← Адаб

Адаб · id 9693

الساق على الساق في ما هو الفارياق

الشدياق

Полный текст (294 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويعوق صنم لقوم نوح أو كان رجلاً من صالحي زمانه فلما مات جزعوا عليه فأتاهم الشيطان في صورة إنسان فقال أمثله لكم في محرابكم حتى كلما صليتم ففعلوا ذلك به وبسبعة من بعده من صالحيهم ثم تمادى بهم الأمر إلى أن اتخذوا تلك الأمثلة أصناماً يعبدونها. والأشهل صنم ومنه بنو عبد الأشهل لحيّ من العرب وهُبل صنم كان في الكعبة. وياليل صنم. والبَعيم صنم والتمثال من الخشب والدمية من الصبغ. والأسحم والأسحم ونهُمْ صنم لمزينة وبه سموا عبد نهم. وعائِم صنم. والضَيْزن صنم. والمدان صنم. والجبهة صنم. واللات صنم لثقيف سمى بالذي كان يلتّ عنده السويق بالسمن ثم خفف وهو في حديث عروة الرَّبة. وذي الشرى صنم لدَوْس. والعزَّى صنم أو سَمُرَة عبدتها غطفان أول من أتخذها ظالم بن أسعد فوق ذات عِرْق إلى البستان بتسعة أميال بنى عليها بيتاً وسماه بساً وكانوا يسمعون فيها الصوت فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلمخالد بن الوليد فهدم البيت وأحرق السمرة. ومناة صنم. واِلالاهة الحية والأصنام والهلال والشمس ويثلث كالاليهة. والطاغوت اللات والعزّى والكاهن والشيطان وكل راس ضلال والأصنام وكل ما عُبد من دون الله. والزَوْن الصنم وما يتخذ ويعبد- والموضع تجمع فيه الأصنام وتنصب وتزيَّن. والجِبْت الصنم والكاهن والساحر والسحر والذي لا خير فيه وكل ما عُبد من دون الله تعالى. أو عبدة الشمس والقمر وزحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد وفُرْدود والفرقد والذِيْخ والكَتَد والعوائذ والحَضار والأحور والزُبْرة والأظفار والعُذر والمعَرَّة والأعيار والنثرة والجوزاء والبرجيس والتياسين والمَيْسان والسُنَّيق والشَرَطين والفارطين والأثافي والعيوق والعوهقين والصرفة والطرفة والأبيض والضباع والهقمة والهنعة والردف والمغلف والناقة والنسقين والسماكين وشُهَيل والشولة والعوكلين والمِرْزَمين والسلم والبُطَين والقدر والحية والتحايي والخراتين والخِباء وسُهَي والشاة والعَوَّاء وكُوَيّ.

стр. 72

فكان يجب عليهم أن يجمعوا رأيهم على أمر واحد ويقولوا من حيث أن حرفتنا لا تحتاج بحمد الله إلى قياس وعدد كحرفة الطبيعيين والمهندسين والرياضيين. فإنهم أيّان طلب المناقش منهم دليلاً بادروا حالاً إلى البرهان بالمقادير والمساحة والحساب. فانصبوا أنفسهم وأنفس سائليهم. كان حقاً علينا أن ننهج منهاجاً مريحاً يقرّبنا ومُعاملينا إلى الغرض المقصود. وهو أن نيسر أسباب تعلم هذه الحرفة لكل مضطر إليها منهم. فمن شاء بعد ذلك أن يلبس قباء أوجبة مع سراويلات من تحتها أو تبان فليصنعها هو بأي لون أعجبه وبأي شكل راق له. إذ ليس من الرشد أن يعترض الإنسان إنساناً آخر في كيفية لبسه أو في ذوقه ومنامه. لأن أبن آدم من يوم يستهل بالبكاء إلى أن يبلغ أربع عشرة سنة يعيش مستغنياً عنا مفتقر إلى ما رسمنا به عليه. إذ الغريزة تهديه إلى ما يلائمه ويصلح له. إلا ترى أن الطفل إذا خُلي وطبعه لم يلبس الكتان الرفيع في الشتاء وإن كان مطرّزاً. ولا الفرو في القيط وأن كان مزركشاً. وأنه متى جاع طلب الأكل. ومتى نعس نام. وأن طربته بجميع آلات الطرب والأنغام. ومتى ظمئ شرب. ومتى تعب استراح فهو في غنى عنا من أصل الفطرة. حتى أنه يمكنه بحول الله تعالى أن يعيش مائة وعشرين عاماً وشهراً من دون رؤية وجه أحد منا أو مشاهدة تاجه وحلته الفاخرة وخاتمه النفيس وعصاه المفضضة. فلندع الناس إذاً في دعتهم وسلامتهم وشغلهم. ولا نتطفل عليهم ولا نكلفهم ما لا طاقة لهم به. إذ لو شاء الله أن يخرج الطفل إلينا لأوحى إليه أن يسأل أبويه من وقت ترعرعه عن أسمائنا ومقامنا. وعما نحن عليه من المماحكة والجدال، والقيل والقال، والتشاحن والتشاجر، والتناقر والتنافر، والتلاعن والتهاتر، والتدابر والتهاجر، وأحسن من تركه على هذه الحالة ما إذا عنينا بتأديبه وتربيته وتهذيبه وتعليمه صنعة تنفعه في تحصيل معيشته والديه. كالقراءة والخط والحساب والأدب والطب والتصوير. وما إذا نصحنا له أن يسعى في خير أبويه نفسه وخير أبويه ومهارفه وجنسه وكل من صدق عليه أنه إنسان بقطع النظر عن هيئات اللباس وتفاوت الألوان والبلاد. لأن اللبيب الرشيد لا ينظر إلى الإنسان إلا لكونه متصفاً بالإنسانية مثله. ومن أعتبر الأمور الطارئة عليه كالألوان والطعام والزي فإنه يتباعد عن مركز البشرية كثيراً. وإنما يتم حسن صنيعنا هذا كله ما صنعناه حسبة لوجه الله تعالى. غير طالبي الجزاء والهدايا. ولا النذر والعطايا. لأن كثيراً من الأطباء يداوون المعسرين مجاناً. فترى أحدهم يغادر طعامه وفراشه ويذهب إلى مريض محموم أو به جدري أو طاعون احتساباً عند الله. إذ الناس كلهم عيال على الله. وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله. هذا ما كان ينبغي أن يقولوه. وهذا ما أقوله أنا. تأمل في خرجي أقبل يطوف البحار والأمصار. ويجول في الجبال والقفار. ويعرّض نفسه ونفس من ينحاز إليه للسب والقذف والعداوة والمشاحنة وما ذلك ألا ليقول للناس أنه أعرف منهم بأحوالهم. وإذا سُئل عن دواء لعين رمدت أو ساق قرحت أو أُدرة انتفخت أو إصبع دميت. أو إذا قيل له ما ترى في من كثرت عياله، وقلّ ماله، وعّظه زمانه، وجار عليه سلطانه، فمني بالجوع، وحرم الهجوع. وأصبح يمشي والناس ينظرون جهوته، ويتجنبون خلطته. ولا يستعملونه ولا يستخدمونه، لما تقرر في عقولهم من أن الفقير لا يحسن عملاً. وقد أصبحت أولاده يبطون ويتضورون وامرأته تشكو وتسترحم ولا راحم لها لكون شبابها قد ذهب في تربية أولادها. أو قيل له هل عندك من مأوى لضيف عرير، ما له من نصير؟ قال ما جئتكم لهذا وإنما قدمت إليكم لأنظر في أنوالكم التي تنسجون عليها بضاعتكم وفي ألوانها التي لا تشاكل ما عندي في الخرج من اللون الناصع، وما أن يهمني النظر فيما فيه راحتكم وإنما الراحة فيما به تعبكم. ولو تعطلت جميع معاملكم لاقتصاركم على لوني الذي أبرزه لكم راموزاً وعنواناً واستوجبتم بذلك لوم التجار والحراث والحكام لم يكن عليّ في ذلك من شيء.

стр. 73

وهذا سوقي يضع إحدى عينيه على فم جاره والأخرى على عينيه. ثم يغلّ يديه ورجليه. ويقول له اليوم يجب عليك أن تتنحس. لأن شيخ السوق أصبح متخماً يشكو وجعاً في معدته وأمعائه وأضراسه وهو نحس. فينبغي أن نجانسه ونمسك معه. لا يحل لك لليوم أن تنظر. لأن الشيخ المشار إليه أضربه طوال السهر البارحة مع ندمائه ونديماته فغدا وبإحدى عينيه الكريمتين رمد أو عمش. لا يحل لك اليوم أن تعمل بيديك. ولا أن تحرك رجليك. ولا أن تسمع بأذنيك. أو تستنشق بمنخريك لأن السوق اليوم لم تقم والبياعات لم تنفق. ثم هو إذا قيل له أفلا تصلح بين زيد وزوجته فقد خاصمته بالأمس بعد أن جاءت من حانوتك العالي وتماسكا بالشعور وحلفت المرأة لتمنينه بحيزبون أو لتشكونه إلى أحد أصحابك الضواطرة الكبار. أو أن عمرا قد حبس منذ يومين لكونه دان بعض الأمراء ولم يمكن له أن يحاكمه ويستوفي منه حقه. ففلّهُ القاضي وأركبه حماراً في الأسواق ووجهه إلى دبه الحمار. أو أن فلاناً قد مرض ولزم فراشه لأنه ناقش بعض خدّام الأمير فنكل به الأمير ضرباً بالعصي على رجليه وصفعا بالنعال على القذال. فغدا لا حراك به وقد ورمت رجلاه وانتفخ قفاه. لم يكن منه إلا قوله ما دام السوق وشيخه سالمين فالدنيا كلها سالمة. والمصالح مستتبة والسوق مرفوعة وقائمة. والبطون ملئى والأفواه لاقمة. والأضراس خاضمة والمعد هاضمة والأيدي غانمة. والأفراح دائمة. والخيرات متراكمة. والرؤساء حارمة. والعناية عاصمة. والقادمات بالبذور متزاحمة. والوقوف شاملة عامة. وثغور الأماني باسمة. والسلامة خاتمة. إلى السوق. إلى السوق. فهو حرز العلوق. وذخر الحقوق. في الصندوق. في الصندوق. فهو أولى من الصبوح والغبوق. وقد طالما والله امتلأ هذا الصندوق ذهباً وجواهر ثم افرغ على تهاتر وترهات ومباحث فارغة وأمور سخيفة. فقد بلغنا أن بعض ضواطرة السوق انفق في مدة ست سنين قضاها بالبحث والجدال على شكل قبعة كذا وكذا بدرة من المال. وتفصيل ذلك أنه نظر نفسه ذات يوم في المرآة وكان قد تعلم مبادئ الهندسة والهيئة. فرأى رأسه مدورّاً كالبطيخة فراق له أن يتخذ قبعة مدورة على هيئة رأسه. لأن المدور يلائم المدور كما تقرر في الأصول. فرآه بعض مزاميله من سوق آخر وكان اعظم منه قدراً ووجاهة وأوفر علماً. فسخر منه وقال له من وسوس إليك يا ابن قبعة، حتى لبست هذه القبعة. مع إن شكل رأسك مخروط. فقال له قد ضللت بل هو أكثر استدارة من رأسك كما يشهد لي بذلك شيخ السوق. قال كذبت بل هو مخروط وأن كنت كثير العنس إليه وإني أهدي من شيخك وأقوم طريقاً. قال كفرت وعميت عن معرفة نفسك فأنى لك أن تعرف غيرك. قال تبدعت بل أنت عمه كمه وقد حمقت وسفهت في عدم قبولك النصح. فاليوم ترى الناس المدور من المخروط. والسارط من المسروط. ثم لجّ بينهما العناد وتقابضا بالازياق والجيوب والإقلاع. ثم بالجمم ثم بالأعراض.

стр. 74

فمزق كل منهما عرض صاحبه أي عدوه. ثم صاحا واستغاثا وتشاكيا لدى الحاكم وتباهلا وتهاترا. فلما ثبت للحاكم أن فعلهما فعل الشبازقة رأى أن مداومتهما بغرامة رابية، أولى من حصرهما في الزاوية. فانصرف كل منهما وقد غرم كذا وكذا بدرة. ثم أن الضوطار الأول اتخذ له بعد ذلك قبعة بين بين. أي نصفها مدور ونصفها مخروط بحيث لا يقدر على تمييزها إلا الجهبذ النحرير، والناقد الخبير وآب إلى حانوته كمن قفل من غزوة أو اسر الدحية "رئيس الجند" أو كذلك الديك الغالب. وأول ما أطل على السوق أمر جميع القبعيين أن يخرجوا لملاقاته بالتقليس لا بالتلقيس. فخرجوا على تلك الحالة وهم يضجون ويقولون: اليوم عيد القبعة. اليوم عيد الفرقعة. يا أمععة يا أمعة. فبصر بهم أعوان الحاكم في ذلك الصقع فظنوا أنهم خلعوا ربقة الطاعة. وشقوا عصا الجماعة. فبادروهم بآلات الاز والبحز والبخز والبزّ والبغز والبهز والجرز والجلز والحزّ والحفز والخز والدغز والرز والرفز والزز والشخز والشرز والشفز والشكز والضخز والضفز والطعز والعرز والقحز والقلز واللبز واللتز واللزّ واللكز واللقز واللمز واللهز والمحز والمرز والمهز والنحز والنخز والنغز والنكز والنهز والوخز والوكز والوقز والوهز والهبز والهرز والهمز والرهز. حتى جعلوهم عبرة للمعتبر. وفرّ الضوطار بقبعته وقد أوقع قومه في الخزي والعار مما أصاب الرجال من الرزء ولحق النساء من الزيادة. ومع ذلك كله فلم يجده شيخ السوق المستعز به شيا. بل ظل مكبّاً على تعاطي الأفيون لطول أرقه وتبييته. وقد سد أذنيه ببعض أوراق دفاتر السوق لئلا يسمع صراخ المستجيرين به أو يوقظه أحد من سباته. فهو راقد إلى هذا اليوم أي يوم تدوين هذه الواقعة. فإن أفاق فللقارئ أن يقيد ذلك في آخر هذا الفصل فقد تركت له محلا. انتهت دحرجة الجلمود والحمد لواجد الوجود سلام وكلام

стр. 75

عمت صباحا يا فارياق؟ كيف أنت؟ وكيف رأيت الإسكندرية؟ هل تبيَّنت نساءها من رجالها فإن النساء في بلدكم لا يتبرقعن. وكيف وجدت مآكلها ومشاربها وملابسها وهواءها وماءها ومنازلها وإكرام أهلها للغرباء؟ ألم يزل برأسك الدوار؟ وعلى لسانك هجو الأسفار؟ قال: أما موقع المدينة فأنيق لكونه على البحر. وقد زادت بهجة بكثرة الغرباء فيها فترى روس ناس مغطاة بطراطير وأخرى بطرابيش. وأخرى بكمام وغيرها بمقاعط. وأخرى ببرانس وغيرها بعمائم. وأخرى بأصناع وغيرها بعصائب. وأخرى بعمارات وغيرها بمداميج. وأخرى بنصاف وغيرها بقبعات. وأخرى بقلانس وغيرها ببراطل. وأخرى بسبوب وغيرها بأراصيص. وأخرى بأراسيس وغيرها بخنابع. وأخرى بقنابع وغيرها بدنيات وأخرى بصواقع وغيرها بصمد وأخرى بصوامع. وغيرها بمشامذ وأخرى بمشاوذ. وغيرها ببرانيط على شكل الشقيط والشبابيط والضفاريط والضماريط والقلاليط والعضاريط والعذافيط والعماريط والقماعيط. ومنهم من له سراويلات طويلة مفرسخة تكنس ما خلفه وما قدَّامه ومنهم من لا سراويلات له فبعثطه باد والناس يتمسحون بما أمامه. ومنهم من له تبّان. ومنه من له إتب. ومنهم يؤثر ومنهم بهميان ومنهم برجل "السراويل الطاق" ومنهم بأندرورد ومنهم بدقرارة أودُقرور. ومنهم من يركب الحمير والبغال. وغيرهم على الخيل والجمال. والإبل في ازدحام والناس في التطام. فينبغي للسائر بينهم أن لا يفتر على الدعاء بقوله اللهم أجِر. اللهم أحفظ. اللهم ألطف. توكلت على الله. استعنت بالله. أعوذ بالله. فأما براقع النساء فهي وأن كانت تخفي جمال بعضهن إلا تريح العين أيضاً من قبح سائرين. غير أن تستر القبيحات اكثر. لأن المليحة لا يهون عليها إذا خرجت من قفصها أن تطير في الأسواق من دون أن تمكن الناظرين من رؤية ملامحها. لينظروا حسنها وجمالها ويكبروا لافترارها. فيقولوا ما شاء الله. تبارك الله. جل الله. الله الله. حتى إذا رجعت إلى منزلها اعتقدت أن جميع أهل البلد قد شغفوا بها حباً. فباتت تنتظر منهم الهدايا والصلات. والأشعار والمواليات. فكلما غنى مغن أنصّت إلى غنائه وسمعت اسمها يتشبب به. فإذا بكرت في اليوم القابل إلى الأسواق ورأت الناس مكبين على أشغالهم تعجبت من بقائهم أصحاء قادرين على السعي والحركة. فزادت لهم في كشف مسافرها، وقسامتها، ومحاجرها وفتنتهم بإشاراتها وإيمائها. ورأرأتها وإيبائها ورمزها ولمزها. وهجلها وعمزها وعنجها ودلالها. وتيهها وعجبها. وزهوها وشكلت. وتدعبها وتصعيرها. ودعجلتها ودغنجتها وتبغنجها ودهمجتها. وشزرها وخزرها وشنفها وحدلقتها وشفونها وإزلاقها. واستشفافها. واستيضاحها واستشرافها. وخلاعتها وخُيَلائها. وتمايلها وتهاديها. وتغدّنها وتعاطفها. وتثنيِّها وتاودها. وتدكلها وتخودها. وتذيلها وتعيلها. وتفتلها وتقتلها. وتذبلها وترفلها. وتبخترها وتخطلها. وتفختها وتدهكرها. وتبهكنا وتهذخرها. وتخلعها وتفككها. وميحها وحككها. وتدأديها وتغطرفها. وتوذفها وتغضفها. ودألها ووهازتها. وألها وهوادتها. وخيزلاها وخيزراها. وزأنباها وأوزّاها. ومطيطائها وكردَحائها. وهبيخاها وعِجّيساها. وهربذاها وحيداها. وهبصاها وجيضاها. وفنجلاها وهبلاها. وخبقاها ودفقاها. وعرقلاها وهمقاها. وعميثليتها وقمطراها. وسبطراها وتبدحها وترنحها. وخندفتها وخزرفتها. وخظرفتها وبادلتها. وبجدلتها وبهدلتها. وذحذحتها وحرقلتها. وحركلتها وهركلتها. ورابلتها ورهبلتها. وقهبلتها وكسملتها. وقندلتها وحنكلتها. وعردلتها وهيقلتها. وخذعلتها ودريحلتها ووكوكتها ووذوذتها. وزوزكتها ورهوكتها وفرتكتها. ومككتها ورهدنتها. وكتكتتها وبرقطتها. وقرمطتها وحرقصتها. وزهرمتها وحذلمتها. ودعرمتها وزهلقتها. وترهيها وتعمجها. وتبهرسها وتهترسها. وتغطرسها. وتكدسها وترهوكها وتهالكها وتهكيلها. وتفركها وتومزها. وتهيمها وأنفها. ورسمها وزوفها. وزيفها وهوجلها. وحتكانها وعيكانها. وزيكانها وزوكانها. ورفلانها وملدانها وزيفانها وذالانها. وريسانها وكتفانها. وميسانها وتزابيها. وهمدانيها وتثرطلها. وتعذقلها وتخزلجها. وحقطها وأبطها. وبفزها وقفزها ونقرها مقبلة مدبرة. وزاد طمعها أيضاً في الهدايا قال وقد نظمت في البرقع بيتين ما أظن أحداً سبقني إليهما وهما:

стр. 76

لا يحسب الغِرُّ البراقع للنسا ... منعاً لهن التمادي في الهوى إن السفينة إنما تجري إذا ... وُضع الشراع لها على حكم الهوا فأما رجالها فأن للترك سطوة على العرب وتجبراً. حتى أن العربي لا يحل له أن ينظر إلى وجه تركي كما لا يحل له أن ينظر إلى حرم غيره. وإذا أتفق في نوادر الدهر أن تركياً وعربياً تماشيا أخذ العربي بالسنة المفروضة. وهي أن تمشي عن يسار التركي محتشماً خاشعاً ناكساً متحاقراً متصاغراً متضائلاً قافاً متقصياً متقفصاً متثمصاً متحمصاً متحرفصاً مكتزاً متكاولاً متازحاً متقرعفاً مقرعفاً متقفعاً متكنبثاً مقعنصراً متقوصراً مستزمراً معرنفطاً مقرنفطاً متجعثباً متجعثناً مرزئماً مرمئزاً مقمئناً مكبئناً متحنبلاً متقاعساً مراعزاً مكردحاً متعصعصاً متزازئاً مقرنبعاً مدنقساً مطمرساً مطرمساً متكرفساً منقفشاً معقفشاً متحوياً معرنزحاً متخشلاً آزماً لازباً كاتعاً كانعاً متشاجباً مصعنباً مجربزاً متدخدخاً. فإذا عطس التركي قال له العربي رحمك الله. وإذا تنحنح قال حرسك الله. وإذا مخط قال وقاك الله. وإذا عثر عثر الآخر معه إجلالاً له وقال نعشك الله لا نعشنا. وقد سمعت أن الترك هنا عقدوا مجلس شورى استقر رأيهم فيه لدى المذاكرة على أن يتخذوا لهم مركباً وطيئاً من ظهور العرب فأنهم جربوا سروج الخيل وبراذع الجمال وراكفها وأقتاب الإبل وبواصرها وحصرها وسائر أنواع المحامل من: كِفْل مركب للرجال. وشِجار مركب يتخذ للشيخ الكبير ومن منعته العّلة من الحركة. وحدج مركب للنساء كالمحفّة. وأجلح هودج ماله رأس مرتفع. وحوف شيء كالهودج وليس به. وقرّ مركب للرجال والهودج. ومحِفّة مركب للنساء. وفرفار مركب من مراكب النساء. وحِمْل هودج. وحِلال مركب النساء. وكدن مركب لهن. وقعْش مركب كالهودج. ومحارة شبه الهودج. وقعَدة مركب لهن. وكتر الهودج الصغير. ومثرة ج مواثر مراكب تتخذ من الحرير والديباج. ورجازة مركب أصغر من الهودج. وعريش كالهودج. وعبيط مركب. وحِزْق مركب شبيه بالباصر. وبُلبُلة هودج للحرائر. وحِقل هودج. وتوأمة من مراكب النساء ج توأمات. وفودج الهودج ومركب العروس. ومن رحئل وعجلة وعرش وشرجع ومزفة ومنصة وسرير ونعش فوجدوها كلها لهم. ورأيت مرة تركياً يقود جوقة من العرب بخيط من الكاغد وهم كلهم يقودون له. أستغفر الله مرادي أن أقول ينقادون له ولم أدر ما سبب تكبير هؤلاء الترك هنا على العرب. مع أن النبي ﷺ كان عربياً والقرآن أنزل باللسان العربي والأئمة والخلفاء الراشدين والعلماء كانوا كلهم عرباً غير إني أظن أن أكثر الترك يجهل ذلك فيحسبون أن النبي صلى الله عليه كان يقول شويله بويله أو بقالم قبالم أو غطالق قاب خي دلها ... طغالق باق يخ بلها صفالق باه خشت وكرد ... فصالق هاب دركلها دخا زاوشت قلدي نك ... خدا شاوزت قردلها اشكارهم كبي والله ... قلاقلها بلابلها لا والله. ما هذا كان لسان النبي ولا لسان الصحابة والتابعين والأئمة الراشدين ﵃ أجمعين إلى يوم الدين آمين وبعده آمين. فأما ماؤها فما أحسن رأسه وأنجعه. إلا أنه قذر الذنب تنجسه حيوانات الأرض بأجمعها. وطيور السماء بجملتها. حتى أن سمك البحر إذا أصابته هيضة طفر إلى رأس هذا الذنب فألقى فيه ما أثقله. فأما أكلها فالفول والعدس والحمص والزن والدوسر والقريناء والخرفي والجلبان والباقلي والحنبل والدجر والخلر والبلس والبيقة والترمس والخرم والشبرم واللوبياء وكل ما يحبنطي به البطن. وذلك أن أهلها لا يرون في الخمائص حسناً. حتى أن النساء فيما بلغني يتخذون معجوناً من الجعل ويأكلنه في كل غداة لكي يسمن ويكون لهن عكن مطويات.

стр. 77

واضطر ما لاقيت فيها قيعر قيعار. قدم إليها من بعض البلاد الحميرية وتعرف بجماعة من النصارى فيها. فصار يدخل ديارهم ويسامرهم. فلما لم يجد عند أحدهم كتاباً أقام نفسه بينهم مقام العالم فقال إنه يعرف علم الفاعل والمفعول وحساب الجمل. وأتخذ له كتباً بعضها من غير ابتداء وبعضها بغير ختام وبعضها مخروم أو ممحو. فكان إذا خاطبه أحد في شيء عمد إلى بعض هذه الكتب ففتحه ونظر فيه ثم يقول. نعم أن هذا الشيء هو من الأشياء التي اختلف فيها العلماء. فإن بعض مشايخنا في الديار الحميرية يتهجاه كذا. وبعضهم في الديار الشامية كذا. ولما يستقر رأيهم عليه فإذا استقر فلابد من أن يخبروني به. قال الفارياق وقد سمعت مرة من استفزه باعث من الشغل يسأله عن الوقت. فقال له ساعة وخمس دقائق أما الساعة فقد اشتق منها الساعي وعيسى. أما الساعي فلكون السعي كله يتوقف على الساعات. إذ لا يمكن لأحد أن يعمل عملاً خلوّاً من الوقت فإن جميع الأفعال والحركات محصورة في الزمان كانحصار- ثم أدار نظره ليشبهه بشيء فرأى كوزاً لبعض الصبيان. فقال كانحصار الماء في هذا الكُزّ. ثم رأى زنبيلاً لصبي آخر فقال أو كانحصار غداء هذا الولد في هذا الزّبيل. وأما عيسى فلكونه اشتمل على جميع المعارف والعلوم اشتمال الساعة على الدقائق. ثم أن قولي خمس دقائق معناه أربعة بعدها واحد أو ثلاثة قبلها اثنان ولك أن تعكس. وإنما قالوا خمس دقائق ولم يقولوا خمسة طلبا للتخفيف والعجلة في الكلام. فإن بطول الألفاظ يضيع الوقت. وقولي دقائق هو جمع دقيقة وهو مشتق من الدقيق للطحين. إذ بينهما شبه ومناسبة بجامع النعومة. ثم أن هناك ألفاظا كثيرة تدل على الوقت وهي المساء والليل والصبح والضحى والظهر والعصر والدهر والأبد والحين والأوان والزمن. أما الستّ الأولى ففيها فرق وأما الأخيرة فلا. فأعترضه رجل من أولئك الكبراء وقال قد رابني يا أستاذنا ما قلت. فإن كلا من جاريتي وستها لها فرق. فضحك الشيخ من حماقته وقال له أن كلامي هنا فيما حواه الزمان لا فيما حواه المكان. فسأله آخر قائلا أين جامع النعومة هذا الذي ذكرت أن فيه الدقيق. فضحك أيضاً وقال أعلم أن لفظة جامع تسمى عندنا معاشر العلماء اسم فاعل أي الذي يتولى فعل شيء أياً كان. لكني طالما عزمت على أن أناقشهم في هذه التسمية لان من يموت أو ينام مثلا لا يصح أن يقال فيه أنه فاعل الموت أو النوم. فقولي جامع على القاعدة المعلومة عندنا هو اسم لمن جمع شيئاً. حتى أن الكنيسة يصح أن يطلق عليها لفظ الجامع لأنها تجمع الناس. فلما قال ذلك اكفهرت وجوه السامعين. قال فسمعت بعضهم يجمجم قائلا: ما أظن الشيخ صحيح الاعتقاد بدين النصارى. فقد أصابت أساقفتنا في حظرهم الناس أن يتبحروا في العلوم ولا سيما علم المنطق الذي يذكره شيخنا. فقد قيل من تمنطق تزندق ثم أنصرف عنه الجميع مدمدمين. وسأله مرة قسيس عن اشتقاق الصلاة. فقال هي مشتقة من الأصلاء. لأن المصلي يحرق الشيطان بدعائه. فقال له القسيس إذا كان مأوى الشيطان سقر مذ ألوف سنين ولم يحترق فكيف تحرقه صلاة المصلي. فتناول بعض الكتب ليقتبس منه جواب ذلك فإذا به يقول قال أحد علماء الرهبان: الاحتراق على نوعين. احتراق حسي كمن يحترق بالنار. ومعنوي كمن يحترق بحب العذرة. ثم وقف وتأوه قائلاً: قد أخطأ سيدنا الراهب. لأن العذراء يجب مدها. فقال: القسيس وقد حنق عليه كيف يجب مدّها إذا لم تشأ. قال ويلي عليك أنت الآخر لا تعرف المدّ والقصر في الكلام وأطفال الحارة في بلادنا يعرفون ذلك. قال بلى أن اقتصار الكلام مع من يخطّي الرهبان مزية. ثم تولى من عنده مدمدماً. قال الفارياق وقال لي مرة قد يظهر لي ان حق استعمال دعا إذا أريد به معنى الصلاة أن يتعدى بعلي. فيقال دعوت عليه كما يقال صليت عليه. قال فقلت له لا يلزم على كون فعل يوافق فعلاً آخر في معناه أن يوافقه في التعدية. فغصَّ بذلك ولم يفهمه. وشكا إليه مرة رجل من معارفه إسهالاً آلمه. فقال له يغالطه أو يسليه أحمد الله على ذلك ليتني مثلك. قال كيف هو أن طال قتل وأسال الجسم كله. فقال له أنه منّة من الله. ألم تسمع كل ملهوف يقول يا رب سهل. فقال التاجر أنا ما عنيت التسهيل بل الإسهال. فقال هما بمعنى واحد لأن افعل وفعّل كلاهما يأتيان للتعدية. كما تقول أنزلته ونزّلته. ولأن كلاَ

стр. 78

من التسهيل والإسهال فيه معنى السهولة. وكتب مرة إلى بعض المطارين العظام. المعروض يا سيدنا بعد تقبيل أردافكم الشريفة. وحمل نعالكم المنيفة اللطيفة. الظريفة النظيفة الرهيفة العفيفة الموصوفة المعروفة المخصوفة. قال فقلت له ما أردت بالإرداف هنا. فقال هي في عرف المطران بمعنى الراحة. ثم لم يلبث أن بعث إليه وذلك المطران ببركة وكتاب أطرا فيه على علمه وفضائله جداً فمما كتب إليه. قد قدم عليَّ مكتوبكم الأبنى وأنا خارج عن الكنيسة فما قرأته حتى دخلت الصومعة وأولجت فيها. فلما أتيت على أخراه علمت أنك صاحب الفضول. مؤلف الفصول. جامع بين الفروع والأصول. طويل اللسان. قصير اليدان "عن المحرمات" واسع الجبين. عميق الدين. عريض الصدر. مجوف الفكر. وكتب في آخره. أطال الله بقاك. وقباك وهناك ومناك. والسلام ختام والختام سلام. والبركة الرسولية تشملكم أولاً وثانياً إلى عاشراً. فجعل يبدي هذا الكتاب لجميع معارفه وخصوصاً لمن كانوا خرجوا من عنده مغضبين لتقريره عن لفظة الجامع. فلما وجدوها في كلام المطران زال عنهم الأشكال والريب في صحة استعمالها. وزاد الرجل عندهم وجاهة وجلالاً. فأما سؤالك عن كرم أهل هذه البلدة فأنهم كانوا في ظهور آبائهم على غاية من السماحة والجود. إلا أنهم لما برزوا إلى عالم التجارة وخالطوا أصحاب هذي البرانيط أخذوا عنهم الحرص والبخل واللآمة والرثَع. بل برزوا على مشايخهم. وإنهم إذا ضمهم مجلس لم يكن منهم إلا الحديث عن البيع والشراء. فيقول قد جاءني اليوم جندي من الترك في الصباح ليشتري شيئاً فتطيرت من صاحبه واستفتاحه. إذ لا يخفى عنكم أن الجندي يستدين ولا يقضى دينه. وإذا تكرم بنقد الثمن فما يعطي التاجر إلا نصفه. فقلت له ما عندي مطلوبك يا أفندي. وإنما أردت تفخيمه بهذا اللقب ليتأدب معي. فما كان منه إلا أن دخل الحانوت وبعثر البضاعة كلها وأخذ ما أراد منها وما لم يرد. ثم ولي وهو يسبني. فيقول آخر وأنا أيضاً جرى لي مع سيدة من نساء الترك واقعة. وذلك أنها بكرت عليَّ اليوم وهي تنوء بحليّها. وأقبلت باسمة أليّ وقالت هل عندك يا سيدي حرير مزركش. قلت وقد استبشرت عندي. فقالت أرني المتاع فأريتها إياه. فتداركتني بالخف وقالت أمثلي يري هذا. أرني غير ذلك: فأريتها ما أعجبها فأخذته وقالت أبعث معي من يقبض الثمن. فبعثت غلامي فتبعها حتى دخلت دار كبيرة وأمرت حاجبها بضرب الغلام وإيلامه. إلا أن الحاجب لما كان من الترك ورأى الغلام أمرد لم يطاوعه قلبه على ضربه لكن أنفذ فيه أمر سيدته بما أوصل من الأذى والألم وهكذا ينقضي نهارهم بالمكروه وليلهم بذكره. وأظن أن التاجر يطرب بمجرد ذكر البيع والشراء وإن لم يكن فيه ربح.

стр. 79

فأما ما جرى لي بعد وصولي فإني نزلت عند خرجي من أصحاب صاحبي الأول. فتبوأت حجرة بالقرب من حجرته. فكنت أسمعه كل ليلة يضرب امرأته بآلة فتبدي الأنين والحنين والرنين والخنين. فكان يهيجني فعله إلى البطش به. وكثيراً ما فكرت في أن أقوم من فراشي لكني خشيت أن يصيبني ما أصاب ذاك الأعجمي المتطبب الذي جاور قوماً من القبط. وإنه ذات ليلة صراخ امرأة من جاراته فظن أن لدغتها عقرب وذلك لكثرة وجود العقارب في بيوت مصر. فقام إلى قنينة دواء تأبطها وأقبل يجري. فلما فتح الباب وجد رجلا على امرأة يعالجها بإصبعه كما هي عادة القوم فلما رأى الطبيب ذلك دهش فوقعت القنينة من يده وانكسرت. وكان هذا الخرجي أبيض اللون أزرق العينين مع صغر واستدارة فيهما دقيق أرنبة الأنف مع عوج في قصبته غليظ الشفتين. وإنما تكلفت لوصفه لك ليبقى نموذجاً عندك تقيس عليه جميع من تراه من الخرجيين وغيرهم. وكان قد أتخذ فوق سطح منزله هرماً صغيراً مرصوفاً من قناني الخمر الفارغة. فكان سطحه أعلى سطوح الجيران. قال ثم عنّ له يوماً أن يكلفني إنشاء خطبة في الخرج في مدح الخرج لكي أتلوها في مخطب صغير كان قد استأجره. فلما فرغت منها عرضتها عليه فذهب بها إلى قيعر قيعار. فقال له ما مرادك أن تصنع بهذه الأحجيَّة الخرجية. فقال يتلوها منشئها على الناس فما رأيك فيها. قال هي حسنة إلا أن عيبها هو أن لا يفهمها أحد إلا أنا وهو. ونحن قد قرأناها فلا موجب لإعادتها. فعدل عن ذلك. قال وأتفق لي وأنا مقيم عنده إني خرجت في عشية من عشايا الصيف البهيجة أمشي وحدي وبيدي نسخة الدفتر. ولما كان رأسي قد حفل بالأفكار فيما أنا عليه من فرقة الأهل والأحباب وذكر الوطن. والتغرب عنه لغير سبب من أسباب المعاش سوى لخصام سوقي وخرجي على قال وقيل. أوغلت في المشي فانتهيت إلى ظاهر المدينة وكان يتبعني رجل قد رأى نسخة الدفتر فأضمر ليمنينني بداهية. فأقبل إليّ يكلمني ثم عطف بي يمنة ويسره وهو يعللني بالكلام حتى انتهينا إلى مكان خال. فتركني هناك وقال لي أن عليّ أقضي هنا مصلحة. فحاولت الرجوع إلى مقري وإذا بسرب عظيم من الكلاب جرت وهي تنبحني ودنت مني. فهوَّلت عليها بالكتاب فهجمت عليَّ هجمة السوقي على الخرجي. ثم تحاصوا جسمي وثيابي والكتاب فبعضهم عضَّ وبعضهم أدمى وبعضهم جرّ. وبعضهم تهدد في المرة الثانية. فما كدت أتملص من بين أيديهم إلا وثوبي وجلدي ممزق. وقد مزّق الدفتر أيضاً أوراقه وجلده. فلما رجعت إلى منزلي ورآني الخرجي على هذه الحالة لم يكترث بشأني أو أنه لم يرني من فرط اشتغاله بالخرج. وإنما علم أني رجعت خلوا من الدفتر فأعتقد أني أعطيته لأحد. ففرح بذلك جداً ورغب في أن يجعلني عنده في مصلحة خرجية. لكن رأى من الواجب أن يشاور صاحبه فمن ثم كتب إليه في شأني. فأبى ذاك وقال لا بد من تسفيري إلى الجزيرة. لأن النية استقرت على هذا من قبل. وما حسن تغيير النيات. فعزم مضيفي على إجراء ذلك وها أنا منتظر السفينة. انقلاع الفارياق من الإسكندرية من نحس صاحبنا أنه عند سفره إلى تلك الجزيرة لم تكن خاصية البخار قد عُرفت عند الإفرنج. فكان سفر البحر موكولا إلى الريح إن شاءت هبّت وإن شاءت لم تهب. كما قال الصاحب بن عباد فإنما هي ريح لست تضبطها ... إذ لست أنت سليمان بن داود

стр. 80

فمن ثم ركب الفارياق في سفينة ريحية من هذا النوع وكان في مدة السفر يتعلم بعض ألفاظ من لغة أصحاب السفينة مما يختص بالتحية والسلام. من جملة ذلك دعاء يقولونه عند شرب الخمر على المائدة وهو قولهم طابت صحتك. إلا أن لفظ الصحة عندهم يقرب من لفظ جهنم فكان يقول طابت جهنمك. فكانوا يضحكون منه وهو يسبُّهم بقلبه ويقول. قاتل الله هؤلاء العلوج إنهم يقيمون في بلادنا سنين ولا يحسنون النطق بلغتنا. فيلفظون السين إذا سبقها حركة زايا وحروف الحلق وغيرها محالة ونحن لا نضحك منهم. وقد سمعت أن بعض قسّيسيهم الذين لبثوا في بلادنا سنين رام مرة أن يخطب في القوم فلما صعد المنبر أرتج عليه ساعة إلى أن قال: "أيها الكوم كد فات الوكت الآن ولكني أهتب فيكم نهار الأهد الكابل إن شاء الله". ثم سار إلى بعض معارفه من أهل الدراية والعلم والتمس منه أن يكتب له خطبة يحفظها عن ظهر قلبه أو يتلوها تلاوة. وحشد الناس إليه فلما غصت بهم الكنيسة صعد المنبر فقال (بسم الله الرهمن) ثم كأنه انتبه من غفلته وعرف أن ذلك لا يرضي النصارى وأن الكاتب إنما كتب ذلك على طريقته. فاستدرك كلامه وقال: لا لا ما بديّش أكول مسلماً بيكول الإسلام بسم الله الرهمن الرهيم بل كما تكول النسارى بسم الآب والابن والروه الكدس. يا أولادي المباركين الهادرين هنا لسماء هتبتي. وكبول نسيهتي وموهزتي. أن كنتم هدرتم وكلبكم مشكول بلزات الآلم. أهبرني هتي أكسر من هتابكم فلا يتدجر أهد من تُوله ولا يتألّم. وإلا فهزي فرسة سنهت لي اليوم. أزكر فيها النساء والرجال تزكير من لا يكشي اللوم. وأنزرهم يوم الهشر والهساب. يوم لا ينفع مال ولا أسهاب. ولا سُهال ولا جواب. إيلموا رهمكم الله أن الدنيا زايلة. ومتامهها باتله. وهالاتها هايله. ومهاليها سافله فكونوا منها على هَزَر. ولا يدلكم ما آجب منها وما سرّ. أسرفوا أنها نزركم ولا تالكوا بها وتركم. أفهسوا فيها كلبكم كبل أن تسندوا روسكم إلى المهدّة. ووازبوا إلى السماوات في الديك والشدة. كدموا للكنايس نزوركم ولو كليله وإستهينوا بالكديسين هال الفتيله. لتنكروا من المهن والمسايب. وتتفسوا من الكرنب والنوايب أهترموا كسيسيكم وأساكفتكم ووكروهم وأكتدوا بهم. وأركبوهم ولا هزُ وهم ترشدوا بسايهم وركسهم ودابهم يا أيَّها النسارى أن ديننا هو ألهك. وواده هو الأسدك. وكبره هو الأكدك وسوكه هو الأنفك. لا تكالتوا هؤلاء الكرجيّين. الزين إندسّوا فيكم مزهين. يتزببون في أدلالكم عن الزرات المستكيم. بما يزهرون لكم من الورا والكُلُك الهليم. إلا أنهم هم الزياب الكاتفة المتردية بلباس الهملان. الجايلون في كل كتُر وسُك ينسبون إلينا الزيك والبهتان. وهم أزيك من سلك تريكا. وأكزب من كش سديكا. وكان رفيكا. إلى أن قال أيها الكاركون في الهتايا. تجنبوا ما يفدي بكم إليها فإن آكبتها إليكم بلايا ورزايا. ألا فأسرموا أزبابها سرماً. وكاوموا أركابها أزما. وأستاسلوا جزروها رهزا. وأكلاوا مكوياتها تنالوا ركزاً. الأزباب الأزباب.

стр. 81

فأكتأوا الأزباب حتى تهلسوا في يوم الهساب. من الكساس والأزاب "أي اقطعوا الأسباب حتى تخلصوا في يوم الحساب من القصاص والعذاب" ومع ذلك فلم يصفه أحد من السامعين بل استمر إلى آخر الخطبة على هذا النمط. إلاّ أن المرأة لبيبة كانت قد تزوجت مذ عهد قريب لما سمعت الفقرة الأخيرة غضبت وقالت: ألا لا بارك الله في يوم رأينا فيه وجوه هؤلاء العجم فقد احتكروا خيراتنا وأرزاقنا. وأفسدوا بلادنا وسابقوا ناسا إلى تحصيل رزقهم من أرضنا. وعلّموا من عرفهم منا البخل والحرص والطيش والسفاهة. وما لعمري حصلوا على هذا الغنى الجزيل إلاّ لجشعهم وشحهم. فقد سمعنا أن الرجل منهم إذا جلس على المائدة مع أولاده يأكل اللحم ويرمي بالعظام إليهم ليتمششوها. ولكونهم حراميين غبيين في البيع غشاشين. وقد بلغني أن إخوانهم في بلادهم أنجس منهم وأفسق. وهذا النجس الآن يغري بعولتنا بارتكاب الفاحشة لتخلوا له الساحة فيفعل ما يشاء. فإني أعلم عين اليقين أن هؤلاء المنابريين إنما بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وأنهم ليعلمون الناس الزهد في الدنيا والجبّ وهم أحرص الثقلين عليها وأقرب الخلق إلى البغال. فما جزاؤه الآن إلا قطع لسانه حتى يعرف ألم القطع. لعمري أن الإنسان لا يهون عليه أحياناً أن يقلم أظفاره لكونها منه. ولذلك كانت أخواتنا نساء الإفرنج يربين أظفارهن ويفتخرون بها مع إنها لا يلبث أن تنبت. فكيف يجوز قطع ما يعمّر به الكون "طيب الله أنفاسك يا حديثة عهد بالزواج وعتيقة نقد للاعلاج. ليت النساء كلهن مثلك وليتني الثم شفتيك". ثم لما خرج القسيس من الكنيسة إذا بالناس جميعاً اهرعوا لتقبيل يده وذيله وشكروه على ما أفادهم من المعاني البديعة بقطع النظر عن غيرها. لما تقرر في عقولهم من أن خواص دين النصارى أن تكون كتبه ركيكة فاسدة ما أمكن. لأن قوة الدين تقتضيه لتحصل المطابقة كما أفاده المطران إثناسيوس التتونجي الحلبي البشكاني الشلاّقي الشولقي الإنقافي النشافي المقسقسي اللطاعي النطاعي المصنوي الحُتفلي الأرشمي الثرتمي القديحي التخممي الأمعي في بعض مؤلفاته المسمى بالحكاكه في الركاكه. قال الفارياق وإذ قد ابتلاني الله بعشرة اللئام فلا بد ليمن مجاملتهم ومخالفتهم إلى أن يمنّ عليّ بالنجاة منهم. قلت وحيث قد مرّ ما قاله الفارياق في سفرته الأولى فلا موجب الآن لإعادة ذكره شكواه هنا من ألم البحر. وإنما نقول إنه في خلال معاناته ومقاساته حلف لا يركبن بعدها في شيء من مراكب البحر. من الجفاء السفينة الخالية ذكره صاحب القاموس في المهموز. والمرْزاب السفينة العظيمة أو الطويلة. والزبزب ضرب من السفن. والبارجة السفينة الكبيرة للقتال. والخليج سفينة صغيرة دون العَدَوْلّي. والطراد السفينة الصغيرة السريعة. والمُعبّدة السفينة المقيرة. والغامد السفينة المشحونة كالآمد. والدسراء السفينة تدسر الماء بصدرها ج دُسُر. والزرزور المركب الضيق. والزَنَبريّ الضخم من السفن. والقرقور السفينة الطويلة أو العظيمة. والكار سفن منحدرة فيها طعام. والهرهور ضرب من السفن. والقادس السفينة العظيمة. والبوصي ضرب من السفن. والصلغة السفينة الكبيرة. والنهبوغ السفينة الطويلة السريعة الجري البحرية ويقال لها الدونيج معرب. وذات الرفيف سفن كان يعبر عليها وهي أن تنضد سفينتان أو ثلاث للملك. والشقدف مركب م بالحجاز. والحراقة ج حراقات سفن مرامي نيران. والزورق السفينة الصغيرة. والبراكية ضرب من السفن. والعدولية سفن منسوبة إلى عدولي بالبحرين أو- والجرم زورق يمني. والخن السفينة الفارغة. والشونة المركب المعد للجهاد في البحر. والتلوي ضرب من السفن صغير ذكره في ت ل و. والجفاية السفينة الخالية ذكره في ج ف ي. والخلية السفينة العظيمة أو التي تسير من غير أن يسيرها ملاح أو التي يتبعها زورق صغير. والشذا ضرب من السفن. والركوة الزورق الصغير. والقارب السفينة الصغيرة. والرمث خشب يضم بعضه إلى بعض ويركب في البحر. والطوف قرب ينفخ فيها ويشد بعضها إلى بعض كهيئة السطح يركب عليها في الماء ويحمل عليها.

стр. 82

والعامة عيدان مشدودة تركب في البحر ويعبر عليها في النهر ويقال لها أيضا العامة. وإنه بعد وصوله إلى مرسى الجزيرة اعد له فيه مكان حسن لتطهير أنفاسه به مدة أربعين يوما. إذ قد جرت العادة عندهم بأن من قدم إليهم من البلاد المشرقية وقد استنشق هواها فلا بد وأن ينثره في المرسى قبل دخوله البلد. فأقام فيها يأكل ويشرب مع اثنين من أعيان الإنكليز ممن ركبوا في السفينة. وطاب له العيش معهما قد ساحا في بلدان كثيرة من المشرق وأخذا عن أهلها الكرم. ثم بعد انقضاء المدة جاء الخرجي وأخذه إلى منزله بالمدينة وكان المذكور قد فقد زوجته من يوم نوي تسفير الفارياق إليه. فلزم الحداد والتقشف. ولزمته الكآبة والتأسف. وأن لا يأكل غير لحم الخنزير أعلى الله شأنك عن ذكره. وإنما أمر طباخه بأن يتفنن فيه. فيوما كان يطبخ له رأسه. ويوما رجليه. ويوماً كبده. ويوماً طحاله. حتى يأتي على جميع آرابه ثم يستأنف من الرأس. وأنت خبير بأن نصارى الشام يحاكون المسلمين في كل شيء ما خلا الأمور الدينية. فمن ثم كان لحم الخنزير عندهم منكراً. فلما جلس الفارياق على المائدة وجاء الطباخ بأرب من هذا الحيوان الكريه ظن أن الخرجي يمازحه باراءته إياه شيئاً لم يعرفه. فامتنع أن يأكل منه طعماً في أن ينال من غيره. وإذا بالخرجي قضى فرض الغداء وشرع حالاً في الصلاة والشكر للباري تعالى على ما رزقه. فقال الفارياق في نفسه قد خطأ والله صاحبي. فإنه وضع الشكر في غير موضعه إذ الثناء على الخالق سبحانه لأجل فاحشة أو أكل سحت لا يجوز. وفي اليوم الثاني جاء الطباخ بعضو آخر. فالتقمه وشكر عليه أيضاً. فقال الفارياق للطباخ لم يشكر الله صاحبنا على أكل الخنزير. قال ولم لا وقد أوجب على نفسه أن يشكر له على كل حال وعلى كل شيء كما ورد في بعض كتب الدين. حتى أنه كان يقضي هذا الفرض بعد أن يبيت مع زوجته. قال وهل شكر له على موتها. قال نعم فإنه يعتقد أنها الآنفي حضن إبراهيم. قال أما أنا فلو كان لي امرأة لما أردت أن تكون في حضن أحد. ثم أن دولة الخنزير اعتزت وعظمت. ومصارين الفارياق ضويت وذوت. فكان يقضي النهار كله على الخبز والجبن. ثم بلغه أن خبز المدينة يعجن بالأرجل ولكن بأرجل الرجال لا النساء فجعل يقلل منه ما أمكن. حتى اضَّر به الهزال. وصدئت أضراسه من قلة الاستعمال. فوقع منها اثنان من كل جانب واحد. وهذا أول أنصاف فعله الجوع على وجه الأرض. إذ لو كانا وقعا من جانب واحد لثقل أحد الجانبين وخفّ الآخر فلم تحصل الموازنة في حركات الجسم. أما المدينة فإن القادم إليها من بلاد الشرق يستحسنها ويستعظمها. والقادم إليها من بلاد الإفرنج يحتقرها ويستصغرها. واعظم ما حمل الفارياق فيها على العجب صنفان صنف القسيسين وصنف النساء. أما القسيسون فلكثرتهم فأنك ترى الأسواق والمنازة غاصة بهم. ولهم على رؤوسهم قبعات مثلثة الزوايا لا تشبه قبعات السوقيين في الشام. وسراويلهم أشبه بالتباين فأنها إلى ركبهم فقط. وسيقانهم مغطاة بجواريب سود. والظاهر أنها عظيمة لأن جميع القسيسين في هذه الجزيرة معلفون سمان. وقد جرت العادة عندهم أيضاً بأن القسيسين وأهل الفضل والكمال من غيرهم يحلقون شواربهم ولحاهم. وإنما يجب على القسيسن خاصة أن يلبسوا سراويلات قصيرة مزنقة حتى يمكن للناظر أن يتبين ما وراءها. فأما النساء فلاختلاف زيهن عن سائر نساء البلاد المشرقية والإفرنجية. ولأن كثيراً منهن لهن شوارب ولحى صغيرة ولا يحلقنها ولا ينتفنها. وقد سمعت إن كثيراً من الإفرنج يحبون النساء المتذكرات. فلعل هذا الخبر الغريب بلغ أيضاً مسامعهن. كيف لا وأهواء الرجال لا تخفى عن النساء. والحسن فيهن قليل جداً. وانتقادهن إلى القسيسين غريب. فإن المرأة منهن تؤثر قسيسها على زوجها وأولادها وأهلها جميعاً. ولا يمكن أن تتخذ طعاماً فاخراً من دون أن تهديه باكورته حتى كل منه أكلت هي.

стр. 83

وقد بلغني أن امرأة سوقية متزوجة أي من حزب شيخ السوق رأت رجلاً جميلاً من الخرجيين فاستخسرته فيهم. وقالت لو دخل هذا الرجل كنائسنا لزادت به بهجة ورونقا. فأرسلت إليه عجوزاُ تدعوه إليها فلبّى الفتى دعوتها. لأن عداوة السوقيين والخرجيين إنما هي مقصورة على الضواضرة والنجشيين والمحترفيين لا مبلغ لها عند الرجال والنساء. ففاضت معه في الحديث إلى أن قالت له كنت تتبع طريقنا فإني أمكنك من نفسي ولا امنع عنك شيئاً. فقال لها الشاب أما الذهاب إلى الكنيسة فأهون ما يكون عليّ لكونه قريبة من منزلي. وأما الاعتقاد فكليني إلى نيتي. فإني آنف من هذا الاعتراف الذي يكلفكم به القسيسون من أهل كنيستكم. وليس من طبعي الكذب والتدليس حتى اعترف للقسيس بالصغائر واكتم عنه الكبائر كما يفعله كثير من السوقيين. أو اذكر له ما لم أفعله وأخفي عنه ما فعلته. فتأوّهت المرأة عند ذلك وأطرقت وهي تفكر وتحرك رأسها. ثم قالت لا بأس أنَّا ليكفينا منك الظاهر كما أفادنيه قسيسي. ثم تعانقا وتعاشقا وجعل يتردد عليها وعلى الكنيسة معاً. حتى أن الزواني في هذه الجزيرة متهوسات في الدين. فإنك تجد في بيت كل واحدة منهن عدة تماثيل وصور لمن يعبدونه من القديسين والقديسات. فإذا دخل إلى إحداهن فاسق ليفجر بها قلبت تلك التماثيل فأدارت وجوهها إلى الحائط لكيلا تنظر ما تفعله فتشهد عليها بالفجور في يوم النشور. قال ومن خصائص أهل هذه الجزيرة إنهم يبغضون الغريب ويحبون ماله وهو غريب. فإن مال الإنسان عبارة عن حياته ودمه وذاته. حتى أن الإنكليز إذا سألوا عن كمية ما يملكه الإنسان من المال قالوا كم قيمة هذا الرجل. فيقال قيمته مثلاً ألف ذهب. فكيف يتأتَّى لأحد أن يبغض آخر ويحب حياته؟ وإنهم يتجاذبون كل غريب قدم إليهم. فيأخذه واحد منهم بيده اليمنى ليريه النساء. ويمسكه الآخر ليريه الكنائس والدولة لمن غلب. ومن خصائصهم أيضاً إنهم يتكلمون بلغة قذرة طفسة منتنة بحيث إن المتكلم يشم منه رائحة البخر أول ما يفوه. والرجال والنساء. في ذلك سواء. وإذا استنكهت امرأة جميلة وهي ساكتة نشيت منها عرفاً ذكياً. فإذا استنطقتها استحالت إلى بخر. ومنها أنه إذا أصيب إحدى النساء بداء في أحد أعضائها ذهبت إلى الصائغ وأمرته بأن يصوغ لها مثال ذلك العضو من فضة أو ذهب لتهديه للكنيسة. ومن كانت معسرة صاغته من الشمع ونحوه. ومن ذلك إن حلق اللحى والشوارب مندوب وحلق ما سواهما محرم. حتى أن القسيسين يلحّون على النساء في السؤال كثيراً حين يعترفن لهم عن قضيتي النتف والحلق ويحرزونهن من ارتكاب ذلك. ومنها أن لأهل الكنائس عادة أن يخرجوا في أيام معلومة بما في كنائسهم من الدمى والتماثيل على ثقلها وضخمها. يحملونها على أكتاف المتحمسين في الدين فيجرون بها في الشوارع وهم ضاجون. وأغرب من ذلك أنهم يوقدون أمامها الشموع حين يود كل إنسان أن يؤدي إلى كهف في بطن الأرض من شدة توهج الشمس. وغير ذلك كثير مما حمل الفارياق على العجب. لأن أهل بلاده مع كونهم سوقيين ولهم حرص زائد على عداوة الخرجيين لا يفعلون ذلك. وحين ثبت أن الخرجيين هم على هدى إلاّ في أكل الخنزير. وإن السوقيين على ضلال ما عدا استحسان نسائهم لغيسانّي الخرجيين. إلا أنه ليس من طريقة في الدنيا إلا وفيها ما يحمد وما يذم. وإن الإنسان تراه في بعض الأمور عاقلا رشيدا وفي غيرها جاهلا غويا. فسبحان المتصف وحده بالكمال. وإنما ينبغي للناقد المنصف أن ينظر إلى الجانب الأنفع ويقابله بغيره. فإن رأى نفعه أكثر من ضره حكم له بالفضل. لا أن يمني نفسه بأن يجد شيئاً من الأشياء كاملاً. قال الشاعر: ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

стр. 84

هذا وكما أن الجوع اسقط من فم صاحبنا الضرس المستجيع ضرسين. كذلك أسقطت مشاهدة تلك الأمور من رأسه اعتبار السوقيين وبني عمَّهم من كلا الجانبي الدين والرشاد. فظهر له أن أفعالهم أحرى أن تكون أفعال المجانين. فلهذا ضاق صدره في بلادهم وعيل صبره. مع احتياجه إلى الطعام الطيّب الذي كان ألفه في الشام والي لباس يليق به. فإن الخرجي أفاده أن المفددين على السلع الخرجية لا ينبغي لهم التحفل بالملبوس. إذ المقصود من الخرج إنما هو حمله فقط. مع إن السوقيين يحسبون إن الخرجيين يستجلبون إليهم المفددين بالمال والهدايا. فلهذا كان الفارياق دائم الحزن والأسف. فلم يمكنه وقتئذ أن يتعلم لسان الخرجيين وإنما تعلم منهم بعض ألفاظ تخص ترويج السلعة فقط. هذا وقد كان عند الخرجي المذكور خريجيّ لئيم. شكس الأخلاق أصفر الوجه. أزرق العينين أرنبة الأنف كبير الأسنان. رأى الفارياق يوما ينظر من طاقة له إلى سطوح الجيران فنزغه الشيطان أن يسّمر الطاقة، فلما رآها الفارياق مسمرة تفاءل بأنها خاتمة النحس، وهكذا كان، فإنه مرض بعدها بأيام قليلة فأشار الطبيب الخرجي بأن يسفره إلى مصر. فسافر من ثم ومعه كتاب توصية إلى خرجي آخر. منصّة دونها غصّة ما زال البحر بحراً. ما برحت الريح ريحاً. ما أنفك طالع الفارياق هابطاً. ما فتئ لسانه فارطاً. فلما بلغ إلى الإسكندرية وجد في محل الخرجي القديم خرجياً فيها. فتخلّف عمن تقدمه وخبثت ريحه بين أقرانه. والحامل له على ذلك إنه رأى هواء البلاد شديد الحرارة عليه فأرتاي أن يتخذ له هرمين يتسلقهما حين يحتر كما كان سلفه أتخذ هرماً من الدنان. فأفرغ عليهما من اللجين ما يسيل به واد. فشاع إسرافه هناك ومله أصحابه ثم سافر الفارياق من الإسكندرية إلى مصر وادي كتاب التوصة للخرجي. فأنزله في دار رفيق له وكانت محاتذية لدار رجل من الشاميين كان يجتمع عنده كل ليلة جماعة من المغنين والعازفين بآلات الطرب. فكان الفارياق يسمع الغنا من حجرته. فهاج به الوجد والغرام. وتذكر أوقاته بالشام. وحين وصبا إلى مجالس الأنس. وخيل له أنه انتقل من عالم الجن إلى عالم الإنس. وأسفرت له الدنيا عن لذات مبتكرة. وشهوات مدَّخرة. وأفراح صافية. وأماني وافيه. فنسي ما كابده في البحر من الدُوار والفواق وفي الجزيرة من الجوع وتسمير الطاق. وما أصابه من بحُح التفديد. وترح التقليد. ورأى لدولة مصر بهجة ورونقاً. وفي عيشها رغداً مغدقاً. فكان الناس كلهم مُعْرسون أو مفاخرون ومنافسون.

стр. 85

ولنسائها كياسة وظرفاً وجمالاً. ولطفاً وليناً ودلالاً. وتيهاً واختيالا. يخطرون في الطرق بالحبر كالمنشئات فيجعلن مجموع الهّم على القلب في شتات. وما أنا بأول واصف لهن إنهن خلاّبات للعقول. غلاّبات للفحول. فقد وصفهن بذلك كل ناظم وناثر. وذكر محالهن كل من حاولهن من الأكابر والأصاغر. وفي المثل السائر. تراب مصر من ذهب. وغيدها نِعم اللُعب. وإنها لمن غلب. واعجب ما يرى من احوالهن. حين يخرجن من حجالهن. ويتفلتن من عكالهن، ما إذا ركبن الحمير الفارهة العالية. واستوينا فوقها على منصة مضخمة بالغالية. فترى عرفهن قد ملأ الخياشم. وحور أعينهن يذكر الناس بحور جنات النعيم. فكل من ينظر حورية منهن يكبّر عند رؤيتها. ويستصغر الدنيا بجمال طلعتها. ومنهم من يهلل لالتفاتتها. ويسّبح عند حركتها. ومنهم من يتمنى أن يكون ممسكا بركابها. أو ماسا لجلبابها. أو حاملاً لنعالها. أو رافعا لأذيالها أو بطانة لحبرتها أو بوابا لحجرتها. أو رسولا بينها وبين عاشقها. أو تبعا لتبعها ومرافقها. أو مشاطا يسوي فرقها. أو خياطا يرقع خرقها. أو صائغا يصوغ لها سوارا. أو حدادا يصنع لها مسمارا. أو بلاَّنياً يدلك بدنها. أو هناً آخر يداني هنها. وهي من فوق تلك المنصَّة تتعزز وتتمنع. وتشفن وتتطلع. فترمي هذا بنظرة فتدميه. وذاك بغمزة فتصيبه وتسبيه. فتعطل على التجار أشغالهم. وتبلبل من ذوي البطالة بالهم. حتى كان الحمار من تحتها يعرف قدر من حمل. ويدري ما غرض من كبّر وهلّل. فهو لا ينهق ولا يسمع له شخير ولا يكرف كسائر الحمير. بل يسمد على الخيل كبرا. ويمشي الخيلاء زهوا. وفخرا. أما قائد الحمار فإنه يرى أن قائد الجيش دونه في المنزلة. وإن الناس لفي افتقار إليه فهو لابدَّ له من عائد وصلة. كيف لا وهو الموصوف بالسياسة والقيادة والفراسة. وهنا قضية نسيت أن أذكرها. فلا بد من أن أقيدها. في هذا الموضع وأحررها. وهي أن القلوب برؤية المتبرقعات أولع منها برؤية المسفرات وذلك أن العين إذا رأت وجههاً جميلاً وأن يكن رائعاً شائقاً غاية ما يمكن فإن المخيلة تستقر عليه وتسكن. فأما عند تبصر الوجه المحجوب مع اعتقاد القلب بأن صاحبه من الجنس المحبوب. ولا سيما إذا قام الدليل عليه بحلاوة العينين، وبالهدب وبزجج الحاجبيين، فإن المخيلة تطير بالأفكار عليه ولا تجد لها من أمد تنتهي إليه. فيقول الخاطر "انتهى السجع لأنه ملأ الصفحة" لعل هذا الوجه. أثعُبانيّ الاثعبان والاثعباني الوجه الفخم فيحسن وبياض. أو ذوانسبات يقال في وجهه انسبات أي طول وامتداد. أو هو مصُفح المصفح من الوجوه السهل الحسن. أو مثُعمدّ المثعمد من الوجوه الظاهر البشرة الحسن السنحة. أو مدنَّر يقال دنَّر وجهه تدنيراً تلالا. أو ملوّز الملَّوز من الوجوه الحسن المليح. أو مخروط المخروط من الوجوه ما فيه طول. أو ساجع الساجع الوجه المعتدل الحسن الخلقة. أو عنميّ الوجه الحسن الأحمر. أو فدغم الفدغم الوجه الممتلي الحسن. أو ذو كلثمة الكلثمة اجتماع لحم الوجه بلا جهومة. أو مَسنون يقال رجل مسنون الوجه مملّسة حسنه سهله. ولعله جامع لجميع سمات الوسامة فاشتمل على خدين اسيلين اسجحين أو مكتّلين وفي كل خدّ إذا ضحكت غمزة أو هزمه أو شجرة أو عكوة أو غرمة أو فحصة أو فيهما. علطة العلطة واللعطة سواد تخطه المرأة في وجهها زينة. أو في كل منهما خال عمّ حسنه وعزَّ فتنه. أو فيهما أوفي أحدهما خداد "ميسم في الخد" أو ترخ "الشرط اللين". أو وَحْص أو عُد أو ظبظاب. الوحص بثرة تخرج في وجه الجارية المليحة والظبظاب بثر في وجوه الملاح ومثله العُد. واشتمل أيضاً على ثغر منصب. ذي شنب ورتل وحبب. ثغر منصب مستوى النبتة والشنب ماء ورقة وبرد وعذوبة في الأسنان أو نقط بياض فيها أو حدّة الأنياب كالغرب تراها كالمنشار والرتل بياض الأسنان وكثرة مائها والحبب تنضد الأسنان وما جرى عليها من الماء كقطع القوارير. أو على تفليج في ثنايا من الدّر. ذات أُشُر ووَشْر أُشُر الأسنان وأُشَرها التحزيز الذي فيها خلقة أو مستعملاً يقال أشرت المرأة أسنانها وأشرتها والوشر تحديد المرأة أسنانها وترقيقها.

стр. 86

أو أن لها عترة. تتهالك في حبها عترة. العترة أُشَر الأسنان ودقة في غروبه ونقاء وماء يجري عليه- والريقة العذبة وهي أيضاً نسل الرجل ورهطه وعشيرته. الأدنون ممن مضى وغبر. أو أن بذقنها نونة تعوذ بسورة ن. أو أن شفتها ريّا أو حوّاء أو نكعة أو أن فيها لعساً أو ذبباً. أو يتصّبب منها العسل تصبّباً. أو أن فيها ثُرْملة. تشفي من الوله. الثرملة النقرة في ظاهر الشفة العليا والنكعة من الشفاه الشديدة الحمرة. أو أن في طُرْمتها طِرْماً. الطُرمة النبرة وسط الشفة العليا والطرم الشهد والزبد والعسل. أو أن لها تُرْفة. أشهى واعزّ من الترفة. الترفة هنة ناتئة وسط الشفة العليا خلقة وهي أيضاً النعمة والطعام الطيب والشيء الطريف تخص به صاحبك. أو أن لها عُرْعَرة. على مثلها تهون الغرغرة. العرعرة بين المنخرين أو خَوْرِمة. تطيب بها النفس عن الخُرّمة. الخورمة مقدم الأنف أو ما بين المنخرين والخرّمة واحدة الخرّم وهو نبت كاللوبيا بنفسجي اللون شمه والنظر إليه مفرح جداً ومن امسكه معه احبّه كل ناظر إليه ويتخذ من زهره دهن ينفع لما ذكره. أو نثرة. عليها تنثر البدرة. النثرة الخيشوم وما والاه أو الفرجة بين الشاربين حيال وتزّة الأنف. أو أن لمرافعها غَفْراً. يكسر شوكة الاجرا. المراعف الأنف وحواليه والغفر زئبر الثوب. أو أن لها خُنْعُبة. تشدّ العظام الوربة. الخنعبة النونة أو الهنة المتدلية وسط الشفة العليا أو الشق ما بين الشاربين حيال الوترة ويقال فيه أيضاً الخُنْبعة. أو عَرْتُبة. تصح بها القلوب الوصبة. العرتبة الأنف أو ما لان منه أو الدائرة تحته وسط الشفة أو طرف وترة الأنف. أو عَرْتمة. هي للحسن سمة. العرتمة مقدم الأنف أو ما بين وترته والشفة أو الدائرة عند الأنف وسط الشفة العليا ومثلها الهرثمة. أو أن على ملامظها وملامغها لَغَماً. ينفي سدماً. ويشفي سقماً. الملامظ ما حول الشفة والملاغم ما حول الفم كالملامج واللغم الطيب القليل. أو لعل لها نبرة هي تمام النضرة. النبرة في وسط النقرة في ظاهر الشفة والنضرة الحسن. أو تفرة. يطيل الصب عليها زفرة. التفرة مثلثة الاول النقرة في وسط الشفة العليا. أو حثرمة. تذر القلوب بها مغرمة. الحثرمة الدائرة تحت الأنف وسط الشفة العليا أو الأرنبة أو طرفها. أو وتيرة تفدى بألف وثيرة. الوتيرة حجاب ما بين المنخرين. أو أن لها خيشومة يبرئ كمها. ويطري ومها. الخيشوم من الأنف ما فوق نخرته من القصبة وما تحتها من خشارم الرأس والومه شدة الحرّ. أو قسامة. يمضي بها العاشق أقسامه القسامة الحسن والوجه- أو الأنف وناحيتاه أو وسط الأنف الخ. أو أن لها ذلفا يصحّ دنفاً الذلف صغر الأنف واستواء الأرنبة أو صغره في دقة أو غلط واستواء في طرفه ليس بحدّ غليظ. أوخنساً تغيب له الخنّس. الخنس تأخر الانف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة وهي خنساء والخنّس الكواكب كلها أو السيارة. أو كان أنفها مُصفحاً. المصفح من الأنوف المعتدل القصبة. أو أشم. الشمم ارتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاها وانتصاب الأرنبة. أو أن به قَنى. قنى الأنف ارتفاع أعلاه واحديداب وسطه وسيوغ طرفه أو نتوء وسط القصبة وضيق المنخرين هو أقنى وهي قنياء. أو أن به غُرْضَين. يلهيان عن التغريض واللُجَين. غرضا الأنف ما انحدر من القصبة من جانبيه جميعا والتغريض أكل اللحم الغريض والتفكه. أو أن لها ناظرين. نفديهما بالناظرين. الناظران عرقان على حرفي الأنف. أو ناحرتين. نذيل لهما النحور والمقلتين. الناحرتان عرقان في اللَحى وضلعان من أضلاع الصدر أو هما الواهنتان والترقوتان. أو حافزا. يشرح قلباً حالزاً، ويتلحز له الشاعر تلحزاً. الحافز حيث ينثني من الشديق وقلب حالز ضيّق والتحلُّز فيك من أكل رمانة حامضة ونحوها شهوة لذلك كالتلزّح. أو أن خنَّابيتها. تحوم القلوب عليها. الخناتبان طرفا الانف.

стр. 87

أو أن صامغين. هما قرة العين. وريّ الغين الصامغتان والصماغان والصمغان جانبا الفم وهما ملتقى الشفتين مما يلي الشدقين وهما أيضاً السامغان لغة في الصاد والغين العطش. ويا ليت شعري هل يتكوّن فيهما صمغ شهد حتى سميا بهذا وهل هما منطبقان أو منفتحان وهل يتلحَّز لهما الشاعر المسكين كما تلحّز من الحافزين الله اعلم. ثم يقول أو أن لها حترة. يديم الصبّ إليها حَترة الحترة مجتمع الشدقين والحتر تحديد النظر. فهل من تلزّح معه. أو أن لها ماضغين. يعوّذان من العين. الماضغان أصول اللحين عند منبت الأضراس أو غُنْية. تهنَّد الخليَّ سَنْبه. الغنبة على ما في القاموس واحدة الغُنَب وهي دارات أوساط أشداق الغلمان الملاح. لكني رأيت ربّة البرقع أولى بها فلا عكاس ولا مكاس على هذا الاختلاس. والتنهيد التصبي والتشويق والسنبة والدهر. ولعل عارضها. يتيَّم معارضها. العارض صفحة الخد وجانب الوجه. أو أن لها علاطاً يشغف من ناظره نياطا. العلاط صفحة العنق والنياط الفؤاد. أو بُلدة. تفتن أهل البلدة. البلدة نقاوة ما بين الحاجبين وثغرة النحر وما حولها أو وسطها. أو أن لها محاجز. تباع لها المحاجز. المحجر من العين ما دار بها والمحاجر الثانية ما حول القرية. أو اسارير. يعنو لها من جلس على السرير. الأسارير محاسن الوجه والخدّان والوجنتان. أو أن طُْليتها تبري الطلياء. الطلية العنق أو أصلها والطلياء قرحة كالقوباء. ولديديها اللدود. اللديدان صفحتا العنق دون الأذنين واللدود وجع يأخذ في الفم والحلق. ولزيزيها اللز، اللزيز مجتمع اللحم فوق الزور واللز الطعم. ومفاهرها أعز إِلى ذي مغبة من الفهيرة. المفاهر لحم الصدر والفهيرة محض يلقي فيه الرضف فإذا غلا ذرَّ عليه الدقيق وسيط. وأن سالفتيها تغنيان عن السلاف. السالفة ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى قلت الترقوة. ونحرها عن نحر النهار. نحر النهار والشهر اوله. وترائبها عن الأتراب. الترائب عظام الصدر أو ما ولي الترقوتين منه والأتراب وأحدها ترب وهو اللِدة. ويصح أن تكون أيضاً بكسر الهمزة مصدر أترب الرجل أي كثر ماله فليسأل القائل عن أيهما أراد. إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا بدّ منها لحصيف العقل المستحكم الرأي. وإنما أطلت الكلام هنا لكوني ناقلاً له عمن تبصر الوجه المحجوب. ودهش عن الإصابة فسأل فمه سعابيب.

стр. 88

وغاية ما أقوله أنا إن من شاعر امرأة ليلاً ولم يرها كما جرى لسيدنا يعقوب عمَّا وقع له ما وقع لصاحبنا هذا المكثر من اللعلاّت والأنات والأوّات. ولقائل أن يقول أن هذه القضية معكوسة في شأن المرأة اللابسة. فأن النظر إذا وقع عليها وهي متسترة وقفت معه المخيلة عند حدّ ما. بخلاف العريانة فإن المخيلة والقلب عند النظر إليها يطيران عليها ولا يقفان على حدٍّ فالمخيلة تتصور أشياء والقلب يشتهي أشياء أخرى. وللمجيب أن يقول أن ذلك إنما نشأ عن الفرق الحاصل بين الوجه والجسم. فأن الجسم من حيث كونه أكبر من الوجه اقتضى طيران المخيلة إليه: وحومان القلب عليه. وردّ هذا القول جماعة منهم الصباباتي والمباعليّ والألغزي وأبو إِرَّبان كبر الجسم هنا ليس سبباً للطيران والحومان. إذ لو لم يبدُ منه إلا موضع واحد لكفى. فبقي الأشكال غير مدفوع. وأجيب بأن العلة في ذلك إنما هي لكون الجسم جسماً والوجه وجهاً. وسفه هذا القول فأنه تحصيل للحاصل وقيل إنما هو لكون الوجه محلاً لأكثر الحواس. ففيه مخزن الشم والذوق والبصر وقريب منه مخزن السمع. وارتضاه جماعة منهم العزهي والتيتاي والذَوْذخي. وردّ بأن هذه الحواس لا مدخل لها هنا. فأن المراد من كونية المرأة لا يتوقف عليها أصالة فهي مستغنى عنها. وقيل إنما هو لكون الجسم يحوي أشكالاً كثيرة ففيه الشكل القمقمي والرماني والقرموطي والأطاري والخاتمي والقبي والعمودي والهدفي والصادي والميمي والمدرج والمخروط والهلاليّ ومنفرج الزاوية. وردّ بأنه كقول من قال أنه كبر من الوجه وجوابه كجوابه. وقيل إنما هو لكون العادة الأغلبية هي أن يكون الوجه حاسراً والجسم مستوراً. فإذا رأى الإنسان ما خالف العادة هاجت خواطره وطارت أفكاره. وقيل غير ذلك والله أعلم. ويحتمل إن هذه القاعدة التي استدركت ذكرها غير صحيحة فيا ليتني نسيتها فأن ذكرها أوجب المناقشة بين العلماء. والحاصل أن الغرام البرقعي لما باض وفرخ في رأس الفارياق غردت أطياره عليه لأن يتخذ له آلة لهْو. فما عتم أن تأبَّط له طنبوراً صغيراً من السوق وجعل يعزف به في شباك له مطلّ على دار رجل من القبط وكان عند الخرجي خادم مسلم قد عشق ابنة القبطي فغار عليها من الطنبور فسعى بالفارياق إلى سيده قائلاً إذا سمع المارون في الطريق صوت الكنبور من دارك ظنوا أنها دسكرة أو حانة أو ثكنة "مركز الأجناد ومجتمعهم على لواء صاحبهم الخ" لا دار للخرجيين. لأن هذه الآلة لا يستعملها غير الترك. فشكوه الخرجي على ذلك وأستصوب ما قاله وأوعز إلى الفارياق بإلغاء الآلة فألغاها وجعل يفكرِّ في التملص من أيدي هذه الزمرة التي لم يبرح آذاها واصلاً منكل شباك سواء في الجزيرة والأرض ثم بعد أيام قليلة هرب الخادم بالبنت وتزوج بها بعد أن أسلمت والحمد لله رب العالمين. وصف مصر

стр. 89

قد وصف مصر كثير من المؤرخين المتقدمين ومدحها جمّ غفير من الشعراء الغابرين وها أنا اليوم واصفها ومادحها بما لم يسبقني إليه أحد من العالمين فأقول إنها مصر، من الأمصار. أو مدينة من المدن أو مدورة من المدر. أو كورة من الكور أو قصبة من القصب. أو بحرة من البحر. أو ماهة من الماهات أو قرية من القرى أو قارية من القواري أو عاصمة من العواصم أو صقع من الأصقاع أو دار من الديار أو بلدة من البلاد أو بلد من الأبلاد. أو قطر من الأقطار أو شيء من الأشياء. غير أن أهلها يقولون إنها مصر الأمصار ومدينة المدن وعاصمة العواصم وشيء الأشياء إلى آخره. وما أدري فرق ذلك وكيف كان فيها مدينة غاصة باللذات السائغة متدفقة بالشهوات السابغة توافق المحرورين من الرجال خلافا لما قاله عبد اللطيف البغدادي. يجد بها الغريب ملهى وسكناً وينسى عندها أهلا ووطنا ومن خواصها أن ما يذهب من أجسام رجالها يدخل في أجسام نسائها فترى فيها النساء سمانا كالاقط بالسمن على الجوع والرجال كالحشف بالشيرج على الشبع، ومنها أن أسواقها لا تشبه رجالها البتة. فإن لأهلها لطافة وظرافة وأدبا وكياسة وشمائل مرضية وأخلاقاً زكية وأسواقها عارية عن ذلك رأسا. ومنها أن ماءها لا يشبه عيشها أي خبرها. فإن الأول عذب والثاني تافه. ومنها أن العالم فيها عالم والأديب أديب والفقيه فقيه والشاعر شاعر والفاسق فاسق والفاجر فاجر. ومنها أن نساءها يمشين تارة على الأرض كسائر النساء وتارة على السقف وعلى الحيطان. ومنها تذكر المؤنث وتأنث المذكر مع أن أهلها متقنون للعلم وأي إتقان. ومنها أن حّماماتها لا تزال تقرأ فيها سورة أو سورتان من القرآن فيها ذكر الأكواب والطائفين بها. فالخارج منها يخرج طاهرا وجبنا. وأعجب من ذلك أن كثيرا من رجالها ليس لهم قلوب. وقد عوض الواحد منهم عن قلبه بكتفين وظهرين وبأربعة أيدي وأربعة أرجل. ومن ذلك أن كثيرا من البنات اللائي يغسلن اقمصتهن في بعض مجاري النيل يتعممن بقمصانهن بعد غسلهن ويمشين عريانات. ومنها أن قوماً منهم بلغهم أن نساء الصين يتخذون أو بالحري يُتخذ لهن قوالب من حديد لتصغير أرجلهن عن المقدار المعهود. فجعلوا يشذبون أصابعهم واعتقدوا أن اليد إذا كان بها أربع أصابع فقط كانت أخف للعمل وأنفع لصاحبها. مع أن الأصابع والكفوف عندهم ليست مما يكسى حتى تقضي عليهم بزيادة النفقة. كما هو شأن الإفرنج الذين لا يغادرون عضوا من أعضائهم إلاّ ويكسونه احتفالا به وتفخيماً له أو حذراً عليه من العدوى. ومن ذلك أي من الخواص لا من الأعضاء أن البنات اللائي يُستخدمن في الميري لحمل الآجر والجبس والتراب والطين والحجر والخشب وغير ذلك، يحملنه على رؤوسهن وهن فرحات جامحات رامحات سابحات صادحات مادحات مازحات. غير آحات ولا ترحات ولا دالحات ولا رازحات ولا كالحات ولا نائحات. ومن كان نصيبها من الآجرّ نظمت عليه موالاً أجريّا. أو من الجبس غنت له أغنية جبسية. كإنما هن سائرات في زفاف عروس.

стр. 90

من ذلك أن فيها دوانين عظيمين يقال لكل منهما الديوان المخدّمي. فالديوان الأول قيمته رجل يجهز للرجال ما يلزمهم لتبريد فرشهم من هو. والديوان الثاني وهو دونه في القدر والشأن قيمته امرأة تجهز ما يلزمهم لتسخنهم من هي. وأصل منشئ الديوان الأول عجميّ. وقد صار الآن من الشهرة والنباهة عند العرب بحيث إنك لا تزال تسمع بذكره والثناء عليه في كل مقام ولا يكاد يخلو منه مجلس أنس أو غناء أو أدب. ومن ذلك أن البرنيطة فيها تنمى وتعظم. وتغلظ وتضخم وتتسع وتطول وتعرض وتعمق. فإذا رأيتها على راس لابسها حسبتها شونة. قال الفارياق وكثيراُ ما كنت أتعجب من ذلك وأقول: كيف صح في الإمكان وبدأ للعيان أن مثل هذه الروس الدميمة. الضئيلة الذميمة. الخسيسة اللئيمة. المهينة المُليمة. المستنكرة المشئومة. المستقذرة المهوعة. المستقبحة المستفظعة. المستسمجة المستشنعة. المسترذلة المستبشعة. تقل هذه البرانيط المكرمة. وكيف إنماها هواء مصر وكبرها إلى هذا المقدار. وقد طالما كانت في بلادنا لا تساوي قارورة الفراش. ولا توازن ناقورة الفراش. وكيف كانت هناك كالتراب. فأصبحت هنا كالتبر. يا هواء مصر يا نارها يا ماءها يا ترابها ضيري طربوشي هذا برنيطة وأن يكن أحسن منها عند الله والناس وأفضل. وأجل وأمثل. وللعين أبهى وأكمل. وعلى الرأس أطبق. وبالجسم أليق. وغير ذي قرون تتملق لتتلمق. ويرزق عليها لترزق. قال فلم يغن عني النداء شيئاً وبقي راسي مطربشاً. وطرف دهري مطرفشاً. ومن ذلك أن قوماً من الهُككاء المهاكيك فيها يمرأون ويبرقعون لحاهم ويزاحمون ذوات البراقع على مورد الإناثية. فتراهم يتحففون ويهجلون ويتبازون ويوكوكون ويوزوزون ويباغمون وهم أقبح خلق الله. ومن ذلك أن لضابط البلد شفقة زائدة على أهلها تقرب من حد الظلم. وذلك أنه يأمر جميع السالكين قي طرقها ليلاً أن يتخذوا لهم فوانيس وإن كانت الليلة مقمرة. خفية أن يعثروا بشيء في أسواق المدينة فيسقطوا في هوة أو جبّ فتنكسر أرجلهم أو تندق أعناقهم. ومن وجد ليلاً يطوف من غير ذوي البرانيط وليس بيده فانوس غُلّت رجله إلى يده. ويده إلى عنقه. وعنقه إلى حبل. والحبل إلى وتد. والوتد إلى حائط. والحائط إلى ناكر ونكير. وتصلية سعير. ومن ذلك أن لبني حنا فيها أسلوباً في الكتابة لا يعرفه أحد إلا هم. ولهم حروف كحروفنا هذه إلا أنها لا تقرأ إلا إذا أدخلها الإنسان في عينه كذلك رأيتهم يفعلون. ومنها أنه إذا مات منهم أحد فلا يزال أهل الميت يندبونه وينوحون عليه حتى يؤوب إليهم ووطبه ملان من الطريخ. ومن خصائصها أيضاً أن البغاث بها يستنسر والذباب يستصقر. والناقة يستعبر. والجحش يستهمر. والهر يستنمر. بشرط أن تكون هذه الحيوانات مجلوبة إليها من بلاد بعيدة. ومن ذلك أن كثيراً من أهلها يرون أن كثرة الأفكار في الرأس يكثر عنها الهموم والاكدار أو بالعكس. وأن العقل الطويل يتناول البعيد من الأمور. كما أن الرجل الطويل يتناول البعيد من الثمر وغيره. وأن تلك الكثرة سبب في الإقلال. وهذا الطول موجب لقصر والآجال. وأوردوا على ذلك براهين سديدة قالوا أن العقل في الرأس كالنور في الفتيلة. فما دام النور موقداً فلا بد وإن تنفذ الفتيلة ولا يمكن إبقاؤها إلا بإطفاء النور. أو كالماء في الوادي. فإذا دام الماء جارياً فلابد وأن ينضب أو ينصب في البحر فمتى حُقن بقي. أو كالفلوس في الكيس. فما دام المفلس أي صاحب الفلوس يمدّ يده إلى كيسه وينفق منه في ما عنده. إلا أن تربط يده عن الكيس أو يربط الكيس عن يده. أو كالتيس النازي. فإنه إذا دام نزوه نزفت مادة حياته فهلك فلا بد من نجفه. فمن ثم اصطلحوا على طريقة لتوقيف جريان العقل في ميدان الدماغ حيناً من الأحيان ليتوفر لهم في غيره. وذلك بشرب شيء من الحشيش أو بمضغة أو بالنظر إليه أو بذكر اسمه فحين يتعاطونه تغيب عنهم الهموم ويحضر السرور. وتولي الأحزان. ويرقص المكان. فمن يرهم على هذه الحالة ودّ لو يكتُب في زمرتهم ويدخل في دائرتهم وأن يكن قاضي القضاة. ومن ذلك أن طرقها لا تزال غاصة بالإبل المحملة فينبغي للسائر فيها إذا رآها مقبلة أن يخلي لها الطريق. لا فلا يأمن أن يفقد إحدى عينيه. وقد ينشأ عن هذا الزحام فوائد كما في حكاية المرأة التي سارت مع أمها لتحضر عرس أختها فطالعها من محلها.

стр. 91

في لا شيء قد كنت أظن أني تركت الفارياق وأخذت في وصف مصر أستريح فإذا هو هي إياها. فينبغي لي الآن إن أمكث في ظل هذا الفصل الوجيز قليلاً لانفض عني غبار التعب ثم أقوم إن شاء الله تعالى. في وصف مصر قد قمت حامداً لله شاكراً فأين القلم والدواة حتى أصف هذه المدينة السعيدة الجديرة بالمدح من كل من رآها. لأنها بلد الخير ومعدن الفضل والكرم. أهلها ذوو لطف وأدب وإحسان إلى الغريب. وفي كلامهم من الرقة ما يغني الحزين عن التطريب. إذا حيَّوك فقد أحيوك. وأن سلموا عليك فقد سلموك. وإن زاروك زادوك شوقاً إلى رؤيتهم. وإن زرتهم فسحوا لك صدورهم فضلاً عن مجالسهم. أما علماؤها فإن مدحهم قد أنتشر في الآفاق. وفات فخر من سواهم وفاق. بهم من لين الجانب ورقة الطبع وخفض الجناح وبشاشة الوجه ما لا يمكن المبالغة في إطرائه. لكل نوع من الناس عندهم إكرام يليق به سواء كان من النصارى أو غيرهم. وربما خاطبوهم بقولهم يا سيدي ولا يستنكفون من زيارتهم ومخالطتهم ومعاشرتهم خلافاً لعبادة المسلمين في الديار الشامية. وبذلك لهم الفضل على غيرهم. وكأن هذه المزية وهي حسن الخلق ورقة الطبع أمر مركوز في جميع أهل مصر. فإن لعامتهم أيضاً مخالقة ومجاملة. وكلهم فصيح اللهجة بين الكلام سريع الجواب. حلو المفاكهة والمطارحة. وأكثرهم يميل إلى هذا النوع الذي يسمونه الأنقاط. وكأنه المجارزة وهي مفاكهة تشبه السباب وهو أشبه بالأحاجي. فإن من لم يكن قد تدرب فيه لا يمكنه أن يفهم منه شيئاً وأن يكن شاعراً. وكلهم يحب السماع واللهو والخلاعة وغناؤهم أشجى ما يكون. فلا يمكن لمن ألفِه أن يطرب بغيره. وكذلك آلاتهم فإنها تكاد تنطق عن العازف بها. وأعظمها عندهم هو العود وقل اعتناؤهم بالناي. ولهم في ضرب العود طرق وفنون تكاد تكون من المغيبات. غير أني أذمّ من غنائهم شيئاً واحداً. وهو تكرير لفظة واحدة من بيت أو موال مراراً متعددة حتى يفقد السامع لذة معنى الكلام. ولكن أكثر ما يكون ذلك من المتطفلين على الفن. وبعكس ذلك طريقة أهل تونس فإن غناءهم أشبه بالترتيل وهم يزعمون إنها كانت طريقة العرب في الأندلس. ومما ينبغي أن يذكر هنا أن النصارى المولودين في بلاد الإسلام الناهجين منهج المسلمين في العادات والأخلاق هم أبداً دونهم في الفصاحة والأدب والجمال والكياسة والظرافة والنظافة إلا أنهم أنشط منهم على السفر والتجارة والصنائع وأكثر أقداماً وجلداً على تعاطي الأعمال الشاقة. وذلك أن المسلمين أهل قناعة وزهد وفي النصارى شره عظيم إلى اتخاذ الديار الرحيبة وقنية الخيل النجيبة والجواهر النفسية. والمتاع الفاخر لا حد لها. فإذا دخلت دار نصراني من المتمولين بمصر رأيت عنده عدة خوادم وخادمين ونحو عشرين قصبة للتبغ من أغلى ما يكون. وقد نصفها من الأراكيل الثمينة. وثلاث غرفات مفروشات بأحسن ما يكون من القماش. وآنية فضة للطعام والشراب والرائحة وأسرة عالية وطيئة وثياباً فاخرة وغير ذلك. ومع هذا فلا تجد عنده كتاباً ولو أن مشترياً شاء أن يشتري شيئاً من تاجر مسلم لوجد سعره أرخص من بضاعة النصراني بربع الثمن ولكن وجود هذه الشراهة إنما هو في الغالب عند النصارى الغرباء. فأما القبط فأنهم أشبه بالمسلمين. وقل من تعاطى المتجر منهم.

стр. 92

أما دولة مصر إذ ذاك فإنها كانت في الذروة العليا من الأبهة والعزّ والفخر والكرم والمجد. فكان للمتسمين بخدمتها مرتب عظيم من المال والكسي والشحن مما لم يعهد في دولة غيرها وكان وأليها يولي المراتب العلية وسِمات الشرف السنية لكل من المسلمين والنصارى ما عدا اليهود خلافاً لدولة تونس فإن شرفها عمّ الجميع: ومع عظم ما كان يكسبه التجار وأصحاب الحرف وما يناله أهل الوظائف من الرزق العميم فكانت الأسعار بمصر رخيصة جداً فلهذا كنت ترى الناس قصريّهم وعميّهم مقبلين على الشغل واللهو معاً. فالبساتين غاصة بأهل الخلاعة والقصوف ومحال القهوة مجمع للأحباب. والأعراس مسموع فيها الغناء وآلات الطرب من كل طرف. والرجال يخطرون بالخز والديباج. والنساء ينؤن بما عليهن من الحليّ. والخيل والبغال والحمير مسرية ومكسوة بالحرير المزركش. إلا أن صاحبنا الفارياق لم يكد يدخل أرضاً سعيدة إلا ويخرج منها وقد تغير حالها. فأرجع معي الآن لنخلصه من أيدي الخرجيين. فإني تركته يحاول ذلك منذ حين. في أشعار أنه انتهى من وصف مصر قد غادرنا أي أنا وجماعة المؤلفين الفارياق يحاول أن ينفض الخرج عن ظهره. وإني الآن من دونهم علمت أنه بات ليلة وهو يفكر في أن كل شيء أثبتته الصنعة فلا بد من أن تقلقله الأحوال فمن عزم على القلقلة. فخرج في الصباح من معزفه وأخذ يطوف في الأسواق. ويحرك كتفيه عند كل خطوة ويقول: ى قلبنَّه لا طرحنّه. لا ركسنّه لا بدحنّه. أنه أنقض ظهري أي قرح أي عقر. هل أنا اليوم حمار لحمار يالنكر. فرآه بعض الظرفاء وهو يحرك منكبيه فقال لا بد لهذا من شأن فأقبل إليه ولطف له المقال حتى استخرج سرّه من سرّته. وعلم حاله وسبب سفرته. فقال له لا عليك فأن مصر حرسها الله معدن الخير والبركة. ولكن لا بدّ للفوز بذلك من حركة. قال وأي حركة أعظم مما ترى. قال بل الأمر دون ذلك. ألك إذن واعية. وفكرة مدركة وقدم ساعية. قال أجل. قال فأسمع إذاً ما أقول لك. إن بهذا المصر شاعراً مفلقاً من النصارى له وجاهة ونباهة عند جميع الأعيان. قال ما هذه صفة شاعر وما أرى كلامك إلا متناقض الطرفين فكيف فك هذا المعمى وتأويل هذه الأحجية. قال لا تناقض فأنه شاعر بالطبع لا بالصنعة. والفرق بين ذلك أن الشاعر بالصنعة هو من يكتسب بشعره فيمدح هذا ويكذب على هذا حتى ينال منهما شيئاً. فأما الشاعر بالطبع فإنما هو الذي يقول الشعر لباعث من البواعث دون تكلّف وانتظار للجائزة. قال ليس هذا الفرق مما ذكره الآمدي. قال أبعث الآمدي إلى آمد وأسمع مني. قال قد أمَّدته فما الرشد. قال نصحي لك أن تكتب كتاباً إلى هذا العلامة وتلمس منه فيما تطري به مواجهته فإذا تكرم بذلك فأذكر له. حٍ ما أنت تعانيه واستنجد به. فلا بد من أن يجيبك. فإنه رجل متصف بمكارم الأخلاق ويجب دغدغة الافتخار. ولا سيما أنه يرغب في مجالسة ذوي الأدب وتيسير أسباب معيشتهم. فتلطف إليه في المقال. وأنا ضامن لك أن تفوز منه بالآمال. فشكره الفارياق على نصيحته ورجع إلى محله راضياً مستبشراً. فلما جنَّ الليل أخذ القلم والقرطاس وكتب ما نصه.

стр. 93

أهدي سلاماً لو تحمله النسيم لعطر الآفاق. ولو جعل للبدر هالة لما اعتراه المحاق. ولو مزجت به الصهباء لما أعقب شربها صداعاً. ولو أستفّه مريض أو لقمه لما لقي برجاء وأوجاعاً. ولو عُلق على شجرة لزهت في المحال أوراقها ولو في الخريف. ولو سقيه الروض لانبت من كل زهر بهيج طريف. ولو جعل على أوتار عود لأطربت دون عازف. ولو تُغنَّي به في مجلس لا غنى عن المشموم والمعازف ولو علّق في الآذان لكان شنوفاً. ولو صقل به سيف كليل رهيفاً. ولو مثل لكان حدائق ورياضاً. وسلسلاً ومحاضاً. ولو نيط بالعمائم. لا غنى عن التمائم. ولو تختم به ولهان لأجزأه مُجزأ السوان. ولو كتب على رجام لا لهي الثاكل عن النواح أو على خصر هيفاء لقام لها مقام الوشاح. أو على أنف مزكوم لنا أحوجه إلى السعوط أو على ساق أعرج لكان له من قفزه يبق وفروط. أو على لسان أبكم لانحلت عقدته. أو على كف بخيل لهان عليه في البذل ذهبه وفضته. أو على أجاج لعاد فراتا. أو على رمل لأنبت الريحان نباتاً. وتحيات فاخرة. ذكية عاطرة. أرق من النسيم. وأحلى من التسنيم. وأشهى من العافية على بدن السقيم. وأجلى للعين من الأثمد وأغلى للناقد من المسجد. وأصفى من الماء الزلال. وأعلق بالقلب من أمل الوصال. وأشغل للبال من هوى ذي دلال. وأزهر من نور الصباح وأزهى من نور الأفاح. وأعبق من شذا الراح. وأثمن من الجوهر النفيس وأعز عند البستي من التجنيس. وعند أبي العتاهية من الزهديات. وعند أبي نواس من الخمريات. وعند الفرزدق من الفخريات. وعند جرير من الغزليات. وعند أبي تمام من الحكم. وعند المتنبي من جزل الكلم. تهدي إلى الجناب المكرم. المقام المحترم. ملاذ الملهوفين. مستغاث المضيمين. ثمال المظلومين. ملجأ المهضومين. منهل القاصدين. مورد الطالبين. أدام الله سعده. وخلد مجده. وبعد يا سيدي فأني قدمت هذه الديار وأنا حامل لخرج قد أنقض ظهري وعمل به صبري. ولم أجد من يزحزحه عني ولو قليلاً. ولست أجد بنفسي إلى التخلص منه سبيلاً. وقد هديت إلى نور معروفك في جنح هذا العماس. وأُنبئت إنك أنت وحدك معتقي من هذا الإرتباس. دون سائر الناس. فهل تسمح لي بأن أزور ناديك الكريم. وأبث إليك مشافهة ما بي من البث المقيم والضر الأليم. فأنك أهل لأن تأخذ بيد من لا ناصر له وأن تصطنعه لك بالتفاتة تحقق أمله. وتنيله ما أمله. وإن تتخذه لك ما عاش رهين شكرك ممنون برّك. فهو يرجو ذلك منك رجاء من لاذ بعقوبة فخرك. فإن رأيت أن تفعل فذلك من إحسانك وطول امتنانك. والسلام. وكتب عنوانه يشرف بأنامل سيدي الأكرم الأحسب الأفخم الأوحد الأفضل الأسعد الأمثل الأرشد الأكمل الأمجد الأجلّ الخواجا فلان أدام الله بقاه بالعز والنعم.

стр. 94

فلما بلغت هذه الرسالة إلى الخواجا المذكور وطالع ما شرح السلام من التشابيه المتكلفة لم يتمالك أن ضحك منها وقهقه وقال لبعض جلسائه ممن ألمّ بالأدب: سبحان الله قد رأيت أكثر الكتاب يتهوسون في إهداء السلام والتحيات للمخاطب كأنما مهدون له عرش بلقيس أو خاتم سيدنا سليمان. فتراهم يشبهونه بما ليس يشبه. ويغرقونه في الأغراق ويغلونه في الغلوِّ حتى يأتي مبلولاً محروقاً. وربما جاءوا بفرقتين متماثلين في المعنى كقول صاحب هذه الرسالة الآن ثمال المظلومين ملجأ المهضومين. ثم إذا انتقلوا من السلام إلى الغرض أجادوا الكلام إلى الغاية. وما أدري ما الذي حسن لأرباب فن الإنشاء أن يضيعوا وقتهم بهذه الاستعارات والتشبيهات المبتذلة وبنظم الفقر المتماثلة في المعنى أن العالم يتأتى له أن يبدي علمه بعبارة واحدة إذا كانت رشيقة اللفظ بليغة المعنى. وهذه ألف ومائتا سنة قد مضت وما زلنا نرى زيداً يلوك ما لفظه عمرو. وعمرا يمضع ما قاله زيد. فقد سرى هذا الداء في جميع الكتاب أما تفخيم المخاطب في العنوان بالأجل والأمجد والأسعد والأوحد وما أشبه ذلك فله وجه. وذلك أنه لم تجر العادة في بلادنا بأن يكون تبليغ الكتب على يد البريد. وإنما تبعث مع أشخاص ليست لهم خبرة بالطرق ولا بالديار فإنها كما لا يخفى عاطلة عن التسمية خطّا. فإذا حملها رجل لا يعرف القراءة طفق يسأل كما من لقبه في الطريق عن اسم المخاطب فأن لم يكن العنوان دالاً عليه التبس على القارئ فإن كثيراً من الناس مشتركون في الأسماء وإن كانوا مختلفين في المكارم والأخلاق وفضلاً عن ذلك فقد يتفق أن مبلغ الكتاب بعد أن يكون قد سأل غير واحد عن اسم المخاطب ووجدهم كلهم أميين. وبعد أن يكون قد أضاع نصف نهاره في البحث عن الطريق فلا يكاد يهتدي إليه إلا ويجد عونا يترصده حتى إذا لمحه تلقفه وبعثه إلى أحد الجهات التي أراد. فيبقى الكتاب عنده ثم ينتقل منه إلى غيره. وربما لقي غيره ما لقيه هو فينتقل الكتاب إلى آخر وهلم جرّا فكان لا بد من الاستقصاء من العنوان عن صفات المخاطب فقال له جليسه إذن يجب يا سيدي أن يذكر في العنوان جميع الصفات فيقال للمخاطب مثلاً إذا كان جميلاً كيِّساً غنياً رشيق القد كبير العمامة عريض الحزام. الجمل الكيس الغني إلى آخره. فقال أما وصف إنسان بالجمال والغني فهو من الموبقات لهز وأما بغير ذلك ككبر العمامة وعرض الحزام فليس من الصفات المخصصة إذ الناس في ذلك سواء. وما خالف ذلك فما أولاه بالاستعمال وستراه عن قريب مستعملاً إن شاء الله. وهو وأن يكن أحياناً من المضحكات وذلك كان تصف رجلاً مثلاً بالزبيبة والكثيفة والحنطاوية والشرنبثية والكرنيفية والزلهبية والزخزبية والسنطبية والعرزبية والعشجبية والعظيبية والجحوظية والأزطية والسناطية والفُسحمية والجهضمية والبرطامية والحثرمية إلا أنه أحسن من إيقاع اللبس في صفات المخاطب فقد بلغني أن كثيراً من الكتب التي تضمنت مقاصد مهمة لما لم يدل عنوانها بالنص والتوثيق على ذات المرسل إليه فُتحت ليعلم صاحبها. فكانت سبباً في ضرر المرسل والمرسل إليه انتهت محاورتها. وأعلم هنا أن الخواجا المذكور لما بلغته لاوكة الفارياق كان مريضاً فلهذا لم يجبه على الفور فبقي الفارياق ينتظر جواباً أياماً حتى أعتقد أن سجعه كله ذهب باطلاً. إذ لم يكن يعلم السبب وكان في خلال ذلك دائم الفكر والقلق فإنا الان أدعه في هذه الحالة منتظر الجواب. وأدع صاحبه يتداوي حتى يطيب. وأعرّج قليلاً على منازل الألقاب وألقاب المنزلة المتعارفة وقتئذ بشرط أن تسمحوا لي بأن أنتقل إلى فصل آخر وهو: فيما أشرت إليه

стр. 95

حد اللقب عند المشرقيين إنه هنة ناتئة أو زنمة أو علاوة رائدة متدلدلة تناط بكونية الإنسان. وعليه قول صاحب القاموس العَلاقي الألقاب لأنها تعلق على الناس. وعند المغربيين أي الإفرنج أنه جُليدة تكوَّر في الجسم. وشرح ذلك أن الهنة يمكن قطعها واستئصالها مع السهولة وكذا الزنمة وكذا العلاوة يمكن ركسها وقلبها. فأما الجليدة فلا يمكن فصلها على الجسم إلا بإيصال الضرر إلى صاحبه. وحاشية ذلك إذ الشرح لا بد له من حاشية ولولاها لم يفهم له معنى. أن الزمنة عند أهل الشرق غير موروثة إلا ما ندر فإن لكل قاعدة شذوذاً. والجليدة عند الإفرنج متوارثة كابراً عن صاغر. مثال ذلك لقب الباشا والبيك والأفندي والأغا بل الملك إنما هو محصور في ذات الملقب به فلا ينطلق منه إلى ولده. فقد يمكن أن يكون أبن الوزير أو الملك كاتباً أو نوتياً. فأما عند الإفرنج فلا يصح أن يقال لابن المركيز مركيز أو مركيزيّ. وقد يجتمع مطلق الزنمة والجليدة في جهة بقطع النظر عن كون الأولى متناهية والثانية غير متناهية. وذلك أن أصل منهما في الغالب أكال يحدث في أبدان ذوي الأمر والنهي لهيجان الدم عليهم. فلا يمكن تسكين هذا الهيجان وحك هذا الأكال إلا بأحدث الهنة والجليدة وبيانه أن الملك إذا غضب مثلاً على زيد من الزيدين لذنب اقترفه. ثم بعث إليه ذلك الزيد بشفيع عريان ليترضاه سكن هذا الاستشفاع ثورة ذلك الغضب. وأختلط الكيفية الهيجانية بالماهية العربيَّة فأنتجتا جليدة لمن كان يخاف سلخ جلده. فتحلى بها بين أقرانه حلية موبدة ولم يخف من تداول القرون عليه. والغالب في الجليدة أن تحتاج إلى جسمين. جسم مغضوب عليه وجسم شافع فيه. والغالب في الهنة أن تحتاج إلى جسم واحد فقط ومن الهنات هنات كنائسية وهي على نوعين ترابية وهوائية فالترابية ما كان لها مستقر أو أصل في التراب فتنمى فيه وتثمر وذلك كأن يكون جاثليق من الجثالقة مستقراً في دار أو دير وله إمرة على الناس يؤدون إليه عشوراً ونحوه فهو يأمر فيهم وينهي ويقضي بحسب الإقتضاء أو بحسب ما يعنّ له ولا بدّ وإن يكون عنده كاتب يعي أسراره وطباخ يشد فقاره وخازن يخزن ديناره وسجن يحبس فيه من خالفه في رأيه أو أنكر عليه أطواره. وما أشبه ذلك والهوائية عكس ما تقدم وذلك كهنة المطران إثناسيوس التتونجي صاحب كتاب الحكاكه في الركاكه فإن سيّده قلدّه في هذه المهنة ليحكم بها في المدينة طرابلس الشام غير أنه ليس في هذه المدينة أحد من أهل مذهبه حتى يؤدي إليه عشوراً أو يطبخ له طعاماً أو يكتب له رسالة فهو متقلد بها لمجرد الزينة فقط جرياً على عادة لبعض المتقدمين الذين كانوا يطلقون هنة الأمير على راعي الحمير. وزنمة الملك على شيخ قرية عَفِك. والغرض من ذلك كله انفراد شخص عن غيره بصفة ما. وإذ قد عرفت ذلك فأعلم أن الخواجا والمعلم والشيخ ليست ألقاباً معدودة في الهنات ولا في الجليدات إذ ليس في تحصيلها ما يحتاج إلى شفيع أو اختلاط أكاليّ بماهية عربية. وإنما هي خرقة تستر عورة الاسم الذي أطلق على المسمى وهي غير مخيطة فيه ولا مكفوفة ولا مشرجة ولا ملفوفة. بل هي كالبطاقة شدت إلى لابسها ليعرف بها سعره. إلا أنه كثيراً ما يقع الغلط في إلصاقها بمن ليس بينه وبينها من علاقة. فأهل مصر مثلاً يطلقون لفظة معلم على نصارى القبط. وكلهم غير معلم ولا معلم إذا قلنا أنه مشتق من العلم. فأما إذا كان اشتقاقها من العلامة بلا مشاحّة. ولفظة خواجا على غيرهم وأصل معناها كالمعلم فبقي الاعتراض في محله. فأما لفظ الشيخ فأنه في الأصل صفة من أسنّ. ثم أطلق على من تقدم في العلم وغيره مجازاً عمن تقدم في السن. فإن الطاعن في السن يستحصف عقله ويستحكم رأيه وأن أنكره النساء. فنُقلت مزيَّته إلى من باشر العلم. والذي يظهر لي بعد التأمل أن في الهنات والجليدات لضرراً عظيماً على من تحلى بها وخلا عنها، الدليل الأول أن المتصف بها يعتقد بمجاميع فلبه أنه أفضل من غيره خَلقاً وخُلقاً. فينظر إليه نظر ذي القرن إلى الأجمّ. ويستكفي بهذه السعة الظاهرة عن إدراك المناقب المحمودة والمزايا الباطنة، ويخلد بها إللا البلاد واللذات الموبقة. الثاني أنه لو نشبت فيه ربقة زحل يوماً من الأيام ودارت به دوائره فإن لم يجد ذات جليدة مثله لم يمكنه الجلد مع غيرها. وربما كان يهوى جارية عنده جميلة

стр. 96

في المطبخ أو في الإسطبل فيحرمه منها أبوه أو منصبه أو أهله أو أميره فيقع تعطيل على أهل الجمال. وهو أمر مكروه بل قد جزم بتحريمه جميع العلماء. الثالث أنه قد يتفق أن يتزوج بذات جليدة معسرة مثله غير موسرة. فإذا ولدت له أولاداً لم يمكنه أن يحضر لهم شيخاً يعلمهم في داره. ويستحي أن يبعثهم إلى المكتب ليتعلموا مع جملة أولاد الناس. فتغدو أولاده من العجماوات ويتسلسل ذلك في ذريتهم إلى ما شاء الله. الرابع أن الهنة والجليدة تقضيان على المتصف بهما بنفقات لاقّة. وتكاليف شاقة. تقضي به التفريط والإسراف. والتهالك والأشراف. وربما أوصلته أخيراً إلى أنشوطة حبل من مسد. الخامس أن الإنسان من أصل الفطرة ليس له هنة ولا جليدة فأحداثهما فيه بعد ذلك أمر مغاير للطبيعة. أو في الأقل من الفضول أو من البطر. وهناك أدلة أخرى أضربنا عن إيرادها خوف الأطالة. فقد تبين لك أن الخواجا المشار إليه كان غير ذي هنة ولا جليدة. ولعله كان يحصل على أحدهما لولا ميله بالطبع إلى الأدب. ولكن لكل شيء آفة. طبيب مصح الله ما بك من السقم يا خواجا ينصر أو مسح أو مزج. على حدّ من قرأ الصراط والسراط والزراط. ومن قال اجعلي فديتك بصاقاً أو بساقاً أو بزاقاً. إنك غادرت الفارياق في وسواس وبلبال. فهو ينتظر الجواب منك في الغدوّ والآصال. قال أني ليحزنني كثيراً أن قد بلغني كتاب صاحبك وأنا محموم موجع الرأس فلم يمكن لي أن أعجل إليه بالجواب. وكان بودي لو أفعل ذلك مع ما كنت أعانيه غير أن الطبيب رسول عزرائيل منعني من الحركة. ولكن لا بدّ من أن تسمع قصتي مع هذا القرنان. وهي أني أتخمت يوماً من أكلة برغل أخذتها بحذافيرها فأصبحت وبي غثيان. وأتفق أن زارني في صباح ذلك اليوم بعض المراء الذين ينبغي أن يقال لما أثبتوه نعم في موضع لا ولما نفوه لا في موضع نعم. فرآني على تلك الحالة فقال ما بك؟ فأخبرته الخبر. فقال عليك بكبيبي الساعة فهو أمهر الأطباء لأنه قدم من باريس منذ أيام. ولولا ذلك لما اتخذته طبيباً لي ولأهلي. قلت من عادتي أن أصبر على المرض الخفيف أياماً وأستعين على معالجته بالاحتماء والتوقي، فقد يكون في ذلك ما يغني عن العلاج. فإني أرى هؤلاء الأطباء يعالجون الأمراض بالخرص والتخمين. فما يهتدون إلى العلة والمعلول إلا بعد أن تبلغ الروح الحلقوم. فيجربون مرة دواء ومرة أخرى غيره. قال لولا أن المرض قد بلغ منك ما قلت هذا الكلام فلا بد من إحضاره الآن. وما زال بي حتى بعثت إليه خادمي حياء وخجلاً. ثم خطر ببالي أن الأدِب عندنا من فرط كرمه قد يجبر المأدوب على الأكل. وربما ألقمه بيده ما تعافه نفسه. ولكن لم أسمع أن أحدا تكرم بأن يجبر غيره على علاج. فلم أتمالك أن ضحكت. قال ما أضحكك. قلت لاشيء. قال ما أحد يضحك من لاشيء فلا بد وأن يكون هناك شيء. قلت فكرت في ذلك الطبيب الذي عاد مريضاً فقال لأهله آجركم الله في مريضكم. فقالوا أنه لم يمت بعد. قال يموت أن شاء الله. فضحكت. قال لا عليك فإن هذا الطبيب ليس مثال ذاك. وبعد فإنك عزب ليس لك أهل حتى يقول لهم ذلك.

стр. 97

ثم ماعتم الخادم أن جاء به وهو أشد مني مرضا ونحولا. فالظاهر إنه لم يكن له شغل حتى يخرجه من داره. فلما أن دخل جس نبضي ونظر إلى لساني ثم زوى ما بين حاجبيه وأطرق إلى الأرض وهو يهسّ أي يحدث نفسه. ثم رفع رأسه وقال لخادمي هات الطست. قلت ما تريد أن تفعل وأنا صاحب جثتي أفلا تشاورني. قال أنه الفصد أو الرمس. قلت هداك الله يا شيخ إنها آكلة برغل مع اللحم مما تسميه الناس كبيبة. قال أنا أعرف، إنكم يا أهل الشام كلكم تموتون بهذه الكبة. فقد شيعت بها حين كنت في بلادكم أكثر من مائة جنازة. نعم هي الكبة. قلت في عجانك أن شاء الله. قال لا تدخل الكبة في عجيني مطلقا. فالتفتُّ إلى الأمير وضحكت فظهر لي أنه هو أيضا لم يفهم. وفي الاختصار فإنه ما زال هو والأمير يخطئان رأيي حتى استلمت للهلكة ومددت يدي. فأعمل فيها مبضعة أعمال السكين في بطيخة. فخرج الدم متبعقا حتى دخل في عينيه أطلق يدي وذهب ليغسل وجهه. ثمجاء بعد هنيهة وقد غشي عليّ. فتداركني خادمي بماء الزهر وغيره والأمير ناظر إلى دخان تبغه والطبيب يسارّه. فلما أفقت ربط يدي وخرج مع الأمير وقالا احترز لنفسك فأنا نعودك عن قريب. فقلت في نفسي لا أعادكما الله. فلما كان الغد جاء الطبيب متأبطا أعشابا. فقلت ما هذه الأعشاب. قال حقنة. قلت تكفيني واحدة. قال أن الأمير يقول لك ينبغي أن تحقن أن لم يكن لنفعك فلا كرامة. فقلت في نفسي لا بأس بإكرامه في الحقنة. إلا أنه قد خالف العادة مرة أخرى فإن عادة المزور أن يحلف الزائر باسم الله واسم ملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر وبالبعث، أن يأكل أو يشرب شيئا على اسمه. وهذا زائر يلحُّ علي بالاحتقان. ثم استعملت الحقنة. ثم وافاني اليوم القابل ومعه حقه. فقلت وما بيدك. فقال مسهل مما أصنعه للأمير. فاستنفقه. ثم جاءني في الغد وليس بيده شيء. فاستبشرت وقلت له وقد وهنت مني القوى بقوة المسهل. قال ينبغي أن يتخذ اليوم حماما في غاية السخونة لكي تعرق، وقد جربته في ذوي الأمير فوجدته بعد المسهل أنفع ما يكون. ثم تولى هو بنفسه تسخين الماء وأنزلني في مغطس كنت اتخذته لنفسي. فلما دخلته لفحني حرّه حتى غشي علي بعد أن سمط جلدي. فأخرجت منه على رمق من الحياة. فتداركني خادمي بالمشمومات حتى أفقت. ثم جاءني في الغد وليس بيده شيء ففرحت أيضا وقلت لعله قد نفذ ما في وطاب علاجه، وكان الحمام آخر ما عنده. فسألني عن حالي. فقلت هو كما ترى. قال عليل. قلت وأي عليل. قال ينبغي أن تفصد. فسقط عليَّ كلامه كجلمود صخر حطه السيل من عل. وقلت كأنك تهم بإعادة ما صنعته أولا فمتى ينتهي هذا الدور؟ قال لا بد أن أحد هذه العلوج "جمع علاج" يزيل ما بك. قلت أجل أما الأول فهو أنت، وأما الثاني فهو دمي أو روحي. ثم تجلدت وتمنعت وقلت له قل الأمير إني والحمد لله عزب فلأي سبب يحاول تسفيري سريعا فلم يفهم. وقال إني أريد أن أقصدك لا أن انقل عنك. قلت فأنا لا أريد فأرحني أراحك الله. فأولاني كتفه وولى ثم لم يلبث أن بعث برقعة الحساب وتقاضاني فيه خمسمائة قرش. فإنه زعم أن عنده ناسا في الريف من الفلاحين يجمعون له تلك الأعشاب مع أنها مما ينبت على حيطان ديار القاهرة. وما كفاه ذلك حتى توعدني بأني تأخرت عن قضائه كما تأخرت عن الفصد الثاني يرفع القضية إلى ديوان قنصله. فنقدته المبلغ المذكور بتمامه، وقلت لا بارك الله في الساعة التي أرتنا وجوه العجم وأدبارهم. وها أنا اليوم والحمد لله أحسن حالا ومرادي أن اجتمع بصاحبك، ولكن لا بد من إكرامه قبل الزيارة. ثم أمر غلامه بأن ينتقي تختا من الثياب الفاخرة وأن يتوجه بها الفارياق فإنه كان وقتئذ مبرنطاً، ثم كتب له رسالة وجيزة مع أبيات قليلة تتضمن استدعاءه إلى مجلسه في اليوم القابل وتفصيل ذلك يأتي في الفصل التالي. إنجاز ما وعدنا به

стр. 98

كان للفارياق صاحب من الديار الشامية يتردد عليه. فلما وفد الخادم بالرسالة وتخت الثياب كان هو حاضرا. فقال للفارياق أنا أذهب معك إلى الخواجا ينصر فقد سمعت بذكره غير مرة واحبّ أن أراه. فقال له الفارياق ولكن لعل في الازواء إساءة أدب في حق المزور. فإن المدعو لا يليق به أن يستصحب أحداً معه. قال لابأس فإن هذه عادة الإفرنج فأما في مصر فيمكن للمدعو أن يستصحب أياً شاء. وللمستصحب أيضاً إذا لقي واحداً في الطريق من معارفه أن يستصحبه ولهذا أيضاً أن يستصحب آخر وللآخر آخر حتى يصيروا سلسلة أصحاب بحيث لا يكون في السلسلة حلقة أنثوية. وكلهم يكلمون المزور من دون محاشاة وينالون منه الإكرام ويترحب بهم. ولا يمكن أن يسأل أحداً منهم فيقول له وأنت ما حاجتك وأيّ كتاب وصاة عندك إليّ. وما اسم زوجتك أو أختك وما سنهن. وفي أي حارة يسكن كما تفعل أصحابك الإفرنج. فلا تخش من الرجل جبهاً. وبعد فإن لنا عليه دالة الأدب. فهي تغنينا عن دالة النسب. فأجابه إلى ذلك وسارا إليه معاً. والفارياق يرفل بثيابه وقد اتخذ له عمامة كبيرة. فتذكر يومئذ عمامته بالشام وسقطته تلك المشؤومة. فلما أستقر بمجلس المشار إليه بعد الترحيب والتلقي بالبشر والبشاشة. وبعد معاقبة أوحشتنا لآنستنا. ومداركة آنستنا لا وحشتنا، ومواترة سلامات طيبين، وموالاة طيبين سلامات، كما جرت العادة عند الخاصة والعامة. قال الخواجا للفارياق. قد سرّ قدومك إلى هذه الديار والله قد اسبغ عليَّ نعمته لأشركك فيها. فقد قال الشاعر: قالوا البعال ألذّ شيء يشتهي ... فأجبتهم هذا ضلال بيّن إسداء معروف إلى ذي حاجة ... أشهى وأبقى وهو أمر هيّن على أني لا أقول أن بك حاجة إليّ لكني لحنت من شكواك انك محتاج إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع. وقد وجب عليّ القيام بما يسليك ما أنت معانيه. سواء كان ذلك بالمواساة أو بالنصيحة. ولاسيما إنه قد ظهر لي إنك منشم في طلب العلم. وقد عانيت القريض. ولكن في كلامك ما انتقدته عليك. وليس هذا وقت نقد وتقييد. وإنما أسألك أي كتاب من الأدب قرأت. فابتدر صاحبه وقال قرأ كتاب بحث المطالب فقال له لقد عجلت في الجواب. فإن هذا الكتاب في النحو لا في الأدب. ألا إنكم يا تلاميذ الجبل تحسبون أن من قرأ هذا الكتاب فكأنما قد استوعب العربية كلها دون افتقار معه إلى شيء من كتب اللغة والأدب والشروح. وإن الطالب منكم إذا أراد أن ينمق كتابا أو خطبة فإنما يستعمل بعض أسجاع مبتذلة ساكنة الروّي. خيفة أن يلتبس عليه المرفوع بالمنصوب. ويتطالل إلى بعض استعارات باردة. وتشبهات جامدة. حشوها الألفاظ الركيكة والمعاني المتقلقلة مندون معرفة ما يستعمل من الفعل ثلاثيا أو رباعيا. وما يتعدى به من حروف الجرّ.

стр. 99

فعند قوله هذا تذكر الفارياق قول المطران لقيعر قيعار وأولجت فيها. فذكرها للخواجا المذكور فغلب عليه الضحك حتى فحص الأرض برجله. ثم قال نعم وإني لفي كتب الكنيسة كلها أغلاطا فاضحة من هذا النوع. فقد قرأت في كتاب منها عن بعض الرهبان إنه كان من التواضع على جانب عظيم حتى إنه كان كلما مرّ عليه رئيسه يقوم وينتصب عليه، أي له. وعن آخر أنه بلغه عن راهبة ما أنها كانت ذات كرامات ومشاهدات. فكان يستمني دائما أن يراها، أي يتمني. وعن آخر أنه كان خرج من ديره وغاب عنه مدة طويلة ثم رجع فوجد رئيسه الأول قد مات وولى رئاسته أحد أصحابه. وأنه بعد أن تفاوضا وتباشرا قلده الرئيس خدمة تهبيب الرهبان ليلاً. أي إيقاظهم من هب إذا قام. وعن بعض المطارنة إنه كان إذا وعظ في الكنيسة ينتعظ له كل من يسمعه، أي يتعظ. وغير ذلك مما لا يحصى بل قد ورد في الإنجيل وكلام الرسل كلام فاسد المعنى ومنشاه فيما أظن جهل المعربين. فمن ذلك ما ورد في إنجيل متى خطابا عن المسيح عم. إحذروا لا يضلكم أحد فإنه سيأتي باسمي كثيرون قائلين أنا هو المسيح فلا تصدقوهم. والمراد أن يقال أن كثيراً ينتحلون أسمي فيدعي كل منهم بأنه هو المسيح. وشتان ما بين الكلامين. وفي رسالة ماربولس إلى طيموتاوس. ولتكن الشمامسة أزواج زوجة واحدة. ومقتضاة اشتراك الشمامسة في بضع واحد. معاذ الله أن يكون كلامي هذا ازدراء بالدين وإنما أوردت ذلك شاهدا على جهل من عرب وألفّ من أهل ملتنا. نعم أن بعض المطارنة قد ألفوا تآليف مفيدة جودوا عباراتها وحرروا معانيها. إلا أن الجمهور من أهل الكنيسة جهال أغبياء لا يعجبهم إلا الكلام الفاسد الركيك. ولقد أفضى بنا هذا الاستطراد إلى غير الغرض. فلنعد إلى ما كنا بصدده وهو إسعافك أيها الخدين بما يريحك من حمل الخرج. هل لك في أن تكون كاتبا عند رجل من السراة الأغنياء يريد أن ينشي ممدحاً يكتب فيه بلغات مختلفة مساعيه ومعاليه. فيكون شغلك فيه في كل يوم بيتين أو أكثر بحسب الاقتضاء. قال فقلت إني يا سيدي ما بلغت من العلم ما يؤهلني إلى هذه الرتبة. ونحن في هنا في بلد العلم والأدب فأخشى أن يصدى لي قوم يزيفون كلامي ويخطئونني. فأخجل والله بعدها من أن انظر إلى وجه مخلوق من البشر. فإني رجل أحب الخمول وإن بضاعتي في ذلك لمزاجاة. قال لا تخش من ذلك فإن أهل مصر وإن كانوا قد تقصوا حد العلم وبرعوا في الفضل والأدب على غيرهم. إلا أنهم لا يتعنتون على الناظم أو الناثر بلفظة يخل فيها عفوا. أو بمعنى يخطي فيه سهواً. فإنهم أهل سماح ومياسرة. على أن من نبغ في الشعر أن لم يلق من ينتقد قوله مرة ومن يخطئه أخرى فلا يمكنه أن يصل إلى مرتبة الشعراء المجيدين. ولو بقي ينظم أبياتا ويودعها سمعه فقط لما عرف الخطأ من الصواب قط. فلا يكاد أحد يصيب إلا عن خطأ. وقد جرت العادة بين الشعراء بأن ما يستهجنه بعضهم من المعاني والألفاظ يستحسنه البعض الآخر. فلا يزال الشاعر والمؤلف بين أثنين عاذل وعاذر. ومخطئ ومصوب. ومفسق ومبري. ومعترض ومناضل. وراتق وفاتق. وممزق ورافئ. وخارق وراقع. وحاضر ومسوغ. ومضيق وموسع وقائل لم وقائل لأن. حتى ترجع حسناته سيئاته. وتتداول الناس أبياته. وقد طالما حاول الشهرة أناس بالقول المردود. والكلام المقصود. فمنهم من نظم أبياتا مهملة أي عارية عن النقط فأهملت. ومنهم من التزم فيها الحبك بأن يجعل في أول بيت منها حرفا من حروف اسم الممدوح فتركت وألغيت. ومنهم من جعل دابة التجنيس والتوريات البعيدة فردت وزيفت. واكتفوا من ذلك بمجرد الشهرة بين قومهم ولم يبالوا بالتعرض للَّوم والتفنيد. وإني أعيذك من أن تعدّ في جملة هؤلاء. فإني رأيت في إنشائك نزوات أفكار لطيفة تدل على قريحة جيدة. وسليقة متوقدة. وبعد فمن ذا الذي ما ساء قط. قال فقال والله أن لك عليّ لمنتين عظيمتين الأولى عنايتك بمعاشي. والثانية تنشيطك إياي إلى النظم. فقد كنت جزمت بأن لا أقول الشعر إلا مكتوما عن الناس وها أنا لك يا سيدي من الشاكرين. وبكرمك من الزائرين. ثم انصرف من عنده داعيا له وقد اضمر مفارقة الخرجي في اليوم القابل. أبيات سرية

стр. 100

لم يكن لصاحبنا الفارياق عند الخرجي من الأثقال إلا جثته فقط. فلذا تأبَّط طنبورة ووضع دواته في حزامه وقال له. قد أعانني الله واراني طريقا غير التي طرقتها لي أنت وحزبك الخرجيون. فأنا اليوم مفارقك لا محالة. قال كيف تفارقني وما أسأت إليك في شيء. قال هذا الطنبور يشهد عليك بأنك سؤتني. قال أن العازف به لا تقبل له شهادة فكيف تصح شهادته هو مع كونه سببا في جرح شهادة صاحبه. قال بل تصح كما صحت شهادة حجر آبائك. وإنه لينطق بمساويك كما نطقت أتان جدك. وبدك حصون عنقاشيتك كما دك المدن برق ربيبك. قال ما هذا الكلام. قال وحي والهام. قال لا باس في تعزف به فقد علمت إن الخادم عن حسد شكاك. قال بل أني عازف به عند من يقولون لي زد ويعاد وأحسنت والله. لا عند عجم لا يذكرون اسم الله إلا في الابتهال. قال قد خلطت واشططت. قال قد فرطت وقسطت. قال انك كنود. قال انك من اليهود ثم ولى عنه وهو سامد الرأس جاحظ العينين من الغيظ. وسار واكترى محلا آوى فيه الطنبور وتوجه إلى المدح فما استقر به المجلس إلا وورد بشير إليه وبيده رقعة فيها بيتان يراد ترجمتهما. فلما عرضا على مترجمي اللغات العجمية وأديت ترجمتها إلى جهبذ الممدح انتهت النوبة أخيرا إلى الفارياق. فأخذ القلم وكتب: ركب السريّ اليوم خير جواده ... يا ليته منا امتطى أكتافا إذ ليس فينا رامح أو رافس ... بل كلنا يغدو به رفافا فلما قابل الجهبذ هذين البيتين بالأصل وجدهما يشتملان على المعنى اشتمال البطن على الجنين أو الأمعاء على العفج. مع عدم الحشو بالألفاظ التي يستعملها الشعراء غالبا لسد ما في أبياتهم من الخلل. فأعجب بهما جداً وقال. هما حريان بأن يفضلا على الترجمة العجمية. فإني لا أرى فيها إلا معاضلة ألفاظ ولكن لعل هذه عادة القوم فدعهم وعادتهم. غير أنه لما أشتهر البيتان عند أهل النقد اعترض بعض أن قوله رامح أو رافس من الألفاظ المترادفة فتكون الأولى أو الثانية لغواً. فالأولى أن يقال جامح أو رامح وفيه مع ذلك سجع. وأجيب بأن للفظة رامح معاني كثيرة منها الثور له قرنان واسم فاعل من رمح إذا طعن بالرمح أو صار ذا رمح. ورمح البرق لمع ورد بأن الثور ليس له مدخل هنا بقرينه. فإن الناس لا تركب الثيران وإن أشار إليه المتنبي في الغبب. واسم الفاعل بمعنى طاعن لا يناسب المقام. لأن المركوب لا يكون طاعناً. ثم ورد في اليوم القابل بشير ثان معه رقعة فيها بيتان آخران فقال الفارياق: قام السري مبكراً لصبوحه ... فارتجت الأرضون من تبكيره أو ما ترى ذي الشمس من شباكه ... مدّت إليه شعاعها لسروره فاعترض على البيت الثاني إنه غير لفق للأول. وأجيب أنه متفرغ عليه ومرتبط به. لأن الأرضين لما ارتجت وخشي العالمون سطوته ترضته الشمس بشعاعها. ورد بأن ترضي الشمس كان متراخيا عن ارتجاج الأرضين فلا يفيد. وأجيب بأن الترضي حاصل على أي حال كان. فإن الشمس لا يمكنها أن تطلع قبل وقت الطلوع. وضحك قوم من هذا التعليل. ثم ورد في اليوم الثالث بشير آخر فقال الفارياق: نام السريّ مهنئاً بالأمس لم ... يخطر بخاطره الشريف هموم إن نام نامت أمة الثقلين أو ... أن قام قامت والكري جريم فأعترض على لفظة الثقلين إنها ثقيلة. وإن أمة حقها أن تكون أمتا. ورد بأن اللفظة خفيفة ولا عبرة في كونها مشتقة من الثقل. ثم ورد في اليوم الرابع بشير آخر فقال: شرب السريّ فحلّ شرب المُسْكر ... فأستغن عن فتوى الفقيه المنكر وإذا أصر على الخلاف محرّم ... فاعمد إلى حدّ الحسام الأبتر فاعترض عليه أنه مبالغة قبيحة تفضي إلى الكفر وتعطيل الشرع. وأجيب عنه بأنه طبق الأصل. ثم ورد في اليوم الخامس بشير آخر فقال: خرج السرّ مع السرّية ماشيا ... غلسا إلى الحمام كي يتنعما من كان يدعك مرّة جسميهما ... خَلقُت يداه على المدى أن تلثما

стр. 101

فأعترض عليه أن الأولى أن يقال ماشيين. ورد بأنه لا محظور منه فأن السري هو الأصل بدليل تغليب ماشيين. ثم أعترض أن الأفصح أن يقال جسمهما أو أجسامها. وأجيب بأن الأفصح لا ينفي الفصيح ثم قيل إنه ارتكب ضرورة بحذف حرف الجر في المصراع الأخير إذ حق الكلام إن يكون خلقت يداه بأن. على أن تثنيه اليد هنا لا معنى لها فإن الداعك لا يدعك بكلتا يديه. وأجيب بأنه لا مانع من حذف الجر مع أن. وأن التثنية للإيذان بأن كل الجوارح مخلوقة لخدمة الممدوح. ثم ورد في اليوم السادس بشير آخر فقال: خلع السري اليوم نعليه على ... مثن عليه مبالغ في مدحه فاستبشروا يا عصبة الشعراء من ... هذا السخاء بيمنه وبسحنه فاعترض عليه بأن اليمن والسنح بمعنى واحد. وأجيب بأنه كقول الشاعر وألفى قولها كذبا ومينا. ثم ورد في اليوم السابع بشير آخر فقال: حكّ السري اليوم أسفل جسمه ... بأظافر ظفرت بكل مؤمّل فالناس بين مصّفر ومرتل ... ومدفّف ومزمر ومطبّل فأعترض عليه صرف أظافر. وأجيب بأن ذلك غير محظور لا سيما وقد وليها قوله ظفرت. ثم ورد في اليوم الثامن بشير آخر فقال: طوبى لمن في الناس أصبح حالقاً ... رأس السريّ الأحلس الملحوسا لا زال محفوظاً بلطف الله ما ... حلتتله شعراً شريفاً موسى فأعترض عليه بأن الملحوس غير وارد في صفة الرأس. وأجيب بأنه لا بأس به هنا للجناس. ثم قيل أن محفوفاً مع ذكر الرأس ثقيلة. وأجيب بأنها خفيفة بالنسبة إلى رأس السري. قلت وكان الأولى أن يعاب عليه قوله طوبى لمن. فأنه مطلق لا يفيد أن السري حلق رأسه في يوم معين. غير أن الجناس في المصراع الثاني شفع في البيت كله. ثم ورد في اليوم التاسع بشير آخر فقال: بَسَم الزمان عن المنى وتنوّرا ... لما أستحم سريناً وتنورا إن المعالي من أسافله زهت ... والشعر بالشعراء أكسب مفخرا فأستحسن هذان البيتان جداً لما فيهما من المطابقة والجناس التام وغيره إلا قوله مفخراً. ثم ورد في اليوم العاشر بشير آخر فقال: قحب السري وأي شهم ماجد ... بين البرية مثله لا يقحب ذي سنة فرضت على كل الوري ... أن المخالف منهم ليصلب فعيب عليه لفظة قحب وأجيب بأنها فصيحة بمعنى سعل. ثم ورد في اليوم الحادي عشر بشير آخر فقال: عطس السري فكلنا يبكي دماً ... وأرتاعت الأرضون والأفلاك حرس الإله دماغه عن عطسة ... أخرى تموت برعبها الأملاك ثم ورد في اليوم الثاني عشر بشير آخر فقال: فسى الأمير فأيّ عرف عاطر ... في الكون فاح وأيّ مسك ديفا يا ليت أعضاء العباد جميعهم ... تغدو لنشوة ذا العبير أنوفا فعيب عليه قوله فسّى. إذ التكثير هنا لا معنى له. وأجيب بأن القليل المنسوب إلى السري كثير. وعليه بظلام للعبيد. فإن أدنى ما يكون من الظلم في حق الباري تعالى كثير. ثم ورد في اليوم الثالث عشر مبشر فقال: حبق السري اليوم في وقت الضحى ... والجو أدكن ليس يسفر عن شرق فتعطرت أرجاؤنا بأريجه ... فكان من حبق له عرف الحبق فأستحسنا لما فيهما من التجنيس: ثم ورد في اليوم الرابع عشر مبشر آخر فقال: قد أسها اليوم السري فكلنا ... فرح ففي إسهاله التسهيل قاستبضعوا خزاً إليه مطرزاً ... وتسابقوا أن البطيء قتيل فأستحسن البيت الأول للجناس. وعيب عليه قوله مطرزاً. إذ التطريز هنا لا موجب له بل فيه إيلام. وأجيب بأنه طبق الأصل. وأن حق الترجمة أن لا تزيد على الأصل المترجم منه في المعنى ولا تنقص عنه ولا سيما في الأمور المهمة الخطيرة. وقد كان يجب أن يعاب عليه قوله فكلنا فرح وأن علله بقوله ففي إسهاله التسهيل. إذ المتبادر أن التسهيل مسبب عن حتف الممدوح وكأنه الجناس شفع فيه.

стр. 102

ثم أن الفارياق بعد انقضاء هذه المدة الذكية رأى من الواجب أن يزور صاحبه ويخبره بما جرى له. فلما تشرف بمجلسه سأله الخواجا عن حاله. فقال له قد كنت أود يا سيدي أن أزورك قبل الآن لكن خشيت أن يعلق بناديك أثر من الرائحة التي شملتني. فقال له لا ضير في ذلك ولا سيما إذا تعودت عليها. وإن ناديّي لا يبرح كل يوم يعبق به أمثاله من زيارة أمثال السري وهذا شأن أم دفار. ولكن كيف حالك من جهة المعيشة. قال قد اكتريت لي داراً صغيرة واشتريت حماراً. واتخذت خادمة لتصلح لي الدار. وخادماً ليصلح الحمار. وأنا الآن بجاهك وفضلك في أحسن حال. ثم أنصرف من عنده داعياً له. "سر بيني وبين القارئ" قد كان طبيب الجزيرة نصح للفارياق أن بجانب النساء أي يبتعد عنهن لا أنه يلصق بجنبهن فإن في قربهن حيناً له فألفى قوله كذباً وميناً. مقامة مقعدة لا يمكن لي أن أبيت الليلة مستريحاً حتى أنظم اليوم مقامة. فقد عودت قلمي في هذا الموضع موالاة السجع. وترصيع الفقر الرائعة للعقل الرائقة للسمع الشائقة للطبع. فأقول: حدّس الهارس بن هشام قال: بينما أنا أمشي في أسواق مصر وأسرح ناظري في محاسنها. وأتهافت على النظر إلى جمال شوافنها. فتداركني جمال مدائنها. فالطأ بقرار حائط واضباً بآخر. وأجعل يدي تارة على عيني وتارة على ما هو أصغر منها أو أكبر. إذ أومأ أليّ فتى من حانوت له. عليه لوائح هيبة ومنزلة وحوبة في الترائب متخلله. غير متحلله. فقال أن شئت أن تصعد إلى هنا إلى أن ينفض زحام الأبل. وتنساغ غصّة هذا الأزْل الأزِل. فأنك لدينا من المقربين. وأني بإكرامك لقمين. فزجدت دعوته كدعوة الداعي بحيّ على الفلاح. وقلت ما يأبى السماح. إلا من فاته الصلاح. وعمه عن النجاح. كيف لا وقد أوشكت جوارحي أن تعود مجروحة. وضاقت بأحمال أبلكم الأرض وهي فسيحة. فأبتسم ابتسامة أسفرت عن لحن للقول سريع، وطبع إلى إيلاء المعروف ذريع. ثم صعدت إليه فوجدت عنده نفراً عليهم عمائم مختلفة. ولهم وجوه مؤتلفة. فلما سلمت متودّداً. وتبوأت ما بينهم مقعداً. قال رب الحانوت هل لك في أن تنتظم معنا في سلك جدال قد شغلنا من الضحى. وجعلنا له الآذان كثِقال الرحي. فهو دائر على كل منا بالمناوبة. ومستدرك خاتمه بأوَّله بالمعاقبة. دون درك ومعاقبة. إذ ليس فيه إفضاء إلى البحث في الأديان. وإنما هو أمر مباح لكل إنسان. فقلت أن كان مرجعه إلى العقل فقد كلفتموني أدّا. وشططتم في انتظامي معكم جداً. إذ لست بصاحب أسفار، بل حليف تطواف وأسفار. وإن كان إلى الطبع فأنه بي لطبعاً سليماً، وخُلقاً قويماً. قال هذا الثاني هو مركز دائرته. وفيصل محاورته. قلت فأملأ إذني من جدالك. وألق عليّ أعذال عَدلك.

стр. 103

قال أعلم، فرج الله عنك كل غم، أني والحمد لله من المسلمين المؤمنين بالله وبرسوله. وبوحيه وتنزيله. وأن صاحبي هذا الودود. وأشار إلى أحد القعود، هو من النصارى والآخر من اليهود. والآخر أمَّعة ما له اعتقاد ولا جحود. وإنّا قد تنازعنا كاس البحث في الزواج. وأفضنا فيه كما تفيض من عَرَفات الحجّاج. أما النصراني فإنه يزعم أن طلاق المرأة مفسدة من أعظم المفاسد. ومندمة تمني المطلق بالنغص والمكايد. ووجه الفساد على مقتضى زعمه، وقدر فهمه إن الزوجة إذا علمت إنها تكون عند زوجها كالمتاع المنتقل، وكثوب المبتذل، موقوفة على بادرة تفرط منها. أو هفوة تنقل عنها لم تخلص له سريرتها ولن تمحض له مودتها. بل تعيش ما عاشت في انقباض وإيجاس ووحشة وابتئاس ونكد ويأس وتدليس والبأس وإذا أنزلته منزل مبتاعها واعتقدت أن متاعه غير متاعها وأنه لا يلبث أن يلاعنها أو يبارئها أو يخالعها أو يكسوها ثياب التحمَّة ويقول لها ألحقي بأهلك أو استفلحي بأمرك. أو أنت عليَّ كظهر أمّي أو حبلك على غاربك. وعودي إلى كناسك. عند أهلك وناسك. فما أنت لي بأهل. وما أنا لك ببعل. لم تحرص على حاجة ولا على سر. ولم يهمّها ما ينزل به من الشرّ. وربما خانته في عرضه وماله. وكادت له مكيدة فضحته بها بين أقرانه وأمثاله وهناك محذور آخر أدهى وأنكر وأنكى وأضر. وأمضّ وأمرّ. وهو أن المرأة إذا فركت زوجها بأن رأت منه ما تخاف غائلته. لم يهمها أن تربي عيّله أو تستكفي عائلته. فإن المرأة لا تحب ولدها إلا إذا أحبت بعلها. ولا تحب بعلها إلا إذا أدام وصلها وآتاها سؤلها ومن كان له زوجة لم يُولها فؤاده ولم ينخل لها وداده فاتخذته عدواً خصيماً. لا أليفاً حميماً فهو جدير بأن يرثي له شامته. ويرجع عنه سامته فإن صدره والحالة هذه مورد الشجون، ورأسه منبت القرون، ومنزله منزل الاكدار وحالته في الجملة حالة أهل النار. إلا أني أعترض على مذهب من حظر الطلاق، وتقيد بزوجته دون إطلاق، بأن الزوجة إذا علمت أن جسم زوجها أدغم فيها. واصبح سره في فيها. فصارا فردا لا زوجا. سواء هبطا وهذه أو صعدا أوجا. وأنه لا يفك هذا الالتحام إلا بمقراض الحِمام. ولا تحل عقدة هذه الكنية إلا بانحلال جميع أجزاء الطينة. وإنها إذا مرضت مرض هو معها. وإذا رأت رأيا فلا بد من أن يواطئها عليه ويجامعها. نشزت عليه وتنمرت. وطغت وتجبرت. فتارة تسومه شراء لباس وحلي وتارة تتعنت بأمر تذيقه فيه الصلى. فويل له إذا حبا. ثم ويلان إذا أبى. وإن غاب عنها ليلة قامت قيامة كيدها عليه. وأن تشاغل عنها بأمر له فيه نفع جرت جميع المضار إليه. فدأبه التودد إليها والتملق والمداراة والترفق ومجاملته لها إذا جفت ومخالقته إياها إذا أنفت وتأنثه معها إذا تذكرت وتصعصعه منها إذا تشزرت وهل يطيب عيش لمن علم أنه طوع لهوى غيره. وإن لا مناص له من ضيره. فأما شأن الأولاد. وهو الداعي إلى تحمل هذا الكباد، فإن الزوجين إذا كانا على حالة النفور والعناد. والخلاف واللحاد. لم تكن تربيتهما لولدهما الإغراء بالاقتداء بهما. وتدريبا على الفساد بسببهما. فيكون إهمالهم من غير تربية عند طلاق أمهم أولى. وإن الوفاق هو المصلحة الأولى. على أنا نعلم من التجربة منذ سن تعالى الزواج وحببه أن المرأة إذا علمت أن لزوجها استطاعة على طلاقها. وتملصا من وثاقها. حرصت على أن تتحبب إليه وتلاينه. وتياسره وتخادنه. وتخالقه وتداريه وتتلافاه وتراضيه. وتجامله وتسانيه. خفية أن يتنغص عيشها بفراقه. أو تحرم من خلاقه. فإن لم يحصل بينهما الوفاق فالطلاق الطلاق.

стр. 104

ورأى صاحبنا هذا اليهودي قريب مما رأيت. فلا يخالف إلا في أسباب الطلاق وهي كيت وكيت فأما صاحبنا الأمعة. فإنه متردد في هذه القضية المنكعة. فتارة يقول أن الطلاق ادعى إلى الراحة. وتارة إنه موجب لنكد العيش وصفق الراحة وطورا يزعم أن المتعة أو الزواج إلى أجل مسمى أوفق. حتى إذا انقضى يجدد العهد بينهما ويوثق. إلى أن يتفارقا عن تراض. ويقضيا لهما وعليهما ولا قاض. فهو أخف على الثبج. وأنفى للحرج وإن يكن يفعله بعض الهمج. وحيناً يقول بل التسري اسرّ. وأهنأ واقر. أن لم يكن من القرينة مفرّ. وآونة يختار الاقتصار على خويدمة رعبوبة. وآونة على وحدة العزوبة. والتناول مما تفيزه به الفرص المرقوبة. وأخرى على جب الآلة. إن كان الجب ينجي من الحبالة. قال وذلك إني صعدت في درجات هذه الخطة ونزلت في دركاتها. وعانيت ضروبا من أخطارها وهلكاتها. فوجدت عند كل درجة منها مهواة تغيب فيها الأحلام. وتضيع الإفهام. وتهن القوى ويستطاب التوى. ويصغر كل عظيم من البلا: حتى كأنّ هذه الحاجة ليست من الحوج في شيء. وما لها به من صلة لحيّ فهي داء لا أسى له. وثوب قشيب مسموم يسر ناظره وحامله. لكن يقرح أوصاله ومفاصله. وكل أمر في الدنيا فإنما يصح قياسه على عقول الكيسي من الناس. ويعالج بالصبر أو اليأس إلا هذه الحوبة فإن المرجع فيها إلى الطباع. ولا يفيد معه رشد ولا زماع. ثم أنّ أنين الثكلى. وقال وإني أزيد على ما قاله الأمعة قولا. ولا أخشى من أحدكم عذلا. فأقول ولكم تصدعت قلوب من ذلك الصدع. واشتقت من ذلك الوماح مشاقّ لا يطيقها طبع. وكم من رؤوس لأجله دعكت ورضت. وعقول أفنت وحرصت. وأعناق دقت. وعيون لقتّ. وأسنان هثمت. وأنوف شرمت. وشعور ندفت. ولحي نتفت. وأيد قطعت. وأنساب ضيعت. وكتائب كتب كُتبت. "حاشية من جملتها هذا الكتاب" وخيل ركضت. وسيوف ومضت.. ورماح شرعت. وأحزاب تترعت. وجبال دكت ونسفت وبيوت أقوت وعفت. وأملاك حربت. وملوك استخربت. وبلدان خربت. بل أمم تهالكت وفنيت. وقرون اندرجت ونسيت. ثم تأوه وقال وسلعة نفدت ودنانير نقدت. قال الهارس فعلمت أنه قد صدعه الصدع بماله وعظة بلهاته عند تغلغله فيه وإيغاله. ولذاك كان يفيض في حديثه ويخوض فيه. ليعلم هل من مصاب مثله وعنده علم ما يشفيه. ثم التفت إليّ مستعبرا. وقال وأنت فما ترى؟ قلت والله أنها لإحدى الكبر. ومعضلة تفيض لها العبر. قد طالما ارتبك فيها العالم النحرير وضل عن علمها اللبيب الخبير لا جرم أن معرفة الأفلاك وكواكبها وايشاء معادن الأرض وعجائبها وأسرارها وغرائبها. لأهون عليّ من أن أقول في هذه المسألة نعم أو لا فما أرى إلا سكوتي عناه أولى ثم بيناهم يوجبون ويسلبون ويوجزون ويسهبون إذا بالفارياق مرّ علينا راكباً على حمار فاره. سامد سامه. فلما بصرت به قلت له نزال نزال. وحيّ على هذا العدال. فما نرى غيرك جديرا بإيضاحه. وبشفائنا من صماحه. قال في أي أمر مريج كنتم تخوضون. وعن أي نكر مشيج انتم تجيضون. قلنا له في الزواج فهلم العلاج. فابتدر على ارتجال. مسألة الزواج كانت ثم لا ... تزال طول الدهر أمراً معضلاً أن يكون الطلاق يوماً حللا ... للزوج أيان ابتغاه فعلا فليس عندي رشد أن تحظلا ... زوجته عنه ولا أن تُعضلا أن لم يصيبا للوفاق سبلا ... فدعهما فليفعلا ما اعتدلا أيان شاء طلقا وانفصلا قال فضحكنا من افتخاره ما لم يذكر في الكتب. وقلنا له إلى حمارك عن كثب. فما نرى رأيك إلا بدعا. ولقد أسأت إِجابة بعد أن أصبت سمعا. ثم تفرقنا كما اجتمعنا وعجبنا مما سمعنا. تفسير ما غمض من ألفاظ هذه المقامة ومعانيها

стр. 105

ليس في لغتنا هذه الشريفة ولا في أمة أخرى من الأمم لفظة تدل على فاعل ومفعول أو فاعلين اشتركا في فعل واحد للذتهما ونفعهما. واحتاجا إلى من يدخل عليهما ليتعرف منهما أي رفع ونصب يجري بينهما. وبيانه أن لفظة الزواج عندنا معناها ضمّ واحد إلى آخر حتى يصير كل واحد منهما زوجا لصاحبه. ولكن من دون قيد مكان ولا زمان، فلو تزوج زيد بهند في سهل أو على قمة جبل أو كهف في يوم الأحد أو الاثنين أو السبت بشرط التراضي بأن يكتب الرجل للمرأة صكا مؤذنا بزواجه بها أو يشهد على ذلك رجلين لصحّ. هكذا كانت سنّة السلف المتقدمين من الأنبياء وغيرهم كما هو مسطور في تواريخهم. بل لم يكونوا يقيدون أنفسهم لا بالصك ولا بالشهود أما لفظ النكاح فمعناه إحراز امرأة على أي وجه كان. وذلك لأن عرب الجاهلية لم يكن عندهم آداب للنكاح والطعام وغيرهما حتى جاء الشرع فعرفه وميز الحلال من الحرام منه. قال أبو البقاء في الكليات-ولكن لم أجده في فصل النون فإن رأيته في غيره أنجزت ما وعدت به، وكنت أريد استشهد بكلامه على أن اسم النكاح لم يزل إلى الآن مستعملا وإنه في كتب الفقه أكثر من أن يحصى. وهو حجة على من أنكره من النصارى وعلى من استعاذ من ذكره. وإنما استعملته العلماء من دون محاشاة لأسباب. الأول أنه استعمل قديما من الجاهلية فأثبتته العاقلية. الثاني لوروده في القرآن. الثالث لاشتماله على أربعة أحرف وفاقا للطبائع والعناصر والجهات، الرابع لورودها في أسرار سور القرآن. فالنون في ن والقلم وما يسطرون والكاف في كهيعص أو الألف في ألم والحاء في حمز الخامس أنك إذا قلبت هذه اللفظة بدا لك منها معنيان شريفان. الأول اسم فاعل من حي والثاني فعل أمر من كان، وبه برزت الموجودات إلى العيان. وتجلت الحقائق لذوي العرفان. السادس لخفة اللفظ وحلاوته، السابع لكون أوله يدل على آخره وآخره على أوله. وقد سمي هذا النوع بعضهم دلالة الأول على الآخر وبالعكس. قال وفائدته إنه لو استشهد القاضي أحدا على فاعله فنطق بالنون والكاف ثم غشى عليه أو على القاضي تلحزا لذلك. عرف من بقي غير مغشي عليه بالمجلس القاضوي ما أراده القائل. وكذلك لو طرأ عليه عند أداء الشهادة ما قطعه عن الكلام شوقا وهيبة فلم يسمع منه إلا الألف والحاء لدل هذا الجزء الأخير مع قلة حروفه على جميع ما يراد من المدلول. قلت وهو تعليل بديع غير أن هذه التسمية لا توجد في كتب البيانين والبديعيين. ولست أحب الألفاظ الطويلة فالأولى أن ينحت له لفظ من تلك الجملة بحيث يسلم الطرف. فإن قلت بل قد استعملت ألفاظا طويلة جداً في وصف البرنيطة بقولك المستقبحة المستفظعة مع أنه كان يمكنك أن تصفها بألفاظ قصيرة. قلت كان ذلك من باب مراعاة النظير. فإن طول البرنيطة يقتضيه. فأما مدلول اللفظ الذي نحن بصدده فإنه قصير. ثم أني كنت ابتدأت كلاما في أول هذا الفصل ولم أنهه فإن القلم زلق بي إلى معنى آخر على عادته. وأظن أن الجناب الرفيع أو الحضرة السنية لم يفهماه فمن ثم أقول الآن. إنه إذا كان المراد من الزواج أن كلاّ من الزوجين يزاوج صاحبه لنفسه لا لأهل البلد والمعارف والأصحاب كما كان عليّان يأكل فخذ الدجاجة لأمّ عليّ. لم يكن من المعقول أن يدمق عليهما ذو قبعة فيقول للمرأة لا تتزوجي هذا لكونه لم يسمّ بطرس ثم يقول للرجل لا تتزوج هذه لأنها لم تسمّ مريم. أو أن يقول هذا يوم الأحد لا يصح فيه الزواج. وهذه حجرة لا يحل فيها البعال. وإلا لصح أن يقول لهما أرياني الميل في المكحلة. ومثل هذا الكلام لعمري لا يليق لأحد أن يقوله أو يكتبه. ثم أن المرأة هي من الأشياء التي لكثرة تكرر النظر إليها كالشمس والقمر لم يود العقل حق اعتبارها. وبيانه أن الله خلق المرأة من الرجل لتكون بمنزلة معين له على مصالحه المعاشية ومؤنس له في وحشته وهمومه. إلا أنّا نرى أن هذه العلة الأصلية كثيرا ما تستحيل عن صيغتها الأولوية. حتى أن بلاء الرجل وهمه ووحشته ونحسه وشقاوته وحرمانه بل هلاكه يكون من هذه المرأة. فتنقلب تلك الإعانة إحانة.

стр. 106

وتلخيصه أن الإنسان ولد في هذه الدنيا محتاجا إلى أشياء كثيرة لازمة لحفظ حياته وذلك كالأكل وذلك والشرب والنوم والدفء. وإلى أشياء أخرى غير لازمة للحيوة وإنما هي لتقويم طبعه حتى لا يختل. وذلك كالضحك والكلام واللهو وسماع الغناء واتخاذ المرأة. إلا أن هذا الأخير مع كونه جعل في الأصل لتقويم الطبيعة. إذ يمكن للرجل أن يعيش حينا ما من دونه. فقد غلب على سائر اللوازم المعاشية التي لابد منها. ألا ترى أن من يحلم بامرأة يجد منها في الحلم ما يجده في القيظة. وليس كذلك من يحلم بأنه أكل عسلاً أو شرب سلافاً. بل وقوع هذا نادر جداً حتى للجائع والعطشان. وقد طالما رضيت أصحابنا الشعراء بطيف الخيال من المحبوب. وما أحد منهم رضي على جوعه بأن يبعث إليه ممدوحه بكأس مدام في الحلم أو ثريدة. وإذا تناول الإنسان طعاما طيبا لونا كان أو لونين بقي عدة ساعات مكتفيا بما ناله غير مفكر في القدرة ولا فيما يقتدر فيها. حتى يعاوده الجوع فيطفق حٍ يفكر في تناول طعام آخر. ولكن لم يسمع عن أحد من الناس في حالتي الجوع والشبع إنه كان كلما رأى طائرا في الجو اشتهى على سفوده في البيت حتى يسترطه. أو أنه كان لا يزال يبصص في دكاكين الطباخين والبدالين والزياتين ويلاوص من ثقوب أقفالهم ومن خصاص أبوابهم وشقوق حيطانهم على ما عندهم من أصناف المأكول. نعم أن الجائع في بلادنا يحسب كل مستدير رغيفا كما يقال. وفي بعض بلاد الإفرنج ربما حسب أيضاً المستدير والمطاول وذا شق كظلف الشاة وذلك لتفتنهم في أشكاله. غير أن الجائع إلى النساء ليس له شكل ينتهي إليه. وكذلك قضية الشرب فإن الظمآن بعد أن يروي غليله بالماء فإذا جيء إليه بكأس من التسنيم عافه. وكذلك البردان المحتاج إلى الدفء فإنه متى لبس ما يدفئه من الثياب ويجمله بين الناس لم يتطايل بعد ذلك إلى كل ثوب ينظره في دكاكين التجار معرضا للبيع. ولو رأى مثلاً قوس قزح أو روضة مدبجة بالأزهار البهيجة لم يتمن أن تكون ألوانها في سراويله أو قميصه. وإنما يراها ويستحسنها مجرد استحسان من دون أن يشغل بها خاطره ولبه. ولا يحلم ليلته تلك إنه رأى روضة أنيقة أو يتصور وهو متوسد على فراشه إنها لو كانت حيال مخدته لزاد ذلك في تنعيمه أو عمره. وقس على ذلك المنام إذا نام كفايته على فراش غير وطئ فإن منظر الفراش الوثير بعده لا يهمه. والحاصل أن الإنسان عقلا في يافوخه يدله على ما ينفعه ويضره ويسؤوه ويسره. وأن في كل من معدته وحلقومه ميزانا قويما يزن به ما هو محتاج إليه من الطعام والشراب. وبه يدري مضمون قولهم ربّ أكلة حرمت أكلات. فأما في أمر المرأة فالقانع العزوف يغدو شرهاً رغيباً. والرشيد غوياً. والحليم سفيهاً. والمهتدي ضالا. والحكيم عمها. والعالم جاهلا. والفصيح عيياً وبالعكس. والصبور جزوعاً ولا عكس. والفتى شيخاً ولا عكس. والغني فقيرا وبالعكس. والفظ لطيفاً ولا عكس. والسمين نحيفا وبالعكس. والمعافى مبتلى ولا عكس. والمتثبت متغشمراً وبالعكس. والبخيل كريما ولا عكس. والساكن متحركا وبالعكس. والطرد عكسا وبالعكس. وهلم جرا. وإذا رأى امرأة تبغضه فربما أحبها. أو تجفوه كلف بها. أو تعرض عنه تعرّض لها. أو تتملق إليه وتمثله فتن بها. أو ترميه بحقيبتها على ثقلها جُنّ بها إلا ولو حضر مجلسا كان فيه. امرأة وضيئة حسنة نظيفة. وهيّئة حسنة الهيئة. ومُخبأة الجارية المخدرة لم تتزوج بعد. وذبأة الجارية المهزولة المليحة الخفيفة الروح. وجرباء الجارية المليحة. وخدبة ضخمة. وخرعوب الشابة الحسنة الخلق الرخصة أو البيضاء اللينة الجسيمة. اللحيمة الرقيقة العظم. وخنبة الجارية الغنجة الرخيمة. ورطبة معروف. وسرهبة المرأة الجسيمة الطويلة. وشطبة الطويلة الحسنة الخلق. وشِطبة الجارية الحسنة الغضة الطويلة. وشنبا ذات شنب وقد ذكر تحت البرقع. وصقبة الطويلة التارة. وصهباء الصهب حمرة أو شقرة في الشعر كالصهبة والصهوبة. وعجباء المرأة يتعجب من حسنها. وقباء الدقيقة الخصر الضامرة البطن. وكبكابة المرأة السمينة. ومكدوبة النقية البياض. وكاعب التي نهد ثديها. ولعوب الحسنة الدلّ. ووطباء العظيمة الثدي والوطب الثدي العظيم. وهدباء الكثيرة شعر الهدب.

стр. 107

وذات صلوته الصلت الجبين الواضح وقد وصلت ككرم. وصموت الخلخالين غليظة الساقين لا يسمع لهما حسّ. وخوثاء الحدثة الناعمة. وبلجاء البلجة نقاوة ما بين الحاجبين هو ابلج وهي بلجاء. ومبهاج حسنة. وجائعة الوشاح ضامرةالبطن ومثله غرثى الوشاح وخدلجة المرأة الممتلئة الذراعين والساقين. ودعجاء الدعج سواد العين مع سعتها. ورجراجة ورجراجة يترجرج عليها لحمها. وزجاء الزجج محركة دقة الحاجبين في طول والنعت ازج وزجاء. ومعذلجة المرأة الممتلئة الناعمة الحسنة الخلق. ومفلجة الأسنان الفلج تباعد ما بين الأسنان. وبيدح بادن ونحوه بلدح. ودحوح عظيمة. وذات سجاحة سجح الخدّ سهل ولان وطال في اعتدال. ودملحة الضخمة التارّة. وصلدحة عريضة وكذا سلطحة وصلطحة. وفقاح المرأة الحسنة الخلق. ووضاحة البيضاء اللون الحسنته. وبيدخة تارّة. وبلاخية عظيمة أو شريفة. وصمخة المرأة الغضة. وطباخية الشابة المكتنزة. وفتخاء الإخلاف وفتخاء الإخلاف ناقة فتخاء الإخلاف ارتفعت إخلافها قبل بطنها. ذم وفي المرأة والضرع مدح. وفرضاخة ضخمة عريضة أو طويلة عظيمة الثديين. وقفاخ المرأة الحادرة الحسنة الخلق. ولبُاخية لحيمة. وهبيخة الناعمة التارة. وبخنداة المرأة التامة القصب كالبخندي. وبرخداة الجارية الناعمة التارة. ومبرندة الكثيرة اللحم. وثأدة المكتنزة الكثيرة اللحم. وثوهدة السمينة التامة الخلق وكذا الشهودة والفوهودة. وثهمد السمينة العظيمة. وجداء الصغيرة الثديين. وجيداء الطويلة الجيد الدقيقته. وبضة المتجرد بضة عند التجرد. وخبنداة جارية خبنداة تامة القصب أو تارة ممتلئة أو ثقيلة الوركين وساق خبنداة مستديرة ممتلئة. وخريد الخريد البكر لم تمسس أو الخفرة الطويلة السكوت الخافضة الصوت المتسترة كالخريدة والخرود. "تنبيه المرأة الجشوب الدردحة الضمزر اللهبرة العكبرة القعسوس الجباعة الثدمة أكثر دلاّ وغنجا من جميع هؤلاء". ورخودّة اللينة العظام السمينة. ورعديد رخصة. ورهيدة الشابة الرخصة الناعمة. وعبرد الجارية البيضاء الناعمة ترتج من نعمتها. وعضاد المرأة الغليظة العضد. وعُمُدّة الشابة الممتلئة شباباً كالعمدانية. وغادة المرأة الناعمة اللينة البنية الغيد. وغيداء المتثنية لينا. ومقصدة المرأة التامة العظيمة تعجب كل أحد والتي إلى القصر. ومأدة الجارية الناعمة. وممسودة مجدولة الخلق. وأملُود المرأة الناعمة اللينة. وناهِد كاعب. وبهيرة السيدة الشريفة والصغيرة الضعيفة وكذا البهيِلة. وبشيرة جميلة. ومبشورة الحسنة الخلق واللون. وتارّة ممتلئة الجسم. وتُرّة الحسناء الرعناء. وجحاشرة الضخمة الحادرة الجسيمة العبلة المفاصل العظيمة الخلق. وجهراء مؤنث الاجر وهو الحسن المنظر والجسم التامه والأحول المليح الحولة. وحادرة السمينة أو الحسنة الجميلة. وأحْوَريَّة البيضاء الناعمة. وحواريَّة الحوريات نساء الأمصار. وحوراء الحَوَران يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها وبيض ما حواليها أو الخ. وذات تدهكر ترجرج. وُمَدهْمَرة المرأة المكتلة المجتمعة. ومزنَّرة طويلة جسيمة. وزَهراء المرأة المشرقة الوجه. ومسبورة الحسنة الهيئة. ومسمورة الجارية المعصوبة الجسد غير رخوة اللحم. وشغفر المرأة الحسناء. وصيّرة الحسنة الصورة. وعبقرة تارة جميلة. وعبهرة الرقيقة البشرة الناصعة البياض والسمينة الممتلئة الجسم كالعبهر والجامعة للحسن في الجسم والخلق. وعجنجرة المكتلة الخيفة الروح. ومُعصر التي بلغت شبابها وأدركت أو دخلت في الحيض أو راهقت العشرين. وغَرّاء بيضاء وكذا فراء. وذات افترار افتر ضحك ضحكاً حسناً. وفزراء الممتلئة لحماً وشحماً أو التي قاربت الإدراك. وقفاخرية النبيلة العظيمة من النساء. ومرمورة المرمورة والمرمارة الجارية الناعمة الرجراجة. وَمشرة الأعضاء ريّا. ومطرة لازمة للسواك أو للتنظف والاغتسال. وذات مكرة المكرة الساق الغليظة الحسناء.

стр. 108

وممكورة المطوية الخلق من النساء والمستديرة الساقين أو المدمجة الخلق الشديدة البضعة. وماريّة بيضاء براقة "من مار". وذات نَضرة حسن وبهجة. ووثيرة الوثيرة الكثيرة اللحم أو الموافقة للمضاجعة. "تنبيه المرأة الربسة الدِعفصة الدنْقصة القُنْبُصة الصَعْلة الطهْمل الضلْفع الضوكعة الرعصاء القشوانة الكوراء أكثر دلاّ وغنجا من جميع هؤلاء". وهُدَكر المرأة التي إذا مشت حركت لحمها وعظامها. وهَيْدَكُور الكثير اللحم والشابة الضخمة الحسنة الدل كالهُدكورة. وبلز المرأة الضخمة أو الخفيفة. وعكموزه الحادرة التارة. وغمازة الجارية الحسنة الغمز للأعضاء. وكناز كثيرة اللحم صلبة. وآنسة الجارية الطبية النفس. وبَيْهس الحسنة المشي. وخروس البكر في أول حملها. وخَنْساء تقدم ذكرها تحت لبرقع. ومُركس الجارية طلع نهدها فإذا أجتمع وضخم فقد نهد. وعَيطَموس المرأة الجميلة أو الحسنة الطويلة التارة كالعطوس. وعلطميس الجارية التارة الحسنة القوام. وعانس التي مكثها في أهلها بعد إدراكها حتى خرجت من عداد الأبكار. وقدموسة ضخمة عظيمة. وقرطاس الجارية البيضاء المديدة القامة. وكنيسة المرأة الحسناء. ولعساء من في لونها أدنى سواد. ولميس اللينة الملمس. وعشه المراة الطويلة القليلة اللحم أو الدقيقة عظام اليد والرجل. وخربصة المرأة الشابة التَّارّة. ودخُوص الجارية الممتلئة شحما. ورخصه معروف. وبضاضة بضة الرخصة الجسد الرقيقة الجلد الممتلئة. وخريضه الجارية الحديثة السن الحسناء البيضاء التارة. ورضراضه في معنى رجراجه. وغضة غضيضة الطرف الغضة الناضرة والغضيض من الطرف الفاتر. وفارض ضخمة. وفضفاضة الجارية اللحيمة الجسيمة الطويلة. ومفاضة الضخمة البطن. وخوطانة وخوطانية كالغصن طولا ونعمة. وسبطة الجسم حسنة القدّ. وشطة حسنه القوام طويلة. وشناط المرأة الحسنة اللون والقوام. وذات عنط وعيط طويلة العنق حسنته. وذات شناظ مكتنزة اللحم كثيرته. وملعظة الجارية السمينة الطويلة الجسيمة. وبتعاء الشديدة المفاصل والمواصل من الجسد. وبريعة فائقة الجمال والعقل. وبزيعة ظريفة مليحة كيسّة. ومتلع الحسناء لأنها تتلع رأسها تتعرض للناظرين إليها. وسنيعة الجميلة اللينة المفاصل اللطيفة العظام. وشبعى الخلخال والسوار ضخمة تملاهما سمنا وشموع مزاحة لعوب. وصمعاء الصغيرة الأذن والأذن الصغيرة اللطيفة المنضمة إلى الرأس. وضرعاء عظيمة الضرع. وفرعاء تامة الشعر. ولعة عفيفة مليحة. ولاعة التي تغازلك ولا تمكنك "قلت لأنها تلوع مغازلها بذلك". وأنوف طيبة رائحة الأنف. وخنضرف المرأة الضخمة اللحيمة الكبيرة الثديين. وذلفاء تقدم ذكر الذلف تحت البرقع. وذات سجف السجف دقة الخصر وخماصة البطن. وسرعوف المرأة الطويلة الناعمة. وسيفانة الطويلة الممشوقة الضامرة. وظريفة الظرف إنما هو في اللسان أو حسن الوجه والهيئة أو يكون في الوجه واللسان أو البزاغة وذكا القلب أو الحذق أو لا يوصف به إلا الفتيان الازوال والفتيات الزولات لا الشيوخ ولا السادة. وقرصافة القرصافة من النساء التي تتدحرج كأنها كرة. وقصاف المرأة الضخمة. ولفاء واحدة اللفّ للجواري السمان الطوال. وحسنة المعارف والموقفين المعارف الوجه وما يظهر من المرأة والموقفان الوجه والقدم أو العينان واليدان ومالا بد لها من اظهاره. ومهفهفة ضامرة البطن دقيقة الخصر. وهيفاء الهيف ضمر البطن ورقة الخاصرة. وبراقة الحسناء لها بهجة وبريق كالإبريق. وبهلق المرأة الحمراء جداً. وحاروق نعت محمود للمرأة عند الجماع. وخرباق الطويلة العظيمة أو السريعة المشي. ورشيقة حسنة القد لطيفته. ورقراقة التي كان الماء يجري في وجهها. وروقه حسناء تعجب. وسوقاء الطويلة الساقين أو الحسنتهما. وعبقة المرأة التي إذا تطيبت بأدنى طيب لم يذهب عنها أياما. وعاتق الجارية أول ما أدركت. وعشنقة طويلة ليست بضخمة ولا مثقلة. وغبرقة العينين واسعتهما شديدة سواد سوادهما.

стр. 109

وغرانق امرأة غرانق وغرانقه شابة ممتلئة. وذات غرنقة غزل بالعينين. وذات لمة غرانقة ناعمة تفيئها الريح. وفنق جارية فنق ومفناق منعمة. ولبقة الحسنة الدلّ واللبسة. وملصقة الضيقة المتلاحمة. ولهفة شديدة البياض. "تنبيه المرأة الطرطبة المتخبخبة الرغابة العكباء ذات الحردبة والسنطبة البلعثة الخرثاء الخنظوب العكبرة المثدنة الخطلاء أكثر دلاّ وغنجاً من جميع هؤلاء". وممشوقة خفيفة اللحم. ورودكة حسناء في عنفوان شبابها. وضبرك المرأة العظيمة الفخذين. وضحكاكة قصيرة مكتنزة. وضنأكة الصلبة المغصوبة اللحم. ومعروركة متداخلة. وعكوكة القصيرة الملززة أو السمينة. وعضنك اللفاء التي ضاقملتفى فخذيها مع ترارتهما. وعاتكة المرأة المحمرة من الطيب. ومفلك التي إستدار ثديها. ومكماكه المكامكه والكمكامه القصيرة المجتمعة الخلق. وهبركه الجارية الناعمة. واسيلة الخدّين الأسيل من الخدود الطويل المسترسل. ومبتلة الجميلة كأنها بتل حسنها على أعضائها أي قطع والتي لم يركب بعض لحمها وفي أعضائها استرسال. وبهكلة المرأة الغضة الناعمة. وجمول جملاء الجمول الثمينة والجملاء الجميلة والحسنة الخلق من كل حيوان. وخدلة المرأة الغليظة الساق المستديرتها أو الممتلئة الأعضاء لحماً في دقة عظام كالخدلاء. وخَله المرأة الخفيفة. ودحمله الضخمة التارة. ودمحله السمينة أو الحسنة الخلق. ومكسال نعت للجارية المنعمة لا تكاد تبرح من مجلسها مدح. ورخينة رخمت الجارية صارت سهلة المنطق فهي رخيمة ورخيم. ورقيمة ورقيمة المرأة العاقلة البرزة وفي برز امرأة برزة بارزة المحاسن أو متجاهرة كهلة جليلة ألخ. وميسان الضحى مدح ونحوه نووم الضحى. وحسنة الخفيين أي صوتها وأثر وطئها يقال إذا حسن من المرأة خفاياها حسن سائرها. وغانيه المرأة التي تطلب ولا تطلب أو التي غنيت بحسنها عن الزينة. "تنبيه المرأة القرزح القيلع الحنجل الحزمل الحمكه الخنثل الجبله الجهبله الحنكله القيعله أكثر غنجاً وتدعباً من جميع هؤلاء". وسيأتي تتمة وصف الحسان في الفصل السادس عشر من الكتاب الرابع إذ لم يبق لي من حراك وقوة لذلك وأحسب القارئ نظيري. وإنما أقول. نعم لو كان في ذلك المجلس السعيد جميع هؤلاء الحسان على اختلاف ألوانهن لودّ أن ينظمهن كلهن في تلك واحد ويجعله في عنقه كسبحة أولياء الله المفردين. ومن ما رآني في ذلك رجعته إلى قصة سيدنا سليمان ﵇. فإنه مهما أوتي من الحكمة. وما أدراك ما الحكمة. فقد كانسلكه يشتمل على ألف امرأة. منهن ثلثمائة سُريّات والباقي سُريّات. فكان له في كل يوم امرأتان ونصف وكسور ألا ولو إنه أي الرجل رأى الشمس طالعة والبدر بازغاً والكواكب مضيئة لكان أول ما يخطر بباله أن يقول. لقد تزينت هذه السماء بهذه النيران البهية. فمتى تزن حجرتي بواحدة من أخواتهن أو باثنتين أو بثلاث أو بعشر أو بالسبحة كلها. واو رأى غوطة أو ربوة أو جبلين متناوحين أو نوْفا أو حُشّة أو هدفاً أو شقباً أو قوزاً أو دعصا أو كوثلاً أو خوطاً يتأوّد أو بحراً يتموج أو عوطباً أو طاووساً أو تفاحاً أو رماناً عقد درّ منظوم أو شيئاً آخر يروق العين لسبق وهمه إلى امرأة. بل ربما تصور واحدة لم يكن قد رآها قط ولا وجود لها في الأعيان ولو رأى سفينة ماخرة في اليم وعليها شراعها لشبهها بامرأة ترفل بثيابها في الطرقكما كان دأب أحد الخرجيين المتورّعين. ولو رأى حمامتين تتزاقان وتتلاسنان قالليت لي الآن من أن أزقها وتزقني والأسنها وتلاسنني وأنقرها وتنقري. ولو رأى أبو بُرائل بين ضغادره يلقمهن مما لديه ويصفق لهن بجناحيه ويجثئل إليهن ويتجفل ثم يحلج بينهن لو أن يكون نظيره. وحسبك بذلك من دناءة وإهانة لهذه الصورة البشرية التي يقال فيها إنها خلقت على مثال الخالق تعالى عن التبيه والنظير. إلا ولو إنك ألقيته في جب سيدنا يوسف، وفي فلك سيدنا نوح، وفي بطن حوت سيدنا يونس، وعلى ناقة سيدنا صالح، ومع أصحاب الكهف، لصرخ قائلاً المرأة المرأة، ومن لي بالمرأة ولو أنزلته في: بُنانة الروضة المعشبة. ورقمة الروضة وجانب الوادي أو مجتمع مائه. ودقيرة الروضة الحسناء العميمة النبات.

стр. 110

ووديفة الروضة الخضراء. وغلباء الحديقة المتكاثفة. وعلجوم البستان الكثير النخل. ومخرفه البستان. وحديقه الروضة ذات الشجر. وفي حجرة وعلية وغرفة ومقصورة وخدر وَحَجلة ومِنصَة. وسدار شبه الخِدر والموصد الخدر. وحُشّة القبة العظيمة. وجنبذة كالقبة. وعرش الخيمة والبيت الذي يستظل به كالعرش. وكرح بيت الراهب ومثله الركح. وكوخ البيت المسنم من قصب. وصومعه بيت للنصارى. ورِيْع الصومعة. وفنزر بيت يتخذ على خشبة طولها نحو ستين ذراعاً للربيئة وبهو البيت المقدم أمام البيوت. وحلة جماعة بيوت الناس أو مائة بيت والمجلس والمجتمع. وفسطاط السرادق من الأبنية ومثله المضرب. وكبس بيت من طين. وحفش البيت الصغير جداً. وجنز البيت الصغير من الطين. وخصّ البيت من القصب أو -. وردهه البيت الذي لا عظم منه. ومجلوُه البيت الذي لا باب فيه ولا ستر. ووَأم البيت الدفيء. وأُقنه بيت من حجر. وطراف البيت من أدم. ووسوُط بيت من بيوت الشعراء وهو أصغرها. وطنف السقيفة تشرع فوق باب الدار. ونزل ما هيئ للضيف أن ينزل عليه. ومغنى المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا أو عامّ. ومعهد المنزل المعهود به الشيء. ومعان المباءة والمنزل. وندِيّ مجلس القوام نهاراً أو -. ومُرْتبَع الموضع يرتبعون فيه في الربيع. ومصيف ومشتى معروف. ودكسرة بناء كالقصر حوله بيوت أو -. ومشرقة موضع القعود في الشمس بالشتاء. ومضحاة أرض مضحاة لا تكاد تغيب عنها الشمس. وظُلّة شيء كالصفة يستتر به من الحر والبرد. ومشربه الغرفة والعلية والصفة. وسُعنه الزَفْن أو مطلق المظلة. ومظلة الكبير من الأخبية. وساباط سقيفة بين دارين تحتها طريق. وعرزال بيت صغير يتخذ للملك إذا قاتل ألخ. وكن البيت. وقيطون المخدع. وسَرب الحفير تحت الأرض وديماس الكن والسرب والحمام. وبُرج معروف. وصهْوة البرج في أعلى الرابية. وصرح القصر وكل بناء عال. وعقر البناء المرتفع. وطربال كل بناء عال. وأزج ضرب من الأبنية. وإيوان الصفة العظيمة كالأزج. ورواق بيت كالفسطاط أو سقف في مقدّم البيت. وأجم كل بيت مربع مسطح وبضمتين الحصن. وكعبة الغرفة وكل بيت مربع. وأُطُم القصر وكل حصن مبني بحجارة وكل بيت مربع مسطح. ووشيع عريش يبني للرئيس في المعسكر. وسنيق بيت مجصّص. وجوسق القصر. ودوشق البيت ليس بكبير ولا صغير أو البيت الضخم. وقهقور. بناء من حجارة طويل. وبغبور الحجر الذي يذبح عليه القربان للصنم. وزور مجلس الغناء. وبُدّ بيت للصنم. وزون الموضع تجمع فيه الأصنام وتنصب وتزين. ومسجد معروف. وكنيسه معروف. وفهْر مدارس اليهود تجتمع إليه في عيدهم. أو-. ومدارس الموضع يقرأ فيه القرآن ومنه مدارس اليهود. وفي كوكبان حصن باليمن رصع داخله بالياقوت فكان يلمع كالكواكب. والجَوْسق دار بنيت للمقتدر فيدار الخلافة في وسطها بركة من الرصاص ثلاثون ذراعاً في عشرين. وقصر النعمان الذي بناه السنمار هو رجل إسكاف بنى قصرأ للنعمان بن امرئ القيس فلما فرغ ألقاه من أعلاه لئلا يبني لغيره مثله أو هو غلام لاحيحة بنى أُطعمة فلما فرغ قال له لقد أحكمته قال إني لا عرف فيه حجراً لو نزع لتقوض من عند آخره فسأله عن الحجر فأراه موضعه فدفعه أحيحة فدفعه أحيحة من الأطم فخرّ ميتا. والجعفريّ قصر للمتوكل قرب سرّ من رأى. والمارد حصن بدومة الجندل. والأبلق حصن بتيماء قصدتهما الزباء فعجزت فقالت تمرد مارد وعزّ الأبلق. وصرواح حصن بناه الجن لبلقيس. ودار الخيزران بمكة بنتها خيزران جارية الخليفة. وقصر بهرام جور من حجر واحد قرب همذان. وقصر غفراء بالشام. والبديع بناء عظيم للمتوكل بسر من رأى. وزُعيرة حصن قرب الكرك. وقصر عسل بالبصرة. والند حصن باليمن. والغُفر حصن بها. وسمدان حصن بها عظيم. والشخب حصن بها. وثربان حصن بها. وهِرّان حصن بها. وشواحط حصن بها. والموَْهبة حصن بها. والظُفير حصن يماني صنعاء.
следующие страницы →