أو إسقاطَه من معادلةِ الوجود العربي، ويَستتبعُ ذلك إسقاطُ كلِّ ما يتعلَّقُ بالإِسلام من مقوِّماتٍ حضاريةٍ ولُغويَّةٍ وتصوُّرية، وهو ما عَبَّر عنه أدونيس بالانفصال كُلِّيًا عن الماضي الذي صَنَعه الإِسلام، ولذا نَشر أدونيس في مجلته "مواقف" موضوعاتٍ عديدةً تتعرَّضُ بالنقد للدِّين والوَحْي، وتكلَّمَ عمَّا سَمَّاه بالتناقض في الوحي (!!).
° انظر إلى هذا الشيطانِ الأفَّاكِ الأثيم الذي يَمضي في عالم التِّيهِ والسَّرابِ والظُّلماتِ والوادي السحيق، يَنتقلُ بعد ذلك إلى أخطرِ جريمة، وأسوءِ كلمةٍ، وأقبحِ تَصَوُّرٍ، وأوقحِ تعبيرٍ، ينتقلُ بشكل سافرٍ واضحٍ ليهدمَ العقيدةَ والإيمانَ بهجومٍ مباشر فيقول: "اللهُ في التصوُّرِ الإِسلاميِّ التقليديِّ نقطةٌ ثابتةٌ متعالية، منفصلةٌ عن الإنسان، التصوُّفُ ذَوَّبَ ثباتَ الألوهية، جَعَل حركةَ النفسِ في أغوارِها، أزالَ الحاجزَ بينه وبين الإنسان .. وبهذا المعنى قَتَله "أي: الله"، وأعطى الإنسان طاقاته.
المتصوِّفُ يحيا في سُكْرٍ يَسكر بدَورِه العالَم، وهذا السُّكرُ نابعٌ من قدْرتِه الكامنةِ على أن يكونَ هو واللهُ واحدًا، صارت المعجزةُ تتحرَّك بين يديْه" (١).
وهكذا يَسِفُّ أدونيس ويَهوي في وادٍ سحِيق، يَهوِي في وُحول، وَيسقطُ في رجْس، ونستحي أن نُعيدَ ألفاظَه، فهي أقبحُ من كل تعليق، ورِدَّةٌ واضحة كالشمس في رابعةِ النهار، لا يختلفُ فيها اثنان.
° يقول الدكتور عدنان النحوي: "هذا كاتبٌ واحدٌ مِن كُتَّابِ
стр. 1052
"الحَدَاثة"، فما بالُك بغيرِه من الكُتَّاب، وإني أعترفُ أن استعراضَ كتاباتِهم جميعِها ضروريَّة، حتى نعرفَ الخطَّ الذي يُرسَم، والحربَ التي تُشَنُّ".
° وقال الأستاذ محمد مصطفى هَدَّارة عن "الحداثة": "إنها اتِّجاهٌ فِكريٌّ أشدُّ خطورةً من "الليبرالية والعلمانية والماركسية" وكلِّ ما عَرَفَتْه البشريةُ من مذاهبَ واتجاهاتٍ هدَّامة -ذلك أنها تتضمَّنُ كلَّ هذه المذاهبِ والاتجاهات، وهي لا تخصُّ مجالاتِ الإبداع الفنِّيِّ أو النقدِ الأدبي، ولكنها تَعُمُّ الحياةَ الإنسانية في كلِّ مجالاتها الماديَّةِ والفِكريةِ على السواء" (١).
* نزار قبَّاني الزنديق، شاعر الإِباحية وتطاوُله على الذات العَليَّة ومَقامِ الأنبياء:
° يقول: لا تَخْجلي منِّي فهذِي فُرصتي
لأكونَ ربًّا أو أكونَ رسولاً (٢)
° ويقول: وطنٌ بدونِ نوافذٍ
هَرَبتْ شوارعُه .. مآذنُه .. كنائسُه ..
وَفَرَّ اللهُ مذعورًا
وَفَرَّ جميعُ الأنبياء (٣).
° وهو القائل: شكرًا لحُبِّك .. فهو مَروحةٌ .. وغَمامة وَرديَّة ..
стр. 1053
وهو المفاجأة التي قد حار فيها الأنبياء (١).
° ويقول: مارستُ ألفَ عبادةٍ وعبادةٍ
فوجدتُ أفضلَها عبادةَ ذاتي (٢).
° ويقول: أين غرورُ الله من غروري (٣).
° وهو القائل: لو كنتُ حاكمًا لألغيتُ مؤسسة الزواج، وختمتُ أبوابَها بالشمع الأحمر.
° وهو القائل: العُريُ أكثرُ حِشمةً من التستر.
° وفي قصيدته: "أفتح صندوق أبي" أعلن رَفْضَه لكل ما هو عربيٌّ وإسلاميٌّ (٤).
° وهو القائل: حين وَزَّع اللهُ النساءَ على الرجال
وأعطاني إياكِ
شعرت أنه انحاز بصورةٍ مكشوفةٍ إليَّ
وخالف كلَّ الكُتبَ السَّماويةَ التي ألَّفَها
فأعطاني النبيذَ وأعطاهم الحِنطة
حين عرَّفني اللهُ عليكِ ذَهب إلى بيته
فالله كما قالوا لي لا يَستلمُ إلاَّ رسائلَ الحبِّ (٥).
стр. 1054
° وعلى الدرب سار محمود درويش القائل:
نامِي فعينُ اللهِ نائمةٌ عنَّا .. وأسرابُ الشحارير (١).
° والقائل: كلُّ قاضٍ كان جَزَّارًا تدرَّج في النبوءةِ والخطيئة (٢).
° وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي، وبدر شاكر السيَّاب، وبلند الحيدري، ويوسف إدريس، ويوسف السباعي، وأنيس منصور، وأمينة السعيد، ونوال السعداوي، وإقبال بركة، وعبد العزيز المقالح، وأمل دنقل .. وغيرهم وغيرهم.
هذا النَّبْتُ الشيطانيُّ لا يُسْكَتُ عليه أبدًا، فهم جنودُ الشياطين الذين فاقُوه مَكرًا ودَهاءً وكَيدًا للإِسلام وشعائرِه، وعوامُّ المسلمين لا يَفطِنون لشُبَهِهِم لقِلَّةِ عِلمهم وضعفهم.
° يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "أليس ضعفُ المسلمين في هذه الأوقات يُوجبُ لأهل البصائر والنجدةِ منهم أن يكونَ جِدُّهم ونشاطُهم وجِهادُهم الأكبر متضاعِفًا، ويقوموا بكلِّ ما في وُسعِهم لينالوا المقاماتِ الشامخة، ولينجوا من الهُوَّةِ العميقة التي وقعوا فيها؟ أليس هذا مِن أفرضِ الفرائضِ وألزَمِ اللازمات في هذه الحال؟ " (٣).
* حَسَن طلب مُسيلمة الكذَّاب وكتابُه "آية جيم" الذي يعارض به القرآن الكريم:
الاعتمادُ على حرفٍ من حروفِ المعجم هو تقليعةٌ "مملوكية"، بَعَثها
стр. 1055
كُتَّابُ وشُعراءُ "الهالوك" مرةً أخرى، وزَعموا "حداثيَّتها"، حيث كان الشعراءُ في أواخِرِ العصرِ المملوكيِّ يأخذون من أحدِ الحروف -أو أكثرَ من حرفٍ- وسيلةً في نَظْمِهم للتدليل على قُدرتِهم اللغويةِ، والعَرُوضية، وقُدرتِهم أيضًا في مجال القافية، وأبرزُ الأمثلة على ذلك ما عُرف بالبديعيات والألغاز والتواريخ، وقد ازدَهَرت جميعًا في العصرِ العثماني، وجاء "الهالوك"، ليخدَعوا الناسَ بقُدرتِهم على التجديدِ والإتيانِ بما لم تأتِ به الأوائل، وما دَرَوا أنهم قَدَّموا "تقليعةً" رديئةً كانت مَظهَرًا من مَظاهِرِ الضَّعفِ والخَواء في العَصرَينِ المملوكيِّ والعثماني.
صاحب "آية جيم" لم يُقدِّمْ فيها أكثرَ مِن نَظمٍ لمعاني "حرف الجيم" الموجودةِ في المعاجِم، وهو نَظمٌ باردٌ وركيك، يدلُّ على أن صاحبَه يَهزأُ بالعقولِ والأفئدةِ، فضلاً عن جَراءتِه على المفهومِ القرآنيِّ لمعنى كلمة "آية" حيثُ اتَّخذ منها عُنوانًا لمنظومتِه الرديئةِ، فضلاً عن ادِّعائِه وافترائِه بأن القرآنَ قد ظَلَم حرف "الجيم" بعدم استخدامِ ألفاظٍ تعتمدُ عليه .. تُرى ماذا في هذا النصِّ من قِيَمٍ شعريةٍ عالية؟ يقول:
"جيمٌ جَمَزتْ أم جيمٌ بَجمَتْ؟
جيمٌ من يأجوج ومأجوجَ تَجُخُّ وتجأرْ
جيمٌ كالجلواز الأعْجَرْ
وجُهَاداها: إجهاضُ الجيمِ المسجونةِ
بين الجامع والمتجَرْ
أم جيم تتهجَّى وتجاهِرُ:
стр. 1056
جيمٌ تتفجَّرْ؟! ".
° ترى بماذا نَخرجُ من هذا الكلام؟ وما هي القِيَمُ الجَماليَّةُ التي يُمثِّلها ويؤدِّيها؟! ثم لنقرأْ قوله:
"جيمٌ حَجْناءُ، وجِيمٌ جَبَّاءُ، وجيمٌ بَجْراءُ، وجيمٌ عَجراءُ، وجيمٌ جيميه.
مَن جَعَل الجيمَ مفاجأةً وأهازيج جزافيه؟ " (١).
هل زاد المذكور على رَصِّ معاني "الجيم" المعجمية؟!.
هل أضاف جديدًا بتساؤله عن الجيم المفاجأة والأهازيج الجزافية؟!
ألَا يذَكِّرُنا ذلك بمَن كان يقول: "الأرضُ أرضٌ والسماءُ سماءٌ"؟!.
° وإليك مَقطعًا آخَرَ، يقول فيه صاحبُ "الجيم العجراء":
"الجيمُ الجعرانية جابَهَت الجيمَ السنجانية
فانبَعَجت جيمُ الأيديولوجية
وتوجَّست الجيمُ الجيماء
فما جدوى جيمين هما جيم الشجب
أو الجيم الجلاتينية؟ " (٢).
* الهيئة المصرية للكتاب تَطبعُ قرَآنَ مُسيلِمة الكذَّاب!!
° تحت هذا العنوان كَتب الشيخ صفوت الشوادفي ﵀ في
стр. 1057
مجلة أنصار السنة المحمدية: "في هذه السَّنة ظَهَرت كُتبٌ وأقلامٌ كثيرةٌ تُحاربُ الإِسلامَ وتَنالُ منه في بلده، ولكنَّ العجيبَ والغريبَ أن يَظهَرَ كِتابٌ يُضاهِي القرآن، يُقسِّمُه مؤلِّفُه إلى سور ويسميه: "آية جيم"!!!.
والأعجبُ والأغربُ أن تقومَ "الهيئة المصرية للكتاب" التابعة لوزارة الثقافة بطَبعه ونشره!.
° ومؤلِّفُ الكتابِ يَستعيذُ بالشَّعبِ بدلاً من الله، فيقول: "أعوذُ بالشَّعبِ من السلطانِ الغشيم، باسم الجيم".
ولا نَدري مَن هو السلطانُ الغَشيمُ الذي يَقصِدُه.
° ثم يُقسِّمُ الكتابَ إلى خَمسِ سُورٍ، وكلُّ سُورةٍ لها اسمٌ يَختصُّ بها، وكلُّ السورِ تتحدَّثُ عن حَرفِ الجيم إلاَّ السورةَ الخامسة، ففيها قرآنُ الشيطانِ -أو قرآن مسيلِمة الكذابَ-، فهو بَعدَ الاستعاذةِ بالشعب يقول:
"باسم الجيم، والجنَّة والجحيم، ومجتمع النجوم، إنكم ستفجأون، كم وددتم لو ترجأون، إلى يوم لا جيم ولا جيوم، فإذا جد الهجوم، فأجهشت الجسوم، فسجرت الجيم، ومن أدراك ما الجيم، فإذا مزجنا الأجيام مزجًا، ثم مخجنا جُرْجَهُنَّ مخجًا، ثم مججناهن مجًّا، قل يا أيها المجرمون إنكم يومئذ لفي وجوم، تستنجدون فلا تُنجدون، وقل يا أيها الراجون، إنكم يومئذ الناجون، جاءتكم الجيم بما كنتم تستعجلون، ما لكم كيف لا تبتهِجون، ولآية الجيم لا تسجدون، وبإعجازها لا تلهجون".
° إلى أن قال في نهاية السورة: "الجيم جلَّ جلالُها .. صَدَقَ الحرفُ الرجيم".
стр. 1058
° ومع هذا فليس العَجَبُ في طَبعِ الكتاب، بل العَجَبُ الذي لا يَنقضي أن تَطبعَ وزارةُ الثقافة هذا الكتابَ ضمنَ كتبِ الهيئةِ في الوقتِ الذي يتَّفقُ فيه الجميعُ على وجوبِ الدعوةِ إلى استقرارِ المجتمع.
° ومَن المسؤول عن علامةِ الاستفهام التي كُتب قبلها: كيف يُطبعُ مثلُ هذا الكتابِ في دولةٍ مُسلِمةٍ يُعلَنُ فيها أننا لسنا ضدَّ الشريعة؟ ولماذا يَظهرُ الكتابُ في هذا الوقتِ بالذات؟ ومَن الذي وراءَ مخطَطِ الإثارةِ والتخريب في هذا البلد؟؟ أليس هذا الكتابُ وغيرُه من مطبوعاتِ الهيئة يُحقِّقُ أحْدَ أهدافِ الصهيونية العالمية الذي يَنصُّ على ضرورةِ إثارةِ الحكومةِ ضدَّ الشعب، وإثارةِ الشعب ضد الحكومة؟!!.
° وهل تَغَلْغَلَتِ الماسونيةُ العالميةُ إلى هذا الحدِّ الذي تُسيطرُ فيه على وزارة الثقافة المصرية وتُوجِّهُ مسيرتَها داخلَ الهيئةِ وخارجَ الهيئة، وإذا لم يكن هذا تطرُّفًا، فماذا يكون التطرُّف؟!!.
° وآخِرُ سؤال: مَنِ المسؤول عن حمايةِ الشبابِ المسلم من هذه الأخطار الفِكريةِ التي تؤدِّي به إلى عواقبَ لا يَخفَى على أحدٍ خَطرُها؟ إنَّ الاستقرارَ الذي نَنشُده لهذا البلدِ له طريقٌ واحدٌ يَعرفُه مَن يَعرِفُ جوابَ الأسئلةِ السابقةِ ويَجهلُه مَن يَجهلُها!!.
واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يَهدِي السبيل، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه" (١).
стр. 1059
نِفاقُ علماء السُّوء وخُطبائِه، والتعريضُ خُفيةً، والإسَاءةُ إلىَ مَقامِ رسولِ الله ﷺ -
* الشيخ محمد المهدي يعرِّض برسول الله ﷺ أمام السلطان فيأمر الشيخ محمد شاكر المصلين بإِعادة صلاة الجمعة ظهرًا لكفر الخطيب الإِمام:
° قال الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه "كلمة الحق": "كان الشيخ "طه حسين" طالبًا بالجامعةِ المصريةِ القديمةِ حين كانت متشرِّفة برياسةِ سُمُوِّ الأميرِ فؤاد "حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد" ﵀، وتَقَرَّر إرسالُه في بَعثةٍ إلى أوربا، فأراد صاحبُ العظمة "السلطان حسين" ﵀ أن يُكرِمَه بعطفِهِ ورعايته، فاستقبَلَه في قَصْرِه استقبالاً كريمًا، وحَبَاهُ هَدِيَّةً قيِّمةَ المَغْزَى والمعنى.
وكان من خُطباءِ المساجدِ التابعين لوزارةِ الأوقاف، خطيبٌ فصيحٌ متكلِّمٌ مقتدرٌ، هو الشيخ "محمد المهدي" خطيب مسجد "غربان"، وكان السلطانُ حسين ﵀ مواظِبًا على صلاةِ الجمعة في حَفلٍ فَخمٍ جليلٍ، يَحضُرُه العلماءُ والوزراءُ والكُبَراءُ.
فصَلَّى الجمعهً يومًا ما، بمسجد "المدبولي" القريب من "قصر عابدين" العامر، ونَدَبَتْ وَزارةُ الأوقاف ذلك الخطيبَ لذلك اليوم، وأراد الخطيبُ أن يَمْدَحَ عَظَمةَ السلطان، وأنْ يُنَوِّهَ بما أكرَمَ الشيخ طه حسين -وحُقَّ له أن يَفعل-، ولكن خانَتْه فصاحتُه، وغَلَبَه حبُّ التغالي في المَدح، فزَلَّ زَلَّةً لم تَقُم له قائمةٌ من بعدها، إذ قال أثناءَ خُطبته: "جاءه الأعمى، فما عَبَسَ في وجهه وما تَوَلَّى".
стр. 1060
وكان مِن شُهودِ هذه الصلاة والدي الشيخ "محمد شاكر" وكيل الأزهر سابقًا ﵀، فقام بعدَ الصلاة يُعلِنُ للناس في المسجدِ أنَّ صلاتَهم باطلة، وأمَرهم أن يُعيدوا صلاةَ الظُّهرِ، فأعادُوها، ذلك أن الخطيبَ كَفَر بما شَتَم به الرسول ﷺ تعريضًا لا تصريحًا .. وجاء الخطيبُ الأحمقُ الجاهلُ يريدُ أن يَتملَّقَ عظمةَ السلطان ﵀، فمدَحَه بما يُوهِمُ السامعَ أنه يريدُ إظهارَ مَنْقَبَةً لعظمته، بالقياسِ إلى ما عاتَبَ اللهُ عليه رسولَه، واستغفَرَ من حكايةِ هذا، فكان صُنع الخطيبِ المسكينِ تعريضًا برسولِ الله ﷺ لا يَرضى به مسلمٌ، وفي مُقَدِّمَة من ينكرُه السلطان نفسُه.
ثم ذَهَب الوالدُ ﵀ فورًا إلى "قصر عابدين" العامر، وقابل "محمود شكري باشا"، وهو صديق له حميم، وكان رئيسَ الديوانِ إذ ذاك، وطَلَب منه أن يَرفعَ الأمرَ إلى عظمةِ السلطان، وأن يُبلِّغَه حكمَ الشرعِ في هذا بوجوبِ إعادة الصلاةِ التي بَطَلَتْ بكُفْرِ الخطيب، ولم يَتردَّدْ "شكري باشا" في قَبولِ ما حُمِّل من الأمانة، واعتقد أن عَظمةَ السلطانِ لم يتردَّدْ في قَبولِ حُكمِ الشرعِ بإعادةِ الصلاة.
ولكن اللهَ لَم يَدَعْ لهذا المجرِم جُرْمَه في الدنيا، قَبْل أن يَجزِيَه جزاءَه في الأخرى، فأُقسِمُ بالله، لقد رأيتُه بعَيْنَيْ رأسي، بعد بِضْعِ سِنين، وبعد أن كان عاليًا متنفِّخًا، مستعِزًّا بمَن لاذَ بهم من العظماء والكبَراء، رأيته مَهينًا، خادمًا على باب مسجدٍ من مساجدِ القاهرة يتلقَّى نِعالَ المُصَلِّين يَحفظُها في ذِلَّةٍ وصَغار" (١).
стр. 1061
* أحمد حسن الزَّيَّات، يُنافقُ عبدَ الناصر، فيقول: "الوحدةُ الناصريَّة أبْقى وأنْمى من الوحدةِ المحمديَّة"، فيرُدّ عليه الشيخ محمود فايد بمقاليْن:
* كتب الشيخ "محمود فايد" تحت عنوان:
"الوحدة المحمديَّة خيرٌ وأبقى من الوِحدةِ الناصريَّة"
"ردٌّ على مقال أحمد حسن الزيات بمجلة الأزهر"
"نُشرت في "الاعتصام"، عدد ربيع الأول عام ١٣٨٣ هـ الموافق أغسطس عام ١٩٦٣ م في حياة عبد الناصر".
° في مجلة "الأزهر" شهر المحرم سنة ١٣٨٣ هـ كَتب مديرُها ورئيسُ تحريرها "أحمد حسن الزيات" مقالاً تحت عنوان: "أُمَّةُ التوحيد تتوحَّد"، وقد جاء فيه ما نصه (ص ٤ - س ٧ - ١٨): "إنَّ الوحدةَ المحمديةَ كانت كُلِّيَّةً عامةً؛ لأنها قامت على العقيدة .. ولكنَّ العقيدةَ مهما تَدُم قد تَضْعُفُ أو تُحوَّل .. وإنَّ الوحدةَ الصلاحيةَ كانت جُزئيةً خاصةً؛ لأنها قامت على السلطان .. والسلطانُ يَعتريه الوَهْنُ فيزول .. أمَّا الوحدةُ الناصرية، فباقيةٌ ناميةٌ؛ لأنها تقومُ على الاشتراكية في الرزق، والحريةِ في الرأي، والديمقراطيةِ في الحكم .. وهذه المقوِّماتُ الثلاثةُ ضَمانٌ دائمٌ للوِحدةِ ألاَّ تَستأثرَ فتُستغلَّ .. وألاَّ تَستبدَّ فتَطغى .. وألاَّ تَحكُمَ فتتحكم. والأَثَرَةُ والطماعية، والطغيانُ والحَسدُ كانت -وما زالت- عِلَّةَ العِللِ في فساد الزمان وهلاك الأمم".
هذا نصُّ ما كتبه "الزيات" في مجلةٍ تَنطقُ بلسان "الأزهر" وتحملُ
стр. 1062
عنوانه، وتتكلَّمُ باسم علماء الإِسلام .. ولو قرأنا هذا في مجلة "روز اليوسف" لقلنا: "الشيء من مَعدِنِه لا يُستغرب"، ولكنِ الذي يَحُزُّ في النفسِ أن يُنشَرَ مثلُ هذا الضلالِ في مجلة "الأزهر"، وأن يكونَ الكاتبُ والناشرُ مديرَها ورئيسَ تحريرها، وأن يُستدعى الزياتُ من خارج الأزهر بعد أن تجاوَزَ سِنَّ المُحالين على المعاش من أبنائه لِيقبضَ على مِثل هذا المقالِ الهَّدام مئةَ جنيه من نفسِ خِزانةِ الأزهر .. وأشدُّ مِن هذا وأنكى أن يُباعَ مثلُ هذا الهُراءِ للناس على أنه دينٌ خالص، وعِلمٌ مصفًّى .. رَحِم اللهُ الشاعرَ الذي يقول:
ولو كان همًّا واحدًا لاحتملتُه … ولكنَّه همٌّ وثانٍ وثالثُ
* مناقشةُ الزيات في مقاله:
° يقول الزيات: "إنَّ الوِحدةَ المحمدية كانت كُلِّيَّةَ عامةً؛ لأنها قامت على العقيدة .. ولكنَّ العقيدةَ مهما تَدُمْ قد تَضعُفُ أو تُحوَّل".
ماذا يَقصدُ الزياتُ بهذا؟ أيقصِدُ أن يَصرِفَ الناسَ عن رِسالةِ محمدٍ ﷺ ، وأن يُوجِّهَ أنظارَهم إلى جهةٍ أخرى يُقيمون عليها وِحدتَهم، ويَجِدون لديها من وسائلِ الهناءةِ والسعادةِ ما لا يَجدونه لدى رسولِ الله ﷺ ؟! وهل يؤمنُ معي بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقولهِ تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ
стр. 1063
تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢]؟!.
لقد أنقَذَتِ الرسالةُ المحمديةُ العَرَبَ من الضلالة، وعَلَّمَتْهم بعدَ جَهَالة، وأزالت عن قلوبهم العَمَايةَ والغِواية، وأبعَدَتْ عنهم خُرافاتِ الجاهلية، وأباطيلَ الوثنية، وحَرَّرَتْهم من العُبودية، وألَّفت بين قلوبِهم كما يقول تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
* يا أستاذ زيات:
إن محمدًا ﷺ أُوحِي إليه، وما جاء به هو مِن قِبَل الله .. ولقد كان يقولُ كما عَلَّمه المولى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩]، أفَتَرَى أن ما جاء به البَشرُ أحكَمُ مما جاء به ربُّ البشر؟! صَدَق اللهُ العظيم إذ يقول: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
* يا أستاذ زيات:
إن الوحدةَ المحمديةَ التي تَزعمُ أنها قامت على أساسٍ قد يَضعُفُ ثم ينهار، هي الوحدةُ التي أشاد اللهُ بها، ونَوَّه بذِكْرِها في هذه الآية الكريمة. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
стр. 1064
إنَّ هذه الوحدةَ المحمديةَ قامت على أساسٍ من تعاليم الإِسلام .. والإِسلامُ ليس عقيدةً فحسب -كما حَسِبتَ-، بل هو عقيدةٌ وشريعة .. ونظامٌ كامل .. ومنهاجٌ وافٍ للناس في كلِّ نواحي الحياة .. عقيدةٌ تُوثِّقُ العلاقةَ بين العبدِ والربِّ .. وشريعةٌ تُوثِّقُ العلاقةَ بين الناسِ بعضِهم مع بعض .. عقيدةٌ تملأُ القلبَ أمنًا وإيمانًا .. وشريعةٌ تملأُ الكَوْن سلامًا وإسلامًا، ومَحبَّةً ووِئامًا .. لقد تَذوَّقَ العربُ طَعْمَ الوِحدة، وأحسُّوا بحلاوتها، وشَعُروا بلذَّتها بعد أن بايعوا النبيَّ محمدًا ﷺ ، واتَّبعوا النورَ الذي أُنزل معه، فآمنوأ بأن ربَّهم واحد، ورسولَهم واحد، وكتابَهم واحد، ودينَهم واحد، وقِبلَتَهم واحدة .. فاجتمعوا على وِحدةِ العقيدة، ووحدةِ العبادة" (١).
* ثم كتب بعد كلامٍ طويلٍ رائع:
الزيات ينافقُ طُول حياته:
° "طبيعةُ النفاق يبدو أنها متأصِّلةٌ في الأستاذ الزيات .. نَمَا عليها وشَبَّ، وشاخ فيها .. ونَضَعُ أمامَ القُرَّاءِ عَيِّنةً مما كَتَب، وهو الأديب الذي يقول: "الأدبُ رسالةٌ، يُوجِّه ولا يُوجَّه".
في أُخرَيَاتِ أيامِ "فاروق"، وبالضبط في ٢٥ مايو سنة ١٩٥٢ كتب الأديب الكبير في مجلة "الأزهر" مجلد ٢٣ جزء ٩ ما نصه: "بسم الله جلَّ اسمه، وعزَّ حُكمُه .. مُنزلِ كتابِه هُدًى، ومُرسِلِ رسوله رحمةً، وبهَدْيِ صاحبِ الرسالةِ محمدٍ صلواتُ الله عليه .. لسانِ الوحي، ومِنهاجِ الشرع،
стр. 1065
ومعجزةِ البلاغ .. وبعطفِ صاحبِ الجلالةِ الفاروق .. ناصرِ الإِسلام، ومؤيِّدِ العروبة، وحامي الأزهر، أعزَّ اللهُ نَصْرَه، وجَمَّل بالعلوم والآداب عَصْرَه".
هذا نصُّ ما افتَتَح به الأديبُ الزياتُ مجلة "الأزهر" قَبْلَ طَرْدِ "فاروق" بشهرين .. وننشرُ إلى جانبِ ذلك ما افتَتَح به مجلة "الأزهر" في يولية سنة ١٩٦٠ مجلد ٣٢ جزء ٢: "كان مَلِكًا على مصر قبلَ يوم ٢٣ يوليو، وكان آيةً من آياتِ إبليسَ في الجُرأةِ على دينِ الله، وعلى حُرُمِ الناس .. بَلَغَ مِن جُرْأتِه على اللهِ أنه كان -كما حَدثَّني أحدُ بِطانتهِ المُقَرَّبين إليه- إذا اضطرَّتْه رسومُ المُلْكِ أنْ يَشْهُدَ صلاةَ الجمعة، خَرَج إليها من المَضْجَعِ الحرامِ، فصَلاَّها مِن غيرِ غُسْلٍ ولا وُضوء، وأدَّاها من غيرِ فاتحةٍ ولا تَشَهُّد، وكان يقول: "إنَّ أخوفَ ما أخافُه أنْ يَغْلِبَنِي الضَّحِكُ وأنا أتابعُ الإمامَ في هذه الحركاتِ العجيبة" .. وبَلَغ مِن جُرأته على المُحرَّمات أنه كان يَغتصِبُ الزوجةَ ويَقتُلُ الزوج، ويَسرقُ الدولة، ويُسفِّهُ الحق، ويأخذُ الرِّشا .. ثم أمْلَى له الغرورُ، فتبجَّحَ وتَوَقَّح وطَغى (!!!) ".
هكذا تَجرَّأ الزيَّاتُ على فاروق بعد طردِه .. وقد كان يُدبِّجُ له المدائحَ في عهده .. وهكذا يكتبُ عنه جليسُ بطانته، وأنيسُ حاشيته!!.
نعم .. لقد عاش الزيَّاتُ هكذا طولَ حياتِه، يَكتُبُ ما يَرُوجُ، وَينشُرُ ما يَجْلِبُ له النِّعمةَ والعافية .. وحَسْبُه أنه ظَفِرَ في عهد فاروق بلقب "صاحب العِزَّة"، وظَفِرَ في هذا العهد بأكرمِ جائزةٍ .. وفي مجلة "الأزهر"، لا زال "يستأثر فيستغلُّ"، فيقبضُ منها مئةَ جنيهٍ ليُخرجَ عَدَدَ ذي القَعدة ضِمنَ ذي الحجة، وليُصدِرَ عدد محرم في شهر صفر، وليكتُبَ فيها
стр. 1066
كلامًا إِنشائِيًّا يَمُجُّه كل مَن كان له ذَوقٌ سليم". (١)
ثم قال: "لا نخافُ على رسولِ الله ﷺ منِ استهانةِ بعض الكُتَّابِ بوِحدتِه التي جاء بها .. ولكِنَّا نَخافُ على الأُمَّةِ إذا هي انحَدَرتْ إلى هذا المستوى.
لقد بَلَغ رسولُ الله ﷺ مكانًا عالِيًا لم يَبْلُغْه نبيٌّ .. فَضْلاً عن أن ينالَه وَلِيٌّ أوْ غيرُ وليٍّ ..
كيف تَرقَى رُقيَّكَ الأنبياءُ … يا سماءَ ما طاوَلتها سماءُ!
لم يُساوُوكَ في عُلاكَ وقدْ … حال سَنًا منك دونَهم وسناءُ
° إنَّ رسولَ الله ﷺ في غنًى عنَّا وعن دفاعِنا جميعًا بما حَبَاه اللهُ من مكانةٍ عالية، ومنزلةٍ ساميةُ .. وإذا كنتُ قد بادرتُ بالردِّ على الأستاذ الزيَّات .. فذلك لاعتقادِي أني أدافعُ عن "الأزهر" ومحلَّتِه وسُمْعتِه ورسالتِه .. بل لاعتقادي أني أُدافعُ عن وجودِي ووجودِ المسلمين الذي وَجَدوا العِزَّةَ والكرامةَ، والهناءةَ والسعادة، والقُوَّةَ والغِنى، والحضارةَ والمَدَنيَّةَ، والمساواةَ والحُريَّةَ، والعدالةَ الاجتماعيةَ في مبادئِ الوحدةِ المحمديَّة التي جاء بها سيِّد البشريةِ صلواتُ الله وسلامه عليه .. وما ضَرَّ الرسولَ ﷺ أنْ يأتيَ أحدُ الكُتَّابِ يَنتقِصُ مما جاء، أو يستهينُ بمبادئه:
ما ضرَّ شمسَ الضحا في الأُفْقِ طالعةً … ألاَّ يَرَى ضوءَها مَنْ ليس ذا بصرِ
إن محمدًّا ﷺ لا يزالُ اسمُه يُدَوِّي على المنابِرِ والمآذِنِ في مشارِقِ الأرضِ ومغارِبها، آناءَ الليل وأطرافَ النهار .. وحَسْبُه أَن اللهَ رَفَعَ ذكرَه،
стр. 1067
وطَيَّب نَشْرَه، وخَلَّدَ أثَرَه، وجَعَل له لسانَ صِدِقٍ في الآخِرين، وفي أفواهِ الملايين ..
* قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤] ". اهـ.
* مقالةٌ ثانية للشيخ محمود عبد الوهاب فايد نُصرةً لرسول الله ﷺ ، ورَدًّا على الزَّيات:
مع الزيَّات .. مَرَّةً أخرى:
* مَن لم يحترمِ الرسولَ ﷺ فلا حُرْمةَ له (١):
لم يَكُنْ في نِيَّتي أن أكتبَ عن الزيات بعد ما كتبتُه عنه في العدد السابق .. غيرَ أن الحقائقَ المؤسِفةَ التي سَمعتُها عنه، والهُراءَ الذي قرأتُه له .. دَفَعني كلُّ ذلك إلى الكتابةِ عنه مرةً أخرى .. ردعًا له بعد أن خانَ البيتَ الذي نَمَّاه، والأزهرَ الذي آواه .. حَضَرتُ جزءً من التحقيق الشَّفويِّ الذي قام به أمينُ "مجمع البحوث الإِسلامية" في مَقالِ الزيات .. فهالَني أن أسمعَ أنَّ مُصحِّحَ المجلة نَبَّه الزياتَ لخطئِه وضلالِه قبل طَبْعِ مَقالِه .. ولكنه أبى واستكبر، وعانَد وأصرَّ، وأخذَتْه العِزُّةُ بالإثم، فاستبقى هذه الفقرةَ الخطيرةَ المثيرة: "إن الوحدةَ المحمديةَ كانت كلِّيةً عامةً .. لأنها قامت على العقيدة .. ولكنَّ العقيدةَ مهما تَدُمْ قد تَضعُفُ أو تُحوَّل، وإن الوحدةَ الصلاحيةَ كانت جزئيةً خاصةً .. لأنها قامت على السلطان .. والسلطانُ
стр. 1068
يعتريه الوَهْنُ فيزول .. أما الوحدةُ الناصرية، فباقيةٌ نامية؛ لأنها تقومُ على الاشتراكيةِ في الرزق، والحريةِ في الرأي، والديمقراطيةِ في الحُكم".
أصرَّ الزياتُ على نَشرِ هذه الفقرة، وأعرَضَ عن نُصحِ الناصحين له، وتجاهَلَ القِيَمَ الإِسلامية، وتطاوَلَ على الحَضْرةِ النبويَّة، واعتَدى -مع سَبق الإِصرارِ والترصُّد- على "الأزهر" ورسالته، وأساء بقَصدِ الاستغلال إلى مجلته وكرامته، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦].
لقد أراد الزياتُ أن يحظَى بالمالِ الوفير، والمرتَّبِ الكبير، فكتَبَ يُعلِنُ عن نِفاقِهِ مُبديًا سَوْأَتَه، كاشِفًا عورته .. وأقامَ البرهانَ -بتجاهُلِه لِنُصحِ الناصحين- على أنه ليس في قَلبه لله خَشية، ولا في نفسِه لرسولِه هَيبة، وأنه -على شَيخوخته- لا يزالُ تائهًا في ضلالاته، حائرًا في ظُلماته، لا يُحرِّكُ قلمَه إلاَّ رنينُ الدينارِ والدرهم، ولا يُغذِّي خيالَه إلاَّ بريقُ المرتَّبِ والمَغنَم!!.
نَشَر الزياتُ ثيابَه القذِرةَ على مرأًى من الناس، وفَوق مِئذنةِ الأزهر، فثار الأزهريُّون، وهاجت الأمة، وارتَفعت أصوات الشعبِ تُطالِبُ بتنحيته، وأصدرت جبهة العلماء بيانًا حَكَمت فيه بإلحادِه ورِدَّته، وشَنَّتِ المجلاَّتُ الدينيةُ الحرَّةُ -أمثالُ "الاعتصام" و"لواء الإِسلام" و"العشيرة المحمدية"- حَمْلَتَها عليه، ووَجَّهت سِهامَ نَقْدِها إليه، وخَشِيَ الزياتُ أن يَستجيبَ الحُكَّامُ لرغبة الأمة فحَنَى قامَتَه، وطأطأ هامَتَه، وطَلَع على الناسِ
стр. 1069
بإيضاحٍ وبيانٍ عسى أن تهدأَ النفوسُ الهائجة .. ولكنَّ البيانَ الذي أصدره -على الرغمِ من أنه أُشير عليه بتعديلِه ثلاثَ مراتٍ- كان بيانًا متهافتًا يَفضحُ صاحبَه، ويُخزِي كاتبَه، ولْننظُرْ في بيانه، ولْنقرأْ مقالَه من عنوانه: "وحدة .. لا وحدتان".
° يا زيات، لقد ذَكَرْتَ في مقالِك المسمومِ المشؤومِ ثلاثَ وِحدات، وجَعَلْتَ لكلِّ وِحدةٍ خصائصَ ومميزات، وحَكَمتَ عليها بأحكامٍ متغايرةٍ متباعدةٍ .. فكيف يُمكنُ أن تكونَ الثلاثُ أو الاثنتانِ واحدة؟! ..
جعلوا الثلاثةَ واحدًا لو أنصَفوا … لم يَجعلوا العددَ الكثيرَ قليلَا
لقد قلتَ في مقالِك: "إنَّ وِحدةَ محمدٍ ﷺ قامت على العقيدة .. والعقيدةُ قد يَطرأُ عليها الضَّعفُ والفناء" .. أما الوِحدةُ الناصريةُ، فقد حَكَمْت عليها -أيها الأديبُ المُلهَمُ- بالبقاء والنَّماء .. أيمكنُ بعدَ هذا أن تكونَ الوِحدتانِ وحدةً؟ ..
إنْ قلتَ: "إن الوحدةَ الناصريةَ ترجعُ إلى وحدةِ النبيِّ محمدٍ ﷺ " .. فالوحدةُ الناصريةُ إذن -بحُكمِ مَنطِقِكَ- مهما تَدُمْ قد تَضُعفُ أو تُحوَّل.
وإن قلت: "إن وحدةَ النبيِّ محمدٍ ﷺ تَرجعُ إلى الوحدة الناصرية" .. فقد جَعَلتَ التابعَ متبوعًا، والمتبوعَ تابعًا، وذلك -لَعَمْرُ الحقِّ- غايةُ الضلال .. بل غايةُ الخبال.
لقد كان مقالُك شؤمًا على الوحدة .. فلم تَكَدْ تَفرُغُ من كتابتِه حتى تَعثَّرْتَ وتعسَّرت، ووجدتَ نفسَك في حَرَجٍ وأنت تعالجُ خَطَأَك، فقلتَ -لِتستُرَ موقفَك-: "الوحدةُ الناصريةُ المقترَحة"، خَشيةَ أن يبدوَ تهافتُك في دَعوى بقائِها ونمائِها أنَّ الوحدةَ -وهي مَطمعُ الأنظار، ومُلتقى الأفكار،
стр. 1070
وهَدفُ كلِّ مُسلمٍ غَيُور، وغايةُ كلِّ عربيٍّ مخلصٍ -لا تقومُ بِمَلَقِ المُتملِّقِين ونِفاقِ المنافقين .. ولكنها ستقوم وتدوم، وتتحقَّق وتتوثَّقُ بجهودِ المؤمنين، وجهادِ المخلِصين، وكسح المضللين.
لقد كَتب الزيات ما كَتَب طَعَمًا في الرِّبح الحرام، وغاب عنه -وهو الأديب الكبير- ما وَرَد في الأمثال: "تجوعُ الحُرَّةُ ولا تأكلُ بثدييها"، وعاد بعد أن تعالَت أصواتُ الأُمةِ بالاستنكارِ يُخاتِلُ ويُخادع، ويَلتوِي هذا الالتواءَ الذي ضَحِكَتْ منه العامَّةُ، وسَخِرَتْ منه الخاصَّة، راح يُلقِي التهمةَ على الإِيجازِ الذي أدَّى إلى هذه الجُملة، وقد كانت أمامَه فُرصةٌ لِيُطنِبَ ويُوضِّحَ فكرتَه يومَ نُبِّه إلى ذلك قَبْلَ الطبع .. فلو كان في قلبه لرسول الله ﷺ مهابةٌ لَرجع عن ضلاله، وأصلَح من مَقالِه .. ولكنه -بدافع النفاق- أبي وأصرَّ، وآذى رسولَ الله ﷺ من فوقِ منارة الأزهر .. فلْيَسْمَعْ قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣].
* ولْيَسْمَع قولَه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ١٢].
стр. 1071
° يا زيات .. لقد حَكم اللهُ على أمثالِك بالخِزيِ العظيم، والعذابِ الأليم .. فلْتَهْنَأْ إلى حينٍ في مجلة "الأزهر" بمئةِ جنيه تَقبِضُها من خِزانته -على الرغم من أنوفِ الأزهريين- .. ولْتَهْنأ إلى حينٍ في مجلة "الرسالة" بمئات الجنيهات تَقبضُها من خِزانةِ الدولة -على الرغم من أنُوفِ أبناءِ الدولة المؤمنين- .. ولْتَهْنأ إلى حينٍ بحُرِّيَّةِ الرأيِ قَدْحًا في وِحدةِ خَيرِ الأنام .. على الرغم من أن دِينَ الدولة هو الإِسلام .. ولْتَهْنأ إلى حينٍ بالاشتراكية في الرزق تَسوقُ إليك من عَمَلِك الجديد مِئاتَ الجنيهات بعد مقالِك المشؤوم بأسبوعين -على الرغمِ من أنوفِ العامِلين المخلِصين الذي يَظفَرون بجنيهَينِ علاوةً كلَّ سنتين-.
ليَسْمَحْ ليَ الزياتُ أن أستعيرَ منه وإليه .. فأقول: "إنه اندَسَّ -في مجلة الأزهر- اندساسَ الإِثم في الضمير، والداءِ في البدن .. فكان في الوِحدةِ مَظهَرَ تفريق، وفي النهضةِ مَصْدَرَ تَعويق، وفي العقيدةِ مَثَارَ شُبهةٍ .. وحَسبُه أن مجلة "الأزهر" صارت في عهده (مَذَلَّة) بعد أن كانت (مجلة) " (١).
° ثم خَتم مقالَه بالردِّ على ما قاله الزياتُ من إطراءِ العهدِ الناصري فقال: "لقد غالَى في إطراءِ هذا العهدِ حتى انتَقَصَ الوِحدةَ المحمدية، وأقحَمَ الرسولَ ﷺ في المقارَنةِ دون أدبٍ ولا رَوِيَّةٍ .. وما فَعَل ذلك عن إخلاصٍ وإيمان .. بل جَرْيًا وراءَ الذهبِ الرَّنَّان .. تمامًا كما صَنَع أيامَ "فاروق" قبلَ طرده .. وإلى أواخِرِ عهدِه .. وهكذا الزياتُ طُولَ حياته
стр. 1072
يُنافقُ بُغيةَ القُوت، ويكتبُ بقلمٍ نُقش عليه هذا المَثل: "طالبُ القوت ما تعدى".
يا زيات، إن الرئيس عبد الناصر لو أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بَلَغ -بنصِّ الحديث- مُدَّ أحَدٍ من أصحابِ النبي ﷺ ولا نَصيفَه، فكيف له -يا جهول- أن يَبلغَ مبلغَ الرسول؟!.
ألَا فلتَسْمَحْ لي -أيها الزيات، وقد استضفتُك اليومَ على مائدةِ "الاعتصام"- أن أُقدِّمَ لك فاكهتَك، وأسوقَ إليك هديَّتَك: "إنَّ الكفر خيرٌ من النفاق .. وإنَّ العداوةَ أفضلُ من الخديعة .. وإنَّ الصراحةَ على كلِّ حالٍ عَظَمة، وإن المُراءاة على أيِّ وجهٍ حقارة".
* وخيرُ ما نختمُ به هذه الكلمةَ قولُ الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].
* وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
* وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] " (١) اهـ.
* * *
стр. 1073
مُنكِرُو السُّنَّةِ مِن أكبرِ شانِئي الرسول ﷺ -
اعلمَ يا أخي أن الاعتصامَ بالسُّنةِ نجاة .. قال تعالى عن رسوله ﷺ ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
- ولا بدَّ للمسلم في كلِّ نَفَسٍ من أنفاسِه هِجرةٌ إلى رسول الله ﷺ في حَرَكاتِه وسَكَناتِه الظاهرةِ والباطنة، بحيث تكونُ موافقةً لشَرعِه الذي هو تفضيلُ مَحَابِّ الله ومَرضاته، ولا يَقبلُ اللهُ مِن أحدٍ دِيَنًا سواه، وكلُّ عَمَلٍ سواه فعَيشُ النفس وحَظُّها -لا زادُ المعاد-.
° قال بعضُ العارفين: "كلُّ عملٍ بلا متابعةٍ فهو عيشُ النفس" (١) والمؤمنونَ في أهلِ الإِسلام غُرباء، وأهلُ العِلمِ في المؤمنين غرباء، وأهلُ السُّنةِ -الذين يُميِّزونها من الأهواء والبدع- فيهم غرباء، والدَّاعون إليها الصابرون على أذى المخالِفِين هم أشدُّ هؤلاء غربةً .. ولكنَّ هؤلاءِ هم أهلُ الله حقًّا، فلا غُربةَ عليهم، وإنما غُربتُهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
فأولئك همُ الغرباءُ عن الله ورسولِه ودينه، وغربيُهم هي الغربةُ المُوحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشارَ إليهم، كما قيل:
فليس غريبًا مَن تناءتْ ديارُهُ … ولكنَّ مَن تَنْأيْنَ عنهُ غريبُ
* وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
стр. 1074
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ..
وخيرُ أمورِ الدِّينِ ما كان سُنَّةَ … وشرُّ الأمورِ المحدَثَاتُ البدائِعُ
° وقال إمامُ دار الهجرة مالك: "أكلَّما جاءنا رَجُلُ أَجْدَلُ من رجلٍ، تَرَكنا ما نَزَل به جبريل على محمدٍ ﷺ لَجَدَله" (١).
ومَن وَقَّر مُنكري السُّنة فقد أعان -واللهِ- على هدم الإِسلام. ومَن تَرَك السُّنَّةَ ولَّاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنَّمَ وساءتْ مصيرًا.
° وقال الشافعي: "لولا أصحابُ المحابِر، لَخَطَبَتِ الزَّنادقة على المنابر".
° وقال الشافعي: "لَم أسمعْ أحدًا نَسَبَتْه عامَّةٌ -أو نَسَبَ نَفْسَه- إلى عِلمٍ، يُخالِفُ في أنَّ فَرضَ الله: اتَباعُ أمرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، والتسليمُ لحُكمِه، فإن الله لم يَجعل لأحدٍ بعدَه إلاَّ اتَباعَه .. وإنَّ فَرْضَ الله علينا -وعلى مَن بعدنا وقَبْلَنا- في قَبولِ الخبرِ عن رسول الله ﷺ واحدٌ، لا يُختَلَفُ فيه أنه الفرضُ، وواجبٌ قَبولُ الخبر عن رسول الله ﷺ " اهـ.
ومَن رَدَّ حديثَ رسولِ الله بالهوى، وأنكر حُجِّيَّةَ السُّنةِ، أدخَلَه اللهُ أسفلَ سافلين، وحَشَره مع فرعونَ وهامانَ وقارون.
° قال ابنُ حزم: "اتَّفقوا على أن مَن شكَّ في التوحيد أو النبوَّة، أو في حرفٍ مما أتى به ﵇، أو في شريعةٍ أتى بها ﵇، ممَّا نُقِل عنه نَقْلَ كافةٍ، فإنَّ مَن جَحَد شيئًا ممَّا ذكرناه، أو شكَّ في شيءٍ منه، ومات على ذلك، فإنه كافرٌ مشرِكٌ مُخلَّدٌ في النار أبدًا" (٢).
стр. 1075
° قال ابنُ حزَم: "والقرآنُ والخَبَرُ الصحيح بعضُها مضافٌ إلى بعض، وهما شيءٌ واحدٌ في باب وجوبِ الطاعةِ لهما" (١).
* وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكرَ وَإِنَّا لَه لَحَافِطونَ﴾ [الحجر: ٩].
نَبَتَتْ نَبْتَةٌ شيطانيَّةٌ على أبوابِ جهنَّمَ، أرادت أنْ تجحَدَ حُجِّيَّةَ السُّنة، وتَصُدَّ الناسَ عن السُّنةِ والإِسلام صدًّا، وهم -واللهِ- أكبرُ شانِئِي الرسول ﷺ ، وهم أعداؤه حقًّا، فلهم الخُسرَان المُبين والذِّلَّةُ والصَّغار، والفَضحُ على رؤوسِ الأشهاد في الدنيا قبل الآخرة، وها نحن نُعريِّهم، ونَكشِفُ للناس أسماءَهم، ليَلعنوهم صباحَ مساء، وليتقرَّبوا إلى الله ببُغضِهم وكَشْف عارِهم وعَوَارِهم .. فواللهِ ما يُريدون إلاَّ هَدْمَ الإِسلام .. لِيصبحَ رَسْمًا بعدَ عَيْنٍ .. ﴿وَالله متِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرونَ﴾ [الصف: ٨].
* السيد أحمد خان، دَجَّالُ الهند، ومدرسته الشيطانية:
وُلد في ١٧ أكتوبر عام ١٨١٧، وتوفِّي في ٢٧ مارس ١٨٩٧ م، أنشأ جامعةِ "عُلَيكرة".
° يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي: "ما إنْ حَلَّ القرنُ الثالَثَ عَشَرَ الهجرى حتى دَبَّتِ الحياةُ في هذه الفِتنة "فتنة إنكار حُجِّيَة السُّنة" من جديد، فكانت ولادتُها في العراق (٢)، وترعرعت في الهند، وإنَّ بدايتَها لَتعودُ في الهندِ إلى "سيد أحمد خان، ومولوي (شيخ) جَرَاغ علي"، ثم كان فارسُها المِقدامُ "مولوي عبد الله جكرالوي"، ثم استَلَم الرايةَ "مولوي أحمد الدين
стр. 1076
أمر تسري"، ثم تَقدَّم بها مولانا "أسلم جراجبوري"، وأخيرًا تولى رياستها "غلام أحمد برويز" الذي أوصَلَها إلى ساحلِ الضلال" (١).
يُمثِّلُ هذا الرجلُ الاتِّجاهَ الفكريَّ المُماليء للغرب -والاستعمارِ الإنجليزي على وجهِ الخصوص-.
وتقومُ حركتُه على الافتتانِ بحضارةِ الغرب المادِّية، ومن هنا فقد أنكر المُعجزاتِ وخَوارِقَ العادات، واعتَبَر أنَّ النبوَّةَ غايةٌ تُكتَسبُ عن طريقِ الرياضة النفسيَّة (٢).
لقد أنكر "سيد أحمد خان" ما تُنكِرُه الثقافةُ الغربية -ولو كان دِينًا-، وأثبَتَ ما تُثبِتُه -ولو كان مخالفًا للدين وإجماع المسلمين-.
"لقد قامت مدرستُه الفِكرية على أساسِ تقليدِ الحضارةِ الغربية وأُسُسِها المادِّية، واقتباسِ العلوم العصريَّةِ بحذافيرها، وعلى عِلاَّتها، وتفسيرِ الإِسلام والقرآنِ تفسيرًا يُطابقُ ما وَصَلت إليه المَدَنَّيةُ والمعلوماتُ الحديثة في آخِرِ القرنِ التاسَعَ عَشَرَ المَسيحيِّ، ويُطابقُ هَوَى الغربِّيين وآراءَهم، ومن ثَمَّ الاستهانةُ بما لا يُثبتُه الحِسُّ والتجربة" (٣).
° وتَبلُغُ التَّبعيَّةُ أَوْجَها، إذا عَرَفْنا أن "أحمد خان"، كان يُعارِضُ في إنشاءِ دراساتٍ عِلميةٍ تجريبيةٍ في الجامعة التي أنشأها في الهند -وهو ممَّن
стр. 1077
قَضَوْا حِقبةً في بلاد الإِنجليز-، قال في مقالٍ له نُشر في مجلة "عليكرة" في ١٩ فبراير ١٨٩٨ م: "إنَّ الهند -نظرًا إلى حالتها الراهنة- ليست في حاجةٍ إلى تعليم الصنائع، إنَّ الأهمَّ المقدَّمَ هو الثقافةُ الفكريةُ من المستوى الأعلى" (١).
هذا رَغْمَ حاجةِ البلادِ إلى العلوم التطبيقية.!!.
ومن المعلوم أنَّ حركة "أحمد خان" في الهند كانت مُعاصرةً للمدرسة الإصلاحية وشيخها "محمد عبده"، وسوف نلاحظُ أنَّ المنطلقاتِ متشابهةٌ، والانحرافاتِ واحدةٌ، والإعجابَ بالغربيين واحد.
* ظهور حياته (٢):
نشأ "أحمد خان" في أُسرةٍ فقيرة، وفي جوٍّ مُشْبَعٍ بالتصوُّف، وعاش في شبابه حياةَ مَرَحٍ، فحَضَر حَفَلاتِ الرقصِ والغناء، ثم التَحَق بخِدمةِ الحكومةِ الإنجليزية في سِلْكِ القضاء، وبعد فترةٍ ثاب إلى رُشدِه، أقبل على إصلاحِ نفسه وتعليمها.
وكان لإخفاق "الثورة الهندية" أَثَرٌ في حياته، وكان يُدرِكُ أنَّ مآلَ الثورةِ الفشلُ، ولذلك كان يُناصِرُ الإنجليز، ويُساعِدُ في حمايتِهم ونجاةِ بعضِ عائلاتهم من القتل.
وأَيقَنَ بعدها أنَّ ولاءَ المسلمين للحُكم الإنجليزيِّ هو السبيلُ الوحيدُ لإنقاذهم، وكان ذلك نابعًا من إعجابِه المُفرِطِ بالإنجليز وحضارتهم، ولذلك
стр. 1078
جَعَل هَدَفَه طُولَ حياتِه أن يُقلِّدَ المسلمون الإِنجليزَ، ويَتْبَعوا حضارةَ الغربِ في كلِّ شيء. وبعد زيارته لبريطانيا (١٨٦٩ م) -التي استمرت سَبْعَةَ عَشَرَ شهرًا، وكان قد نَزَل ضيفًا مبجَّلاً على الأوساط الإِنجليزية "الراقية"، ونال الوِسامَ المَلكِيَّ، ولَقَبَ الشرف-، قابَلَ المَلكةَ ووَلِيَّ العهد، والوزراء الكِبار.
وعاد إلى بلاده وقد أَخَذ على عاتِقِه أن يَفتَح أعينَ المسلمين على عَظَمةِ الحضارة الغربية، ويَشُقَّ لهم طريقًا للاقتباس منها، وكانت وَسيلتُه إلى ذلك التعاوُنِ في المجال السياسيِّ، واستيعابُ علومِ الغَرْبِ في المجالِ الثقافي، وتكييفُ وإعادةُ تأويِل الإِسلام في المجال الفِكريِّ.
* آراء سيد خان:
اعتمد "سيد خان" على مُعطِياتِ العقل، وإيحاءِ الغربيين فيما سماه "تجديدًا عصريًا". فقد اعتبر أن القرآن وحدَه هو الأساسُ لفهم الإِسلام .. ذلك أنه في ضَوءِ الظروفِ الجديدة وتوسُّعِ المعرفةِ الإنسانية، لا يُمكنُ الاعتمادُ في فَهم القرآنِ على التفاسير القديمةِ وَحْدَها، تلك التي اشتَمَلت على كثيرٍ من الخرافات، ولكنْ ينبغي الاعتمادُ على نصِّ القرآن وحدَه (١).
° "وقد هَيَّجَ الرأيَ العامَّ ضدَّه، وزاد في هَياجِ الرأيِ العامِّ المسلمِ وتشديدِ النكير عليه من العلماء -حتى حَكَموا بكفره- لِمَا قَرَّره في تفسيره من أنَّ القرآنَ نَزَل على الرسول ﷺ بالمعنى فقط، ثم صاغ الرسولُ ألفاظَه من عنده" (٢).
стр. 1079
° فيقول: "مِن المُسَلَّم به أنَّ القرآنَ نَزَل بلفظِه على قلبِ محمدٍ ﷺ ، أوْ أُوحِي إليه، سواءً سلَّمنا أنَّ جبريلَ أوصَلَه إليه بلفظِه كما هو اعتقادُ علماءِ الإِسلام، أو وَصَل إليه بمَلَكَةِ النبوَّة -التي عَبَّر عنها "برُوحِ الأمين" دون توسُّطِ جبريل- الملقاةِ على قَلْبه ﵇ كما أعتقدُه وأدينُ اللهَ به" (١).
وقد أكثَرَ من التأويل في الغيبَّات في مقالاتِه الدينية.
مِثلُ تأويلِه في تعريفِ الشيطان بأنه: "القُوى العِدائيةُ التي لا يَمِلكُ الإنسانُ السيطرةَ عليها".
ومِثلُ إنكاره للأمرِ الخارِقِ للعادة، فما كان منه في القرآن نَفَاه على أنه لم يَقَعْ، كَنْفِيهِ إلقاءَ إبراهيمَ في النار، وولادةَ عيسى ﵇ من غيرِ أبٍ، وابتلاع الحوتِ ليونس.
وما كان من الخوارقِ في السُّنَّةِ أنكَرَه استنادًا على أنه مخالِفٌ للقوانين الطبيعية (٢).
وأنكر الجِنَّ على المعنى المعهود بالخَلْقِ النارِيِّ، ففَسَّرها بسُكَّانِ الغابات والصحارِي من البشر (٣)، وأوَّلَ الملائكةَ على أنهم القُوى المدَبِّرةَ للعالَم التي يُمكنُ السيطرةُ عليها، أوْ هيَ القوى التي في مقدورِ الإنسانِ تسخيرُها (٤).
стр. 1080
* تشكيكُه في السُّنَّة النبويَّة:
أنكر "السيد" جُزئياتٍ من السُّنَّة: مثل إنكاره السُّنََّةَ الواردةَ في مماثَلَةِ الأرضينَ للسماوات في العدد، وقال: "إن هذا التصوُّرَ مما كان يقول به الجاهليُّون دون من سواهم .. وبناءً على لفظِ ﴿مِثْلَهنَّ﴾ في الآية (١) وُضِعت تلك الرواياتُ كلُّها في هذا الباب، واللهُ ورسولُه بَرِيءٌ منها" (٢).
وأنكر أحاديثَ الجنِّ الثابتة.
° ثم وَضَع لَبنَةً عامَّةً للتشكيك في السُّنَّةِ كلِّها، فقال: "بعد وفاة النبي ﷺ ظَلَّت الرواياتُ تتناقلُ على الألسِنةِ إلى عهدِ التصنيف في الكُتب المعتَمَدة، غيرَ أننا لا نَستطيعُ أن نَغُضَّ -الطَرْفَ عن الهيئةِ التي دُوِّنت بها تلك الأحاديثُ، تلك التي كان مبناها من الذاكرة، بينما البُعدُ الزمنيُّ كَفيلٌ بمَزْجِ الزائدِ بها وإضافةِ الجديدِ إليها" (٣).
وهذه الفِريةُ الظالمةُ والشُّبهةُ التي يَسُوقُها شيطانُ الإِنس، يَرُدُّ عليها علماءُ الحديث، ودُوِّنت فيها الكتبُ، ومن أعظمِها ما كُتب حديثًا وهو "السُّنَّةَ قبل التدوين" للدكتور "محمد عجاج الخطيب".
° ويُضيف دَجَّالُ الهند: "بأنَّ ما دُوِّن في هذه الكُتب من الأحاديث، إنما هي ألفاظٌ للرواة، ولا تَعرفُ ما بين اللفظِ الأصليِّ -الصادِرِ من شفتَيْهِ ﵊ والمعبَّرِ به من وِفاقٍ أو خِلافٍ، وليس من العَجَبَ أن
стр. 1081
يُخطئَ أحدُ الرواةِ في فهْمِ الحديث ممَّا يكونُ سببًا في ضَياعِ المفهومِ الصحيح" (١).
وبِناءً على موقفه هذا جَعَل الأحكامَ المستنبَطَةَ من السُّنَّةِ بوجهٍ عامٍّ أحكامًا لا يَجبُ على المسلمين اتباعُها، "وأنَّ ما استَخرج العلماءُ من نصوصِها الحاليةِ إنما هي أحكامٌ اجتهاديةٌ -لا نَصِّيَّةَ فيها ولا حتميَّة-، لاحتمالِ ألاَّ يكونَ ذلك مقصودَه -عليه الصلاه والسلام-" (٢).
° وهو -بزَعْمِه الكاذب- يُحمِّل المحدِّثين التقصير في عدمِ تمحيصِ مُتونِ السُّنَّةِ مِثل السَّند، ويقول: "وإنا لا ندري عن الأحاديث التي وُثِّقت أَوُجِّهت الجهود إليها من حيثُ المضمون والمُحْتوى أم لا؟ وأيُّ السُّبُل سُلِكَت في ذلك" (٣).
وهذا إن دَلَّ إنما يدلُّ على جَهلِه وقِلَّةِ بضاعتِه في العلم، وإلاَّ، فأين كُتبُ الجرح والتعديل وكتبُ الضعفاءِ والمتروكين، وأين كتبُ العِلَل لابن المدِيني والدَّارَقطْني؟!
قبَّح الله "سيد أحمد خان! ".
° وأخيرًا يحاولُ الكذَّاب الأشِرُ أن يُجهِزَ على السُّنَّةِ بوضعِه الشروطَ التي يتعذَّرُ توفُّرُها في أغلبِ الأحاديث، فقال: "والمعيارُ السَّليم لقَبولها هو أن ينظر إلى المَرْوِيِّ بمِنظارِ القرآن، فما وافَقَه أخذناه، وما لم يوافِقْه
стр. 1082
نَبَذْناه .. وإِنْ نُسِب شيءٌ من ذلك إلى الرسول، فيَجبُ فيه توفُّرُ شروطٍ ثلاثة:
١ - أن يكون الحديثُ المرويُّ قولَ الرسولِ بالجَزْم واليقين.
٢ - أن تُوجَدَ شهادةٌ تُثبِتُ أن الكلماتِ التي أتى بها الراوي هي الكلماتُ النبويَّةُ بعينها.
٣ - ألاَّ يكونَ للكلماتِ التي أتى بها الرواةُ معانٍ سوى ما ذَكَره الشُّرَّاحُ، فإنْ تَخَلَّفَ أحدُ هذه الشروط الثلاثة لم يَصحَّ نسبةُ القولِ إلى الرسول ﷺ ، أو أنه حديث من أحاديثه" (١).
وهذه الشرُوط لا تتوفَّرُ إلاَّ في المتواتر اللفظي دون سائِر السُّنةِ الصحيحة المتواترةِ تواترًا معنويًّا، أو السنَّة الآحادية التي عليها مدارُ الأحكامِ الشرعيَّةِ عند المسلمين (٢).
وهو يَقبَلُ من الأحاديث فقط ما يَتَّفقُ مع نصِّ ورُوح القرآن، وما يتَّفقُ مع العقل والتجربةِ البشرية، وما لا يُناقِضُ حقائقَ التاريخَ الثابتة .. ولا يَقبلُ مِن الأحاديثِ إلاَّ المتواتر، أما أحاديثُ الآحادُ فهو لا يَميلُ إلى قَبولِها مطلقًا.
وحتى الأحاديثُ المقبولةُ لديه، فهو يُقَسِّمُها إلى قِسمين:
أحاديثُ خاصَّةٌ بالأمورِ الدينية -كالعقيدة والعبادة-.
وأحاديثُ خاصةٌ بالأمور الدنيوية -كقضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع-.
стр. 1083
فالأولى مُلزِمةٌ في نظرة .. أما الثانية، فغيرُ ملزِمةٌ؛ لأنها من أمورِ الدنيا المتغيِّرة (١).
* وهو ينكرُ الإِجماعَ كمصدرٍ من مصادِرِ التشريع:
أما مسائلُ الفقه: فقد كانت نظرتُه فيها تَسير وِفقَ مَنهجِه، لتقريبِ أمورِ الدين من مفاهيم الحضارةِ الغربية: ففي فقهِ العبادات كان مَنهجُه يَتمثَّل في تفسيرِ ممارساتِ العبادةِ بمنطقٍ عقليٍّ بحت، فغَسلُ الأعضاءِ عنده في الوُضوء نظافةٌ ورمزٌ للطهارةِ المعنوية، ويُقصَدُ من الصلاةِ توجيهُ انتباه المَرءِ لخالقه، أمَّا الإحرامُ والطوافُ ورَميُ الجَمَراتِ، فهي عاداتٌ باقيةٌ من الأديانِ الأولى في طفولة البشرية، واحتفظ بها الإِسلامُ مع أنها عاداتٌ بدائية، مثل لُبسِ الثوبِ من غيرِ مخيطٍ (٢).
أما الرِّبا المحرم: فهو عنده يَقتصرُ على الرِّبح المركَّب، ولا يَعتبرُ الفائدةَ البسيطة -في البنوك والمعاملات التجارية- ربًا ولا حرامًا.
ويناقش "سيد أحمد خان" قضيةَ تعدُّدِ الزوجات الذي أُبيح بنصِّ القرآن، ويَرى أن الأصلَ فيه زواجُ الواحدة، أما التعدد فهو حالةٌ استثنائية، وفي دائرة الحدود يرفضُ إقامتَها -كما أوجب الشرع-، وُينكِرُ عقوبةَ الرَّجْمِ للزاني، ويَعتبرُ أنَّ عقوبةَ قَطعِ الأيدي والأرجل عقوباتٌ وحشية، ينبغي الكفُّ عنها؛ لأنها تنافي التمدُّنَ والحضارة.
أما الجهاد: فيرى أنه مشروعٌ "فقط" للدفاع عن النفس، وفي حالةٍ
стр. 1084
واحدة، هي اعتداء الكافرين على المسلمين إذا أرادوا حَمْلَهم على تغيير دينهم!! أما إذا كان الاعتداءُ من أجلِ أمرٍ آخر -كاحتلالِ الأراضي-، فالجهادُ غير مشروعٍ عنده، وذلك حتى يَجِدَ مبررًا لمسالمةِ الإِنجليز المحتلِّين لبلاده (١).
ومِن الملاحَظِ أن "أحمد خان" يُكرِّر نفسَ المسائل التي قال بها الإصلاحيون، ومِن ثَمَّ المستشرقون، وإن كان أكثَرَ صراحةً في الإعلانِ عن بعضها من الإصلاحيين.
° يقول الشيخ "عبد الحي الحَسَني" مؤرِّخُ الهند: "كان كبيرَ العقل، قليلَ العلم، قليلَ العمل، لا يُصلِّي ولا يصومُ غالبًا" (٢).
° ولَقد اتَّفقتِ المصادرُ التي بَحثَتْ عن نشأةِ "القرآنيِّين" وخروجِهم إلى حيِّز الوجود وإدلائِهم بالآراءِ المخالفةِ في الدين، على أنهم الثمرةُ الطبيعية التي بَذَرَ بذورَها "السيد أحمد خان" وحركته (٣).
° يقول أسد البنجاب وشيخها "ثناء الله الأمر تسري": "ما أشام ذلك اليومَ الذي خَرَّف فيه صوتُ عليكرة (٤) المخالفُ لجميع الأمةِ الإِسلامية، الداعي إلى الاعتمادِ على القرآن وحده في الدين، وأنَّ السُّنَّة لا تكوِّنُ دليلاً شرعيًّا، فأثَّر هذا الصوتُ على الحافظ "محب الحق عظيم أبادي" في "بَتْنَة" بالهند، كما أثَّر على "عبد الله جكرالوي" في "لاهور" بباكستان أعظمَ تأثير" (٥).
стр. 1085
* جَرَاغ علي عدوُّ السُّنَّة، وتلميذ سيد أحمد خان:
ولد سنة ١٨٤٤ م، وكان بحقٍّ تلميذَ سيد أحمد خان الوفيَّ والرجلَ البارزَ بعد سيد خان في حركة "عليكرة"، وأحدَ أعمدتها .. وتُوفِّي في ١٥ يونيو ١٨٩٥ م.
رَضَع جراع -أو شراغ- علي من لُبانِ تلك المدرسة؛ بل أسْهَمَ في الدِّفاعِ عن آرائها أيَّما إسهام، وحاوَلَ صَبْغَ الإِسلامِ بالحضارةِ الغربية مِثل أستاذِه سيد أحمد خان، فأوَّل نصوصَ الإِسلام بما يتلاءَمُ مع تلك الحياة الأوربية.
° يقول الدكتور محمد مصطفى أعظمي: "إنَّ المستعمرين قد تنبَّهوا لخطورةِ رُوحِ الجهادِ بالسَّيف، فشَرَعوا بالطعن في أحاديثِ الجهاد، وكان "جَرَاغ علي" و"المتنبي الكذَّاب القادياني" من قادةِ هذه المدرسة، كما أنتجت الروحُ الانهزامية رجالاً مثل "السيد أحمد خان" و"عبد الله جكرالوي" و"أحمد الدين أمر تسري" وآخرين، وأخيرًا جاء "غلام أحمد برويز" الذي أبدى نشاطًا ملحوظًا، فأسسَّ جميعةً باسم "أهل القرآن"، كما أصدَرَ مجلةً شهريةً ونشر عدَّةَ كتبٍ في هذا الصدد" (١).
° ويَكشفُ "جَرَاغ علي" عن موقفه من السُّنَّةِ فيقول: "إنَّ القرآنَ كاملٌ من كلِّ الوجوه، ويواكبُ سَيْرَ الحضارة وتطوُّرَها، ويَرفعُ متَّبعيه إلى
стр. 1086
أعلى درجات الرُّقيِّ والتمدُّنِ، فإنْ أحْسَنَّا تفسيرَه وتعبيرَه سَلَكَ بنا هذا المَسْلك، وإنْ قيَّدْناه بآراءِ المفسِّرين ومَنْهَجِهم وحَصَرْناه في الرواياتِ، فإن الوضعَ يَنقلبُ رأسًا على عَقِب، فنسيرُ نحوَ الهاوية بدلاً من التقدُّمِ ومسايرةِ الرَّكْب؛ لأنَّ الرواياتِ لم يصح منها إلاَّ القليل، بل جُلُّها فرضيَّات وأوهامٌ للعلماء، أو أنها دلائلُ قياسيةٌ وإجماعيَّة، وهذا المَسْلَكُ هو ما يَسيرُ عليه قانونُ الشريعةِ والفقه، ولا شكَّ أنَّ مِثلَ هذا المَسْلَكِ يَحجُزُ عن الرُّقِيِّ والتقدُّم ومسايرةِ ظروفِ الحياة" (١).
° وأضاف في موضعٍ آخر فقال: "إنَّ المحقِّقين الذين جَمَعوا الأحاديثَ وميَّزوا بين سقيمها وصحيحها، صَرَّحوا بأنَّ الحديثَ مهما قَوِيَ سَنَدُه لا يُمكنُ الاعتمادُ عليه، وما ذُكِرَ فيه غيرُ حتميٍّ قطعًا، فلو أمعنَّا النظرَ في هذه الحقيقةِ لاضطررْنا أن نقول: إنَّ معاييرَ الصِّدقِ والأصولِ العقليةِ لا حاجةَ لإقامتها لتمييز الحديث؛ لأنَّ الحديثَ في حدِّ ذاته شيء لا يمكنُ الاعتمادُ عليه، ولا اعتبارَ لِمَا يَتحدَّثُ عنه" (٢).
° وله انحرافاتٌ كثيرةٌ تتلخَّصُ في:
أ- نفي أن يكونَ الحِجابُ ممَّا أَمَر به الإِسلام.
ب - حروبُ النبيِّ ﷺ كلُّها دفاعية، وأنه ﷺ لم يَخُضْ حَربًا هجوميةً في حياته.
стр. 1087
جـ- لم يُعيِّنِ القرآنُ المقصودَ من الزكاة، وإنما أَمَر بإعطاءِ الفقراءَ ما زاد عن الحاجة.
° ومن أشهر مؤلفاته: "الإصلاحاتُ السياسيةُ القانونية، والاجتماعيةُ المقترَحةُ للإمبراطوريةِ العثمانية والدولِ الإِسلامية الأخرى".
° وفي هذا الكتاب تَظهَرُ الدعوةُ إلى التوفيق بين الإِسلامِ والعصر، بالطريقةِ المفضَّلةِ لهذه المدرسة، وخلاصةُ ما فيه: "أنه يرى ضرورةَ الفصلِ بين الدين والدولة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُوحِّدْ بين الدينِ والدولةِ مطلقًا" (١).
* مُحبُّ الحق عظيم آبادي في "بهار" بالهند وإِنكارُه للسُّنَّة:
هو الحافظُ محبُّ الحق المنسوبُ إلى مدينة "عظيم آباد" بالهند، البهاري البَتْني، وُلد في آخِرِ السَّبعينات من القَرْنِ التاسعَ عَشَر، وكان حَنَفِيَّ المَسْلَكِ في أوَّلِ أمرِه، يَتَّبعُ طريقةَ الصوفية النَّقشبنديَّة، ثم تَحَوَّل عنها ليصبحَ عُضوًا غيرَ بارزٍ في زُمرة "القرآنيين"، وله مؤلَّفاتٌ عديدة منها: "دعوة الحق" و"شرعة الحق" و"منهاج الحق" و"بلاغ الحق".
وقد صَنَّف كتابَه الأولَ والثاني قبل أن ينضمَّ إلى الحركةِ القرآنية، والثالثَ أثناءَ تذبذُبه، والأخيرُ فيه التصريحُ بعدم أخذ السُّنَّةِ في الدين، وكان يَكتب في كلٍّ من مجلتي "البيان" و"طلوع الإِسلام" .. تُوفي في آخِرِ الخمسينات من القرن العشرين "بكراتشي" بعد استقلال باكستان.
° يقول مؤلِّف كتاب "القرآنيون": "وقد تزعَّم حركةَ القرآنيين في
стр. 1088
بدايةِ الأمر شخصيَّتانِ: "محب الحق عظيم آبادي" في "بهار" -شرقي الهند-، و"عبد الله جَكْرَالَوِي" في "لاهور" في آنٍ واحدٍ من مَنبعٍ متَّحدٍ، غيرَ أنَّ الأولَ -محب الحق- لم يُخالِفِ المسلمين في الأعمال الظاهرة، بل كان يَمتثلُ لها كأيِّ فردٍ من المسلمين باستنباطِ ذلك من القرآن الكريم، دون اللجوءِ إلى السُّنَّةِ المُشرَّفة، مما جَعَل الأنظارَ لا تَلتفِتُ إليه بدهشةٍ واستغراب، مع ما سَجَّله من المخالفات الظاهرة كقوله: "اللهم امْحُ وثنيَّة عقيدةِ البرزخ كما مَحَيْتَ الأصنامَ من جَوفِ الكعبة" (١).
وإنكارهُ وجودَ منصبِ الإمامة في الإِسلام لعدم ذِكْرِ القرآن له (٢).
القرآنيُّون وزعماؤهم
قبل مُضِيِّ أرْبَعِ سنواتٍ من موتِ "سيد أحمد خان" ظهرت حركةُ "القرآنيين" في "بِنجاب" بأواسط الهند، وما أسوأَ حظَّ هذه البقعةَ من الأرض، إذْ نَبَعَتْ منها حركتانِ هَدَّامتانِ للإِسلام: "القاديانية"، و"القرآنيون".
ففي سنة ١٩٠٠ م نهض من تلك البقعة "غلام أحمد القادياني"، وادَّعى النبوَّة.
ومنها في عام ١٩٠٢ م بدأ "غلام نَبِي" المعروف بـ "عبد الله جَكْرَالَوي" مؤسِّسُ الحركةِ القرآنيةِ نشاطَه الهدَّام بإنكارِ السُّنَّة كلِّها مُتخِذًا "مسجدَ جِيْنيان" بلاهور مقرًّا لحركتِه.
стр. 1089
وسَنَعْرِضُ ذِكْرَ أكبرِ زعمائِهم، ثم بعد ذلك نَذكرُ أهمَّ آرائهم:
* ومن أكبر زعماء هذه الحركة:
* مؤسِّسُ حركة "القرآنيِّين" عبد الله جَكْرَالَوِي عدوُّ السُّنَّة:
هو عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ الجَكْرَالَوِي، نزيل "لاهور" الذي دعا الناسَ إلى مذهبٍ جديدٍ سَمَّى أتباعَه "أهلَ الذِّكر والقرآن"، وأنكر الأحاديثَ قاطبةً، وصَنَّف الرسائلَ في ذلك (١).
وُلد عبدُ الله في بلدة "جَكْرَالَهْ" بمقاطعة "مِيَانْوَالِيْ" بـ "بنجاب" بـ "الباكستان"، في نهاية العِقدِ الثالثِ من القرنِ التاسعَ عَشَرَ الميلادي في أُسرةِ عِلمٍ ودِين، وكان والدُه ممن يَستظلُّ بظلِّ مشيخة "تَونْسَة بِرَاج"، ولهذه الصِّلةِ الرُّوحيةِ ذَهَب والدُه به إلى مُتَولِّي المَشيخةِ آنذاك، فحَنَّكه ومَسَحَ على رأسه وأسماه "غلام نَبِي"، وظَلَّ معروفًا بهذا الاسم حتى سنةِ ١٨٩٩ م، إذ سَجَّله مع اسمِه المختار "عبد الله" في نهاية مقدِّمة تفسيرِه، ثم تحاشاه بعد ذلك التاريخ لشُبهةِ الشِّركِ فيه حتى الممات.
* صِلته بالاستعمار:
اختَلفت النقولُ في اتِّصالِ "عبدِ الله" بالإِنجليز وممالأتِه لهم، "فغلام أحمد برويز" -ومَن يرى رأيَه يَذهبون إلى أنَّ المِرزا "غلام أحمد القادياني" كان من البذور التي تَولَّت الحكومةُ البريطانيةُ بَذْرَها، وأنَّ دعوتَه أتت من صميمِ النداء الإِنجليزي، بَيْدَ أن "عبد الله" نراه سليمَ النيَّة، اكتَوَى بنارِ ما
стр. 1090
أُصيب به الإِسلامُ في عصرِه من الفِرَق المتعددة.
° وفريقٌ آخَرُ من المحقِّقين -أمثال "محمد علي قَصُورِي"- يَرَى أنَّ الحكومةَ البريطانيةَ كانت لها يَدٌ وراءَ الحركتين: "القاديانية، والجكرالوية"، حيث يقول: "وفي هذه الآوِنةِ اتَّخذ المشروعُ الإِنجليزيُّ نوعًا جديدًا من المناورات المناوِئةِ للإِسلام، فضَمَّت صُفوفُه السياسيةُ كثيرًا من القساوسة المبشِّرين، مما مَكَّنها من اصطيادِ بعضِ الشخصيَّاتِ الإِسلامية، وإيقاعِها في شَبكةِ التحريفِ ضدَّ الإِسلام، كما انضمَّ إلى هؤلاءِ بعضُ من يُريدُ الدنيا، فحرَّضَتْهمُ السلطاتُ الإِنجليزيةُ على أن يقوموا بأعمالٍ تُبعِدُ الثِّقةَ عن النفوس تُجاهَ الحديثِ الشريف، ويَستغِلُّوا الضمائرَ المنافقةَ من المسلمين، وكان على رأسِ هؤلاء جميعًا "عبد الله جكرالوي"، وقد اختاره المسيحيُّون لأداءِ هذه المهمَّة، فرَفَعَ صوتَه بإنكارِ السُّنةِ كلها، وأَخَذَ يدعو إلى هذا المشروعِ الهدَّام، فأَخَذَتْ كُتبُ التأييدِ والرسائلِ تَصِل إليه من المبشِّرين بالمسيحية، وتَعِدُه بالمساعدات المالية، وتشكرُه على هذا المجهود الجبَّار، وقد عَرَفْنا كلَّ ذلك مِن قِبَل أحدِ أصدقائِنا الصادقين، الذي كان يقومُ بدَورِ الترجمة لهذه الرسائل، لعدمِ معرفةِ "عبدِ الله" باللغةِ الإِنجليزية، ولو بَذَلْنا قليلاً من الجَهدِ لأمكَنَنَا الحصولُ عليها، غيرَ أنَّا لا نريدُ ذلك" (١).
ولعلَّ الذي مَنَع الدكتور "محمد علي" من التصريح باسم صديقِه أو نَشرِ شيءٍ من الرسائل، هو قُربُ عهدِ الاستقلالِ للدولة الباكستانية، وتوغُّلِ القاديانين والقرآنيين في مناصِبها الحسَّاسة، والبَطشُ بكلِّ مَن