أعلى درجات الرُّقيِّ والتمدُّنِ، فإنْ أحْسَنَّا تفسيرَه وتعبيرَه سَلَكَ بنا هذا المَسْلك، وإنْ قيَّدْناه بآراءِ المفسِّرين ومَنْهَجِهم وحَصَرْناه في الرواياتِ، فإن الوضعَ يَنقلبُ رأسًا على عَقِب، فنسيرُ نحوَ الهاوية بدلاً من التقدُّمِ ومسايرةِ الرَّكْب؛ لأنَّ الرواياتِ لم يصح منها إلاَّ القليل، بل جُلُّها فرضيَّات وأوهامٌ للعلماء، أو أنها دلائلُ قياسيةٌ وإجماعيَّة، وهذا المَسْلَكُ هو ما يَسيرُ عليه قانونُ الشريعةِ والفقه، ولا شكَّ أنَّ مِثلَ هذا المَسْلَكِ يَحجُزُ عن الرُّقِيِّ والتقدُّم ومسايرةِ ظروفِ الحياة" (١).
° وأضاف في موضعٍ آخر فقال: "إنَّ المحقِّقين الذين جَمَعوا الأحاديثَ وميَّزوا بين سقيمها وصحيحها، صَرَّحوا بأنَّ الحديثَ مهما قَوِيَ سَنَدُه لا يُمكنُ الاعتمادُ عليه، وما ذُكِرَ فيه غيرُ حتميٍّ قطعًا، فلو أمعنَّا النظرَ في هذه الحقيقةِ لاضطررْنا أن نقول: إنَّ معاييرَ الصِّدقِ والأصولِ العقليةِ لا حاجةَ لإقامتها لتمييز الحديث؛ لأنَّ الحديثَ في حدِّ ذاته شيء لا يمكنُ الاعتمادُ عليه، ولا اعتبارَ لِمَا يَتحدَّثُ عنه" (٢).
° وله انحرافاتٌ كثيرةٌ تتلخَّصُ في:
أ- نفي أن يكونَ الحِجابُ ممَّا أَمَر به الإِسلام.
ب - حروبُ النبيِّ ﷺ كلُّها دفاعية، وأنه ﷺ لم يَخُضْ حَربًا هجوميةً في حياته.
стр. 1087
جـ- لم يُعيِّنِ القرآنُ المقصودَ من الزكاة، وإنما أَمَر بإعطاءِ الفقراءَ ما زاد عن الحاجة.
° ومن أشهر مؤلفاته: "الإصلاحاتُ السياسيةُ القانونية، والاجتماعيةُ المقترَحةُ للإمبراطوريةِ العثمانية والدولِ الإِسلامية الأخرى".
° وفي هذا الكتاب تَظهَرُ الدعوةُ إلى التوفيق بين الإِسلامِ والعصر، بالطريقةِ المفضَّلةِ لهذه المدرسة، وخلاصةُ ما فيه: "أنه يرى ضرورةَ الفصلِ بين الدين والدولة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُوحِّدْ بين الدينِ والدولةِ مطلقًا" (١).
* مُحبُّ الحق عظيم آبادي في "بهار" بالهند وإِنكارُه للسُّنَّة:
هو الحافظُ محبُّ الحق المنسوبُ إلى مدينة "عظيم آباد" بالهند، البهاري البَتْني، وُلد في آخِرِ السَّبعينات من القَرْنِ التاسعَ عَشَر، وكان حَنَفِيَّ المَسْلَكِ في أوَّلِ أمرِه، يَتَّبعُ طريقةَ الصوفية النَّقشبنديَّة، ثم تَحَوَّل عنها ليصبحَ عُضوًا غيرَ بارزٍ في زُمرة "القرآنيين"، وله مؤلَّفاتٌ عديدة منها: "دعوة الحق" و"شرعة الحق" و"منهاج الحق" و"بلاغ الحق".
وقد صَنَّف كتابَه الأولَ والثاني قبل أن ينضمَّ إلى الحركةِ القرآنية، والثالثَ أثناءَ تذبذُبه، والأخيرُ فيه التصريحُ بعدم أخذ السُّنَّةِ في الدين، وكان يَكتب في كلٍّ من مجلتي "البيان" و"طلوع الإِسلام" .. تُوفي في آخِرِ الخمسينات من القرن العشرين "بكراتشي" بعد استقلال باكستان.
° يقول مؤلِّف كتاب "القرآنيون": "وقد تزعَّم حركةَ القرآنيين في
стр. 1088
بدايةِ الأمر شخصيَّتانِ: "محب الحق عظيم آبادي" في "بهار" -شرقي الهند-، و"عبد الله جَكْرَالَوِي" في "لاهور" في آنٍ واحدٍ من مَنبعٍ متَّحدٍ، غيرَ أنَّ الأولَ -محب الحق- لم يُخالِفِ المسلمين في الأعمال الظاهرة، بل كان يَمتثلُ لها كأيِّ فردٍ من المسلمين باستنباطِ ذلك من القرآن الكريم، دون اللجوءِ إلى السُّنَّةِ المُشرَّفة، مما جَعَل الأنظارَ لا تَلتفِتُ إليه بدهشةٍ واستغراب، مع ما سَجَّله من المخالفات الظاهرة كقوله: "اللهم امْحُ وثنيَّة عقيدةِ البرزخ كما مَحَيْتَ الأصنامَ من جَوفِ الكعبة" (١).
وإنكارهُ وجودَ منصبِ الإمامة في الإِسلام لعدم ذِكْرِ القرآن له (٢).
القرآنيُّون وزعماؤهم
قبل مُضِيِّ أرْبَعِ سنواتٍ من موتِ "سيد أحمد خان" ظهرت حركةُ "القرآنيين" في "بِنجاب" بأواسط الهند، وما أسوأَ حظَّ هذه البقعةَ من الأرض، إذْ نَبَعَتْ منها حركتانِ هَدَّامتانِ للإِسلام: "القاديانية"، و"القرآنيون".
ففي سنة ١٩٠٠ م نهض من تلك البقعة "غلام أحمد القادياني"، وادَّعى النبوَّة.
ومنها في عام ١٩٠٢ م بدأ "غلام نَبِي" المعروف بـ "عبد الله جَكْرَالَوي" مؤسِّسُ الحركةِ القرآنيةِ نشاطَه الهدَّام بإنكارِ السُّنَّة كلِّها مُتخِذًا "مسجدَ جِيْنيان" بلاهور مقرًّا لحركتِه.
стр. 1089
وسَنَعْرِضُ ذِكْرَ أكبرِ زعمائِهم، ثم بعد ذلك نَذكرُ أهمَّ آرائهم:
* ومن أكبر زعماء هذه الحركة:
* مؤسِّسُ حركة "القرآنيِّين" عبد الله جَكْرَالَوِي عدوُّ السُّنَّة:
هو عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ الجَكْرَالَوِي، نزيل "لاهور" الذي دعا الناسَ إلى مذهبٍ جديدٍ سَمَّى أتباعَه "أهلَ الذِّكر والقرآن"، وأنكر الأحاديثَ قاطبةً، وصَنَّف الرسائلَ في ذلك (١).
وُلد عبدُ الله في بلدة "جَكْرَالَهْ" بمقاطعة "مِيَانْوَالِيْ" بـ "بنجاب" بـ "الباكستان"، في نهاية العِقدِ الثالثِ من القرنِ التاسعَ عَشَرَ الميلادي في أُسرةِ عِلمٍ ودِين، وكان والدُه ممن يَستظلُّ بظلِّ مشيخة "تَونْسَة بِرَاج"، ولهذه الصِّلةِ الرُّوحيةِ ذَهَب والدُه به إلى مُتَولِّي المَشيخةِ آنذاك، فحَنَّكه ومَسَحَ على رأسه وأسماه "غلام نَبِي"، وظَلَّ معروفًا بهذا الاسم حتى سنةِ ١٨٩٩ م، إذ سَجَّله مع اسمِه المختار "عبد الله" في نهاية مقدِّمة تفسيرِه، ثم تحاشاه بعد ذلك التاريخ لشُبهةِ الشِّركِ فيه حتى الممات.
* صِلته بالاستعمار:
اختَلفت النقولُ في اتِّصالِ "عبدِ الله" بالإِنجليز وممالأتِه لهم، "فغلام أحمد برويز" -ومَن يرى رأيَه يَذهبون إلى أنَّ المِرزا "غلام أحمد القادياني" كان من البذور التي تَولَّت الحكومةُ البريطانيةُ بَذْرَها، وأنَّ دعوتَه أتت من صميمِ النداء الإِنجليزي، بَيْدَ أن "عبد الله" نراه سليمَ النيَّة، اكتَوَى بنارِ ما
стр. 1090
أُصيب به الإِسلامُ في عصرِه من الفِرَق المتعددة.
° وفريقٌ آخَرُ من المحقِّقين -أمثال "محمد علي قَصُورِي"- يَرَى أنَّ الحكومةَ البريطانيةَ كانت لها يَدٌ وراءَ الحركتين: "القاديانية، والجكرالوية"، حيث يقول: "وفي هذه الآوِنةِ اتَّخذ المشروعُ الإِنجليزيُّ نوعًا جديدًا من المناورات المناوِئةِ للإِسلام، فضَمَّت صُفوفُه السياسيةُ كثيرًا من القساوسة المبشِّرين، مما مَكَّنها من اصطيادِ بعضِ الشخصيَّاتِ الإِسلامية، وإيقاعِها في شَبكةِ التحريفِ ضدَّ الإِسلام، كما انضمَّ إلى هؤلاءِ بعضُ من يُريدُ الدنيا، فحرَّضَتْهمُ السلطاتُ الإِنجليزيةُ على أن يقوموا بأعمالٍ تُبعِدُ الثِّقةَ عن النفوس تُجاهَ الحديثِ الشريف، ويَستغِلُّوا الضمائرَ المنافقةَ من المسلمين، وكان على رأسِ هؤلاء جميعًا "عبد الله جكرالوي"، وقد اختاره المسيحيُّون لأداءِ هذه المهمَّة، فرَفَعَ صوتَه بإنكارِ السُّنةِ كلها، وأَخَذَ يدعو إلى هذا المشروعِ الهدَّام، فأَخَذَتْ كُتبُ التأييدِ والرسائلِ تَصِل إليه من المبشِّرين بالمسيحية، وتَعِدُه بالمساعدات المالية، وتشكرُه على هذا المجهود الجبَّار، وقد عَرَفْنا كلَّ ذلك مِن قِبَل أحدِ أصدقائِنا الصادقين، الذي كان يقومُ بدَورِ الترجمة لهذه الرسائل، لعدمِ معرفةِ "عبدِ الله" باللغةِ الإِنجليزية، ولو بَذَلْنا قليلاً من الجَهدِ لأمكَنَنَا الحصولُ عليها، غيرَ أنَّا لا نريدُ ذلك" (١).
ولعلَّ الذي مَنَع الدكتور "محمد علي" من التصريح باسم صديقِه أو نَشرِ شيءٍ من الرسائل، هو قُربُ عهدِ الاستقلالِ للدولة الباكستانية، وتوغُّلِ القاديانين والقرآنيين في مناصِبها الحسَّاسة، والبَطشُ بكلِّ مَن
стр. 1091
يُخالفُهم أو يُبدي مَساوءَهم، والذي يَتحقَّقُ للمُتَتبِّعِ لأحداثِ تلك الحِقبةِ التاريخيةِ هو وجودُ الصِّلَةِ بين "الحركة الجكرالوية" والدولة المستعمِرة آنَذَاك، ولو صِلَةً خَفِيَّةً، ولعلَّ الزمنَ يَكشِفُ لنا عنها -عاجلاً أو آجلاً-.
* موقفُ العلماءِ من أفكاره:
اتَّخذ "عبد الله" مدينة "لاهور" -مدينة العلم- سنة ١٩٠٢ م مقرًّا دائمًا لإبلاغِ رسالته إلى المسلمين، ونَشْرِ أفكارِه بين الناس، بَيْدَ أنَّ مجلة "إشاعة السنة" كانت له بالمرصاد، إذ أسرعت إلى جَمْعِ أفكارِه وإجراءِ استفتاءٍ عامٍّ حولَها، ووضعَتْها على بِساطِ البحثِ في الأوساطِ العِلميَّة، بَعدَ عَرضٍ وجيزٍ لبعضِ أفكارِ "عبد الله" الانحرافية، وطالَبَت من علماءِ الدين وقادةِ فِكرِه بيانَ موقفِ الإِسلام من مِثل صاحبِ هذه الأفكار، وهل يَبقَى الرجلُ مُسلِمًا مع اعتناقِ هذه الأفكار؟ أو يَخرجُ من دائرةِ الإِسلام، ولا يَبقى له به صِلَةٌ؟!.
فأفتى بكُفرِ "عبد الله" جُلُّ علماءِ شِبهِ القارَّةِ الهندية في باكستان والهند وبنغلاديش، وفي نهاية سنة ١٩٠٢ م تولَّت "إشاعةُ السنة" نَشْرَ عَشَراتِ التوقيعاتِ لعلماءِ الدينِ الذين أفتَوا بكُفرِ "عبد الله" وخروجِه من بَوْتَقَةِ الإِسلام، وأنه مقطوعُ الصِّلَةِ عن الدين والمسلمين (١).
غيرَ أن "عبد الله" لَقِيَ مستمرًّا في دَعوتِه حتى اختَرَمَتْه المنيةُ، ولَقِيَ ربَّه عام ١٩١٤ في مدينة "مِبَانْوَالي" القريبة من "جكراله".
стр. 1092
* أحمد الدين الأَمْرَتْسَرِّي:
هو الخَواجةُ أحمد الدين، ابنُ الخَواجة ميان محمد، بن محمدِ إبراهيمَ، دعامةُ الفكرِ العميق للحركة القرآنية، ولد عام ١٨٦١ بمدينة "أمْرتسر" بالهند، وتُوفِّي في ٢ يونيو عام ١٩٣٦ وكان يُجيدُ اللغات: العربية، والفارسية، والأُرْدية، والبنجابية، والإِنجليزية.
أ- صلته بأحمد خان:
لقد استفاد الخواجة "أحمد الدين" من نظرياتِ السيد أحمد خان، وإن لَم يَجْعَلْها أساسًا ومركزًا لأفكارِه، لشدَّةِ نَقْدِ العلماءِ لها والنكيرِ على قائلِها آنذاك، فاتَّخذ الخواجةُ جانبَ الحَذَر والحَيْطَة، فلم يَجْهَرْ بما جَهَرَ به السيد "أحمد خان"، وإنما كَنَّى واستعارَ ووَرَّى.
° يقول "ضياء الله" الابن البكر لأحمد الدين الذي رَتَّبَ ترجمةَ حياةِ أبيه حول هذه الصِّلة ما نصه: "يبدو أنَّ أولَ مَن وَضَعَ أساسَ استدلالِه على القرآن الكريم وحده هو "السيد أحمد خان" .. وقد قَضَتْ أفكارُه على الجُمودِ الذي ساوَرَ على عقولِ المسلمين، ثم نَسَجَ على مِنوالِه "عبدُ الله جكرالوي"، وظَلَّ الخواجة مدَّةً يَستفيدُ من أفكارِه وأفكارِ عبدِ الله، ولأفكارِ الأخيرِ تأثيرٌ بالغٌ في تعديل الوضع للسُّنةِ النبويَّة، فأصبح الذين كانوا يُفضِّلونها على القرآن يجعلونها بعدَ القرآن" (١).
ب - صِلته بعبد الله جكرالوي:
اتَّصل "أحمد الدين" لعبد الله منذ أنْ صَدَعَ الأخير بدعوته عام
стр. 1093
١٩٠٢ م، وكثيرًا ما كان الخواجةُ يَزورُه في العُطَلِ الصيفية أيامَ تدريسِه بالمدرسة الإِسلامية، لِتَبادُلِ الآراءِ والمناقشةِ حولَ العديدِ من المسائل العلمية، فيُقنعُ عبدُ الله الخواجةَ حيْنًا، كما كان يَقتنعُ هو بآراءِ الخواجةِ أحيانًا أخرى.
° وحينما نَشَر عبدُ الله كتابه "صلاة القرآن" في العِقدِ الأولِ من القرنِ العشرين، قام الخواجةُ بزيارةٍ خاصةٍ له، ونَصَحه بعدمِ إصدارِ مِثل هذه الكتب في الوقتِ الحاضر، وأثناءَ النقاشِ حَضَرَتْ صلاةُ العصر، فصلَّى الخواجةُ على الطريقةِ الجكرالوية، فقال له عبد الله: "كيف تعترضُ على الكتاب وتُصلِّي بمثله؟ " فردَّ الخواجةُ عليه بقوله: "إني لا أَراها باطلةً، ولكنَّ التَّفرقةَ لا تجوزُ بين المسلمين" (١).
* نشاطه في دعوتهِ، وآثارُه العلمية:
قام الخواجة "أحمد الدين" عام ١٩٢٦ م بتأسيس طائفتِه المنفصلةِ بـ "أمرتسر" والتي اختار لها اسم "أمة مسلمة"، فتسارَعَ الناسُ إلى اختيارِ عضويتها، بالإضافة إلى إصدارِ مجلة "بلاغ" الخاصةِ بهذهِ الجماعة، تَحملُ أفكارَهم، وتَنشرُ نظرياتُهم الخاصة.
هذا وقد شَمَّر أعضاءُ "أمة مسلمة" ودُعاتُها عن ساعِدِ الجِدِّ، فأخَذوا يَطبَعون الكُتُبَ على حسابهم الخاص، ويُرسلونها إلى كلِّ من عَرَفوا عُنوانه دونَ مقابلٍ، ممَّا ساعَدَ في نَشرِ أفكارِهم وانضمامِ الناسِ إليهم.
وممَّا يلاحَظُ في فِكرِ أحمد الدين نَقْدُه اللاذعُ للنظامِ السائد في الميراث
стр. 1094
عند المسلمين، والدعوةُ بالاكتفاءِ على ما وَرَدَ في القرآنِ الكريم دون السُّنة، كتوريثِ ابنِ الابنِ مع وجودِ الابنِ للميِّت .. وجَعَل الوصيةَ فَرْضَ عينٍ على المتوفَّى لمن شاء مِن وَرَثَتِه، وإعطاءَ الإرثِ لمستحقِّه -بقَطعِ النظرِ عن ديانتِه وحريتهِ- إلى غير ذلك من الآراء الغريبة المخالفةِ لإِجماعِ المسلمين.
° وله:
(١) "معجزة القرآن"، وهو مجلد واحد.
(٢) "أصل مطاع"، وهو مجلد واحد.
(٣) تفسير "بيان للناس"، وهو سبع مجلدات وصل فيه إلى قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠].
(٤) "برهان الفرقان"، وهو مجلد واحد.
(٥) "ريحان القرآن"، وهو مجلد واحد.
(٦) "قرآن مجيد ورسول حميد"، وهو مجلد واحد.
* الحَافِظ أسْلم جِرَاجْبُوْرِي:
هو محمد أسلم، ابن العلامة سلامةِ الله البهوبالي، المؤرِّخُ الفيلسوفُ، أحدُ أركان القرآنيين البارزين.
ولد في "جراجبور" ١٢٩٩ هـ/ ١٨٨٠ م بمقاطعة "أَعْظَمْ كَرَهْ" بالهند في أسرةِ أهلِ الحديث -أثناءَ أداءِ والدِه مناسِكِ الحجِّ، وحَفِظَ القرآنَ الكريم قبل أن يناهزَ التاسعةَ من عمره، فلذلك لُقِّب بالحافظ، ثم أَخَذ في دراسةِ اللغة الفارسية -لغةِ العلوم الدينية آنذاك-، ثم الرياضياتِ، فاللغةِ الإِنجليزية، كما أنه درس العربيةَ على مولانا فتح الله، وتُوفِّي في ٢٨ ديسمبر ١٩٥٥ م.
стр. 1095
° أما صِلتُه بالخواجة "أحمد الدين" وتأثُّرُه بأفكارِه، فتبدو واضحةً في ترجمتِه كتابَ الخواجة "معجزة قرآن" إلى اللغة العربية، ونَشْرِه بين البلاد العربية، كما أنَّ "الحافظ" سار في موضوعِ "الإِرث" على نَهجِ الخواجة، فأخرج كتابه "محجوب الإرث" نَقْدًا لقواعِدِ الميراث المُجْمَعِ عليها بين المسلمين، كما أنَّ لِفِكْرِ "الحافظ" نصيبًا وافرًا في صَبغِ الأفكار الاشتراكية بالإِسلام، كتحويلِ مِلْكِيَّةِ الأرضِ إلى الدولة، واختراعِ مَنصبِ "مركز المِلَّة" لِيَحُلَّ مَحَلَّ "مجلس التشريع الحاكم" عند الاشتراكيين.
° يقول هذا المأفونُ في مَدحِ الاتحاد السوفيتي ما نصُّه: "إن المِلَّةَ الرُّوسيةَ جَدَّدتِ العملَ الإِسلاميَّ الذي وُجِد في العهود السابقة، بل أجودَ منه، إذْ أطاحت بالرأسماليين ومُلاَّكِ الأرضِ وأصحابِ الإماراتِ الصغيرة، وهذا معنى "لا" من كلمة "لا إله إلاَّ الله"، وهي أولُ لَبِنَةٍ في الإِسلام، وهذا العمل هو عَينُ الامتثالِ لمبدأِ الشهادتين" (١).
ومما لا يَسَعُ الباحثَ إنكارُه أنَّ "الحافظ أسلم" هو الرجلُ الثاني بعد "بَرويز" (٢) الذي نَبَغَ من حيث التأليف، وقام بالنشر لأفكارِ القرآنيين، وتُوفِّي في مارس ١٩٥٥ م ولَحِقَ بربِّه ليلقَى جزاءَ أعمالِه.
* غلام أحمد بَرْويز، عَدُّو السُّنَّة اللَّدُود:
هو غلام أحمد برويز بنُ فضلِ دين، وُلِد في ٩ يوليو ١٩٠٣ م، في بلدة "بَتَالة" القريبة من "قاديان" بالبِنْجاب الشرقية في الهند.
стр. 1096
في سنة ١٩٣٨ م أصدر السيد "نذير أحمد" -بتمويلٍ من صديقه برويز- مجلة "طلوع إسلام" دونَ تسجيلها باسمه الخاص.
وبعد استقلال باكستان، وبعد أن أصبحَ "محمد علي جناح القادياني" أولَ زعيمٍ ورئيسٍ لباكستان!!! انتَقل "برويز" من الهند إلى باكستان مع مجلته "طلوع إسلام".
* فِكرُه ونَشاطه لدعوته:
بَعدَ ما وصَلَ "برويز" إلى "كراتشي" وطاب له المُقامُ فيها، نَشِطَ في دعوتِه نشاطًا بالغًا لِخُلُوِّ الجوِّ من المعارضةِ القويَّةِ من جهةٍ، وللإِعانةِ الفعليةِ من أربابِ الحُكمِ من جهةٍ أخرى، فوجَدَ أرضًا خِصبةً لنَشرِ أفكاره، فوَضَع لمؤيِّديه أُسُسًا واضحةً، وجَعَل لهم مكاتبَ فِكرٍ تحتَ إدارته، وأَطلقَ عليها اسم "نوادي طلوع الإِسلام" تَبَعًا لاسم مجلته، ولم تَمضِ بِضعُ سنواتٍ على مجيئِه حتى عمَّ ذِكرُه في أرجاء باكستان، بل تجاوَزَها إلى الدول العربية والأوربية والأميركية، فأخذ الناسُ يَهرعون للانضمامِ إلى دعوته.
وعلى جانبٍ آخَرَ أَخذت أجهزةُ الإِعلام للدولة تُكِيلُ له المَدْحَ كَيلاً، فانضمَّ إلى صُفوفه كثيرٌ من المثقفينَ والمحامِيينَ والقُضاةِ والمُحاضِرِينَ وأساتذةِ الجامعات والطلاَّبِ والمهندسين.
وفي نوفمبر سنة ١٩٥٦ م عُقد أولُ اجتماعٍ عامٍّ لجميع نوادي "طلوع إسلام" في "لاهور"، ثم تتابعت الاجتماعاتُ السَّنَويةُ لاتخاذِ اللازم، والبحثِ في المشاكل التي تَعترضُ طريقَهم لنشرِ الأفكارِ في أرجاءِ الوطنِ الإسلامي الكبير.
стр. 1097
وفي هذه السَّنةِ نفسِها كان "برويز" قد عُيِّن عُضوًا في "لجنةِ التقنين" في باكستان، غيرَ أنه لم يَستمرَّ بها طويلاً، إذ عُطِّل الدستورُ بأكملِه إثْرَ انقلابٍ عسكريٍّ قام به الجنرال "أيوب خان"، وأَمَر بالغاءِ جميعِ الحركاتِ والأحزابِ ما عدا حركةَ "طلوع إسلام"، ولعلَّ السببَ في ذلك يعودُ إلى ملاءمةِ الأفكارِ البرويزية لكلِّ حاكم.
ومركز "المِلَّة" عند برويز يتولاَّه كلُّ مَن تمكَّن منه، وقد مُنح لهذا المركز سلطاتٌ تشريعيةٌ واسعة، من الحَظْرِ والإباحةِ والإِجبار، وهذا ما يَبتغيه كلُّ حاكمٍ لبقائه في الحُكم، ولعلَّ هذا هو أحدُ الأسبابِ الخَفِيَّةِ العاملةِ في إلغاءِ قانونِ الأحوالِ الشخصيةِ الإِسلامية إبَّانَ حُكمِ هذا الجنرال، وإحلالِ القوانينِ الوضعيةِ -المقدَّمةِ من لجنةِ الأحوال الشخصية- مَحِلَّه.
والحقُّ أن فِكرَ "برويز" يمتازُ بالاطِّلاع الواسع على الأفكار الأوربية، ويَرى وجوبَ صَبْغِ الإِسلام بها .. وبالإضافةِ إلى ذلك يعتقدُ أنَّ النظرياتِ العلميةَ حقائقُ لا تَقبلُ الجَدَلَ والمناقشة؛ لذا يجبُ تفسيرُ القرآنِ بمقتضاها، كالقول بالتطوُّر في وجودِ الخَلْق، وإنكارِ خوارِقٍ العادات .. أمَّا التأويلُ وصَرفُ الكلماتِ عن معانيها الحقيقيةِ في كُتُبه، فحدِّثْ ولا حَرَجَ، فما من مُعتقَدٍ إسلاميٍّ إلَّا مَسَّه قلمُ "برويز" بالتأويل.
و"غلام أحمد برويز" يُقلِّدُ "توفيق صدقي" تقليدًا تامًّا -مع دعوى الاجتهادِ والانفراد-؛ لأنه يُنكِرُ إنكارًا تامًّا أن يكونَ للأحاديث أيُّ قيمةٍ تشريعيةٍ (١).
ولعلَّ أولَ إعلانِه بأفكارِ القرآنيين، وإثارةِ الشبهاتِ حولَ السُّنةِ لإِزالةِ
стр. 1098
الثِّقة عنها، ودعوةِ الجماهير إليها جِهارًا: يعودُ تاريخُه إلى مسجد "سكرتارية دهلي" الذي كان قد مَنح "برويز" مِن قِبَلِ مسؤوليِ المسجدِ حُقوقَ خُطبةِ الجمعة فيه، لِحُسنِ نواياه السابقة، لكنه سَرعانَ ما أَخذ أسلوبُه يتلوَّنُ من يومٍ لآخر، فبدأ بالتأويل في السُّنة، فالتعريضُ بها، وأخيرًا إنكارُ حُجِّيَّتِها وعدمُ الاعتمادِ عليها في شَرعِ الله ، غيرَ أنه لَم يَمْضِ وقتٌ طويلٌ على هذه الأفكار حتى استولى الحماسُ الدينيُّ على "موسى" الفَرَّاش، بالسكرتارية، فأخذ بتلابيبِ الخطيب، ونهاه عن إلقاءِ مِثلِ هذه التُّرَّهاتِ، ما كان سببًا مباشرًا لعَدَمِ عودتِه إلى المسجدِ للخطبةِ مرةً أَخرى.
وكان "برويز" قد اتَّصل في هذه الآونةِ بأستاذه الفكري "الحافظ محمد أسلم جراجبوري"، فتتلمذ عليه، ووَرِثَ منه جميعَ مُخلَّفاتِ الخواجةِ الفكرية حولَ السُّنة، وما أضاف "الحافظ إليها طُوالَ عمرِه الطويل، بَيْدَ أن الأرضَ لم تكن خِصبةً لنشرِ أفكارِه بين المسلمين آنَذَاك لكثرةِ ما كانت تكتظُّ به "دهلي" من العلماء الأجلَّاء من جهةٍ، والتغيُّراتِ السياسيةِ التي أوشكت أن تَحُلَّ بالمسلمين وقتَئذٍ من جهةٍ أخرى، فَبقِيَتْ أفكارِه تختلجُ في صدرِه حتى نالت باكستان استقلالها، فجاءها مهاجِرًا كبقية المسلمين، واتخذ "كراتشي" مقرًّا مؤقَّتًا لنشر دعوته.
وإذا أردنا أن نعرفَ موقفَ الرجل من "السيد أحمد خان" وأفكاره، فنراه يُبجِّلُه، ويَضَعُه في قائمةِ مفكِّري هذا العصر، ويقول: "وفي عصرِنا الحاضرِ يُعتبر "السيد أحمد خان" والدكتور "محمد إقبال" أشهرَ مُفكِّري هذا العصر" (١).
* أما موقفهُ من "عبدِ الله جكرالوي"، فنراه يَمدحُ مَنهجَه، ويُنكِرُ
стр. 1099
عليه تعيينَ الجزئياتِ من القرآنِ الكريم، غيرَ أن "برويز" يُخَوِّلُ تعيينَ الجزئياتِ إلى مركز "المِلَّة" فالرجلانِ متَّفقانِ في المبدأِ والغاية، غيرَ أنهما اختَلَفا في السبيِل الموصِّلِ إليها، فكلاهما ادَّعى كمالَ الدينِ في القرآنِ وعدمَ التسليم لغيرِه في الحُجَّةِ والبرهان، واختلفا في تعيينِ هذا الكمالِ، فيَرى "عبد الله" كمالَه لشُمولِه جزئيَّات الدين، ويرى "برويز" كمالَه وشموله بذِكرِ الأصولِ وتركِ الجزئيات إلى مركزِ المِلَّة، وبذا يكونُ قد وَصَلا إلى الغاية المنشودةِ، وهي إلغاءُ السُّنةِ من مصادِر التشريعِ في الإِسلام.
* يقول "برويز" في ذلك ما نَصُّه: "وإنا نرى "عبدَ اللهِ جكرالوي" كان سَليمَ النيَّةِ، اكتوى بنارِ ما أُصيب به الإِسلامُ في هذا القَرنِ من الفِرَقِ المتعدِّدة، فانتَحَل عِلاجَ هذه المُعضِلةِ، فنادى بجمع المسلمينَ على القرآن الكريم، وإلى هذا الحدِّ كان سليمَ الممشى صحيحَ المَسْلَك، غيرَ أنه تقدَّم فوَقَعَ في اللَّبْسِ حين قال: إنَّ العمل على الإِسلام ليس بحاجةٍ إلى غيرِ ما في القرآن" (١).
وُيعتبر "برويز" أكثرَ القرآنيِّين تأليفًا، بل هو مؤلِّفُ الحركةِ القاديانية، وقد زادت مؤلَّفاتُه على ثلاثين مُؤَلَّفًا.
* موقفُ العلماءِ من أفكاره:
أصبحت مدينة "لاهور" مدينة إقبال منذ عام ١٩٥٨ م مقرًّا دائمًا لدعوةِ "طلوع إسلام"، لكنَّ العلماءَ كانوا لها بالمرصاد، إذ جَعَل مولانا "المودودي" "لاهور" نفسَها مقرًّا للجماعةِ الإِسلامية، وسَلَّط أضواءً مستفيضةً على دَعوة "برويز"، وحَذَّر الناسَ مِنِ اتِّباعِها وعواقِبِها الوخيمةِ
стр. 1100
التي تَنتظرُ متَّبعيهِ يومَ القيامة.
وفي سنة ١٩٦١ م وُضعت أفكارُ "برويز" ومعتقداتُه على مَحَكِّ البحث الإِسلاميِّ أمامَ العلماءِ لِيُفُتوا فيها، ولِيبيِّنوا حُكمَ الإِسلام فيمنَ اعتَنَق هذه الأفكار، وهل تَبقى له صِلةٌ بالإِسلام، أو أنَّ الإِسلامَ بريءٌ منه؟ .. وقد تولَّى إجراءَ هذا الاستفتاء أركانُ المدرسةِ العربيةِ الإِسلاميةِ بـ "كراتشي"، فأفتَى ما لا يَقِلُّ عن ألفِ عالِمٍ من علماءِ الدينِ من باكستانَ والهندِ والشامِ والحجازِ بتكفيرِه وخُروجِه عن رِبْقَةِ الإِسلام.
* فِرَقُ القرآنيِّين المعاصرِة:
يُوجَدُ في الوقتِ الحاضِرِ أربعُ فِرَقٍ من القرآنيِّين، يَجمعُهم أمرانِ:
١ - القولُ بالاقتصار على القرآنِ وحدَه في أمورِ الدنيا والآخرة.
٢ - وأنَّ السُّنةَ النبويَّةَ -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- ليست بِحُجَّةٍ في الدين، فلا مَجالَ لإِقحامِها فيه.
١ - الفرقة الأولى: "فرقة أُمَّتْ مُسلِم أهل الذكر والقرآن":
وهذه الفئةُ هي البقْيةُ الباقيةُ من أصلِ فِرقة "عبد الله" مؤسِّسِ الحركةِ القرآنية، ضَمَّت في تسميتِها حِزْبَه وحِزْبَ الخواجةِ "أحمد الدين"، والواقعُ أنها لا تَمُتُّ إلى فرقة الخواجة بصِلةٍ، وقد وَضَع حَجَرَ أساسِها "محمد رمضان" تلميذُ "عبد الله جكرالوي"، وكان لها نَشاطٌ ملموسٌ أيامَ بانِيها، غيرَ أنها بعدَ وفاته أَخَذت تَضمحِلُّ شيئًا فشيئًا، وهي في طريقها إلى الانقراضِ عاجلاً أو آجلاً، وَينتمي إليها بِضعةُ آلافٍ من البشر، وقلَّما تَعثُرُ على النشءِ الجديدِ في صفوفها.
ولهم مجلةٌ خاصةٌ بهم تَحملُ اسم "بلاغ القرآن"، ولِفِئةِ بلاغِ القرآن
стр. 1101
مساجد خاصةٌ في أكثر مدن باكستان، يُقيمون فيها الصلواتِ اليوميةَ الثلاثَ بطريقتِهم الشاذَّة.
٢ - الفرقةُ الثانية: فرقة "أمة مسلمة":
أسَّسها الخواجة "أحمد الدين" في "أمر تسر" بالهند، وكان لهما مَجلَّتانِ: "بلاغ" و"البيان" .. ولا تخلو مدينةٌ مِن مُدن باكستان من أعضاءِ هذه الحركة، وللأمةِ المسلمةِ مراكزُ متعدِّدةٌ في أغلبِ مُدنِ باكستان الرئيسية، وأمَّا مركزُهم الرئيسيُّ ففي "لاهور"، والذي تَجدُرُ الإشارةُ إليه أنَّ المنتمِينَ إلى هذه الفئةِ يُوافِقون المسلمينَ في الأعمالِ الإِسلاميةِ الظاهرة -من الصلواتِ الخمسِ وصيام الشهرِ كلِّه-، وذلك ما يَحُولُ دون تمييزهم منِ بينِ المسلمين، ولعلَّ مجلة "فيض إسلام" الرَّوَالْبَنْديَّة تُمثِّلُ وجهةَ نظرِهم غيرَ الرسمية في الوقت الحاضر، وبالإِضافةِ إلى أن أعضاءَها يَسْعَون لإعادةِ إصدارِ "البيان" من جديد.
٣ - الفرقةُ الثالثة: فرقة "طلوع إِسلام":
مؤسِّسُها "برويز"، وفرقةُ "طلوع إسلام" من أنشط فِرَقِ القرآنيين في الآونةِ المعاصرة، وقد خَفَّ نشاطُها عن عهدها السابق بسبب فتوى العلماء بكفر "برويز".
وفرقهُ "طلوع إسلام" قام بتأسيسها "غلام أحمد برويز" في الهند قَبلَ استقلال باكستان، إلَّا أنه نَشِطَ في الحركةِ بعدَ انتقالِه من "دهْلي" إلى باكستان، فما مِن مدينةٍ من مُدُنِ باكستان إلَّا وفيها فَرعٌ من فروعِ "طلوع إسلام"، بل لم يَقِفِ الأمرُ عند هذا الحدِّ، فقد تَجاوزَ ذلك إلى الدولِ
стр. 1102
الأوربية عَبْرَ البحار، إذ "لطلوع إسلام" فروعٌ في المُدن الأوربية تتولَّى الدعوةَ إلى الأفكارِ البرويزية.
والجدير بالذِّكر في أمر "طلوع إسلام" أنَّ داعيتَها يقومُ بإلقاءِ درسٍ في تفسير القرآن الكريم منذُ بِضعٍ وثلاثينَ سَنةً في يومِ العطلةِ الأسبوعية، وتُحفظُ دروسُه عن طريقِ آلاتِ التسجيل، ويُستَمَعُ إليها في الأيام المُقبِلةِ في أكثَرَ مِن عَشْرِ مُدُنٍ مِن مُدُنِ باكستان الرئيسة بالإضافة إلى فرُوعها عَبْرَ البحار.
ومما لا شكَّ فيه أنَّ الأفكارَ البرويزية لها نفوذٌ في صفوفِ المثقَّفين، ولا سيَّما بين أولئك الذين يُريدون البقاءَ تحت الدَّوْحةِ الإِسلامية مع تلبيةِ رغباتهم الجامحة، والشيءُ المُلفِتُ للنظر أن أغلبَ كُتَّابِ "الأمة المسلمة الأمر تسرية" قد إنضمُّوا إلى صفوفِ "طلوع إسلام" مواصِلِين مَسيرتَهم الكتابية، كما انضمَّ إلى صفوفِه العديدُ من أفرادِ أهلِ الذِّكر والقرآنِ أيضًا.
ولـ "طلوع إسلام" مركزٌ رئيسي في "٢٥ B كُلْ بَرْك لاهور".
كما أن لهذه الفرقةِ مجلَّتُها الرسميةُ الشهريةُ الدائمةُ "طلوع إسلام" تَنشرُ آراءَها منذُ بِضعٍ وأربعين سنةً، وفي أواسِطِ السِّتينات من هذا القَرْن تَحوَّلَتْ إلى أسبوعيةٍ لفترةٍ من الزمن، بسبب الدعمِ الماليِّ الخَفِيِّ الذي حَصَلت عليه مِن بَعضِ الجهاتِ الخَفيَّة، ولا زالت مجلة "طلوع إسلام" تَصدرُ في غُرَّةِ كلِّ شهرٍ لاتيني مُعلِنةً بذلك تحدِّيها المستمر لمشاعِر الأمة الباكستانية المسلمة.
هذا وقد اختَلَفَتِ التقديراتُ لِتعدادِ أتباع "طلوع إسلام"، فمِن مُكثِرٍ يَبلُغُ بهم إلى بضعةِ ملايين، ومِن مُقِلٍّ يَصِلُ بهم إلى عَشَراتِ الألوف،
стр. 1103
والحقيقةُ تكمُنُ بين التقديرين، ولعلَّ المكثِرِين قَدَّروا الأتباعَ أيامَ ازدهارِ الحركةِ في أواخِرِ الستينات، بينما المُقِلُّون بَخَسوا عَدَدَهم لعدمِ إدراكِهمُ التامِّ لنشاطِ الحركةِ داخلَ الدولةِ وخارجَها.
والواقعُ المؤسفُ حقًّا هو أنْ نَرَى المثقَّفين وأصحابَ المسؤوليةِ ينجرِفون وراءَ تيارِ "طلوع إسلام"، وينَخدِعون بسُحُبِه الكاذبة!.
٤ - حركة -أو فرقة- "تعمير إِنسانيت":
أما حركة "تعمير الإنسانية"، فهي فرقةٌ من فِرَقِ القرآنيين الموجودةِ في الآوِنةِ المعاصِرة، حديثةُ الولادةِ والنشوء، إذ بَرَزَتْ على صفحةِ الوجود منذُ ثلاثِ سنوات، يُمَوِّلُها الثَّرِيُّ "عبد الخالق مَالْوَادَه"، وهي تَجِدُّ وتَجتهدُ لكسبِ ثقةِ الشَّعب في أقربِ وقتٍ ممكن، كما أن رياسةَ هذه الحركةِ تعودُ إلى "عبدِ الخالق" نفسِه.
° ولهذا الحركة خطيبٌ مُفوَّةٌ هو القاضي "كفاية الله"، وهو مُعجَبٌ بأفكارِ "الجكرالوي"، ويقول عنه: "إن أفكارَه حَولَ السُّنة لم تتجاوَزْ ما أَمَرَ اللهُ به مِنِ اتِّباعِ ما أَنزَلَ اللهُ، وإنَّ لأفكارِ "عبد الله" اليدَ الَطُّولَى في القضاءِ على الجمودِ العقليِّ الذي كان مفروضًا على المسلمين قبلَه".
وهذه الحركةُ تَبُثُّ دَرْسَها الأُسبوعيَّ "يومَ الجملة" كلَّ أربعاء في صحيفة "مشرق" اليومية، والمجموعُ الكُلِّيُّ لأفرادِ فِرَقِ القرآنيِّين جميعًا لا يتجاوزُ ٣% من مجموع سُكَّانِ باكستان في الوقت الحاضر، ففتوى علماءِ الإِسلام ضدَّ مؤسِّسِ هذه الحركة، وضدَّ برويز قَلَّلتْ من شعبيتهما بصورة كبيرة، والحمدُ لله أنَّ وجودَهم لا يُهدِّد الكِيانَ الإِسلاميَّ في باكستان،
стр. 1104
ومآلهم ومآلُ كلِّ باطلٍ إلى مزابِلِ التاريخ.
* آراءُ القرآنيين:
أولاً: موقفُهم من السُّنَّة:
أنكَرَت فِرَقُ القرآنيِّين السُّنَّةَ جُملةً وتفصيلاً .. وكان إنكارُهم لها إنكارًا كليًّا، وأثاروا بباطلهم الشبهاتِ التي لا تَثبُتُ بحالٍ من الأحوال أمامَ رُدودِ أهلِ السُّنة.
° فقالوا: حسبُنا كتابُ الله؛ لأنه تكفَّلَ بذِكرِ الأمورِ الدينيَّةِ كلِّها بالشرحِ والتفصيل، فلم يَبقَ للمسلمين حاجةٌ إلى السُّنَّةِ كمصدرٍ للتشريع وأخذِ الأحكامِ منها.
° قال "عبد الله الجكرالوي": "إنَّ الكتابَ المجيدَ ذَكَرَ كلَّ شيءٍ يُحتاجُ إليه في الدين مفصَّلاً مشروحًا من كلِّ وَجهٍ، فما الداعي إلى الوَحْيِ الخفيِّ؟ وما الحاجةُ إلى السُّنَّة؟ " (١).
° ويقول: "كتابُ اللهِ كاملٌ مفصَّلٌ، لا يَحتاجُ إلى الشرح، ولا إلى تفسيرِ محمدٍٍ ﷺ له وتوضيحِه إياه، أو التعليمِ العَمَليِّ بمقتضاه" (٢).
° ويقول "الحافظ أسلم" ما نَصُّه: "قدِ انحَصَرت ضروريَّاتُ الدين في اتِّباعِ القرآن المفصَّل ولا نتعداه".
والتفصيل المقصودُ في الآية ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
стр. 1105
كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] معناه البيانُ وذِكرُ الأصولِ والقوانين، وليس المرادُ به العمومُ وتعيينُ الجزئيات -كما فهموا من لُغتهم الأُرْديَّة-، "فالتفصيلُ" في اللغة الأُرْدِيَّة غيرُه في اللغة العربية (١).
° قال الراغب: "الفَصْلُ: إبانةُ أحدِ الشَّيئينِ عن الآخر" (٢).
° وقالوا في إنكارهم مَصدريَّةَ السُّنَّة: "إنها لم تكن وحيًا من الله، وإنما هي أقوالٌ نَسَبها الناسُ إلى رسولِ الله ﷺ زُورًا وتزييفًا، وإنه لم يَنْزِلْ عليه من الوحي سوى ما حَوَاه القرآن".
° قال "عبد الله" مؤسِّس الحركة: "إنا لم نُؤمَرْ إلَّا باتباعِ ما أنزَلَه اللهُ بالوحي، ولو فَرَضْنا جدَلاً صِحَّةَ نِسبةِ بعضِ الأحاديثِ بطريقٍ قطعيٍّ إلى النبي ﷺ ، فإنها -مَع صِحَّةِ نِسبتِها- لا تكونُ واجبةَ الاتباع؛ لأنها ليست بوحيٍ منزَّلٍ من عندِ الله " (٣).
° ويقول: "يَعتقدُ أهلُ الحديثِ أن نزولَ الوحيِ من الله إلى نبيِّه ﵊ قِسمان: جَلِيٌّ متلوٌّ، وخَفِيٌّ غيرُ متلوٍّ، والأولُ هو القرآن، والثاني هو حديثُ الرسول على الصلاة والسلام .. غيرَ أنَّ الوحيَ الإلهيَّ هو الذي لا يُمكنُ الإِتيانُ بمثِلهِ، بَيْدَ أنَّ وَحْيَ الأحاديثِ قد أُتي له مثيلٌ بمئاتِ الألوفِ من الأحاديثِ الموضوعة" (٤).
стр. 1106
° ويقول "برويز": "إن هذا التقسيمَ للوَحْيِ مُعْتَقَدٌ مستعارٌ من اليهود "شَبْكَتَب" المكتوبِ "وَشَبْعَلْفة"، المنقولِ بالرواية، وإنه لا صِلَةَ له بالإِسلام" (١).
° وقالوا في رفضِ السُّنَّةِ وإنكارِ حُجِّيَّتِها: "إن اتِّباعَ السُّنَّةِ إشراكٌ في الحُكمِ، وقد نَهَى القرآنُ عنه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٧] "!!!.
° قال الخواجة "أحمد الدين الأمرتسري": "قد وَضَع الناسُ لإحياءِ الشِّركِ طُرُقًا متعدِّدةً، فقالوا: إنا نؤمنُ أنَّ اللهَ هو الأصلُ المُطاع، غيرَ أنَّ اللهَ أمَرَنا باتِّباع رسوله، فهو اتِّباعٌ مضافٌ إلى الأصلِ المُطاع، وبِناءً على هذا "الدليلِ الفاسدِ" يُصحِّحون جميعَ أنواعِ الشِّرك، فهل يُصبحُ الأجنبيُّ زوجًا لمتزوِّجةٍ بقولِ زوجِها "إنها زوجته"؟! ألَا وإنَّ اللهَ لم يأمرْ بمِثل ذلك، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٧] " (٢).
° وقَبْلَه قال "الجكرالوي": "الحضُّ على أقوالِ الرسُل وأفعالِهم وتقريراتِهم -مع وجودِ كتابِ الله- عِلَّةٌ قديمةٌ قِدَمَ الزَّمَن، وقد بَرَّأ اللهُ رُسُلَه وأنبياءَه من هذه الأحاديثِ، بل جَعَل تلك الأحاديثَ كُفرًا وشركًا" (٣).
أإتباعُ السُّنةِ شِركٌ؟! أمِ الشِّركُ في جَعْلِ القرآنيِّين حقَّ التشريعِ -وهو حُكْمٌ- لِمَا أَسْمَوه "مركز الملَّة"؟!.
° وقالوا -افتراءً وكذِبًا وزورًا-: "إن السُّنَّة لم تكن شَرْعًا عند النبي ﷺ ، وفهِمَها الصحابةُ على هذا المنوال"!.
стр. 1107
° قال "برويز": "لو كانت السُّنَّةُ جُزءً من الدين، لَوَضعَ لها الرسولُ ﷺ مَنهجًا كمنهجِ القرآن من الكتابةِ والحفظِ والمذاكرة، ولا يُفارقُ الدنيا إلَّا بعدَ راحةِ بالٍ على هذا الجُزءِ من الدين؛ لأنَّ مَقامَ النبوَّة يقتضي أن يُعطِيَ الدينَ لأمتِه على شَكلٍ محفوظ، لكنه ﷺ احتاط بكلِّ الوسائلِ الممكنةِ لكتاب الله، ولم يَفعلْ شيئًا لسُنَّتِه، بل نَهى عن كتابتها" (١).
° ويقول "الحافظ أسلم": "الأمرُ الذي لا مِراءَ فيه أنَّ الصحابةَ قد أدركوا نَهْيَ النبيِّ عن كتابةِ سُنَّتِه، وعَرَفوا أنَّ الأمَم السابقةَ لم تَضِل إلَّا بسببِ كتابةِ رواياتِ أنبيائها" (٢)!!!.
° وقال: "والشيءُ المُلْفِتُ للنظر هو أنَّ الأحاديثَ لو كانت لها الصفةُ الدينيةُ، لَمَا اشتَدَّ نَهْيُ النبيِّ وصحابتِه عن كتابتها، ولهيَّؤوا السبلَ لحفظِها وتدوينِها" (٣).
° ويقول الخواجة "أحمد الدين": "اعلمْ أنَّ طاعةَ الرسولِ ﷺ كانت طاعةً مُقَيَّدةً بزمنه، وامتثالِ أحكامِه لا تتجاوزُ حياتَه، وقد أُوصِد هذا البابُ منذ وفاتِه ﵊" (٤).
° وقالوا: "إنَّ السُّنَّةَ قد انتُقِدت سَندًا ومَتْنًا، وما دَخَله النَّقدُ لا يَصلُحُ أن يكونَ دينًا".
° وقال "الحافظ أسلم": "الاعتراضاتُ الموجَّهةُ للإِسلام من غير أهلِه
стр. 1108
لا تأتي إلَّا عن طريقِ الأحاديثِ التي أقرَّ المسلمون بصحَّتها، وهي موضوعةُ الأصلِ، لا صِلَةَ لها بالدين" (١).
* وقالوا: "إنَّ القرآن حَضَّنا على الوِحدة، أمَّا السُّنَّةُ، فهي مُشَتِّتَةٌ للمسلمين"!!.
* قال عبد الله: "لا ترتفعُ الفُرقةُ والتشتيتُ عن المسلمين، ولن يَجْمَعَهم لِواءٌ، ولا يَضُمُّهم مَكتبُ فِكرٍ مَوَحَّدٍ ما بَقُوا متمسِّكين برواياتِ زيدٍ وعَمرو" (٢)!!.
* ويقول "حشمت علي" -الكذَّابُ الأشِر-: "لن تتحقَّقَ وِحدةُ المسلمين ما لم يَتْرُكوا كُتُبَهم الموضوعةَ في طاعةِ الرسول ﷺ ، ولن يَرَوا سبيلَ الرُّقِيِّ والتقدُّم ما لم يُمْحَ عنهم التشتُّتُ والفُرقة" (٣).
* ويقول "برويز": "قد فاق تقديسُ هذه الكُتبِ "كتب السُّنَّة" كلَّ التصوُّراتِ البشريةِ، مع أنها جزءٌ من مؤامرةِ أعجميةٍ استَهدَفَتِ النَّيلَ من الإِسلام وأهله" (٤).
* ويُعلِّلُ ذلك -كذبًا منه وجهلاً-، فيقول: "فما أصحابُ الكُتبِ السِّتَّةِ إلَّا جُزءً من تلك المؤامرة، لذا نَجِدُهم إيرانيِّين جميعًا، لا وجودَ لساكِنِ الجزيرة بينهم، والشيءُ المُحَيِّرُ للعقول أنَّ العربَ لم يُسهِموا في هذا العملِ البَنَّاء، بل أسنَدوا جَمْعَ الأحاديث وتدوينَها إلى العَجَم، حتى تمَّ بناءُ
стр. 1109
هذا الصَّرح المُؤَامَر" (١)!!!.
* ثانيًا: موقفُهم منَ القرآنِ وتفسيره:
* تبنَّى القرآنيُّون في تفاسيرهم أصولاً ثلاثةً، وهذه الأصول هي:
١ - حَسبُنا كتابُ الله، لكفايته في تلبية كلِّ ما له صِلَةٌ بالحياةِ الإِسلامية.
فعبد الله وأصحابُ "بلاغ القرآن" يردُّون كفاية القرآن وكمالَه بذِكرِ الأصول والجزئيَّاتِ (٢).
وأما "برويز" وأستاذُه "الحافظ أسلم"، فإنهما يَرَيَانِ كمالَ القرآن بشُموله الأصولَ كلَّها، وذِكرِ جزئياتٍ يسيرةً (٣)، وأما الجزئياتُ التي لم تَرِدْ في القرآنِ، فيتولَّى تقنينَها "مركز المِلَّة".
و"مركز المِلَّة" هي السُّلطةُ العليا عندَ القرآنيِّين في الحكومةِ الحاكمة بالقرآن وحدَه.
* وأجمَعَ القرآنيُّون على أنَّ ما بين دَفَّتَيِ القرآنِ لا وجودَ فيه لآياتٍ منسوخة!!.
٢ - الأصلُ الثاني: الاعتمادُ الكُلِّيُّ على اللغةِ العربية في فَهمِ الكتابِ المجيدِ، ما لَم يُقصَدَ استنباطُ نظريةٍ مُعَّيَّنَة.
* وبِناءً على هذا المَسْلَكِ اللُّغويِّ نَفَى أكثرُ القرآنيِّن جُلَّ الحقائقِ
стр. 1110
الشرعيَّةِ، المستفادةِ من الألفاظِ التي خَصَّها الشارعُ لشيءٍ معيَّن -كالصلاة والزكاة والطواف وما شاكل ذلك-، فقالوا في تفسيرهم للطواف: "ليس معنى الطوافِ أن ندورَ حولَ البيت، بل معناه أن نتردَّدَ إليه بين الحين والآخرِ، وهو المقصودُ من قوله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] " (١).
٣ - الأصل الثالث: الإلحاد والتأويلُ وتحكيمُ العقل في بيانِ مرادِ الله، بقطع النظرِ عن اللغة ومدلولاتها الظاهرة، لاستنباطِ نظرياتٍ معينةٍ اعتَنَقها القرآنيُّون وِفقَ أهوائِهم، ومِن هذه النظريات:
أ- نظرية مركز المِلَّة:
أولُ مَن تشدَّق بها "الحافظ أسلم"، ووَضَّح حدودَها ومعالِمَها تلميذُه "برويز" .. ويتلخَّصُ مَفهومُهم "لمركز المِلَّة" في النقاط الآتية:
١ - الآيات الواردةُ في طاعةِ الله ورسوله، مفهومُها الآن طاعة "مركز المِلَّة".
٢ - "مركز المِلَّة" هو النظامُ الذي يَحكم بوفقِ القرآن.
٣ - مِن صلاحياتِ هذا المركز تعيينُ حُكمِ الشرعِ في الأحكامِ التي لم يَرِدْ ذِكرُها في القرآن، دونَ أن يلتزمَ بما سَبَقَتْه من الأنظمة.
٤ - من حقِّ مَن يَخلُفُ هذا النظامَ ألَّا يوافِقَ النظامَ القرآنيَّ السابقَ في الأحكام التي عيَّنها وفقَ بصيرته.
стр. 1111
٥ - يتمتعُ هذا النظامُ القرآنيُّ بالتحريمِ والإطلاقِ والتقييد لِمَا يَرَاه غير مَوافقٍ لظروفِه من الأحكامِ القرآنية (١).
* نظرية "نظام القرآن الاقتصادي"، أو "اشتراكية الأموال":
° يقول "برويز": "في ظِلِّ هذا النظام "نظام القرآن الاقتصادي" لا يجوزُ جَمعُ المادَّةِ ألبتَّة، وقد جاء الوعيدُ الشديدُ على مَن يجمعُها: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].
وفي النظامِ القرآنيِّ لا يمكنُ البقاءُ للأموالِ النافلةِ في أيدي أصحابها، ولا يَسَعُنا أن نتصوَّرَ المِلكيَّة الفَرديَّةَ تحتَ حُكم هذا النظام، بل تُعَمَّمُ الأرضُ والأموالُ والمصانعُ والتجارةُ للمِلكيَّة الجماعية، حتى يستطيعَ هذا النظامُ القيامَ بتلبية ما يَحتاجُ إليه أفرادُه" (٢).
فالدجَّالُ "برويز" أتى بأفكارِ الاشتراكيين الاقتصادية، فكساها أثوابًا قرآنيةً حتى يَتسنَّى له نشرُها بين المسلمين.
ونَفْيُ المِلكيَّةِ الفرديَّةِ مخالفٌ لصريح القرآنِ والسُّنةِ والإجماعِ، ولا يقولُ به إلَّا كذَّابٌ مفتر.
فأين هو من قولِ الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]؟. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
стр. 1112
وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]؟.
° آراءُ القرآنيِّين الاعتقادية:
١ - الشِّركُ بالله:
يَذهبُ "عبد الله" و"الخواجة أحمد" إلى أن العمل بالسُّنَّةِ والنُّزول عند أحكامِ النبيِّ ﷺ الواردة في الأحاديث شِركٌ، وأنَّ الامتثال لتلك الأحكامِ طريقةٌ من طُرُقِ إحياءِ الشِّركِ وتصحيحِ المعتقَدَاتِ الشركيَّة (١).
ويرَى "برويز" أنَّ اتِّباعَ أحكامِ غيرِ الله "يعني النبيَّ ﷺ " شِركٌ، وأنَّ افتراقَ المسلمين إلى العديد من الفِرَقِ والطوائفِ المتناحِرةِ شِركٌ (٢).
٢ - العرش واستواء الرحمن عليه:
ذهب "عبدُ الله" و"برويز" إلى أن المقصودَ بعَرشِ الرحمن: "السُّلْطةُ والمُلْك" وليس عَرشًا حقيقيًّا، والمقصودُ باستوائه على العرش مِلْكُ جميعِ نُظُم الكائنات، وأنَّ له السُّلطةَ المتفرِّدةَ عليها (٣).
٣ - النُّبُوَّات:
أ- المعجزاتُ وخَرقُ العادة على يد نبيِّنا ﷺ -:
أجمع القرآنيُّون على إنكارِ وُقوعِها من محمدٍ ﷺ ما عدا معجزةَ القرآن.
стр. 1113
أما المسلمون، فلم يختلِفوا في صدورِ خوارقِ العاداتِ من النبيِّ ﷺ ، وقد أوصَلَها بعضُهم إلى ما يَزيدُ على ألفِ خارقٍ (١).
° قال "الحافظ أسلم": "لم يُعْطَ النبيُّ ﷺ معجزةً سوى القرآن، بينما الأحاديثُ ذكَرَت له معجزاتٍ حِسِّيَةً كثيرةً" (٢).
° وموقفُهم من "خَرْق العادة" قبلَ عهدِ النبوة على قولَين:
١ - فريق يعترفُ بخوارقِ العاداتِ السابقةِ المذكورة في القرآن للأنبياء والصالحين .. وعلى رأس هؤلاء "عبد الله" مؤسِّسُ الحركة القرآنية و"الحافظ أسلم".
٢ - والفريقُ الآخَر مَنَعَ الخوارقَ بالكليَّةِ، وحَمَل الواردَ منها في القرآنِ على المعاني المجازيَّة. وهذا مسلك "برويز" و"الخواجة أحمد".
ب - قالوا عن ولادة المسيح عيسى بن مريمَ:
"إنه وُلِد من أبويْن شَرْعِيَّينِ، لا مِن مَريمَ وحدَها"!! وهذا قولُ "الخواجة أحمد" و"برويز" وأصحاب "بلاغ القرآن".
° أما عن عَودةِ المسيح قبلَ يومِ القيامة، فَهُمْ فريقان:
١ - فريقٌ يَرى عَدَمَ عودتِه إلى الأرض مرةً أخرى .. وهذا قولُ "الخواجة أحمد" و"مقبول أحمد" والحافظ "محب الحق" وأصحاب "بلاغ القرآن" و"برويز" .. وصَرَّح "الخواجة وبرويز" بوفاته ﵇ في كُهولته (٣).
стр. 1114
وأما "الحافظ أسلم" و"عبد الله"، فيَرَون أن عيسى ﵇ حيٌّ على هذه الأرض، وأنه سيظهرُ مرةً أخرى قبل يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] ولقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
° وذهب الكذَّابُ الأشِرُ "مقبول أحمد" في "خَتْم النبوة": "أنَّ الرسل جاءت تترى لهداية الخَلْق أجمعين، وأنها ستستمرُّ في المجيءِ ما دام للجهلِ والظلماتِ بقاءٌ على هذه الأرض".
٤ - موقفُهم من الحياةِ البرزخيَّة:
اتَّفق القرآنيُّون جميعًا على إنكارها.
° قال "الحافظ أسلم": "عالَمُ البَرزخِ عالَمٌ مَوَاتٌ، لا حياةَ فيه ولا إدراك بأيِّ شكلٍ من أشكاله" (١).
° ويقول "برويز": "القبرُ لا حقيقةَ له بُروحِ القرآنِ الكريم؛ لأنه مَدفنُ جِسمِ ميِّتٍ يَقِي الجوَّ الخارجيَّ من عُفونتِه ما لَوْ بقِيَ ذلك الجِسمُ على ظَهرِ الأرض بارزًا، لا أنه موضعُ سؤالٍ وعذاب" (٢).
٥ - موقفُهم من الشََّفاعة يوم القيامة:
° أجمَعَ القرآنيُّون على نَفيِها ألبتَّة .. يقول "عبد الله" مؤسِّس الفرقة: "مسألةُ الشفاعةِ عمومًا، ومِن الرسلِ خصوصًا، جَعَلَتِ الناسَ تقولُ: "لن
стр. 1115
ندخلَ النارَ إلَّا أيامًا معدودة، وستَخرجُ منها"، فعامَّةُ الناسِ كالأنعام لا تَعِي ما تقول، بل المعتَقَدُ بِرُمَّتِه وَرَد من أهلِ الحديث، وهو افتراءٌ منهم على هذه الشخصِيَّاتِ المباركة.
ويُقال: الشفاعةُ نوعان: صُغرى وكُبرى، والأخيرةُ هي ما تكونُ للخَلاص من مَيدان الحَشْر، وإنَّا نُنكِرُ هذه الشفاعة، وإنَّا لها خُصُوم؛ لأنها افتراء وبُهتانٌ على النبي ﷺ ، وهو بَريءٌ من مِثل هذه المُنكراتِ الشَّنعاء".
والأولى نوعان:
أ- نجاةُ بعض المؤمنين مِن دخولِ جَهنَّمَ ممَّن يَستحقُّها.
ب - أو تخفيفُ العذابِ عنهم، وهذه التُّهمةُ أيضًا تبرَّأَ القرآنُ منها؛ لأنَّ الاستشفاعَ عَمَلٌ مخالِفٌ للعقلِ والنقل، بل هو ظُلمٌ في حدِّ ذاتِه، إذ لا يُتصَوَّرُ وقوعُ مِثلِه في محاكم الدنيا العادلة، فما بالُك في الآخِرة؟!، فلو شَفَع عاقلٌ لمجرمٍ وأُفرج عنه، لَمَا حُمدَت عقباه" (١).
٦ - موقفُهم من الجنَّة والنار:
القرآنيُّون بإزائهما فِرقٌ ثلاث:
أ- ذهب "عبد الله" ومَن نحا نحوه - إلى "أنَّ الجنَّةَ والنارَ أمكِنةٌ حقيقيةٌ ستُخلَقُ يومَ القيامة، وأنه لا وجودَ لهما في الآونةِ المعاصرة؛ لأنَّ وجودَهما الآنَ يخلو عن الحِكمةِ والمصلحةِ، وأفعالُ الله لا تَعْرَى عنهما ألبتَّة" (٢).
стр. 1116
ب - وأما "الحافظ أسلم" و"مقبول أحمد" -ومَن تَبِعَها-، فيرَوَن أنَّ "الجنةَ والنارَ وما وُصِفتا به مِن نعيمٍ وعذابٍ صُورتانِ تمثيليَّتان، حَسبما كانت تَعرفُه وتُحِسُّ به البشريةُ عَصْرَ نزولِ القرآن، وقد اختلفَ الحسُّ البشريُّ في النعيم والعذابِ في الآونةِ المعاصِرة، فلذا ينبغي وَضعُ تعريفاتٍ جديدةٍ للجنَّةِ والنار، فلا يَلزمُ مِنِ احتراقِ النار احتراقٌ حِسِّيٌّ للجسم، بل المرادُ المشقَّةُ والكربُ التي تجعلُ الإنسانَ يُحِسُّ بالاحتراقِ داخلَ نفسِه" (١).
جـ- أمَّا "برويز" والخواجة "أحمد الدين" و"جعفر شاه بلواري" (٢) ومن نحا نحوهم، فيَرَوْن أنَّ الجنَّةَ والنارَ طَوْرٌ من أطوار الحياة البشرية، وأنَّ نُموَّ الحياةِ وإزدهارَها يعني حياةَ الجنَّة، وتوقُّفَها وعدمَ الرُّقِيَّ فيها يعني الجحيمَ والنارَ، كما أنَّ الجنَّةَ والنارَ ليستا الحَلْقَةَ الأخيرةَ من حياةِ البشر، ولا من الأشياءِ التي لا نَجِدُها إلَّا بعد الموت، بل الحياةُ أمرٌ أبديٌّ، والرُّقِيُّ مِن منزلةٍ إلى أخرى قائمٌ فيها على قَدَمٍ وساق، وسيَبقى إلى الأبد، فالجنةُ والنارُ تعبيراتُ لكيفيَّاتِ الحياةِ، لا أنهما أسماءُ أمكِنةٍ خاصةٍ" (٣).
هذه معتقدات الدجَّالين الكذَّابين.
° آراءُ القرَانيِّين التشريعية (٤):
ممَّا يُلفِتُ النَّظَرَ أنَّ آراءَ هؤلاءِ في التشريع كثيرةٌ جدًّا، وسوف نَعرِضُ
стр. 1117
فيما يلي نماذج مختصرةً من آرائهم في العبادات والمعاملات:
أ- ففي العبادات: خَرَجت بعضُ فِرَقهم على أركان الصلاةِ عند المسلمين، وتوصَّلوا إلى شُذوذاتٍ عجيبةٍ قد تُخرِجُهم من المِلَّةَ -والعياذ بالله-:
ففي الصلاة: لهم اختلافاتٌ في كيفيَّتها -حَسْبَ طوائِفهم-، من ذلك وَصفُها كما وردت في كتاب "صلاةُ القرآن كما عَلَّم الرحمن" لمحمد رمضان -أحد دعاتهم-، وقد سَمَّوها: "صلاةَ أهلِ الذِّكر والقرآن"، وتتلَّخصُ في:
١ - أن المفروضَ من الصلواتِ ثلاثٌ، وأنَّ أداءَ العصرِ والمغربِ هو اتِّباعٌ لهوى النفس.
٢ - ولكلِّ صلاةٍ ركعتان، وما زاد على ذلك فهو تعيينٌ من الناس لا مِن ربِّ الناس.
٣ - تكبيرةُ الإحرام هي: "إنَّ الله كان عليًّا كبيرًا".
٤ - الرفعُ من الركوع مُخالِفٌ لتعليم القرآن، فيَجبُ أن يَخِرُّ المُصلِّي منَ الركوعِ إلى السجود مباشرةً، دونَ الرفع منه.
٥ - لكلِّ ركعةٍ سَجدةٌ واحدةٌ لا غير.
٦ - حين الانتهاء من أذكارِ السجود تنتهي الصلاة (١).
ومِن الجديرِ بالذِّكرِ أنَّ هذه الصلاة تُطبَّقُ حتى الآنِ عند أصحاب "مجلة بلاغ القرآن" جُملةً وتفصيلاً.
стр. 1118
° ويقول المؤلِّف "خادم حسين إلهي بخش": "وقد شَهدتُ لهم صلاةً بمركزِهم في "لاهور" حيث تُطبَّقُ صلاتُهم، وكان الإمامُ يقرأ القرآنَ من آياتٍ حدَّدها لهم "محمد رمضان"، وهي (٢٥) آيةً من مختلِف سور القرآن" (١).
وترى طوائفُ أخرى أنَّ هنالك وقتَين للصلاة: الفجر والعشاء، وما عدا ذلك، فلا يجوزُ القيامُ به، ولا يَرى إمامُ هذه الطائفة- وهو "الخواجة أحمد الدين" استقبالَ القِبلةِ في الصلاة، بل تَجُوزُ الصلاةُ عنده إلى الشرقِ والغرب!!.
ولا شك أنَّ هذا الانحرافَ قد جاء نتيجةً طبيعيةً لإنكارِ السُّنة، وعدمِ الاعتراف بها في شرعِ الله (٢).
ومِن شذوذات القرآنيين: أن بعضَهم لا يُجيزُ المَسحَ على الخُفَّينِ؛ لأنَّ القرآن أَمَر بمَسح القَدَمين، ويَرَون أنَّ الأحاديثَ الواردةَ في المَسحِ باطلةٌ لا أساسَ لها منَ الصِّحَّة، ولا يَرَون أنَّ للصلاة أذانًا؛ لأنَّ القرآنَ لم يأمرْ به، فالمُنبِّهُ الحقيقيُّ عندهم "للصلاة" هو دخولُ الوقتِ -وليس الأذانَ-.
ولا يَرَون تفضيلَ بُقعةٍ على أخرى في الصلاة، ولذلك فهم يُكذِّبون ما ورد عن المعصومِ ﷺ في المساجدِ الثلاثة وفضلها .. أمَّا صلاةُ التراويح، فيرى بعضُهم أنها بدعةٌ وضلالةٌ مُفضيةٌ إلى النار (٣).
стр. 1119
وفي الزكاة: نُلخِّصُ آراءَ فِرَقِهم بما يأتي (١):
أ- يجبُ إعطاءُ نِصفِ الخُمسِ للزكاة، سواءٌ كانت كَسْبًا من عَمَلِ يدٍ، أم ممَّا أَنْتَجَتْه أرضٌ زراعية.
ب - ثم تحدَّثوا عن المِقدارِ الذي يجبُ إعطاؤُه للزكاة، دونَ أن يكونَ لها نِصابٌ مُقدَّرٌ في المالِ الذي تَجبُ فيه الزكاة، فقالوا: "على المسلمين أن يَجتمعوا لصلاةِ الصبح في مسجدِ حَيِّهم كلَّ يوم، عند فُقدانِ الحكومةِ الإِسلامية، ويُقدِّموا إلى أميرِهم عُشْرَ ما اكتَسَبوه في اليومِ السابقِ زكاةً مفروضة، لِيَضُمَّه الأميرُ إلى خِزانةِ بيت المال، ولِيصرفَ الأميرُ منه على تبليغ القرآن وعلى الأفرادِ التُّعَساء" (٢).
جـ- وَيرى آخرون رأيًا آخَرَ في وقتِ وجوبِ الزكاة، فقالوا: "صاحبُ الأجرِ يجبُ أخذُ الزكاةِ منه يومَ تَسَلُّم أَجْرِه .. وأنه لا داعيَ للانتظار سنةً كاملةً، ولا جَدوى منه" (٣).
أما الصوم (٤): فقد وافَقَ أعيانُ الحركةِ القرآنيةِ المسلمينَ على صيام الشهر القَمَريِّ؛ لأنَّ القرآنَ صَرَّح بصيامه، ولم يَشُذُّ عنهم إلَّا الخواجة "أحمد الدين"، والسيد "محمد رفيع الدين".
° حيث يرى الأولُ: "أن المطلوبَ هو صيامُ شهرَينِ من أشهُرِ السَّنة، دونَ التقيُّدِ برمضان .. وللمسلمِ أن يتقدَّمَ أو يتأخَّرَ في صيامِ الشهرِ حَسْبَ حاجتِه".
стр. 1120
° ويَرى الثاني: "أنه يجبُ صيامُ ثلاثينَ يومًا، بالشهر الشَّمسيِّ؛ لأنه لا يَختلفُ من سَنَةٍ إلى أخرى".
وقد انضمَّ إلى قائمةِ الشذوذ كلٌّ من السيد "مقبول أحمد" والخواجة "عباد الله أختر" إذ يَرَيانِ: أن الصيامَ المفروضَ على المسلمينَ وِفْقَ رُوحِ القرآن يَبدأُ بالحادي والعشرينَ من رمضان، وينتهي بصباحِ يومِ العيد، لقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍٍ﴾، فالأيامُ جَمعُ "يوم"، وهي إحدى صِيَغِ جَمعِ القِلَّة، يبدأ إطلاقُها من ثلاثٍ إلى تِسعٍ.
ب - وفي المعاملات: خالَفَ القرآنيون كذلك ما أجمَعَ عليه المسلمون في كثيرٍ من القضايا.
ففي الحدود (١): أنكروا حَدَّ الرَّجمِ للزاني المُحصَن، لأنه لم يَرِدْ في القرآن، وعقوبةُ الزِّنا -برأيهم- في جميع صُورَهِ مئةُ جَلْدةٍ لا غير، والشهودُ لا يَثبُتُ بهم الزِّنا عند بعضِ دعاتهم.
وأنكروا حَدَّ الخمر بتاتًا؛ لأنه لم يُذكَرْ في القرآن، وقد سبَقَهم إلى ذلك أحدُ رؤساءِ الخوارج "نَجْدَةُ بنُ عامرٍ الحَنَفي"، فقد أسقط حَدَّ الخمرِ عن أصحابه لِعَدَمِ ذِكرِه في القرآن، وكذلك فَعَل المعتزلة، إذا اعتَبَروا أنَّ إجماعَ الصحابةِ على حدِّ شارِبِ الخمرِ كان خطأً (٢).
وفي حدِّ السرقة: كان يَرى أحدُ دعاتهم "برويز" أنه ليس المرادُ من قطعِ اليدِ بَتْرُها، بل معاقبةُ المجرمِ بما يَمنعُه من ارتكابِ الجُرْم، ويقولُ
стр. 1121
أصحاب "بلاغ القرآن": "إنَّ المقصودَ بقوله ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، هو بَترُ تلك القوى التي أَجْبَرَتْه على السرقة، وبمعنًى آَخَرَ هو تنبيهُ الحُكَّام لسَدِّ حاجاتِ المجتمعِ المسلم"، مع أنَّ النصوصَ واضحةٌ في الكتابِ والسُّنةِ على قَطْع يَدِ السارق، أي بتْرِها من مِفصَل الكَفِّ.
أما حَدُّ الرِّدَّة: فقد شَذَّ "برويزُ" بتصريحِ إنكارِ عقوبةِ المرتد، إذ يَعتبرُ أنَّ الإنسانَ لا يُجبَرُ على الإِيمانِ أو الكفر، وللإِنسانِ أن يَختارَ من الأديانِ ما يراه مناسبًا معقولاً .. وما جاء في قَتل المرتدِّ، إنما هو حُكمُ الرواياتِ التي تُخالِفُ منهجَ القرآن.
وفي تعدُّد الزوجات (١): قد أباح الإِسلامُ تعدُّدَ الزوجاتِ، ووَضَعِ له قَيْدَ "العَدْل"، إلَّا أنَّ بعضَ القرآنيين لا يرى التعدُّدَ مطلقًا، وتطاوَلوا -كالعادة- على الشرع الحنيف.
° يقول "عبد الله جكرالوي": "إنَّ ما نُسب من التعدُّدِ إلى الأنبياء كَذِبٌ وافتراءٌ على أولئك الأطهار .. وما يُسنَدُ من ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فهو بهتانٌ عليه أيضًا؛ لأنه أولُ المخاطَبينَ بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩] ".
ويرَى "برويز" -ومن تَبِعه- أنَّ التعدُّدَ لا يُباحُ إلَّا إذا ازداد عددُ اليتامى النساء، سواءٌ كنَّ أراملَ، أو غيرَ متزوِّجاتٍ.
وفي الميراث (٢): خالَفوا إجماعَ أئمةِ المسلمين، فيقول الخواجة
стр. 1122
"أحمد الدين": "إنَّ اختلافَ الدينِ بين الوارِثِ والموروثِ لا يَمنعُ من الميراث".
° ويقول "الحافظ أسلم": "إنَّ اسم الولدِ يُطلَقُ على الذَّكَرِ والأنثى، ولا فَرْقَ بين الابنِ والبنتِ وولدِ الابنِ وولدِ البنتِ في الميراث".
وقد جاء في الحديث الشريف أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يَرِثُ المُسلمُ الكافرَ، ولا يَرِثُ الكافرُ المسلمَ" (١).
والحديثُ عامٌّ يَشملُ الزوجةَ وغيرَها، ولذا أجمَعَ العلماءُ على عدمِ إرْثِ الكافرِ من المسلم.
ولكنَّها التَّبَعِيَّةُ للأمم الضالَّةِ من اليهود والنصارى، هي التي أَخرجت هؤلاءِ عن حُدودِ النصوصِ القَطعيَّةِ من الكتاب والسُّنَّة، وأَرْدَتْهم في هُوِّةِ الضلال.
وهكذا، فإنَّ الحَرْبَ المُعلَنةَ على السُّنَّةِ النبويَّةِ في شِبْهِ القارَّة الهندية، وتأليهَ العقلِ، وتقديمَه على النصوص الشرعية، مع اتباعِ الهوى، والهزيمةِ أمامَ تيَّارِ الحضارةِ الغربية، كلُّ ذلك ساهم في حَلْقاتِ الانحراف، لِتستلِمَه أجيالٌ لاحقه، تدعو إلى إكمالِ المِشوارِ باسم "التجديد والتطوير"، لِفَصلِ الدينِ عن الحياةِ العامَّة.
° "وقد كان للحركةِ القاديانيةِ وأفكارِ القرآنيين وحركةِ السيد "أحمد خان" تأثيرٌ في الحياةِ العامَّةِ عند المسلمين.
فبَعدَ استقلالِ باكستان، استَولى على مراكزِها الحساسةِ كثيرٌ من
стр. 1123
القاديانيين وأصحابِ الأفكارِ القرآنية، وفي عام ١٩٥٨ م عُقِد مؤتمرٌ عالميٌّ تحتَ إشرافِ الدولةِ لقادةِ الفِكرِ الإِسلاميين، ولإِعطائِهم الجُرْعَاتِ الأَوَّلِيَّةَ للدعوة إلى الأفكارِ القرآنية، غيرَ أن علماءَ الشامِ ومصرَ والمغرب، صاحوا في وجه "برويز" مُعلِنِين تكفيرَ تلك الأفكار.
وعلى إثْرِ إخفاقِ هذا المؤتمر، عُقد مؤتمرٌ آخَرُ أقامته إحدى الشركاتِ الأمريكية، غيرَ أنَّ مصيرَه لم يَختلفْ عن مصيرِ صاحبه، ثم كَثَّفَ العلماءُ جُهودَهم لمقاومةِ هذه الحركاتِ في الأوساط الشعبية، وقد أثمرت هذه الجهودُ آنَذَاك -والحمدُ لله-.
والغريبُ أن كثيرًا من علماءِ باكستان حينما يتحدَّثون عن هذه الحركات، لا يَذكُرون عنها سوى أنها تُنكِرُ السُّنة، أمَّا ما يترتَّبُ على هذا الإنكارِ من نتائجَ، فقلَّما يَذكُرون عنها شيئًا" (١).
منكرو السُّنَّةِ كلِّيًّا منَ العَرَب
° الطبيب محمد توفيق صدقي وموقفُه من السُّنَّة ١٢٩٨ [هـ]- ١٣٣٨ هـ:
° أولُ مَن نَشَر شُبهاتِة حولَ السُّنَّةَ -عن حُسن نيَّةٍ- مجلة "المنار" في عَددَيْها التاسع والثاني عَشَرَ من السَّنةِ التاسعة عام ١٩٠٦ م - ١٣٢٤ هـ، فكَتَب السيد رشيد رضا وهو يُترجِمُ لطبيبِ عائلته "محمد توفيق صدقي": "أكبرُ شُذوذٍ وقع للمترجَم -رحمه الله تعالى- وحاوَلَ إثباتَه والدفاعَ عنه: هو ما عَرَض له منَ الشُّبهةِ على كَونِ السُّنةِ ليست من أصولِ الدين .. ولَمَّا
стр. 1124
عَرَض له ذلك، واقتَنَع به هو وصديقُه الطبيب "عبده إبراهيم" -عفا الله عنهما-، جاءاني -كعادتهما-، وعَرَضاه عليَّ .. وإنني كنتُ أعلمُ أنَّ هذا الرأيَ عَرَض لغيرِه من الباحثين المستقلِّين، وأنه رأيٌ منتشرٌ في كثيرٍ من الأمصار التي يَسكُنُها المسلمون، وأعلمُ أيضًا أن كثيرًا من المَباحِثِ الكبيرة التي تختلفُ فيها الأنظار، لا تتمحَّصُ إلَّا بالكتابةِ والمناظرة، ولهذين السببينِ، ولتوفيرِ الوقتِ عليَّ في تمحيصِ المسألةِ لصاحب الترجمة وصديقِه، اقتَرَحتُ عليه أن يكتبَ رأيَه ليُنشرَ في "المنار" .. " (١).
إذن ما كَتَبه الطبيب "توفيق صدقي" في المقالَين تحت عنوان "الإِسلام هو القرآن وحده"، إنما هو إنتاجُ طبيبَينِ -أحدُهما مسلمٌ ولِدَ من أَبَوَينِ مُسلِمَين، والآخرُ قِبطيٌّ أسلَمَ على يدِ السيد "رشيد" خُفيةً، ولم يُعلِنْ إسلامَه إلَّا بعدَ سنتَينِ (٢) -، وبإيماءِ السيد "رشيد رضا" رَغْمَ تذييلِ المقالَينِ بإمضاء "توفيق" وحده، واستَغرقتِ المناقشةُ أربعةَ أعوامٍ في بِضعةَ عَشَرَ عددًا من "المنار"، وتصدَّى للردِّ على الطبيبين "أحمد منصور الباز" (٣)، والشيخ "طه البشري" نَجْلُ الشيخ "سليم البشري" شيخ الجامع الأزهر .. فكتب تحت عناوينَ متعددةٍ -منها: "الدينُ كلُّ ما جاء به الرسول" (٤) - و"أصولُ الإِسلام: الكتابُ، السُّنَّةُ، الإِجماعُ، القياسُ" (٥) على الترتيب-،
стр. 1125
ثم أعقَبَهما الردُّ المفصَّل من الهند، حين كَتب الشيخ "صالح اليافعي الحيدر آبادي الدكَّنِي" للمنار تحت عنوان "السُّنن والأحاديث النبوية" (١).
° قال الطبيبان: إن اتباع السُّنَّة تقليد لأحد أفراد البشر، وذلك ممنوع شرعًا "وَلعَ الناسُ في الأعصُرِ الأولى بالروايات القَوليَّةِ وُلوعًا، وتفاخَروا بكثرةِ جَمعِها جُموعًا، حتى ملأت الأحاديثُ الآفاقَ، وكَثُر فيها التضاربُ والاختلافُ، وصار من المستحيل أن يَعملَ الإِنسانُ بدينِه بدون أنْ يُقلِّدَ غيره" (٢).
الجهلُ آفةٌ، والعِلمُ طريقُ النجاة، فعندما تَوَغَّلَ أمثالُ هؤلاءِ في بُستانٍ لا يُفرِّقون بينَ ثِمارِ أشجاره، حَسِبوا الحَبْحَبَ كالحَنْظَل لتوافقهِما في اللون، وسَوَّوْا بين أشواكِ الغَرْقَدِ وأشواكِ الورد، وشَتَّانَ بين الشوكَينِ والثَّمَرَتَينِ، فالاتِّباعُ ناتجٌ عن تحقُّقِ العبوديةِ لله ، والخضوعِ لأمره .. واتباعُ أمرِ الرسولِ أمرٌ منطقيٌّ ممَّن أقرَّ بالألوهية، بينما التقليدُ أَخْذُ قولِ العالِمِ دونَ معرفةِ دليله، والفَرقُ واضحٌ بين الوضعَينِ، فالأولُ مطلوبٌ شرعًا، دونَ الثاني، ولا يَقبلُ اللهُ صَرْفًا ولا عَدْلاً حتى يَتَّبعَ المَرءُ طريقةَ المصطفى ﷺ فيما شَرَعه الله.
ولم يكن للطبيبَينِ مَنْدُوحةٌ -بعد إنكارِ السُّنةِ- أنْ يُقدِّما صورةً مُضحِكةً للإِسلام، وأولُ ما جابَهَتْهما "الصلاةُ"، وإليك استنباطُها من القرآن في ضَوءِْ قَوْلَةِ المُنكِرِين:
° يقول الطبيب "صدقي" -بعد أن أورد آية صلاة الخوف: ﴿وَإِذَا