاً نساء الإنكليز فهو أوسع من أن يحصر في هذا الكتاب.
شكاة وشكوى
ثم رام الفارياق أن يستأجر شقة دار يسكنها هو وأهله فرأوا عدة أماكن لم تخل من عيوب. وكانت الفارياق في خلال ذلك تتمعص من ارتقاء الدرج فإن بعضها كان يشتمل على مائة وعشرين درجة فأكثر. حتى إذا تبوءوا محلاّ وجدوا موقده رديئاً. فلم يمض على ذلك أيام حتى طفقت تشكو وتقول:
стр. 267
يا للعجب كيف تنخدع أحياناً بشيء وتنوه به دون تحقق معرفة حاله. ومتى يستقر ببالهم وجوده على حال من الأحوال يعد تغيير وهمهم عنه محالاً. حتى أن تغيير الوهم من الخاطر يكون أصعب من تغيير القين. لأن من تيقّن شيئاً فإنما يتيقنه عن علم ومن طبع العالم أن ينظر دائماً في الحقائق وأضدادها ولا يزال باحثاً عن الصحيح والأصح. فأما الوهم فلا يدخل إلا رأس الجاهل. ومتى دخل فلا يكاد يخرج منه مثال ذلك وهم الناس أن مدينة باريس هي أجمل مدينة في الدنيا. مع أني رأيت فيها من العيوب ما لم أره في غيرها. أنظر إلى طرقها وإلى ما يجري فيها من الدم والنجاسة ومن المياه المتنوعة الألوان. فمن بين أخضر كماء الطحلب واصفر كماء الكركم واسود كماء الفحم.
стр. 268
ويتلاحق بها جميع أقذار المطابخ والمرافق. ورائحتها ولا سيما في الصيف أشد أذى من رؤيتها. فهلا جعل لها مثاعب تحت الأرض أو أبيات تنف منها إلى نهر أو غيره كما في لندن. وأنظر إلى مبلطّ هذه الطرق حيث تجري المراكب والعجلات. فإنك ترى حجارته قد اختلت وتباعد بعضها عن بعض حتى عاد سير العجلات عليها كطلوع عقبة أو درج فهي لا تزال تهتز واضطرب. وسبب ذلك أن البلاط هنا يفرش فرشاً غير مرصوص ولا منظم بعضه إلى بعض فإذا أتت عليه السنون زاد تباعداً وتخلخلاً. فأما في لندن فإنه يرص بعضه على بعض قائماً فتسير عليه العجلات سيراً سريعاً سهلاً بل قرقعة ولا اضطراب. وأنظر أيضاً إلى برازيق الطرق هنا أي حيث تمشي الناس. فما أضيقها وأقذرها وأقل جدواها. ففي كثير من الحارات لا يمكن لأثنين أن يمشيا معاً على حافة واحدة منها. بل هي لا توجد رأساً في كثير من الطرق أو توجد غير كاملة من الأول إلى الآخر فتراها قد تعطلت في موضع واختلت في آخر. وأنظر إلى هذه الأنوار القليلة في الأسواق وإلى فوانيسها البارزة من الحيطان وإلى بعد المسافة ما بينهما. فقد يمشي الإنسان في أكثر الطرق من فانوس إلى آخر أكثر من من مائة وعشرين خطوة. وانظر إلى صغر هذه الحوانيت وقلة أنوارها وبؤس أهلها وشحّهم. فقلما تجد عند أحدهم ناراً. مع أن هذا الشهر هو من أبرد الشهور. وتأمل هذه الديار وعلو طبقاتها وكثرة درجها ووسخها وفساد ترتيب مرافقها ومراحيضها. فقد تجد في الدار الواحدة عدة مراحيض بجانب المساكن وعدَّة مصاب للماء والأقذار. وناهيك ما يخرج منها صباحا من الروائح الخبيثة. ومع كون هذه المراحيض قذرة نجسة خالية عن لوالب الماء فليس لها مزاليج من داخل ليأمن الإنسان في حال خلوته من انبعاق أحد عليه. فكثيراً ما يدمق عليه دامق ولما يكن أتى على آخر ما عنده فيلحقه بالبدغ والأمدر أو الماصع أو الجازم أو الراطم المزرم وقد سألت عن سبب ذلك فقيل لي أن صاحب الدار إذا كان متورعاً يتحرج من وضع المزاليج خفية أن يدخل بعض الساكنين والساكنات معاً ويتحصنوا بها. ومن أقذر ما يرى في حيطانها آثار أصابع مختلفة فكأن الفرنساوية يستطيبون الاستطابة بأصابعهم. وحين ينظفونها ليلاً تخرج رائحتها الخبيثة وتنتشر في الحارة كلها. فلا يمكن للإنسان أن يبيت إلا مسدود المنخرين. ثم أن هذه الديار ماعدا كونها تشتمل على ست طبقات فأكثر. وعن ذلك وعن ذلك وعن فساد التبليط يسمع لمرور العجلات قرقعة زائدة كما لا يخفي. وما عدا كونها تحوي سكاناً كثيرين مابين فاجر فاجر وفاجرة ومستهتر ومستهترة. فإن كثيراً من مساكنها لا يصلح للسكني لخلوه من النور والهواء. ولا يكاد الإنسان يستريح في محل منها. فإنه أما أن يجده قريباً من المرحاض. أو يجد موقده رديئاً. أو يجدي فيه فأراً أو جرذاناً. أو يجد جاره ذا صخب ووقاحة يغني النهار والليل أو يعزف بآلة طرب. أو يخلو بالمومسات على هرج ومرج وقرقرة وكركرة. وإن من داخلها ما يضحك ويبكي. فالمضحك ما يرى من الخلل في هندمة الأبواب والشبابيك وفرش المبلط بالآجر واتصال بعض المساكن ببعض. والمبكي رؤية هذه المواقد فإنها مبنية على شبه القبور وذلك أول ما يخطر ببال الداخل إلى مسكنه. فهي جديرة والحالة هذه بأن تكون صوامع للرهبان المتبتلين لا مضاجع للناس المتزوجين. وأغرب من ذلك أن أبواب الديار لا تزال مفتوحة. وإن البوابين يتعاطون الحرف والصنائع في كنّ لهم يلزمونه ليلاً ونهاراً. فمنهم من يشتغل بالخياطة ومنهم بحذو النعال ونقلها أو غير ذلك. بحيث أن كل إنسان يمكنه ارتقاء الدرج بلا مانع. وقل أن يبصر البواب من كنه أحداً لأن عينيه أبداً ملازمتان للإبرة أو الأشفى. ولذلك كانت دواعي الفساد في باريس أكثر منها في لندن. وما يرى هنا من الديار البهية والطرق الواسعة الحسنة فإنما هو حديث عهد. فكيف كان لباريس شهرة في الزمن القديم وديارها العتيقة وطرقها العهيدة مما ينبو عنه الطرف وتقذره النفس فأين هذا من شوارع لندن الرحيبة الوضيئة ومن دكاكينها الواسعة الظريفة المزجّجة بأحسن الزجاج وأنفسه. ومن ديارها النظيفة المهندمة. قال فقلت ومن حكاكات أعتابها. فقالت ومن أعتاب حكاكاتها. ثم استمرت تقول ومن مساكنها الأنيقة ومن دراجاتها الحسنة التي لا تزال مكسوة بالزرابي الفاخرة. أيم الله أن صعود خمسين
стр. 269
درجة منها لأهون على من صعود عشر درجات هنا. وأين تلك المواقد البهية المصفحة بالحديد اللماع المجلو في صباح كل يوم. وتلك الشبابيك والطيقان المحكمة التزجيج. وأين تلك المطابخ التي لا يزال فيها نور الغاز متوقداً والماء الساخن عتيداً للسكان. وكم فيها من وصائف خُرَّد يتمنى أعظم المخدومين عندنا أن يكون لإحداهن خادماً أو طبّاخاً. قلت بل لامجاً. قالت أو لاحساً.
إلا وأين حسن نهر تامس وما فيه من سفن النار التي تسير إلى ضواحي لندن في الصيف وفيها آلات الطرب. فتراها ملائة بالرجال والنساء والأولاد فكإنما هي رياض مزينة بالأزهار. وأين تلك الحدائق الكثير وجودها في كل جهة في المدينة وهي التي يسمونها ترابيع. ومن يسكن في غرفة مطلة عليها يخيل له إنه مريف. فإذا مشى بعض خطوات ورآها رأى الناس وازدحامهم إقبالا وادباراً. ثم أين تلك الأنوار المتوقدة. في كل من الطرق والدكاكين بحيث انك إذ كنت في أول الشارع وسرحت نظرك إلى آخره أدهشك حسنها وازدهارها. وظننت أنها نسق كواكب قد نظمت في سلك واحد وإنما يمدح باريس من لم يكن قد رأى لندن أو من رآها بعض أيام ولم يعرف لسان أهلها. ثم أين ملاطفة مكريات المساكن ورفقهن بالنازل عندهنَّ غريباً كان أو لا. فإن الغريب إذا تبوأ منزلاً عندهن يصبح وقد صار واحداً من أهل البيت. لأن كلاّ من صاحبة المنزل ومن الخادمة وما أدراك ما الخادمة. تلاطفه وتؤانسه وتقوم بخدمته وتطبخ له وتشتري له ما شاء من السوق. وتطلع إليه كل يوم بالماء السخن وتضرم له النار وتمسح نعاله. لعمري أن النازل عندهن يمكنه أن يتعلم اللغة الإنكليزية بمحاورته معهن في أقصر مدة. فأما في باريس فإن النازل في أحد المساكن قد يموت في ليلته ولا يعلم به أحد. فإن بينه وبين البواب بعداً باعداً. وفي أكثر المساكن هنا لا يجد الإنسان جرساً ليطنّه فيتحرك له البواب. ثم أين استقامة تجار لندن وصدقهم في البيع والشراء وتودّدهم إلى الشاري وأناتهم معه من تجار باريس الذين لو قدروا على سلخ جلد المشتري ولا سيما إذا كان غريباً لما تأخروا. وإنهم قد حاكوا تجار لندن في وضعهم بطاقة الثمن على البياعات. ولكن هيهات. فإن من سعر حاجة بمائة فرنك مثلاً يبيعها بثمانين. وقد يضعون في وجوه الحوانيت أصنافاً من البضاعة مسعرة فإذا أردت أن تشتري شيئاً من ذلك الصنف جاءك بصنف دونه في الجودة. وحلف لك إنه من عين ذلك الراموز ولا يزال بك مبربراً مثرثراً وحالفاً وحانثاً حتى تشتريه حياء أو خصما للنزاع. وغير مرة يعطون الشاري فلوساً أو دراهم زائفة. فأما باعة المأكولات والمشروبات فإنهم أكثر غشاً وشططاً في هذه المدينة من سائر الناس. ولهم في الوزن لباقة لم أرها عند غيرهم. وذلك أن من باعك شيئاً موزوناً يطرحه في كفة الميزان. وأول ما تميل به الكفة يرفعه بلباقة ويسلمه لك. ولو أرسلت إليه خادمك أو أبنك لباعه نفاية ما عنده وكان على السنجة اشد غضباً. هذا ما عدا غشهم المأكول والمشروب وتغييرهم الأسعار بتغيير الأوقات والأحوال. وهذه اللباقة معروفة أيضاً عند باعة الأصناف كيلاً وذرعاً.
стр. 270
فأما ما يقال في مواضع التنزه والحظ في باريس وذلك كحديقة قصر الملك وما يليها فلعمري إن من رأى حدائق كريمون وفكس هال ورجفيل التي في ضواحي لندن ماعدا Cremorne Gardens Vauxhall Rosherville حدائق كثيرة في حاراتها فلا يطاوعه لسانه بعدها على ذكر غيرها. نعم إن حديقة القصر هنا حسنة على صغرها لكونها في قلب البلد وتلك منحازة عن الوسط. ولكن آه من قلب هذا البلد. كم من فاسدين وفاسدات تجمع هذه الحديقة في كل يوم فهي عبارة عن حابور. لأن النساء ينتبنها ليتصيدن منها الرجال. إذ تجلس المرأة على كرسي بجنب ممن أعجبها وهي لا تعرفه. ويكون بيده كتاب يطالعه وبيدها منديل تخيطه أو نحو ذلك. فيطفق هو يقرأ في الكتاب كلمة وينظر إليها نظرة وهي كذلك تملّ ملة وتهجل هجلة فلا يقومان إلا وهما متعاشقان. حتى إذا كان اليوم القابل تبدّل كل منهما مقامة وعشقه. أما الجمال فليس من مناسبة بين جمال نساء باريس ونساء لندن فالذأبة أو الخفوت هناك تعد هنا عبهراً ولعزة الجمال هنا صار عزيزاً فإن الشيء متى عزّعزّ فكان كلف الناس به اكثر وتنافسهم فيه أشد. ومن أعجب العجب عندي أن الجملة الرائعة في لندن تطوف بأخلاق من الثياب. والدميمة الشوهاء في باريس ترفل بالحرير والكشميري فإما مواضع الرقص فإنها في لندن تفتح كل ليلة وفي باريس ثلاث مرات في الجمعة لا غير. وفي أكثر شوارع لندن تسمع الغناء من جواري حسان وآلات الطرب ليلاً ونهاراً من دون غرامة ولا كلفة. وليس كذلك في باريس إلا ما ندر.
وغاية ما يقال في التنويه بباريس وفي تفصيلها أن فيها مواضع للشراب والقهوة ظريفة يجلس داخلها وخارجها الرجال والنساء متقابلين ومتدابرين. فهل لمجرد القعود على كرسي يحكم لها بالفضل وتشهر عند الخاصة والعامة من أعصر متعددة بأنها أجمل مدينة في العالم. ثم أين حشمة فتيان الإنكليز وتأديبهم مع النساء سواء كانوا في البيوت والشوارع من فتيان الفرنساوية هؤلاء الهصاهيص الذين يهصهصون في النساء حرائر كن أو بغايا. ومتى ينظروا امرأة مكّبة لربط شراك نعلها يطيفوا بها فيصيروا لحلقتها حلقة ولحِتارها حتاراً. ولا سيما حين يأتون إلى هذه المناصع ويبدون فيها منادفهم- قال فقلت استمري في الحديث وقولي ما شئت بحيث لا تقفين على المنادف. قالت أتغار علي أيضاً من الوقوف بالكلام. وإنما وقفت بُهْراً من هذه الدنيا المبينة على النادفية والمندوفية. لا جرم لو إني كنت في مقام ملك أو أمير لما أكلت مّما مستّه أيدي الرجال شيئاً.
وبينما هما في الكلام إذا برجل يطرق الباب ففتح له الفارياق وهو مستعيذ من حوله على ذكر المنادف. وإذا به يقول. قد سمعت بقدومك فأتيتك رغبة في أن أقرأ عليك في العربية شيئاً وأعطيك في مقابلة ذلك خمسة عشر أفرنكاً في الشهر. فلما سمعت الفارياقية أغربت في الضحك على عادتها وقالت لزوجها. دونك أوّل دليل على كرم أصحابنا هؤلاء الذين طبّل بذكرهم العالم ورمّز. فقال له الفارياق ما أريد منك مالاً وإنما تبادلني الدرس في لغتك عن لغتي. فرضي بذلك. ثم زاره أحد علماء باريس بعد أيام وقال له قد بلغني قدومك وإنك مُوْلَع بالنظم. فلو أبياتاً على باريس وذكرت ما فيها من المحاسن لقام ذلك عند أهلها مقام توصية بك. لأن الناس هنا يحبون الإطراء والتمليق أي يحبون أن الدخيل فيهم يطرّيهم بالإطراء. وإذا كانوا هم دخلاء في غير بلادهم أطرأوا على حكام تلك البلاد ونالوا عندهم الوجاهة والمكانة. فأجابه الفارياق إلى ذلك ونظم قصيدة طويلة في مدح باريس وأهلها سماها الهرفية لأنه مدحهم مجازفة من قبل أن يعرفهم. وسيأتي مع نقيضتها الحرفية ومع نبذة مما نظمه بباريس في الفصل العشرين. فلما وقف العالم الموما إليه على معانيها أستحسنها جداً وترجمها إلى لغته. وتوصل في أن طبع الترجمة في إحدى الصحف الأخبارية وجاء بنسخة منها إلى الفارياق وهو يقول. قد طبعت ترجمة قصيدتك في الصحيفة وقد وعدتني جمعية العلم الآسياوية "نسبة لآسيا" بأن تطبع الأصل العربي في صحفهم العلمية. لكونك أول شاعر مدح باريس باللغة العربية. فشكره الفارياق على ذلك وقال له إني أريد نسخة من هذه الترجمة. قال أنها في مكان كذا بنحو ثلثي أفرنك فسار وأشترى نسخة.
стр. 271
ثم قدم عليه بعد أيام بعض من قرأ تلك الصحيفة وهو يقول. قد قرأت ترجمة قصيدتك وأعجبتني. فهل لك في أن تبادلني الدرس؟ قال هو كما أريد. فأستمرّ يتردد عليه أياماً في خلالها عرّفه بالعالم المشهور مسيو كترمير Quatremere وهذا العالم عرّفه بمدرّس اللغة العربية مسيو كسّان دُبرسُفال Caussin De Perceval ثم تعرف أيضاً بالمدرّس الثاني مسيو رينو Reineaud ولكن كانت معرفته بهم كأداة التعريف في قولك أذهب إلى السوق وأشترِ اللحم. ثم زاره أيضاً أحد الأعيان الذين يتقدم أسماءهم أداة دُ وهي علامة النبالة والشرف وهو مسيو دُ بوفورت De Beaufort وكان له أخت في دارها مدرسة تعلم فيها بنات الكبراء. فلما حان وقت امتحانهن في العلم صنعت مأدبة في بعض الليالي وأدبت إليها الفارياقية وزوجها. فقال الفارياق لزوجته. هاك مثالاً على كرم القوم فقد مضى عليك مدة وأنت تشكين من الوحدة ومن بخل من تعرّفت بهم وتقولين أنهم لم يؤدبوك قط. وقد كان يؤدبك في بلاد الإنكليز من كان يعرفك ومن لم يعرفك، حتى أنك كثيراً ما كنت تتضجرين من ذلك. لما أنه كان يلزمك له تغيير زيك ووقت غذائك وحرمانك من الدخان. فأبشري الآن أن أصحابنا بالخير قمينون حريون. قلت كل منهم قمين حريّ. ثم سهرا تلك الليلة عند أخت "ألدّ" الموما إليه على أحسن حال وأصفى بال. فرجعت الفارياقية إلى منزلها بقلب آخر وهي تقول. نعم لقد تفضل بوفورت وأحسن كل الإحسان. وقد رأيت من نساء الفرنساوية من البشاشة والطلاقة ما لم أكن أصدقه. نعم ويعجبني منهن هذه الغنة والخنة التي تكثر في كلامهن وهذا هو الذي جعل اللغة الفرنساوية فيما أظن مستحبة. وهي من الأولاد أشجى وأطرب. فقلت الظاهر أن العرب أيضاً تحب هذه الخنخنة. فقد قال سيدي صاحب القاموس نخِم وتنخّم دفع بشيء من صدره أو أنفه. ونخَم لعب وغنى أجود الغناء. فضحكت وقالت أظن صاحبك كان يهوى مخنخنة وإني أشفق من أنك لا تلبث أن تسري إليك عدواه. سلمت بان الغنة بل اللثغة بل اللدغة تستحب من الغلمان والجواري. ولكن هل يطيق فتى أن يسمع عجوزاً خفخافه تخنخن عليه في أنفه. وهل تطيق شابة خُنّة شيخ هرم في خياشمها.
نعم ويعجبنيمن العامة في باريس أنهم لا يسخرون من الغريب إذا رأوه مخالفهم لهم في زيه وأطواره بخلاف سفلة لندن فأنهم يسلقونه بالكلام. ربما تكلف الواحد منهم أن يناديه من مكان بعيد حتى يبح وما ذلك إلا ليقول له أنك يا غريب دموي ملعون. ولعلي في ذلك مخطئة. قال فقلت بل مصيبة فإن جميع الناس يثنون على أدب الفعلة وسائر العامة في باريس وعلى حسن كلامهم. لبثا مدة وهما يقابلان محاسن باريس بمحاسن لندن. فمما كرهت الفارياقية في باريس غاية الكراهة هو إن النساء يرخَّص لهن في دخول الديار مهما يكن من تخالف أنواعهما. وزعمت أن ترتيب الديار في لندن بهذا الاعتبار أحسن. فقال لها الفارياق لا ينكر أن ديار لندن أحسن ترتيباً باعتبار أن درجها قليل وإن سكانها قليلون ملازمون للسكون. وإن أعتابها تحك في كل يوم. وإن في مطابخها ربلات قديمة وإن داخلها مهندم مفروش بالبسط الجيدة إلا أنها بلون النار. فأما ديار باريس فأنها أبقى على الأحوال ومنظرها في الخارج أزهى. فأما مع المومسات عن دخول تلك وترخيصهن في دخول هذه فهو في دليل على أتصاف المومسات في باريس بالأدب. بخلاف مومسات لندرة فإنهن يتهتكن في الشرب والمومس. ولذلك منعن من الدخول إلى السكان. وهناك سبب آخر وهو أن بغايا باريس معروفات في ديوان البوليس وأسماؤهن مقيَّدة فيه. فلا يتجرأن على التفاحش والتهتك وإن كن فواحش. فأما بغايا لندره فقد خُلّين وطباعهن.
стр. 272
ثم مضت مدة على الفارياقية وهي تقاسي من الخفقان ألما مبرّحاً. فكان يلازمها أياماً متوالية ثم يخف عنها. وفي خلال ذلك أدبت مرة أخرى عند أخت "ألدّ"، فسارت معزوجها وهما متعجبان من هذا التكرم الذي لم يجدا له في باريس نظيراً. ثم أشتد بالفارياقية المرض ولزمت الفراش فأحضر لها طبيبين من النمساوية فعالجها مدة حتى أفاقت قليلاً. وكانت أخت ألدّ قد تزوجت برجل اسمه Ledos فلما جاء أخوها ذات يوم إلى الفارياق على عادته وجد الفارياقية تءن وتشكو من بلوغ الألم منها. فقال لزوجها لو استوصفت صهري دواء لزوجتك فأنه خبير بخصائص النبات وقد أبرأ كثيرين من هذا الداء. فسار إليه الفارياقية وسأله أن يأتي معه ليرى زوجته. فقال له أني غير مرخص لي من الديوان في مداواة المرضى ولكني لا آبي أن آتى معك رجاء أن يحصل شفا امرأتك على يدي. ثم أتى ووصف للفارياقية أن تشرب ماء بعض أعشاب تغلى وبعث لها من ذلك بستة قراطيس. فلما فرغت وطلب الفارياق غيرها جاءت أخت ألدّ أعني زوجة المتطبب تقول. أن زوجي يتقاضاكم خمسين أفرنكاً ثمن القراطيس. فلما سمعت الفارياقية ذلك تراجع إليها نشاطها وبادرتها أجمع وقالت لها. أما تستحبين أن تطلبي هذا المبلغ على ستة قراطيس من العشب وزوجك ليس بطبيب. فقال لها زوجها ولكن اذكري أن المرأة أدبتنا إلى شرب القهوة والشاي مرتين وقد تخللناهما بأشياء من الحلواء والكعك فلا ينبغي مقابحتها. ثم جدال طويل ونزاع وبيل رضيت أخت ألدّ بأن تأخذ نصف المبلغ المذكور فأقبضها إياه الفارياق فولت وهي مدمدمة وأنقطع أخوها عن الزيارة. ومن هؤلاء المتطببين من إذا رأى غريباً بش في وجهه واحتفى به ودعاه إلى منزله وواصل زيارته إلى أن يراه يشكو من سعال أو غيره فيصف له دواء. ثم يتقاضاه غرامة رابية على كل زيارة جرت بينهما من أول تعارفهما. ويأتي بجيرة المحل شهوداً على الرجل في إنه كثير التردد على منزله وأدعى أن مرضه كان مزمناً. وحامل لواء هذه الزمرة اللئيمة هو دَلْكس Dalex المتطبب المقيم في لندرة في Beners Street No ٦١ Oxford Street ثم رجع الطبيب النمساوي إلى مداواة الفارياقية فلما نفهت شار عليها بالسفر من باريس فأستقر الرأي على تسفيرها إلى مرسيلية. فقالت لزوجها قد طاب الآن لي السير من أرض ما فيها خير. هؤلاء معارقك الذين أتيتهم بكتب توصية من لندن والذين تعرقت بهم بعد ذلك هنا بوسيلة علمك لم يدعك أحد منهم إلى باريس على كرسي في بيته. وهذا لامرتين الذي أبلغته كتاب توصية من الشيخ مرعي الدحداح في مرسيلية كتبت إليه تسأله عن أمر فلم يجبك. مع أنك لو كتبت إلى الصدر الأعظم في دولة الإنكليز لأجابك لا محالة سواء بالسلب أو الإيجاب. وهذا المتطبب صهر ألدَّ غرّمنا على ستة قراطيس خمسة وعشرين أفرنكاً مع إن هذا الطبيب النمساوي وصاحبه قد عالجني مدة وعنيا بي ولم يتقاضياك شيئاً. وكذلك تفعل أطباء لندن جزاهم الله خيراً. أفكل الناس يكرمون الغريب ويرفقون به إلا أهل باريس. لقد كنت أسمع أنه يوجد في الدنيا جيل ملاذون وملاّثون ملاّقون ولاّذون ولثّيون محّاحون مرامقون ّملقيون مماذقون غملجيون مبذلخون مطرطرون مطرمذون خيتعوريون مبهلقون مرامقون مذّاعون طرفون خيدعيون قشعون مقطاعيون اعفكيون مجذاميون جذامريون كموصيون هملعيون منبجيون تلماظيون بذلاخيون وما كنت أدري أي جيل هم.
стр. 273
فالان أغنى الخبر عن الخبر. وتحققت أن هذه الصفات التي كنت استكثرها إن هي إلاّ بعض ما يقال في أهل هذه المدينة. فإن مودتهم يقطينية أي تنبت سريعاً كاليقطين ولا تلبث أن تذوي. ومواعيدهم عرقوبية طالما وعدوا فأخلفوا. ومنوا فأزهفوا. وحالفوا فحنثوا. وعاهدوا أفنكثوا يبشون بالمغتر بهم ويهشون. ثم هو إن لازمهم ملوه. وإن غاب عنهم نسوه. وما ينجزه غيرهم بنعم ولا فهم يرتبكون فيه أياماً وليالي يبدءونه بأساطير طويلة. ويختمونه بتهاتر وبيلة. فأما بخلهم على غير المراقص فيضرب به المثل. وناهيك إن نارهم في الشتاء كنار الحباحب. ولو أنهم أوقدوا ناراً كنار الإنكليز لرأيت جوهم أكثر دجنة ودكنة من جو أولئك. وإنهم في الصيف لا يستسرجون وما عندهم غير هذين الفصلين من فصول السنة فأما بردعارم وأما اغتم ملازم. إلا وإن أحدهم لينزل إلا فرنك أجرة من يعمل له منزلة الدينار عند الإنكليز. على أن بلدهم أغلى أسعاراً من لندن في لوازم المعيشة أو مثلها. أرأيت إنكليزياً يعمل لحسابه بالفلس كما يعمل أهل باريس حسابهم بالصنتيم؟ بل أن كثيراً من الإنكليز لا يعلمون كم في صلديهم من فلس. نعم وإن "أي أهل باريس" ليكتب إليك مكتوباً في شأن مصلحة تقضيها له ولا يدفع جعله. ولقد يضحكني من فخرهم أنهم يأكلون ابشع المأكول ولا تزال أمعاؤهم ملئا من شحم الخنزير. ثم هم إذا خرجوا إلى المحافل والمثابات بالغوا في التفخل والرفلان غاية ما يمكن وإن كثيراً منهم يغلقون في الصيف كواهم وشبابيكهم ولا يفتحونها أبداً. يوهمون الناس إنهم قد ساروا إلى بعض منازه الريف ليصيفوا فيه كما تفعل كبراؤهم. وإن كثيراً منهم ليتقوتون بالخبز والجبن نهاراً ليبدوا في الملاهي والملاعب ليلاً. وإن أشرافهم وذوي ألدّ منهم يأكلون مرتين في اليوم ويفطرون على محار البحر. والناس كلهم يأكلون ثلاث مرات والإنكليز أربع مرات.
ولكن معاذ الله أن تكون الفرنساوية كلهم كاهل باريس. وإلا فيخسر ما ضاع الثناء عليهم كما ضاع ماء الورد في غسل مرحاض.
стр. 274
فأما نساء باريس المضروب بأدبهن وظرافتهن المثل فلعمري إنهن جخر مجخرات وأكثرهن لا يسوغلن ولا يتلجمن ولا يعتركن ولا يشمذن ولا يستنجين ولا يتخذن الفرام ولا المعابئ ولا الفراص ولا الثمل ولا الجدائل ولا المماحي ولا الربذ. وليس لهن من نظافة إلا على ما ظهر منهن من نحو قميص ومنديل وجورب. ولذلك تراهن أبداً يكشفن عن سيقانهن وهن ماشيات في الأسواق صيفاً وشتاء. بدعوى رفع أذيالهن عن أن تمس النجاسة في الأرض. فمنتكن منهن سوقاء افتخرت بساقها وبجوربها معاً ومن تكن نقواء افتخرت بالثاني. وليس في نساء الأرض كلها أكثر منهن تيها وعجبا وزهوا وإِرباً وتعنفصاً أخداعا ومجابة وغطرفة وتبغنجاً. سواء كن قباحاً أو ملاحا. طوالا أو قصارا وهو الغالب فيهن. عجائز أو صبايا. حرائر أو بغايا. ذوات لحيً وشوارب أو نقيات الخد. مذكرات الطلعة والسحنة أولا. على أني لم أرَ في جميع النساء تذكيراً إلا في نساء باريس وأيرلندا غير إن هؤلاء لسن مزهوات مغانيج كالباريسيات وإنما الذي صّيرهن إلى ذلك هو شدة شبق الرجال عليهن. وقرمهم إليهن. فترى الفرهد الغساني مخاصراً لسعلاة منهن ومتذللاً ومطيعاً لها. فلقد أصاب الذين يتزوجون منهم في بلادنا الجواري السود تخلصاً من أسرهن وسرفهن. وقد رأيت عامتهن لطّاعات أي يمصصن أصابعهن بعد الأكل ويلحسن ما عليها. فأما ذوات الشرف فإنهن يغسلن أيديهن في فنجانة على المائدة بحضرة المدعوين ويتمضمضن بالماء ثم يقذفنه فيها. فهل ذلك يعد من الظرافة والأدب. أليس فعلهن أفظع من التجشئ عندنا. وإنما يمدح محاسنهن ويهيم بهن من الفت عينه النظر إليهن بعد مدة. وهب أن نساء باريس ظريفات كيّسات ولكن ما شأن هؤلاء النساء اللائي يقدمن من السواد والبراغيل والراذانات والرساتيق والمذارع والدساكر والفلاليج. فمنهن من تغطي رأسها بمنديل فلا يبين منهن إلا شعيرات من عند فوديها. ومنهن من تلبس طرطوراً من القماش على رأسها. حتى أن أهل باريس لا يتمالكون أن يضحكوا حين يرون واحدة من هؤلاء الباديات. وأقبح من ذلك لهجتهن. وفي باريس كثير من النساء يكنسن الطرق ويتعاطين أعمال الرجال. وفي بولن وكالي ودياب وهافر وغيرها من الفرض تجد النساء يحملن أثقال المسافرين على ظهورهن ورؤوسهن. وليس في بلاد الإنكليز كلها من حمالات إلا لأصحاب الأثقال. وزيهن كلهن سواء. فكيف يزعم الفرنساويون إنهم جميعاً متمدنون. ولعمري لو كانت النساء في بلادنا يخرجن في الأسواق سوافر ويبدين قوامهن وخصورهن وسوقهن كنساء باريس، لما تركن لهن أن يذكرن معهن بالجمال والظرافة أصلاً. إلى مصر إلى مصر بلاد الحظ والأرب. إلى الشام إلى الشام. معان الفضل والأدب. إلى تونس نعم الدار فيها أكرم العرب. كفاني من الإفرنج ما قد لقيته وعندي إن اليوم في قربهم عام. ألا دعني أسافر من بلاد أسقمت بدني بمأكلها ومشربها وبرد هوائها العفن. فقال لها الفارياق إن كنت تطيقين السفر فشأنك. فقالت لموتي في الطريق إلي أشهى من التخليد في دار اللئام. فمن ثم تأهبت له. غير أنه حصل لها في غد ذلك اليوم من الضعف والألم ما منعها عن الحركة. وتفصيل ذلك يأتي في الفصل التالي:
سرقة مطرانية ووقائع مختلفة
стр. 275
لما نكبت نصارى حلب وجرى عليهم من نهب المال وهتك العرض ما جرى، اجتمعت رؤساؤهم في الدّين وارتأوا أن يبعثوا من طرفهم وكلاء إلى بلاد الإفرنج ليجمعوا لهم من دولها وكنائسها ومن أهلها الخيرين مدداً يقوم بأودهم. فاختارت الكنيسة الرومية الأرثوذكسية الخواجا فتح الله مرّاش واختارت الكنيسة الرومية الملكية المطران اتناسيوس التتونجي مؤلف كتاب الحكاكة في الركاكة. ورجلاً آخر معه يقال له الخواجا شكري عبود. فاقبلوا يجولون في البلاد حتى انتهوا إلى مملكة أوستريا فجمعوا منها مبلغاً. وكان معهم منشور من مطراني الكنيستين المذكورتين في حلب يؤذن بوكالتهم من الطائفتين في هذه المصلحة. فلما فرغوا في بلاد النمسا قدم الخواجا فتح الله المزبور ورفيقه الخواجا شكري عبود إلى باريس ومعهما ذلك المنشور. وبقي المطران هناك على عزم أن يجتمع بهما في بلاد الإنكليز. وإنما لم يقدم معهما إلى فرنسا مع أنه هو وكيل الكنيسة الملكية وهي على مذهب الكنيسة الفرنساوية. لما أنه كان سابقاً ارتكب فيها من إساءة الأدب وتعدّى طور أمثاله ما أوجب حبسه ثم طرده منها مدحوراً. فخشي والحالة هذه أن يشهر أمره هذه المرة فيها فيحيق به سوء عمله. فلما أبرز رفيقاه منشور الوصاة المطران باريس والتمسا منه المعونة عجب من رؤيته اسم المطران التتونجي مذكوراً فيه دون رؤية سحنته. فقال لهما ما بال وكيل الكنيسة الملكية لم يحضر معكما. فاعتذرا عن غيابه بأعذار لم يقبلها منهما المشار إليه. وتذكر ما كان فعله التتونجي من قبل فردّهما خائبين. وكان الخواجا فتح الله مراش ورفيقه يترددان على الفارياق مدة مكثهما في باريس. لكن تردد الأول أكثر. وإنما أنس به الفارياق مع علمه بأنه رفيق التتونجي لكونه لكونه رآه من ذوي المعارف والدراية ماعدا كونه متزوجاً وله عيال. وقلّ من كان على مثل ذي الحال وانطوى على غش ودخل. لأن العلم بلطف العقل والعيال ترقق القلب. ثم أرتبك المطران في رطمه في بلد من بلاد أوستريا وهو فيما أظن بولونيا. ففصل منه على نكظ وخزي وسار إلى بلاد الإنكليز مجتدياً. ويومئذ أرسل إلى رفيقيه المذكورين أن يلحقا به. فما مضت بعد سفرهما أيام قليلة حتى ورد إلى الفارياق كتاب من كاتب اللجنة "أي جمعية أخوية" وفي ضمنه كراسة من كتاب كان قد عربه الفارياق من كتب العجم وفيها ما يسوء اللجنة. فأيقن حينئذ بأن أحد رفيقي المطران عند ترددهما عليه سرقها من مخدعه بإشارة المطران. وإنه لما أجتمع به في لندن سلمها له فأهداها المطران إلى اللجنة طمعاً في إيصال الضرر من جانبهم إلى الفارياف. غير أن اللجنة المذكورة لما كانت منطوية على أخلاق كريمة ردت الكراسة على الفارياق. إذ لم يكن لهم بحفظها من مصلحة. وكان ورود الكراسة يوم عزمت الفارياقية على السفر. فبلغ منها الغيظ والحزن كل مبلغ حتى لزمت الفراش. فأما المطران فإنه تصدى له في لندرة بعض رؤساء الكنيسة الباباوية ومنعوه من تعاطي الحرفة الساسانية. حتى أن شنعته وشهرته هناك عطلت أيضاً على غيره ممن كان يجتديهم لمصلحة من مصالح الكنيسة. فحسبوا كل قادم إليهم من بلاد الشرق منافقاً.
стр. 276
أما الفارياقية فإنها نقهت بعد أيام وصممت على السفر فكتب لها زوجها كتاب توصية إلى المولى المعظم سامي باشا المفخم في مدينة القسطنطينة. ثم شيّعتها وسفر معها اصغر أولاده تسلية لها. ولما حان حان الفراق توادعاً وتباكياً وتواجداً حتى إذا لم تعد العين تجيبهما بالدمع وهي العسقفة والعسقبة والتبغيض رجع إلى منزله مستوحشاً مكتبئاً. وسافرت هي إلى مرسيلية فزال ما كان بها وشفيت أتم الشفاء. لكنها لم تغير نيتها عن السفر إلى إسلامبول. ثقة بأن هذا الفراق يكون سبباً في وشك اللقاء. فلما بلغت مقام المولى المشار إليه وأدت كتاب التوصية لولده النجيب الحسيب صبحي بيك إذ كان والده حينئذ غائباً، اكرم مثواها وأحسن إليها غاية الإحسان. وهذا مثال آخر على الكرم الشرقي ينبغي أن يبلغ مسامع الأمراء الغربيين من الإفرنج. وفي غضون ذلك نظم الفارياق للموما إليه قصيدة يمدحه بها على كرمه ومعروفه. ولزوجته أبياتاً أودعاً ذكر ما لقي من وحشة النوى وستأتي كلها في الفصل التالي الذي هو خاتمة هذا الكتاب. ثم أنتقل من منزله ذاك إلى غرفة وجعل دأبه في كل يوم نظم بيتين على بابها. ثم بلغه قدوم السيد الأكرم الأمير عبد القادر إلى باريس فأهداه أيضاً قصيدة وتشرف بمجلسه. ثم عيل صبره من الوحدة فاستماله بعض معارفه إلى اللعب بهذه الأوراق المزوقة فصار من زمرة المقامرين. لكن جهله بها كان غير مرة يبعث شريكه على العربدة عليه. فكان يرضى بأن يكون حرضه فقط. "الحرضة أمين المقامرين" ثم تعرف برئيس تراجم الدولة وهو الكونت ديكرانج فأما غيره من التراجميين وشيوخ العلم ومدرسي اللغات الشرقية فلم يطأ لهم عتبة. لأنهم نفسوا عليه بمائهم وبضيحهم وبودهم وكلامهم ولقائهم حتى إنهم أبوا أن يطبعوا له قصيدته التي مدح بها باريس بعد أن وعدوا بذلك. وما كان خلفهم إِلا حسداً ولؤماً.
نبذة مما نظمه الفارياق من القصائد والأبيات
في باريس على ما سبقت الإشارة إليه
أي فارياق، قد حان الفراقز فإن ذا آخر فصل من كتابي الذي أودعته من أخبارك ما أملّني والقارئين معي. ولو كنت علمت من قبل الأخذ فيه بأنك تكلفني أن أبلغ عنك جميع أقوالك وأفعالك لما أدخلت رأسي في هذه الربقة. وتجشمت هذه المشقة. فقد كنت أظن أن صغر جثتك لا يكون موجباً لإنشاء تأليف كبير الحجم مثل هذا. وأقسم إنك لو تأبطته ومشيت به خطى على قدر صفحاته لنبذته ورآك وشكوت منه ومن نفسك أيضاً إذ كنت أنت السبب فيه. وما تمنعني صداقتي لك إذا وقفت على أحوالك بعد الآن إن أؤلف عليك كتاباً آخر. ولكن إياك وكثرة الاسفار، والتحرش بالقسيسين والنساء في الليل والنهار. فقد مللت من ذكر ذلك جداً. ولقيت منه عناء وجهداً. والآن قد بقي عليّ أن أروي عنك بعض قصائدك وأبياتك. ولكن قبل الشروع فيه ينبغي أن أذكر حكاية حالي.
стр. 277
وهي إني لما كنت في هذه السنة بمدينة لندرة وشاعت أراجيف الحرب بين الدولة العلية ودولة روسية نظمت قصيدة في مدح مولانا المعظم وسلطاننا المفخم السلطان عبد المجيد أدام الله نصره وخلد مجده وفخره وقدمتها لجناب سفيره المكرم الأمير موسورس فبعث بها جناب فخر الوزراء سيدي رشيد باشا بلغه الله ما شاء فلم تمض أيام حتى بعث المشار إليه الأمير السفير يخبره بأنه قدّم القصيدة للحضرة السلطانية في وقت رضى وقبول ووقعت لديها موقعاً حسناً. وإنه صدر الأمر العالي بتوظيفي في ديوان الترجمة السلطاني. فكان هذا الخبر عندي أسرّ ما طرق مسمعي. فينبغي لي الآن إن أتأهب للسفر لا تشرف بهذه الوظيفة. ولكن أعلم أيها القارئ العزيز إنه لما كان همي وقصارى مرامي كله إنجاز طبع هذا الكتاب قبل سفري إلى القسطنطينية وكان مكثي في لندرة موجباً لتأخيره. لأن أجزاءه المطبوعة كانت ترسل إليّ فيها لأصححها آخر مرة من قبل الطبع. أشار إليّ الخواجا رافائيل كحلا الذي ولي طبع الكتاب بنفقته إن أسافر إلى باريس تعجيلاً لطبعه فأجبت إلى ذلك. وكان وقتئذ في مرسى لندرة سفينة نار للدولة العلية يراد تسفيرها بعد مدة. فالتمست من صاحبي الخواجا نينه الذي قدم مع الخواجا ميخائيل مخلع في مصلحة متجريه بأن يراقب وقت سفر السفينة ويخبرني بذلك لئلا تفوتني فرصة السفر معها. وكان للخواجا نينه المذكور بعض حاجات ومآرب في باريس جلها بامرأته فوكل بشرائها بعض معارفه هناك. حتى إذا اشتراها له أوعز إليه في أن يسلمها لي وكتب إليّ كتاباً يقول فيه أن السفينة لا تلبث أن تسافر فالأولى سرعة رجوعك إلى لندرة. فصدقت قوله وأقبلت أسعى إلى لندرة وأنا موجس أن تكون السفينة قد سافرت دوني. وتركت التصليح على عهده الخواجاً رافائيل الموما إليه. فلما وصلت إلى لندرة تبين لي أن نصح صاحبي لم يكن مقصوداً به حاجة حضوري ولكن إحضار حاجته معي ليتوفر عليه بذلك جعلها ومكسها ولتتزّين بها زوجته قبل انقضاء أوانها. فإن السفينة بقيت في المرسى مدة طويلة لتصليح آلاتها على علم من ناصحي. فكان قدومي إلى لندرة هذه المرّة الثانية سبباً في تأخير الطبع أيضاً لأجل لزوم إرسال الصحائف إليّ لأنظرها قبل الطبع كما سبقت الإشارة إليه. ولولا ذلك لنجز الكتاب سريعاً. غير أني أحمد الله تعالى على إنه لم يعرض له من الأمور النسائية إلا ما أوجب تأخير طبعه فقط دون أبطاله ونسخه بالكلية. فقد طالما أشفقت عليه من ذلك كما أن الفارياق يشفق على فساد ترجمته من أمثال هذه العوارض. وهذه القضية مصداق على ما قالته الفارياقية في الفصل التاسع من الكتاب الرابع من أنه قد يجتمع اثنان في زواج أو في شركة أو غير ذلك ويكون قد تقرر في بال أحدهما إن له منة على صاحبه. فمتى وردت على سمعك يا صاحبي نصيحة من أحد فأنشر طيّها وأسبر غورها لتعلم هل الغرض منها نفعك خاصة أو نفع ناصحك وحده أو نفعكما معاً. ولكن لا تبتدئ بنصيحتي هذه فإني لم أقصد بها إلا مجرد نفعك فقط. وأعلم يا فارياق إنه قبل تشرف قصائدك وأبياتك بإدماجها في هذا الكتاب يجب عليّ أن أشرفه والقارئين أيضاً بالقصيدة المشار إليها وهي:
الحق يعلو والصلاح يعمر ... والزور يمحق والفساد يدمر
والبغي مصرعه ذميم لم يزل ... آتيه عرضة كل سوء يثبر
والوغد تبطره من النعم التي ... يغنى بها الحرّ الكريم ويشكر
طغت الطغاة الروس لما غرَّهم ... في الأرض كثر سوادهم وتجبروا
كادوا ويرجع كيدهم في نحرهم ... فطُلاهم دون القواضب ينحر
المعتدون ولا نهى تنهاهم ... الظالمون القاسطون الفجّر
نقضوا العهود وكان ذلك دأبهم ... لؤماً وللعدوان بغياً اضمروا
حتى أرى بعض المآثر رأسُهم ... بخس الحقوق وساء من يستأثر
أيظن أن الدولة العليا السويد ... وإنّه هو بطرس المتأخر
كلاّ ليرتدعنَّ ثم ليعلمنّ ... أن ربَّها من يبتغيها يثأر
يا مسلمون تثبّتوا أن جاءكم ... نبأ عن الروس العدى وتبصّروا
لا يغررنَّكم كثير جموعهم ... فالحق ليس يضيره المستكثر
يا مؤمنون هو الجهاد فبادروا ... متطوعين إليه حتى تؤجروا
هذا جهاد الله يحمي عرضكم ... فاسخوا عليه بكل علق يُدخر
стр. 278
في لَنْ تنالوا البر حتى تنفقوا ... مّما تُحبون الدليل الأظهر
وتمسكوا بالعروة الوثقى من ... الصبر الجميل على القتال وذمّروا
يغنيكم التكبير والتهليل عن ... إن تعملوا فيهم سلاحاً يبتر
فألقوهم بهما كفاحاً تظفروا ... وعليهم صولوا وطولوا وانفروا
واغزوهم بحراً وبراً واحشدوا ... ركباً وفرسانا ونسرهم أنسروا
لو لم يكن منكم سوى نفر لما ... غلبوا فكيف بكم وأنتم اكثر
من كل فتاك إذا اعترضت له ... يوماً شعوب يُدمر
انتم عباد الله حقاً فاعبدوا ... للدّين فهو بكم يعزّ ويجبر
وأحموا حقيقتكم فحفظ ذماركم ... فرض عليكم ليس عنه تأخر
غاروا على الإسلام حتى ترفعوا ... أعلامه فلكم به أن تفخروا
لا تسمع الأجراس في أوطانكم ... بدل النداء ولا ينجس منبر
وليسمعن اليوم في أرجائكم ... قرع القوانس بالظبى أو تخدروا
فلذاك أشجى من غناء مطرّب ... بمسامع القوم الذين به ضررا
لكن يد الله القوية معكم ... توليكم أيداً فلن تتقهقروا
ما أن يقاويكم بهم من عسكر ... لو أن ملء الأرض طراً عسكر
قد قال في الذكر المفصل ربكم ... حقاً علينا نصرهم فتذكروا
ما الله مخلف وعده لعباده ... أن هم بعصمته أتقو واستنصروا
قد كان مولاكم وهاهو لم يزل ... وزراً لكم أيّان كنتم يخفر
ولربما شرعوا الرماح عليكم ... لكن على إنفاذها لن يقدروا
لن يعمل البتّار إلا أن يشا ... الله ما شيء سواه مؤثر
والنار منهم أن يُرد إطفاؤها ... برد فلا تلظى ولا تتسعّر
وإذا يشاء يثلّ عرشهم فلن ... يستقدموا عنه ولن يستأخروا
غاروا على حرم مخدرة لكم ... قد طالما أُحْصنَّ عمن يعهر
أيقودهن اليوم علج فاجر ... وسيوفكم بدمائهم لا تقطر
ولئن يكن نجسا ورجساً مسها ... فبخوضها قد حلّ أن تتطهروا
الصبر محمود ولكن حين تنتهك ... المحارم لا أرى أن تصبروا
لا خير في عيش يقارف ذلّة ... حاشاكم أن تفشلوا أو تدبروا
شهد الإله بأنه مولاكم ... ونصيركم فبحمده فاستظهروا
والله قد وعد المجاهد منكم ... فتحاً مبيناً في الكتاب فابشروا
ويبوّئ الشهداء خير مبوّإِ ... جنات عدن ملكها لا يغبر
الحرب بينكم سجال فأثبتوا ... والنصر عقبى أمركم فاستبشروا
في أهل بدر عبرة لكم ألاَ ... يا قوم فليتذكر المتذكر
أبْلُوا ليرضى ربكم عنكم فمن ... أبلى فعند اللائمية يعذر
كم بين من يأتي القتال تطوعاً ... ومسخر كرها عليه يجبر
يقتاده ويسوقه مولى له ... فظ زنيم غاشم متغشمر
ويبيعه لو شاء للنخاس مع ... ولد له وبزوجه يتسرّر
لا عرض يمنعهم ولا كرم لهم ... يثنيهم في الناس عن أن يفجروا
يتترعون إلى الفواحش حيث مع ... أهل المحامد فاتهم إن يذكروا
وكذا الطغَّام إذا عدتهم مدحة ... ودّوا بأية شهرة أن يشهروا
سعدوا ولكن ربَّ سعد ذابح ... للفائزين به إذا لم يشكروا
ولعل نسرهم المدوم واقع ... فمن الهلال علاه ضوء يبهر
لن يفلح العاثون ما عاشوا ولا ... العاتون ما رغدوا ولن يتيسروا
أو لم يعوا ما جاءهم عمن طغى ... من قبلهم بطراً وأنى دُمروا
أم يعجزون الله إذ يملي لهم ... عن أن يغار لقومه أن ينصروا
أو أن يمدهم بجند لا ترى ... وبمنشئات مخر لا تبحر
لو أن تخرمهم وهم مرحون في ... أمن رخيو البال ريح صرصر
أو يرسل الطير الأبابيل التي ... قد أهلكت أمثالهم لأكثروا
ما كان عبّاد البعيم ليغلبوا ... قوما على إيّاك نعبد يُحشر
من كان يُرضي الله خالص سعيه ... في الناس فهو بكل خير يجدر
من لم يصخ أذناً لنصح وليّه ... ركب الضلال ولم يُفده المنذر
من أبطرته نعمة المولى عتا ... عسفاً وغشمرة يمين ويغدر
من لم تكن تغنيه قسمة رزقه ... فإذا اشرأب إلى الزيادة يخسر
من يتكل سفها على جند له ... دون الإله يحق به ما يحذر
стр. 279
من ظن أن يقوى بقوة بأسه ... وسلاحه وذويه فهو مغرَّر
من غالب القهار عاد مخشيا ... مستضعفاً وكلا يُذل ويقهر
من سرَّه في يومه كفرانه ... وأفاه في غده العذاب الأكبر
من كان يوماً راغباً في عاجل ... عن آجل أودي به ما يؤثر
من كان من بين الورى سلطانه ... عبد المجيد فإنه لمظفر
سلطاننا الأسمى الذي سعدت به ... أيامنا وزهت فدته الأعصر
نشر العدالة في البلاد فكلنا ... مستأمن في ظله مستبشر
ولكلّ جيل في ممالكه يد ... منه وآلاء تعمّ وتغمر
ما أن عداهم عدله وأمانه ... سيان هم أعسروا أو أيسروا
أنا إذا أتخذ العدى طاغوتهم ... ربَّاً لنأتمر الذي هو يأمر
لسنا نروم بغير طاعته إلى ... الرحمن من زلفى ولا نتخير
كلاّ ولا في غير خدمتنا له ... عرض وإخلاص لنا وتبرّر
كفر المبايع غيره والمعتدى ... بغياً وطغياناً عليه اكفر
من ذا يحاكيه على ومناقبا ... ومن الذي فَضْلى حلاه ينكر
لو أنه اقترح الوجود تحكماً ... ما زاد فيها غير ما نتنظر
من جوهر الإخلاص صوّر ذاته ... رب قدير كيف شاء يصور
ولاه أمر الدين والدنيا معاً ... فهو الإمام الحاكم المتأمر
وهو الذي بين الملوك مقامه ... الأعلى يكرم هيبة ويوقر
وهو الذي بين العباد محبب ... ومعظم ومبجل ومعزز
يستدفعون الضر فيهم باسمه ... وعلى المنابر حمده المتكرّر
أن قال لم يستثن مما قاله ... أحد وأن يفعله فهو مخيَّر
ليس الفرنج مشايعي أعدائه ... ما هم لهم حزب ولاهم معشر
أفمن يكون على هدى من ربه ... كغوي استهواه جبت منكر
أم من له الخلق الكريم يقاسم ... بالنكد اللئيم جبلة وينظرَّ
أم يستوي في العرف والإمكان من ... يهب الجزيل ومن يشح ويضمر
أيه أمير المؤمنين ومن دعا ... أيه أمير المؤمنين فقد سرُوا
سد بالمعالي فائقاً كل الورى ... مجدا وشأنئك البغيض الأبتر
وسعت عوارفك العميمة سؤلنا ... الأقصى وما بالبال منا يخطر
حتى لقد كلّت خواطرنا بما ... اقترحت وأنت منفّل لا تضجر
نطق العيي بفرض مدحك مفصحاً ... حتى الجماد يكاد عنه يعبرّ
ولقد أضاء الكون مجدك كله ... حتى استوى في العمي والمبصر
نظر الطغاة إليك نظرة حاسد ... فتجرعوا مضضاً بها وتحسروا
أن يجلبوا فالله ما حق جيشهم ... أو يمكروا فلمكر ربك أكبر
إن المحال من المحال إذا جرى ... بخلاف طيّته وحق مقدر
ما كان جمعهم سوى كسف هبت ... والشمس ليست بالهباء تستر
ليست فروق لغير عرشك وهي ما ... بقيت على الفرقان ليست تقفر
أنت الذي بمديح وصفك تنجلي ... عنا الهموم وافقنا يتعطر
وتصحّ أحلام الأماني في غد ... اللاّهي بها والدهر انكد اعسر
ما أن يفي نظم اللآلئ مدحة ... لك باللهى من سحب كفك تنثر
لم يبق ما بين الورى من ناطق ... إلاّ وعن آلاء فضلك يخبر
حرس الإله جنابك الأعلى ولا ... زالت عبادك في حماه تخفر
وأدام دولتك العلية ما سرى ... نجم وما زخرت كجودك أبحر
أنشدت تاريخين هجريّين في ... ختمي مديحك وهو حظي الأوفر
عبد المجيد الله أركى ضده ... سلطاننا خير بجد ينصر
سنة ١٢٧٠ سنة ١٢٧٠ القصيدة الهرفية في مدح باريس أذي جنة في الأرض أم هي باريس ملائكة سكانها أم فرنسيس وهل حُور عين في منازهها تُرَى وإلا فكل حين تخطر بلقيس وهل ذي نجوم ترجم الهمّ في الدجى عن البال أن يخطر به أم نباريس وهل زهرة الدنيا ترى في هوادج تمر كبرق خاطف أم طواويس نعم أنها خُلْد النعيم وشاهدي رياض وحوض دافق وفراديس ونهر وعليون فيها كواعب على سرر مرفوعة واعاريس وفاكهة مع لحم طير ونضرة وراح وريحان وروح وترغيس وأعمدة تحبو السحائب دونها كان لها فوق السماكين تأسيس هنيئاً لمن منها تبؤَّأ منزلاً وطوبى لمن فيها له تاح تعريس إذا شدة أو كربة بك برحت فحجّ إليها فهي للكرب تنفيس
стр. 280
فتونس منها وهي تونس غبطةً فبين المقامين اتحاد وتجنيس وإن تك يوماً قانطاً من لبانة فرؤيتها أطلاب ما منه ميئوس بها ما يقر العين من كل إربة وما تشتهي نفس وما تألف التوس وفي ذكر ما فيها تلذ لذاذة تطيب بها عن غير وهو محسوس هي المنهل المورود من كل ظامئ القصيدة الحرفية في ذمها أذي عبقر في الأرض أم هي باريس زبانية سكانها أم فرنسيس وهل ذي نساء في مواحلها ترى وإلا فكل حين تخطر جاموس وهل ذا شرار يجلب الهمّ في الدجى إلى البال أن نبصر به أم نباريس وهل زفرة الدنيا ترى في هوادج تمر كعير ظالع أم مطافيس نعم أنها مأوى الجحيم وشاهدي شقيون في ساحاتها ومناحيس وفسق وعليون فيها فواجر على سرر مرصوعة وتناجيس وأكل من زقوم يخبث طعمه وشرب من الغسْلين يسقيه إبليس وأعمدة تلقي الشياطين عندها كان لها فوق الخبائث تأسيس شقاء لمن منها تبوأ منزلاً وتعسا لمن فيها له تاح تعريس إذا شدة أو كربة بك برّحت بها فأنا عنها فهو للكرب تنفيس وبرّز عليها أن يفتك مبرَّز فبين المقامين اتحاد وتجنيس وإن تك يوماً طامعاً في لُبانة فرؤيتها يأس لما هو محدوس بها ما يسوء من كل إربة وما تجتوي نفس وما تكره التُوس وفي ذكر ما فيها يسوء إساءة تفوق على ما خفته وهو محسوس هي المنهل المسموم حتف لظامئ وللزائريها الخير أجمع مبجوس هي الأمن من جور الخطوب فما على عرير بها ضيم يُحاذر أو بؤس نعم هي من عين الزمان تميمة فما أمِّها ذو عسرة وغدا في سو فما نعمة فيها تشان مجاسد ولا صفو لذات يقانيه تسجيس ولا نجس ذي حق من الناس حقه فيا حسن دار حيث لاحقَّ مبخوس فلا ذام فيها يستبين لعائب سوى هادم اللذات ما دونه طوس عليها بهاء الملك والعز والعُلى ومنها سخاء المجد والفخر مقبوس إلى مثلها يُنضى الرشيد مطيّه إذا كان يُلفى مثلها وتجي العيس هو العيش فأغنم طيبه في ربوعها فإنك فيها ما أقمت لمرغوس وإنك منها لست يوماً بواجد بديلاً ولو أمسى وراءك برجيس وأنك فيها ضارب كُرَة الأسى بمحجن بشر ليس يتلوه تعبيس وأنك منها مجتن ثمر المنى فإن بها الفوائد مغروس إذا رثَّ العمر منك فأنّ من قشيبِ حظاها ريقّ العيش ملبوس فبِتْ آمناً فيها وقم باكراً إلى مراتع لهو لم تشبهُ وساويس ولا ترغبن عنها إلى غيرها تكن كمن شاقه بعد السعادة أنكيس فدهرك فيها ما أقمت مسالم وللزائريها الشر أجمع مبجوس هي الخوف من كل الخطوب فما على عرير بها إلا المخاطر والبوس نعم هي في عين الزمان قذًى فما أتاها أمرؤ إلا ومنها غدا في سو فما نعمة فيها خلت عن محسّد ولا وطر إلا وقاناه تسجيس وتبخس ذا حق من الناس حقه فيا قبحها دارا بها الحق مبخوس فلا روح منها يستبين لناصب سوى هادم اللذات ما دونه طوس عليها ظلام الكفر والظلم والخنى ومنها أوار الفسق والفحش مقبوس وعن مثلها ينضى الرشيد مطيّه إذا كان يُلقى مثلها وتجي العيس هو العيش فأغنم طيبه في سوائها فإنك فيها ما أقمت لمنحوس وإنك لا تلقى لها من مُشابه برِجْسٍ ولو أمسى وراءك برجيس وأنك فيها ضارب كرة المنى بمحجن ياس تلوه الدهر تعبيس وأنك منها مجتن ثمر الأسى فإن بها أصل المحارم مغروس إذا كان ثوب العزّ عندك معلَما فمن نغص في عيشها هو مطلوس فبت صابراً فيها وقم باكراً إلى نعيم سواها لم تشبه وساويس ولا ترغبن فيها ولو ليلة تكن كمن شاقه بعد السعادة أنكيس فدهرك في دار سواها مسالم وقدرك مرفوع وشملك محروس فآثر بها ليلاً على عام غيرها على فرض أن الليل إذ ذاك أدموس ولا غرور أن تزداد في العمر حقبة ففي الصفر للفرد العقيم تخاميس لقد كنت أخشى الخَين في غير منشأي فقدْني بها بشرى إذا أنا مرموس وقد طالما عللت نفسي برغدها فبتّ ولي أحلام خير وتغليس فألفيتها يربو على الوصف حسنها فما ثمّ أشباه لها ومقاييس وفيها من العزّ الكرام أعزّة جحاجح ضرّابون يوم الوغى شوس لقد فُطروا طبعاً على الودّ والوفا جميعاً فما يعروهما عوض تلبيس لئن سُبقوا سبْق الوحود فانه لَيسبقُ جسماً ظله وهو مدعوس لهم في سماء العلم شمس براعة وفي الأدب الطامي العباب قواميس فكم فيهم من عالم متقن له لتطليس آثار المعارف تطريس
стр. 281
إذا أغطشت آفاق أمر فإنما يجليّه لفظ موجز منه مهموس وكم فيهم من فاضل ذي استقامة تقيم قوام الدهر إذ هو منكوس وتمسكه أن لا يجور كأنما وتُعدَّل في كلتا يديه قساطيس وربَّ خطيب لفظة فوق منبر يبين ولو بُلِّغْتَه وهو معكوس يشف خفي الغيب عما يقوله وقدرك مرفوع وشملك محروس فآثر بها ليلاً على عمر بذي على فرض أن الليل إذ ذاك أدموس ولا غرو أن تزداد في العمر حقبة ففي الصفر للفرد العقيم تخاميس لقد كنب أخشى الحين في غير منشأي فيا شقوتي فيها إذا أنا مرموس وقد طالما حذّرت نفسي فسادها فبت ولي أحلام سوء وكابوس فألفيتها يربو على الوصف قبحها فما ثمّ أشباه له ومقاييس وفيها من القوم اللئام ثعالب ولكنهم أن يؤدبوا أسد شوس لقد فطورا طبعاً على الغدر والجفا جميعاً فلا يغررك في ذاك تلبيس لئن سَبقوا سبق الوجود فانه ليسبق جسماً ظله وهو مدعوس لهم في بحور الشك وطالما تغشّتهم منه ضلالا قواميس فكم فيهم من مدّع صَلِف له لتطريس آثار المعارف تطليس إذا ما انجلت آفاق فانه ليخفيه لفظ موجز منه مهموس وكم قيهم من فاضل من فضوله اعتدال قوام الدهر أحدب منكوس يحاول لؤماً أن يميل به فلا تعدّل في كلتا يديه قساطيس وربّ عييّ لفظة فوق منبر يسوء ولو بلّغته وهو معكوس يشفّ خفيّ العيب عما يقوله فيبصره من طرفه بعد مطموس وكم فيهم من خيّرٍ صالح له أنا الليل تسبيح طويل وتقديس وكم فاتح منهم وما بارح الحمى كتائبه أقلامه والقراطيس وكم بينهم من ليث حرب إذا سطا جريء له فيها احتناك وتضريس حمام إذا هيجوا حياة إذا اتقوا أسود إذا صالوا جبابرة هيس إذا سمحوا لا نوا وإن حمِسوا فسّوا ويَرْبُون فضلاً أن بغيرهم قيسوا أولو هّمة دانت لها هِمَم الورى وفخرهم في ذاك كالدهر قدوموس بشاشتهم للضيف خير من القِرَى وما لقراهم لو تأخّر تبنيس وأكرمهم مثوى الغريب سجية فيغدوا أقناه أهل وتأنيس مديحهم يشدو به كل رائح وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس لقد أكرموا هذا اللسان وأهله فمازال يحظى عندهم وهو مدروس وقد ألّفوا فيه تآليف جمّة وجلّت لهم فيه شيوخ وتدريس يعزّ الفتى بالمال عند سواهم وعندهم تغنيك عنه الكراكيس فقل لمباريهم تحدّوا لغيرهم فإن مجاراة المجلّين تهويس شِعارهم حرّية وأُخوَّة وتسوية كلّ بذلك ناموس فلا فرق بين الدون والدون في القضا فيبصره من طرفه بعدُ مطموس وكم فيهم من فاسق عاهر له أنا الليل تجديف طويل وتنجيس وكم طامع في الملك منهم سفاهة كتائبه أقلامه والقراطيس وكم من طفيلّي لكل وليمة جريء له فيها احتناك وتضريس حمام إذا زيْروا حياة إذا اجتدوا أسود إذا لاسوا جبابرة هيس إذا سألوا لا نوا وإن سُئلوا قَسُوا ويربون شحّا أن بغيرهم قيسوا أولوا جّشَع من دونه جشع الورى وصيتهم في ذاك كالدهر قدموس بشاشتهم للضيف في زعمهم قرى وفي وعدهم مّيْنُ ومطل وتبنيس وإكرامهم مثوى الغريب سجية إذا كان ذا زوج وبالزوج تانيس هجاؤهم يشدو به كل رائح وغاد ويرويه رئيس ومرؤوس لقد جهلوا هذا اللسان وأهله فما زال يخفى عنهم وهو مدروس وقد لفقوا فيه أساطير جمّة وشطّت لهم فيه شيوخ وتدريس يعزّ الفتى بالعلم عند سواهم وعندهم ليست تفيد الكراريس فقل لذوي الدعوى المبارين منهم لعمري مجاراة المجلّين تهويس شعارهم حرّية وأخوّة وتسوية لكن عدا ذاك ناموس فلا فرق بين الدون والدون في القضا وإرّيسهم في اليُسر والرفة أرّيس ترى كلَّ فرد منهم كيساً له مشاركة في العلم والفضل ما كيسوا وإن لهم من سيمياء وجوههم دلائل أن الخير منهم مانوس وأن لهم رزقاً كريماً رضوا به فما هم مسفّى ما رب فيه تدنيس فتحسب كلاّ حلّ صرْحا ممرّدا تحيته فيه سلام وتقليس فما نظرت عيناي فيهم صاغرا ولا عن الخيرات والرشد مرجوس أراني سعيداً محْبّراً في جوارهم ومن لم يزر هذا الحمى فهو منحوس عفوت عن الأيام سالف ذنبها فقد شفعت فيها وفي الناس باريس فلا فرق في الدون والدون في القضا وأرّيسهم في الأمر والنهي أرَّيس ترى كل فرد عاتياً طاغياً له مشاركة في الحكم مع إنهم خيسوا وإن لهم من سيمياء وجوههم دلائل منهم أن الشرّ مانوس
стр. 282
وأن لهم رزقاً حراماً رضوا به فشأنهم أسفاف ما فيه تدنيس فتحسب كلاّ حل ماخور ريبة تحيته فيها سِلام وتلقيس فما نظرت عيناي فيهم فاضلا ولا من عن الآثام والرجس مرجوس أراني كثيباً نادماً في جوارهم ومن زار يوماً أرضهم فهو منحوس وجدت على الأيام عتباً بعيشها فقد أخبثته والبريةَ باريس وقد كنت في مدحي لها قبلُ مخطئا فهذا له كفارة وهو مركوس
القصيدة التي أمتدح بها الجناب المكرم الأمير عبد القادر
بن محيي الدين المشهور بالعلم والجهاد
ما دام شخصك غائباً عن ناظري ... ليس السرور يخاطر في خاطري
يا من على قرب المزار وبعده ... حبي له والشوق ملء سرائري
أن كنت لي يوماً فديتك وافياً ... ما ضرني أن كان غيرك غادري
فإذا رضيت فكل سخط هيّن ... وإذا وصلت فلم أبالِ بهاجر
وإذا بقربك كنت يوماً نافعي ... لم أخشَ شيئاً بعد ذلك ضائري
يا فاتني بدلاله وشماله ... وكماله وجماله ذا الزاهر
عقلي سلبت ومهجتي فأرددهما ... لا جيد مدح شمائل لك باهري
وليعلم العذَّال إني صادق ... في وصف حسن حلاك وصفة شاعر
يا محرقي شوقاً بفاتر جفنه ... أرأيت قبلي محرقاً بالفاتر
يا بدر تمَّ لاع قلبي حبه ... يا شمس حسن قد تملك سائري
يا ظبي أنس شاق عيني شكله ... لكن له طبع الغزال النافر
هلا رثيت لحالتي ورفقت بي ... ووعدتني عدة ولو في الظاهر
كلَم الحشا مني وعيدك قَسْوة ... قبل الفراق بأن تكون معاسري
وفطرت قلبي بالجفا عمداً فلا ... عجب إذا ما قلت أنك فاطري
أفهكذا فعل الحبيب بحبِّه ... أم صرت بعدي عاذلي لا عاذري
لو كنت تدري ما لقيت من النوى ... لرحمتني وودت أنك زائري
مذ غبت عنك أرتد عن طرفي الكرى ... من بعد ما هدى ارتداد الكافر
وأزداد سقمي واستثيرت لوعتي ... وبدا بحبّك ما تكن ضمائري
أني وحق هواك غاية مطلبي ... وسنا محيّاك الصبيح الناضر
من يوم لحتَ لناظري ما لا قنى ... شيء ولم يملأ جمال الناظر
ما كان حسن سواك يوماً شائقي ... كلا ولا لحظ لغيرك ساحري
أهوى لأجلك من حكاك بشكله ... لا شكله إذ ذاك دون النادر
كيف اصطباري اليوم والأجل انقضى ... وأبيت إرضائي بطيف زائري
وبمهجتي إني أراه ساعة ... قبل الممات معانقي ومسامري
هَبْه أتى فلقد يراني ساهراً ... والطيف ليس براقد مع ساهري
أنسيت عهدي حيث ملت مع الهوى ... ولقد عهدتك ما ذكرتك ذاكري
أما أنا فكما علمت على النوى ... والقرب صبّ فيك غير مغاير
شيئان لست أطيق صبراً عنهما ... ذكري هواك ومدح عبد القادر
هو ذلك الشهم شهدت له ... كل البرية بالفعال الفاخر
ومناقب محمودة وشمائل ... مرضية ومحامد ومآثر
هو ذلك المولى الممدح سعيه ... عند الإله وعند كل مفاخر
هو ذلك الفرد الذي أفعاله ... أمْدوحة البادي وفخر الحاضر
وهو المهيب لدى الملوك نزاهة ... والنازح الصيت الكريم الطاهري
من معشر العرب العريق نجارُهم ... أهل المكارم كابرا عن كابر
العاملين بمحكم التنزيل في ... التحريم والتحليل حزب الحاشر
الناحرين إذا دَعَوا وإذا دعُوا ... يا للبراز فنحرهم للناحر
المؤثرين على خصاصتهم وقد ... نظروا إلى الدنيا كشيء غابر
ولَرُب قوم يحسبون خلاقهم ... فيها وغابر لهوها كالغابر
ولديهم ردُّ التحية مِنّة ... كبرى بها أحياء عظم ناخر
يُحْيي الليالي بالدعاء تهجداً ... فيميت في الأعداء أي جماهر
ويروع أفئدة الرجال لقاؤه ... حتى يخوروا عن نداء الناصر
في قلب كلّ محنّك من رُعبه ... ما عنه يحجم كل ليث زائر
وبكل حرف من بليغ كلامه ... حرف يفلّهم كحرف الباتر
الفضل شيمته وسيمته التقى ... لله واسترباح أجر الصابر
يولى الندى قبل السؤال وبشره ... لزائريه مؤذن ببشائر
يغنيهم عن أن يمتّوا عنده ... بضرورة وَخَّتْهم وأواصر
стр. 283
جهد الزمانَ غلاؤه فكبا ولم ... يبرح لديه وفيه سورة آفر
ولقد يكون النسر يوماً واقعاً ... ويعود بعدُ إلى مطير الطائر
فالله ينصر من يغار لدينه ... والله يخذل كل عات فاجر
والله غز يداول الأيام ما ... بين العباد لسابق ولقاصر
سكن الأمير وطارق في الدنيا اسمه ... وروى المعالي عنه كل معاصر
فالعجم بين موقر ومبجل ... والعرب بين مُفاخر ومنافر
يا ناصر الدين العزيز وحزبه ... يا خير صبّار وأعظم شاكر
يا خير ناهٍ عن تعاطي مُنكّر ... وبخطّة المعروف أفضل آمر
لا تخش من بأس فربك قاهر ... بدعائك الميمون جيش الجائر
كن كيف شئت فإن أجرك ثابت ... في اللوح وهو أجل ذخر الذاخر
لك حيث شئت عناية صمدية ... ترعى حماك ونصر ربّ قادر
فإذا مدنت فأنت أعظم خادر ... وإذا ظعنت فأنت أكرم سافر
القصيدة التي أمتدح بها الجناب المكرم النجيب الحسيب صبحي بيك
في إسلامبول
أرى الدهر صافاني ومال إلى الصلح ... ومن بعد حرماني أتاني بالنُجح
وأصغي إليَّ الجد حين دعوته ... ولاحت تباشر المنى لي من صُبحي
أتاني على الإبحار والبرّ برّه ... بأسرع من شكوى احتياجي إلى السمح
فلم تكُ إلا دعوة فأجابني ... إجابة صنو وهو لي سيد لحّ
ولو لم يجرني من زماني بفضله ... لا صحت في بؤس وأمسيت في برح
وحنت بأشجاء التمني فإن لي ... لجرحا ممضاً دونه ألم الجرح
فلي في نهار جهد سبح وخرفة ... وفي ليلتي حبس وحُرف عن السبح
إذا كنت لا أشكو إليه فمن عسى ... يكون إليه مشتكى الضرّ والتَّرح
ومن ذا الذي تلقاه في الناس مسجحاً ... سواه إذا أضطر المضيم إلى السجح
خلائق لا يوفي الثناء بوصفها ... ولو كنت حسّان البلاغة والفصح
أغار على أوصافه الغر إنها ... تشاركها أوصاف آخر في المدح
هداني له جدّي وقد كنت غاوياً ... مع الشعراء البائرين ذوي الكسح
وكان زماني مازحاً فمزحته ... فلما تعاطى الجدَّ ملت عن المزح
فصار لشعري رونق وطلاوة ... وحُقَّ له الإملاء في ملأ فصح
وقد كان في سوق الأعاجم كاسداً ... مقالي واطرائي عليهم بلا ربح
فكم بتُّ أُنضي خاطري لمديحهم ... فقمت وبي رنح وأعييت كالطلح
ولم يغن عني ما مدحتهم به ... فتيلاً وما ازدادوا سوى البخل والشح
ولم ينقدوا كفارة الكذب الذي ... عليّ بأعلى اللوح ما هو بالممحي
ولو أنني راسين عصري فيهم ... وملطن ما استثقت منهم سوى النشح
فها أنا ذو ربح ولست بمفتر ... ثناء وإطراء وكنت بها أُلحي
فحل يا زماني بين فوزي ومطلبي ... أن أسطعت واستعد الخطوب على فدحي
فلي باسمه استفتاح كلّ قضية ... ويمناه اقليد السعادة والفتح
ألا فليزرني اليوم من كان مزرياً ... بشأني يجد كوخي اعزَّ من الصرح
علا بمعاليه مقامي ورتبتي ... وصرت إلى أقصى الأماني ذا طمح
إذا أبصرت عيناي من هو مخفق ... كدأبي من قبل انتحلت له نصحي
وقلت له أبشر بما أنت طالب ... فمن يدع يوماً باسمه فاز بالسنح
هو الماجد النائي مدى الدهر صيته ... قريب من الداعي على القرب والنزح
فليس علي بعد يؤخر رفده ... وليس على قرب يمل من المنح
هو الحازم النحرير طلاّع أنجد ... كريم نزيه النفس ذو خلق سجح
مليل أجلّ الخلق سامي الذري الذي ... مناقبه الغرَّاء تغني عن الثرح
أميري ومولاي الكريم وسيدي ... ومن هو بعد الله لي سند الركح
تظنّيت فيك الخير والفضل كله ... فحققت ظني فهو دوني في صح
أتاني وعد عنك إنك منزلي ... لديك كما أنزلت أهلي في ندح
ولا ريب عندي أن وعدك منجز ... وأني لا أحتاج معه إلى فسح
فهاك مني المدح خدمة مخلص ... فجد بالرضى عنه فديتك والصفح
ودم كهف عزَّ للذليل وملجإ ... لقاصده ما انجاب ليل من الصبح
стр. 284
وكتب إلى الفاضل اللبيب الخوري غبرائيل جباره أرسلها إليهمن باريس إلى مرسيليه وهو أول شعر مدح به قسيساً
قف بالطول أن أسقطت قليلاً ... وأسأل عن الركب المغذّ رحيلا
ساروا وأبقوا وحشة لك دونها ... غصص المنون وحسرة ونحولا
طلل عهدت به الخلاعة والصبى ... وشربت فيه سلسلاً مشمولا
وجررت أذيالي وتهت على المُنى ... واقتدت منها ما استعزّ ذليلا
وخلعت من نعم ولذات على ... أهل الهوى ما كنت منه ملولا
واحسرتاه متى يعود العيش في ... عرصاته وألذّ فيه مقيلا
لم يبق إلاّ ذكر أفراحي به ... ومضى كأمس نعيمُه مبتولا
أن غيّرت آثاره الأيام أو ... أن عطلت أعلامه تعطيلا
فبخاطري تذكاره متجدد ... ولقد يظل بأنسهم مأهولا
من بعد حسادي عليه الريح قد ... حامت لديه بكرة وأصيلا
تبدي الحنين به وأنَّه ثاكل ... فأزيد فيه زفرة وعويلا
تسقي تراب فنائه وكأنما ... تهفو به لتحله الإكليلا
عجباً وقد بلته مني عبرة ... أن صار فوق عنانها محمولا
أم قد درت نكب الرياح بأنه ... أولى بأن يثوي السماء مقيلا
أم مثل عيني أعين الجوزاء قد ... رمدت فتستشفي به تكحيلا
ما كدت أدري رسمه لولا شذا ... عرْف إليه كان منه دليلا
نؤي الحبائب للمحبّ أعز من ... صرح لديه لا يصيب خليلا
وسويعة مع من تحب أجل من ... دهر به تلقى أخاك عذولا
قلبي السَمنْدل يصطلي نار الهوى ... وسلوه العنقاء عز وصولا
لله كم منه يعذَّب عاشق ... ولكم به يمسي البريء قتيلا
لو رقَّ من عشقٍ كلام رتل ... القراء قولي في الدجى ترتيلا
أو لو تداوى الناس منه بالبكا ... لشفيتُ كلّ شجٍ يبيت عليلا
حاولت قلب القلب عن علل الهوى ... فأجاب أنك قد ضللت سبيلا
مني ابتداء الشوق كان وختمه ... بي لست عن دابي أحول حؤولا
قد قانتي المولى عليه كما على ... حب المكارم قان غبرائيلا
هو ذلك الحبر المهذَّب خلقه ... وعليه يبدو خلقه دليلى
الطيّب الأصل الكريم الفعل لن ... تلقاه إلا مرشداً ومنيلا
يهب الجزيل وعنده كالجزل ما ... يحجوه جزلاً غيره منقولا
المرتدي ثوب العفاف مطرّزاً ... بتقًى يقي التحريم والتحليلا
طلق المحيا واللسان طلاقة ... تَدَع الأسى من قيده محلولا
يستدرك الأشكال فصل خطابه ... وبعلمه يستخرج المجهولا
فلكل ريب قضية ما زال مسئولا ... وللراجي ندًى مأمولا
صافي السريرة حيث آي وفائه ... لن تقبل التحريف والتبديلا
ما أن يزال إذا دنا وإذا نأى ... بَرّاً نصوحا وأصلا مسئولا
كانت مشورته هدى وسعادة ... للمستشير ونصحه منخولا
ودعاؤه في الضرّ أعظم عاصم ... لك فأطمئنّ به وكن مكفولا
ليس المنيخ ببابه قنطِاً ولا ... من يستغيث بجاهه مخذولا
مولى تحرّى الزهد في الدنيا وقد ... دانت له لو شاءها تبتيلا
فنجاره ما زال ملجأ لاجئ ... يلقي الأماني عنده والسولا
جبر الخواطر من جبارة يرتجي ... وبفرعه كل الفخار أنيلا
سمح الزمان بقربه لي سبة ... ما كان أحلاها وعاد بخيلا
حتى أرى قِصرَ الأيادي بعده ... ومن استطال بفضله مفضولا
ولقد علمت أوان كل الطرف ... مقصوراً عليه ذلك التأويلا
مارست دهري واختبرت صروفه ... فإذا به لا يستفيق غفولا
هلاّ أتاني من قبل أن ... يقضي الفراق وكان فيه عجولا
هل من ممار أن شخصاً واحداً ... يحوي الفضائل كلها تكميلا
أم منكر أن ليس يذكر سيدُ ... مع ذكره إلا وكان ضئيلا
ولئن أفض في ذكر آلاء له ... فاضت عليّ أملّ عنه طويلا
أدب وإحسان وبشر دائم ... وسماحة تستغرق التمثيلا
ما كنت في مدحي له بمبالغ ... ما قلت إلا بعض ما قد قيلا
ولو استطعت لكنت أنظم ... كل درّيّ له مدحاً أو التنزيلا
من حاول الإسهاب فيه فإنما ... هو موقد وقت الضحى قنديلا
стр. 285
بشرى لمن يحظى بقرب جنابه ... ولمن يقبّل ذيله تقبيلا
ولمن له يهدي التحية والثنا ... والحمد والتعظيم والتبجيلا
القصيدة القمارية
جمعتنا الشيوخ ما بين أصِ ... وكول وفرشخ هو شقصي
في مقام جيرانه لا يبيحو ... ن هُتاف المغلوب أو بعض نبص
بعضنا شاطر وآخر غِرّ ... خصي أثنين غابن ثم لصّ
لم أقم قطّ غالباً غير ليل ... بات فيه للاصّ ظفري كشصّ
ظل سعدي يقوى على النحس حتى ... خلتني في القمار شيخ أبن بعص
وشريكي له نشاط إلى قنص ... ملوك يدينها أيّ قنص
فانثنى ساحر المزوق حيرا ... ن عليه تأليفه متعصّي
وبعد من سماته ما يحاكي ... بعضه خايماً وبعض كفص
بلغ اللعب منه ما يبلغ الجدّ ... والهاه عن مداراة خلص
فغدا بالكلام يقرص والإصبع ... من جاد رميه كل قرص
لم يبت ليلة وأصبح يشكو ... من دوار أمضه مع مغص
جاره ذو الزلاّت وهو أنا لم ... يبدُ منه في الرمي خطة نقص
بعد ستّ وأربعين ولم يبلغه ... عن بنده احتجاج بنصّ
ما عليه أن كان يَغلب أو ... يُغلب أو لزّه الشريك بشرص
فكره في اختلاق أكذوبة عن ... ذي علاء ما أن يجود بجص
يسهر الليل مطرئاً فإذا ما ... أصبح الصبح خار من فرط خمص
لو أطاق المسير من هذه الأر ... ض لما حلّ غير بلدة حمص
ربما ينفع التغفلّ يوما ... ويضر الإنسان زائد حرص
ليس يدري ما اللعب إلا بشعر ... عنه ما عاش ليس بالمتفصّي
وبشعر من شاربيه إذا حا ... ول شعراء ينحى عليها بنمص
وإذا سامه أمرؤ سهر الليل ... أتاها من غيظه بالمقص
لم يدعها تطول حتى تحاكي ... نصَّة الخود ذات ضفر وعقص
عن قريب يخضّب البيض منها ... بمدادٍ أو زعفران وحُصّ
ليس ينفك ذا ملال وشكوى ... وعلى كل نعمة ذا غمص
وشريك له تربَّع في الدَست ... كشيخ مسائل العلم يُحصي
أو كمن ينقد الدراهم للسلطان ... من شأنه تمام التقصّي
أن يجدْ هفوة يصح ويولول ... ويُقم للجدال قيّم فحص
يبذل الأصّ بذله المال لكن ... ثمَّ فرق في بذل هذين أصّى أصلي
حيث في الأول اضطراراً وفي الثا ... ني اختياراً لغير كسب ورَبْص
أخذ العلم عن شيوخ مشاهير ... ذوي حكمة ومَحْص ولحص
لا كبعض الغواة خرّيج بصّا ... قين كلّ أعمالهم عن خَرْص
ليس يدري سوى الخديعة والمكر ... وما يجمُل الخداع بشخص
يفرز الغالبات في اللعب لكن ... يتعاطى جدّ الأمور بخبص
ليس في حارة اليهود سواه ... من يجيز الحرام والحقَّ يعصي
قد حكاهم في أكله ذات ظِلفْ ... فوق ساق وفي الدهاء الأخصّ
أن يكن غالباً تجده طروباً ... ضاحكاً ذا غمز ذا وقرص ورقص
وإذا فاز خصمه ودّ لو كلّ ... خبير سواه باللعب مخصي
ولذات الثلث يعطوا بكلتا ... راحتيه وللثماني بقبص
فاغراً فاه كالذي لاح ماءً ... ثم لم يرو منه غُلاّ بمص
ما لعمري دهاؤك اليوم مُنج ... لك أن كدت شيخنا أو محصّي
قد حباك المزوّقات ولكن ... ليس يعفيك من نكال مغص
أنَّ بعض العطاء حلو شهي ... ثم من دونه مرارة عفص
يا لها زمرةً قماريّة ما ... عابها جهبذ ولا حبر قص
غير كون اجتماعها خارجاً عن ... غرفتي فالحرام فيها بقفْص
شكلها شكل بيضة ولهذا ... فالمعاصي من جوفها ذات فَقص
من بناها أوصى بهذا وشأني ... كل حين إمضاء عهد الموصي
الغرفيات
أنا الولي على كل المفاليس ... وغرفتي ذي مزار للمناحيس
يأتي بهم زُحَل القوّاد سدّتها ... وثم تصرعهم ريح الكراكيس
ومنها
لا يدخلنّ مقامي ذو حجى أبدا ... فإنما هو منتاب المآفيك
يلفون فيه أكاذيب المديح على ... زمّارة أو على نذل من النُوْك
ومنها
يا طالعاً درجات قدرها مائة ... إليَّ ماذا ترجيّ بعد ذا الدرج
إن كنت من حركات طالباً فرجاً ... فإنني بسكون طالب الفرج
ومنها
следующие страницы →