← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96948

الانتهاء لمعرفة الأحاديث التي لم يفت بها الفقهاء

عبد السلام علوش

Полный текст (436 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: الانتهاء لمعرفة الأحاديث التي لم يفت بها الفقهاء المؤلف: أبو عبد الله عبد السلام محمد عمر علوش الناشر: دار ابن حزم - بيروت سنة الطبع: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م عدد المجلدات: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

المقَدِّمَة الحمد للَّه القائل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) في تنزيله، والذي جعل أصدق القول في قيله، وأحسن الهدي هدي رسوله، وأشهد أن لا إله إلا هو لا منتهى لتبجيله، وعلمه وتفصيله، وكتابه وتأويله، وأشهد أن محمداً قد اصطفاه على خلقه بالرسالة لسائر العوالم، ومبلغ المعالم، بإتمام المكارم، وإبطال المظالم، وإحكام القواعد، وإرساء الأوابد، بشيراً ونذيراً، وسراجاً منيراً، فأدَّى وبلَّغ، وأتم فأبلغ. فلم يكن لمتبعيه عن هديه تحويلاً، وعن الثابت من قوله محيلاً، إلا ببرهان بين، وصارف من الدليل متعين، بعد أن لزمتهم الحجة في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦). وإن الواقفين على أحاديث النبي ﷺ التي في الأحكام، وشرائع الإسلام، وعلى فتاوى العلماء، والمجتهدين والفقهاء، ما يجدون من مقبول حديثه مطروحاً، ولا من متروك صحيحه إلا مقدوحاً، قد ظهرت صحته، وخفيت علته. والمطلعون على علل الأخبار، وضعيف الآثار، يعلمون أن المفتين قد أفتوا وعملوا بالضعيف المردود، بل الواهي والمسرود، هو واقع في مسائلهم؛ بعضهم أكثر من بعض، بحسب ما لهم في هذه الصنعة من علوم

стр. 3

النقض. والإعلال والدحض، وكثرة الاطلاع، وشدة التحري في الاتباع، وما لبسطه في غير هذا المقام اتساع. فإذا علمت أن هذا فعلهم في الضعيف، فكيف هو بالصحيح المنيف، والحسن الرهيف. ثم إني أجلت البصر في النصوص، وفتاوى أهل الخصوص، فوقفت فيها على أحاديث يسيرة، وجمل عسيرة، قد ندت أوابدها، وأطلقت مقايدها، وليس من قائل يقول بها، مع ظهور السلامة من الانتقاد، أو الجواب عن رد أهل الاجتهاد، على ما سيأتي تفصيله، وترتيبه وتذييله. فوقع في نفسي لذاك التصنيف والتحرير، واستعنت عليه بالعليم الخبير، وسميته: "الانتهاء، لمعرفة الأحاديث التي لم يفت بها الفقهاء ". وقسمت الكتاب لبابين وسبعة فصول: - الباب الأول: وقد اشتمل على خمسة فصول. ١ - الفصل الأول: في تعريف خبر الواحد. ٢ - الفصل الثاني: في اتفاق العلماء على العمل بخبر الواحد. ٣ - الفصل الثالث: في بيان أدلة القائلين بالاحتجاج. ٤ - الفصل الرابع: في بيان الشروط التي ذكرها بعض العلماء للعمل بالخبر ومناقشتها. ٥ - الفصل الخامس: في ذكر شرطنا في الكتاب لإيراد الخبر الذي لم يفتوا به. - الباب الثاني: واشتمل على فصلين. الفصل الأول: في ذكر الأحاديث التي على شرط الكتاب.

стр. 4

الفصل الثاني: في ذكر بعض الأحاديث التي ليست على شرطنا فيه. والحمد للَّه أولاً وآخراً. وكتب أبو عبد الله راجي رحمات ربه لتسع خلون من شهر ربيع الآخر لسنة ألف وأربعمائة وأربع عشرة للهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام

стр. 5

الباب الأول

стр. 6

الفصل الأول: في تعريف خبر الواحد وهو ما رواه الواحد أو الاثنان دون أن يبلغ حد الشهرة أو التواتر. ويرى بعض أهل العلم بل أكثرهم أن لا دخل للشهرة في تعريف خبر الآحاد، فيقولون: "الخبر نوعان: متواتر وآحاد ". فهؤلاء بمقتضى تعريفهم يكون الحديث أو الخبر غير المتواتر آحاداً، وهذا المستتب عند جمهور الأصوليين من أئمة أصول الفقه. والتعريف الأول هو المقول به عند أئمة أهل مصطلح الحديث. وبهذا يعرف أن الأول يدخل في الثاني بخلاف عكسه. وبهذا يعرف أيضاً أن ثمرة الخلاف منتفية في وجوب العمل بالخبر، لأنهما قد اتفقا في تعريفيهما على اشتراك أقل الحديث رواية في كونه من أخبار الآحاد، فكان اتفاقهما على مما هو أعلى منه آكد. وجميعهم إنما يريدون بخبر الواحد، الحديث المتصل الإسناد، الخالي من الشذوذ والإعلال والإعضال أو سائر العلل التي يعلل بها أئمة الحديث الخبر، مما هو مبسوط في كتب المصطلح.

стр. 7

فلم يعد من فرق بين خبر الواحد، وأصح الأحاديث المتواترة، إلا قلة الرواة في الأول عن الآخر.

стр. 8

الفصل الثاني: في ذكر اتفاق أهل العلم على وجوب العمل بخبر الآحاد إلا من شذ وقبل الشروع في بيان أعدادهم وتقسيماتهم، وأدلة إثباتهم ونفيهم، فالواجب معرفته أننا نعني هنا بالاحتجاج في مسائل التعبد وإثبات السنن، بخلاف ما يسوقه المتكلمون من مسألة إفادة العلم اليقيني من خبر الآحاد، وبخلاف ما يسوقه بعض المصنفين في العقائد من الاحتجاج به في العقيدة، وغيرها من المسائل، فتلك أشياء أخرى قد اختلفوا فيها واتفقوا، في ما يحتاج غير هذا الموضع لبيانه، وبسطه على النحو المرضي، وإنما القول عندنا هنا عن الاحتجاج فيما يستدل به الفقهاء على الأحكام الشرعية في إثبات الدلالات وإقامة الحجج والبراهين على انتصاب مسائل الحلال والحرام، والسنة والبدعة، وبنحوها مما هو ليس من جنس تلك المسائل الطويلة العريضة في المبنى، والتي إنما هي من عمل فئة قليلة من أهل العلم فضلاً عن المتعلمين. قال الشوكاني ﵀ في الإرشاد: وقد ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بخبر الواحد، وأنه وقع التعبّد به. وقال القاشاني والرافضة وابن داود، لا يجب العمل به، وحكاه

стр. 9

الماوردي عن الأصم وابن علية وقال: إنهما قالا: لا يقبل خبر الواحد في السنن والديانات، ويقبل في غيره من أدلة الشرع، وحكى الجويني في "شرح الرسالة" عن هشام والنظام أنه لا يقبل خبر الواحد، إلا بعد قرينة تنضم إليه وهو علم الضرورة بأن يخلق الله في قلبه ضرورة الصدق. قال: وإليه ذهب أبو الحسين اللبان الفرضي، قال بعد حكاية هذا عنه: فإن تاب فالله يرحمه، وإلا فهي مسألة التكفير لأنه إجماع، فمن أنكره يكفر، انتهى. قلت: وهذا الذي قاله هو أو نقله عن غيره فيه أمور: أولها: أن من ذكر أسمائهم لا يكاد يعتد بأحد منهم أصلاً - أعني الثلاثة الأول - فإن القاشاني وابن داود ليسا ممن يخرق بخلافهم الإجماع، لكونهما ليسا من أئمة هذا الشأن أصلاً ولم يقع على قول أحد منهما التعويل في مسألة من مسائل الأصول أصلاً، ثم لم يأتيا كما سيأتي على حجة تذكر، ولذلك فكأن الجويني ﵀ رأى هذا المذهب، فذكر كما تقدم استكمال الإجماع، وحذر من مسألة التكفير في نقض الإجماع، لكن على ما سيأتي في خامسها. وثانيها: إطلاقه القول في رفض الرافضة للاحتجاج به، وهو مردود، فإنه قول طائفة من الرافضة قليلة كما حكاه غير واحد منهم، كالكاظمي في " العناوين "، والجيلاني في " القوانين "، والحيدري في " أصول الاستنباط ". فلم ينسبوه لسائر الرافضة. لكن ربما عنى الشوكاني فيه معنى آخر، فأخذه من أنهم لا يعتمدون

стр. 10

في المسائل إلا قول طائفة من العلماء عندهم، ولو كان الخبر خلاف مسائلهم، فهو خاص مردود، لأن هذه الطائفة عندهم قبلت خبر الواحد فيما حكاه أهل التصنيف عنهم. وثالثها: أننا لا نعبأ بخلاف الرافضة أصلاً، وبيننا وبين القول بقواعدهم وأصولهم، التي حرروها مفاوز ما أظنها تتجاوز. ورابعها: أن قول هشام والنظام لا يعتبر نفياً للقول بحجة خبر الآحاد، وإنما هو زيادة شرط منهما حتى يقبل الخبر. وإنما كان وجه الإنكار عليهما الاتساع في وضع هذا الشرط الذي ينال كل حديث مهما بلغت صحته وارتفع قبوله، بخلاف غيرهما من الفقهاء الذين اشترطوا شروطاً أخرى في أشياء مخصوصة، كالتي شرطها الحنفية كما سيأتي، وبخلاف اشتراط طائفة من المحدثين أشياء أخرى مبسوطة في كتب المصطلح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وبيان الشروط الصحيحة منها والفاسدة. وخامسها: في بيان الإجماع الذي حكاه الجويني، فإن المراد به إما الصحابة، وإما مَن بعدهم، وقد قدمنا أن من لا يعبأ بخلاف من خالف لا يتوانى عن ذكر الإجماع في المسألة، وعلى عدم اعتبار المشترطين من القائلين بالنفي. وأنها مسألة إجماع من العلماء، وذلك بعد الارتفاع عن مسألة نفي العلم أو العلم بالنفي التي يثيرها المتكلمون. وأما إن كان المراد إجماع الصحابة على ذلك، فهذا نقله غير واحد من العلماء وحكاه عنهم، بل وجعله من أدلة القول على العمل بخبر الواحد، لأنه يكون دليلاً لا يقبل الرد عند سائر من يعتبر إجماع الصحابة، ولا يجيز مخالفتهم. كما سيأتي بيان هذه المسألة عند دليل الإجماع على صحة قبول خبر الواحد.

стр. 11

وقد قال الإمام الشافعي في الرسالة: " لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد ". يعني في العمل به.

стр. 12

الفصل الثالث: في ييان أدلة القائلين بالاحتجاج بخبر الآحاد اعلم رحمك الله أن أدلة القائلين بالاحتجاج قد انقسمت من حيث الأصلين لفرعين أساسيين: أدلة عقلية، وأدلة سمعية. قال الشيخ الرازي في المحصول: " والذين قالوا: وقع التعبد به - يعني خبر الآحاد - اتفقوا على أن الدليل السمعي دلّ عليه، واختلفوا في الدليل العقلي هل دلّ عليه أم لا. فذهب القفال وابن سريج منّا، وأبو الحسين البصري - من المعتزلة - إلى أن دليل العقل دل على وقوع التعبد به. وأما الجمهور منا ومن المعتزلة كأبي عليّ وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار، فقد اتفقوا على أن دليل التعبد به: السمع فقط. وهو قول أبي جعفر الطوسي من الإمامية. انتهى. لكن الآمدي في " الإحكام " يزيد ذكر أسماء القائلين بوجود الدليل العقلي فيقول: " واختلفوا في دليل وجوبه بدليل العقل: فأثبته

стр. 13

أحمد بن حنبل، والقفال وابن سريج من الشافعية، وأبو الحسين من المعتزلة وجماعة كثيرة. ونفاه الباقون. وفصل أبو عبد الله البصري - بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة، وما لا يسقط بها، فمنع منه في الأول، وجوزه في الثاني، انتهى. قلت: فهذا أوان الشروع في تفصيل هذين الفرعين وفيهما: الدليل العقلي، ثم ذكر الأدلة السمعية من الكتاب والسنة والقياس والإجماع.

стр. 14

أ - الفرع الأول: في بيان الحجج العقلية: وحيث أن الآمدي لا يقول بصحة الحجج العقلية على دليل العمل بخبر الواحد، - وإن كان يقول بحجية الخبر الواحد من أدلة أخرى - فقد اخترت إيراد ما ذكره من هذه الححج العقلية ومناقضته لها، ومناقشته في ذلك. قال ﵀ في " الإحكام ": فأما من قال بكونه - يعني الدليل العقلي - حجة، فقد احتجوا بحجج ضعيفة، لا بد من ذكرها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. ١ - الحجة الأولى من جهة المعقول: وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة وهي أنهم قالوا: العقلاء يعلمون وجوب العمل بخبر الآحاد في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه، ولا علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل. وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار، وحسن اجتلاب المنافع. فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة، يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني، وأن لا نفصد، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم، فقد ظننا تفصيلاً لما علمناه جملة من وجوب التحرز عن المضار. وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجوداً وعدماً، وذلك بعينه موجود في خبر الواحد في الشرعيات، فوجب العمل به، وذلك لأنا قد

стр. 15

علمنا في الجملة وجوب الانقياد للنبي ﷺ فيما يخبرنا به من مصالحنا ودفع المضار عنا. فإذا ظننا بخبر الواحد، أن النبي ﷺ قد دعانا للانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة، فقد ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة، يوجب العمل به. قال الآمدي: ولقائل أن يقول: أما أولاً، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات، بل غايته إذا ظننا صدقه، أن يكون العمل بخبره أولى من تركه، وكون الفعل أولى من الترك، أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب، فلا يلزم منه الوجوب. قلت: قول الآمدي: ". . . العمل بخبره أولى من تركه. . . لشموله للمندوب، فلا يلزم منه الوجوب " منقوض بسائر المسائل التي لا يسع القول بالندب فيها مجالاً. أو التي لا يمكن أن تكون إلا ندباً أصلاً. مثال الأول الأحاديث التي تخبر عن فرضية الغسل للجمعة مثلاً، فإن ندب الاغتسال لها ثابت عند سائر الفقهاء، وإحالة أحاديث الفرض على الندب فيه إهمال لأنه أبطل الخبر الزائد فيه إبطالاً تاماً. ومثال الثاني أحاديث ندب وضع اليدين على الصدر في الصلاة، أو تحريك الأصبع في التشهد ونحوها من أحاديث الندب، فإن القول فيها بالندب على رأي الآمدي هو إعمال تام للخبر، فيرد عليه فيه. وذلك أن قولنا بوجوب العمل بخبر الواحد لا يعني منه أحاديث الفرض فقط، بل المستحبات، وكذلك المحرمات والمكروهات. فإذا تأملت هذا علمت اضطراب قوله في سائر الأحاديث التي تفيد إما الاستحباب وإما الكراهة حسب، دون التحليل أو التحريم، ولا الفرائض.

стр. 16

ثم قال الآمدي ﵀: " سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ذكرتموه من الدوران، فلا يدل على أن المدار علة الدائر، لجواز أن تكون العلة معنى ملازماً لما ذكرتموه لا ما ذكرتموه. . . " إلى آخر ما قال. وقد ضربت على القسم الآخر من قوله لأنه داخل على التحقيق في مبحث آخر من مباحث القياس في معرفة العلة والطرق التي تتبع في ذلك، وليس ذلك من مباحث هذا الكتاب. قال الآمدي: ٢ - الحجة الثانية: قالوا: صدق الواحد في خبره ممكن، فلو لم نعمل به، لكنا تاركين لأمر الله تعالى وأمر رسوله، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط. قال الآمدي: ولقائل أن يقول: صدق الراوي وإن كان ممكناً وراجحاً، فلم قلتم بوجوب العمل به والاحتياط بالأخذ بقوله، وإن كان مناسباً، ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار، ولا شاهد له سوى خبر التواتر، وقول الواحد في الفتوى والشهادة، ولا يمكن القياس على الأول، لأن ذلك مفيد للعلم، ولا يلزم من إفادته الوجوب إفادة الخبر الظني له، ولا يمكن قياسه على الثاني، وذلك لأن براءة الذمة معلومة وهي الأصل، وغاية قول الشاهد والمفتي مع مخالفته للبراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة الذمة بالنظر إلى جميع الناس، وإن سلمنا صحة القياس فغايته أنه مفيد لظن لإلحاق. وهو غير معتبر في إثبات الأصول. . .

стр. 17

٣ - الحجة الثالثة: أنهم قالوا: إذا وقعت واقعة، ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع، وذلك ممتنع. قال الآمدي: " ولقائل أن يقول: خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، إنما يمتنع مع وجود دليله، وأما عدم الدليل فلا، ولهذا فإنه لو لم يظفر في الواقعة بدليل ولا خبر الواحد، فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، والمصير إلى البراءة الأصلية ... ". قلت: وهذا منه ﵀ كاف في دفع هذه الحجة الثالثة بمثاله المذكور، فلا حاجة للإطالة في ذكر بقية جوابه. قال الآمدي: ٤ - الحجة الرابعة: قالوا: إنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول، لتعذر تحقيق بعثة الرسول ﷺ إلى كل أهل عصره. وذلك ممتنع، وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل عصره إلا بالمشافهة أو الرسل، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره، والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد، والتواتر إلى كل أحد متعذر، فلو لم يكن خبر الواحد مقبولاً، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق فيما أرسل به، وهو محال مخالف لقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ). قال الآمدي رادّاً: ولقائل أن يقول: إنما يمتنع ذلك لو كان التبليغ إلى كل من في عصره واجباً، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به، وليس لذلك. بل إنما هو مكلف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه، إما بالمشافهة أو

стр. 18

بخبر التواتر، وكذلك كل واحد من الأئمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه، وأما مع عدم علمه به فلا، ولهذا فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر المنقطعة، ولا سبيل إلى إعلامه، فإن النبي ﷺ لم يكن مكلفاً بتبليغه، ولا ذلك الشخص كان مكلفاً بما أرسل به،. انتهى كلام الآمدي. قلت: وقول الآمدي باطل، وما ادعاه من شرط شمول التبليغ ونفيه ليس بلازم، وبيان صورة الرد في المثال الآتي: وهو أن رسله ﷺ الذين أرسلهم، كان بعضهم آحاداً، ولو لم يكن خبرهم حجة لما حل له ﷺ منابذة الرافضين منهم إلى القتال في مواقع معلومة من السيرة بل ودعائه ﷺ على من مزق كتبه. بل وكيف يستقيم أن يرسل ﷺ إلى القبائل من يعلمهم الشرائع آحاداً، وهو يعلم من شريعته ﷺ أن خبر الواحد ليس بحجة!!! لكن النظر عندي في هذه الحجة هل تلحق على الصواب بالعقلية أم النقلية منها، والأصوب الثاني قال الآمدي: ٥ - الحجة الخامسة: قالوا: قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب، فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول ﷺ ، وغلب على الظن صدقه، فإما أن يجب العمل الراجح والمرجوح معاً، أو تركهما معاً، أو العمل بالمرجوح دون الراجح أو بالعكس.

стр. 19

وبالاحتمال لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث لأنه محال. فلم يبق سوى الرابع وهو المطلوب ".انتهى. قلت: وهذا احتجاج بين البطلان، فلم نذكر رد الآمدي عليه لوضوحه.

стр. 20

ب - الفرع الثاني: في بيان النقلية: وهي أنواع. ١ - أولها: حجج القرآن الكريم: * الحجة الأولى في قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢). قال الرازي وغيره من العلماء فيها: وجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحذر بأخبار الطائفة، والطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم، ومتى وجب الحذر بإخبار عدد لا يفيد قولهم العلم فقد وجب العمل بالخبر الذي لا نقطع بصحته. وإنما قلنا: إنه أوجب الحذر - عند إخبار الطائفة - لأنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة، والإنذار هو الإخبار. وإنما قلنا: إنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة لقوله تعالى: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) وكلمة " لعل " للترجي، وذلك في حق الله تعالى محال، وإذا تعذر حمله على ظاهره وجب حمله على المجاز، وذلك لأن المترجي طالب للشيء. فإن كان الطلب لازماً للترجي وجب حمل هذا اللفظ على الطلب، فيلزم أن يكون الله طالباً للحذر، وطلب الله تعالى هو الأمر فثبت أن الله تعالى أمر بالحذر عند إنذار الطائفة. وإنما قلنا: إن الإنذار هو الإخبار، لأنه عبارة عن الخبر المخوف، والخبر داخل في الخبر المخوف، فثبت أن الله تعالى أوجب الحذر عند إخبار الطائفة.

стр. 21

وإنما قلنا: إن الطائفة ها هنا: عدد لا يفيد قولهم العلم، لأن كل ثلاثة فرقة، والله تعالى أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة، والطائفة من الثلاثة واحد أو اثنان، وقول الواحد أو الاثنين لا يفيد العلم. وإنما قلنا إنه تعالى لما أوجب الحذر عند خبر العدد الذي لا يفيد قولهم العلم وجب العمل بذلك الخبر لأن قوماً إذا فعلوا فعلاً، وروى الراوي خبراً يقتضي المنع من ذلك الفعل، فإما أن يجب عليهم تركه عند سماع ذلك الخبر أو لا يجب. فإن وجب فهو المراد من وجوب العمل بمقتضى الخبر، وإذا ثبت وجوب العمل بمقتضى ذلك الخبر - في هذه الصورة - وجب العمل به في سائر الصور، ضرورة أن لا قائل بالفرق. وإن لم يجب الترك، لم يجب الحذر، وذلك ينافي ما دلت عليه الآية من وجوب الحذر. قلت: بقي الجواب عما إذا وقع النقاش مع حصر الطائفة في العدد الذي لا يفيد العلم، والجواب: أنه لا يخلو من أن يكون المراد من لفظ الطائفة التي وجب عليها الخروج للتفقه، والإنذار إذا رجعت أمرين: الأول: العدد الذي ينتهي لحد التواتر. الثاني: العدد الذي لا ينتهي لحد التواتر. ومن يحصر المراد بالأول يلزمه القول بأن الواجب على كل طائفة، وأهل قرية، أو بادية إذا كان عددهم ما دون حد التواتر أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والإنذار، وهذا لا يقول به قائل في أي عصر من الأعصار، بل القول خلافهم، فدل على أن المراد يشمل الأمر الثاني للخروج من هذا الإلزام. والله أعلم. وبهذا العرض يكون وقع الجواب عما يمكن أن يبديه أهل الاعتراض على صحة هذا الاستدلال، اللهم إلا وجهين نذكرهما، والجواب عليهما.

стр. 22

* مناقشة الاعتراض الأول: فإنهم قالوا: الحمل على الفتوى - أي حمل الخبر على الفتوى - متعذر لوجهين: الأول: أنا لو حملناه على الفتوى، لاختص لفظ القوم بغير المجتهدين، لأن المجتهد لا يجوز له العمل بفتوى المجتهد، لكن التقييد غير جائز لأن الآية مطلقة. انتهى اعتراضهم. قلت: وقد دفعه غير واحد من غير وجه، ولم أوردها جميعها، إذ لا حاجة لها، بل هي دفع للخطأ بجنسه، فإن أصل الاعتراض غير صحيح، ولا هو في باب الموضوع، إذ أننا بصدد الرواية عن الشارع، لا بصدد نقل فتوى المجتهد، وإلزام الآخر بها، فإننا لا نريد إلزام المجتهد إلا بقبول خبر الآحاد في الرواية فقط. * مناقشة الاعتراض الثاني: فإنهم قالوا: ومع تطرق هذه الاحتمالات فالاستدلال بالآية على كون خبر الواحد حجة في الشرعيات غير خارج عن باب الظنون فيما هو من جملة الأصول، والخصم مانع لصحته، فالقاعدة الأصولية أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل في الاستدلال. انتهى الاعتراض الثاني. قلت: والجواب على الاعتراض من أوجه: الأول: أن الاحتمال المذكور في القاعدة إنما هو الاحتمال غير المدفوع، ولا المنفي، وإلا فلترد كل قاعدة بأي احتمال ولو كان خطأً، وهو

стр. 23

غير صحيح، وبه تبطل سائر الأصول لأنه لا يخلو من إيراد احتمال ولو في غير موضعه، فعلمنا من هذا أن الاحتمال المراد إنما هو الاحتمال الذي لا يرد، ولا دليل على بطلانه، ولكننا قدمنا دفع جميع هذه الاحتمالات فلم يعد من معنى للاستدراك بها على بطلان أصلنا هذا. الثاني: أن الفقهاء يحتجون بغلبة الظن، وهو لا يكون إلا في معرض الاحتمال، وكذا الأصوليون في كثير من مسائل الترجيح التي لا يظهر فيها الصواب بيناً، ولم يمنعهم من ذلك العمل بها، والاعتماد عليها. الثالث: أن الدلالات الظنية إذا جتمعت أفادت القطع، بحسب كثرتها، ونحن لنا في هذا الباب ما لا ينضبط من الأدلة، التي لو تأملها المتأمل أفادت القطع عنده، والله أعلم. * الحجة الثانية في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ). ووجه الاستدلال من هذه الآية أن الله تعالى أوجب البيان على كل فرد من الذين أوتوا الكتاب تبيان ما عرف وأن لا يكتم، فلو لم يكن بيانه حجة، ولا بلاغاً، لما كان من معنى في مطالبته بذلك. وإنما قلنا بأن الأمر لكل واحد منهم، لأن الخطاب يكون على حسب الوسع، وليس في الوسع اجتماعهم جميعهم في مكان واحد، وإبلاغهم إبلاغاً واحدا لكل إنسان، فتبين أن المخاطب بذلك هو كل واحد منهم. وإنما قلنا بالوجوب، لأن الميثاق والعهد من أبلغ الالتزام الذي هو مقتضى الوجوب.

стр. 24

لكن تطرق الاحتمال لهذه الآية بخلاف سابقتها، وذلك بأن المراد بذلك العدد الذي تقوم به الحجة، دون ما لا تقوم به. فتبقى هذه الآية الدلالة منها على سبيل الاحتمال لا الجزم. وهذا موجود في آيات أخرى منها: * الحجة الثالثة فى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) الآية. * الحجة الرابعة في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الآية. * الحجة الخامسة في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وفيها مناقشات أخرى سوى تطرق الاحتمال المذكور. * الحجة السادسة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا). ووجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين: الأول: أنه علق وجوب التثبت على خبر الفاسق، فدل على أن غير الفاسق بخلافه، وذلك إما أن يكون بالجزم برده أو بقبوله، ولا جائز أن يقال بالأول، وإلا كان خبر العدل أنزل درجة من خبر الفاسق، وهو محال، فلم يبق غير الثاني.

стр. 25

الثاني: وهو ما جاء في سبب نزول الآية. فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في تفسيره، والطبراني في معجمه، وابن مندة، وابن مردويه في التفسير، بإسناد حسن عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، قلت: يا رسول الله: أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولاً (بأبان) كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة، ممن استجاب له وبلغ الأبان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس الرسول فلم يأت، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة فانطلقوا فنأتي رسول الله، وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض المال وكان عنده مما جمع من الزكاة، فلما سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟، قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق، ما رأيته ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي.

стр. 26

قال: والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا رآني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله ﷺ ، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) إلى قوله (حَكِيمٌ). وأخرجه الطبراني وابن مندة وابن مردويه من حديث علقمة بن ناجية ﵁. وأخرجه الطبراني في الأوسط وابن مروديه من حديث جابر ﵁. وأخرجه ابن راهويه وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة ﵂. وأخرجه ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد مرسلاً. وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن مرسلاً. وأخرجه عبد بن حميد في مسنده عن عكرمة مرسلاً. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة مرسلاً، وفيه أنهم أقبلوا نحوه فهابهم فرجع فأخبر رسول الله ﷺ بأنهم ارتدوا. وأخرجه ابن المنذر عن الضحاك مرسلاً.

стр. 27

ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي ﷺ عمل بخبر الواحد، حيث أرسل إليهم بعثاً لقتالهم، ولو لم يكن ذلك حجة عنده لما فعله. وقد اعترض على الاستدلال الأول بأنه مأخوذ من مفهوم المخالفة، وهو مصدر تشريعي مختلف فيه، واعترض على الاستدلال الثاني أن المذكور من سبب النزول هذا هو خبر من أخبار الآحاد فلا يكون حجة في الأصول. قلت: ولي أنا على الاستدلال اعتراض ثالث، وهو أن قوله " فتبينوا " هو من مواضع الاستدلال من الآية، وليس فيه العدد. فيبقى محتملاً كباقي الآيات، وأما القول على موضع الاستدلال الأول الذي ذكروه في مفهوم المخالفة فتقدم. الخلاصة: أن ما تقدم من الآيات لا يخلو الاستدلال بها من اعتراض، إلا الأولى، فهي حجة في الباب لمن تأمل، والله أعلم.

стр. 28

٢ - ثانيها حجج السنة: وقبل الشروع في بيان أدلتها لا بد من التنبيه على أن القائلين بترك العمل بخبر الواحد، وأنه غير واجب العمل به، لا يعتدون بشيء من أدلة السنة إلا ما كان متواتراً، بخلاف سائر الأئمة القائلين بصحة الاحتجاج به، فإنه لا يلزمهم حصول هذا الشرط فيه، ولذلك فإنني أبتدئ هذه الحجج من السنة بالخبر الذي هو متواتر عند جمهور المحدثين والأئمة، بخلاف المتعنتين الذين ليس لقولهم حجة ولا برهان، الذين قالوا: أربعين. أن يبلغ عدد المخبرين أربعين كالعدد المعتبر في الجمعة. أو الذين قالوا: سبعين لقوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا). أو الذين قالوا: ثلثمائة وبضعة عشر بعدد أهل بدر. أو الذين قالوا: خمس عشرة مائة. أو الذين قالوا: سبع عشرة مائة. أو الذين قالوا: أربع عشرة مائة، وهؤلاء ثلاثتهم عزوه لعدة أهل بيعة الرضوان. أو الذين قالوا: عدد هذه الأمة. فإن هؤلاء جميعهم مجازفون مغالون، بل هاذون أعني القائلين منهم بما هو فوق السبعين. وأما سائر بقية العلماء فقد قالوا بما هو دون ذلك بكثير، ما بين الأربعة إلى العشرين، ومعلوم أن هذا العدد مشروط في سائر الطبقات عند الجميع. وهذا ذكر الحديث الأول الذي هو متواتر عند طائفة غير قليلة من

стр. 29

المحدثين والفقهاء الأصوليين، وهو أول حديث ذكره الشافعي ﵀ في " الرسالة " في باب الحجة في تثبيت خبر الواحد. ١ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع ".

стр. 30

٢ - حديث زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ مثله وفيه: " فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. . ".

стр. 31

٣ - حديث جبير بن مطعم ﵁ النبي ﷺ بمثل حديث زيد.

стр. 32

٤ - حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ بمثله.

стр. 33

٥ - حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ به، وعنه عن أبيه به. ﵄. ٦ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ به.

стр. 34

٧ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ عن النبي ﷺ به. ٨ - حديث جندرة بن خيشنة عن النبي ﷺ به.

стр. 35

٩ - حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ به. ١٥ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ به ١١ - حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ به. ١٢ - حديث عبيد بن عمير عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ به.

стр. 36

١٣ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، عن النبي ﷺ به. ١٤ - حديث عبد الله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ به. ١٥ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ به. ١٦ - حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ عن النبي ﷺ بلفظ: " رحم الله امرءاً سمع منا حديثاً فوعاه، ثم بلغه من هو أوعى منه ". ١٧ - حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بلفظ: " نضر الله عبدا سمع مقالتي هذه فحفظها ثم وعاها فبلغها عني ". ١٨ - حديث عمر بن الخطاب ﵁. ١٩ - حديث عثمان بن عفان ﵁. ٢٠ - حديث علي بن أبي طالب ﵁. ثلاثتهم عن النبي ﷺ به.

стр. 37

٢١ - حديث ربيعة بن عثمان التيمي ﵁ عن النبي ﷺ به. وإن هذه الروايات المتقدمة لو ضمت لحديث " ليبلغ الشاهد الغائب " بلغت ضعف هذا القدر الذي أوردناه، وتركنا ذلك خشية الإطالة. والشاهد من الحديث كما قال الإمام الشافعي ﵀: فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءا يؤديها، - والامرؤ واحد - دلّ على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يجتنب، وحدٌ يقام، ومقال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا. ودل على أنه قد يحتمل الفقه غير فقيه، يكون حافظاً ولا يكون فقيهاً. قلت: فهذا حديث حجة في إثبات خبر الواحد، قد يرد على من اعترض عليه من فهم ردودنا على الاعتراضات الأولى.

стр. 38

حديث آخر: قال الشافعي الإمام ﵀: أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : " لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه أو أمرت به فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ". حديث ثالث: قال الشافعي الإمام ﵀: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلاً قبَّل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين، فأخبرتها، فقالت أم سلمة: إن

стр. 39

رسول الله ﷺ يقبِّل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله عندها، فقال رسول الله ﷺ ، ما بال هذه المرأة؛ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك، فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شراً وقال: لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء. فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده. قال الشافعي الإمام ﵀: في ذكر قول النبي ﷺ : " ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك " دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله، لأنه لا يأمر بأن تخبر عن النبي ﷺ إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرته. وهكذا خبر امرأته له إن كانت من آهل الصدق عنده. حديث رابع: قال الشافعي الإمام ﵀: أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء

стр. 40

في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. قال الشافعي الإمام ﵀: وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله ﷺ ولم يسمعوا ما أنزل عليه في تحويل القبلة، فيكونوا مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعاً من رسول الله، وبخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي ﷺ أنه أحدث عليهم بتحويل القبلة. ولم يكونوا ليفعلوه - إن شاء الله - بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق - يعني المخبر بذلك -. ولا ليحدثوا أيضاً مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثه. ولا يدعون أن يخبروا رسول الله ﷺ بما صنعوا منه. ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله ﷺ في تحويل القبلة وهو فرض، مما يجوز لهم لقال لهم - إن شاء الله - رسول الله: قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها، إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة، من سماعكم أو من خبر عامة. أو أكثر من خبر واحد عني.
следующие страницы →