أصلح الله لك قلبَك، وأنار لك دَرْبَك، وغَفَر لك ذَنْبَك ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
° لا يقال لغيرك هذا الشِّعر:
الشمسُ من حُسَّادِه والنصرُ من … قرنائِهِ والحمدُ من أسمائِهِ
أين الثلاثةُ من ثلاثِ خِلالِه … مِن حُسنِهِ وإِبائِه ومَضائِه
مَضتِ الدُّهورُ وما أتَيْنَ بمثله … ولقد أتى فعَجِزْنَ عن نُظرائِهِ
* عظيمٌ كل العظمة:
رجلُ السماء في الأرض، وهِبَة السماء للأرض، كان ﷺ -وهو في حدودِ نفسه وضِيق مكانه- يتسع في الزمن من حيثُ لا يَرى ذلك أحدٌ ولا يعلمه، وكأنما كانت شمسُ اليوم الذي سينتصر فيه -قبل أن يُشرقَ على الدنيا- مشرقة في قلبه.
أراد اللهُ تعالى أن يبدأ هذا الجليلُ العظيم من أَسْمى خِلالِ الجلال والعظمةِ، ليكونَ أولُ أمره شهادةً بكماله، فكانت الحسنةُ فيه بشهادةِ السيئة من قومه، فحِلْمه بشهادة رُعونتهم، وأَناتُه وحِلْمه بدليل طيشهم، وحِكمته ببرهانِ سفاهتهم.
نَثَروا الترابَ على رأسه .. إنَّ هذا الترابَ هو شذوذُ الحياةِ الأرضيَّةِ الدنيئةِ في مقابلة إنسانها المتفرِّد، هذه القبضة من التراب قبضةٌ سفيهة تحاول رَدَّ الممالكِ الإسلاميةِ أن تنشأَ نشأتَها وتعملَ في التاريخ عملها.
وكان قطف العنب من "عَدَّاس" في رحلة الطائف رمزًا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حَبًّا، كُلُّ حَبَّةٍ فيه مملكة.
стр. 37
° بأبي وأمي رسولُ الله ﷺ .. والذي نفسي بيده هو أوْلى الناس بقول القائل:
زَمَانُكَ بُستانٌ وَعصْرُكَ أخضَرُ … وذكراكَ عصفور مِنَ القَلبِ يَنْقُرُ
دَخَلتَ على تاريخنَا ذاتَ لَيْلَة … فَرَائحَةُ التَّاريخ مِسْكٌ وعَنْبَرُ
وَكنْتَ فكانَتْ في اَلحقولِ سَنَابِلٌ … وكاَنَتْ عَصَافيرٌ وكَانَ صُنُوبَرُ
لَمَسْتَ أمَانِينَا فَصَارَتْ جَدَاوِلاً … وَأمْطَرْتَنا حُبًّا ولا زِلْتَ تُمْطرُ
تُعَاودُنِي ذِكْراكَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ (١) … وَيُورِقُ فِكْرِي حين فيك أفَكِّرُ
وتَأبى جِرَاحي أنْ تَضُمَ شِفَاههَا … كَأنَ جِرَاحَ الحُبِّ لا تَتَخَثَّرُ
أَتَسْأَلُ عن أعْمارِنا أنْتَ عُمْرُنا … وأنت لنا التاريخُ أَنْتَ المُطَهَّرُ (٢)
° ونبضُ فؤادِنا ووَجيبُ قلوبنا قاصِر على حُبِّ رسول الله ﷺ بعد حب الله :
قصَرْتُ عَلَيْكَ العُمْرَ وهو قَصيرُ … وغَالَبتُ فيك الشَّوْقَ هو قَدِيرُ
وأَنْشَأتُ في صدري لِحُسْنِكَ دَولَةً … لها الحُبُّ جندٌ والولاءُ سَفِيرُ
فؤادي لها عَرْشٌ وأنتَ مَلِيكُهُ … ودُونَك من تلك الضُّلُوع سُتُورُ
وما انَتَقَضَتْ يومًا عليكَ جَوانِحِي … وَلَا حَلَّ في قلبي سواكَ أمِيرُ
حبيبٌ (٣) إذا غَنَّى اليَرَاعُ بمَدحه … سَرَتْ بالمَعَالي هزةٌ وسُرورُ
فَدِينُكَ مَحْرُوس ورَبُّك حَافِظٌ … وأنت على مُلكِ القلوبِ أميرُ
* * *
стр. 38
* ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾:
لَمسة من حَنان، ونسمةٌ من رحمة، وطائف من وُد، ويدٌ حانيةٌ تمسحُ على الآلام والمواجع، وتَنَسَّمُ بالرَّوْح والرضى والأمل، وتسكبُ البَرْدَ والطمأنينةَ واليقين .. كلُّها خالصةٌ للنبي ﷺ ، كلُّها نجاءٌ له من ربِّه، وتَسْرِيةٌ وتَسليةٌ وترويحٌ وتطمين، كلُّها أنسامٌ من الرحمة، وأنداءٌ من الوُدِّ، وألطافٌ من القربى، هَدْهَدةٌ للروحِ والخاطِر والقلب.
يُقسِمُ اللهُ بهذيْن الآنيْنِ الرائقيْنِ الموحيَيْن .. الضحى الرائق الصافي، والليلِ الساجي الذي يَرق ويسكنُ ويصفو، وتغشاه سحَابةٌ رقيقةٌ من الشجَى الشفيف، والتأمُّلِ الوديع .. أَشَفُّ آنَيْنِ تسري فيهما التأملات، وتتصل الرُّوحُ بالوجود، وخالقِ الوجود، وتُحِسُّ بعبادةِ الكون كلِّه لمبدِعِه، وتوجِّهُه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاءِ، ويعيشُ القلبُ في أُنسٍ من هذا الوجود الجميل الحيِّ.
ما تَرَكَكَ ربُّك مِن قبلُ أبدًا، وما قَلاك من قبلُ قطُّ، وما أخلاك مِن رحمته ورعايته وإيوائه .. ما انقطع عنك بِرُّه وما ينقطع أبدًا .. ألَا تجدُ مِصداقَ هذا في حياتك؟ ألا تُحِسُّ مسَّ هذا في قلبك؟ ألا ترى أثَرَ هذا في قلبك؟.
رحمته عليك سابغة، ورضاه يغمُرك .. هو رَاعيكَ وكافلُك، ما غاضَ مَعينُ فضلهِ وفيضُ بِرِّه.
* ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾:
إن لك عنده في الآخرة من الحُسْنى خيرًا مما يُعطيك منها في الدنيا.
стр. 39
* ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾:
° قال بعض العلماء: "يعطيه في الدنيا مِن إتمام الدين وإعلاء كلمةِ الله، والنصر على الأعداء" (١).
° "إنه ليدَّخر لك ما يرضيك من التوفيق في دعوتك، وإزاحةِ العقبات من طريقك، وغلبةِ منهجك، وظهور حقك" (٢).
وليس بعد الرِّضى مطلب .. لَمَّا بيَّن أن الآخرةَ خير له ﷺ من الأولى، ولكنه لم يُبيِّن أن ذلك التفاوتَ إلى أيِّ حدٍّ يكون، فبيَّن بهذه الآية مقدارَ ذلك التفاوت، وهو أن ينتهي إلى غايةِ ما يتمناه الرسولُ ويرتضيه ﷺ .
والجمهور أنه في الآخرة، وقد فَصَّله في بعض المواضع، وأعظمها ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهو المقامُ الذي يَغبطه عليه الأوَّلون والآخِرون كما في حديث الشفاعة العظمى، حين يتخلى كلُّ نبيٍّ ويقول: "نفسي نفسي"، حتى يَصِلوا إلى النبي ﷺ فيقول: "أنا لها أنا لها"، ومنها الحوضُ المورود، والكوثر، ومنها الوسيلة، وهي منزلةٌ رفيعةٌ عاليةٌ لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ واحد، وإذا كانت لعبدٍ واحدٍ فمن يستقدم عليها، وإذا رجا ربَّه أن تكون له، طَلَب من الأمة طَلَبَها له، فهو مما يؤكِّدُ أنها له، وإلاَّ لَمَا طَلَبها ولا ترجَّاها ولا أمر بطلبها له، وهو بلا شك أحقُّ بها من جميع الخلق، إذ الخلقُ أفضلُهم الرسل، وهو ﷺ مقدَّمٌ عليهم في الدنيا (٣).
стр. 40
° عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه ﵁ قال: "عُرِض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوحٌ على أمته كَنزًا كَنزًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، فأعطاه في الجنة ألفَ ألفِ قصرٍ، في كلِّ قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم".
° قال الحافظُ ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٥٢٢): "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا لا يُقال إلا عن توقيف" (١).
° قال الفخر الرازي: "أمَّا لو حَمَلنا هذا الوعدَ على أحوالِ الدنيا، فهو إشارةٌ إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر، ويومَ فتح مكة، ودخولِ الناس في الدين أفواجًا، والغَلَبةِ على قُريظة والنضير
стр. 41
وإجلائهم، وبَثِّ عساكرِه وسراياه في بلاد العرب، وما فُتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وهَدَم بأيديهم من ممالكِ الجبابرة، وأنهبهم مِن كنوزِ الأكاسرة، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيُّبِ الإِسلام وفشوِّ الدعوة.
واعلم أن الأوْلى حمل الآية على خيرات الدنيا والآخرة" (١) اهـ.
° "فهذه آية جامعة لوجود الكرامة، وأنواع السعادة وشتات الإِنعام في الدارين والزيادة" (٢).
* ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾:
مناجاة حُلوة، وحديث وَدود.
° ألم نشرحْ صَدْرَك لهذه الدعوة؟ ونيسِّر لك أمرها؟ ونجعلْها حَبيبةً لقلبك، ونَشْرع لك طريقَها؟ ونُنِرْ لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة؟!.
فَتِّش في صدرك، ألا تجدُ فيه الرَّوْحَ والانشراح والإِشراقَ والنور؟ واسْتَعِدْ في حَسِّك مَذاقَ هذا العطاء، ألَا تجدُ معه المتاعَ مع كلِّ مشقةٍ، والراحةَ مع كلِّ تعب، واليُسْرَ مع كلِّ عسر، والرضى مع كلِّ حرمان؟.
أَمَا شرحنا لك صدرَك فصار وسيعًا فسيحًا لا ضيقَ فيه، ولا حَرَجَ، ولا هَمَّ، ولا غمَّ، ولا حَزَن، بل ملأناه لك نورًا وسرورًا وحبورًا؟!.
أما شرحنا لك صَدْرَك وملأناه حِكمة ورحمةً وإيمانًا وبِرًّا وإحسانًا؟.
° شرحنا لك صدرك، فوَسِعْتَ أخلاقَ الناس، وعَفْوتَ عن
стр. 42
تقصيرهم، وصَفَحْتَ عن أخطائهم، وسَترتَ عيوبَهم، وحَلُمْتَ على سَفيههم، وأعرضتَ عن جاهلهم، ورَحِمْتَ ضعيفَهم.
° شرحنا لك صدرك، فكنُتَ كالغيث جُودًا، وكالبحر كَرَمًا، وكالنسيم لُطفًا، تُعطي السائل، وتَمنحُ الراغب، وتُكْرِمُ القاصد، وتجودُ على المؤمِّل.
° شرحنا لك صدرك، فصار بردًا وسلامًا يُطفئُ الكلمةَ الجافية، ويُبَرِّدُ العبارةَ الجارحة، فإذا العفوُ والحلمُ والصَّفحُ والغفران.
° شَرَحْنا لك صَدْرَك، فصبرتَ على جفاء الأعراب، ونَيْل السفهاء، وعَجْرفةِ الجبابرة، وتطاوُلِ التافهين، وإعراضِ المتكبِّرين، ومَقْتِ الحَسَدةِ، وسِهام الشامتين، وتجهُّم القرابة.
° شرحنا لك صدرك، فكنتَ بسَّامًا في الأزمات، ضحَّاكًا في المُلمَّات، مسرورًا وأنت في عَين العاصفة، مطمئِنًّا وأنت في جَفنِ الرَّدَى، تُداهمُك المصَائبُ وأنت ساكن، وتلتفُّ بك الحوادثُ وأنت ثابت؛ لأنك مشروحُ الصدر، عامرُ الفؤاد، حيُّ النفس.
° شرحنا لك صدرَك، فلم تكن فظًّا قاسيًا غليظًا جافيًا، بل كنتَ رحمة وسلامًا وبرًّا وحنانًا ولُطْفًا، فالحِلمُ يُطلبُ منك، والجُود يُتَعلَّمُ من سيرتك، والعفو يُؤخذ من ديوانك.
* ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾:
° في البخاري عن ابن عباس ﵄: "شرح الله صدرَه للإسلام".
° وعن ابن كثير: "نوَّرْناه وجَعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا، كقوله:
стр. 43
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ".
والذي يشهدُ له القرآن أنَّ الشَّرْح هو الانشراحُ والارتياحُ، وهذه حالةُ نتيجةِ استقرارِ الإيمانِ والمعرفةِ والنورِ والحكمة، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، بيان لشرح الصدر للإِسلام.
كما أنَّ ضِيقَ الصدر دليلٌ على الضلال، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
° وفي حاشية الشيخ "زادة" على "البيضاوي" قال: "لم يُشرحْ صَدْرُ أحدٍ من العالمين، كما شُرح صدره ﵇، حتى وَسع علومَ الأوَّلين والآخرين، فقال: "أوتيتُ جوامعَ الكَلِم" .. " اهـ.
ومرادُه بعلوم الأوَّلين والآخرين، ما جاء في القرآن من أخبارِ الأمم الماضية مع رُسلهم وأخبارِ المعاد، وما بينه وبين ذلك ممَّا علَّمه الله تعالى.
° "والذي يظهرُ -والله تعالى أعلم-: أن شرح الصدر المُمْتَنَّ به عليه ﷺ ، أوسعُ وأعمُّ من ذلك، حتى إنه لَيشملُ صَبْره وصَفْحَه وعَفْوَه عن أعدائه، ومقابلتَه الإساءةَ بالإِحسان، حتى إنه ليَسَعُ العدوَّ، كما يسعُ الصديق، كقصه عودته من "ثقيف": إذْ آذوه سفهاؤهم، حتى ضاق مَلَكُ الجبال بفِعلهم، وقال له جبريل ﵇: "إن مَلَكَ الجبال معي، إن أردت أن يُطبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ فَعَل"، فينشرحُ صدره إلى ما هو أبعد من ذلك، ولكأنهم لم يُسيؤوا إليه، فيقول ﷺ : "اللهم اهْد قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله
стр. 44
محمد رسول الله" ﷺ " (١).
* ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾:
° "نَمْلأْه إيمانًا وحِكمَةً ورأفةً وعِلمًا ورحمةً، فانفسح جدًّا حتى وَسعَ مناجاةَ الحقِّ ودعوةَ الخلق، فكان مع الحق بعظمته وارتفاعه، ومع الخلق بفيضِ أنوارِه وشعاعِه" (٢).
° قال ابنُ القيم: "شَرَح الله صَدْرَ رسولِه أتمَّ الشرح، ووضع عنه وِزرَه كلَّ الوضع، ورَفَعِ ذِكرَه كلَّ الرفع".
* ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (٣):
° قال أبو حيان: "هو كنايةٌ عن عِصمته ﷺ من الذنوب وتطهيرِه من الأرجاس".
° وقال ابن جرير: "وغَفَرْنا لك ما سَلَف من ذنوبك، وحَطَطْنا عنك ثُقْل أيام الجاهلية التي كنتَ فيها".
° وقال ابن كثير: "هو بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ".
° قال ابن القيم: "وأمَّا وَضعُ وِزرِه: فكيف لا يُوضَع عنه ومَن في
стр. 45
السماوات والأرض ودوابُّ البَرِّ والبحرِ يستغفرون له؟!! ".
* ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾:
° لله درُّ حسانِ بنِ ثابت وهو يقول:
أغَرُّ عَلَيْه للنُّبُوَّة خاتَمٌ … مِنَ الله مَشْهودٌ يَلوحُ ويُشْهَدُ
وضَمَّ الإلهُ اسْمَ النبيِّ إلى اسمه … إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ "أَشْهَدُ"
وَشَقَّ لهُ من اسمه لِيُجِلَّهُ … فَذُوا العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ (١)
رفعناه في الملأ الأعلى، ورفعناه في الأرض، ورفعناه في هذا الوجود
جميعًا .. رفعناه فجعلنا اسمَه مقرونًا باسم الله كُلَّمَا تحرَّكَتْ به الشِّفاه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ "، وليس بعد هذا رفع، وليس وراءَ هذا منزلة، وهو المَقامُ الذي تفرَّد به ﷺ دون سائر العالمين.
° ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ، حين قَدَّر اللهُ أن تمرَّ القرون، وتَكِرَّ الأجيال، وملايينُ الشِّفاهِ في كلِّ مكان تهتفُ بهذا الاسم الكريم مع الله والتسليم، والحبِّ العميق العظيم.
° ورفعنا لك ذكرك، وقد ارتبط بهذا المنهج الإلهيِّ الرفيع، وكان مُجردُ الاختيارِ لهذا الأمر رفعةَ ذكرٍ لم يَنَلْها أحد من قبلُ ولا من بعدُ في هذا الوجود.
° ورفعنا لك ذِكرَك: هو حِسِّي في الأذان والإقامة، وفي الخُطب على المنابر، وافتتاحياتِ الكلام في الأمور الهامة.
° ومِن رَفْع الذكرِ معنًى -أَيْ من الرفعة-: ذِكرُه ﷺ في كتب الأنبياء
стр. 46
قبله، حتى عُرِف للأمم الماضية قبل مجيئه.
° وجعل اللهُ الوحيَ ذِكرًا له ولقومه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤]، ومعلوم أنَ ذِكرَ قومه ذِكر له.
° ومِن رفع ذِكرِه توجيهُ الخطاب إليه بالنبوة والرسالة: "يا أيها الرسول"، "يا أيها النبي" والتصريح به في مقام الرسالة "محمد رسول الله".
° قال الشافعي عن مجاهد في تفسير: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾:
"لا أُذْكَر إلاَّ ذُكِرْتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".
قال الشافعي يعني: "ذِكرَه ﷺ عند الإِيمان بالله تعالى والأذان، ويُحتمل ذِكرُه عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية.
فالفاعلُ للطاعة أو الكافُّ عن المعصية امتثالاً لأمر الله تعالى به ذاكِرٌ للنبي ﷺ بقلبه؛ لأنه المُبلِّغُ لنا عن الله تعالى، وهذا أعمُّ من الذِّكر باللسان، فإنه قاصر على الإسلام والأذان والتشهُّد والخطبة ونحوها.
قال الشافعي: فلم تُمْسِ بنا نعمة ظَهرت ولا بَطَنَتْ نِلْنا بها حظًّا في دين أو دنيا، أو دُفع عنا بها مكروهٌ فيهما، أو في واحدٍ منهما، إلاَّ ومحمدٌ ﷺ سببُها".
* ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾:
* ذُكِرْتَ في الكتب المُتقدِّمة، وجُعِل ذِكرك في القرآن مقرونًا بذكره
стр. 47
وهذا منتهى قمة الثناء .. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقُرِن ذكرُك بذِكرِ ربِّك في الأذان والصلاةِ والخطب، فهل تريد شرفًا فوق هذا؟!.
* جَعَل الله طاعتك طاعته، وبيعتك بيعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
° مُلِئ العالَمُ من أتباعك، كلُّهم يُثنون عليك، ويُصَلُّون عليك، ويَحفظون سُنَّتك، بل ما من فريضةٍ من فرائضِ الصلاة إلاَّ ومعها سُنَّة، فهم يَمتثِلون في الفريضة أمرَ الله، وفي السُّنَّة أمرَك.
لا تأنفِ السلاطينُ من اتِّباعك، والقُرَّاءُ يَحفَظون ألفاظَ منشورك، والمُفسِّرون يُفسِّرون معاني فُرقانِك، والوُعَّاظُ يُبلِّغون وَعْظَك، بل العلماءُ والسلاطين يَشْرَفون بخدمتك.
يَذكُرُك كلُّ مُصَل وكُلُّ مُسبح وكلُّ حاجٍّ وكلُّ خطيب، فهل تطلبُ مجدًا أعلَى مِن هذا؟ أنت مذكورٌ في التوراة والإِنجيل، ومُنَوَّهٌ باسمك في الصُّحُف الأُولى، والدواوينِ السابقة، اسمُك يُشادُ به في النوادي، وُيذكَر في الحواضِرِ والبوادي، ويُمدَح في الحافِل، ويُكرَّرُ في المجامع.
° رفعنا لك ذكرك، فسار في الأرض مَسِيرَ الشمس، وعَبَر القَّارات عُبور الريح، وسافر في الدنيا سَفَرَ الضوء، فكلُّ مدينةٍ تَدرِي بك، وكلُّ بلدٍ يَسمعُ بك، وكلُّ قرية تَسألُ عنك.
° رفعنا لك ذِكرَك، فصِرْتَ حديثَ الرَّكْب، وقِصَّةَ السَّمَر، وخَبَرَ
стр. 48
المجالس، وقضيةَ القضايا، والنبأَ العظيمَ في الحياة.
° رفعنا لك ذكرَك، فما نُسي مع الأيام، ومَا محِيَ مع الأعوام، وما شُطب من قائمةِ الخُلود، وما نُسِخ من ديوانِ التاريخ، وما أُغفِل من دفتر الوجود، نُسِي الناسُ إلاَّ أنت، وسَقَطت الأسماء إلاَّ اسمَك، وأُغفِل العظماءُ إلاَّ ذاتَك، فمَن ارتَفَع ذِكره من العُبَّاد عندنا، فبسبب اتِّباعك، ومَن حُفظ اسمه فبسبب الاقتداءِ بك .. ذهبت آثارُ الدول وبَقِيَتْ آثارك، ومُحِيت مآثرُ السلاطين وبَقيَتْ مآثرُك، وزالتْ أمجادُ الملوك وخُلِّد مجدُك، فليس في البشر أشرحُ منك صَدْرًا، ولا أرفع منك ذِكرًا، ولا أعظمُ مِنك قَدْرًا، ولا أحسنُ منك أَثَرًا، ولا أجملُ منك سَيْرًا.
إذا تشهَّد مُتشهِّدٌ ذَكَرك مع الله، وإذا تهجَّد متهجِّدٌ سمَّاك مع الله، وإذا خَطب خطيبٌ نوَّه بك مع الله.
* ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، رِفعة تتلاشى عندها رفعةُ غيرك من الخَلْق كلِّهم.
رفعنا لك ذِكرَك عند جميع العالَمين العقلاء بالصِّدق والأمانة والحِلم والرزانة ومكارم الأخلاق وطهارةِ الشيم وانتفاءِ شوائبِ النقصِ، حتى ما كانت شُهرتُك عند قومك قبلَ النبوَّة إلا "الأمين"، وكانوا يضربون المَثَلَ بشمائِلك الطاهرة، وأوصافِك الزاهرة الباهرة.
ولك الفضائلُ والمناقبُ والشمائلُ التي لا تُضبَطُ بالوصف، ولا يُحصيها وَصفٌ أو حَصر.
стр. 49
* ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾:
• عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أنزلتْ عليَّ آيةٌ هي أحبُّ إليَّ مِنَ الدُّنيا جميعًا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ " (١).
• وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقدْ أُنزلت عليَّ الليلةَ سُورةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمسُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ " (٢).
° قال أنس ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: "الحديبية".
° وعن البراء قال: "تَعُدُّون أنتم الفتْحَ: فتْحَ مكة، وقد كان فتْحُ مكة فَتْحًا، ونحن نَعُدُّ الفتح بَيْعة الرِّضوان يومَ الحُدَيْبية، كُنَّا مع رسول الله ﷺ خَمْسَ عشرة مِئةً .. والحُديبيةُ بئرٌ" (٣).
• وفي حديث سهل بن حُنيف: "فنزل القرآنُ على رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى عمرَ، فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أوَ فتحٌ هو؟! قال: "نعم" .. فطابتْ نفسُه" (٤).
стр. 50
° قال الشعبيُّ: "نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يُصِبْ في غزوة؛ أصاب أن بُويع بيعةَ الرَّضوان، وغُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، وظَهَرت الرُّومُ على فارس، وبَلَغ الهَدْيُ مَحِلَّه، وأُطعِموا نخلَ خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النبي ﷺ وبظهورِ الروم على فارس" (١).
° وقال الزهريُّ عن صُلح الحديبية: "فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبلَه كان أعظمَ منه، إنما كان القتالُ، حيث التقى الناسُ، فلما كانت الهُدنة، ووُضِعت الحرب، وأمِنَ الناسُ بعضُهم بعضًا، والتَقَوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يُكلَّمْ أحدٌ في الإسلام يَعقل شيئًا إلاَّ دخل فيه، ولقد دَخَل في تَيْنِكَ السَّنتين (٢) مِثلُ مَن كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر".
° قال ابن هشام: "والدليلُ على قول الزهريِّ: أن رسول الله ﷺ خَرَج إلى الحديبية في ألفٍ وأربعِمِئةٍ في قولِ جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتينِ في عشرة آلاف".
فَرح قلبُ رسول الله ﷺ الكبيرُ فرحًا كبيرًا بهذه السورة، فرح قلبُه بالفتح، الذي كان فتحًا في الأرض، وفتحًا في الدعوة، وفتحًا في النُّفوس والقلوب، تُصوِّرُه بيعةُ الرضوان وشفافيةُ المُبايِعِين ووضاءتُهم وتكريمُ اللهِ لهم ورضاه عنهم.
стр. 51
فَرح بالفتح المبين، وفَرح بالمغفرة الشاملة، وفَرح بالنعمة التامة، وفَرح بالهداية إلى صراط الله المستقيم، وفَرح بالنصر العزيز الكريم، وفَرح برضى الله عن المؤمنين ووَصْفِهم ذلك الوصفَ الجميل.
* والفتوحات على رسول الله ﷺ كثيرة:
فُتحت لك القلوب فغَرَسْتَ فيها الإيمان، فُتِحت لك الضمائر فبَنَيْتَ فيها الفضيلة، فُتحت لك الصُّدور فرفَعْتَ فيها الحقَّ، فتحت لك البلدانُ فنشرت بها الهُدى، وفتحنا لك كنزَ المعرفة، وديوانَ العِلم، ومستودعَ التوفيق، وفتحنا بدعوتك القلوبَ الغلْفَ، والعيونَ العُمْيَ، والآذانَ الصمَّ.
فتحنا لك، فتدَّفقَ العلمُ النافعُ من لسانك، وفاض الهُدَى المبارَكُ من قلبك، وسَحَّ الجُودُ من يمينك.
وفتحنا لك، فحزْت الغنائمَ وقَسَمْتَها، وجَمَعْتَ الأرزاق ووزَّعْتَها، وحَصُلْتَ على الأموال وأنفقتَها.
وفتحنا لك بابَ العلم -وأنت الأُمِّيُّ الذي ما قرأ وكَتَب-، فصار العلماء يَنْهَلون من بحارِ عِلمك ..
قَطَفَ الرجالُ القولَ قبل نباتِه … وقطفتَ أنت القول لَمَّا نوَّرَا
وفتحنا عليك الخيرَ، فوَصَلْتَ القريبَ، وأعطيتَ البعيد، وأشبعتَ الجائع، وكَسَوْتَ العاري، وواسيْتَ المسكين، وأغنيْتَ الفقيرَ برِزقِ مولاك.
فُتِحت له القِلاعُ والمُدن والقرى، فهَيْمَنَ دينه، وارتفعت رايتُه، وانتَصرت دولتُه، فهو مفتوح عليه في كلِّ خيرٍ وبرٍّ وإحسانٍ ونصرٍ وتوفيق.
فُتِحت له فتوحُ العبارة، وأُعطي جوامعَ الكَلِم، وفتوحَ الحلاوة في
стр. 52
الباطن، فهو الذي يَبيتُ عند ربه يُطعمُه ويَسقيه .. وفُتحت له أقطارُ السماوات، فتجاوز طِباقَها طَبَقًا بعد طبق إلى سِدْرَةِ المنتهى، فُتحت له أبوابُ الجِنانِ فرأى ما فيها ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].
* أنواع العطايا في آيات الفتح:
* قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣].
° قال ابن القيم ﵀: "ما جَمَع اللهُ سبحانه لرسوله في آيةِ الفتح من أنواع العطايا، وذلك خَمسةُ أشياء:
أحدها: الفتحُ المبين.
والثاني: مغفرةُ ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر.
والثالث: هدايتُه الصراطَ المستقيم.
والرابع: إتمامُ نعمته عليه.
والخامس: إعطاءُ النصر العزيز .. وجَمَع سبحانه له بين الهُدى والنصر؛ لأن هذيْن الأصلَيْن بهما كمالُ السعادة والفلاح، فإن الهدى هو العلم بالله ودينه، والعملُ بمرضاته وطاعته، فهو العلمُ النافع والعملُ الصالح، والنصرُ والقُدرةُ التامة على تنفيذ دينه.
فالحُجةُ والبيانُ والسيفُ والسِّنان، فهو النصرُ بالحجة واليد، وقَهَر قلوبَ المخالفين له بالحجة، وقَهَر أبدانهم باليد" (١).
стр. 53
* ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: "بإظهاره إياك على عدوِّك، ورَفْعِه ذِكرَك في الدنيا، وغفرانِه ذنوبك في الآخرة.
* ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: وُيرشدك طريقًا من الدِّين لا اعوِجاجَ فيه، يستقيمُ بك إلى رضا ربِّك.
* ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾: وينصرُك اللهُ على سائر أعدائك ومَن ناوَأكَ، نصرًا لا يَغْلِبُه غالب، ولا يَدْفَعْه دافعٌ؛ للبأس الذي يُؤَيِّدك اللهُ به، وبالظَّفَر الذي يُمِدُّك به" (١).
* ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾:
° قال ابن عباس ﵄ في رواية عكرمة: "يعني النجوم التي تُرمَى بها الشياطين إذا سَقطت في آثارها عند استراق السمع .. وهذا قول الحسن، وهو أظهرُ الأقوال، ويكون سبحانه قد أقسَمَ بهذه الآية الظاهرة المشاهَدة التي نَصَبها الله سبحانه آيةً وحِفْظًا للوحي من استراق الشياطين له على أنَّ ما أتى به رسولُه حقٌّ وصِدقٌ، لا سبيلَ للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد أُحرِس بالنجم إذا هَوَى رَصَدًا بين يدي الوحي، وحَرَسًا له.
وبين المقسَم به والمُقسَم عليه من التناسب ما لا يَخفى؛ فإن النجومَ التي تَرمي الشياطينَ آيةٌ مَن آيات الله، يَحفظُ بها دينَه ووحيَه وآياتِه المنزَّلةَ على رسوله، بها ظَهَر دينُه وشَرعُه، وأسماؤه، وصفاته، وجُعِلت هذه النجومُ المشاهَدة خَدَمًا وحَرَسًا لهذه النجوم الهاوية.
ونَفَى سبحانه عن رسوله ﷺ الضلالَ المنافيَ للهدي، والغَيَّ المنافيَ
стр. 54
للرشاد، ففي ضمن هذا النفي الشهادةُ له بأنه على الهدى والرشاد، فالهدى في عِلمه، والرشادُ في عمله، وهذان الأصلان هما غايةُ كمالِ العبد، وبهما سعادتُه وفلاحُه، وبهما وَصَف النبيُّ ﷺ خلفاءَه، فقال: "عليكم بسُنَّتي وسُنة الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّينَ من بعدي" (١)، فالراشد ضدُّ الغاوي، والمَهْدِيُّ ضَدُّ الضالَ، وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو صاحبُ الهدى ودينِ الحق، ولا يَشتبِهُ الراشدُ المَهدِيُّ بالضالِّ الغَوِيِّ إلاَّ على أجهلِ خَلقِ الله، وأعماهم قلبًا وأبعدِهم من حقيقة الإِنسانية.
° ولله درُّ القائل:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظِرِه … إذا استوت عنده الأنوارُ والظُّلَمُ
وتأمَّلْ كيف قال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ولم يقل: "ما ضلَّ محمدٌ"، تأكيدًا لإِقامةِ الحُجَّةِ عليهم بأنه صاحبُهم، وهم أعلمُ الخلق به وبحاله وأقوالِه وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكَذِبٍ ولا عِيٍّ ولا ضلال، ولا يَنقِمون عليه أمرًا واحدًا قط". اهـ من كلام ابن القيم.
* ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]:
° قال ابن القيم: "قال سبحانه يُنزِّهُ نُطقَ رسوله أن يَصدُرَ عن هوًى، وبهذا الكمال هداه وأرشده، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ولم يقل: "وما ينطق بالهوى"؛ لأن نُطقَه عن الهوى أبلغُ، فإنه يتضمَّنُ أن نُطقَه لا يَصدرُ عن هوًى، وإذا لم يَصدُرْ عن هوى فكيف ينطقُ به؟! فتضمَّن نَفْيَ
стр. 55
الأمرَيْن: نفيَ الهوى عن مَصْدَرِ النطق، ونفيَه عن النطق نفسه، فنطقُه بالحقِّ، ومصدرُه الهدى والرشاد، لا الغيُّ والضلال.
ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أيْ: ما نُطْقُه إلاَّ وحيٌّ يُوحى، وهذا أحسنُ مِن قَوْل مَنْ جَعَل الضمير عائِدًا إلى القرآن، فإنه يعمُّ نطقَه بالقرآن والسُّنة، وأَنَّ كليهما وحيٌّ يُوحَى".
* ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]:
سبحان مَن زكَّى مُعلِّمَ محمدٍ ﷺ وجَلِيسَه وهو جبريل ﵇، خَلَع أجملَ الصفاتِ عليه، فقال عنه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٥، ٦]، وقال عنه أيضاً: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]، فوصفه بأنه كريمٌ، قويٌّ، مكينٌ عند الرب تعالى، مُطاعٌ في السماوات، أمين، فهذه خمسُ صفاتٍ تتضمَّنُ تزكيةَ سَنَدِ القرآن، وأنه سماعُ محمدٍ من جبريل، وسماعُ جبريل من ربِّ العالمين، فناهِيكَ بهذا السَّند علوًّا وجلالةً: قول الله سبحانه بنفسه تزكيتَه.
* الصفة الأولى: كونُ الرسول الذي جاء به إلى محمدٍ ﷺ كريمًا، ليس كما يقول أعداؤه: "إن الذي جاء به شيطان"، فإن الشيطانَ، خبيثٌ مُخبَّث، لئيمٌ، قبيحُ المنظر، عديمُ الخير، باطنه أقبحُ من ظاهره، وظاهرُه أشنعُ من باطنه، وليس فيه ولا عنده خيرٌ، فهو أبعدُ شيءٍ عن الكرم، والرسولُ الذي ألقَى القرآنَ إلى محمد ﷺ كريم، جميلُ المنظر، بَهِيُّ
стр. 56
الصورة، كثيرُ الخير، طيِّبٌ مطيَّب، معلِّمُ الطيبين، وكلُّ خير في الأرض مِن هدًى وعلم ومعرفةٍ وإيمانٍ وبرٍّ، فهو مما أجراه ربُّه على يده، وهذا غايةُ الكريم الصوري والمعنوي.
* وقال تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٦]، أي جميلُ المنظر، حسنُ الصورة، ذو جلالة، ليس شيطانًا أقبحَ خلقِ الله وأشوهِهم صورةً؛ بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمِهم أمانةً ومكانةً عند الله، وهذا تعديلٌ لسَنَدِ الوحي والنبوَّة وتزكيةٌ له.
فوَصَفَه بالعلم والقوَّة، وجمالِ المنظر وجلالته، وهذه كانت أوصافَ الرسول البشريِّ والمَلَكِي، فكان رسولُ الله ﷺ أشجعَ الناس، وأعلمَهم، وأجملَهم، وأجلَّهم .. والشياطينُ وتلامذتُهم بضِدٍّ من ذلك، فهم أقبحُ الخلْق صورةً ومعنًى، وأجهلُ الخلقِ وأضعفُهم هِمَمًا ونُفوسًا.
* الوصف الثاني: أنه ذو قوة:
وفي ذلك تنبيهٌ على أمور:
أحدها: أنه بقوَّته يمنعُ الشياطينَ أن تدنوَ منه، وأن ينالوا منه شيئًا، وأن يَزيدوا فيه أو يَنقُصُوا منه، بل إذا رآه الشيطانُ هَرَب منه ولم يَقْرَبْه.
الثاني: أنه مُوَالٍ لهذا الرسول الذي كذبتموه، ومعاضِدٌ له، وموادٌّ له وناصرٌ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. ومَن كان هذا القويُّ وليه، ومِن أَنصاره، وأعوانه، ومعلمَه، فهو المَهدِيُّ المنصور، واللهُ هادِيه وناصرُه.
стр. 57
الثالث: أن مَن عادى هذا الرسولَ فقد عادى صاحبَه ووليَّه جبريل، ومَن عادَى ذا القوّة والشدَّة، فهو عُرْضَةٌ للهلاك.
الرابع: أنه قادرٌ على تنفيذِ ما أُمِر به لقوَّته، فلا يَعجزُ عن ذلك، مؤدٍّ له كما أُمر به لأمانته، فهو القويُّ الأمين، وأحدُكم إذا انتدب غيرَه في أمرٍ من الأمور لرسالة، أو ولاية، أو وكالةٍ أو غيرها، فإنما ينتدبُ لها القويَّ عليها الأمينَ على فعلها.
وإن كان ذلك الأمرُ من أهمِّ الأمور عنده انتدب له قِويًّا، أمينًا، معظَّمًا، ذا مكانةٍ عنده، مُطاعًا في الناس، كما وَصَف اللهُ عبدَه جبريل بهذه الصفات.
هذا يدلُّ على عظمةِ شأنِ المرسِل، والرسول، والرِّسالة، المُرْسَل إليه، حيث انتدب له الكريمَ القويَّ، المكينَ عنده، المطاعَ في الملأ الأعلى، الأمينَ حقَّ الأمين، فإنَّ الملوكَ لا تُرسِلُ في مهمَّاتها إلا الأشرافَ ذَوِي الأقدارِ والرتبِ العالية.
* ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]:
أيْ: له مكانةٌ ووجاهةٌ عنده، وهو أقربُ الملائكة إليه، وفي قوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ إشارةٌ إلى علوِّ منزلةِ جبريل، إذْ كان قريبًا من ذي العرش.
* ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]: إشارة إلى أنَّ جنودَه وأعوانَه يطيعونه إذا نَدَبهم لنصر صاحبِه وخليله محمد ﷺ ، وفيه إشارةٌ أيضًا إلى أنَّ هذا الذي تُكذِّبونه وتُعادُونه سيصيرُ مُطاعًا في الأرض، كما أن جبريلَ مطاعٌ في السماء، وأن كلاًّ مِن الرسوليْن مطاعٌ في مَحِلِّه وقومه، وفيه تعظيمٌ له بأنه بمنزلةِ الملوك المُطَاعِين في قومهم، فلم يُنتدبْ لهذا الأمر العظيم إلاَّ مثلُ هذا
стр. 58
المَلَك المُطاع.
° وفي وصفِهِ بالأمانة إشارةٌ إلى حِفظه ما حَمَله، وأدائِه له على وجهه" اهـ.
* ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]:
° "سبحان مَن زَكَّى قلبَ عبدِه ومصطفاه وخليلِه، فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١].
فقد أخبر تعالى عن تصديق فؤادِ النبي ﷺ ما رأته عيناه، وأن القلبَ صَدَّق العين، وليس كمَن رأى شيئًا على خلافِ ما هو به، فكَذَّب فؤادُه بَصرَه، بل ما رآه ببصرِه صَدَّقة الفؤادُ وعَلِم أنه كذلك".
° "قرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان: (ما كَذَب) خفيفة، وفي هشام ابن عمار: (ما كَذَّب) مُشدَّدة، وقرأ الباقون: (ما كَذَب) مخفَّفة الذال" (١).
و"ما" إمَّا أن تكون مَصدرية، فيكون المعنى: ما كَذَّب فؤادُه رؤيتَه، وإمَّا أن تكون موصولة، فيكون المعنى: ما كَذَّب الفؤادُ الذي رآه بعينه.
وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلبِ لرؤية البصر، وتوافقِهما، وتصديقِ كلٍّ منهما لصاحبه.
وهذا ظاهرٌ جدًّا في قراءة التشديدِ.
وعلى القراءتيْن فالمعنى: ما أَوْهَمَه الفؤادُ أنه رأى ولم يَرَ، ولا اتَّهَم بصره.
* ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]:
° قال ابن عباس ﵄: "ما زاغ البصرُ يمينًا ولا شِمالاً، ولا جاوز ما
стр. 59
أُمِر به".
وعلى هذا المفسِّرون، فنَفَى عن نبيِّه ما يَعرِضُ للرائي الذي لا أدبَ له بين يَدَيِ الملوك والعظماء، من التفاته يمينًا وشمالاً، ومجاوزةِ بصرِه لما بيْن يديْه، وأخبر عنه بكمالِ الأدب في ذلك المقام، وفي تلك الحَضْرة، إذْ لم يلتفت جانبًا، ولم يَمُدَّ بَصَرَه إلى غير ما رأى مِن الآيات، وما هنالك من العجائب، بل قام مَقامَ العبد الذي أوجب أدبُه إطراقَة وإقبالَه على ما أُري، دون التفاتِه إلى غيره، ودون تطلُّعه إلى ما لَم يَرَه، مع ما في ذلك من ثباتِ الجأش، وسكون القلب، وطمأنينته .. وهذا غايةُ الكمال.
وزَيغُ البصرِ: التفاتُه جانبًا .. وطغيانُه: مَدُّه أمامَه إلى حيث ينتهي.
فنَزَّه في هذه السورة عِلمَه عن الضلال، وقَصْدَه وعَمَلَه عن الغَيِّ، ونُطقَه عن الهوى، وفؤاده عن تكذيب بصره، وبَصَرَه عن الطغيان، وهكذا يكون المدحُ ..
تلك المكارمُ لا قُعبانُ من لبنٍ … شِيبَا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا
* * *
* سيِّد البَشرِ ﷺ أكملُ الأنبياء أدبًا:
* قال تعالى في وصف أدبه ﷺ : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، أُفُقٌ وضيءٌ طليقٌ مرفرِف، عاش فيه قلبُ رسولنا ﷺ وبصرُه .. لحظاتٌ خُصَّ بها القلبُ المصفَّى، وأدبٌ مِن بَصَرِ رسولِ الله ﷺ ، لم يتجاوزْ رُتبَتَه وكُلُّه شَوْق، فأعطاه الله ما لم يُعطِ أحدًا غيره.
° قال ابن القيم: "إن هذا وصْفٌ لأدبه ﷺ في ذلك المَقام؛ إذْ لم
стр. 60
يَلتفتْ جانبًا، ولا تجاوَزَ ما رآه، وهذا كمالُ الأدب .. والإِخلالُ به أن يلتفتَ الناظرُ عن يمينه وعن شماله، أو يتطلَّعِ أمامَ المنظور، فالالتفاتُ زَيْغ، والتطلُّعُ إلى ما أمامَ المنظور طغيانٌ ومجاوزَة؛ فكمالُ إقبالِ الناظرِ على المنظور: أن لا يَصْرِفَ بَصَرَه عنه يَمنة ولا يَسْرةً، ولا يتجاوزه.
وهذا معنى ما حصَّلْتُه عن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه-.
وفي هذه الآيةِ أسرارٌ عجيبة، وهي من غوامضِ الآداب اللائقةِ بأكمل البَشَر ﷺ ؛ تواطأ هناك بَصَرُه وبَصيرتُه، وتوافَقَا وتصادقَا فيما شاهَدَه بصرُه، فالبصيرةُ مواطئةٌ له، وما شاهَدَته بصيرتُه فهو أيضًا حقٌّ مشهودٌ بالبصر، فتواطأ في حقهَ مَشهَدُ البصر والبصيرة.
* ولهذا قال : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١١، ١٢]، أي: ما كَذَب الفؤادُ ما رآه ببصره.
ولهذا قرأها أبو جعفر: "ما كَذَّب الفؤادُ ما رأى" -بتشديد الذال-، أي: لم يُكذِّب الفؤادُ البصرَ، بل صَدَّقَه وواطأه؛ لصحَّةِ الفؤادِ والبصر، أو لاستقامةِ البصيرةِ والبصر، وكوْنِ المرئيِّ المشاهَد بالبصر والبصيرة حقًّا.
وقرأ الجمهور ﴿ما كذَب الفؤاد﴾ -بالتخفيف-، وهو مُتَعَدٍّ، و"ما رأى" مفعوله؛ أي: ما كَذَّب قلبُه ما رأته عيناه؛ بل واطأه ووافَقَه، فلمواطأةِ قلبهِ لقالَبه، وظاهرِه لباطنه، وبصره لبصيرته؛ لم يُكذِّبِ الفؤادُ البصرَ، ولم يتجاوزِ البصرُ حدَّه فيطغى، ولم يَمِلْ عن المَرْئيِّ فيَزيغ؛ بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئي، ما جاوَزَه ولا مال عنه، كما اعتَدَل القلبُ في الإِقبالِ على الله
стр. 61
والأعراضِ عَمَّا سواه؛ فإنه أقبل على الله بِكُلِّيَّتِهِ.
وللقلب زَيْغ وطغيان، كما للبصر زَيْغ وطُغيان، وكلاهما مُنتفٍ عن قلبه وبصره، فلم يَزغْ قلبُه الْتفاتًا عن الله إلى غيره، ولم يَطْغَ بمجاوزتِه، وهذا غايةُ الكمالِ والأدبِ مع الله، الذي لا يَلحقُه فيه سواه، فإن عادةَ النفوسِ إذا أُقيمتْ في مقامٍ عالٍ رفيع: أن تتطلَّع إلى ما هو أعلى منه وفوقه؛ ألَا ترى أن موسى ﷺ لَمَّا أُقيم في مقامِ التكليم والمناجاة طَلبت نفسُه الرؤية؟! ونبينا ﷺ لَمَّا أُقيم في ذلك المقام، وفَّاه حقَّه، فلم يلتفتْ بصرُه ولا قلبُه إلى غيرِ ما أُقيم فيه ألبتة؟! ولأجل هذا ما عاقَه عائقٌ، ولا وَقَف به مرادٌ، ولَم تَقِفْ به دونَ كمال العبودية هِمَّةٌ، ولهذا كان مركوبُه في مَسْرَاه يَسبقُ خَطْوُهُ الطرْفَ، فيضع قدمَه عند منتهى طرْفه، مُشاكِلاً لحال راكبه وبُعْدِ شأوه، الذي سَبَق العالَمَ أجمعَ في سَيْره، فكان قَدَمُ البُراق لا يَختلفُ عن موضع نظَرِه، كما كان قَدَمُه ﷺ لا يتأخَّر عن محلِّ معرفته.
فلم يزلْ ﷺ في خِفارةِ كمالِ أدبه مع الله سبحانه، وتكميلِ مراتب عبوديته له، حتى خَرَق حُجُبَ السموات، وجاوَزَ السبْعَ الطِّباق، وجاوَزَ سِدْرةَ المنتهى، ووصل إلى محلٍّ منَ القُرْب سَبَق به الأوَّلين والآخرين، فانصبّتْ إليه هناك أقسامُ القُرْب انصبابًا، وانقَشَعت عنه سَحائبُ الحجُب -ظاهرًا وباطنًا- حِجابًا حجابًا، وأُقيم مقامًا غَبَطَهُ به الأنبياءُ والمرسلْون؛ فإذا كان في المعاد، أُقيم مقامًا مِن القرْب ثانيًا، يَغبِطُه به الأوَّلون والآخرون ..
واستقام هناك على صراطٍ مستقيم مِن كمالِ أدبهِ مع الله، ما زاغ البصر عنه وما طغى، فأقامه في هذا العالَم على أقومِ صراطٍ من الحقِّ والهدى، وأقسم بكلامِه على ذلك في الذِّكر الحكيم، فقال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ
стр. 62
الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]، فإذا كان يومُ المعاد، أقامه على الصراطِ يَسألُه السلامةَ لأتباعه وأهل سُنَّته، حتى يَجُوزَه إلى جنَّاتِ النعيم، وذلك فَضْلُ الله يؤتيه مَنْ يشاء، والله ذو الفضل العظيم" (١).
وكلُّ الآداب تُتَلَقَّى من رسولِ الله ﷺ ؛ فإنه ﵇ مجْمعُ الآداب ظاهرًا وباطنًا.
* صاحبُ الإِسراء والمعراج -بأبي هو وأمي -:
* قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
* وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٠ - ١٨].
أنوارٌ تَشعُّ من المجال العُلويِّ الذي تقعُ فيه الأحداثُ النُّورانيَّةُ والمَشَاهدُ الربَّانية .. نَعيشُ لحظاتٍ من ذلك الأفق الوضيءِ المرفرفِ الذي عاش فيه قلبُ رسولنا العظيم ﷺ ، ونَرِفُّ بأجنحةِ النور المنطلقةِ إلى ذلك الملأ الأعلى .. نَعيشُ لحظاتٍ مع قلبِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ مكشوفةٍ عنه
стр. 63
الحجب، مُزاحةٍ عنه الأستار، يتلقى من الملأ الأعلى، يَسمعُ ويرى، ويَحفظُ ما وَعَى، وهي لحظاتٌ خُصَّ بها ذلك القلبُ المصفَّى.
هي عِيانٌ مشهود، ورؤيةٌ محقَّقه، ويَقينٌ جازم، واتِّصالٌ مباشر، وقُربٌ من عَرشِ الرحمن فوقَ طاقتِنا أن نُدرِكَ كيفيتَه، ومعرفةٌ مؤكدة عُلْوِيَّة، وصحبةٌ محسوسة، ورِحْلةٌ واقعيةٌ بالرُّوح والجَسَد.
قصة الإسراء والمعراج هي من خصائصِ نبينا محمدٍ ﷺ ، هذا النَّجمُ الإنسانيُّ العظيمُ، والنورُ لهداية العالَم في حَيْرَة ظُلماته النفسيَّة.
وقد حار المفسِّرون في حِكمةِ ذِكر "الليل" في آية "الإسراء" من قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية، فإن السُّرَى في لغة العرب لا يكون إلاَّ ليلاً!.
والحكمةُ هي الإشارةُ إلى أنَّ القصةَ قصَّةُ "النَّجمِ" الإنسانيِّ العظيمِ الذي جَمَع بين إنسانيته ورَفرفةِ قلبِه النُّورانيةِ في هذه المعجزة، ويُتمِّمُ هذه العجيبةِ أن آياتِ "المعراج" لم تجيء إلاَّ في سورة "النجم"!.
وعلى تأويل أن ذِكرَ "الليل" إشارةٌ إلى قصة النجم، تكونُ الآيةُ برهانَ نفسِها، وتكونُ في نَسَقِها قد جاءت معجزةً من المعجزات البيانيَّة.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فإنها بهذه العبارة نصٌّ على إشراف النبي ﷺ فوقَ الزمانِ والمكان يرى بغير حِجاب الحواسِّ مما مَرْجِعُه إلى قُدرة الله لا قُدرةِ نفسِه، بخلافِ ما لو كانت العبارةُ "ليرى من آياتنا"؛ فإن هذا يجعلُه لنفسه في حدودِ قوَّتها وحواسِّها وزمانها ومكانها، فيضطربُ الكلام، ويتطرَّقُ إليه الاعتراضُ، ولا تكون ثَمَّ معجزةٌ.
стр. 64
وتحويلُ فعل "الرؤية" من صيغةٍ إلى صيغة، معجزةٌ أخرى.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ دون "بَعَث بعبده" و"أرسل به"، فقوله تعالى يُفيد مصاحبَتَه له في مَسراه؛ فإن "الباء" هنا للمصاحَبة.
فجاز السماءَ السَّبع في بعض ليلةٍ … ولكن بعدَ السَّبعْ أين يَصيرُ؟
فلاحَ له من رفرفِ النورِ لائحٌ … مِن النور للهادي البشيرِ بشيرُ
وشاهَدَ تحت العرشِ كلَّ عجيبةٍ … وما ثَمَّ إلاَّ زائرٌ ومزورُ
حبيبٌ تملَّى بالحبيب فخصَّه … وشرَّفه بالقربِ وهو جديرُ
والقصةُ بعد ذلك تُثبت أن هذا الوجودَ يَرقُّ وينكشفُ ويستضيءُ كلما سما الإنسانُ برُوحه، وهي من ناحيةِ النبي ﷺ قصةٌ تصفُه بخصائصِه في عظمتِه كما رأى ذاتَه في ملكوت الله .. ومن ناحيةِ كلِّ مسلمٍ مِن أتباعه هي كالدرس في أن يكونَ لقلبِ المؤمن مِعراجٌ سماويٌّ فوقَ هذه الدنيا، ليشهدَ ببصيرته أنوارَ الحقِّ وجمالَ الخير، فيكونَ بتدبُّره القصةَ كأنما يَصعَدُ إلى السماء وينزل.
* ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾:
أقسم سبحانه بالكتاب وآلتِه، وهو القلم الذي هو أحدى آياتِه وأولُ مخلوقاتِه الذي جرى به قَدَرُه وشَرْعُه وكُتِبَ به الوحي، وقُيِّد به الدِّين، وأُثبتت به الشريعة، وحُفِظت به العلوم .. وأقام في الناس أبلغَ خطيبٍ وأفصَحَه، وأنفعَه لهم وأنصحَه، وواعظًا تَشفي مواعظُه القلوبَ من السَّقَم، وطبيبًا يُبرِئُ بإذنه من أنواع الألم، يَكسر العساكرَ العظيمةَ على أنه الضعيفُ الوحيد، ويَخاف سطوتَه وبأسَه ذو البأس الشديد .. وبالقلم تُدَبَّرُ
стр. 65
الأقاليمُ وتُسَاسُ الممالكُ .. والقلمُ لسانُ الضمير، يُناجيه بما استتر عن الأسماع، فيَنسُجُ حُلَلَ المعاني على القِرطاس، فتعودُ أحسنَ مِنَ الوَشْي المرقوم، وُيودِعُها حِكمهً فتصير بوادرَ الفهوم .. والأقلامُ نظيرٌ للأفهام، وكما أن اللسانَ بريدُ القلب، فالقلمُ بريد اللسان، وتولُّدُ الحروفِ المسموعة عن اللسان كتولُّد الحروفِ المكتوبة عن القلم، والقلمُ بريدُ القلب ورسولُه وترجمانُه ولسانُه الصامت.
والمقسَمُ عليه بالقلم والكتابةِ في هذه السورة تنزيهُ نبيِّه ورسولِه ﷺ عمَّا يقولُ فيه أعداؤه، وهو قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، وأنت إذا طابقْتَ بين هذا القَسَم والمقسَمِ به وجدتَهَ دَالاًّ علَيه أظهرَ دلالةٍ وأبْيَنها، فإنَّ ما سَطَّر الكاتبُ بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقَّاها البشرُ بعضُهم عن بعضٍ لا تصدرُ عن مجنون، ولا تصدرُ إلاَّ من عقلٍ وافرٍ، فكيف يَصدرُ ما جاء به الرسولُ ﷺ مِن هذا الكتابِ- الذي هو في أعلى درجات العلوم-؟ بل العلوم التي تَضمَّنها ليس في قوى البشر الإِتيانُ بها، ولا سيَّما مِن أُمِّيٍّ لا يقرأُ كتابًا ولا يَخُطُّه بيمينه، مع كونه في أعلى الفصاحة، سليمًا من الاختلاف، بَرِيًّا من التناقض، يَستحيلُ من العقلاء كلِّهم لو اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ أن يأتوا بمثله، ولو كانوا في عقل رَجُلٍ واحدٍ منهم، فكيف يتأتَّى ذلك من مجنونٍ لا عقلَ له يُميِّزُ به ما عَسى كثيرٌ من الحيوانِ أن يُميِّزه، وهل هذا إلاَّ مِن أقبحِ البُهتانِ وأظهرِ الإِفك؟!.
فتأمَّلْ شهادةَ هذا المقسَمِ به للمقسَم عليه ودلالتَه عليه أتمَّ دلالة، ولو أنَّ رجلاً أنشأ رسالةً واحدةً بديعةً منتظمةَ الأول والآخر، متساويةَ الأجزاءِ يُصدِّقُ بعضُها بعضًا، أو قال قصيدةً كذلك، أوْ صَنَّف كتابًا كذلك، لشهد
стр. 66
له العقلاءُ بالعقل، ولما استجاز أحدٌ رَمْيَه بالجنون مع إمكان -بل وقوع- معارضتها ومشاكلتها والإتيانِ بمثلها أو أحسنِ منها، فكيف يرمَى بالجنون مَن أَتَى بما عَجَزتِ العقلاءُ كلُّهم قاطبةً عن معارضته ومماثلته، وعرَّفهمِ من الحق ما لا تهتدي عقولُهم إليه، بحيث أذعنت له عقولُ العقلاء، وخَضعت له ألبابُ الأولياء، وتلاشت في جَنب ما جاء به بحيث لم يَسَعْها إلاَّ التسليم له والانقيادُ والإذعان، طائعةً مختارةً، وهي ترى عقولَها أشدَّ فقرًا وحاجةً إلى ما جاء به، ولا كمالَ لها إلاَّ بما جاء به؟ فهو الذي كمَّل عقولَها كما يَكمُلُ الطفل برَضاع الثدي، ولهذا فإنَّ أتباعَه أعقلُ الخلق على الإطلاق، وهذه مؤلَّفاتهم وكُتبُهم في الفنون، إذا وازَنْتَ بينها وبين مؤلفاتِ مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها، ويكفي في عقولهم أنهم عَمَّروا الدنيا بالعلم والعدل، والقلوبَ بالإيمان والتقوى، فكيف يكونُ مَتْبوعُهم مجنونًا وهذا حالُ كتابِه وهَديه وسِيرته وحالُ أتباعه؟!! وهذا إنما حَصَل له ولأتباعه بنعمةِ الله عليه وعليهم، فنفى عنه الجنونَ بنعمته عليه.
إن هذه الصفةَ المفتراةَ لا تجتمع مع نعمةِ الله على عبدٍ نَسَبه الله إليه وقرَّبه واصطفاه.
إن العَجَبَ ليأخذ كلَّ دارسٍ لسيرةِ الرسول ﷺ في قومه من مَقولتهم هذه عنه، وهم الذين عَلِموا منه رَجاحةَ العقل حتى حَكَّموه بينهم في رَفع الحَجَرِ الأسود قبل النبوَّة بأعوامٍ كثيرة، وهم الذين لقَّبوه بالأمين.
إن الإِنسانَ ليأخذُه العَجَبُ أن يَبلغَ الغيظُ بالناس إلى الحدِّ الذي يَدفعُ مشركي قريش إلى أن يقولوا هذه القَوْلةَ وغيرَها عن هذا النبي الرفيع الكريم ﷺ ، المشهورِ بينهم برجاحةِ العقل وبالخُلُق القويم، ولكنَّ الحقدَ يُعمي
стр. 67
ويُصِمُّ، والغرضُ يَقذف بالفرْية دون تحرُّج! وقائلُها يعرفُ قبل كلِّ أحد أنه كذاب أثيم!.
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .. هكذا في عطفٍ وفي إيناسٍ وفي تكريم، رَدًّا على ذلك الحقدِ الكافر، وهذا الافتراءِ الذميم.
* ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، لستَ مجنونًا كما قال أعداؤك، لكن عندك دَواءُ المجنون، فالمجنونُ الطائشُ والسفيهُ التافهُ مَن خالَفَك وعصاك وحارَبَك وجفاك.
* ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، وكيف يكونُ ذلك وأنت أكمَلُهم عقلاً، وأتمُّهم رُشْدًا وأسدُّهم رأيًّا، وأعظمُهم حِكمةً، وأجلُّهم بصيرةً!.
كيف تكون مجنونًا وأنتَ أَتيْتَ بوحيٍ يكشف الزَّيغَ، ويزيل الضلال، وَينسِفُ الباطل، ويمحو الجهلَ، ويَهدي العقل، ويُنير الطريق!.
لستَ مجنونًا لأنك على هُدًى من الله، وعلى نورٍ من ربِّك، وعلى ثقةٍ من منهجك، وعلى بيِّنةٍ من دينك، وعَلَى رُشدٍ من دعوتك، صانك اللهُ من المجنون، بل عندك كلُّ العقل، وأكمل الرُّشد، وأتمُّ الرأي، وأحسنُ البصيرة، فأنت الذي يَهتدِي بك العقلاء، ويَستضيءُ بحكمتك الحكماء، ويَقتدي بك الراشدُون المهديُّون.
كَذَب وافترى مَن وَصَفك بالجنون، وقد ملأت الأرضَ حِكمةً، والدنيا رَشَدًا، والعالَمَ عَدْلاً، فأين يُوجد الرَّشَدُ إلاَّ عندك؟ وأين تكونُ الحكمةُ إلاَّ لديْك؟ وأين تحِلُّ البَرَكة إلا معك؟ أنت أعقلُ العقلاء، وأفضلُ النُّبلاء، وأجلُّ الحكماء.
كيف يكونُ محمدٌ مجنونًا، وقد قدَّم للبشرية أحسنَ تراثٍ على وجهِ
стр. 68
الأرض، وأهدَى للعالَم أجلَّ تَرِكةٍ عَرَفها الناس، وأعطى الكونَ أبركَ رسالةٍ عرفها العقلاء؟! ..
أخوك عيسى دَعَا مَيْتًا فقامَ لهُ … وأنتَ أحْيَيْت أجيالاً مِن الرِّمَم (١)
* ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣]:
إن لك لأجرًا دائمًا موصولاً، لا ينقطع ولا ينتهي، أجرًا عند ربك الذي أنعم عليك بالنبوة ومقامها الكريم.
هذا الأجر العظيم لا ينقطع ما تردَّد نَفَسٌ في جَنْبِ مسلم يعيشُ في دار الدنيا، والداعي إلى الخير له مِثلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبعه، فكيف ينقطعُ أجرُ رسول الله ﷺ وله مِثلُ أجورِ ثُلُثَيْ أهل الجنة؟! فـ "أهلُ الجنَّة مئةٌ وعشرون صفًّا، أمتي منهم ثمانون صفًّا" (٢)، كما قال ﷺ .
فأيُّ إيناسٍ وتَسريةٍ وتعويضٍ فائضٍ غامرٍ عن كلِّ حرمانٍ وعن كلِّ جَفْوةٍ وعن كلِّ بُهتانٍ يَرميه به المشركون!! وماذا فَقَد مَن يقول له ربُّه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾؟ في عطفٍ وفي مَوَدَّةٍ وفي تكريم.
* ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]:
° قال ابن عباس ومجاهد: "لَعلَى دينٍ عظيم، لا دينَ أحبُّ إليَّ ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإِسلام".
° وقال الحسن: "هو آدابُ القرآن".
° وقال قتادة: "هو ما كان يأمرُ به من أمر الله، وينهى عنه مِن
стр. 69
نَهيِ الله، والمعنى: إنك لعلى الخُلُق الذي آثرك اللهُ به في القرآن" (١).
• وفي "الصحيحين" أن هشامَ بنَ حكيم سأل عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: "كان خُلُقه القرآن" .. فقال: "لقد هَمَمْتُ أن أقومَ ولا أسألَ شيئًا" (٢).
وهذه من أعظمِ آياتِ نبوَّته ورسالتِهِ، لمن مَنَحه اللهُ فهمًا، فقد كانت أخلاقُ النبي ﷺ -وهي أزكى الأخلاقِ وأشرفُها وأفضلُها-، مقتبَسةً من مِشكاةِ القرآن.
فترجمت أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ -لكمالِ معرفتها بالقرآن وبالرسول ﷺ ، وحُسنِ تعبيرها- عن هذا كلِّهَ بقولها: "كان خلقُه القرآن"، وفَهِم هذا السائلُ لها عن هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى.
فإذا كانت أخلاقُ العباد، وعلومُهم، وإراداتُهم، وأعمالُهم مستفادةً من القلم وما يَسطُرون، وكان في خَلْق القلم والكتابة إنعامٌ عليهم وإحسانٌ إليهم، إذْ وَصَلوا به إلى ذلك، فكيف يُنكِرون إنعامَه وإحسانَه على عبده ورسوله ﷺ الذي أعطاه أعلى الأخلاق، وأفضلَ العلوم والأعمالِ والإِراداتِ التي لا تهتدي العقولُ إلى تفاصِيلها من غيرِ قلم ولا كتابة؟! فهل هذا إلاَّ مِن أعظمِ آيات نُبُوَّته وشواهدِ صدق رسالته؟!.
* ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]:
تجيءُ الشهادةُ الكبرى والتكريمُ العظيم، وتتجاوبُ أرجاءُ الوجود بهذا
стр. 70
الثناء الفريد على النبي الكريم ﷺ ، ويَثْبُتُ هذا الثناءُ العُلويُّ في صميم الوجود! وَيعجزُ كلُّ قلم، ويعجِزُ كلُّ تصوَّرٍ عن وصفِ قيمة هذه الكلمة العظيمة من ربِّ الوجود، وهي شهادةٌ من الله، في ميزان الله، لعبد الله، يقولُ له فيها: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ومدلولُ هذا الخُلق العظيم هو ما عند الله مما لا يبلغُ إلى إدراك مَداه أحدٌ من العالمين!.
ودلالةُ هذه الكلمةِ العظيمةِ على عظمةِ النبيِّ محمد ﷺ تَبْرُزُ مِن نواحٍ شتَّى:
° تَبرزُ من كونها كلمةً من الله الكبير المتعال، يُسجِّلُها في ضميرِ الكون، وتَثبُتُ في كِيانه، وتتردَّد في الملأ الأعلى ما شاء الله.
° وتبرزُ من جانبٍ آخَرَ في إطاقةِ محمد ﷺ لتلقِّيها، وهو يعلمُ من ربُّه هذا، قائلُ هذه الكلمة، ما هو؟ ما عظمتُه؟ ما دلالةُ كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلمُ مَنْ هو إلى جانبِ هذه العظمةِ المطلقةِ التي يُدرِكُ هو منها ما لا يُدرِكُه أحدٌ من العالمين.
إنَّ إطاقةَ محمدٍ ﷺ لِتَلَقِّي هذه الكلمةِ من ربِّه العظيم، وهو ثابتٌ لا يَنسحقُ تحت ضغطِها الهائل -ولو أنها ثناءٌ-، ولا تتأرجحُ شخصيته تحتَ وقعها وتضطرب .. تَلقِّيه لها في طُمأنينة، وفي تماسُك، وفي توازن .. هو ذاتُه دليلٌ على عظمةِ شخصيته فوقَ كلِّ دليل.
ولقد رُويت عن عَظَمةِ خُلُقه في السيرة، وعلى لسانِ أصحابِه رواياتٌ مُنَوَّعةٌ كثيرة، وكان واقعُ سيرته أعظمَ شهادةٍ مِن كُلِّ ما رُوِي عنه، ولكنَّ هذه الكلمةَ أعظمُ بدلالتها من كلِّ شيءٍ آخر، أعظمُ بصدورها عن العليِّ الكبير، وأعظمُ بتلقِّي محمدٍ لها وهو يَعلمُ مَنْ هو العليُّ الكبير، وبقائه
стр. 71
بعدها ثابتًا راسخًا مطمئنًا، لا يتكبَّر على العباد، ولا ينتفخُ، ولا يتعاظم، وهو الذي سَمع ما سَمع من العليِّ الكبير!.
واللهُ أعلم حيث يجعلُ رسالته، وما كان إلاَّ محمد ﷺ -بعظمةِ نفسِه هذه- مَن يَحملُ هذه الرسالةَ الأخيرةَ بكلِّ عظمتها الكونيةِ الكبرى، فيكون كُفئًا لها، كما يكونُ صورةً حيَّةً منها.
إن هذه الرسالةَ من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدقِ والحقِّ، بحيث لا يَحملُها إلاَّ الرجلُ الذي يُثني عليه اللهُ هذا الثناء، فتُطيقُ شخصيتُه كذلك تلقِّي هذا الثناء، في تماسُكٍ وفي توازن، وفي طمأنينة؛ طمأنينةِ القلبِ الكبير الذي يَسَعُ حقيقةَ تلك الرسالةِ وحقيقةَ هذا الثناء العظيم.
إنَّ حقيقةَ هذه النفسِ من حقيقةِ هذه الرسالة، وإنَّ عَظَمة هذه النَّفُس من عظمة هذه الرسالة، وإن قَدْر رسول الله ﷺ كقَدْر الإسلام لأَبعدُ من مَدَى أيِّ مِجهر يملكه بَشَر، وقُصارى ما يَملكُه راصدٌ لعظمة هذه النفسِ أن يراها ولا يُحدِّد مداها، وأن يشيرَ إلى مسارها دونَ أن يستطيعَ أن يحدد هذا المسار!.
ومرةً أخرى يَجدُ المرء نفسَه مشدودًا للوقوفِ إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقِّي رسول الله ﷺ لهذه الكلمةِ من ربِّه، وهو ثابتٌ راسخٌ متوازنٌ مطمئنُّ الكيان .. لقد كان ﷺ -وهو بَشَر- يثني على أحد أصحابه، فيهتز كيانُ صاحِبه هذا وأصحابِه مِن وَقْعِ هذا الثناءِ العظيم .. وهو بَشرٌ وصاحبه يَعلَم أنه بشر، وأَصحابه يدرِكون أنه بَشر، إنه نبيٌّ نعم، ولكن في الدائرة المعلومة الحدود، دائرةِ البشرية ذاتِ الحدود .. فأمَّا هو فيتلقَّى هذه
стр. 72
الكلمةَ من الله، هو بخاصةٍ يعلمُ مَن هو الله! هو يعلمُ منه ما لا يعلمُه سواه، ثم يصطبر ويتماسَكُ ويتلقَّى ويَسير .. إنه أمرٌ فوقَ كلِّ تصوُّر وفوقَ كل تقدير!!! إنه محمد ﷺ -وحدَه- هو الذي يَرقَى إلى هذا الأُفق من العظمة .. إنه محمدٌ نبي الله ﷺ -وحده- هو الذي يَبلغُ قمَّة الكمالِ الإنسانيِّ، إنه سيّدُ البشر محمد ﷺ -وحده- هو الذي يُكافئُ هذه الرسالةَ الكونيةَ العالميةَ الإنسانية، حتى لتتمثل في شخصية حيَّة تمشي على الأرض في إهابِ إنسان .. إنه محمد ﷺ -وحده- الذي علم الله منه أنه أهلٌ لهذا المقام، واللهُ أعلم حيث يجعلُ رسالته، وأعلن في هذه أنه على خُلُق عظيم، وأعلن في الأخرى أنه -جلَّ شأنُه وتقدَّست ذاته وصفاته- يُصلِّي عليه هو وملائكتُه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهو -جل شأنُه- وحده القادرُ على أن يَهَبَ عبدًا من عبادِه ذلك الفضلَ العظيم.
* ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو الكسائي: (بِظَنين) بالظاء .. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة (بِضَنين) بالضاد.
والمقصود هنا رسول الله ﷺ .
لقد نَزَّه اللهُ رَسُولَيْه: المَلَكيَّ جبريلَ، والبشريَّ رسولَ الله ﷺ عَمَّا يُضَادُّ مقصودَ الرسالة من الكتمان الذي هو الضنَّة والبُخل، والتبديلُ، والتغييرُ الذي يُوجبُ التهمة، فقال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، فإنَّ الرسالةَ لا يتمُّ مقصودُها إلاَّ بأَمْرَين: أدائها من غير كتمان، وأدائها على
стр. 73
وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصان.
والقراءتان كالآيتيْن، فتضمَّنت إحداهما -وهي قراءة الضاد- تنزيهَه عن البخل، فإن "الضَّنين" هو البخيل، يُقال: "ضَنِنتُ به، أضنُّ"، بوزن "بخِلت به أبخل" ومعناه.
° قال ابن عباس ﵄: "ليس بخيلاً بما أنزل الله".
° وقال مجاهد: "لا يضنُّ عليهم بما يعلم".
وأجمع المُفَسِّرون على أن "الغيَب" ها هنا: القرآن والوحي.
° وقال الفَرَّاء: "يقول تعالى: يأتيه غيَبُ السماء وهو منفوسٌ فيه، فلا يَضِنُّ به عليكم .. وهذا معنًى حسنٌ جدًّا، فإن عادةَ النفوسِ الشُّحُّ بالشيءِ النفيس، ولا سيما عمن لا يَعرفُ قَدْره، ويذمُّه ويذمُّ مَن هو عنده، ومع هذا فالرسولُ لا يبخلُ عليكم بالوحي الذي هو أنفسُ شيءٍ وأَجَلُّه".
° وقال أبو علي الفارسي: "المعنى: يأتيه الغيبُ فيُبيِّنه ويُخبرُ به وُيظهِرُه، ولا يَكتمُهُ كما يكتمُ الكاهنُ ما عنده، ويُخفيه حتى يأخذَ عليه حُلوانًا.
° وفيه معنًى آخر، وهو: أنه على ثقةٍ من الغيب الذي يُخبِرُ به، فلا يخافُ أن يَنتقضَ، ويظهرَ الأمر بخلافِ ما أخبر به، كما يَقعُ للكُهَّان وغيرهم مِمَّنْ يُخبر بالغيب، فإنَّ كَذِبَهم أضعافُ صِدقِهم، وإذا أَخْبَرَ أحدُهم بخبرٍ لم يكن على ثقةٍ منه، بل هو خائفٌ من ظهور كَذِبه، فإقدامُ هذا الرسول على الإخبار بهذا الغَيب العظيم واثِقًا به، مُقيمًا عليه، مُبْدِيًا له في كلِّ مَجْمع، ومُعِيدًا مُناديًا به عَلى صِدْقه، مُجْلِبًا به على أعدائه: مِن
стр. 74
أعظم الأدِلة عَلى صِدْقه.
° وأمَّا قراءةُ من قرأ (بظنين) بالظاء، فمعناه: المُتَّهَم، يُقال: "ظننت زيدًا" بمعنى: اتَّهَمْتُه، وليس من الظنِّ الذي هو الشعورُ والإدراك، فإن ذاك يتعَدَّى إلى مَفْعُولَيْن.
والمعنى: وما هذا الرسولُ على القرآن بمُتَّهم، بل هو أمينٌ لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُص؛ وهذا يدل على أن الضميرَ يرجعُ إلى محمد ﷺ ؛ لأنه قد تقدم وَصفُ الرسولِ المَلَكي بالأمانة، ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، أي: وما صاحبكم بمُتَّهم، ولا بخيل.
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنييْن:
أحدهما: أن الكُفار لم يُبَخِّلوُه، وإنما اتَّهموه، فنفيُ التُّهمةِ أَوْلَى مِن نَفْي البُخل.
الثاني: أنه قال: ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾، ولو كان المراد البخلُ لقال: "بالغيب"؛ لأنه يُقال: فلان ضنين "بكذا"، وقلَّما يُقال: "على كذا".
° قلتُ: وُيرجِّحه أنه وَصَفه بما وَصَف به رسولَه المَلَكِي من الأمانة، فنَفَى عنه التُّهْمةَ كما وَصَف جبريلَ بأنه أمين.
وُيرجِّحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسامَ الكَذِب كلَّها عمَّا جاء به من الغيب، فإن ذلك لو كان كذِبًا، فإمَّا أن يكونَ منه، أوْ ممَّن عَلَّمه، وإن كان منه، فإمَّا أن يكون تعمَّده أو لمْ يتعمَّدْه، فإن كان من مُعَلِّمِه، فليس هو بشيطان رَجيم، وإن كان منه مع التَّعَمُّد فهو المُتَّهم ضدُّ الأمين، وإن كان عن غير تعمُّد فهو المجنون .. فنفى سبحانه عن رسوله ﷺ ذلك كله، وزكَّى
стр. 75
سَنَد القرآن أعظمَ تزكية، فلهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]، ليس تعليمَ الشيطان، ولا يَقدِرُ عليه، ولا يحسُنُ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، فنفى فِعْلَه وابتغاءَه منهم، وقدرَتهم عليه.
وكلّ مَن له أدْنى خِبرةٍ بأحوالِ الشياطين والمجانين والمُتَّهَمِين، وأحوالِ الرُّسل يَعلمُ عِلْمًا لا يُمارِي فيه ولا يشك -بل عِلْمًا ضَرُورِيًّا كسائر الضرورِيَّات- منافاةَ أحدِهما للآخَر، ومضادَّته له، كمنافاةِ أحدِ الضدَّيْن لصاحبه، بل ظهورُ المنافاة بَيْن الأمْرَين للعقل، أَبْيَنُ من ظهورِ المنافاة بين النور والظلمة للبَصَر، ولهذا وَبَّخ سبحانه مَن كَفَر بعد ظهور هذا الفَرْقِ المُبين بين دعوة الرّسل ودعوة الشياطين، فقال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]، قال أبو إسحاق: فأيَّ طريق تسلكون أَبْيَنَ من هذه الطريق التي بَيَّنت لكم؟، وقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]، وقال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].
فالأمر منحصرٌ في الحق والباطل، والهدى والضلال (١) .. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
* * *