← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

القرآن مرتين" اهـ. ° وعند وقوع الخلافِ بينه وبين "صبحي منصور" قال عنه "صبحي منصور": "رشاد خليفة خليفة، هو الكاذبُ في كلِّ نَفَسٍ من أنفاسه، وقد ظَلَّ يَكذبُ ويتحرَّى الكَذِبَ حتى خالَطَ الكَذِبُ كلَّ خَليَّةٍ من خلايا لَحمِه وعَظْمِه؛ لأن رشاد خليفة حين ادَّعى النبوة والرسالة كان نبيًّا للشيطان ورسولاً من إبليس" اهـ. نقلاً عن "منكري السنة" لأبي إسلام أحمد عبد الله. ° مُنكِر السُّنَّة مصطفى كمال المهدوي الليبي: صاحب كتاب "البيان بالقرآن": هذا الدجال المولود في الإِسكندرية عام ١٩٣٤ م لأبٍ ليبي، وعمل بالقضاء في ليبيا منذ عام ١٩٦٠ م حتى أحيل للتقاعد على وظيفة مستشار عام ١٩٩٤ م، أشار إلى إنكاره للسنة طه حبيشي. ° كَتب هذا الضالُّ سلسلةَ مقالاتٍ في الصُّحُفِ الليبيةِ تحت عنوان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤]، ثم نَشَرها في كتابِه الذي يَحمِلُ فكره "البيان بالقرآن"، وقام الشيوخُ في ليبيا ضِدَّه، وعلى رأسهم الشيخ المستشار القضائي علي ونيس "أبو زغيبة" الذي كان يَقِفُ على منبرِ مسجدِه كلَّ جُمعةٍ، ويَصِفُه "بالجَهول الظلومِ السَّفيهِ المُتسلِّط"، ورَدَّ عليه الأديبُ "عبد الكريم الوثَّاق" بعنوان "محاكمة البيان بالقرآن"، جَمَع فيه ما نُشِر في الصحافةِ من هجومٍ ونَقدٍ ضدَّ الكتاب. ° يقول هذا المأفونُ في إنكاره لحدِّ الرجمِ للزانية المحصنة: "إنَّ لَفْظَي

стр. 1157

"الزاني والزانية" جاءا مُعَرَّفينِ بالألف واللام، بما يدلُّ على ثباتِ الحالِ ودوامِه في ممارسةِ الزنا .. ولذا، فلا يَنطبقُ الحدُّ الشرعيُّ على الزاني والزانية إلَّا إذا كان ذلك عَمَلاً مستمرًّا وثابتًا، أما الذي يَزني مرةً أو اثنين لشهوةٍ أو نَزوةٍ -أو غيرِ ذلك-، فلا يُقامُ الحدُّ عليه .. أما المرأة، فتُحبَسُ في بيتها حتى يتوفاها الموتُ أو يجعلَ اللهُ لها سبيلاً". ولقد أطلَقَ هذا الضالُّ لفظَ "أوصياء على الدين" بصفةِ الذمِّ على "أبي هريرة، وابنِ عباس، وأمِّ المؤمنين عائشة ﵃". ° ويقول: "الإِسلامُ قرآن وسُننُ الأنبياءِ جميعًا!!! ليس قرآنًا وسُنةً". ° وحينما سُئِل: "ماذا تَقصِدُ بسُننِ الأنبياء؟ قال: أن نصبِرَ كصبرِ يعقوب". ° وهو يقول: إن الصلواتِ المفروضةَ خمسُ صلوات: "الصلواتُ الخمسُ -حَسْبَ القرآن- هي: فجر، وصبح، وظهر، وعصر، وصلاةٌ واحدةٌ من دُلوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل". ° ويقول: "الصلاةُ ركعتانِ -لجميعِ الصلواتِ من صلاةِ الصبح وحتى صلاة الدُّلوك". ° وكان يقول: "السُّنةُ ليست منهاجي، ولا أَقبلُ غيرَ مَنهجِ القرآن، ليس عِندي غيرُ القرآن، ولا تَلزَمُني السُّنة .. والسُّنةُ نَعرِضُها على القرآن". ° ويقول عن "العمرة" في كتابه (ص ٩٤): "والعمرةُ هي عِمارةُ المسجدِ الحرام، وهي واجبةٌ للمساجد جميعًا، وتكونُ بالبناءِ والترميمِ والفرشِ والإضاءةِ والمصاحِفِ والصلاة فيها"!!. أمَّا الحجُّ عنده، فطُوالَ سِتَّةِ أشهرٍ تقريبًا.

стр. 1158

° يقول هذا المأفون: "إن اللهَ ﵎ حَفِظ لنا كتابَه، وفيه الدينُ كلُّه مُفصَّل، وفيه السُّنَّةُ أيضًا، فيما تَصِفُ الآياتُ الكريمةُ خُلُقَ الرسولِ الكريم وأفعالَه وأقوالَه، فيجبُ أن نكتفيَ بذلك، ونَهجُرَ ما سواه .. إنه من الصَّعبِ أن نتأكَّدَ مِن أن الذي كَتب "صحيح البخاري" هو البخاريُّ نفسه. إن ما يُوصَفُ بأنه "سنة رسول الله ﷺ " من حيث كونُها تكميلاً للقرآن، أو تفصيلاً، أو تفسيرًا، لهوٌ مردودٌ مرفوضٌ بآيات القرآن". ° ويقول عن "الصلاة" في كتابه: "قراءة الفاتحة ليست شرطًا في الصلاة، وإنما تُقرأ لأنها من القرآن، والفاتحة ليست هي "السَّبعَ المثاني"، و"السبعُ المثاني" هم: العينان والشفتان والأذنان .. إثباتًا لبشرية النبيِّ. تسبيحُ المُصلِّي في ركوعٍ أو سجودٍ، وقولُ: "سمع الله لمن حمده"، كلُّه باطل. ليست هناك صلاةٌ جهريةٌ وأخرى غيرُ جَهرية، ولا تَشهُّدٌ أوسطُ أو أخير، إذ تنتهي الصلاة بالسجود. لا صلاةَ جمعةٍ، إنما المقصودُ بآيةِ النداء هو قولُ: "الصلاة جامعة" عند كلِّ صلاةٍ مفروضةٍ في يوم الجمعة، إذ لا أذانَ للصلاة في بقيةِ الأيام" (١). ° وفي فتوًى له عن حُكمِ أكل لحوم الكِلاب قال: "إن القرآنَ الكريمَ لم يَرِدْ فيه نصٌّ واحدٌ يُحرِّمُ على العموم أكلَ الكلابِ الضالَّةِ والمستأنَسة،

стр. 1159

ولذا فإنَّ لحمَ الكلابِ طعامٌ شهيٌّ لمن يريدون أَكْلَه، ولا إثمَ عليهم فيما يفعلون". * وتبقى السُّنَّةُ، ويَذهبُ منكروها إلى مزابل التاريخ: ° قيل لعبد الله بنِ المبارك -شيخ الإِسلام-: "هذه الأحاديثُ الموضوعةُ ما نَصنعُ فيها؟ قال: يعيشُ لها الجهابذةُ من الرجال". ° قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] تبقى السُّنةُ ما بَقِيَ ذِكرُ صاحبِها ﷺ على مَرِّ الزمان .. أما منكروها، فإلى مزابل التاريخ ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]. ° ورَحِم الله القائلَ: "افتضحوا فاصطلحوا": انظر إلى هذا التواطؤِ الخسيسِ والخُيوطِ الخفيَّةِ بين مُنكرِي السُّنَّة في الهند ومصر: ° فـ "أحمد أمين" يُثنِي على السير "أحمد خان مرزا"، ويقول عنه: "إنه في الهند كالشيخ محمد عبده في مصر". وَينشر "أحمد خان مرزا" -من خلالِ مجلته الداعية لإنكار السنة- حلقاتٍ متتابعةً من كتابِ "تحرير المرأة" لقاسم أمين. ومِثلما وَضع "حسرت موهاني" و"نيار فتحبوري" أُسُسَ الضلالِ، وأصدَرَا مجلةً تحمل اسم "إنكار" في الهند، وَضَع "صبحي منصور" يَدَه في يدِ "فرج فودة"، وأصدر مجلة تحمل اسم "التنوير" في مصر، وطَعَنت المجلَّتانِ في العقيدة، وأثارتا الشبهاتِ حَولَ الوحي والقرآن وحُجِّيةِ الأحاديثِ النبويةِ، وحَطَّتا من أهميةِ الفقهِ الإِسلاميِّ في حياةِ المسلمين. وكانت جَماعتا "القاديانية والأحمدية" بأمريكا على اتصالٍ دائمٍ بمركزِ

стр. 1160

"توسان"، حيث يَقبَعُ مُسيلِمةُ الكذَّاب مُدَّعي النبوة "رشاد خليفة" بمسجد "توسان" .. كبهيمةٍ عمياءَ قادَ زِمامَها … أعْمَى عَلَى عِوَجِ الطريقِ الحائرِ! * * * المنكرون للسُّنَّة جزئيًّا وهم كثيرون يَجمعُهم جميعًا إعمالُ العقلِ وتقديمُه فوقَ النَّقلِ الصحيح، فمنهم مَن يُنكرُ أحاديثَ مسألةٍ معينةٍ من مسائلِ الشرع، وهذي أمثلة: * على درب الوالد سار الابن: مَشَى الطَّاووسُ يومًا باعوجاجٍ … فَقلَّدَ شَكلَ مِشْيَتِهِ بَنُوهُ فقال: عَلامَ تختالون؟ فقالوا: … بدأتَ بِهِ ونحن مُقَلِّدُوهُ فخالِفْ سَيْرَكَ المُعْوَجَّ واعْدِلْ … فإنَّا إنْ عَدَلْتَ مُعَدِّلُوهُ أمَا تَدْري -أبانا- كلُّ فَرعٍ … يُجارِي بالخُطَى مَن أدَّبوهُ! وينشأُ ناشِئُ الفتيان منَّا … على ما كان عَوَّدَهُ أبوهُ "حسين أحمد أمين" على دَربِ والده، وللابن كتابُ "دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك في القرن العشرين"، وهذا الكتابُ أَخَذ جائزةَ أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي ١٩٨٤ م، وكلُّه طَعنٌ في السُّنَّة. ° يقول هذا الرجل: "ما كان أبي "أحمد أمين" يَفرِضُ علينا الصلاة"!. ° وله فتوًى عجيبةٌ في حدِّ السرقة، فيقول: "لقد كان الاعتداءُ على الساري في الصحراءِ بسرقةِ ناقتِه بما تحَمِلُ من ماءٍ وغذاءٍ وخَيمةٍ وسلاحٍ في

стр. 1161

مَصافِّ قَتلِه، لذلك كان من المهمِّ للغاية أن تُقرِّرَ الشريعةُ عقوبةً جازمةً رادعةً بالغةَ الشدة لجريمةِ السرقةِ في مِثلِ هذا المجتمع" (١). ° وقال عن الحِجاب: "وَهْمٌ صَنَعه الفُرسُ والأتراك، وليس في القرآن نصٌّ يُحرِّمُ سُفورَ المرأة أو يعاقِبُ عليه"، و"إن الرجالَ يتمسَّكون بالحجاب ليستبِدُّوا بالمرأة، فيُنفِّسوا عن قَهرهم سياسيًّا واجتماعيًّا" (٢). ° وأتى "عبد الله عنان"، فأنكر أحاديثَ "المهديِّ المنتظَر والمسيح"، وكَتَب تحت عنوان "أساطيرُ دينيةٌ عمادُ حوادثَ كبرى في التاريخ": "لم تزدهر هذه الأساطيرُ من الوجهةِ العلميةِ قَدْرَ ازدهارِها في الدولِ الإِسلامية، وكانت "أسطورةُ المهدي" مِن بينها أقواها وأبعدَها أثَرًا .. ومِثلُ أسطورةِ المهدي المنتظر "أسطورة المسيح"، وهي تَرجعُ إلى أصلٍ يهوديٍّ، ولها في الإِسلامِ مكانٌ أيضًا، بل تُمزَجُ أحيانًا بأسطورةِ المهدىِّ، فيُقال: إن المسيحَ المنتظرَ يَظهرُ في إثْرِ المهديِّ أو يَظهرُ معه ويأتمُّ به". * وعلى الدرب سار الدكتور "مصطفى محمود": فأنكر شفاعةَ الرسول ﷺ ، وأنكر الرجمَ، ورَدَّ الأحاديثَ منذ ربعِ قرنٍ من الزمان حين أفادتنا مجلة "صباح الخير" في العدد (١٠٩٣) بتاريخ ١٦/ ١٢/ ١٩٧٦ بوقوف الدكتور على فِقهِ مُنكِري السُّنَّة وتأييدِه لهم، فهو يسير على مِنوالِهم.

стр. 1162

° وصَدَق القائل: "إنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتنة، فعليكم بالعتيق" (١). * العقيد معمَّر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي، وإِنكارُه للسُّنة، وتصدِّي العلماءِ له، وعلى رأسهم شيخ الإِسلام عبد العزيز بن باز ﵀ -: ° في ٣/ ٧/ ١٩٧٨ م عُقدت في طرابلس "ليبيا" ندوةٌ علميةٌ حول منزلة السُّنَّةِ النبويَّةِ من القرآن الكريم، شارَكَ فيها عددٌ من مفكِّري البلادِ الإِسلامية، تحدَّث فيها الرئيسُ "معمَّر القذافي"، مُركِّزًا على التناقضاتِ التي ادَّعاها في الأحاديثِ النبويةِ التي تحتويها كتبُ الصِّحاحِ والسُّننِ، مستشهِدًا بعددٍ من النصوصِ الحديثيَّةِ التي يَتصوَّرُ أنَّ بينَها تناقضًا، ثم ختم حديثَه قائلاً: "إنَّ في البخاريِّ ومسلمٍ أحاديثَ منسوبةً إلى النبيِّ ﷺ لا تتَّفقُ مع القرآن، وقد دُوِّنت بعدَه بأكثرَ من مِئتَي سَنَة، يَرتفعُ فوقَها علامةُ استفهام". ° ثم يُضيف: "إذن لِنَجْمعْ كلَّ ما قيل من حديثٍ، ونُقارنْه بالقرآن، فالذي يتَّفقُ معه نَعملُ به، والذي لا يتَّفقُ معه لا نَعملُ به، ولا نقول: "قال البخاري، وقال مسلم"، فالقرآنُ معروفٌ ومحفوظٌ، ولا يَختلفُ فيه المسلمون من "جاكرتا" إلى "طنجة" .. ". بَثَّت قنواتُ الإذاعةِ والتلفازِ الليبية، ونَقَلت على الهواءِ مباشرةً هذه الكلماتِ القاسيةَ على كلِّ نَفْسٍ تنتمي إلى عقيدة الإِسلام، فكانت صَدمةً أَلْجَمَت كلَّ أَلْسِنَةِ المسلمين في ليبيا الشقيقة، وهم يستمعون إلى رئيسِهم في أطولِ حديثٍ وأجرءِ حديثٍ سَهِرَ أمامَه الشَّعبُ الليبيُّ حتى الثانيةِ من صباحِ

стр. 1163

اليوم التالي. وقبل أن تُشرِقَ شمسُ اليوم الجديد، كانت ليبيا ثلاثةَ أحزاب: أولها: الحزبُ الذي صَفَّق طويلاً سعيدًا بما أسمَوْه في صُفحهم "بروتستانتية" إسلامية جديدة (!!). وثانيها: الحزبُ الذي حَبَسَ غَضَبَه في صَدره مكلُومًا، يضربُ أهلُه كفًّا في حسرةٍ وألمٍ قائلين: "وإنْ سَلَّمْنا جَدَلاً أن هناك بعضَ الأحاديث النبوية المنسوبة كَذِبًا إلى النبيِّ ﷺ في كتب الحديث، فهل يجوزُ أن نتَّخذَ ذلك تُكأةً لهدمِ كلِّ معتقداتِ المسلمين؟! ". أما ثالث الأحزاب: فهم هؤلاء الذين التزموا الصمت، إمَّا جهلاً بخطورةِ ما سمعوا، أو خوفًا من تَبِعَةِ الغضبِ -فيما لو عَبَّروا عن مشاعرهم-، أو تجاهلاً متعمَّدًا" (١). ° وجاء الرد "ببيانٍ من الرئاسةِ العامةِ للمجلسِ الأعلى للمساجدِ حولَ ما دار مع العقيد "معمَّر القذافي" حولَ إنكارِه للسُّنَّة النبوية كمصدرٍ للتشريع، كما تناقَلَتْها الصحف والأنباء": على لسان الشيخ ابن باز ﵀: "قام وفدٌ من الأمانةِ العامةِ للمجلسِ المذكور برئاسةِ فضيلة الشيخ "صالح بن محمد اللحيدان" عضوِ "مجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية" وعضويةِ كل من فضيلة الشيخ "أبي بكر محمود جومي" كبيرِ قضاةِ نيجيريا وعضو الرابطة ومجلس المساجد، وفضيلة الشيخ "أحمد الحماني" رئيس "المجلس الإِسلامي الأعلى في الجزائر" وعضو الرابطة

стр. 1164

ومجلس المساجد، وفضيلةِ الشيخ "علي مختار" الأمينِ العام المساعد للمجلس الأعلى العالمي للمساجد بزيارةِ الجماهيرية الليبية بِناءً على ما دار بين "الأمانة" و"الجماهيرية" للبحث مع فخامةِ العقيد "معمَّر القذافي" حول ما تناقَلَتْه الصحفُ والأنباءُ من إنكارِه للسُّنة النبويَّةِ أن تكونَ مصدرًا من مصادر التشريع الإِسلامي. وقد تَمَّ بالفعل اجتماعُ الوفدِ بفخامته في الساعة السابعة والنصف من مساءِ يوم الأربعاء الثاني عَشَرَ من شهرِ صَفَر ١٣٩٩ هـ في مدينة "بني غازي" بليبيا، وتبادَلَ الجميعُ وِجهاتِ النظر، وبَيَّن الوفدُ لفخامته الأدلةَ الشرعيةَ من الكتاب والسُّنةِ على عظيمِ منزلةِ السُّنةِ في الإِسلام، وأنها الأصلُ الثاني في إثباتِ الأحكام، وأن العلماءَ قد عُنُوا بها، وعَرَفوا صحيحَها من سقيمها، ووَضعوا لذلك قواعدَ وأصولاً يُعرَفُ بها صحيحُ الأحاديث من ضعيفها، وأجمَعوا على اعتمادِ ما صَحَتْ به الأحاديثُ، فأظهر اقتناعَه بأكثرِ ما قاله الوفد، وأوضَحَ فخامتُه للوفد موقفَه من الكتاب والسُّنَّةِ والحديث، وأنكر بشدَّةٍ ما نُسِب إليه من أنه حَذَف كلمة "قل" من "قل هو الله أحد"، أو أنه صَلَّى العصرَ ركعتينِ حَضَرًا، كما أوضح للوفد بأنه يعترفُ بالسُّنةِ الفعليةِ فقط -كالصلاة والحج-، أما الأحاديثُ القوليةُ، فإن ما يَصحُّ عنده منها يُعمل به، ووعد أنه سيُعلن ذلك على الملأ. هذا ملخَّص قرارِ الوفد، وقد سَرَّنا كثيرًا رجوعُ فخامةِ العقيد إلى الصواب في الأخذِ بالسنةِ الصحيحة، وقد دَلَّتِ الأدلةُ من الكتابِ والسُّنةِ الصحيحةِ واجتماعِ أهلِ العلم على أنَّ السُّنةَ الصحيحةَ القوليةَ والفِعليةَ والتقريريةَ أصلٌ عظيمٌ من أصولِ الإِسلام، وهي الأصلُ الثاني في إثباتِ

стр. 1165

الأحكام الشرعية وبيانِ الحلالِ والحرام، وهي الوَحيُ الثاني، كما أجمَعَ العلماءُ أيضًا على أن مَن جَحَد كونَ السُّنةِ أصلاً معتَبَرًا يُرجَعُ إليه في الأحكام، وزَعَم أنه يَكتفي بالقرآنِ عنها، فهو كافرٌ مرتدٌّ عن الإِسلام، وقد صَنَّف في ذلك الحافظُ السيوطي رسالةً سَمَّاها "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة"، ذَكَر فيها الأدلةَ من الكتابِ والسُّنةِ والآثارِ على وجوبِ تعظيم السُّنةِ والأخذِ بها، وأنها الأصلُ الثاني من أصولِ الإِسلام، كما ذَكر فيها إجماعَ العلماءِ على كُفرِ مَن أنكر السُّنةَ، وزَعَم أنه لا يُحتجُّ إلَّا بالقرآن، ولا شكَّ أن مَن أنكر السُّنةَ فقد أنكر القرآن وكَذَّبه؛ لأنَّ القرآن الكريمَ قد أَمَر في مواضعَ كثيرةٍ بطاعةِ الرسول ﷺ واتِّباعِه، وعَلَّق الرحمةَ والهدايةَ ودخولَ الجنةِ والنجاةَ من النار على ذلك. وقد كَتَبْنا في هذا المَقام مقالاً أبسَطَ من هذا البيانِ، ننشرُه قريبًا إن شاء الله. فالواجُب على فخامةِ العقيد أن يُعلِنُ توبتَه إلى الله سبحانه من إنكارِه ما أنكَرَ من السُّنة، وأن يُعلِنَ التزامَه بما صَحَّ منها عند أهل العلم -كأحاديثِ الصحيحين وغيرها- ممَّا صَحَّ عن رسول الله ﷺ -قولاً، أو فعلاً، أو تقريرًا- … " (١).

стр. 1166

* وا إسلاماه: في يوم الإِثنين ١٨ من ذي الحجة ١٤٠٠ هـ، الموافق ٢٧ من أكتوبر ١٩٨٠ م صدرت جريدة "أخبار العالم الإِسلامي" التي تُصدِرُها "رابطة العالم الإِسلامي" من مكةَ المكرمة، تَحملُ مانشيتًا رئيسيًّا: "القذافي رأسُ حربةٍ ضدَّ الإِسلام" .. أما الخَمْسَ عَشْرةَ صفحةً التالية من الجريدة، فكانت عبارةً عن مَلَفٍّ صحفيٍّ عن إنكارِه حُجِّيَّةَ السُّنةِ النبويةِ، وادعائِه النبوَّة، وإنكارِه تعدُّدَ الزوجات، وحِجابَ المرأةِ في القرآن، وإلغائِه العملَ بالتاريخِ الهجريِّ، وتأييدِه الاستعمارَ الروسي لأرض أفغانستان، ثم دعوتِه المُصلِّين في صباحِ عيدِ الأضحى من هذا العام إلى تَركِ الحج قائلاً: "فلْيعلمِ المسلمون في كلِّ مكانٍ من العالَم أن مكةَ الآن، والكعبةَ الشريفة -بيتَ الله-، وأن المدينةَ المنوَّرةَ وقَبرَ الرسول، وأن جبلَ عرفاتٍ المقدَّسَ: تَقعُ الآن تحتَ طائلةِ الاحتلالِ الأمريكي، فأيُّ معنًى للحجِّ هذا العامِ أو في الأعوامِ القادمة إذا استمرَّ الاحتلال؟! إنَّ المعنى الوحيدَ هو القتالُ والجهادُ لتحريرِ بيتِ الله، ومَن يُمارِسُ شعائرَ الحجِّ متجاهِلاً هذه الحقيقةَ، إنما هو يُمارسُ عِبادةً ساذجةً ليست هي التي أرادها الله، والآن المسلمون يؤدُّون شعائرَ الحجِّ تحت ظلالِ الطائرات الأمريكية (١)، وعندما يرفعون رؤوسَهم إلى السماء وهم يَدْعُون تَسقُطُ عليهم نفاياتُ وفضلاتُ الطائراتِ الأمريكية، ويعتقدون أنهم سيعودُون وقد غُفرت ذنوبهم وقُضيت حوائجُهم!! ولن تغفرَ الذنوبُ، ولن تُقضى الحوائجُ إلَّا إذا تَحوَّل الحجُّ إلى معركة، وتَحوَّل الدعاءُ للغفرانِ

стр. 1167

إلى دعوةٍ للجهاد والقتال" (١). ° انظر إلى شَطحِ العقيد وطوامِّه: - يُبيحُ التعدُّدَ من اليتيمات فقط!!. ° ويقول: "كلُّ مَن يَخرجُ على القرآن هو من الخوارج -ولو كان مسلمًا-، وبذلك تنتهي مشكلة: هذا مسلم، وهذا مسيحي" (٢). ° وعن مجموعتِه القَصَصِيَّةِ التي هلَّلَت لها وسائلُ الإعلام المسموعةُ والمقروءةُ والمرئيةُ بالجماهيرية الليبية ابتداءً من ديسمبر ١٩٩٣ م، يقول الأستاذ الدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن جامعة عين شمس: "تَهَكَّمَ في قَصَصِهِ الأدبية هذه بأسلوبٍ سُوقيٍّ على بعضِ صحابةِ رسولِ الله ﷺ من أمثالِ خُبَيبِ بنِ عديٍّ، وخالدِ بن الوليدِ، وأمِّ أيمن .. إلى أن بَلَغ به الأمرُ إلى التهكُّم على أمِّ المؤمنين زينب ﵂. وحتى لا يَظنَّ ظانٌّ بنا سُوءً، فالمجموعةُ القَصصيةُ يمكنُ الحصولُ عليها، والتهكُّمُ والاستهزاءُ ليس فيه تَوريةٌ مما قد يكونُ حَمَّالاً للتأويلِ أو التجنِّي على الكاتب، إنما كان الكاتبُ العقيدُ واضحًا في ذلك تمامَ الوضوح" (٣). ° يقول القذافي في خطبة ١٢ ربيع الأول ١٣٨٧ هـ (١٩/ ٢/ ١٩٧٨ م)

стр. 1168

عن النبي ﷺ نصًّا بأنه "مجرد بوسطجي"، وقال بالنصِّ في هذه الخطبة: "إنَّ المسلمين ابتَعدوا عن الدينِ الإِسلاميِّ، وهم في طريقِهم إلى النتيجةِ التي وَصَل إليها المسيحيون، ونحن الآن بدأنا عبادةَ الأصنام، وبالأحرى في بدايته، فنحن نُجَسِّمُ النبيَّ حتى يَحجُبَ اللهَ، ولو قلتُ لكم "رسولُ الله" لقلتُم كلُّكم "﵌"، ولو قلتُ لكم: "الله" لَمَا تَكلَّم أحدٌ، وهذا نوعٌ من الاستعبادِ والوثنية". ° وقال نصًّا: "إنَّ صلاتَنا على النبيِّ ﷺ تَعني أننا نخافُه أكثَرَ من الله، أو أننا نَرى الرسولَ أقربَ إلينا، مِثلَ المسيحيينَ الذين قالوا: إن عيسى أقربُ من الله". ° ويقولُ في خِطابِه هذا المطبوع (ص ١٤): "النبيُّ لو كان يقول: اتَّبِعوا حديثي، يَعمَلُ بديلاً للقرآن، لكنه باستمرارٍ كان يؤكِّدُ تمسُكَه بالقرآنِ فقط"!!!. ° و (ص ١٦): "القرآنُ لم يَرِد فيه أن النبيَّ قال: عليكم أن تتَّبعِوا كلَّ الكلام الذي قُلتُه، وإلَّا فأين الكلامُ الذي قاله لمدةِ أربعينَ عامًا قبلَ البعثة؟! " (١). ° وقال (ص ٢٣): "لو كان الحديثُ الذي يقولُه الرسولُ يُعتدُّ به أو يُؤخَذُ كشريعةٍ، لَوَجب أَخذُ كل كلامِه حتى الذي قبلَ الرسالة". ° و (ص ٢٦): "سُنَّةُ النبيِّ هي عَمَلُه، وليس كلامَه، فهل النبيُّ كان يَسرق؟ طبعًا لا، هذه سُنَّةٌ من سُننه، ومن أخلاقِه أنه لا يَكذِبُ ولا يَسرِقُ،

стр. 1169

وَيتَّصف بالأمانةِ والنزاهة، هذه هي السُّنَّة، أي أنها تصرُّف النبيِّ وطريقتُه في ذلك، إذن كيف نأتي بعد ألفَيْ سَنةٍ، ونقول: إنَّ الحديثَ هو السُّنَّة؟! ". ° وفي عَمَله "وانتهت الجمعة بدون دعاء" يقول مستهزئًا متهكِّمًا من "أمِّ أيمن" ﵂ -والتي كان النبيُّ ﷺ يناديها "يا أمي"، ويقول: "هذه بقيَّةُ أهلِ بيتي"-، يقول عنها: "أمُّ أيمنَ كادت تموتُ عَطَشًا بين مكةَ والمدينةِ وهي صائمة، فنزل عليها حِساءٌ من "شوربة بالمعدنوس"، ودَلوُ ماءٍ معدنيٍّ ماركة "أفيان"، ولم تَعْطَشْ طِيلةَ عُمرِها بعد "أفيان" .. ". ° ويقول عن خُبيبِ بنِ عديٍّ ﵁: "وهل العِنبُ الذي كان يَسقطُ على خُبيبِ بنِ عديٍّ، وهو أسيرٌ عند المشركين في مكة، كان من كوكبِ الزُّهرة، أم من كوكب [عُطارد]؟! لأنَّ مكةَ لا عِنب فيها". ° ويقول عن سيف الله خالد: "إنَّ خالدًا حاصَرَ حِصنًا منيعًا للروم، وطَلَب منهم التسليمَ، فقالوا له: لا نُسلِّمُ حتى تشربَ السُّمَّ، فَشرِبَ قَدَحَينِ منه ولم يُوجِعْه مُصرانٌ واحدٌ من مصارينه" (١) انتهى ولا تعليق. * حسن التُّرابيُّ السُّوداني، يَرُدُّ السُّنَّةَ، ويَنحرفُ عن قواعِدِ الدين، ويَطعنُ في الصحابةِ، ويُنكِرُ حَدَّ الرِّدَّةِ والرجم، ويُمجِّدُ الفَنَّ ورَقْصَ الباليه!!: مَن أراد أن يعرفَ ضلالَ هذا الرجل، فلْينظرْ إلى بعضِ أخطائِه كما يُعدِّدُها فضيلةُ الدكتور "جعفر شيخ إدريس":

стр. 1170

- نظرتُه للسُّنةِ النبويَّةِ المطهرة. - نظرتُه لصحابةِ رسولِ الله ﵃. - نظرتُه إلى فُقهاءِ أُمَّةِ الإِسلام. - نظرتُه إلى مَجمَعِ تاريخ المسلمين. - إنكارُه لبعضِ الحدودِ الشرعية. - آراؤه المتناثرةُ في الاجتهادِ والمرأةِ والموسيقى. وزِدْ على ذلك نظرتَه أنه لا ضابَط لتفسيرِ القرآن، إلَّا ما يُملِيه تجديدُ اللغة، والاستحداثُ الاجتماعيُّ، والإِعمالُ العقليُّ لفَهم الدلالة -دون أيَّةِ قيودٍ أو قوالب-. وقد تَصدَّتْ له جماعةُ أنصارِ السنة بالسودان بشيوخها من علماءِ الدعوة السَّلَفية، وتَصدَّى له الدكتور "عصام البشير" -وهو من قياداتِ العملِ الإِسلاميِّ بالسودان-، وفي خُطَبِ الجُمعة أعلن هذا الداعيةُ الصادقُ بكلِّ وضوحٍ وعلى الملأِ الحربَ على فِكرِ الترابي، وأهال كلَّ ترابِ السودان على رأسه، وما تحويه من نظرياتٍ تجديدية. * آراؤه في العقيدة: ° يَذهبُ الرجلُ إلى قولٍ ما سَبَقه إليه أحدٌ، وهو "تجديد العقيدة"، فيقول: "لا بدَّ إذن من تجديدِ الفكرِ العَقَديِّ الإِسلاميِّ في كلِّ طَوْر؛ لأنَّ الشِّركَ في كلِّ عهدٍ من العهود يتَّخذُ مَظهرًا مختلفًا" (١).

стр. 1171

° ويقول: "كذلك ينبغي لفقهِ العقيدةِ اليومَ أن يستغنيَ عن علمِ الكلام، ويتوجَّه إلى علمٍ جديدٍ غيرِ معهودٍ للسلف" (١). ° ويقول: "لا تَجدُ في مباحِثِ العقيدةِ حديثًا عن الفن، كأنَّ التوحيدَ يَجمعُ الحياة كلَّها -صلاتَها ونُسُكَها ومَحياها ومماتها-، ويتركُ الفنَّ، ولكنِ الواقعُ أن مباحَثَنا العَقَديَّةَ الإِسلاميةَ مباحثُ فقيرةٌ، وليست مباحثَ توحيديةً" (٢). ° ويقول عن الرسول ﷺ : "ما برضه الرسول ﷺ لا يَعلمُ الغيب، ومرَّات مرَّات يقول أخبار تطلع غَلَط" (٣). ° ويقول عن حديث الذبابة: "إنه أمرٌ طِبِّيٌّ آخذٌ فيه بقولِ الكافرِ، ولا آخذ بقولِ الرسول ﷺ ، ولا أجدُ في ذلك حَرَجًا ألبتة" (٤). ° ويقول فىِ عِصمةِ النبي ﷺ : "ولا إيه تقول في القرآن في العملوه الأنبياء دول والرسول ذاتو ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، و"ويتوب الله عليك"، وكان الرسول يستغفر، يستغفر من إيه؟ من الصلاة؟ هآ هآ هآ هآ". * وهو يُنكِرُ نزولَ السيح ﵇ -: ° قال محمد سرور بن نايف: "أنكر أستاذُ الحقوقِ الدستوريةِ في

стр. 1172

الجامعات السودانية الدكتور "حسن عبد الله الترابي" نُزولَ المسيح ﵇ في آخِرِ الزمان، فقلتُ له في مجلسٍ ضمَّنا قبلَ أكثَرَ مِن إحدى عَشْرَةَ سنةً: كيف تُنكِرُ حديثًا متواترًا؟ قال: أنا لا أناقِشُ الحديثَ من حيثُ سَنَدُه، وإنما أراه يتعارضُ مع العقل، وُيقدَّمُ العقلُ على النقلِ عند التعارض". ° وقال أيضًا: "هناك أحاديثُ قالَها الرسولُ ﷺ بصِفتِه البشريةِ، فهي ليست حُجَّةً رغم صِحَّةِ أسانيدِها" .. وتَوَسَّع في ذِكرِ نماذجَ من هذه الأحاديث (١). ° ويقول في محاضرةٍ له مسجَّلةٍ بصوته: "كلُّ الصحابةِ عدول؟ ليه؟!! " (٢) أي لماذا؟!. ° ويقول عن تنظيمه الذي يترأَّسُه في السودان مفضِّلاً له على مُجتمع الصحابة: "يعني نحن هسع (٣) مثلاً تنظيم جماعة كالجماعة الإِسلامية، طبعًا أدقُّ من تنظيمِ جمهور المسلمين في عهدِ الصحابة، طَلَّعوا لهم مجتمع "أي: الصحابة" نحن مآخذين منه نفسَ الآيات ونفسَ الأحاديث، طلَّعْنا مجتمع أدقَّ وأكفأَ وكده" (٤). ° ويقول في سخرية عن ابن عباس: "وابن عباس ده كم مرة قال كلام كده، زرَّوه (٥)، الآخر كده قال: ما قال الرسول، في الحقيقة كلَّمني

стр. 1173

الفضل ابن عباس" (١). ° ويقول: "الصحابة، السيدة عائشة ما كانت تُناقِشُ الصحابةَ .. وتقول: كَذَبوا على رسول الله ﷺ " (٢). * إِنكارُه لبعض الحدود: ° في محاضرةٍ له بجامعةِ الخرطوم أجازَ للمسلم أن يرتدَّ عن دينه، فقد قال: "وأودُّ أن أقولَ: إنه في إطارِ الدولةِ الواحدةِ والعهدِ الواحدِ، يَجوزُ للمسلمِ كما يجوزُ للمسيحيِّ أن يُبدِّل دينَه" (٣). ° ويقول عن الحُكم في "الرِّدَّة": "هو حُكمٌ اجتهاديٌّ في تقديري، وليس حُكمًا حَدِّيًّا". ° وجَوزَّ هذا المأفونُ زواجَ المسلمةِ من الكِتابيِّ .. نَقل ذلك عنه الدكتور محمود الطحان في كتابه "مفهوم التجديد بين السُّنة النبوية وأدعياء التجديد"، ويقول: "إن الشيخ "السنانيري" ظلَّ يُحاوِرُه على مفهومِه هذا الخاطئِ طويلاً، وما اقتَنَع، وما عَدَل عن رأيه". وهو يُنكِرُ حَدَّ الرجمِ بالنسبة للزاني المُحصَن (٤). ° أمَّا حدُّ شُربِ الخمرِ، فيقول الترابي: "وكانت العقوباتُ التي افترضناها "أي: في لجنة تعديل القوانين" لشُربِ الخمر رفيقةً لا تتعدَّى

стр. 1174

الجَلْدَ بين عشرينَ وأربعينَ، ولا تتعدَّى السجنَ نحوَ شهرٍ أو أكثَرَ من ذلك بقليلٍ وغرامةً قليلة" (١). ° ويقول هذا الضالُّ في هَذيانه بدعوى تجديدِ أصول الفقه: "لا بدَّ أن نَقِفَ وقفةً مع عِلم الأصول تَصِلُه بواقع الحياة؛ لأن قضايا الأصولِ في أَدَبنا الفقهيِّ أصبحت تُؤخذُ تجريدًا، حتى غَدَتْ مقولاتٍ نظريةً عقيمةً، لا تكادُ تَلِدُ فقهًا البتة، بل تولِّدُ جَدَلاً لا يتناهى" (٢). ° وانظر إلى قولِه في تجديد "الإِجماع"، وهو الأصل الثالث من أدلة الشرع بعد الكتاب والسُّنة، وكما هو معلومٌ فإنه إجماعُ المجتهدين من الأمةِ لا إجماعُ الجهال .. يقول: "فيمكنُ أن نَردَّ إلى الجماعةِ المسلمةِ حقَّها الذي كان قد باشَرَه عنها الفقهاء .. وهو سُلطةُ الإِجماع؛ ويمكن بذلك أن تَتغيَّرَ أصولُ الفقهِ والأحكامُ، ويصيرُ إجماعُ الأمةِ المسلمةِ أو الشَّعبِ المسلم، وتصبحُ أوامرُ الحكَّامِ كذلك أصلَينِ من أصولِ الأحكام في الإِسلام" (٣). * موقفُه من الفنِّ: ° انظر إلى مُدَّعي التجديدِ والمزكِّي لنفسه، يقول نصًّا: "كما قَدَّر اللهُ وأَرسل محمدًا ﷺ وتلا (أي: تاليًا) للأنبياء ليجدِّدَ رسالتَهم، فبتوفيقٍ من الله أرسَلَني لتجديدِ فقهِ محمد". ° ويقول عن الفنَّانين: "قد يكونُ بابُ الجنة الذي يدخلون به، اسمُه

стр. 1175

باب الفنانين في الجنة" (١). ° وقال محذِّرًا من إهمالِ الفن: "فلا بدَّ إذًا من اتخاذِ الفنِّ لعبادةِ الله، فمِن تلقائه يضلُّ كثيرٌ من الضالِّين، وبه يمكنُ أن يَهتديَ المهتدون، فمَن أهمَلَه تَرَك بابًا واسعًا للفتنة المُلهِيةِ عن الله والداعيةِ إلى معاصيه، ومَن أَخَذه بما ينبغي فَتَح بابًا واسعًا للدعوة إلى الله بدفعِ جاذبيةِ الجمالِ، ولعبادتِه أجملُ وُجوهِ العبادة" (٢). وخذْ آخِرَ الطوامِّ لهذا الضالِّ الذي يَجعلُ للراقصين والراقصاتِ والمطربين والمطربات وممثلاتِ الإغراء وعرايا الفنِّ السابع بابًا في الجنة باسمِهم!!. ° يقول عن "الرقص" لجريدة "الصحافة" السودانية: "الرقص تعبيرٌ جميلٌ، يُصوِّرُ معنًى خاصًّا بما تَنطوِي عليه النفسُ البشريةُ من شعور". ° إلى أن يقول: "ولا نُنكِرُ أنَّ في الغربِ رَقصًا يُعبِّرُ عن معاني أُخَرَ كريمةٍ" (٣). أخزاك الله، فليس بعد هذا إسفافٌ وابتذالٌ وجُنون.

стр. 1176

* خليل عبد الكريم وكتابُه الأسود "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين": خليل عبد الكريم كاتبٌ يَسَاريٌّ، يَدُسُّ السُّمَّ في العسل، ويتطاوَلُ هذا القِزمُ على مَقامِ سيِّد الأنبياء، فيُلْقِمُه الحَجَرَ الدكتورُ إبراهيم عوض في كتابه: "ولكنَّ محَمَّدًا لا بواكيَ له .. هَتْكُ الأستار عن خَفايا كتاب "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين". ° قال الدجَّالون الكذَّابون: إن كتاب رَفِيقهم خليل عبد الكريم "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين": "يُدافعُ عن الإِسلام، ويَجلُو وجهَه الصحيح"!. لكنَّ المؤلِّفَ يَذكر أن هذا الكتابَ من أوَّلِه إلى آخِرِه إهانةٌ لسيد البشر ﷺ ، واستهزاءٌ شديدٌ به، لم تَشهدْ مِصرُ والعالَمُ الإِسلاميُّ له مثيلاً، وحتى جاءت رسومُ الكاريكاتور الدانماركية، ويتساءل: أين الكرامة؟ أين العزَّة؟ أين حُبُّنا لنبيِّنا ودينِنا؟ ماذا سنقول لربِّنا إذا وَقَفْنا أمامَه وسألَنا: كيف رَضِيتم أن يُهانَ رسولي على مرأى منكم، ثم لا تُحرِّكون ساكنًا؟ ويَرى أن المسألةَ ليست مسألةَ إيمانٍ وكُفرٍ أو حريةِ عقيدةٍ وتعبير؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ حُرٌّ في أن يؤمنَ بما يشاءُ ويَكفرَ بما يشاءُ، بل المسألةُ مسألةُ سفاهةٍ ورغبةٍ في إهانةِ الرسول الأكرم. وقد أستوحى المؤلِّفُ عنوانَ كتابه "لكنَّ محمدًا لا بواكيَ له" من عبارة الرسول العظيم ﷺ التي قالها بعد انكسارةِ "أُحُد" حين رأى نساءَ المسلمين آخِرَ النهارِ يَبكِينَ الشهداءَ إلَّا حَمزة، فلم يكن يَبكِيه أَحدٌ، فقال ﷺ -

стр. 1177

متوجِّعًا: "لكنَّ حمزةَ لا بواكي له"، فعندئذ بَكَتْه الباكياتُ أشدَّ البكاء. * الردُّ على كتاب "فترة التكوين": يُشير المؤلِّفُ إلى أنَّ خليل عبد الكريم لم يكن سِوى مجردِ محامٍ مغمور، حتى شَرَعت بعضُ الصحفِ اليسارية تنشرُ له المقالاتِ والأحاديث التي تَلمِزُ القِيَمَ الإِسلاميةَ مِن طَرْفٍ خَفيٍّ، ولم يكن له إسهامٌ في مجالِ الفِكرِ والكتابة، إلى أن ظَهَر فجأةً بعد أن أصبحَ شيخًّا كبيرًا؛ حيث لم يكن لمقالاتهِ قيمة كبيرة في أسلوبها ومضمونها وبنائِها الفِكريِّ، ثم انقلب الحالُ فجأةً، وصدرت كُتبٌ أسلوبُها مختلفٌ تمامًا، ومخدومةٌ من ناحية المصادر. ويَرصُدُ المؤلِّفُ مفارقةً شكليةً هي: أن كُتبَ عبد الكريم يجتمعُ فيها غَريبُ الألفاظِ والصِّيَغ، مع الجهلِ بأصولِ النحوِ والصرف، مستنتِجًا أن هناك أكثرَ مِن يدٍ تشتركُ في تأليفِ هذه الكتب، وبالنسبة لكتاب "فترة التكوين" فإنه يستبعدُ أن يكونَ مؤلِّفُه مسلِمًا؛ إذ فيه من الإساءةِ الجارحةِ للنبي ﷺ ، ومن التفسيرات العجيبةِ لنبوَّته ما لا يمكن صُدورُه إلَّا من مبشِّرٍ مُتعصِّبٍ مَطموسِ البَصَرِ والبصيرة، وهو ما يَعرِضُ الأدلةَ عليه في الصفحاتِ التاليةِ للكتاب. وُيعطِي بعضَ الأدلةِ على استخدامِ الكلماتِ الغريبةِ مثل كلمة "اليعسوب" التي من معانيها في الاستعمالاتِ المَطمورة في طَيَّات المعاجم "الرئيس الكبير"، وتُستعملُ الآنَ في عِلمِ الأحياء عند الحديث عن النَّحلِ وعَسَلِه، فتَعنِي "مَلِكةَ النحل" والكلمةُ هي في الواقع للأنثى لا للذكر، لكنْ صاحبُ كتاب "فترة التكوين" لَقَّبَ بها ورقةَ بنَ نوفل؛ لأنه -حَسْبَ إفكِه-

стр. 1178

هو الذي تولَّى كِبْرَ تثقيفِ محمدٍ ﷺ أو "قَلْوَظَتُه وصَنْفَرتُه وتلميعه" بُغيةَ "تصنيعه" نبيًّا، والحقُّ أن "ورقةَ" كان رجلاً شريفًا نبيلاً، عندما استبان له أن محمدًا نبيٌّ من عند ربِّ العالمين آمنَ به، وأعلنها مُدوِّيةً- وهو الشيخُ الطاعنُ في السنِّ- أنه إذا امتَدَّ به العمُرُ، فسوف يَنصُرُه ويؤازِرُه ضدَّ سفهاءِ قومِه الذين يُؤذُونه. * غرائب اللغة: ° وكَرَّر صاحب كتاب "فترة التكوين" كلمة "النسوان" وأسقط أَلِفَها في عشراتِ المواضع، وجعلها "نسون"، ويحاولُ أن يتحذلقَ دائمًا في الحديث كقوله: "من المحال أن يتَّصفَ المنتظَرُ -أي: النبي المنتظر- بأه مُهتَلسُ العقل، أو هِجزع أو ذو زعارة"، وقوله مرارًا: "الأيئة" عوضًا عن الهيئة، وهو ما لم يَجدِ المؤلِّفُ له تفسيرًا، إلَّا أن كاتب "فترة التكوين" قد ارتدَّ طفلاً لا يَقدِرُ على نُطقِ الهاء!. ° ومِن دواعي جَهلِه قولُه عند كلامه عن الرسول الكريم، وحُسنِ منطقِه، وفصاحةِ لسانه: "إنَّ "ميسرة" قد تحدَّث إلى خديجة عن "رهافة مذرب محمد" يقصد رهافةَ لسانهِ ﷺ .. أفلم يَجِدْ إلَّا كلمةَ "مذرب" التي تَدلُّ مْعظمُ اشتقاقاتِ مادَّتِها على سَلاطةِ اللسانِ والبذاءة. ° وهناك أمثلةٌ على التحذلقِ بغرائبِ اللغة مع الجهل بقواعِدِ النحوِ والصرف، مثل: "بَيْدَ أنه فتًى يَفيضُ شبابًا وقوةً وحيويةً وسيمًا قسيمًا"، وصوابها: "وسيم قسيم"؛ لأنهما النعتان الثاني والثالث لـ "فتى"، أمَّا النعتُ الأول فهو "يَفيضُ شبابًا"، و"يقع تحت تأثير عَمَّاته؛ إذ تُعلن له .. "

стр. 1179

وصوابها "يُعلن": "ولا تعصي له أمرًا، ويا فلان"، وصوابها: "لا تعصِ" بحذف الياء من آخِرِ الفعل على البناء للأمر، وقوله: "إن هذا ما يؤكِّدُه علماءُ الفِرنجة المدقِّقين في تواريخ الأديان"، بدلاً من "المدققون" التي هي نعت لـ "علماء الفرنجة"، وكذلك قوله: "ما لك مسرع؟ ما لك مسرو؟ بدلاً من "ما لك مسرعًا؟ ما لك مسرورًا؟ " بالنصب على الحالية. ° كما يقول عن خديجة ﵂: "إنها قد تيقَّنت على بَكرةِ أبيها بنفسِها من فصاحةِ محمد ﷺ أيامَ كان يَشتغلُ في تجارتِها قبلَ أن يتزوَّجها". فماذا يعني بعبارة "على بكرة أبيها؟ "، إننا نقول مثلاً عن جماعةٍ من الناس: "جاؤوا على بَكْرةِ أبيهم"، أي: لم يتخلَّفْ منهم أحد، أمَّا أن يقالَ عن شخصٍ واحدٍ: "إنه جاء على بكرة أبيه"، فهذا هو البَلَهُ بعينه، "غِلٌّ على الإِسلام والنبوة". ° ويؤكِّدُ المؤلِّفُ أن الكتابَ فوقَ ذلك يَفيضُ بالوقاحة -حَسْبَ تعبيره- والغِلِّ الغليلِ على الإِسلام ورسوله، ورموزِه الكريمة، ويذكر بعض الأمثلة منها: "هذا الكتاب يقدِّمُ رؤيةً جديدةً، نزعمُ أنها غيرُ مسبوقةٍ لحلِّ هذا اللغز، الذي ملأ الدنيا، وشَغَل الناس"، يقصِدُ باللغز: نبوَّة سيدنا رسول الله ﷺ !!. ° وقال: "بدأنا مع محمدٍ قبلَ أن يلتقيَ أبوه بأمه، ثم وهو جَنينٌ في بَطنِ أمه، ثم صاحَبْناه ليلةَ مولده، ثم وهو مولود، ثم طفلٌ، ثم صبيٌّ، ثم شابٌّ، حتى التقطته سيدةُ قريش"، فتصور الوقاحةَ أن سيِّدَ الأنبياء، وكأنه صبيٌّ متشرِّدٌ يَهيمُ على وجهٍ دون أهلٍ أو مأوى!!.

стр. 1180

° وقال: "إن هاجس قيامِ شابةٍ بكرٍ أو ثَيِّب مِثلها في "بكة"، أو ما حولَها بنَشلِ الحبيبِ المصطفى، ونِكاحِهِ أَرَّقَ خديجةَ، وطَيَّرَ النومَ من عينيها الاثنتين". ° وهي لُغةٌ سُوقيةٌ ساقَها الكاتبُ على لسانِ خديجة أمِّ المؤمنين ﵂: "مِن ألزم اللازمِ أن أنكِحَه، بل وأسارعَ حتى لا تَنتِشَه منِّي إحدى عذراوات أو أيامى قريش". تبيَّن لنا أن سيدة قريش "خديجة" جَفَّ رِيقُها، وحَفِيت قَدماها، وداخت السَّبْعَ دُوخات، حتى وافق إمامُ الأولين والآخِرين على خطبتها". ° "إن هذا الحَشدَ القويَّ .. وهذا الحِصارَ المُحكَمَ له حتى رَفَعَ الرايةَ البيضاء، وسَلَّم لها بطلبها، ورَضِيَ أخيرًا بنكاحها إياه. أما من جانب الخاشع -أي: محمد، استهزاءً به ﷺ كما سيتضح فورًا-، فلا شكَّ أن القارئَ لم يَفُتْه أنه أصبح مَثَلاً، فذًّا في المطاوَعةِ والمُلاينة، "اجلس على فخذي"، يجلس، "تعالى في حِجري" يأتي، "ادخل بين قميصي وجسدي .. " يدخل". ثم يتحدَّثُ صاحبُ الكتاب عن "خوارق الولد المبروك". ° ويقول عن أمِّ المؤمنين خديجة ﵂: "أطعَمَتْه الخَمير، فصار لها عاشقًا، وكيف لا يفعلُ وهي قد نَقَلَتْه نَقلةً لم يَحلُمْ بها مجرَّدَ حُلمٍ، من عَسِيفٍ "أي: أجير" يَكدحُ من مكةَ إلى حُباشة، ومن قريةِ القَدَاسة "أي: مكة" إلى الشام". ° "فقد ذاق "محمد" الحرمانَ، وكابَدَ المَسْغَبَه، وكواه الفَقر، فلا

стр. 1181

يَسكُنُ رَوعُه، ويهدأُ بالُه، ويُطَمْئِنُ نفسَه، ويُريحُ خاطَره سوى أن يوضعَ المالُ جميعُه بين يديه". وهي جُرأةٌ وصَفاقة -كما يقول المؤلف- في حقِّ الرسولِ الأعظمِ لاطمئنانه أن مَن يُهينُهم من المسلمين لا يغضبون بعد أن فَقَدوا كلَّ نَخْوة. ° ثم يَمتهنُ أسمى علاقةٍ زوجيةٍ في تاريخِ البشر، بلغةٍ قذرةٍ قائلاً: "الذي تَرجَّح أنه رأى الرسولَ في البداية عَصْلَج (عن التقدم لخطبة خديجة)، وامتَنَع واحتَجَّ .. إلخ ولكنَّ الطاهرةَ -أي: خديجة- بما لها من كَيْسٍ وفَطانةٍ ولباقةٍ وتَجرِبةٍ في معالجةٍ البُعول، استطاعت أن تَثنِيَه عن موقفِه، وتأخذَ منه صَكَّ القبول، وشارةَ الرِّضا، وعلامةَ الوفاق". ° ويتَّهمُ الرسولَ ﷺ بأنه جاهلٌ، وليس أكثرَ من بائعٍ يشتغلُ بأجرٍ قليلٍ عند إحدى مُعلِّمات السوق الكبار قائلاً: "الذي حاز الثقافةَ الدينيةَ آنذاك -أي: في مكةَ عشيَّةَ البَعثةِ النبوية المشرَّفة-، أهمُّ نَفَرٍ من النُّخبةِ القُرَشية، أما الآخرون، وهم العامةُ الذين يَكِدُّون في سبيلِ لُقمة عيش، فلا يُفكِّرون فيها مُجرَّدَ تفكير؛ إذ هي بالنسبة إليهم تَرَفٌ لا يَقِدرون عليه، ونحن إذا نَظَرْنا إلى الأمرِ نظرةً عقلانيةً مجردةً، لا بدَّ أن نتساءل: أنَّى لفتًى صغيرٍ خَرَج بالكاد من مرحلةِ الطفولة واشتَغَل برعْي الغنم، ثم بعد أن شَبَّ قليلاً عَمِل أجيرًا، أنَّى له أن يَحوزَ ثقافةً دينيةً أو ثقافةً من أيِّ أنوع؟ ". ° وتتحوَّلُ خديجةُ أمُّ المؤمنين على يدِ الكاتبِ اللئيم إلى "مُخرِجةِ أفلام"، كما يتحوَّل أبو بكر إلى "كومبارس" في فيلم "تصنيع" النبي، الذي سيَضربُ الدنيا ويَقلِبُها رأسًا على عَقِب: "فردٌ واحدٌ من غيرِ هؤلاء -أي:

стр. 1182

غيرِ ورقة وبحيرَا وعَدَّاس وسرجيوس - أَسندت إليه "هندوز" التجربة -يقصد خديجة- دورًا صغيرًا، حقيقةَ أنه لا يعدو ما يؤدِّيه كومبارس في شريطٍ سينمائي، بَيْدَ أنه بكلِّ المقاييس يُعَدُّ مشاركةً، ولو أنها عَجفاءُ هزيلةٌ ضامرةٌ ناحِلةٌ، والفردُ الذي نَعنيه هو أبو بكر بن أبي قحافة". * افتراءاتٌ على أمِّ المؤمنين خديجة والصحابة: ° ويقول المؤلِّف: "إن فكرةَ الكتاب تقومُ على أن ورقةَ بنَ نوفل وخديجةَ بنتَ خُويلد، قد التقطا محمدًا مِن بين أهل مكةَ ليُثقِّفاه، "ويُصنْفِراه ويُقَلْوِظاه ويُلَمِّعاه" -كما يقول المبشِّر الذي وراءه- كي يصنعا منه نبيًّا؛ إذ شاع وقتَها بين العربِ وأهلِ الكتاب أن هناك نبيًّا قادمًا، فأخذ الجميعُ ينتظرونه، لكنَّ ورقةَ وخديجةَ سَبَقا الباحِثِين، فاختارا محمدًا لِمَا سَمِعاه من الكراماتِ التي كان يقال: إنها تحدُثُ له منذُ أنْ كان في بَطنِ أُمِّه وأخضَعاه لبرنامجٍ تدريبيٍّ قاسٍ يتلخَّصُ في أنْ تَقرأَ له خديجةُ ما يُترجِمُه ابنُ عمِّها ورقةُ من الإِنجيل وتشرحُه له، وتَطلُبُ منه أن يُحفِّظَه، ثم يُعيدَ تسميعَه، بالإِضافة إلى تفريغِها إياه من همِّ السَّعيِ وراءَ المَعاش بوَضعِ كلِّ ما تَملِكُ من ثَرَواتٍ طائلةٍ بين يديه يفعلُ به ما يشاءُ، مع دَفعهِ إلى غَشَيانِ الأسواق والتجمُّعاتِ التي يَرتادُها الرهبانُ والمبشِّرون من كلٍّ دينٍ كي يحتكَّ بهم، ويتعلمَ منهم ما ينفعُه مستقبَلاً في الوظيفةِ التي تُعدُّه لها هي وابنُ عمِّها إعدادًا". ° وهو يؤكِّدُ أن "ورقة" كان قَسًّا لكنيسةِ مكةَ وما يجاورُها، وكان كثير من أفرادِ قبيلةِ بني أسدٍ نَصَارى، ومنهم خديجة ﵂. ° ثم يمضي قائلاً: "إنهما قد انتقلا بمحمدٍ بعد ذلك إلى مرحلةٍ

стр. 1183

أخرى، هي مرحلةُ الوِحدةِ والابتعادِ عن الناس بالتحنُّثِ في "غار حراء"، وشَجَّعه بكل ما يساعدُه على أن يَرى في منامِه الرؤى التي يَنبغي أن تحدُثَ للقادمِ المنتظَر، حتى وقعت الواقعةُ فعلاً، ورأى منامَ الغارِ الذي خَيَّل إليه أنه هو النبيُّ الموعود، فعندئذٍ أَعلنت خديجةُ للعرب -وهي في غاية السعادة بنجاحها هذا الذي لم تكن تتوقَّع رغم ذلك أن يكون بذلك الشكل الباهرِ- أنهم هم أيضًا قد أصبح لهم نبيٌّ كأهل الكتاب". ° ويقول المؤلف: "إن الكاتبَ يُردِّدُ في غرورٍ وانتفاخٍ وتَعالٍ أنَّ دراستَه هي دراسةٌ جديدة تمامَ الجِدَّة، رغمَ أن هذه الأفكارَ -وغيرُها كثيرٌ- مأخوذةٌ من كتابٍ صَدَر في العام ١٩٧٩ م في لبنان بعنوان "قس ونبي" لمن سَمَّى نفسه على غلاف الكتاب "أبو موسى الحريري"، والواضحُ أنه نَصراني، وإن كان من غيرِ المعروف هل هو لُبنانيٌّ أصيل، أم من المبشِّرين الذين يَعيشون في لبنان أو يتردَّدون عليه. * ورقة بن نوفل ليس قسًّا: أبو موسى الحريري هذا يؤكِّدُ أن الوجودَ النصرانيَّ في مكة -بل في الحجاز كلِّه- قُبيلَ البعثةِ النبويةِ كان كبيرًا، وأن ورقةَ بن نوفل كان قَسًّا لقريش في كنيسةِ مكة، وأنه هو الذي عَقَد قِرانَ النبيِّ ﷺ على خديجة ﵂، وألقى خُطبةَ النِّكاحِ بوَصفِه كاهنًا يقوم بطُقوسِ الزواجِ النصرانية، لا بوَصفِه مجردَ قريبٍ للعروس، وأنَّ خديجةَ كانت أنَذَاك على دينِ النصرانية، وكذلك محمد ﵇، وأن ورقةَ هو الذي دَرَّبه على التأمُّلِ الرُّوحيِّ والصلاةِ في "غارِ حراء"، وتولَّى إعلانَ نبوَّتهِ على العرب، فالقَسُّ ورقة هو الذي نَقل كلمةَ "الله" من العِبرية إلى العربية، والنبيُّ قام بتبليغِها

стр. 1184

إلى قومِه بالعربية، وأن القَسَّ الأستاذ رَغْمَ هذا كان حريصًا على التوارِي في الظلِّ خَلْفَ تلميذه، وأنَّ النبيَّ التلميذَ قد تَفوَّقَ على أستاذه، وعَمِل على أن تَجِئَ رسالتُه مناسبةً لظروفِ البيئة والمجتمع، وأنه ليس هناك في الحقيقة وَحْيٌ سَماوِيٌّ، بل مجردُ تلقينٍ بَشَريٍّ من القَسِّ للنبي، وأنَّ واقعة "غارٍ حراء" لم تكن إلَّا رؤيا في المنام لا حقيقةَ لها في الواقع، وأنَّ الوحيَ قد فَتَر مُدَّةً بعدَ وفاةِ ورقةَ، بما يدلُّ على أنه هو مَهدُ الوَحيِ لا السماءُ ولا جبريل، وأنه إلى جانبِ ورقةَ كان هناك خديجةُ وبَحيرا وأبو بكر. كما أن الرهبانَ المذكورِين في كتاب "قَس ونبي" بصِفَتِهم أصحابَ دَورٍ مؤثِّرٍ في حياةِ محمدٍ هم هم الذين ذكرهم صاحب كتاب "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" كقَسِّ بن ساعِدة وبَحيرا وعَدَّاسٍ وغيرهم، والشيءُ الوحيد الذي يمكنُ أن يميِّزَ بين الكتابَينِ هو أنَّ الأخيرَ يُعطِي لخديجةَ دَورًا أكبرَ في توجيهِ محمدٍ وإعداده وتصنيعِه أكبرَ ممَّا يُعطيه إياها الكتابُ الأول، وبالمناسبة فكِلا الكاتبَينِ يؤكًّد أن ما أتى به هو شيءٌ جديد لم يَسبِقْه إليه سابق، وإن كان الحريريُّ يقول ذلك دون طَنطنةٍ أو ثرثرة. * تشكيك وبراهين: ويُشكِّكُ الكاتبُ في أن "خليل عبد الكريم" هو الذي ألَّف هذا الكتابَ على اعتبارِ أن ما فيه يَتشابهُ مع كتاب "قس ونبي"، مع اختلافِ بعضِ التفاصيل هنا وهناك، مما لا يؤثِّرُ في فِكرةِ الكتابين الرئيسية، ممَّا يَعني أن هناك جِهةً واحدةً وتبشيريةً فرنسيةً -حَسْبَ ما يرى المؤلف- وراءَ هذن الكتابين، وَزَّعَتِ الأدوار، بحيث يَبدُوانِ وكأنهما من تأليف شَخصين مختلفينِ يحاوِلانِ أن يُدخلَا في رُوعِ القارئِ المسلمِ أن محمدًا ما هو إلَّا

стр. 1185

صنَيعةَ أيدٍ بشريةٍ نصرانية، وأنه لم يأتِ بأيِّ شيءٍ جديد، ولا علاقةَ له بالسماءِ ولا بالوحي الإلهي. ° وممَّا يَجعلُ المؤلِّفَ يستبعدُ تأليفَ "خليل عبد الكريم" للكتاب: "ما فيه من مصطلحاتٍ غريبةٍ لا تعرفُها العقليةُ التي تربَّت في جوٍّ إسلاميٍّ مثل: تسمية أنبياء بني إسرائيل بالبطاركة أو بمرادفها العِبري "الآباء الأولين" وتسميتِه إبراهيمَ ويحيى ﵉ بـ "إبراهام ويوحنا"، ومثل ذلك اسم "ملاك الرب" الذي تردَّد كثيرًا في الكتاب، وهو مُصطلحٌ نصرانيٌّ لا يمكن أن تخطئَه العينُ ولا الأُذُن، كما ينحازُ الكتابُ دون أدنى داعٍ إلى "صَفِيَّةَ" ضدَّ "عائشة"، رافعًا الأولى وقومَها اليهود إلى عَنانِ السماء، ولامزًا الثانيةَ لمزًا يظنُّ أنه يسيء إليها، وُيحقِّرُ من شأنِها هي وأبيها. ° ومِن الأدلة التي يَسوقُها أيضًا أن الكتاب يُكرِّرُ الاستشهادَ بالكتاب المُقدَّس في مسائِل الرؤى الدينيةِ والوحي باعتبارِه الفَيصلَ في الموضوع، والقولُ بأنَّ خَلْوةَ محمدٍ في "غارِ حراء" هي تقليدٌ يهوديٌّ نصرانيٌّ أخذَه ﵇ عن خديجةَ عن ورقةَ عن التوراة والإنجيل، وكذلك اختصارُ اسم "سفر إشعياء" مثلاً إلى "إش" على عادةِ أهلِ الكتاب، بخلافِ المسلمين الذين يَذكرون الاسمَ في هذه الحالةِ كاملاً، كذلك تَحسَّر الكتابُ على دخولِ الإِسلام مصرَ وتسميته فتحَ عمرو بن العاص لمصر "استعمارًا عربيًّا استيطانيًّا أتت في ركابه قبائلُ كثيرةٌ دَهَسَت صعيدَ مصر المحروسة". ° ومن أوجُهِ المشابَهاتِ بين الكتابَينِ تفسيرُهما الخاطئُ للآياتِ القرآنية، فنَرى المسمَّى "بأبي موسى الحريري" يُفسِّرُ قوله تعالى في سورة "الأحزاب": ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ

стр. 1186

وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] بالقول: "إن المراد بـ "الأحزاب"، فِرَقُ النصارى التي تتصارع فيما بينها حولَ طبيعةِ المسيح وصَلْبِه"، وما إلى ذلك .. مع أن الآيةَ الكريمةَ إنما تتحدَّثُ عن أحزابِ المشرِكين الذين تجمَّعوا من كلِّ صوبٍ لمحاربةِ النبيِّ والمسلمين في غزوة "الخندق". ° وبالمِثلِ يَشرحُ قولَه تعالى في سورة "المائدة": ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] بأن الخِطابَ فيه موجَّهٌ إلى المسلمين، وأن القرآنَ يُطالبُهم بالعملِ بالتوراةِ والإِنجيلِ والقرآنِ جميعًا، لا بالقرآنِ وحده، وقام باقتطاع عبارة ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، التي تدلُّ دِلالةً قاطعةً على أنَّ الحديثَ موجَّهٌ لليهود والنصارى لا للمسلمين. وعلى نفسِ النهج يتناولُ قولَه تعالى في الآيات التالية: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، و ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]، قائلاً: "إنها تتحدَّثُ عن رُهبانِ النصارى وقِسِّيسيهِم"، مع أنه لا صِلةَ بينها وبين الرهبان والقِسِّيسين على أيِّ نحوٍ من الأنحاء؛ إذ إنها تتحدَّثُ عن اتباع محمد ﷺ . ثم إن كتاب خليل عبد الكريم يَستعملُ أسماءً غريبةً بدلاً من لَقَب "النبوة" أو "الرسالة" بطريقةٍ تَنُمُّ عن استهزاءٍ مثل: "الخاشع، والخاضع، والمسعود، وآكل الشعير، والمعطى الوسيلة، وسعد الخلائق، والبهيِّ، والخالص، وراكب الأتان، وصاحب النعلين … " إلخ.

стр. 1187

* هجومٌ أعمى تحت عَباءة إِسلامية: ويَرى المؤلِّفُ أن حَمْلَ كتابٍ يُهاجِمُ دينَنا اسمَ مؤلِّفٍ إسلاميٍّ أقربُ أن يكونَ له تأثيرٌ أقوى في نفوسِ القُرَّاء المسلمين، والجميعُ يعرفُ قِصةَ الرسالة التي حَصَل بها "منصور فهمي" على درجةِ الدكتوراة في أوائلِ القرن العشرين مِن فرنسا، والتي صَوَّب فيها سِهامَ الاتهام الحَمْقاءَ إلى الإِسلام ورسوله ﷺ ، ثم تبرَّأ ممَّا جاء فيها، وعاد إلى دِينِه، هذه الرسالةُ قام بطبعها وكتابتها بعضُ المستشرقين في هولندا، وأخذوا فهمي إلى هناك، واقتَصَر دَورُه على قبولِ وضعِ اسمِه عليها، حتى تَرُوجَ بين المسلمين ويكونَ أثرُها أعنفَ. كذلك أورد د. "محمد سيد أحمد المسير" حالةً أخرى، وهي كتاب: "لماذا القرآن؟ " الذي صَدَر في ليبيا لمؤلِّفٍ يُدعى د. "عبد الله الخليفة"، وكتاب: "قراءة في صحيح البخاري " لمؤلِّف يدعى د. "أحمد صبحي"، فهما كتابانِ متشابهانِ تشابهًا ضخمًا، بل يكادانِ يتطابقانِ، ومع ذلك فقد صَدَر كلٌّ منهما في بلدٍ مختلفٍ والمؤلِّفٍ مختلف. ويَسعى المؤلِّفُ إلى كشفِ بعضِ التناقضاتِ في كتاب "فترة التكوين"، فيلاحِظُ أن كتاب: "شدُّوا الربابةَ بأحوال مجتمع الصحابة - محمد والصحابة"، الذي يحملُ اسمَ خليل عبد الكريم أيضًا، يتَّهمُ الرسولَ ﷺ بأنه كان يَحرِصُ على الاطلاعِ على الكَنزِ المَعرِفيِّ الدينيِّ الثمين، الذي كان في جُعْبةِ سلمانَ الفارسيِّ ليستعينَ به في صناعة القرآن، متسائِلاً: لماذا يحرصُ النبيُّ على ذلك إذا كان ورقةُ وخديجةُ -حَسْبَما جاء في كتاب "فترة

стр. 1188

التكوين"- ظلَّا يُعلِّمانِه ويَقرآنِ عليه الكُتبَ الدينية، ويَشرحانِها له، وَيستعيدانِه ما سَمعَ نحوَ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا إلى أن تأكَّد لها أنه قد تمَّت -كما يقول الكتاب- بَرْمَجَتُه بما لَقَّنَّاه إياه، حتى صارَ لا يَخرِمُ منه شيئًا بسبب ذاكرتِه الحديديةِ التي لم يكن يُفِلتُ منها شيء. وفي الصفحة (١٩) نراه يؤكِّدُ أن تَجربةَ تصنيعِ النبي التي قامت بها خديجةُ وورقةُ لا تَنفِي جانبَها الغَيبي؛ إذ لا تعارُضَ بين الأمرَينِ، لكنه بعدَ قليلٍ يَبني أن الإيمانَ بالخوارقِ والمعجزاتِ التي يُسمِّيها "مخاريقَ وشعبذات"، وهي تَسميةٌ لها دلالتُها المفضوحةُ التي لا تَخفَى على أحدٍ، وهو جُزءٌ من ثقافةِ البيئةِ العربيةِ المتخلِّفة. وزاد فنَفَى في الصفحة (١٨٥) أن تكون حادثةُ "الغار" من الخوارق، بل هي نتيجةُ المجهودِ البشريِّ الذي قام به الاثنان. ° والكتابُ يُكرِّرُ أن ورقةَ وخديجةَ قد تعاوَنا إلى أقصى مَدًى بهَدفِ تثقيفِ محمدٍ وقَلْوَظَتِه وصَنْفَرَتهِ وتَلْميعه -كما يقول-، فكيف يتمُّ ذلك إذا كان الكتابُ نفسُه يَذكرُ أن ورقةَ أراد قبلَ ذلك أن يتزوَّجَ خديجة، لكنه لم يوفَّق؛ لأن أخته حاولت أن يعاشِرَها عبد الله -والدُ الرسول ﵇ كيما ينتقلَ إليها النورُ المقدَّس، الذي كان في وجهه، فصَدَّها وذَهَب إلى آمِنة زوجته، فعاشَرَها، فحَمَلت منه بالقادم المنتظَر (ص ٣٦)، فكيف يمكنُ أن يَنسَى ورقةُ هذا كلَّه، ويَمُدُّ يدَ التعاونِ إلى خديجةَ ليصنعَ من محمدٍ نبيًّا، رَغمَ أنه نال هو وأختُه على يدِه ويدِ أبيه الهزيمةَ المُذِلَّة؟!. ° وفي مواضعَ عديدةٍ من الكتاب (ص ٣٩، ٤١، ٤٢، ٥١، ٥٢،

стр. 1189

٦٤، ٦٦، ٣١٠)، يقول: "إن خديجة قد جَفَّ رِيقُها وداخت السَّبْعَ دُوخات، حتى وافق إمامُ الأوَّلين والآخِرِين على خِطبتها، وظَلَّت تُحاصرُه إلى أن سَلَّم لها، ورَفَع الرايةَ البيضاءَ بعدَه لمصلحةٍ منه شديدة". ° ثم نراه في موضعٍ آخَرَ يُعدِّدُ الفوارقَ التي تُميِّزُ خديجةَ على محمدٍ في الحَسَبِ والمالِ والخبرةِ والثقافة، ثم يَختمُ قائلاً: "إنَّ محمدًا لم يكن يُصدِّقُ أن خديجةَ ترضَى بالزواج منه" (ص ٢٨٩). فبأيِّ الكلامَين نأخذ؟ حسبُنا اللهُ ونعم الوكيل. ويَمضي المؤلِّفُ مع مخازِي الكتابِ الأخرى متسائلاً عن فِكرته الأساسية: إذا كانت خديجةُ تؤمنُ بأن هناك نبيًّا قادمًا، فكيف يَخطُرُ في ذهنِها -مجردَ خُطورٍ- أن تقومَ هي بتعليمِه وتدريبِه وتثقيفِه وتوجيهِه، أو حَسْبَ لُغتِه "صَنْفَرَتِه وقَلْوَظَتِه وتلميعِه"؟ كيف يا تُرى لبَشَرٍ عاديٍّ أن يصنعَ نبيًّا؟ وحتى لو جارَينْاه، فهل تَستغرقُ هذه العمليةُ خمسةَ عشَرَ عامًا؟. إن المقصودَ بالتثقيف هنا هو قراءةُ التوراةِ والإنجيل، وشرحُهما له، فما الذي فيهما مما يمكنُ أن يستغرقَ شرحُه وفَهمُه خمسَةَ عَشَر عامًا؟ ولماذا أرادت خديجةُ أصلاً أن تصنعَ نبيًّا ما دام الأمرُ كلُّه تدبيرًا بشريًّا؟ وأيُّ تدبير؟ تدبيرٌ هو إلى التآمُرِ أقربُ منه إلى استقامةِ الخُلُقِ والضمير. ° ويقول الكتاب: إن مكةَ بها أبرشية، وتَعُجُّ بالنصارى، ولم يُورِدْ أيَّ مُصدرٍ لهذا الكلام، وَيردُّ عليه المؤلِّفُ بالقول: إنَّ دائرةَ المعارِفِ الإِسلاميةِ لم تَذكرْ أن مكةَ كان بها كنيسة، كما أن المبشِّرَ "بلابنس" يقول في كتابه: (Islam Croyances) " إن النصارى المكيِّين كانوا حِفنةً ضئيلةً".

стр. 1190

فما معنى هذه الطنطنةِ بأن كثيرين من بَنِي أسدٍ كانوا نصارى؟. إنَّ الروايات لا تَذكرُ لنا منهم سوى اثنينِ، هما ورقة، وابن عمِّه عثمانُ بن الحُويرث، الذي ذَهَب إلى قيصر، واقتَرح عليه أن يُولِّيَه مكةَ، ففعل، فلما عاد ودعا قومَه إلى النصرانية هَبُّوا في وجهِه على بَكرةِ أبيهم، وطَرَدوه شرَّ طَرْدة، مما يدلُّ على أن هذه الديانةَ لم يكن لها أيُّ أتباعٍ تقريبًا في مكة. ° ويَدَّعي الكتابُ أن خديجةَ ﵂ كانت نصرانية، ولم ترضَ أن يتزوَّج عليها النبيُّ ﷺ ، وتخيَّل حِوارًا بين خديجةَ ﵂ والرسولِ الأكرمِ ﷺ تقول فيه: "إنَّ ثقافتَنَا الدينيةَ تَحظُره حَظْرًا باتًّا، وماذا يقول بَحِيرَا وورقةُ وعَدَّاس، وناضحٌ ومَيسرة عنِّي؟ " سيقولون: إن ملفِّقَ هذا الكلامِ مُبشِّرٌ رَقيع، وسيقولون: إن لجدِّ خديجةَ وأبيها وأعمامِها -نوفل وحبيب والمطلب- وأخيها العوَّامِ أكثرَ من زوجة، بل إن أخاها العوَّامَ قد خَلَف أباه على إحدى زوجاته. وإذا كانت خديجةُ هي التي صَنعت من محمد نبيًّا، فما العملُ إذا قلنا له: إنَّ عددًا من إخوةِ خديجةَ قد تأخَّروا في الإيمانِ بنبوَّةِ محمدٍ وحاربوه، بل إن بعضَهم مات وهو كافرٌ به؟ ومع هذا لم نَسمع أيًّا منهم يَرفعُ في وجهه ﷺ هذا السلاحَ؟ لماذا لم يُعايِرْه أحدٌ منهم بأن أختَهم هي التي صَنْفَرَتْه وقَلْوَظَته؟. * مقتطفات من الكتاب: ° "إن مرجعيَّته دينيةٌ ذاتُ مَقامٍ محمود، ورُتبةٍ عالية، ودرجةٍ رفيعة

стр. 1191

لدى خديجة، أشارت عليها بأنَّ هذا الفتى هو المأمول، وأنه حَتمٌ لازمٌ أن تُباعِلَه لكي تبدأَ معه تَجربةَ التأهيلِ والإعدادِ والتصنيعِ والتحضيرِ والصَّقْلِ والتهيئةِ الضرورية، كيما يَنتقلُ مِن فتًى قُرشيٍّ هاشميٍّ إلى القادم المنتظر" (ص ٣٨). ° "كان الأسى المريرُ على فَقدِ خديجةَ أمرٌ بديهي؛ لأنها الأمُّ الرؤومُ، والوالدةُ الحنون، والزوجةُ الحبيبة التي آزَرَتْه، والتي لولاها لَمَا أكمَلَ التجربةَ حتى نهايتها، وهي التي فَتحت له خزائنَها يَغرِفُ منها كيفما يشاء، وهي التي أتاحت له التماسَّ بالقَسِّ "ورقة" وغيره، مثل: "عداس وبحيرا"، وقضاءِ الليالي الطِّوال مع ابنِ نَوفل في المُدارسةِ والمذاكرة والمحاورة" (ص ٩٥). ° "ولم يَقتصر اعتناقُ بَني أسدٍ للنصرانيةِ على الرجال فقط، بل تعدَّاهم إلى النِّسون، فهناك ثالثٌ أو ثالثةٌ أبناءُ عمِّ الطاهرة الذين يَتنصَّرون وهي قُتيلة أو أُمُّ قتال، وقيل: فاطمة بنت نوفل، أي: أخت ورقة، وهي واحدةٌ من المرأتين اللتين تعرَّضتا لأبي محمدٍ عبدِ الله بنِ عبد المطلب، وهو في طريقه مع أبيه كيما ينكحُ آمنةَ، بعد أن رأتا بين عينيه نورَ النبوة، وله مئةٌ من الإبل" (ص ١١٧). ° "والخلاصة أن الحَلْقةَ الكتابيةَ الخارجيةَ التي رَبطت خديجةُ حَبْلَها بها، وتَشكَّلت من القَسِّ "ورقة" والراهب "عدَّاس" والراهب "سرجيوس"، ومُقدَّمُها الراهب "بحيرا"، قد وَصَلت إلى درجةٍ رفيعةٍ من العِلم بالكتاب، وهذا أمرٌ له دلالة، وهو أن الطاهرةَ شدَّتها صِلةٌ وثيقةٌ، وعلاقةٌ حميمةٌ، وأصِرةٌ متينةٌ برؤوسِ أهلِ الكتاب في مكة والحجاز، وإلَّا لَمَا نَجحت في

стр. 1192

إنجازِ التجربة الفذَّة" (ص ١٤٣). ° "ابنةُ أبي بكر تلميذةٌ وتابعةٌ ومتلقِّيةٌ، أمَّا سيدةُ نساءِ الدنيا فهي الأمُّ الرؤوم، وهندوز التجربة التي خرج منها "صاحبُ المَغنم" من الفتَى الهاشميِّ الذي طال التشوُّقُ إليه، والذي رَدَّ الاعتبارَ إلى العرب، وصار لهم حاملَ كتابٍ مثل "موسى" بالنسبة لليهود، و"عيسى" عند النصارى، ابنةُ أبي بكر طَفِقَتْ تُناديه بصفةٍ مستمرة: "يا رسول الله"، أما سيِّدةُ نِسوانِ قريش، فلمَّا توجِّهُ إليه خِطابًا تقول: "يا أبا القاسم"، أو "يا محمد"، هي التي تُوجِّهُ وتَطلُبُ إليه، وتُشيرُ عليه، بينما ابنةُ أبي بكر، فعلى العكسِ، هي التي تُلبِّي وتُطيع وتأتمرُ بأمرِه، وتُنفِّذُ وتَسمعُ … إلخ، وهو الفَرقُ الواضحُ الذي لا يَحتاجُ إلى زكانةٍ لمعرفته أو حتى إلى لَمسِه باليدِ بين خطابِ الهندوز واستجابةِ التلميذة" (ص ١٥٤). ° "ووَلَجْنا بوابة التصديق (للمعجزات) لا من بوابةِ المعقولية ومَدخلِ المنطقيَّة، ولكن من طريقِ اتفاقِ المعجزات مع المستوى الحضاريِّ والثقافيِّ والمعرفيِّ والعِلميِّ والإدراكيِّ، ومطابقتِها لخصائصِ مجتمعِهم وبيئتِهم ووسطِهم وتفكيرِهم، مِن هذه المناظيرِ تصبِحُ صحيحةً، بل ونُصدِّقُهم، ونَفهمُ عِلَّةَ تصديقِهم إيَّاها أو قبولِها ممَّن يتفوَّهُ بها، لماذا؟ لأننا قِسناها بمقاييسهم، ووَزَنَّاها بموازينِهم، وكِلناها بمكاييلهم، ونَظَرنا إليها بعيونهم، وعايرْناها بمعاييرهم" (ص ٢٦٠). ° "مِن الأسباب القويَّةِ التي حالت دُون زواجِ محمدٍ بزوجةٍ أخرى على الطاهرة، هو أنَّ "الثقافةَ الدينيةَ" التي هَيمنت على بَنِي أسدٍ رَهطِ أمِّ هندٍ تُحرِّمُ الجَمْعَ يين بَعْلَتَينِ، كما أنها تُحرِّمُ الطلاق؛ لأن ما رَبَطه الربُّ لا

стр. 1193

يَفُكُّه العبد، هذا المَلْحَظُ البالغُ الأهميةُ غاب عن فَطانةِ كلِّ مَن زَبَرَ "نَسَخ" سُطورًا في السيرة المحمدية المِعطار، سواءٌ من القُدامى والمُحدَثين من العرب والأعاجم والفرنج" (ص ٢٧٨ - ٢٧٩). ° "ومن ناحيةٍ أخرى فقد ذاق الحِرمانَ، وكابَدَ المَسْغَبة، وكَوَاهُ الفَقر، فلا يَسكنُ رَوعُه مِن هذا الجانب، ويُهدِّئُ بالَه، ويُطَمْئِنُ نفسَه، ويُرِيحُ خاطِرَه سوى أن يوضَعَ المالُ جميعُه بين يديه، ومن ناحيةٍ ثالثةٍ بهدفِ أن يُحكِمَ قبضةَ رِعايتها، وتشدَّ وَثاقَ عنايتِها له، وتُضاعِفَ من لَحظِها إياه، وجُمَّاعُ ذَيَّاكَ كلِّه يؤدِّي إلى سُهولةِ المطاوعة، وُيسرِ المهاوَدة، وسَلَسِ المُوافقة، ممَّا يُوصِّلُ في نهايةِ الأمرِ إلى نجاحِ التجربة" (ص ٣٠٩). ° "في ليالي مكةَ الطويلة، تُشمِّرُ أمُّ هندٍ عن ساعدها، وتجلسُ إلى ابنها وزوجِها "الأمين"، تقرأُ على مَهَلٍ، وتُطالعُ له بتؤُدةٍ صفحاتٍ من تلك الأبعاضِ والإِصحاحات، وتَشرحُها له بَقدْرِ ما تتَّسعُ ثقافتُها الدينيةُ التي حَصَّلَتْها، كلُّ هذا مع استمرارِه في المَشي في الأسواقِ والسماع والمُحاورَة؛ لأنَّ هذه شعيرةٌ أساسيةٌ قَنواتُها متباينةٌ ودائمةُ الفَيض، وإذا أُشكِلَ عليها أمرٌ، أو التَبَس عليها شأنٌ، أو أعجَزَتْها مسألةٌ هَرَعت إلى اليعسوب "ورقة" تستوضحُه ليفسِّرَ لها ما أُبهِم، وُيبيِّنَ لها ما غَمُض، وَيشرحَ ما خَفِيَ. في تلك المدرسةِ أعطى اليعسوبُ خلاصةَ عِلمِه، وحَشاشةَ معارِفِه، وزُبْدَةَ تحصيلِه إلى "المعصوم" بحضورِ الطاهرة، وخديجة تُنصِتُ وتُلاحِظُ وتُشجِّعُ "بطل التجربة" على مَزيدٍ من التدقيق، ومضاعفةِ التمحيصِ، والإِكثارِ من المراجعة؛ لأنها لم تَكتفِ بإسْداءِ الفَضل الماديِّ (وهو إعفاؤه من لجري وراءَ لُقمةِ العَيش، وإطعامُه الخَمير، وإلباسُه الحرير)، بل

стр. 1194

أضافت إليه جَميلاً معنويًّا يَبُزُّه ويفوقه" (ص ٣٣٠). ° "تأثَّر محمدٌ تأثرًا عميقًا إذن بما قُرئ عليه بمعرفة الطاهرة من الإصحاحاتِ والأبعاض، التي ترجمها "ورقةُ" إلى اللغة العربية، وما حَصَّله قَبلَها وهو يَجُوبُ الأسواقَ من قَصَصِ أنبياءِ بني إسرائيل والرائين (جمع راءٍ من رؤيا)، وما يَسمعونه من أصواتٍ مثل: إشعيا وعاموس" (ص ٣٥٦). ° "إعلان نجاحِ التجربةِ العُظمى، وبوقوعها حُقَّ لخديجةَ أن تخاطِبَ أهلَ مكةَ بأعلى صوتها: ها هو القادمُ المأمولُ الذي طال انتظارُكم له، وكذا سائرُ عَرَب الجزيرة لتُفاخِروا به اليهودَ، ولتنافِروا به النصارى؛ إذ لم يَعُدْ لأيٍّ منهما فضلٌ عليكم، وسوف يَرفعُ بيمينه كتابًا مِثلَ كُتُبِهم، وستَرَونه رائعًا" (ص ٣٦٨). ° "والذي نَدرِيه -على وجهِ التحقيق- أنه لا يَغُضُّ من قَدْرِ "الأطيب" أن يأتيَ لقاؤه بجبريل أو ملاك الرب أو الشيء .. إلخ في المنام، وأنه مجرد رؤيا؛ لأن إبراهيمَ أبا الأنبياء رأى مع المنام أنه يَذبحُ ابنَه، ويوسُفُ الجميل المليحُ الذي استأثر بشَطرِ الحسن -وتَرك لسائِرِ البشرِ ذكورًا وإناثًا منذ زمانِه حتى الآن الشطرَ الآخر- رأى عِدَّةَ أحلامٍ نصَّ عليها القرآنُ المجيد، فَضلاً عن أنَّ عددًا من أنبياء بني إسرائيلَ رأى رُؤًى، بل مِن بين هؤلاءِ مَن أَخَذ يُصرِّحُ بأن كلامَ الربِّ الذي يَنقُلُه إلى بني إسرائيل إنما جاء وحيًا مناميًّا، إذن لو دَرَس أولئك الكُتَّابُ المعاصِرون ورجالُ مؤسَّسةِ شؤون التقديسِ نُتَفًا في عِلمِ الأديان المقارَن، أو طَرَفًا من تاريخِ الأديان لَفَقُهوا أنَّ بُدُوَّ المَلاك جبرائيل "إلهي" وهو نَعسانُ في "مغارة حِرى"، أمرٌ لا غُبارَ عليه، ولا يَهبطُ

стр. 1195

بُوصةً واحدةً بمقامِهِ العالي ودرجتِه الرفيعة" (٣٨٩ - ٣٩١) (١). في ذِمَّةِ العلماءِ هذا كُلُّه … إن كان فيما بينَنَا علماءُ • قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى لا يَقبِضُ العلمَ انتزاعًا يَنتزِعُه من العِباد، ولكنْ يَقبضُ العلمَ بقَبضِ العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا، اتَّخَذَ الناسُ رؤساء جُهَّالاً، فسُئِلوا، فأفَتوا بغيرِ علمٍ، فضَلُّوا وأضلُّوا" (٢). • وقال ﷺ : "إنَّ اللهَ لا يَنزِعُ العِلمَ منكم بعد ما أعطاكموه انتزاعًا، ولكن يَقبِضُ العلماء بعِلمهم، ويَبقى جُهَّالٌ، فيُسألون، فيُفتُون، فيَضِلُّون ويُضِلُّون" (٣). ° وعن ابن مسعود ﵁: "قُرَّاؤُكم يَذهبون، ويتَّخذُ الناسُ رُؤساءَ جُهَّالاً يَقِيسون الأمورَ برأيهم".
следующие страницы →