أحتاج إلى قلبٍ حيٍّ كأجمل ما تكونُ القلوب .. رقيقٍ ليِّنٍ صافٍ .. تَنبِضُ فيه كلُّ نابضةٍ بالإِشراق والتفتُّح لاستقبالِ النور الذي يُشرِق في الضمائر مع النور الذي يُشرق في النواظر.
أحتاجُ إلى كلِّ جمالٍ في الوجود يَهمِسُ لقلمي .. وقفةٌ لقلمي في الجَمَال والنور .. جمالِ كل هامس وكلِّ جاهر .. وكلِّ مُسْتَخْفٍ وكلِّ سارب .. وكلِّ نورٍ باهر يواجهُ العيون والمشاعر .. ائتوا لي بكلام من نورٍ عليه رَوْنقُ الماء، كأنما اشتَعَلت به الغيوم، كلامٍ يتلألأ بالنور، فكأنما عُصِر من النجوم.
ائتوا لي بجمالِ الجنة الباهر .. بظلِّها الممدود .. ومائِها المسكوب، بنورها، وسَجْسَجُها كلُّ تسنيمٍ وسلسبيلٍ ورحيقٍ مختوم، وأنهارِ خمرِها وعَسَلِها ولبنها ومائها ليطهرَ فيه قلمي بنور الخلد أولاً قبلَ أن يتكلم عن سيِّد الرسل ﷺ .
ائتوا لي بكلِّ جمالٍ في الكون: بنسائم الأسحار، وزَجَل المُسبِّحين آناءَ الليل وأطرافَ النهار .. وطُهرِ المستغفرين الأبرار قائِمِي الليل وصائِمِي النهار المستغفرين بالأسحار.
ائتوا بجمالِ الخِضَمِّ ومَوجِه الزَّاخر، والعيونِ الفَوَّارة، والنَّبع الرَّوِيِّ، والنّبتةِ النامية، والبُرْعم الناعم، والزهرةِ المتفتحة، وابتسامةِ الفجر الوليد، بجمال كلِّ طير سابحٍ في الفضاء، وسَمَكٍ يُسبِّحُ ويَسْبَحُ في الماء، حتى يرتعشَ القلمُ رِقةً ويستحمَّ في النور ليكتبَ عن رسول الله ﷺ .
حين أريدُ الشرف كلَّ الشرف والعِزَّ كلَّ العِز بالكتابة عن رسول الله ﷺ ، أحتاجُ إلى خَطَراتٍ رفَّافةٍ شفَّافة، وأعماقٍ طاهرةٍ كلَّ الطهر،
стр. 8
تستجيشُ فيها وفي أغوارها كلُّ مشاعرِ الطهْر اللامتناهية.
أحتاجُ إلى كلِّ رُوحٍ مأنوسةٍ شفيقةٍ، أحتاجُ إلى إِيناسٍ وَدُودٍ نَدِيٍّ، وأنفاسِ مناجاةٍ دامعة .. فيها كلُّ ذبُولِ العبادة الوضيء .. وجمالِها الحبيب الهامِسِ اللطيفِ .. جمالٌ لا يدانيه جمالُ التصورات الشاعرية الطليقة.
يَحتاج قلمي لمدادٍ نيِّرٍ طاهرٍ ذاب فيه طِيبُ كلِّ طيب في الجنة قبل الدنيا .. كلُّ مِسكٍ أذفر، وكلُّ طيوب العنبر .. مِدادٌ يعلوه كلُّ بريقِ الماس واللآليء وأصفى الدُّرِّ والجواهر، عزًّا بشرفِ الكلام عن سيِّد الأوَّلين والآخرين ﷺ .
مِدادٌ ذابت فيه آهاتُ المشتاقين إلى لقاء الله ورسوله ﷺ .. وكل طُهْر وأُنسٍ وطمأنينةٍ ويقينٍ في الكون .. وكل رُوحِ فجرٍ وضيئة.
يحتاج قلمي إلى نسيمِ مِسكٍ يَهُبُّ فوق شجرة طوبى ليهتزَّ القلمُ بكل طهر وطِيبٍ وظلٍّ حتى يكتبَ ألفاظًا وعباراتٍ تليقُ بمَقام النبوة .. وتتأدَّبُ مع جلالها ..
حروفُ معانٍ أو عقودُ جواهرٍ … تُحَاكِي مصابيحَ النجوم الزواهرِ
وإبريزُ تبريزٍ من النَّظم فُتِّحَتْ … قوافيه زهْرًا في رياضِ الدَّفَاتِرِ
يروحُ بأرواحِ المحامد حُسنُها … فيَرْقَى بها في سَاميات المفاخِرِ
إذا ما هداها الفكرُ أَهدتْ لَذِي النهي … شمائلَ أَشهى من طُيَوب المَعاصِرِ
تشعشع من نورِ المعَاني عنايَةً … بها تُضرَبُ الأمثالُ بين المَعاشِرِ
وتَنظِمُ من نَثْرِ المثاني قلائدًا … تُزَخْرِف جيْدَ الجُودِ من كُل فاخِرِ
وتَنشُرُ مِن طَيِّ المُرُوعة للفتَى … مكارمَ أخَلاقٍ وحُسْنَ سَرَائِرِ
إذا سَتَروها بالحِجاب تبرَّجتْ … محاسنُ تبدو من وراءِ الستائِرِ
стр. 9
وإِنْ فُضَّ الأكون مِسْكُ ختامها … تَعَطَّر منها كل نَجْدٍ وغائِرِ
تَخَيرْتُها للهاشميِّ مُحمَّدٍ … حَميدِ المساعِي خير بادٍ وحاضِرِ
هدانا الصراطَ المستقيمَ بهَدْيهَ … وأورَى بنورِ الحقِّ نورَ البصائِرِ
أحتاج إلى نجاءٍ أليفٍ للقلب، وهَمْسٍ لطيفٍ للروح، ولَمْسٍ مُوحٍ للضمير .. ليكونَ اللفظُ في رقَّته كنسيم السَّحَر والفجر والجِنان .. ليكونَ أنداءَ مشعشعةً بالعطر، وخَطَراتٍ رفَّافةً شفافةً ذَوبَّها الشوقُ والحنين لرسول ربِّ العالمين ﷺ .
أولى أن نخطَّ هذه الأسطرَ والصفحات بنبضِ قلوبنا ولهيبِ أرواحنا، وواكفِ دموعنا، وكل أدبِ العابدين الخاشعين الأوَّابين القانتين لتسدَّ عَجْزي وضَعفي وتجبُرَ كَسرِي.
وتملؤني هيبةٌ لجلالِ النبوَّة أن أكتبَ أعمقَ وأجملَ اللمساتِ عن سيّد السادات ﷺ ..
مكانُك مِن قلبي وعيني كلاهما … مكانُ السُوَيدَا من فؤادي وأقربُ
وذِكْرُك في نفسي وإنْ شفَّها الظَّما … ألذُّ من الماء الزلالِ وأعذبُ
إي واللهِ ..
دماءٌ مزجناها بحبِّ محمدٍ … وأكبادُنا من شوقها تتوقدُ
فاللهم ارزقنا الشوقَ إلى لقياه، وشرفَ محبته والذبِّ عنه، وعن سُنَّتِه في الدنيا، وشرفَ جِواره والقربِ منه والشُّرب من حَوضه في الآخرة.
لا نؤمنُ حتى يكونَ رسولُنا ﷺ أحبَّ إلينا من أنفُسِنا وأهلينا وأموالنا والدنيا وما عليها.
стр. 10
• قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده" (١).
• وقال ﷺ : "لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده، ووالده والناسِ أجمعين" (٢).
• وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيءٍ إلاَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ : "لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحب إليك من نفسك". فقال له عمرُ: فإنه الآنَ، واللهِ لأنت أحب إليَّ من نفسي. فقال له النبي ﷺ : "الآن يا عمر" (٣).
واللهُ يعلمُ منَّا أنا نشتري رؤيتَه بأهلنا وأموالنا .. فاللهم ارزقنا شَرَفَ محبَّته.
• عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أشدُّ أمتي لي حُبًّا قوم يكونونَ بعدي، يودُّ أحدُهم أنه فَقَد أهلَهُ ومَالَه وأنه رآني" (٤).
• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أُناسًا من أمتي يأتُون بعدي، يَوَدُّ أحدُهم لو اشترى رؤيتي بأهلِهِ ومَالِه" (٥).
стр. 11
* صغائرُ الحياة قد أحاطت بمجد الحياة، لِتُثبِتَ الصغائرُ أنها صغائر، وليُثبتَ المجدُ أنه المجد:
حين يتبجَّح الأقزام الأشقياء المناكيد من الصليبيِّين صغائرِ الحياة الدانماركيِّين ويُدنِّسون ويسَوِّدون وجهَ صُحُفِهم التعيسة برسوم الكاريكتير التي تسيء وتستهزيُّ بالرسول ﷺ سيِّدِ البشر ..
شُلَّت أياديهمُ قَبُحت وجوهُهمُ … تعسًا لكفرهم .. قومٌ مناكيدُ
يجحدون نبُوَّته، ويكفرون بنوره ورسالته، وقد قال ﷺ : "إنه ليس شيء بين السماء الأرض إلاَّ يعلمُ أني رسول الله؛ إلاَّ عاصيَ الجِنِّ والإنس" (١).
هم أقزامٌ تعيشُ أنفسهم في التراب، ويتمرَّغون بأخلاقهم فيه، ينقلبون على الحياة من صُنْع التراب ناسًا دودًا كطبع الدود، لا يقع في شيءٍ إلاَّ أفسده أو قذَّره، أوْ قومًا سُوسًا كطبع السُّوس لا ينالُ شيئًا إلاَّ نَخَره وعابه، أوْ قومًا كالحيَّاتِ والأفاعي تَنفُث سُمَّها في أرجاء الحياة، أو خنافسَ إذا دُفِنت في الورْد لم تتحرك، فإذا أُعيدت إلى الرَّوَث رَتَعتْ .. أشدَّ بلادةً من البقر والحمير حين جحدوا نُبُوَّةَ الأمينِ الكريم سيدِ البشر ﷺ ، يلقِي أعداؤه -أعداءُ الحياة أعداءُ النور- على هذا التراب من ظلام أنفسهم، فلا يبقى تُرابًا، بل يرجع ظلامًا، فكأنهم إذ يمشون يطؤون المجهول بخوفه ورَوْعَتِهِ، ثم لا يستقرُّ ظلامًا، بل يرجعُ آلامًا، فكأنهم يَنبتون على المرض لا على الحياة، ثم لا يثبت آلامًا، بل يتحوَّلُ فَوْرةً وتوثُّبًا تكونُ منه نزواتُ الحمق والجنونِ في النفس.
стр. 12
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا تصل إليها حقيقةٌ من الهدى ولا صدى، ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فلا نورَ يُوصوِصُ لها ولا هدى .. نفوسٌ صَلْدة مظلمة جامدة.
هم الظلام كلُّ الظلام .. هم أصحابُ الظلمات، فكيف يُدرِكون نورَ سيِّد السادات ﷺ ؟!! هم المنغمسون في الكفر والشِّرك والجهل، أحاطت بهمُ الظلمات من كلِّ وجه، فهم بمنزلة الأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً، فهم في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوَّكون، وفي رَيبهم يتردَّدون، مغترين بظاهر السَّراب، مُمحِلين مُجدِبين مما بعث اللهُ به رسولَه ﷺ من الحكمة وفَصْل الخِطاب، إنْ عندهم إلاَّ نُخالةُ الأفكار وزُبالاتُ الأذهان التي قد رَضُوا بها واطمأنوا إليها، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، أوجبه لهم اتِّباعُ الهوى ونخوةُ الشيطان، وهم لأجله يُجادلون في آيات الله بغير سلطان.
أهلُ الظلمات المناوؤون لمحمد ﷺ وشانؤوه من المغضوب عليهم والضالين من اليهود النصارى، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، قولُهم ظُلْمة، وعَمَلُهم ظُلمة، ومُدخلُهم ظلمة، ومُخرَجُهم ظلمة، ومَصيرهم إلى الظُّلْمة، قلوبهم مُظلمة، وجوهُهم مُظلمة، كلامهم مُظْلِم، وحالُهم مُظلم، وإذا قابَلَتْ بصيرتُهم الخُفَّاشيةُ ما بعث اللهُ به محمدًا ﷺ من النور جَدَّ في الهرب منه، وكاد نورُه يَخطِفُ بصره، هَرَب إلى ظلماتِ الشِّرك والجُحود والعِنادِ والاستهزاء التي هي به أنسبُ وأولى، كما قيل:
خفافيشُ أعشاها النهارُ بضَوئه … ووافَقَها قِطعٌ من الليل مُظلِمُ
стр. 13
فإذا جاء زُبالةَ الأفكار، ونُحاتةَ الأذهان، جال وصال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع، فإذا طَلَع نورُ الوحي وشمسُ الرسالة، انحَجَر في حُجرةِ الحشرات.
هؤلاء الذين تنكَّبوا صراطَ الله المستقيم، واستبدلوه بطريقٍ بهيم لا معالم فيه، واندفعوا بظُلمةِ شهواتِهم وشُبهاتهم، وغيِّهم وضلالاتهم في التِّيه، وظلمةِ الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى، والوحشةِ من الجَنَاب الآمن المأنوس، وظلمةِ اضطراب القِيمَ وتخلخُلِ الأحكام والموازين والقيم، وظلمةِ الهواجس والوساوس .. لهم ومعهم وفيهم كلُّ نزغاتِ الشياطين ..
وكيف يُدرك في الدنيا حقيقتَه … قومٌ ظلامٌ تسَلَّوْا عنه بالظُّلَمُ
حوَّلوا الحياة هم وتلاميذُهم وأذنابُهم إلى مستنقعٍ آسن، وارتكس الدجاجلةُ شانِؤو محمد ﷺ ومعهم الغوغاء في الحمأة الوبيئة، وفي الدَّرْكِ الهابط، وفي الظلام البهيم، وأفسدوا الأرض، وأَسِنت الحياةُ بسببهم، وظَهَر الفسادُ في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي الناس، وشكى ضوءُ النهار وظلمةُ الليل والمعقِّباتُ إلى ربِّهم، وكادت السماواتُ يتفطَّرْنَ مِن فوقهم، وتنفطرُ الأرضُ، وتَخِرُّ الجبال هدًّا لتطاولِ اللئام الأقزام على رسول الله ﷺ وعلى وحيه وعلى شريعته، وعلى تبجُّحهم، ومَلأ القولُ الفاجرُ كلَّ حاضرٍ وبادِي، وعلا فحيحُ الأفاعي ..
يُرمرِمُ من فُتاتِ الغرب قُوتًا … ويَشربُ من كؤوسهم الثُّمالةْ
يُقَبِّل راحةَ الإفرنج دَوْمًا … ويَلثِمُ دونما خَجلٍ نِعَالهْ
* * *
стр. 14
* جَحَدُوه، وحَنَّ الجِذعُ إِليه، وسَلمَ الصَّخْرُ عليه، وسجدت الحيواناتُ بين يديهِ:
جَحدوا نُبُوتَه، وكانت الأحجارُ تُسلِّمُ عليه، والجِذعُ يبكي لفِراقه ويحن إليه، وسَجَدت الحيواناتُ بين يديه تعظيمًا له:
• عن جابر بن سَمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعْرِف حجَرًا بمكَّةَ، كان يُسَلِّمُ علي قبل أن أبعث" (١).
° وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان المسجدُ مسقوفًا على جُذوع من نخْل، فكان النبي ﷺ إذا خَطَب يقومُ إلى جِذْع منها، فلما صُنع له المنبرُ فكان عليه، فسَمِعْنا لذلك الجِذع صوتًا كصوت العِشار، حتى جاء النبيُّ ﷺ فوضع يده عليه فسكت" (٢).
• وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جِذع قبل أن يَتَّخذَ المنبرَ، فلما اتَّخَذ المنبر وتحوَّل إليه، حَنَّ الجذعُ، فاحتَضَنه فسكن، وقال: "لو لم أحتضِنْه لَحَنَّ إلى يوم القيامة" (٣).
° وعن عائشة ﵂ قالت: "كان لآل رسول الله ﷺ وَحْشٌ، فكان إذا خَرَج رسولُ الله ﷺ اشتدَّ ولَعِب في البيت، فإذا دخل رسولُ الله ﷺ سَكَن فلم يتحرك كراهيةَ أن يُؤذيَه" (٤).
стр. 15
• وعن أنس ﵁ قال: "كان أهلُ بيتٍ من الأنصار لهم جَمَلٌ يَسْنُون عليه (١)، وإن الجَمَلَ استصعب عليهم فمنعهم ظَهْرَه، وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه كان لنا جَمَلٌ نُسنِي عليه، وإنه استصعب علينا، ومَنَعَنا ظَهْرَه، وقد عَطِش الزرعُ والنخل، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا". فقاموا، فدخل الحائطَ -والجَمَلُ في نَاحية-، فمشى النبي ﷺ نحوه. فقالت الأنصار: يا نبيَّ الله، إنه قد صار مِثلَ الكلب الكَلِبِ، وإنا نخافُ عليك صَوْلَتَه! فقال: "ليس عليَّ منه بأسٌ"، فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خَرَّ ساجدًا بين يديه، فأخذ رسولُ رسول الله ﷺ بناصيته أذلَّ ما كانت قط حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه البهيمةُ لا تعقلُ تسجد لك، ونحن نعقل، فنحن أحقُّ أن نسجدَ لك، فقال: "لا يصلحُ لبشرٍ أن يسجد لبشر، ولو صَلَح لبشر أن يسجدَ لبشر لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها من عِظَم حقِّه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من قَدَمه إلى مَفْرِقِ رأسِه قَرحةٌ تنبجِسُ بالقيح والصديد، ثم استقبلته فلحَسَتْه ما أدَّتْ حقَّه" (٢).
° وعن سَفِينةَ ﵁ مولى النبي ﷺ قال: "ركبتُ البحرَ، فانكسرت السَّفينة، فركبتُ لَوْحًا، فطرحني اللَّوْحُ في أَجَمَةٍ فيها الأسدُ، فأقبل إليَّ يريدُني، فقلتُ: يا أبا الحارث (٣)، أنا مَوْلى رسول الله ﷺ ، فطأطأ رأسه
стр. 16
وأقبل إلي، فدفعني بمَنكِبه حتى أخرَجَني من الأجَمَة، ووضعني على الطريق وهَمْهَم، فظننت أنه يُوَدِّعني" (١).
* وأعجبُ من هذا استباقُ النوق للموت بين يديه، وكأنَّ الموت بين يديْه حياة:
• عن عبد الله بن قُرْط ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أعظمُ الأيام عند الله يومُ النحْر، ثم يومُ النَّفْر"، وقُرِّب إلى رسول الله ﷺ خَمس بَدَناتٍ، فطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه (٢) أَيَّتهُنَّ يبدأ بها، فلما وَجَبَت جنوبُها، قال كلمة خفيفة لم أفهمها، فسألت بعضَ مَن يَلِيني: ما قال؟ .. قالوا: قال: "مَن شاء اقتطع" (٣).
ما بال النوق يسْرِعْن للموت بين يديه .. وكأنَّ الموتَ بين يديه حياة!! ما بالُها وَعَت مَا لم يَعِه غِلاظُ الأكباد مَن البشر!! وما بالها سارعت فيما يرضيه، وقصَّر في محبته مَن شَرَّفهم اللهُ بالانتساب إليه بعد أن كانوا على هامشِ الحياة لا شأنَ لهم في الأرض ولا ذِكر لهم في السماء!!.
* حتى الكلاب تَغضب لرسول الله ﷺ :
إن كانت الكلابُ تغضب لمن ينتقص شخصَ الرسول الكريم .. فماذا يفعل المليارُ وربعُ مليار ممَّن أنقذهم الله به من الظلمات، وأخرَجَهم إلى النور على يديْه؟! .. وماذا سنقول لنبينا ﷺ حينما نلقاه على الحوض؟! ..
стр. 17
لنُعِدَّ للسؤال جوابًا من الآن .. انظر إلى هذا الخبرِ وتدبَّرْه .. تجد العجبَ العُجاب، يَرويه حافظ الدنيا ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة": "كان النصارى ينشُرون دعاتَهم بين قبائل المغول طَمَعًا في تنصيرهم، وقد مَهَّد لهم الطاغية "هولاكو" سبيلَ الدعوة بسببِ زوجته الصليبية "ظفرخاتون"، وذات مرة توجَّه جماعةٌ من كبار النصارى لحضور حفلٍ مغوليٍّ كبير عُقِد بسبب تنصُّر أحدِ أمراءِ المغول، فأخذ واحدٌ من دُعاة النصارى في شتم النبي ﷺ ، وكان هناك كلبُ صيدٍ مربوط، فلما بدأ هذا الصليبيُّ الحاقد في سبِّ النبي ﷺ زمجر الكلبُ وهاج، ثم وثب على الصليبي وخَمَشه بشدةٍ، فخلَّصوه منه بعد جَهْدٍ.
فقال بعض الحاضرين: هذا بكلامك في حقِّ محمد ﷺ .
فقال الصليبيُّ: كلاَّ، بل هذا الكلبُ عزيزُ النفس رآني أُشير بيدي، فظنَّ أني أُريدُ ضربه، ثم عاد لسَبِّ النبيّ ﷺ وأقذع في السبِّ، عندها قطع الكلبُ رِباطَه ووثب على عُنق الصليبيِّ وقَلَع زَوره في الحال، فمات الصليبي من فوره، فعندها أسلم نحوُ أربعين ألفًا من المغول" (١).
والتطاولُ على أزكى الرسل وسيِّدهم ﷺ فاق كلَّ حدٍّ من المغضوب عليهم والضالين: اليهود والنصارى، ومن عُبَّاد البقر، والزنادقةِ، والملاحدة، وأهل النفاق .. والتطاولُ على سُنَّتِهِ وإنكارُ المتواتر منها وما صحَّحه جهابذةُ الحديث وشيوخُ الحُفاظ: أصبح تجارةً رائجةً بين الدهماء والغوغاء وأهل الخبث ممن يعرفهم أهلُ الله مِن لَحْن قولهم.
стр. 18
° وقديمًا قال ناصرُ السُّنة الإمام الشافعي -لله درُّه-: "مَن استُغضِب ولم يَغْضَب فهو حمار" (١).
وهذي غضبتي -على قَدْري الضئيل- على صفحاتِ الكتب .. في هذه السلسلة التي أسأل الله أن يجعَلها جُنَّةً لي ورِدءً من النار .. ورِفعةً وقربةً وجوارًا لسيِّد الأبرار ﷺ ، وطُهْرةً من الذنوب والآثامِ والأوزار .. فاللهم سدِّد قلمي وزِّكه، واجعل له القبولَ بين الصالحين، ونَقِّه عن أعراض الدنيا، واجعله شجًى في حلوقِ المارقين والمنافقين .. واجعله وَقْفًا على نشر السُّنة والدفاع عنها، ونشرِ محاسن هذا الدين العظيم، ونهيًا عن المنكر، ووفِّر لي الأجرَ يوم لقياك.
• قال ﷺ : "إنَّ من أمتي قومًا يُعطَوْن مثل أُجُور أوَّلِهم، يُنكِرون المُنكَر" (٢).
* أرفع عملٍ ووسامٍ أن ننافح (٣) عن رسولنا ﷺ :
• للهِ درُّ من ينافحُ عن رسولِ الله ﷺ ، ويكونُ من أنصارِ الله ورسوله، هذا موضعٌ كريم يرفعُنا إليه الله، وهل أرفعُ من مكانٍ يكونُ فيه العبدُ نصيرًا للرب وللرسول ﷺ ؟! إن هذه الصفةَ تحملُ من التكريم ما هو أكبرُ من الجنة والنعيم .. فما أجدرَ أتباعَ محمد ﷺ أن ينتدِبوا لهذا الأمرِ الدائم!.
• وطوبى لمن يُنافحُ عن رسول الله ﷺ .. فله نصيبٌ من قول
стр. 19
رسول الله ﷺ لحسان: "إن رُوحَ القُدُسِ (١) لا يزال يؤيِّدك، ما نافحتَ عن الله ورسوله" (٢).
• وقوله ﷺ : "إن اللهَ يؤيِّدُ حسَّانَ برُوح القدس ما نافَحَ عن رسول الله" (٣).
• وقوله ﷺ : "إن رُوحَ القدس معك ما هاجَيْتَهم (٤) " (٥).
• وقوله ﷺ : "اهْجُ المشركين، فإن رُوحَ القُدسِ معك" .. قاله لحسان (٦).
• وقوله ﷺ : "اهْجُ قريشًا، فإنه أشدُّ عليهم من رَشْقِ النَّبْل (٧) " (٨).
• وقوله ﷺ : "يا حسانُ، أجِبْ عن رسول الله، اللهم أيِّدْه بُروحِ القدس" (٩).
• وقوله ﷺ : "هَجَاهم حسانُ فشَفَى واشتفى (١٠) " (١١).
стр. 20
° ولله درُّ حسان ﵁ وهو يقول لأبي سفيان بنِ الحارثِ بنِ عبد المطلب لما هجى رسول الله ﷺ -وذلك قبل إسلامه-:
هَجَوْتَ محمدًا فأجَبْتُ عنه … وعِندَ اللهِ في ذَاكَ الجزاءُ
هَجَوْتَ محمدًا بَرًّا تقيًّا … رسولَ اللهِ شيمتُه الوفاءُ (١)
أتَهْجُوهُ وَلستَ له بكُفْءٍ … فشرُّكما لِخَيْركُما الفِدَاءُ
فإنَّ أبي ووالدَهُ وعِرْضي … لِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقَاءُ (٢)
نعم .. إن أعراضنا ودماءَنا وأنفُسَنا وأهلينا فداءٌ لرسول الله ﷺ ..
عِرضي فدا عرضِ الحبيبِ محمدٍ … وفِداهُ مُهجةُ خافقي وجَناني
وفداهُ كُلُّ صغيرِنا وكبيرِنا … وفداهُ ما نظرت له العينانِ
ننافحُ عنه وذاك عزُّ الدهر .. ونمدحه وهذا علوٌّ وسموّ .. ونقول:
عذرًا رسول الله ﷺ .. ننافح عن سيِّد السادات، وذاك بَهاءُ وعز الدهر .. ونمدحه وذاك علوٌّ وسموٌّ، وتَقصر كلماتُنا مهما أوتينا من لَسَنٍ وفصاحة أن نوفِّيه عُشْرَ معشار قَدْره ﷺ ..
بمديحِهِ العَطِرِ المَنيفِ تَعَطَّرَتْ … وتطهَّرَتْ وتنوَّرْتَ أوْزَانِي
يُعطِي القَرِيضَ غَضاضةً ونضارةً … وفَصاحةً تُرْبِي على سُحْبَانِ (٣)
стр. 21
° أو كما قال الصرصري لله درُّه:
إذا قيل فيك الشِّعْرُ جاء مُهَذَّبًا … جَليَّ المعاني ليس فيه عَويصُ
ووَصْفُك يُعْطِي اللهْم نُورًا كأنَّهُ … على الدُّرِّ في البحر الخِضمِّ يَغُوصُ (١)
* وأخيرًا:
هذه سلسلةُ: "شَرَابُ التسنيم مع النبيِّ الكريم ﷺ "، تأتي في مجلدات على النسق التالي:
* الكتاب الأول: "وامحمداه .. وارسولاه .. إن شائنك هو الأبتر"، أَتتَبَّعُ فيه كلَّ شانِئي النبي الكريم ﷺ على مَدَار التاريخ ممَّن وَعَتْهم ذاكرتي بدايةً من فرعون هذه الأمة .. مرورًا بزعماء الكفر من قريش أهل قَليبِ بدر، وشانئيه من يهود، وعلى رأسهم شيطانُ اليهود كعبُ بن الأشرف، ومَن أساؤوا الأدب معه ككسرى -لعنه الله-، أو الذين ادَّعَوا النبوَّة كمسيلِمة والعَنسِي، ومن ادَّعوا النبوةَ بعد ذلك من الطوائف المارقة الخارجة عن الإسلام.
وأذكر شانئيه في عصرنا الحديث "البابية، والبهائية، والقاديانية"، وأُعرِّجُ على أقوالِ الصليبيين من المستشرقين، والمفكرين قديمًا وحديثًا .. وأذكر مقال بعضِ مفكِّري الغرب الذين شهدوا للنبي ﷺ بالبطولة والعبقرية والأثر العظيم في قومه، وإن لم يُثبتوا له النبوة .. ولكنهم أحسَنُ حالاً من الموتورين المسعورين الكلاب من بني جلدتهم.
وأُعرِّجُ على نواقضِ الإيمان برسول الله ﷺ ، وأُجَلِّي ذلك للمسلمين،
стр. 22
وأزيل بذلك -بحول الله وقوته وله المِنَّةُ والفضل- كثيرًا من الغِشاوة عن أعين السُّذَّج .. بعد أن نَجَمَ النِّفاقُ واستفحل أمره.
* الكتاب الثاني: الكوكبُ الدُّرِّي في خصائص النبي ﷺ .
* الكتاب الثالث: شراب التسنيم من أخلاق النبي الكريم ﷺ .
* الكتاب الرابع: أُنس المقرَّبين من شمائل النبي الكريم ﷺ .
* الكتاب الخامس: لآليءُ البحار في دلائل نبوة سيِّد الأبرار ﷺ .. ومعه "الكواكب النيرات في صحيح المعجزات".
* الكتاب السادس: الأقوالُ العاطرات في حقوق النبي سيِّد السادات ﷺ .. ومعه "رد أهل الاتباع الزكي على الغلاة في شأن النبي ﷺ ".
* الكتاب السابع: المدائحُ النديَّة لسيد البشرية ﷺ .
ونُفرد بعد ذلك ثلاثة مجلدات في سيرة رسول الله ﷺ وهو "الطيبُ النَّدِيّ في سيرة النبي ﷺ ".
ومِن التَّيَمُنِ: أن الأخَ الذي قام بصفِّ الكتاب سَمع في الرؤية رسولَ الله ﷺ يَسألُ في المَنام رجلاً عن الكِتاب، ويَطمئنُّ عمَّا تمَّ فيه .. ولله الحمد والمِنة.
فاللهم ثقِّل ميزاني، وأصلح نيَّتي وسريرتي، وارزقني شهادةً في سبيلك، وموتًا في بلد رسولك، وارزقني جِوار النبي الكريم ﷺ في أعلى الفردوس، ومتِّعني بالنظر إلى وجهك الكريم ..
وكتبه محبُّ رسول الله ﷺ السيد بن حُسين العفاني
الإثنين ٢٧ صفر ١٤٢٧ هـ - ٢٧ مارس ٢٠٠٦ م
стр. 23
بِأَبِي أَنتَ وأُمِّي يَا رَسُول الله
стр. 24
بِأَبِي أَنتَ وأُمِّي يَا رَسُول الله
* السِّراجُ المنير والإِنسانُ النَّجْمِيُّ ﷺ -:
كما تَطلُعُ الشمسُ بأنوارها فتُفَجِّرُ يُنبوعَ الضوء -المُسَمَّى بالنهار-، يُولَدُ محمدٌ رسول الله ﷺ فيُوجَدُ في الإنسانية يُنبوعُ النور -وهو الإسلام-.
وليس النهارُ إلاَّ يَقَظةَ الحياةِ تُحقِّقُ أعمالَها، وليس ما جاء به محمدٌ رسولُ الله ﷺ إلاَّ يقظةَ النفس تُحقِّقُ أفضالها.
والشمسُ خَلقها اللهُ حاملةً طابعًا خاصًّا، في عَمَلها للمادة تُحَوِّل به وتُغيِّر، والنبيُّ محمدٌ ﷺ أرسله اللهُ حاملاً طابعًا في عَمَله تترقَّى فيه النفسُ وتسمو.
وليس النبي محمد ﷺ إنسانًا من العُظماء يُقرأ تاريخُه بالفِكر معه المنطق، ومع المنطق الشكُّ، ولكنه إنسانٌ نَجمِيَ يُقرأ بمثل "التلسكوب" في الدِّقَّة معه العِلم، ومع العلم الإيمان.
ومحمدٌ رسول الله ﷺ مِثلُ النَّجم سراجٌ منير، وإشراقٌ على الإنسانية يُقوِّمها في فَلَكها الأخلاقي، ويجذبُها إلى الكَمَال في نظامٍ هو بعينه صورة لقانونِ الجاذبية في الكواكب.
ونفسُ رسولِ الله ﷺ أبلغُ الأثفس قاطبةً، لا يمكنُ أن تَعرِفَ
الأرضُ أكملَ منها ولو اجتمعت فضائلُ الحكماء والمتألِّهين، وجُعلت في نِصابٍ واحدٍ، ما بَلغت أن يجيء منها مِثلُ نفسه ﷺ .
نفسٌ سامقةٌ عاليةٌ تُطِلُّ على الدنيا من عَلٍ لتصحيح الوضعِ المغلوطِ للبشرية، وكأنَّ الحقيقةَ الساميةَ في هذا النبي ﷺ تنادِي: أن قابِلوا على هذا
стр. 25
الأصل، وصحِّحوا ما اعترى أنفسَكم من غَلَطِ الحياة وتحريفِ الإِنسانية.
هو نَبع في الأرض لمعاني النور بإزاءِ الشمس نَبْع النور في السماء.
مِن أين تَدَبَّرْتَ هذه النفسَ العظيمةَ، رأيتَها تَنبسط على الإِنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتضحَى.
* قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. وهو حاملُ النور إلى البشرية .. نورِ الوحي.
* وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
° قال العلامة ابن جرير الطبري: "قد جاءكم يا أهلَ التوراة والإنجيل ﴿مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ يعني بالنور محمدًا ﷺ الذي أنار اللهُ به الحق، وأظهر به الإسلام، ومَحق به الشرك، فهو نورٌ لمن استَنَار به، يُبيِّن الحقَّ، ومِن إنارته الحق تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يُخفون من الكتاب .. قد جاءكم من الله تعالى النورُ الذي أنار لكم به معالِمَ الحق" (١).
نورٌ تُشرقُ به كينونةُ الإنسان عند الإيمان به وبما جاء به، فتَشِفُّ وتَخِفُّ وتَرِفُّ، ويُشرقُ به كل شيء أمامه، فيَتَّضحُ ويتكشَّفُ ويستقيم.
ثقلة الطين في كِيانه، وظُلمةُ التراب، وكثافةُ اللحم والدم، وعَرامةُ الشهوة والنزوة، كلُّ أولئك يُشرقُ ويُضيء ويتجلَّى .. تَخِفُّ الثقْلة،
стр. 26
وتُشرقُ الظلمة، وتَرقُّ الكثافة، وترِقُّ العرامة .. واللَّبس والغَبَشُ في الرؤية، والتأرجُح، والتردُّد في الخُطوة، والحَيرة والشرودُ في الاتجاه والطريقِ البهيم الذي لا معالم فيه: كل أولئك يشرقُ ويضيء ويتجلَّى .. يتضحُ الهَدَف، ويستقيمُ الطريقُ إليه، وتستقيمُ النفسُ على الطريق.
° ولله درُّ القائل في نبي الله ﷺ :
وأبيضُ يُستسقَى الغمامُ بوَجهه … ثُمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
° ولله درُّ القائل:
كأن الثُرَيَّا عُلِّقَتْ بجبينه … وفي جِيْدِه الشِّعْرَى وفي وجِههِ القَمَرُ
عليه جَلالُ المَجْدِ لوْ أنَّ وَجْهَهُ … أضَاءَ بليلٍ هلَّلَ البَدْوُ والحَضَر
° عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لَما كانَ اليوم الذي دخَل فيه رسول الله ﷺ المدينة، أضاءَ منها كُلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيء، وما نَفَضْنَا عن رسول الله ﷺ الأَيْدِي -وإِنَّا لَفِي دفْنِه- حتى أنكَرْنَا قُلُوبَنا" (١).
وهو حامل النور -القرآن- إلى البشرية:
* قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وأعظمُ مِنَّةٍ وتكريم يَمُنُّ الله به ويورِدُه في كتابه الكريم هذا المثل:
стр. 27
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
والضمير في "نوره" يعود على الله سبحانه.
° قال أُبَيُّ بنُ كعب ﵁: "مَثَلُ نورِه في قلب المسلم".
° وقال ابن القيم: "والمعنى: مَثَل نورِ الله في قلب عبده .. وأعظمُ عبادِهِ نصيبًا من هذا النور رسولُه ﷺ ".
والمؤمنُ قلبُه مُضِيءٌ يكادُ أن يُضيءَ بنفسه، يكادُ يعرفُ الحق بفطرته وعَقْله، ولكن لا مادَّةَ له من نفسه، فجاءت مادةُ الوحْي فباشرت قلبه، وخالطت بشاشَتَه، فازداد نورًا بالوحي على نورِه الذي فَطَره الله عليه، فاجتمع له نورُ الوحي إلى نورِ الفِطرة، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾.
فما ظنك بنورِ رسول الله ﷺ ؟!.
انظر إلى هذا التشبيه العجيب الذي تضمَّنته الآيةُ، فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نِعمته على عَبدهِ المؤمن -وأكملُ عبادِه رسولُه ﷺ بما أناله من نوره- ما تَقَر به عيونُ أهله، وتبتهجُ به قلوبُهم.
فتأمَّلْ صفةَ "المشكاة"، وهي كُوَّةٌ تَنفُذُ لتكونَ أجمعَ للضوء، قد وُضع فيها مِصباحٌ، وذلك المصباحُ داخلَ زجاجةٍ تُشبهُ الكوكبَ الدُّري في صَفائها وحُسنها، ومادتُه من أصفى الأدهانِ وأتمِّها وَقودًا، فمن شدةِ إضاءةِ زيتها وصفائِه يكادُ يُضيءُ من غير أن تمسَّه نار.
стр. 28
• فالمشكاةُ صَدْرُ المؤمن، والزجاجةُ قلبُه، وبصفائه تتجلَّى فيه صُورُ الحقائق والعلوم على ما هي عليه، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن لله تعالى آنيةً من أهل الأرض، وآنيةُ ربكم قلوبُ عباده الصالحين، وأحبُّها إليه أَليَنُها وأرقُّها" (١).
والشجرةُ المباركة: هي شجرةُ الوحي، وهي مادةُ المصباح التي يتَّقد منها.
فماذا ظنُّك بحظِّ رسولِ الله ﷺ مِن هذا المَثَل؟!.
• عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ خَلَق خَلقَه في ظُلمة، ثم ألقى عليهم من نُوره، فمن أصابه من ذلك النورِ اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ، فلذلك أقول: جَفَّ القلمُ على عِلم الله" (٢).
فيا لها من أنوارٍ كانت لرسول الله ﷺ ! فإنَّ نورَ الإِيمان يملأُ قلبَه، ومُدخَلُه نور، ومُخْرَجُه نور، وعِلمُه نور، ومِشيتُه في الناس نور، وكلامه نور، ومصيرُه إلى نور، وللمؤمن نصيبٌ من هذا.
стр. 29
وتتزايدُ مادةُ النور حتى تظهرَ على وجوهِ المؤمنين وجوارحِهم وأبدانِهمِ، بل وثيابهم، ودُورِهم، يُبصِرُه مَن هو من جِنسهم، فإذا كان يوم القيامة برَز ذلك النورُ يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، منهم مَن نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم.
° قال ابن القيم: "ولما كان "النورُ" من أسمائه الحُسنى وصفاته، كان دينُه نورًا ورسولُه نورًا، وكلامُه نورًا، ودارُه نوراً يتلألأ، والنورُ يتوقَّدُ في قلوب عباده المؤمنين، ويجري على ألسنتهم، ويظهر في وجوههم".
° قال ابن تيمية: "إن الله ضَرَب مَثَلَ نورِه في قلوبِ المؤمنين بالنور الذي في المصباح وهو في نفسه نورٌ، وهو مُنَوِّرٌ لغيره، فإذا كان نورٌ في القلوب هو "نورٌ"، وهو "منوِّر"، فهو في نفسه أحقُّ بذلك، وقد عُلِم أن كلَّ ما هو نورٌ فهو منوِّر" (١).
* وقفة:
حين يَفيضُ النورُ الهادئُ الوضيءُ، فيَغمُرُ الكونَ كلَّه، ويَفيضُ على المشاعر والجوارح، وينسكبُ في الحنايا والجوانح، وحتى يَسْبَحَ الكونُ كلُّه في فيضِ النور الباهر، وحتى تُعانِقَه وتَرشُفَه العيونُ والبصائر، حين تنزاحُ الحُجُب، وتَشفُّ القلوب، وترفُّ الأرواح، ويَسْبَحُ كلُّ شيءٍ في الفيض الغامر، ويتطهَّرُ كلُّ شيءٍ في بحرِ النور، ويتجرَّدُ كلُّ شيءٍ من كثافته وثُقْله، فإذا هو انطلاقٌ ورَفرفة، ولقاءٌ ومعرفة، وامتزاجٌ وأُلفة، وفَرَحٌ
стр. 30
وحُبور، وإذا الكونُ كلُّه بما فيه ومَن فيه نورٌ طَليقٌ من القيود والحدود، تتَصلُ فيه السماواتُ بالأرضُ، والأحياءُ بالجماد، والبعيدُ بالقريب، وتلتقي فيه الشِّعابُ والدُّرُوب، والطوايا والظواهر والحواس والقلوب.
فَيضٌ غامر من النور .. وأُفُقٌ وضيءٌ يدركُه القلبُ كلما شَفَّ ورَفَّ، ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
مَثَلٌ يُقرِّبُ للإدراك المحدود صورةَ غيرِ المحدود، مَثَلٌ يُقرِّبُ للإِدراك طبيعةَ النورِ حين يَعجِزُ عن تتبُّع مَدَاه وآفاقِهِ المترامية وراءَ الإدراكِ البشريِّ الحسير.
وإن مَن حُجب عن معرفةِ ربِّه ونورِه يُحجَبُ عن معرفة رسوله الذي أرسله الله سراجًا منيرًا .. وضرب مثلاً لنوره بالنور في قلبِ رسوله ﷺ ..
وكيف يبلُغُ في دنياه غايَتَه … مَن تستوِي عنده الظَّلمَاءُ والنُّورُ!
• انظر إلى دعاءِ مَن أرسله الله سِراجًا منيرًا -وقد استجاب الله لدعائه-: "اللهم اجعَلْ في قلبي نورًا، وفي بَصَري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومِن خَلفي نورًا، واجعلْ لي في نفسي نورًا، وأعظمْ لي نورًا" (١).
• "اللهم اجعلْ في قلبي نوراً، وفي لساني نورًا، واجعلْ في سمعي نورًا، واجعلْ في بَصَري نورًا، واجعلْ مِن خَلفي نورًا، ومِن أمامي نورًا،
стр. 31
واجعلْ من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطِنِي نورًا" (١).
لا يفقهُ عِظَمَ هذا المَثَل وقَدْرَ هذا الدعاءِ النبويِّ الجميل إلاَّ مَن رَزَقه اللهُ نورًا وحياةً في قلبه، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
° ولله درُّ القائل عن رسول الله ﷺ :
قَمَرٌ تفرد بالكمالِ كمالُه … وحَوَى المحاسِنَ حُسْنُه وجمالُهُ
وتناول الكَرَمَ العريضَ نَوَالُه … وَحَوَى المفاخِرَ فخرُه المتقدِّمُ
فبربِّه صَلُّوا عليه وسلِّمُوا
واللهِ ما ذَرَأ الإلهُ ولَا بَرَا … بَشَرًا ولا مَلَكًا كأحمدَ في الوَرَى
فعليه صلَّى اللهُ ما قلمٌ جَرَى … وجَلَا الدياجي نورُه المُتبَسِّمُ
فبربِّه صَلُّوا عليه وسلِّمُوا
° والقائل:
قمرٌ تشعشعَ مِن ذؤابةِ هاشمٍ … في الأرض نورُ هدايةٍ وصوابِ
العاقبُ الماحي الضَّلالةَ بالهدى … ومُدَمِّرُ الأزلامِ والأنصابِ
° ولله درُّ القائل فيه:
فهو الذي تمَّ معناهُ وصورتُه … ثم اصطفاه خليلاً بارئُ النَّسمِ
لكأنما خَرَجت هذه النَفْسُ مِن صِيغةٍ كصيغةِ الدُّرة في محارتها،
стр. 32
أو تركيب كتركيب الماسِ في مَنْجَمِه، أوْ صفةٍ كصفةِ الذهب في عِرْقه.
* سبحان من رفع قَدْرَ رسولِ الله ﷺ فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]:
° "هو رحمةٌ للإنسان، إذ عَلَّمه الرحمن، وسَكَب في قلبه نورَ الإيمان، ودَلَّه على طريق الجِنان.
- هو رحمةٌ للشيخ الكبير، إذ سهَّل له العبادة، وأرشده لحُسنِ الخاتمة، وأيقظه لتدارُكِ العمرِ واغتنامِ بقية الأيام.
- هو رحمةٌ للشاب، إذ هداه إلى أجملِ أعمالِ الفُتُوَّة وأكملِ خِصال الصِّبا، فوجَّه طاقتَه لأنبلِ السجايا وأجلِّ الأخلاق.
- وهو رحمةٌ للطفل، إذ سقاه مع لَبَنِ أُمِّه دِينَ الفطرة، وأسمعه ساعةَ المَولِدِ أذانَ التوحيد، وألبَسَه في عهدِ الطفولة حُلَّةَ الإِيمان.
- وهو رحمةٌ للمرأة، إذْ أنصفَها في عالَم الظلم، وحَفِظ حقَّها في دنيا الجَوْر، وصان جانبَها في مهرجانِ الحياة، وحَفِقالها عفافَها وشَرَفها ومُستقبلها، فعاش أبًا للمرأة وزوجًا وأخًا ومُربيًا.
- وهو رحمةٌ للوُلاة والحُكَّام، إذْ وضع لهم ميزانَ العدالة، وحَذَّرهم من مَتَالِفِ الجَور والتعسُّف، وحَدَّ لهم حدودَ التبجيل والاحترام والطاعة في طاعةِ الله ورسوله.
- وهو رحمةٌ للرعِيَّة، إذْ وقف مدافعًا عن حقوقها، مُحرِّمًا الحيفَ، ناهيًا عن السَّلب والنَّهْب والسَّفك والابتزاز والاضطهاد والاستبداد" (١).
стр. 33
* وزَكَّى الله خُلُقَه فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾:
° "عظيمُ الأخلاق، كريمُ السجايا، مُهَذَّب الطِّباع، نقيُّ الفِطرَة، جَمُّ الحياء، حَيُّ العاطفة، جميلُ السِّيرة، طاهرُ السريرة، أُلبس إِهابَ الهَيبة، وتُوِّج تاجَ السِّيادة، وضُمِّخ بأذكى خَلوقٍ أذكى الأخلاق، وأُحِلَّ دارَ المُدَاراة، وأُعطِيَ لقطع مفازة الدنيا جَوادَ الجُودِ، فهو هلالُ شهرِ الكمال، وأميرُ جيشَ الجود، ورُوحُ جُثمانِ الكون، وحشاشةُ نفسِ الملكة" (١).
° "أُجْلِس على صفحةِ الصَّفح، ولُقِمَ لُقَمَ لقمان الحكيم، ووُضِعت له أكوابُ التواضع، وأُديرت عليه كؤوسُ الكَيْس، مُتضمِّنةً حلاوةَ الحِلم، خِتامُها مِسْكُ النُّسك، نُووِلَ قلمَ العِزِّ، فوقَّع على صحائفِ الكَدِّ، "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو رَد".
كان يعودُ المريض، ويُجيب دعوةَ المملوك، ويجلسُ على الأرض، ويَلبَسُ الخشِن، ويأكلُ البشع، ويَبيتُ اللياليَ طاويًا، يتقلبُ في قفرِ الفقر، ولسانُ الحال يناديه: يا محمد، نحن نَضِنُّ بك عن الدنيا، لا بها عنك" (٢).
أُشرِبت نفسُه عِلمَ اليقين وعَينَه وحقَّه.
* ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾:
° "إنك قِمَّةُ الفضائل، ومَنبعُ الجُود، ومَطْلَعُ الخير، وغايةُ الإحسان.
يَظلِمونك فتَصْبِر، يُؤذونك فتَغفر، يَشتمونك فتحلُم، يَسبُّونك فتعفو، يجفونك فتصفح.
стр. 34
يُحبُّك المَلِكُ والمملوكِ، والصغيرُ والكبير، والرجلُ والمرأة، والغَنِيُّ والفقير، والقَريبُ والبعيد؛ لأنك مَلَكْتَ القلوب بعطفك، وأسَرْتَ الأرواح بفضلك، وطَوَّقتَ الأعناقَ بكرمك.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. هذبك الوحيُ، وعَلَّمك جبريل، وهداك ربُّك، وصاحَبَتْك العناية، ورافقتك الرعاية، وحالفك التوفيق.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. البسمةُ على مُحَيَّاك، البِشْرُ على طَلْعتك، النورُ على جَبينك، الحبُّ في قلبك، الجُودُ في يَدِك، البركةُ فيك، الفوزُ معك ..
مَن زار بابكَ لم تبرح جوارحُهُ … تروي أحاديثَ ما أَوْليتَ مِن مِنَنِ
فالعينُ عَن قُرَّةٍ والكَفُّ عَن صِلَةٍ … والقلبُ عن جابرٍ والسمعُ عن حسنِ
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. لا تكذبُ ولو أن السيفَ على رأسك، ولا تخونُ ولو حُزْتَ الدنيا، ولا تَغْدِر ولوْ أُعطِيتَ المُلْك؛ لأنك نبيٌّ معصوم، وإمام قُدْوة، وأُسوة حسنة.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. صادقٌ ولو قابَلَتْك المنايا، شُجاع ولو قاتلتَ الأُسُود، وجَوَاد ولو سُئلت كل ما تملِك، فأنتَ المِثالُ الراقي والرمزُ السامي.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. سَبَقْتَ العالَمَ ديانةً وأمانة وصيانةً ورزانةً، وتفوَّقْتَ على الكُلِّ عِلمًا وحِلْمًا وكرمًا ونبلاً وشجاعةً وتضحيةً" (١).
стр. 35
إذا ذُكِرتَ ذُكِرَتْ معك الفضيلةُ في أجمل صورها، وذُكِر معك الطُّهْرُ في أرقى مشاهِدِه، وذُكِر معك العدلُ في أسمى معانيه.
كُتِب اسمُك بحروفٍ من نور في قلوبِ الموحِّدين .. فلو شَقَقْتَ كُل قلبٍ لرأيتَك محفورًا في النِّياط، مكتوبًا في السُّوَيداء، مرسومًا في العُروق ..
واللهِ لو شُقَّ قلبي في الهوَى قِطعًا … وأبصر اللَّحْظُ رسمًا في سُوَيْداهُ
لكنتَ أنت الذي في لوحه كُتبَتْ … ذكرَاه أو رُسمَتْ بالحُبِّ سيماهُ
أنت صاحبُ الغُرَّةَ والتبجيل، المذَكورُ في الَتوراةِ والإنجيل، المؤيد بجبريل .. بَشَّرَت بك الرُّسُل، وأخبَرَتْ بك الكُتُبُ، وحَفَلت باسمك التواريخُ، وتشَرَّفت بك النوادي، وعَمَّ ذِكرُك الحواضرَ والبوادي، وتضوَّعت بذِكرك المجامع، وصَدَحتْ بذكراك المنائر، ولَجْلَجَتْ بحديثك المنابر.
عُصمتَ من الضلالة والغواية، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وحُفِظت من الهوى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
كلامُك شريعة، ولفظُك دِين، وسُنَّتك وَحْيٌ، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
سجاياك طاهرة، وطَبيعتُك فاضلة، وخِلالُك جميلة، وخِصالُك نبيلة، ومواقفُك جليلة، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].
ليِّن الجانب، سَهْلُ الخليقة، يسيرُ الطيع، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ظاهرُ العِناية، ملحوظٌ بعينِ الرعاية، منصورُ الراية، مُوَفَقٌ محظوظ، مُظفَّرٌ مفتوحٌ عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١].
стр. 36
أصلح الله لك قلبَك، وأنار لك دَرْبَك، وغَفَر لك ذَنْبَك ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
° لا يقال لغيرك هذا الشِّعر:
الشمسُ من حُسَّادِه والنصرُ من … قرنائِهِ والحمدُ من أسمائِهِ
أين الثلاثةُ من ثلاثِ خِلالِه … مِن حُسنِهِ وإِبائِه ومَضائِه
مَضتِ الدُّهورُ وما أتَيْنَ بمثله … ولقد أتى فعَجِزْنَ عن نُظرائِهِ
* عظيمٌ كل العظمة:
رجلُ السماء في الأرض، وهِبَة السماء للأرض، كان ﷺ -وهو في حدودِ نفسه وضِيق مكانه- يتسع في الزمن من حيثُ لا يَرى ذلك أحدٌ ولا يعلمه، وكأنما كانت شمسُ اليوم الذي سينتصر فيه -قبل أن يُشرقَ على الدنيا- مشرقة في قلبه.
أراد اللهُ تعالى أن يبدأ هذا الجليلُ العظيم من أَسْمى خِلالِ الجلال والعظمةِ، ليكونَ أولُ أمره شهادةً بكماله، فكانت الحسنةُ فيه بشهادةِ السيئة من قومه، فحِلْمه بشهادة رُعونتهم، وأَناتُه وحِلْمه بدليل طيشهم، وحِكمته ببرهانِ سفاهتهم.
نَثَروا الترابَ على رأسه .. إنَّ هذا الترابَ هو شذوذُ الحياةِ الأرضيَّةِ الدنيئةِ في مقابلة إنسانها المتفرِّد، هذه القبضة من التراب قبضةٌ سفيهة تحاول رَدَّ الممالكِ الإسلاميةِ أن تنشأَ نشأتَها وتعملَ في التاريخ عملها.
وكان قطف العنب من "عَدَّاس" في رحلة الطائف رمزًا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حَبًّا، كُلُّ حَبَّةٍ فيه مملكة.
стр. 37
° بأبي وأمي رسولُ الله ﷺ .. والذي نفسي بيده هو أوْلى الناس بقول القائل:
زَمَانُكَ بُستانٌ وَعصْرُكَ أخضَرُ … وذكراكَ عصفور مِنَ القَلبِ يَنْقُرُ
دَخَلتَ على تاريخنَا ذاتَ لَيْلَة … فَرَائحَةُ التَّاريخ مِسْكٌ وعَنْبَرُ
وَكنْتَ فكانَتْ في اَلحقولِ سَنَابِلٌ … وكاَنَتْ عَصَافيرٌ وكَانَ صُنُوبَرُ
لَمَسْتَ أمَانِينَا فَصَارَتْ جَدَاوِلاً … وَأمْطَرْتَنا حُبًّا ولا زِلْتَ تُمْطرُ
تُعَاودُنِي ذِكْراكَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ (١) … وَيُورِقُ فِكْرِي حين فيك أفَكِّرُ
وتَأبى جِرَاحي أنْ تَضُمَ شِفَاههَا … كَأنَ جِرَاحَ الحُبِّ لا تَتَخَثَّرُ
أَتَسْأَلُ عن أعْمارِنا أنْتَ عُمْرُنا … وأنت لنا التاريخُ أَنْتَ المُطَهَّرُ (٢)
° ونبضُ فؤادِنا ووَجيبُ قلوبنا قاصِر على حُبِّ رسول الله ﷺ بعد حب الله :
قصَرْتُ عَلَيْكَ العُمْرَ وهو قَصيرُ … وغَالَبتُ فيك الشَّوْقَ هو قَدِيرُ
وأَنْشَأتُ في صدري لِحُسْنِكَ دَولَةً … لها الحُبُّ جندٌ والولاءُ سَفِيرُ
فؤادي لها عَرْشٌ وأنتَ مَلِيكُهُ … ودُونَك من تلك الضُّلُوع سُتُورُ
وما انَتَقَضَتْ يومًا عليكَ جَوانِحِي … وَلَا حَلَّ في قلبي سواكَ أمِيرُ
حبيبٌ (٣) إذا غَنَّى اليَرَاعُ بمَدحه … سَرَتْ بالمَعَالي هزةٌ وسُرورُ
فَدِينُكَ مَحْرُوس ورَبُّك حَافِظٌ … وأنت على مُلكِ القلوبِ أميرُ
* * *
стр. 38
* ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾:
لَمسة من حَنان، ونسمةٌ من رحمة، وطائف من وُد، ويدٌ حانيةٌ تمسحُ على الآلام والمواجع، وتَنَسَّمُ بالرَّوْح والرضى والأمل، وتسكبُ البَرْدَ والطمأنينةَ واليقين .. كلُّها خالصةٌ للنبي ﷺ ، كلُّها نجاءٌ له من ربِّه، وتَسْرِيةٌ وتَسليةٌ وترويحٌ وتطمين، كلُّها أنسامٌ من الرحمة، وأنداءٌ من الوُدِّ، وألطافٌ من القربى، هَدْهَدةٌ للروحِ والخاطِر والقلب.
يُقسِمُ اللهُ بهذيْن الآنيْنِ الرائقيْنِ الموحيَيْن .. الضحى الرائق الصافي، والليلِ الساجي الذي يَرق ويسكنُ ويصفو، وتغشاه سحَابةٌ رقيقةٌ من الشجَى الشفيف، والتأمُّلِ الوديع .. أَشَفُّ آنَيْنِ تسري فيهما التأملات، وتتصل الرُّوحُ بالوجود، وخالقِ الوجود، وتُحِسُّ بعبادةِ الكون كلِّه لمبدِعِه، وتوجِّهُه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاءِ، ويعيشُ القلبُ في أُنسٍ من هذا الوجود الجميل الحيِّ.
ما تَرَكَكَ ربُّك مِن قبلُ أبدًا، وما قَلاك من قبلُ قطُّ، وما أخلاك مِن رحمته ورعايته وإيوائه .. ما انقطع عنك بِرُّه وما ينقطع أبدًا .. ألَا تجدُ مِصداقَ هذا في حياتك؟ ألا تُحِسُّ مسَّ هذا في قلبك؟ ألا ترى أثَرَ هذا في قلبك؟.
رحمته عليك سابغة، ورضاه يغمُرك .. هو رَاعيكَ وكافلُك، ما غاضَ مَعينُ فضلهِ وفيضُ بِرِّه.
* ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾:
إن لك عنده في الآخرة من الحُسْنى خيرًا مما يُعطيك منها في الدنيا.
стр. 39
* ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾:
° قال بعض العلماء: "يعطيه في الدنيا مِن إتمام الدين وإعلاء كلمةِ الله، والنصر على الأعداء" (١).
° "إنه ليدَّخر لك ما يرضيك من التوفيق في دعوتك، وإزاحةِ العقبات من طريقك، وغلبةِ منهجك، وظهور حقك" (٢).
وليس بعد الرِّضى مطلب .. لَمَّا بيَّن أن الآخرةَ خير له ﷺ من الأولى، ولكنه لم يُبيِّن أن ذلك التفاوتَ إلى أيِّ حدٍّ يكون، فبيَّن بهذه الآية مقدارَ ذلك التفاوت، وهو أن ينتهي إلى غايةِ ما يتمناه الرسولُ ويرتضيه ﷺ .
والجمهور أنه في الآخرة، وقد فَصَّله في بعض المواضع، وأعظمها ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهو المقامُ الذي يَغبطه عليه الأوَّلون والآخِرون كما في حديث الشفاعة العظمى، حين يتخلى كلُّ نبيٍّ ويقول: "نفسي نفسي"، حتى يَصِلوا إلى النبي ﷺ فيقول: "أنا لها أنا لها"، ومنها الحوضُ المورود، والكوثر، ومنها الوسيلة، وهي منزلةٌ رفيعةٌ عاليةٌ لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ واحد، وإذا كانت لعبدٍ واحدٍ فمن يستقدم عليها، وإذا رجا ربَّه أن تكون له، طَلَب من الأمة طَلَبَها له، فهو مما يؤكِّدُ أنها له، وإلاَّ لَمَا طَلَبها ولا ترجَّاها ولا أمر بطلبها له، وهو بلا شك أحقُّ بها من جميع الخلق، إذ الخلقُ أفضلُهم الرسل، وهو ﷺ مقدَّمٌ عليهم في الدنيا (٣).
стр. 40
° عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه ﵁ قال: "عُرِض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوحٌ على أمته كَنزًا كَنزًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، فأعطاه في الجنة ألفَ ألفِ قصرٍ، في كلِّ قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم".
° قال الحافظُ ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٥٢٢): "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا لا يُقال إلا عن توقيف" (١).
° قال الفخر الرازي: "أمَّا لو حَمَلنا هذا الوعدَ على أحوالِ الدنيا، فهو إشارةٌ إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر، ويومَ فتح مكة، ودخولِ الناس في الدين أفواجًا، والغَلَبةِ على قُريظة والنضير