Полный текст (436 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
١٣ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، عن النبي ﷺ به.
١٤ - حديث عبد الله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ به.
١٥ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ به.
١٦ - حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ عن النبي ﷺ بلفظ: " رحم الله امرءاً سمع منا حديثاً فوعاه، ثم بلغه من هو أوعى منه ".
١٧ - حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بلفظ: " نضر الله عبدا سمع مقالتي هذه فحفظها ثم وعاها فبلغها عني ".
١٨ - حديث عمر بن الخطاب ﵁.
١٩ - حديث عثمان بن عفان ﵁.
٢٠ - حديث علي بن أبي طالب ﵁. ثلاثتهم عن النبي ﷺ به.
стр. 37
٢١ - حديث ربيعة بن عثمان التيمي ﵁ عن النبي ﷺ به.
وإن هذه الروايات المتقدمة لو ضمت لحديث " ليبلغ الشاهد الغائب " بلغت ضعف هذا القدر الذي أوردناه، وتركنا ذلك خشية الإطالة.
والشاهد من الحديث كما قال الإمام الشافعي ﵀:
فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءا يؤديها، - والامرؤ واحد - دلّ على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يجتنب، وحدٌ يقام، ومقال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا.
ودل على أنه قد يحتمل الفقه غير فقيه، يكون حافظاً ولا يكون فقيهاً.
قلت: فهذا حديث حجة في إثبات خبر الواحد، قد يرد على من اعترض عليه من فهم ردودنا على الاعتراضات الأولى.
стр. 38
حديث آخر:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : " لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه أو أمرت به فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ".
حديث ثالث:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلاً قبَّل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين، فأخبرتها، فقالت أم سلمة: إن
стр. 39
رسول الله ﷺ يقبِّل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله عندها، فقال رسول الله ﷺ ، ما بال هذه المرأة؛ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك، فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شراً وقال: لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء.
فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده.
قال الشافعي الإمام ﵀:
في ذكر قول النبي ﷺ : " ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك " دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله، لأنه لا يأمر بأن تخبر عن النبي ﷺ إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرته.
وهكذا خبر امرأته له إن كانت من آهل الصدق عنده.
حديث رابع:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء
стр. 40
في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
قال الشافعي الإمام ﵀:
وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله ﷺ ولم يسمعوا ما أنزل عليه في تحويل القبلة، فيكونوا مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعاً من رسول الله، وبخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي ﷺ أنه أحدث عليهم بتحويل القبلة.
ولم يكونوا ليفعلوه - إن شاء الله - بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق - يعني المخبر بذلك -.
ولا ليحدثوا أيضاً مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثه.
ولا يدعون أن يخبروا رسول الله ﷺ بما صنعوا منه.
ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله ﷺ في تحويل القبلة وهو فرض، مما يجوز لهم لقال لهم - إن شاء الله - رسول الله: قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها، إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة، من سماعكم أو من خبر عامة. أو أكثر من خبر واحد عني.
стр. 41
حديث خامس:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح، وأبى بن كعب شراباً من فضيخ وتمر، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرّمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت.
وهؤلاء في العلم والمكان من النبي ﷺ وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم.
وقد كان الشراب عندهم حلالاً يشربونه فجاءهم آتٍ، وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة وهو مالك الجرار، بكسر الجرار، ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله ﷺ ، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة.
حديث سادس:
قال الشافعي الإمام ﵀:
وأمر رسول اللَّه ﷺ أنيساً أن يغدو إلى امرأة رجل ذكر أنها زنت " فإن اعترفت فارجمها " فاعترفت فرجمها.
أخبرنا بذلك مالك وسفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن
стр. 42
أبي هريرة، وزيد بن خالد، وساقا الخبر عن النبي ﷺ ، وزاد سفيان مع أبي هريرة وزيد بن خالد: شبلاً.
حديث سابع:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا عبد العزيز عن ابن الهاد، عن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: بينما نحن بمنى إذا عليّ بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: إن هذه الأيام أيام طعام وشراب، فلا يصومن أحد، فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك.
قال الشافعي الإمام ﵀:
ورسول الله ﷺ لا يبعث بنهيه واحداً صادقاً إلا لزم خبره عن النبي ﷺ بصدقه عند المنهيين عما أخبرهم أن النبي ﷺ نهى عنه.
стр. 43
ومع رسول الله ﷺ الحاج، وقد كان قادراً على أن يبعث إليهم فيشافههم، أو يبعث إليهم عدداً، فبعث واحداً يعرفونه بالصدق.
وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله ﷺ .
حديث ثامن:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خالٍ له - إن شاء الله - يقال له يزيد بن شيبان قال: كنا بموقف لنا بعرفة، - يباعده عمرو من موقف الإمام جداً - فأتا ابن مربع الأنصاري - فقال لنا: أنا رسول رسول الله إليكم، يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم.
حديث تاسع:
قال الشافعي الإمام ﵀:
وبعث رسول الله ﷺ أبا بكر والياً على الحج في سنة تسع، وحضر الحج كثيرون من بلدان مختلفة وشعوب متفرقة، فأقام لهم مناسكهم وأخبرهم عن رسول الله ﷺ بما لهم وما عليهم، وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من سورة براءة، ونبذ
стр. 44
إلى قوم على سواء، وجعل لهم مُدداً، ونهاهم عن أمور.
قال الإمام:
فكان أبو بكر وعلي معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق، وكان مَنْ جَهِلَهُما - أو أحدهما - من الحاج، وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما.
ولم يكن رسول الله ﷺ ليبعث إلا واحداً الحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه إن شاء الله.
حديث عاشر وحادي عشر. . .
قال الإمام الشافعي ﵀:
وقد فرق النبي ﷺ عمالاً على نواحي، عرفنا أسماءهم والمواضع التي فرقهم عليهما:
فبعث قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وابن نويرة، كلاً إلى عشيرته بعلمهم بصدقهم عندهم.
وقدم عليهم وفد البحرين، فعرفوا من معه، فبعث معهم ابن سعيد بن العاص.
وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه، ويعلمهم ما فرض الله عليهم. . . . ".
إلى آخر ما ذكره الشافعي ﵀ مما يطول ذكره.
стр. 45
وإن في هذا الذي أوردناه من الحجة والدلالة، ما يقنع به، من كان له لب، ومارس شيئاً من العلم، وتعلم كيف تنتصب الأدلة، ويقوم عماد البرهان.
فلنطو هذه الطومار إلى غيرها.
стр. 46
باب فيما أورده من لم يحتج بخبر الواحد ورد هذه الدعوى
أ - الأول: توقف النبي ﷺ عن قبول خبر ذي اليدين في أنه ﷺ صلى ركعتين فقط، وهو يظن ﷺ أنه صلى أربعاً.
وقد رد الأصوليون هذه الدعوى من أوجه متعددة، وأقوى الردود عليها، لم أر أحداً منهم ذكره.
وهو:
إن هذا الحديث حجة لنا في قبول خبر الواحد، لا علينا، وذلك أنه ﷺ قد صلّى فيما يحسب أنه صلى أربعاً.
وأقل هذا الحسب منه ﷺ ، أو من غيره، إنما هو بمقام الرواية الواحدة، التي تفيد أن الركعات كانت أربعاً، - ومحل ذلك على القطع حيث لا شك في كونها أربعاً عند من صلاها - فإذا أخبرك مخبر بأنك صليت اثنتين، كان بمثابة روايتين متضادتين، والشرع والعقل يقضي في مثل هذا الموضع الترجيح، وله أحوال:
الأول: إلغاء أحد الخبرين، وإعمال الآخر من غير دليل، ولا برهان. والثاني: انضمام قرينة أو شاهد آخر لأحد الخبرين ليكون أقوى من مضادِّه فيعمل به.
стр. 47
والأول باطل.
أما الثاني فهو الذي عمل به النبي ﷺ ، فدل على أنه أقام شهادة ذي اليدين بمقام عمله هو ﷺ ، فهل يكون أبلغ من هذا الاحتجاج.
ثم إنه ﷺ لما سأل أصحابه، فأخبروه خبر ذي اليدين، خلاف ما كان يظن أنه فعل، فترجح عنده أحد الخبرين على الآخر فعمل به.
ولو أنه ﷺ أبطل خبر ذي اليدين، ولم يره حجة، ولا ينتهض به دليل، لما جعله مساوياً لما عرفه هو ﷺ ، وطلب الترجيح. والله أعلم.
ب - الثاني: ردُّ عمر بن الخطاب ﵁ خبر أبي موسى الأشعري أن الاستئذان ثلاث، حتى شهد له بذلك أبو سعيد، ﵃.
والجواب عنه كالأول، وذلك أن عمر ﵁ كان كثير الدخول والاستئذان على رسول الله ﷺ ، نحواً من عشرين سنة، وهو في كل هذا لم يسمع خبر أبي موسى، فكان استقر عنده بما لا شك - خاصة فيمن عاش مدته تلك، ودخل مداخله - أن الاستئذان ليس فيه هذا الشرط، من وجوب الرجوع بعد الثلاث.
فلما سمع خبر أبي موسى، تناقض عنده الأمران، خبره هو وخبر أبي موسى، فاستعان بمرجح لأحد الخبرين، فقام بذلك أبو سعيد، بل وغيره كما في السياق، فترجح خبر أبي موسى على ما علم عمر. سيما وقد وقع في لفظ للموطأ: " أما إني لم أتهمك ".
стр. 48
والذي يؤكد هذا الذي قضينا به، أن سائر الأخبار التي جاءت عن عمر قد رجع فيها القول بخبر الواحد دون إشهاد عليه من غيره، وذلك لأنه لم يكني له فيه خبر سمعه، أو علم ما قام مقام الخبر.
وكذا ما لو خالف الخبر رأيه المستنبط، فإن عمر ﵁ لم يطلب دليلاً على صحة الخبر من غيره، ما دام صدق ناقله.
ومن أخبار عمر ﵁ في الرجوع لخبر الواحد والعمل به على مثل ما وصفنا حوادث:
أولها: أن عمر ﵁ كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، حتى أخبره الضحاك بن سفيان، أن رسول الله ﷺ كتب إليه، أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته. فرجع إليه عمر.
ثانيها: أن عمر ﵁ قال:
أذكر الله امرءًا سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئا؟.
فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال:
كنت بين جارتين لي - يعني ضرتين - فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرَّة عبد.
стр. 49
فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره.
وفي رواية أخرى: " إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا ".
وقد ذكر الإمام الشافعي ﵀ تذييلاً على الحديثين هذين الآخرين في " اختلاف الحديث " ليس يكون أحسن منه فقال: وفي كل هذا دليل على أنه يقبل خبر الواحد، إذا كان صادقاً من أخبره، ولو جاز لأحد رد هذا بحال جاز لعمر بن الخطاب أن يقول للضحّاك: " أنت رجل من أهل نجد ".
ولقال لحمل بن النابغة:
стр. 50
" أنت رجل من أهل تهامة ".
وأنتما لم تريا رسول الله ﷺ ولم تصحباه إلا قليلاً.
ولم أزل معه ومن معي من المهاجرين والأنصار، فكيف غرب هذا عن جماعتنا وعلمته أنت. وأنت واحد يمكن فيك أن تغلط وتنسى.
بل رأى الحق اتباعه، والرجوع عن رأيه، في ترك توريث المرأة من دية زوجها، وقضى في الجنين بما أعلم من حضر أنه لو لم يسمع عن النبي ﷺ شيئاً قضى فيه بغيره.
ولكن الله تعبَّده والخلق بما شاء، على لسان نبيه ﷺ ، فلم يكن له ولا لأحد إدخال: " لِمَ " ولا " كيف " ولا شيئاً من الرأي، على الخبر عن رسول الله ﷺ ، ولا رده على من يعرفه بالصدق في نفسه، وإن كان واحداً ".
ثالثها: أن عمر ﵁ رجع بالناس عن خبر عبد الرحمن بن عوف في طاعون عمواس.
رابعها: أن عمر ﵁ ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ".
стр. 51
وخامسها: أن عمر ﵁ لم يأخذ الجزية من المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر، وأشياء أخرى عن عمر يطول ذكرها.
ج - الثالث: رد عمر ﵁ خبر فاطمة بنت قيس.
والجواب عنه كالجواب عن سابقيه، وأنه حجة لنا في قبول خبر الواحد، لا علينا، يدل على ذلك لفظ الحديث عند الشيخين فعندهما: أن الشعبي حدّث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود بن يزيد كفاً من حصى، فحصبه به، وقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟!
قال عمر ﵁: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أم نسيت".
стр. 52
ففي قول عمر هذا ﵁، بيان واضح في قبوله خبر الآحاد، لأنه لم يعلل عدم أخذه بالحديث لأنه من رواية الآحاد، بل أعله بأنه شك في قدرتها على الضبط وحفظها، وهذا قول كل من يحتج بخبر الآحاد، فإن الشك في حفظ الراوي مع القطع بصدقه، يمنع وجوب العمل بالحديث المروي، وما زال أهل العلم بالحديث يعلّون الحديث أو يضعفونه بقولهم: " فيه فلان سيّء الحفظ " أو " تغير بآخره " أو " ربما تلقن " أو " في حفظه شيء " أو " ليس بالمتقن " أو نحو هذا العبارات التي تعلم بققة ضبط الناقل للخبر.
ولم يرد عمر الخبر لأنه من رواية الآحاد كما هو بين.
ثم عارضه عنده سنة، وخبر متواتر يشهد له عموم القرآن، فدل على هذا الذي حكيناه من العمل بترجيح أحد الخبرين على الآخر.
فسبحان الله، وكيف يقال: رد عمر خبر الواحد، مع ما قرعنا به أسماع النافين من روايات القبول عنه له.
وهذه الثلاثة التي ذكرناها هي أقوى ما استدل به أصحاب دعوى ترك الاحتجاج بخبر الواحد قد أبطلناها، وما دونها أوهى منها بكثير، وظاهرة الفساد والبطلان.
وقد ذكر منها أشياء الرازي في " المحصول " وغيره، فمن شاء فلينظرها.
стр. 53
٣ - ثالثها: القياس:
قال الرازي في " المحصول ".
" لو وجب في خبر الواحد أن لا يقبل، لما كان كون خبر الفاسق غير مقبول معلّلاً بكونه فاسقاً، لكنه معلّل به، فلم يجب في خبر الواحد أن لا يقبل، فإذا لم يجب أن لا يقبل، جاز قبوله في الجملة، وهو المقصود " انتهى.
قلت: وهذا الذي ذكره مردود.
وذلك أن الذي لا يجوز أن يرد في الجملة، جاز أن يرد في الانفراد بخلاف هذا الذي زعمه.
فالشاهد الواحد في الزنى مردود الشهادة عند تفرده، ما لم يكن زوجاً ولاعن، وهو بعينه مقبول في الجملة مع ثلاثة مثله.
وكذا القول في كل أنواع الشهادات التي يشترط فيها العدد، وحتى في تلك التي يمكن أن يقوم اليمين فيها مقام الشاهد.
لكن الصواب في هذا أن يقع القياس على إرساله الآحاد إلى الآفاق مبلغين عنه في الجملة، بل ويمكن القياس على الرسالة نفسها له ﷺ ، وللأنبياء من قبله، فإن القبول في الأخذ عن الرسل لا يشترط فيه إلا صدق النبي ﷺ فيما يبلغ عن ربه، سواء ظهر منه ما يؤكد نبوته من إخباره بالمغيبات، وقيامه بالمعجزات أم لا.
ولذلك أسلمت خديجة ﵂، وأبو بكر وعلي رضي الله
стр. 54
عنهما، ولم يكونوا عهدوا من رسول الله ﷺ شيئاً من معجزاته ودلائل نبوته إلا الصدق وصالح السيرة التي عرفوه بها ﷺ ، وكذا سائر من أسلم ممن هو مثلهم. ﵃ أجمعين.
стр. 55
٤ - رابعها: الإجماع:
قال الشوكاني: " واستدلوا من الإجماع بإجماع الصحابة والتابعين على الاستدلال بخبر الواحد، وشاع ذلك وذاع، ولم ينكره أحد، ولو أنكره منكر لنقل إلينا، وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح ".
قال ابن دقيق العيد: ومن تتبع أخبار النبي ﷺ والصحابة والتابعين وجمهور الأمة ما عدا هذه الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعاً ". انتهى.
وقد أجاب الرازي عن هذه الطائفة اليسيرة التي عناها الشوكاني، وهو لا يعني بذلك شرح كلام الشوكاني قطعاً لأنه توفي قبل مولده بسنين فقال: " فأما قول المرتضى: إن النظام وجمعاً من شيوخ المعتزلة والقاشاني والإمامية ينكرون ذلك ويقسمون بالله: " إنهم لا يجدون علماً ولا ظناً ".
قلنا: رواية المذاهب لا تجوز بالتشهي واليمين، والنظام ما أنكر ذلك، بل سلّم - يعني بإجماع الصحابة - إلا أنه قال: " إجماع الصحابة ليس بحجة ". . .
وأما الإمامية فالإخباريون منهم - مع كثرة الشيعة في قديم الزمان - ما كانت إلا منهم فهم لا يعوّلون في أصول الدين فضلاً عن فروعه إلا على الأخبار التي يروونها عن أئمتهم.
стр. 56
وأما الأصوليون، فأبو جعفر الطوسي وافقنا على ذلك، فلم يبق من فيه ينكر العلم هذا إلا المرتضى، مع قليل من أتباعه.
فلا يستجعد اتفاق مثل هذا الجمع على المكابرة في الضروريات.
ومما يحقق ذلك أنه قال: " إنهم يقسمون بالله على أنهم لا يعلمون، بل ولا يظنون ".
ونحن نعلم بالضرورة أن هذه الروايات، وإن تقاصرت على العلم إلا أنها ما تقاصرت عن الظن، فعلمنا أن غرض المرتضى مما ذكر محض المكابرة ". انتهى.
قلت: فقد رأى غير واحد من القائلين بصحة دليل الإجماع في هذه المسألة وقيامه وحصوله أنه حاصل من هذا الباب المتقدم، وهو عدم معرفة مخالف من الصحابة في ذلك، فقرروه بمسألة نفي الضد.
ورأى غير واحد منهم أن المسألة مقررة بما جاء يوم سقيفة بني ساعدة، لما احتج أبو بكر ﵁ على الأنصار بقوله ﵊: " الأئمة من قريش " مع أنه مخصص لعموم قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) " فقبلوه، ولم ينكر عليه أحد، فإن كتب السيرة قد تظاهرت بهذا الخبر.
ولم يقل له أحد: كيف تحتج علينا بخبر لا نقطع بصحته.
فلما لم يقل أحد منهم ذلك، علمنا أن ذلك كان كالأصل المقرر عندهم.
وعلى الجملة فكما قال الشوكاني: " ولم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به،
стр. 57
ومن تتبع عمل الصحابة وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط ".
وإذا وقع في بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد، من ريبة في الصحة أو تهمة في الراوي، أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك ".
وهذا آخر ما أردنا حكايته والحمد لله.
стр. 58
الفصل الرابع: في بيان الشروط التي ذكرها أهل العلم للعمل بخبر الواحد
اعلم رحمك الله، وفتح عليك أنواع المعارف، أن أهل العلم قد ذهبوا مذاهب، وسلكوا مسالك، ووصفوا شرائط للعمل بخبر الواحد.
وهذه الشروط لمن تأملها تنقسم إلى نوعين، نوع يدخل في أصول علم الحديث، وآخر في أصول الفقه.
والحق أن النوع الأول المذكور في مصطلح الحديث، ليس من مباحث أصول الفقه أصلاً، وليس هو من أبوابه.
ولذلك تجد المصنفين في الأصول مضطربين في ذكر هذا النوع الأول، الذي يجعلونه في مباحث شروط الراوي للخبر.
كاشتراطهم فيه:
أ - الإسلام.
ب - والبلوغ.
خ - والعدالة.
د - والصدق.
هـ - والضبط والإتقان.
و- وأن لا يكون فاسقاً.
стр. 59
ز - ولا مبتدعاً.
ح - ولا متساهلاً في الرواية.
ط - ولا مشهوراً بجرح.
ي - ولا مدلساً.
أو كالذي يذكرونه من مباحث:
أ - عدد المزكين له.
ب - وتعارض الجرح والتعديل.
ج - وإتقان العربية.
د - وروايته للخبر الواحد، لا يعرف له غيره.
هـ - وألفاظ التحمل في الرواية.
وغير ذلك من المباحث التي يطرقونها في هذا الباب.
فترى كلاً منهم يقتصر من هذه المباحث على بعض دون بعض، ويشترط من ذلك أشياء دون أخرى، ومنهم من لا يطرق شيئاً من ذلك أصلاً.
ونحن لم نطرق شيئاً من مباحث هذه الأبواب، لأننا رأيناه من غير مبحثنا، ولا قصدنا، ولمعرفتنا بأن الخوض في مثل هذا يوجب استيعاب سائر علم مصطلح الحديث وقواعده ومباحثه، وإلا فلا معنى لبحث بعض فصوله دون الأخرى، ولأننا قد سلمنا أصلاً، وقلنا بالشرط الأول للعمل بالحديث وهو الصحة أو الحسن، وهذا مشتمل على سائر هذه المباحث وغيرها، مما تقتضيه سائر شروط تصحيح الحديث وتحسينه المقررة في أصول الحديث.
وسائر الأصوليين مقلّدون لأئمة الحديث في الحكم على صحة النص، فلا معنى لاشتراط الشرائط المنقوصة عليهم، وما هم ليسوا له بمحققين.
стр. 60
فأهل الأصول وإن اشترطوا الإسلام أو البلوغ أو العدالة أو غير ذلك من الشرائط المتوجبة في الراوي، فإنهم غير قادرين على إثباتها فيه إلا عن طريق أهل الحديث والخبر، فهم مقلدون لهم فيه أولاً وآخراً.
والقول بعدالة الراوي وصدقه إنما مردها لأئمة أهل الحديث أهل الجرح والتعديل، ولا دخل للفقهاء والأصوليين فيه، وقصارى أمرهم أن يجتهدوا في الترجيح بين ألفاظ أهل الجرح والتعديل، ومعرفة مرادهم الذي حكوه في هذه الألفاظ، التي توجب التحري الواسع في تحديد مقاصدهم.
فهذا ابن سيرين يقول في رجل: " هو كما يعلم الله "، ويقول في آخر: " هو كما يشاء الله "، فإذا هو قد جرح الأول وعدّل الثاني.
وهذا البخاري الإمام يقول في الرجل: " فيه نظر " فاختلف الناس في مراده بهذا، وما يزالون مختلفين إلى الساعة، ونحو هذا أشياء.
ومعرفة علل الحديث قام بها أطباء هذا العلم وجهابذته، قد اقتصرت عليهم، بل وغاب الدليل على معرفتها عندنا في غير حديث، بل في جملة وافرة، وما حرر أحد في شيء من قواعدها، ولا يمكن أن يحرر، ومعرفة ذلك كما قال بعض السلف: يحسبها الجاهل كهانة، فإذا رأيت الاثنين والثلاثة والأربعة يعلّون هذا الحديث الواحد بالعلة الواحدة، التي لا تراها، علمت أنهم إنما يعلون بالموجود الواقع.
والحاصل أن مثل هذا في الحكم على الأحاديث يطول ذكره، وهو مسلّم لأهله، فلنبدأ الشروع في النوع الآخر الذي هو من مقاصد هذا الكتاب، وفيه شروط:
стр. 61
١ - الشرط الأول: في عدم عمل الراوي بخلاف ما يرويه:
أ - في بيان قصدهم بالراوي:
والذي عناه الأصوليون بقولهم " الراوي " إنما هو الصحابي راوي الخبر، لا من دونه في السند، فإنه لا عبرة بعمله بخلاف الحديث.
وهذا الحصر لا بد منه، ما دام المسندون للحديث لا ينقطعون إلى قيام الساعة، فالقول بغير هذا يقضي إلى أن كل الأحاديث قد تبطل حجتها إن لم نقل بهذا التقييد.
ب - في القائلين بهذا الشرط:
وهذا الشرط قد قال به الحنفية إلا قليلاً منهم وخالفهم سائر الأصوليين فيه.
ج - في ذكر ما احتجوا به ومناقشتهم، وبيان ضعف دليلهم. واحتجوا فقالوا: لما كان الصحابي راوي الخبر قد شاهد النبي ﷺ ، كان أعرف بمقاصده، وما كان له أن يخالف الذي رواه إلا وهو له ما يعتمد عليه.
والجواب عنه هذا: إن المقتضي للعمل الذي هو الخبر المروي قائم صحيح، والمعارض الموجود من مخالفة الراوي أمر محتمل، لأنه قد يكون تمسك بالمخالفة بما
стр. 62
ظنه دليلاً، مع أنه ليس كذلك، أو كان يكون نسي ما رواه، فلا يصلح هذا أن يكون معارضاً.
فإن قلت: إن الظاهر من دينه أنه لا يخالف إلا لدليل.
قلنا: نعم، إن دينه يمنعه عن الخطأ العمد، لا عن السهو وما ليس بعمد، والمرء يصيب ويخطئ، فلما لم يتبين لنا وجه دليله، لم يكن عندنا من العلم، ونحن مطالبون بما بلغنا من العلم المقطوع بنسبته للشارع، لا بالمظنون، وما قد لا يكون حجة أصلاً.
ومثال هذا الشرط: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب " وله ألفاظ أخرى كثيرة.
وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة موقوفاً، وكذا الطحاوي، أنه كان يغسل من ولوغه ثلاث مرات.
فحمل الحنفية رواية السبع على الاستحباب، والثلاث على الوجوب. وقد تعقب عليهم في هذا الفرع بالذي تعقبناهم به في الأصل، فقال الحافظ ابن حجر في " الفتح ": وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع، ولا التتريب، واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور منها، كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث
стр. 63
غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك - أو فعله - لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضاً فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها، من حيث الإسناد، ومن حيث النظر.
أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير ... " انتهى.
وقد أوردت هذه التتمة الباقية للحافظ في هذه المسألة للإشارة إلى أن الفتوى أو العمل المنقول عن الراوي في مخالفة الخبر، قد يكون له مخالف آخر للفتوى، وموافقة للخبر، في رواية موقوفة عنه أخرى، لم تبلغنا.
وهذا جائز جداً، لأن فتاوى الصحابة لا تتطلب، ولا يحرص على نقلها، كما هو الحال في رواية الخبر المرفوع، فأبطلنا العمل بعمل الصحابي أو فتواه المخالفة لما روى لأجل هذه العلة الثالثة المحتملة.
فإن قلت: قد يكون ﷺ قال وفق فتوى الصاحب أو عمله أيضاً ولم يقع ذلك في النقل عنه ﷺ ، كما هو على ما احتملت في محل الصاحب.
قلنا: هو احتمال مردود، لأن النصوص عن الشارع قد ضمن حفظها وبقاؤها في سائر العصور كما هو مقرر، بخلاف عمل الراوي فإنه ليس كذلك، فوقع الاحتمال في فتوى الراوي، وبطل في الثاني.
فوجود هذه الاحتمالات غير المدفوعة يبطل هذا الاستدلال، لما تقرر عند أهل العلم أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل في الاستدلال. والله أعلم.
стр. 64
٢ - الشرط الثاني: أن لا يكون الحديث مما تعم به البلوى، ويكثر وقوعه:
أ - في بيان مقصدهم:
فمرادهم أن حديث الواحد يجب أن لا يكون موضوعه فيما يتكرر حدوثه، وتعمّ به البلوى، إذ أن ما يكون كذلك فالواجب إتيان الحكم فيه عن طريق التواتر أو الشهرة لا الآحاد، لأن الدواعي متوفرة على نقله، فحيث انفرد به الواحد، دل على شك في صحة ذلك، ومثله لو كان الحادث في الخبر المهم.
كما لو انفرد الواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق، أو طروء حادثة في البلاد منعت من إقامة صلاة الجمعة.
ومثال الذي تعم به البلوى كخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وخبره في رفع اليدين في الركوع ". ونحو هذا.
فإنهم قالوا: لا يعمل بخبر الواحد في مثل هذه الوقائع بهذه الأحكام المروية آحاداً.
ب - في ذكر القائلين بهذا الشرط:
وقد تفرد الحنفية من بين المذاهب بالقول بهذا الشرط
ج - بيان ما احتجوا به، وفساد احتجاجهم:
стр. 65
قالوا: إن ما تعم به البلوى، أو يجب اشتهاره وإشاعته، لا يمكن أن يقتصر به على رواية الآحاد، أو مخاطبته ﷺ للآحاد به، بل يلقيه على عدد متواقر مبالغة في إشاعته ونشره، لكثرة الحاجة إليه، فحيث لم ينقله لنا سوى الواحد دل على كذبه!!
فالوضوء من مس الذكر مما يتكرر في كل وقت، فلو كانت الطهارة تنتقض به، لوجب إشاعته في الرواية.
والجواب عن ما زعموه حجة وليس كذلك من أربعة أوجه:
أ - الأول: عن طريق النص:
وقد قدمنا من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة قبل عند ذكر دليل الاحتجاج بخبر الواحد، ولم يقع التفريق في واحد من هذه النصوص بين ما تعم به البلوى، وبين ما لا تعم، فقامت الحجة بخلاف هذا الشرط، إذ أن المقرر عند علماء الأصول وسائر أهل العلم قاطبة أن التخصيص لا يكون إلا بدليل نص، وهو هنا مفقود، كما هو في مسألة الإطلاق، فإن التقييد لا يكون إلا بما هو مثل حكم الإطلاق.
فالاستدلال بالمعقول في معارضة المنقول باطل، لأن أحسن أحوال المعقول أن يكون معروفاً بالقياس الجلي، والقياس الجلي أو غيره لا يمكن له أن يدفع النصوص أو يخصصها أو يقيدها، لأن القياس باطل في معرض النص، فتبين أن دلالة النص على العموم أقوى من القياس القاضي بالتخصيص.
وهذا القول يفضي للإجابة على شرط آخر قال به بعض الناس وهو أن لا يخالف الخبر القياس، على ما سيأتي بيانه والجواب عنه إن شاء الله تعالى في الشرط التالي.
ب - الثاني: عن طريق الحوادث التي بلغتنا في العمل من الصحابة
стр. 66
بهذه الأخبار دون اعتبار الشرط المذكور. وبعض أهل العلم يجعل الإجماع قائماً بين الصحابة في هذا، فيحتج بالإجماع.
أقول: وحيث أن المخاطب بهذا الرد هم الحنفية، وهم يحتجون بخبر الآحاد من حيث الأصل فإن الواجب عليهم التسليم إن صحت هذه الأخبار، لا إلزاماً بالحكم بالقضية الواردة في خبر الواحد هذا، ولكن ببيان أن الصحابة عملوا بالخبر دون اعتبار هذا الشرط، ثم يكون إلزامهم من بعد بترك الشرط، والعمل بهذه الأخبار.
فمن ذلك حديث رافع بن خديج في المزارعة عند الشيخين وغيرهما.
ففي رواية عند الشيخين: أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله ﷺ وفي إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدراً من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ ، فدخل عليه وأنا معه، فسأله، فقال: كان رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر، وكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم ابن خديج أن النبي ﷺ نهى عنها.
وفي رواية لمسلم: " كنا لا نرى بالخبر بأساً، حتى كان عام أول فزعم رافع أن النبي ﷺ نهى عنه فتركناه من أجله ".
وللحديث ألفاظ كثيرة جداً يطول ذكرها.
فها هو ابن عمر وغيره - كما في اللفظ الآخر - يرجعون لخبر الواحد في الأمر الذي تعم به البلوى، هذا مع كونهم كانوا قبل معرفته على خبر آخر، وهو نقيضه.
стр. 67
فكيف لو لم يكونوا على خبر أصلاً.
ومن ذلك حديث تحويل القبلة الذي قدمناه في دليل الاحتجاج بخبر الواحد.
وكذا حديث توريث الجدة الذي رجع له أبو بكر وعمر، وذلك فيما رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه "، والحاكم، من حديث قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: " جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال: " مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس ".
فسأل الناس.
فقال المغيرة بن شعبة: " حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس ".
فقال أبو بكر: " هل معك غيرك ".
فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة.
فأنفده لها أبو بكر.
قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها ".
стр. 68
والحاصل أن في الباب أمثلة غير قليلة تتطلب من مظانها.
ج - الثالث عن طريق المعقول.
وهو وجهان:
أحدهما: أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك يغلب على الظن صدقه، فوجب التصديق كخبره الذي لا تعم به البلوى.
ثانيهما: أن العمل بالقياس صحيح في المسائل التي تعم بها البلوى، فكان إعمال النص فيها أولى من إعمال القياس، على فرض وقوع مسألة قياسية في مثل هذه المسائل.
وبعض الفقهاء يعبر عن هذا الوجه بقوله: " أنه يغلب على الظن صدق خبر الواحد، فكان الواجب الاتباع كالقياس. لأن المسألة ظنية، فكان الظن فيها حجة ".
стр. 69
د - الرابع عن طريق الإلزام:
فإنه لما كان الحنفية هم القائلون بهذا، كان يلزمهم أن لا يقولوا بحديث مسح الرقبة في الوضوء، ولا بالقهقهة في الصلاة أنها تبطل الوضوء، ولا بوجوب الغسل من غسل الميت، ولا بحديث إفراد الإقامة، وغيرها، وقد جاءت هذه الأحاديث آحاداً، بل وكثير منها ضعيف مع إفراده، كحديث مسح الرقبة، والقهقهة، وغير ذلك.
فلما قال الحنفية بمثل هذه الأحاديث الآحادية الضعيفة الإسناد، لزمهم أن يقبلوا خبر الواحد من غير شرطهم هذا.
стр. 70
٣ - الشرط الثالث: في عدم مخالفة الخبر للقياس:
أ - بيان ذكر القائلين بهذا الشرط، وبيان مقاصدهم في ذلك:
اعلم رحمك الله أن الفقهاء يعنون بالمخالفة تفصيلات وأموراً:
الأول: أن يكون كل من الخبرين معارضاً للآخر معارضة تامة من كل وجه، كأن يكون أحدهما مثبتاً لحكم والآخر نافياً، أو كان يكون الخبر محللاً، والقياس محرماً، أو العكس.
فذهب الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وجمهور العلماء إلى تقديم النص على القياس، وهو مذهب أبي حنيفة على كل حال وكذا من تقدم.
وذهب بعض المالكية إلى تقديم القياس.
وقال عيسى بن أبان الحنفي: إذا كان الراوي ضابطاً عالماً غير متساهل فيما يرويه، قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع اجتهاد.
وكذا فرق بعض الحنفية بين الحديث الذي رواه الفقيه، وبين الذي لا يرويه الفقيه.
стр. 71
الثاني: في علة القياس:
فقال أبو الحسين البصري: علّة القياس الجامعة إما أن تكون منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة، فالنص عليها - يعني أنه يقدم القياس - لأنه إما أن يكون مقطوعاً به أو غير مقطوع.
فإن كان مقطوعاً به، وتعذر الجمع بينهما، وجب العمل بالعلة، لأن النص على العلة، كالنص على حكمها، وهو مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فكانت مقدّمة.
وأما إن لم يكن النص على العلة مقطوعاً به، ولا حكمها في الأصل مقطوعاً به، فيجب الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن، أو اختصاص خبر الواحد بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلّة، فإنه يدل على الحكم بواسطة العلة.
وأما إن كان حكمهما ثابتاً قطعاً فذلك موضع الاجتهاد.
وأما إن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل إما أن يكون ثابتاً بخبر الواحد أو بدليل مقطوع به، فإن كان ثابتاً بخبر واحد، فالأخذ بالخبر الأولى، وإن كان ثابتاً قطعاً فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس " انتهى.
فمعنى قوله أنه يجتهد في هذا الأخير.
وتوقف القاضي أبو بكر الباقلاني.
وقال أبو الحسين الصيمري: لا خلاف في العلة المنصوص عليها وإنما الخلاف في المستنبطة.
стр. 72
قلت: كذا قال، وهو مردود بما قدمنا.
الثالث: أن يكون أحد الخبرين مخصصاً للآخر. واختلافهم في هذا يشبه اختلافهم في الأول.
الرابع: في القياس الظني والقياس القطعي.
وهو يشبه الثاني، لكن لما كان بعضهم يطلق هذه التسمية دون الأخرى أفردناها هنا. فيمكن مراجعة أقوالهم هناك.
ويزاد هنا قول أبي بكر الأبهري الذي قال: إن كانت المقدمات قطعية قدم القياس، وإن كانت ظنية قدم الخبر.
ب - بيان فساد الشرط المذكور.
وهو مردود بوجهين نقلي وعقلي:
أما الوجه النقلي:
فإن فيه أحاديثاً كثيرة جدا قد تقدم منها بعضها، كما في تصريح عمر برد الرأي وتركه عند وجود النص، وكذا غيره ممن قدمنا ذكرهم.
وهذا إنما أخذه عمر وغيره من قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ .
فأما في كتاب الله تعالى ففيه قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).
وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ).
стр. 73
وقوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ).
وقوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ).
وهذا الأمر في نحو من بضعة وثلاثين قولاً في كتاب الله تعالى.
وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).
ففي هذه الآيات وغيرها كثير، تقديم النظر في أمر الله ورسوله من النصوص، ولا يجوز النظر للمسألة بالرأي والقياس، في مسألة جاء الحديث نصاً فيها.
ولذلك أجمع الفقهاء على بطلان القياس في معرض النص، فلم يعد للاستثناء لهذا الآحاد من جملة هذه الأحاديث معنى، ولا دليل، ما دامت قد ثبتت لها الصحة.
إنما القياس كما قال بعض السلف كالميتة، لا يعمل به إلا عند الاضطرار.
ولذلك مدح الله تعالى مطيعي الرسول، وذم مخالفيه وتوعدهم فقال جل ذكره: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . .).
وقال: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥).
стр. 74
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. . .).
وأي خيانة أعظم من مخالفة أمره الثابت الصريح عنه. الذي بلغ به عن ربه عظم عزه.
وقد قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
والعمل على غير حكمه باطل، كما قال تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣).
والآيات في هذا المعنى من الكتاب كثيرة جداً.
وأما ما جاء من هذا في كلام النبي ﷺ فأشهره حديث معاذ قال: يا رسول الله، بم أقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم أجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم أجد؟ قال: استدق الدنيا، وتعظم في عينيك ما عند الله، واجتهد رأيك فيسددك الله للحق ".
وله ألفاظ أخرى بنحو هذا.
стр. 75
وقد تنازع الناس في صحة هذا الخبر.
والذي قدمناه يستغني به عن هذا الخبر، وعن مؤونه الجزم بصحته.
следующие страницы →