لدى خديجة، أشارت عليها بأنَّ هذا الفتى هو المأمول، وأنه حَتمٌ لازمٌ أن تُباعِلَه لكي تبدأَ معه تَجربةَ التأهيلِ والإعدادِ والتصنيعِ والتحضيرِ والصَّقْلِ والتهيئةِ الضرورية، كيما يَنتقلُ مِن فتًى قُرشيٍّ هاشميٍّ إلى القادم المنتظر" (ص ٣٨).
° "كان الأسى المريرُ على فَقدِ خديجةَ أمرٌ بديهي؛ لأنها الأمُّ الرؤومُ، والوالدةُ الحنون، والزوجةُ الحبيبة التي آزَرَتْه، والتي لولاها لَمَا أكمَلَ التجربةَ حتى نهايتها، وهي التي فَتحت له خزائنَها يَغرِفُ منها كيفما يشاء، وهي التي أتاحت له التماسَّ بالقَسِّ "ورقة" وغيره، مثل: "عداس وبحيرا"، وقضاءِ الليالي الطِّوال مع ابنِ نَوفل في المُدارسةِ والمذاكرة والمحاورة" (ص ٩٥).
° "ولم يَقتصر اعتناقُ بَني أسدٍ للنصرانيةِ على الرجال فقط، بل تعدَّاهم إلى النِّسون، فهناك ثالثٌ أو ثالثةٌ أبناءُ عمِّ الطاهرة الذين يَتنصَّرون وهي قُتيلة أو أُمُّ قتال، وقيل: فاطمة بنت نوفل، أي: أخت ورقة، وهي واحدةٌ من المرأتين اللتين تعرَّضتا لأبي محمدٍ عبدِ الله بنِ عبد المطلب، وهو في طريقه مع أبيه كيما ينكحُ آمنةَ، بعد أن رأتا بين عينيه نورَ النبوة، وله مئةٌ من الإبل" (ص ١١٧).
° "والخلاصة أن الحَلْقةَ الكتابيةَ الخارجيةَ التي رَبطت خديجةُ حَبْلَها بها، وتَشكَّلت من القَسِّ "ورقة" والراهب "عدَّاس" والراهب "سرجيوس"، ومُقدَّمُها الراهب "بحيرا"، قد وَصَلت إلى درجةٍ رفيعةٍ من العِلم بالكتاب، وهذا أمرٌ له دلالة، وهو أن الطاهرةَ شدَّتها صِلةٌ وثيقةٌ، وعلاقةٌ حميمةٌ، وأصِرةٌ متينةٌ برؤوسِ أهلِ الكتاب في مكة والحجاز، وإلَّا لَمَا نَجحت في
стр. 1192
إنجازِ التجربة الفذَّة" (ص ١٤٣).
° "ابنةُ أبي بكر تلميذةٌ وتابعةٌ ومتلقِّيةٌ، أمَّا سيدةُ نساءِ الدنيا فهي الأمُّ الرؤوم، وهندوز التجربة التي خرج منها "صاحبُ المَغنم" من الفتَى الهاشميِّ الذي طال التشوُّقُ إليه، والذي رَدَّ الاعتبارَ إلى العرب، وصار لهم حاملَ كتابٍ مثل "موسى" بالنسبة لليهود، و"عيسى" عند النصارى، ابنةُ أبي بكر طَفِقَتْ تُناديه بصفةٍ مستمرة: "يا رسول الله"، أما سيِّدةُ نِسوانِ قريش، فلمَّا توجِّهُ إليه خِطابًا تقول: "يا أبا القاسم"، أو "يا محمد"، هي التي تُوجِّهُ وتَطلُبُ إليه، وتُشيرُ عليه، بينما ابنةُ أبي بكر، فعلى العكسِ، هي التي تُلبِّي وتُطيع وتأتمرُ بأمرِه، وتُنفِّذُ وتَسمعُ … إلخ، وهو الفَرقُ الواضحُ الذي لا يَحتاجُ إلى زكانةٍ لمعرفته أو حتى إلى لَمسِه باليدِ بين خطابِ الهندوز واستجابةِ التلميذة" (ص ١٥٤).
° "ووَلَجْنا بوابة التصديق (للمعجزات) لا من بوابةِ المعقولية ومَدخلِ المنطقيَّة، ولكن من طريقِ اتفاقِ المعجزات مع المستوى الحضاريِّ والثقافيِّ والمعرفيِّ والعِلميِّ والإدراكيِّ، ومطابقتِها لخصائصِ مجتمعِهم وبيئتِهم ووسطِهم وتفكيرِهم، مِن هذه المناظيرِ تصبِحُ صحيحةً، بل ونُصدِّقُهم، ونَفهمُ عِلَّةَ تصديقِهم إيَّاها أو قبولِها ممَّن يتفوَّهُ بها، لماذا؟ لأننا قِسناها بمقاييسهم، ووَزَنَّاها بموازينِهم، وكِلناها بمكاييلهم، ونَظَرنا إليها بعيونهم، وعايرْناها بمعاييرهم" (ص ٢٦٠).
° "مِن الأسباب القويَّةِ التي حالت دُون زواجِ محمدٍ بزوجةٍ أخرى على الطاهرة، هو أنَّ "الثقافةَ الدينيةَ" التي هَيمنت على بَنِي أسدٍ رَهطِ أمِّ هندٍ تُحرِّمُ الجَمْعَ يين بَعْلَتَينِ، كما أنها تُحرِّمُ الطلاق؛ لأن ما رَبَطه الربُّ لا
стр. 1193
يَفُكُّه العبد، هذا المَلْحَظُ البالغُ الأهميةُ غاب عن فَطانةِ كلِّ مَن زَبَرَ "نَسَخ" سُطورًا في السيرة المحمدية المِعطار، سواءٌ من القُدامى والمُحدَثين من العرب والأعاجم والفرنج" (ص ٢٧٨ - ٢٧٩).
° "ومن ناحيةٍ أخرى فقد ذاق الحِرمانَ، وكابَدَ المَسْغَبة، وكَوَاهُ الفَقر، فلا يَسكنُ رَوعُه مِن هذا الجانب، ويُهدِّئُ بالَه، ويُطَمْئِنُ نفسَه، ويُرِيحُ خاطِرَه سوى أن يوضَعَ المالُ جميعُه بين يديه، ومن ناحيةٍ ثالثةٍ بهدفِ أن يُحكِمَ قبضةَ رِعايتها، وتشدَّ وَثاقَ عنايتِها له، وتُضاعِفَ من لَحظِها إياه، وجُمَّاعُ ذَيَّاكَ كلِّه يؤدِّي إلى سُهولةِ المطاوعة، وُيسرِ المهاوَدة، وسَلَسِ المُوافقة، ممَّا يُوصِّلُ في نهايةِ الأمرِ إلى نجاحِ التجربة" (ص ٣٠٩).
° "في ليالي مكةَ الطويلة، تُشمِّرُ أمُّ هندٍ عن ساعدها، وتجلسُ إلى ابنها وزوجِها "الأمين"، تقرأُ على مَهَلٍ، وتُطالعُ له بتؤُدةٍ صفحاتٍ من تلك الأبعاضِ والإِصحاحات، وتَشرحُها له بَقدْرِ ما تتَّسعُ ثقافتُها الدينيةُ التي حَصَّلَتْها، كلُّ هذا مع استمرارِه في المَشي في الأسواقِ والسماع والمُحاورَة؛ لأنَّ هذه شعيرةٌ أساسيةٌ قَنواتُها متباينةٌ ودائمةُ الفَيض، وإذا أُشكِلَ عليها أمرٌ، أو التَبَس عليها شأنٌ، أو أعجَزَتْها مسألةٌ هَرَعت إلى اليعسوب "ورقة" تستوضحُه ليفسِّرَ لها ما أُبهِم، وُيبيِّنَ لها ما غَمُض، وَيشرحَ ما خَفِيَ.
في تلك المدرسةِ أعطى اليعسوبُ خلاصةَ عِلمِه، وحَشاشةَ معارِفِه، وزُبْدَةَ تحصيلِه إلى "المعصوم" بحضورِ الطاهرة، وخديجة تُنصِتُ وتُلاحِظُ وتُشجِّعُ "بطل التجربة" على مَزيدٍ من التدقيق، ومضاعفةِ التمحيصِ، والإِكثارِ من المراجعة؛ لأنها لم تَكتفِ بإسْداءِ الفَضل الماديِّ (وهو إعفاؤه من لجري وراءَ لُقمةِ العَيش، وإطعامُه الخَمير، وإلباسُه الحرير)، بل
стр. 1194
أضافت إليه جَميلاً معنويًّا يَبُزُّه ويفوقه" (ص ٣٣٠).
° "تأثَّر محمدٌ تأثرًا عميقًا إذن بما قُرئ عليه بمعرفة الطاهرة من الإصحاحاتِ والأبعاض، التي ترجمها "ورقةُ" إلى اللغة العربية، وما حَصَّله قَبلَها وهو يَجُوبُ الأسواقَ من قَصَصِ أنبياءِ بني إسرائيل والرائين (جمع راءٍ من رؤيا)، وما يَسمعونه من أصواتٍ مثل: إشعيا وعاموس" (ص ٣٥٦).
° "إعلان نجاحِ التجربةِ العُظمى، وبوقوعها حُقَّ لخديجةَ أن تخاطِبَ أهلَ مكةَ بأعلى صوتها: ها هو القادمُ المأمولُ الذي طال انتظارُكم له، وكذا سائرُ عَرَب الجزيرة لتُفاخِروا به اليهودَ، ولتنافِروا به النصارى؛ إذ لم يَعُدْ لأيٍّ منهما فضلٌ عليكم، وسوف يَرفعُ بيمينه كتابًا مِثلَ كُتُبِهم، وستَرَونه رائعًا" (ص ٣٦٨).
° "والذي نَدرِيه -على وجهِ التحقيق- أنه لا يَغُضُّ من قَدْرِ "الأطيب" أن يأتيَ لقاؤه بجبريل أو ملاك الرب أو الشيء .. إلخ في المنام، وأنه مجرد رؤيا؛ لأن إبراهيمَ أبا الأنبياء رأى مع المنام أنه يَذبحُ ابنَه، ويوسُفُ الجميل المليحُ الذي استأثر بشَطرِ الحسن -وتَرك لسائِرِ البشرِ ذكورًا وإناثًا منذ زمانِه حتى الآن الشطرَ الآخر- رأى عِدَّةَ أحلامٍ نصَّ عليها القرآنُ المجيد، فَضلاً عن أنَّ عددًا من أنبياء بني إسرائيلَ رأى رُؤًى، بل مِن بين هؤلاءِ مَن أَخَذ يُصرِّحُ بأن كلامَ الربِّ الذي يَنقُلُه إلى بني إسرائيل إنما جاء وحيًا مناميًّا، إذن لو دَرَس أولئك الكُتَّابُ المعاصِرون ورجالُ مؤسَّسةِ شؤون التقديسِ نُتَفًا في عِلمِ الأديان المقارَن، أو طَرَفًا من تاريخِ الأديان لَفَقُهوا أنَّ بُدُوَّ المَلاك جبرائيل "إلهي" وهو نَعسانُ في "مغارة حِرى"، أمرٌ لا غُبارَ عليه، ولا يَهبطُ
стр. 1195
بُوصةً واحدةً بمقامِهِ العالي ودرجتِه الرفيعة" (٣٨٩ - ٣٩١) (١).
في ذِمَّةِ العلماءِ هذا كُلُّه … إن كان فيما بينَنَا علماءُ
• قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى لا يَقبِضُ العلمَ انتزاعًا يَنتزِعُه من العِباد، ولكنْ يَقبضُ العلمَ بقَبضِ العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا، اتَّخَذَ الناسُ رؤساء جُهَّالاً، فسُئِلوا، فأفَتوا بغيرِ علمٍ، فضَلُّوا وأضلُّوا" (٢).
• وقال ﷺ : "إنَّ اللهَ لا يَنزِعُ العِلمَ منكم بعد ما أعطاكموه انتزاعًا، ولكن يَقبِضُ العلماء بعِلمهم، ويَبقى جُهَّالٌ، فيُسألون، فيُفتُون، فيَضِلُّون ويُضِلُّون" (٣).
° وعن ابن مسعود ﵁: "قُرَّاؤُكم يَذهبون، ويتَّخذُ الناسُ رُؤساءَ جُهَّالاً يَقِيسون الأمورَ برأيهم".
стр. 1196
* سَلمان رُشدي الدَّجَّالُ الهندي المرتدُّ:
قِزمٌ حقير وشيطانٌ من شياطين الإِنس، رواية "آيات شيطانية" وهي روايةٌ شيطانية كتبها حَشَّاشٌ في ماخور أُصيب بانفصامِ الشخصية، فصار يتردَّدُ بين القرد والحشاش .. يَسخرُ فيها ذلك المرتدُّ من كلِّ جميلٍ وطاهرٍ ونقيٍّ، ويناصبُ رسولَ الله ﷺ العَداوةَ في أحقر صُورها.
أُقدَّمُ تلخيصًا كاملاً عنه وعن روايته، حتى يَستشعِرَ المسلمون مَدَى جُرمِه في حقِّ الله وأنبيائه ورسله .. واللهُ يعلمُ أني أكتبُ بعضَ فِقراتها والألمُ يَعتصِرُني، والحياءُ والخجلُ يفعلانِ بي ما يَفعلانِ أمامَ قُحَّتِه وفُحشِه وبَذاءَةِ قَلَمِهِ ودَنَسِهِ وحَقَارته.
* النشأةُ والخَلْفيَّة:
وُلد سلمان رشدي في "بومباي" بالهند سنة ١٩٤٧ - عام التقسيم وإنشاء الدولتين: الهند وباكستان- من أبٍ هنديٍّ يدعى "أَنيس رشدي"، مرتدٍّ عن الإِسلام، وتلقَّى تعليمَه الأوَّليَّ في إحدى مدارسِ التبشير المنتشرةِ آنذاك في الهند، حيث كان المبشِّرون يُقدِّمون له ولزملائه الطعامَ والكساءَ وغيرَه لاستمالتهم، فشَرِبَ في هذه السِّنِّ المبكِّرةِ كراهيةَ الإِسلام وكلِّ ما يتَّصلُ به .. وهكذا تضافَرَ البيتُ والمدرسةُ في بناءِ شخصيةٍ مهتزَّةٍ، صِلتُها بالإِسلام مجرَّدُ تسميةٍ تُثبت في شهادةِ ميلادٍ أو بطاقةٍ شخصيَّةٍ، وعواملُ انتزاعها من الإِسلام أقوى وأبقى من عواملِ إدخالها فيه.
ولمَّا كانت بَلدُهُ تُعاني أزَماتٍ اقتصاديةً بسبب خُضوعها للاستعمار مئاتِ السنين، وأخيرًا بسبب الحرب بين الهند وباكستان، فقد كانت أُسرتُه
стр. 1197
ضِمنَ مَن هاجَرَ إلى "إنجلترا" سعيًا للرزق، وهناك التَحَقَ بالتعليم الثانوي، ثم بكليةِ "المَلِك" في جامعة "كمبردج".
وبعد تخرُّجه بَحَث عن وظيفةٍ مناسبة هناك فلم يجد، فقرَّر العَودةَ إلى موطنه الأصلي "شِبه القارة الهندية"، ولكنْ هذه المرةَ إلى باكستان، حيث أُتيحت له فرصةُ عملٍ في التليفزيون، بَيْدَ أن رَوائحَ الكفرِ والزندقةِ والطعنِ في الإِسلام بدأت تفوحُ منه، ففُصِل من عملِه، وعاد إلى لندن يجرُّ أذيالَ الخَيبةِ والإحباطِ، بعد أنِ امتلأ قلبُه حِقدًا على الإِسلام والمسلمين، وأخيرًا وَجد عملاً في إحدى وكالاتِ الإعلان، أعطَتْه دخلاً ثابتًا استطاع معه أن يتَّجهَ إلى التأليف الرِّوائي.
° وفي عام ١٩٧٥ أصدَرَ روايتَه الأولى "جريموس"، وعُمرُه آنَذَاك ٢٨ عامًا، فلم يَلتفتْ إليها أحدٌ، فماتت في مَهدِها، وأصابه لذلك إحباطٌ شديد، ثم تزوَّج بعد ذلك بفتاةٍ إنجليزية تُدعى "كلاريسا لوارد"، وعن طريقِها تعرَّف إلى الناشِرِين، فأصدر روايته "أطفال منتصف الليل"، وَصَف فيها حالَ الأولاد الذين يدخُلون الحياةَ وقلوبُهم خاويةٌ من الإيمان والقِيمَ الأخلاقية، ويأتُون إلى عالَمٍ مَليءٍ بالمتناقضات، ولقد قال عن نفسه: "إنه يُشبِهُ إحدى شخصياتِ هذه الرواية، ففي داخله ثُقْبٌ لم يُبقِ قَطرةً واحدةً من الإيمان عنده.
ولقد أثارت روايتُه ضدَّه ضجةً في الهند، إذ كانت تُوجِّهُ نقدًا عنيفًا لسياسة السيدة "أنديرا غاندي" الخاصَّة بتعقيم الرجال، فأَدْلَتْ بتصريحٍ تتوعَّدُ فيه صاحبَ الرواية بتقديمه إلى القضاء.
وفي تلك الأثناء مَنَحَته "إنجلترا" جائزة "بُوكر"، وكأنها تَغيظُ الهند
стр. 1198
-الدولة المستقلة- والتي كانت يومًا ما إحدى مستعمراتِها.
لقد بدأ يطفو على السطح، فها هي روايتُه "أطفال منتصف الليل"، تثيرُ ضَجَّهً في موطنه الأصلي -الهند-، وها هو يُمنحُ عليها جائزةً في موطنِ هِجرته، "إنجلترا".
بعد ذلك كَتب روايةً بعنوان "العار"، وانتظر أن يَحصُلَ بها على جائزة "بوكر"، إلَّا أن لجنةَ التحكيم أسقطتها من الفوز.
ثم ما لَبِثَ أن طَلَّق زوجتَه الإِنجليزية، وتزوَّج كاتبةً أمريكية اسمها "ماريان ويجينز"، لعلَّها تؤدِّي نفسَ الدَّورَ مع الناشِرِين الأمريكيين.
وبالرغم مِن تعرُّفهِ إلى كثير من الناشرين في إنجلترا والولايات المتحدة، وتعرُّفِهم إلى ما تتضمَّنه كتاباتُه من حقدٍ دفينٍ على الإِسلام والمسلمين وتشجيعِهم لاتِّجاهه هذا، إلا أنه ظَلَّ مغمورًا، بعيدًا عن أضواءِ الشهرةِ العالَمية التي كان يَحلُمُ بها (١).
° ثم كانت روايته "آيات شيطانية"، التي تجرَّد فيها من كلِّ حياء، وقَذَف بنفسِه عاريًا أمامَ الجميع، في مستنقعات الكفرِ والفجورِ والأكاذيب، فعَبَثَ بكلِّ المقدَّسات، ومِن بينِها المقدَّسات المشتركةُ بين اليهود والمسيحيين والمسلمين: "إبراهيم خليل الله"، أبو الأنبياء، والأبُ الروحي لأصحاب الديانات الثلاث، كما عَبَثَ بملائكةِ الله في السماء، وعلى رأسهم "جبريل" أمينِ الوحي وأمينِ العَرش، إضافةً -بطبيعة الحال- إلى عَبَثهِ بمقدَّسات الإِسلام.
стр. 1199
° لقد انتهى هذا الدجالُ الهنديُّ من تأليفِ روايته الشيطانية هذه في سنة ١٩٨٨، ونَشَرَتْها له دار "فايكنج برس"، وظَلَّتْ راقدةً في المكتبات لا تتحرَّك، ولا تمتدُّ إليها يَدُ قارئ، ثم ما لَبِثت دار "فايكنح برس" أن تخلَّصت منها، فباعتها إلى دار "بنجوين"، وبقي الحالُ كما هو عليه من رُكودِ تلك السِّلعة البائرة، إلى أن تنبَّه المسلمون إلى ما فيها من فُحشٍ وأكاذيب، وتعريضٍ فاجرٍ بمقدَّساتِ الإِسلامِ والمسلمين، فتحرَّكوا لوقفها، لكنَّ المتآمِرِين كانوا يتوقَّعون هذا، فحَشَدوا طاقاتِ إعلامِهم لإثارةِ الغربِ المسيحيِّ كلِّه ضدَّ الإِسلام والمسلمين، وخاطَبوا وُجدانَه وما استقرَّ فيه من كراهيةٍ وعِداءٍ دفين، فانطَمَستِ الأبصارُ وعَمِيَتِ البصائر.
° وفي هذا الجوِّ المشحون، فَقَد العقلُ سلطانه، وتحوَّل المجرمُ الحقيقي "سلمان رشدي" إلى ضحيةٍ بريئة، ووقف الغربُ جميعًا يُعلِنُ حمايتَه تحتَ شِعارٍ برَّاق، استُخدم بخداع، هو "حماية حقوق الإنسان"، ومن بينها "حقُّه في حرية التعبير"!!.
* عاصفةٌ كان يُمكنُ تفاديها:
عندما صَدَر الكتابُ في بريطانيا، حاوَلَتِ اللجنةُ المتحرِّكةُ للشؤون الإِسلامية هناك اللجوءَ إلى القضاء الإِنجليزي للاحتكام ضدَّ الرواية، فاتَّضح لها أن القانونَ الإِنجليزي يَحِمي فقط المذهبَ المسيحي الإنجليكاني، فحاوَلَتِ اللجنةُ بعد ذلك مفاوضةَ الناشرِ على أساسِ أن يَكتبَ على غلافِ الرواية عبارة: "هذا الكتاب يُسيءُ إلى الإِسلام" كالعبارات التي تُكتب على السجايرِ وتُحذِّرُ من التدخين .. ولكنَّ الناشرَ رفض!!.
стр. 1200
وأمامَ المعارضةِ الإِسلامية، قرَّرت إحدى دُورِ النشرِ البريطانية مَنحَ ْالكتابِ جائزةً أدبيةً، وإخراجَه في طبعةٍ شعبية، عندئذٍ قامت المؤتمراتُ الشعبيةُ الإِسلامية بمناقشةِ الحل الأمثل لمواجهةِ هذا التحدِّي، فتوجَّهوا إلى أسقُفِ إحدى الكنائسِ بمدينة "برادفورد"، وقام مجلس مساجد برادفورد بتقديم احتجاجٍ إلى الأسقُف، وطالبوه بأنْ يستخدمَ نُفوذَه ويُناشِدَ الحكومةَ البريطانيةَ وناشِرِي الكتابِ عدمَ نَشْرِه، ولكنْ لا جَدوى .. فقامت الجماهيرُ الإِسلامية بشراءِ الكتاب من الأسواق وأحرَقَتْه، ولكنَّ المطابعَ في استطاعتها أن تُنتجَ المزيد.
فقام سكرتير اتحاد المنظَّمات الإِسلامية في لندن بتوجيهِ خطابٍ إلى السيدة رئيسةِ مجلسِ الوزراء، يدعوها فيه "من منطلقِ الحرصِ على المقدَّسات الدينية" إلى الأمرِ من موقِعها كمسؤولٍ رئيسيٍّ "باتخاذ إجراءاتٍ قانونيةٍ ضدَّ الرواية ومؤلِّفها".
ثم قام سُفراءُ كلٍّ من باكستان وقَطَر والصومال بتقديم طَلَبٍ إلى وزارةٍ الداخلية البريطانية، يطالِبون فيه باتِّخاذ إجراءٍ حاسم نحو الرواية.
° وأخيرًا جاء إعلانٌ من القصر الملكي: "أنَّ الكتابَ لا يَعرِضُ لعَمَلٍ يعاقَبُ عليه"!!.
° ثم أعلن وزيرُ الداخلية بيانًا جاء فيه: "إن الحكومةَ لا تَنوِي إحداثَ تغييرٍ في قانونِ الطعنِ في المقدَّسات الذي يتعلَّقُ فقط بالديانة المسيحية".
وأمامَ التعَّصب "الديمقراطي"! انفجرتِ المشاعرُ الإِسلاميةُ التي لم يَستطعِ الشيطانُ تلجيمَها، انفجرت أولاً في بريطانيا، فسارت المظاهراتُ
стр. 1201
تُطالِبُ باتخاذِ موقفٍ حاسم ضدَّ "آيات شيطانية" (١)، ثم انفجرت بعد ذلك في العالَم كلِّه، ثم توالت رُدودُ الأفعالِ من كِلا الجانبين.
° لقد كان بالإِمكان تفادِي هذه العاصفةِ التي أَحدثت -حتى الآن- تصدُّعًا خطيرًا في علاقاتِ المسلمين بالغرب المسيحي، بعد أن أظهرت قضيةُ "الدجَّال الهندي" أن صليبيَّته العمياءَ في نهايةِ القرن العشرين لا تزالُ كما كانت في نهايةِ القرنِ الحادي عَشَر، وكان بإمكان بريطانيا أن تعالجَ الموقفَ بحكمةِ الساسةِ المتمرِّسين، وذلك بإعادة النظرِ في قانونِ الطعنِ في المقدَّسات، بجَعلِه يتضمَّنُ حمايةَ اليهوديةِ والمذاهبِ المسيحيةِ الأخرى مثل "الكثلكة والأرثوذكسية"، إضافة إلى الإِسلام، بدلاً مِن قَصْرهِ على المذهبِ الإِنجليكاني فقط، وما كان هذا العملُ -لو تمَّ- إلَّا لِيحظَى بتقديرٍ عالَمِيٍّ، باعتبارِه برهانًا على تأكيدِ حريةِ المعتقدات، ووسيلةً فعَّالةً للتعايُشِ السِّلميِّ بين أصحابِ الأديان.
° لكنَّ الحكومةَ الخفيَّةَ لا تَرضى بذلك، وهي تُمسِكُ بيدِها خيوطَ دُمًى كثيرةٍ تُحرِّكُها كيفما تشاء .. وكان أنِ ازداد الموقفُ اشتعالاً .. فنُشِرت إعلاناتٌ مدفوعةَ الأجرِ شَغَلت مساحاتٍ كبيرةً من الصحف العالمية، وظَهَرت حملةٌ واسعةٌ من التحقيقات الصحفية واستطلاعاتِ الرأي، وقامت محطَّاتُ التليفزيون بالدَّقِّ على حواسِّ المشاهدين، وكلُّها تسيرُ في خطٍّ واحدٍ، هو "إثارة الغربُ ضدَّ الإِسلام والمسلمين"، وبَلَغت إحدى مَوجاتِ الإثارة قِمَّتَها حين قام بعضُ طلبةِ جامعةٍ في "النمسا" بعَقدِ نَدوةٍ،
стр. 1202
هي في حقيقتها "قُدَّاسُ صلاةٍ مسيحيٌّ"، تُليت فيه فَقراتٌ من كتابِ ذلك "الدجَّال الهندي" .. سبحان الله!!.
° كأن الغربَ قد عَثُرَ على إنجيلٍ مخفيٍّ، جاء به ذلك "الدجَّال المنتظر"، كما سَبق أن عَثُر على بعضِ أسفارِ الكتابِ المقدَّس جنوبَ البحرِ الميِّت عام ١٩٤٧ م.
لقد بَلَغَ الاستفزازُ داه، وخاصةً عندما تتحدَّثُ الصحفُ والإذاعاتُ العالَمية -وعلى رأسها هيئةُ الإذاعةِ لبريطانية التي توجِّهُ إذاعاتِها خصيصًا إلى العالَم الإِسلامي-، فتَصِفُ ذلك "الدجَّال" باسم: "الكاتب المسلم سلمان رشدي"!!.
مَن -يا تُرى- ذلك الكاتبُ الأُسطوريُّ، الذي حَظِيَ فجأةً باهتمام الغرب والعالَم، وصار حديثَ كلِّ لسان، كأنه ظاهرةٌ غيرُ مألوفةٍ أو مرضٌ خطير -كالإِيدز- لم تَعرِفْه البشريَّةُ مِن قبل؟! فلم يَحدُثْ أنِ اصطَدَمَتْ عينايَ في أيٍّ مِن مكتباتِ لندن على مجرَّد ورقةٍ تحملُ هذا الاسم، ولم يَخدِشْ بَصَري أيُّ مُلصَقٍ من إعلاناتِ الحائط يَحملُ ولو نِصفَ اسمه .. وها هي قائماتُ الكتب التي تُصدِرُها دَوْريًّا بعضُ دُورِ النشر، تَصِلُني تِباعًا، ولا يوجدُ في أيٍّ منها ذِكرٌ لهذا النكرة!!.
هنالك، صَدَرت عن "إيران" فتوًى تُبيحُ إهدارِ دمِ مؤلِّف رواية "آيات شيطانية"، فتلقَّفها رؤوسُ الفتنة في الغرب، واستطاعوا تصعيدَ المواجهة من مستوى الأفرادِ والهيئاتِ إلى مستوى العمل السياسيِّ الرسمي، فانعقد المجلسُ الوَزاريُّ للسُّوق الأوربية المشتركة في اجتماعٍ غيرِ عاديٍّ، وأدانَ إيرانَ بعنف، وقرَّر سَحبَ سُفراءِ دُوَلِه من طَهران، وفَرَض عقوباتٍ عليها،
стр. 1203
وقد عَلَّق وزيرُ خارجية أسبانيا على هذا الموقف الجماعي الأوربي، بقوله: "إنها أولُ مرة -في حدودِ علمي-، التي تُعرِبُ فيها المجموعةُ الأوربيةُ عن غَضَبها على هذا النحو"!.
° وفي "أوتاوا" رَفَض سفراءُ ٢٥ دولةً إسلاميةً طَلَبًا من "كندا" بإدانة إيران، كما رَفَضت الحكومةُ الكندية -في نفسِ الوقت- طلبًا من السفراءِ المسلمين بمَنْعِ تداوُلِ الكتاب أو ادخالِه إلى كندا.
° وفي "واشنطن"، تعهَّد المدَّعي العامُّ الأمريكي، أمامَ عددٍ من ناشري الكتب، باستخدامِ كلِّ الوسائلِ الممكنةِ لوقفِ الجهودِ الرامية إلى مَنعِ نشرِ الكتاب في أمريكا.
° وأصدر البرلمان الألماني بيانًا جاء فيه: "إن إعلانَ الإمام الخُميني عن قتلِ سلمان رشدي هو بمثابةِ إعلانِ الحرب على القِيَم الغربية".
° وفي لندن -مسرح المؤامرة-، وقَّع ٣٤ عضوًا من مجلسِ العموم على مشروعِ قرارٍ يَحُثُّ الحكومةَ على ضمانِ سلامةِ رشدي.
° ووصفت السيدة "مارجريت تاتشر" -رئيسة الوزراء- فتوى إيران بأنها تهجُمُ على حريةِ الكلمة التي هي من الحريَّات الأساسيةِ للإِنسان.
لقد اختلطت الأوراقُ تمامًا، وهذا ما يريدُه المتآمرون.
° ولقد حَوَّل الغربُ صِدامَه السياسيَّ مع إيران إلى صدامٍ مع الإِسلام والمسلمين، وأستهانَ بمشاعر ١٠٠٠ مليون مسلم، بينهم ٥٠ مليونًا في إيران، ولا أدلَّ عن مدى التخبُّطِ السياسيِّ الذي وقعت فيه دُول الجماعة الأوربية من أنها بدأت تُعيدُ سفراءَها إلى إيران بعد أسابيعَ من سَحبِهم،
стр. 1204
ودون أيِّ تغييرٍ في الموقفِ الإيراني، سواءٌ بالتراجع عن الفتوى أو حتى بإدخال تعديلٍ عليها.
* "مقاطعُ شيطانية":
هذه هي الروايةُ الرابعة في سلسلة إنتاج "الدجال الهندي" سلمان رشدي لهذا النوع من الروايات الخيالية، وهذا يعني أننا أمامَ عملٍ لا علاقةَ له بالدراسات العلميَّةِ الجادَّةِ التي تقومُ على المنطقِ والبرهان واستجلاءِ الحقائق وتقريرِها، وكَشْفِ الشبهاتِ ودَحْضِ الأكاذيب.
تبدأُ الرواية بإهداء: "إلى ماريان"، زوجتِه الأمريكية الثانية التي تزوَجها بعدَ طلاقِ زوجته الإِنجليزية "كلاريسا"، وقد عُرف عن "ماريان" هذه أنها كاتبةٌ مُلحِدة، تهاجمُ الأديان -ومِن بينها المسيحية-.
° وتتكوَّنُ الروايةُ من تِسعةِ فصول:
الأول، باسم: "المَلَك جبريل"، وهذا يعطِي انطباعًا مبدئيًّا للقارئ أنه بصددِ قراءة شيءٍ عن الوحي والدين .. ويتحقَّقُ توقُّعُ القارئِ، حيث يأتي: الفصل الثاني مباشرةً باسم: "ماهوند"، وهو ما كانت تُنادِي به أوروبا عصورِ الظلام، النبيَّ محمدًا، بعد أن اخترعه رجالُ الكنيسة والكتاب والشعراء، تحقيرًا وإهانةً! ثم تتعاقبُ الفصول:
الثالث باسم: "الودين ديووين".
والرابع: "عائشة"!.
والخامس: "مدينة مرئية لكن مخفية".
والسادس: "عودة إلى الجاهلية"!.
стр. 1205
والسابع: "المَلَك عزرائيل".
والثامن: "شق بحر العرب".
والتاسع: "مصباح عجيب".
° وقد أُلحقت صفحة شُكر -رقم ٥٤٩ - في آخِرِ الرواية، حسب طبعة فايكنج ١٩٨٩، يتحدَّثُ فيها المؤلِّفُ عن اقتباساتٍ مِن بعض تراجم معاني القرآن، فيعترفُ بأن تلك الاقتباساتِ إنما هي "تركيبة" من مجموعةٍ من أعمالِ المترجِمين السابقين مثل: "داود" ومولانا "محمد علي" وغيرهما، إلا أن أخطرَ ما في الموضوع هو اعترافُه بإحداث تغييراتٍ من عنده.
وهو يَذكُرُ في تلك الصفحة مجموعةً من الروايات التي اقتَبس منها وكانت مصدَرَ إلهامٍ له، إلَّا أنه يُقِرُّ باعترافٍ خطير آخَرَ، جاء في آخِرِ سطرين، يقول فيه: "أرجو أن تكونَ هُوِيَّةُ كثيرٍ من المؤلِّفين الذين تعلَّمتُ منهم واضحةً من خلالِ النصِّ .. أمَّا هُوِيَّةُ الآخرِين فيجبُ أن تبقى غُفْلاً".
° ويلاحقُه هنا سؤال: لماذا أغفَلَ ذِكرَ أسماءِ هؤلاء؟!.
إن الإجابة المنطقية، التي تتبادرُ إلى الذهن، هي أنهم شركاؤه في المؤامرة.
ولقد حَدَث ما هو متوقَّعٌ من اعتراف "الدجَّال الهندي" بالعبث بتراجم القرآن، فهو يقتبسُ آياتٍ من سورة النجم -التي زَعَم كالزنادقةِ السابقين أن النبيَّ أضاف إليها عبارتَين شيطانيَّتَينِ تَمدَحُ آلهةَ المشركين-، ثم هو يَعبَثُ بصيغةِ الآيات المقتبسَة، فُيحوِّل بعضَها من صيغةِ الضمير الثالث "المفرد الغائب" إلى صيغة الضمير الأول "المفرد المتكلم"، وبذلك يوحِي للقارئ بأن القرآن من عَمَل محمدٍ، لكنه -في تزويره هذا- نَسِيَ -ككلِّ مجرمٍ- أن
стр. 1206
يُحكِمَ جريمته، فجاء الجزءُ الأول من الآياتِ المقتَبَسة بصيغةِ الضميرِ الثالث، بينما تلاه الجزءُ المحرَّفُ بصيغةِ الضمير الأول.
* فآيات سورة "النجم" تقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١ - ١٢].
° لقد استبدل الدجال كلمة "الثريا" مكان كلمة "النجم"، واستمر يستخدمُ هذه الصيغةَ إلى أن انتَقل إلى الصيغة الأخرى بكلامٍ وضعه على لسانِ النبيِّ يقول فيه: "ولقد رأيتُه مرة أخرى، عند سِدرةِ المنتهى، عندها جنةُ المأوى، إذ يَغشى السدرةَ ما يَغشى، ما زاغ بصرِي وما طَغَى، لقد رأيتُ من آياتِ الربِّ الكبرى" (١).
فخالف بذلك جميعَ التراجم المعروفة والتي أشار إلى بعضِها مثل: "داود، وبكتال، وعلي" أن القرآنَ لا يُورِد صيغةَ المتكلِّم المفردِ على لسانِ النبيِّ إلا مسبوقة بكلمة: "قل"، مثل قول الله -سبحانه- لنبيه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ
стр. 1207
أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠].
ولقد وردت كلمة: "قل"، في القرآن ٣٣٢ مرة، في آياته التي تبلغ ٦٢٣٦ آية.
نحن -إذن- نتعامل مع خائنٍ غيرِ مؤتَمَنٍ على أيسرِ الأمانات، "أمانة النقل".
° "ما هذا النبيُّ إلَّا رسولُ الله إلى الناس، يُبلِّغُهم رسالاتِ ربِّهم، ويَنقُلُ إليهم كلماتِه، فيكون مُحدِّثَهم الأمينَ باسم الله، تحقيقًا لِمَا تنبَّأتْ به التوراةُ، وحيًا من الله لموسى، في قوله: "أُقيمُ لهم نبيًّا من وسط إخوتِهم، مِثْلَك، وأجعلُ كلامي في فمِه، فيُكَلمُهم بكلِّ ما أُوصيه به.
ويكونُ أن الإِنسانَ الذي لا يَسمعُ لكلامي الذي يتكلَّمُ به باسمي، أنا أطالبه" - (تثنية ١٨: ١٨ - ١٩).
° لم يَقُلِ الله: "أقيم لهم إلهًا، أو ابن الله"، لكنه قال: "أقيمُ لهم نبيًّا" مثلَ موسى من بين إخوة بني إسرائيلَ بنِ إسحاق، أي: من العرب بني إسماعيل أخي إسحاق، مهمَّتُه الأساسيةُ نَقلُ كلام الله إلى الناس، ومَن لا يسمعُ لذلك الكلام -الذى يقرؤه عليهم قرآنًا- فإن الرب ينتقمُ منه".
إن الأمرَ واضحٌ تمامًا، لكنَّ القومَ يصِمُّون الآذان، ويُغمِضون العيون.
° بعد ذلك، تبدأ أولُ سطورِ الرواية بحديثٍ عن عقيدةٍ هندوكية تُعرف باسم "تناسخ الأرواح"، أي الموتُ والولادةُ مرةً ثانية، أو تكرارُ
стр. 1208
الولادة، ويَحدُثُ ذلك -حسبَ ظنِّ مَن يعتقدون في هذا- بعدَ موتِ الإنسان، فيَبْلَى جَسدُه، أمَّا رُوحُه، فتعودُ إلى الحياةِ متقمِّصةً جسدًا جديدًا، قد يكونُ إنسانًا أو حيوانًا، أو حشرة، فتبدأُ الروحُ بذلك دَورةَ حياةٍ جديدةٍ.
إن استخدامَ هذه الفكرةِ يَسمحُ باللعبِ بالأشخاص والأزمنة، فتتداخلُ الأحداثُ، وتختلطُ الصورُ والأوراق، ويُتركُ القارئُ متحيِّرًا، أو واقعًا تحتَ إيحاءاتِه، فهو -بهذا- يَهربُ من الجديَّة والموضوعية التي تتطلَّبُهما الدراسات العِلمية، وَيجنحُ إلى روايةٍ يُفرغُ فيها سُمومَه وخيالاتِه، فيَعبثُ بالحقائقِ المعروفة، ويُزيِّفُ التاريخَ كما يشاء، ويَتركُ القارئَ -بذلك- يسبحُ في هواء.
وفي الفصل الأول: "المَلَك جبريل"، نجدُ "الدجَّالَ" يخلعُ اسمَه على مواطنٍ هندي أسماه: "جبريل فارشتا"، الذي يذهبُ من "بومباي" إلى لندن، ومعه على نَفسِ الطائرة مواطنٌ آخَرُ هو "صلادين شمشا"، والذين تَقعُ بهما الطائرة في القنال الإِنجليزي، ثم يَنجُوانِ من الموت بمعجزة، فيصابُ جبريلُ بانفصامِ الشخصية.
ويَحلُمُ جبريلُ، ويَحلُمُ كثيرًا، ويَبُثُّ أحلامَه إلى "ماهوند" -في الفصل الثاني-، فيَربطُ الوحيَ إلى نبيِّ الجاهلية بذلك التزييفِ المستمَدِّ من فكرة "تناسخ الأرواح".
° لقد عَمَدَ هذا المحتالُ -كما قال بحقٍّ الناقد "سامي خشبة"- إلى أن: "يَضَعَ ثقافتَه الخاصَّة مكانَ ثقافةِ كلِّ شخصياته، ويَضَعَ فِكرَه وعَقْله الخاصَّينِ، مكانَ فِكرِ كلِّ شخصياتِه وعقولها .. والمؤلِّفُ يسوقُ أفكارَه
стр. 1209
سَوقًا، من وراءِ شخصياته التي تبدو كالأقنعةِ أو المشْجَبِ حاملِ الأفكار، نحوَ هدفٍ محدَّدٍ هو: إلى أيِّ اتِّجاهٍ ينبغي -ويُمكِنُ للمسلمين الذين يُخاطبُهم في الغربِ أو في أوطانهم- أن يتَّخذوه .. لقد لَمْلَمَ سلمان رشدي كتابه "آيات شيطانية"، من ثلاثِ قَصَصٍ طويلةٍ لا يَربطُ بينها رابطٌ ما، ووزَّع فصولَ القَصصِ الثلاثِ توزيعًا اعتباطيًّا تقريبًا .. أما "رشدي"، المتواضعُ الموهبةِ، والفاقدُ الإِيمانِ بشيءٍ أو بعقيدةٍ محدَّدةٍ، فإنه عَجَزَ عن أن يُقيمَ من أكوام خيالاتِه ومعلوماتِه وتأليفاته، وما نَقَله عن المصادِرِ المختلفةِ وألبَسَه كِساءً خياليًّا رديئًا ومفتَعلاً، عَجَز عن أن يقيمَ من كلِّ ذلك بِناءً فنيًّا موحَّدًا، ليس فقط لضَعفِ موهبته، وإنما لأنه أراد أن يَجمعَ بين ما لا يَجتمعُ، وهو: تصوُّرُه الذاتي عن تجربةِ اغترابِ المثقَّفِ الشرقيِّ "الهندي" عن هُوِيَّةِ أُمَّتِه، وعن تجارِبِ المسلمين المغترِبين في أوروبا "لندن"، أو المُقيمين في وطنهم "بومباي" .. ثم مجموعةِ الأكاذيب والمخترَعاتِ والإهانات -التي ألَّفَ بعضها بنفسه-، والتي وجَّهها إلى الإِسلام وكتابِه ورسوله .. ويَضمَنُ السيد "رشدي" أن يستمرَّ خَلط الأوراقِ بلا نهاية، عندما يَستخدمُ لتسميةِ الأشياء والظواهر، أسماءَ متناقضةً لحقيقةِ الأشياء والظواهر، حتى يتحقَّقَ التشويشُ المطلوبُ على الحُلولِ العلميَّةِ الحقيقية، والحلول التي تسعى إليها الشعوبُ الآن -في الشرقِ والغربِ على السواء، بصرفِ النظرِ عن جهودِ البرابرة المعاصِرِين عندهم وعندنا-، الحلولُ التي تتلخَّصُ في الديمقراطية والعقلانية اللتين تَحفظَانِ لكلِّ شعبٍ، ولكل طائفةٍ من شَعبٍ، الحقَّ في سِماته -أو سيماتِها الخاصة- في إطارِ ثقافةٍ إنسانيةٍ عامة، وثقافاتٍ قوميةٍ متمايزة، مستنيرةٍ ومثقَّفةٍ بحقيقتها وبحقائق الثقافاتِ
стр. 1210
الأخرى، ومتخلِّصةٍ من تعصُّباتها المتهوِّسة، ومن الرغبة في تلويثِ ثقافاتِ الآخَرِينَ وتدنيسِ مقدَّساتهم، ومتخلِّصةٍ من الرغبة في استخدامِ الإِبداع لنَصبِ الفِخَاخِ وإشعالِ الحرائق" (١).
* الأمكنة والأشخاص:
"ماهوند": يتيم، سريعُ الخُطى، يتسلَّقُ الجَبَلَ الحارَّ في الحجاز ليبقى هناك شهرًا في وِحدته، إذا نُطق اسمُه صحيحًا فإنه يعني: ذلك الذي يجبُ أن يُخَصَّ بالحمد، لكنه يأخذ اسم "ماهوند"، مرادفًا لاسم الشيطان! (ص ٩٣).
بهذا يتحدَّث الدجالُ عن محمدِ بن عبد الله ﷺ .
"الجاهلية": بُنيت كلُّها من الرمال، ويأتي ماؤُها من مجارٍ وينابيعَ جوفية، واحدةٌ منها تسمَّى "زمزم"، وتقعُ في قلبِ المدينة، ملاصقةٌ بيتَ "الحَجَرِ الأسود"، وفي هذه المدينة يؤسِّس "ماهوند" واحدةً من أكبرِ دياناتِ العالَم، ويَهمِسُ صوتٌ في أُذنه: "أيُّ نوعٍ من الإنكار أنت؟ إنسانٌ أم فأرٌ؟! " (ص ٩٤، ٩٥).
"فالجاهليةُ" تعني "مكة".
"يثرب": واحةٌ في شمالِ مدينةِ الجاهلية، تتمتَّعُ بجوٍّ رَطْبٍ، انتقل إليها المهاجرون أتباع عقيدةِ الإِسلام الجديدة (ص ٣٦٣).
"أتباع ماهوند في مدينة الجاهلية": كان من أوائلهم: "خالدٌ سَقَّاءُ الماء الحقير، ثم ذلك المتسكِّعُ من فارس ويَحملُ اسمًا غريبًا: سلمان، ولتكملة
стр. 1211
هذا الثلاثيِّ من حُثالةِ المجتمع، هناك العبدُ بلالٌ الذي حرَّره محمد، ثم حمزة عمه" (ص ٩٥، ١٠١).
"أعداء ماهوند في مدينة الجاهلية": "أبو سِمبل"، سيِّد الجاهلية، وزُوجُ "هند" الجميلة الرهيبة، وكانت عشيرةُ هندٍ تتحكَّمُ في معبد "أللات" وتتلقَّى عائداتِ مَعْبَدَي "مناة والعُزَّى" .. كما كان "بعل" خادمًا لـ "أللات" وشاعرَ هجاءٍ مشهور .. وكان "أبو سمبل" ديُّوثًا، يَعلمُ أن "بعل" عشيقٌ لزوجِهِ "هند"، التي كانت شديدةَ النهم الجنسيِّ، حتى أنها ضاجَعَت كلَّ مؤلِّفي مدينة الجاهلية! (ص ٩٦، ١٠٠، ٣٦١).
"فأبو سمبل" يعني: "أبا سفيان"، وأما "بعل" شاعر الهجاء، فهو اختراعٌ من الدجال.
"الحجاب": جَعَل "الحجاب" اسمًا لأشهرِ ماخُورٍ في مدينة الجاهلية، له فناءٌ واسعٌ تُحيطُ به غُرَفُ الجِنس.
° "كم زوجةً؟ اثنتا عَشْرة، وسيِّدةٌ عجوز تُوفِّيت منذ زمنٍ بعيد .. وكم مُومِسٍ في الماخور؟ اثنتا عَشْرة! ..
وكانت المؤمسُ "عائشةُ"، ذاتُ الخمسةَ عَشَرَ عامًا، أكثرَ العاملات رواجًا، تمامًا كما كانت سَمِيَّتُها مع "ماهوند" .. وكانت أكبَرُهُنَّ سنًّا المومسُ البدينةُ "سودة"، وكان لها زُوَّارٌ كثيرون .. أما المومس "حفصة"، فكانت حادَّةَ الطبعِ مِثلَ سَمِيَّتها .. وكان الماخور مرآةً للجماعاتِ السياسية في مسجد يثرب، فكان هناك -مثلاً- تحالُفٌ بين "عائشة وحفصة" ضدَّ "أم سلمة" المخزومية "ورَمْلة بنتِ أبي سمبل"، وكان هناك "زينب بنت جحش"
стр. 1212
و"جويرية" و"صفية" و"ميمونة"، ثم أكثَرُهنَّ إثارةً للشهوة الجنسيَّة، الفاتنةُ المصرية "مارية القبطية"، التي رَفَضَتْ أن تُعلِّمَ "عائشة" ألاعيبَها.
وعندما فكَّرت المومساتُ في مُستقبلِهِنَّ، رأَيْنَ أنْ يكونَ لهنَّ زوجٌ صُوريٌّ هو "بعل" .. وفي هذا الوكرِ الداعرِ أصبح "بعلٌ" زوجًا لنساءِ رجلِ الأعمال السابق، "ماهوند"! " (ص ٣٧٦، ٣٨٠، ٣٨٣).
لقد كَبْكَبَ الدجَّالُ على وجهه، وعَبَثَ بعقولِ قُرَّائِه، كعادته في طولِ الرواية وعَرْضِها، فبعدَ أن انتحلَّ لمؤمساتِ ماخوره أسماءَ زوجاتِ النبيِّ ﷺ ، إذا به يعود بفُجْرِه المعهود، فيَجعلُ مِن "بعل" "زوجًا لنساءِ "ماهوند"، بدلاً مِن أن يحترمَ قُرَّاءَهَ، ولو مرةً واحدة، فيقول: "زوجًا لسميات نساء ماهوند"!.
° ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ١٨ - ٢٢].
* الألفاظُ والتراكيب:
تمتلئُ هذه الرواية الشيطانيةُ بأقذرِ الألفاظِ وأشدِّها فُحشًا. وأغلبُها مما يتداولُه الزناةُ مع المومسات في المواخير من مسميَّاتٍ وأوصاف. ونذكر فيما يلي بعضًا منها، نُشير إلى اللفظِ المبتذَلِ بحرفٍ أو حَرفين منه، مما يتداوله
стр. 1213
السِّفْلةُ من الناس:
- فرج المرأة: "كـ"، والجمع: "أكـ".
° يتحدَّثُ الدجَّالُ عن أصغرِ مومسٍ في الماخور فيقول: "قبلَ تكميمِ أصغرِ الـ أكـ، صَرَخت قائلة … " (١).
- ممارسة الجنس: ن كـ.
° قال أبو سمبل "أبو سفيان" لتابعه شاعِرِ الهجاء "بعل": "أيها القَوَّاد! أنا أعلمُ أنك .. ن كـ امرأتي" (٢)!.
° وصل خطابٌ لمحمود يقول: "يا آكِلَ الخِراء! إنك .. ن كـ امرأتي" (٣).
° ويقول جبريل: "أحلام ن كـ الأمهات سببُ كلِّ البلاءِ للجنسِ البشري .. " (٤).
° وفي مدينة الجاهلية: "كان كلُّ الحديثِ منصبًّا على الـ ن كـ والمال" (٥).
° ولقد امتلأت الروايةُ بالشتائم القذرة، بَدءً من صفحاتِها الأولى حتى صفحاتها الأخيرة، مثل: "ابن الزنا" .. "أبناء الزنا" (٦).
° وامتلأت الرواية بتعابيرَ مُقزِّزة، لا تَخرجُ إلا من نَفسٍ قَذِرة تَسبحُ
стр. 1214
دائمًا بفكرِها في المراحيضِ وأماكنِ القاذورات، ففي حديث "الأم الهندية" المسلمة لابنها، قالت له: "لا تَصِرْ قَذِرًا مثل أولئك الإِنجليز، فهم يمسحُون استاههم بورقٍ فقط" (ص ٣٩).
° فردَّ عليها الابنُ المنبهر: "إن ما تقولينَه يا أمي لا يمكنُ تصديقه، إن إنجلترا حضارة عظيمة، وما تقولينه هُراء".
° "وكان يُسيئُه كثيرًا أن يقارَنَ بطفلٍ يَبولُ على نفسه" .. (ص ٤٧).
° وَيعبثُ الدجَّالُ الهنديُّ بعقولِ قُرَّائه، فيستخدمُ أساليبَ ركيكةً هازلةً كأنه يَحكي قصةً للأطفال قبلَ النوم، فيقول: "كان ما كان في قديم الزمان .. " (ص ١٤٣).
° ولَمَّا كان مؤلِّفًا رديئًا، فاقدَ المواهب، كان مَثَلُه كمَثَلِ تلميذٍ خائبٍ تعلَّمَ جُملةً واحدةً مفيدةً، كانت كلَّ زادِهِ، فما انْفَكَّ يستخدمُها في كلِّ المناسباتِ دون تمييز.
° ولَمَّا كانت عبارةُ "ألف ليلة وليلة"، ذاتُ مذاقٍ خاصٍّ، فقد تَشبَّثَ بها، وبَدأَ يَستنسخُ صُورًا منها بلا وَعيٍ أو حساب، فيقول: " .. بسبب طَيشه الذي مارسَه ألفَ مرةٍ ومرة" (ص ٢٦).
° "وفكَّر ألفَ مرةٍ ومرة .. " (ص ٣٧٠).
° "وبعد مئةِ يومٍ ويوم .. " (ص ٨٥).
° ومِثلُ ذلك، حَجمُ أوعيتِه الزمنية التي تؤكِّدُ، حقًّا، أنه كاتبٌ مُمِلٌّ هزيل، فهو يقول في صفحة (ص ٣٩٢): "ولم تَرَ مخلوقًا حيًّا آخَرَ، طيلةَ سنتين وشهرين .. ".
стр. 1215
° ثم يكرِّرُ ذلك في نفسِ الصفحة: "وبَقِيَتْ مدةَ سنتين وشهرين .. ".
° ويقول أيضًا: "وبعد مرورِ سنتين ويومًا واحدًا من بَدءِ "بعل" لحياتِه في ماخور الحجاب .. " (ص ٣٨٥).
هذا بعضُ العار الذي ألحقه ذلك الكاتبُ التافهُ بلغةِ قومِ شكسبير وبالأدب الإِنجليزي عامة، وبجامعةِ "كمبردج" التي يقال: إنه تخرَّج منها، على وجهِ الخصوص!.
* تزييفُ الحقائقِ واختلاقُ الأكاذيب:
ذلك دَأْبُ الدجالِ الهنديِّ في روايته الشيطانية .. والحديثُ في هذا يَطُول، نكتفي منه بعَرض أمثلةٍ محدودة، لهذا وذاك.
أولاً - فمِن حقائق التاريخ الإِسلامي:
١ - أن "خالدًا" كان بَطَل المشركين في معركةِ "أُحد" التي وقعت في السنة الثالثة من الهجرة، وانهزم فيها المسلمون، وأُصيب فيها النبيُّ ﷺ وشُجَّ في وجهه، لقد كان ذلك بعد الهجرة إلى المدينة، حيث كان خالدٌ ما زال على شِركه، ولم يُسلِمْ خالدٌ إلا في السَّنةِ السابعة من الهجرة، بعد عُمرةِ القضاء، حيث تَرَك مكةَ وذهب إلى المدينة يُعلِنُ إسلامَه إمام النبيِّ ﷺ .
٢ - أن "حمزة" كان بَطَلَ المسلمين في معركة "بدر الكبرى" التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة، حيث انتصر المسلمون، وقُتل فيها عتبةُ ابن ربيعة -والدُ هندٍ امرأةِ أبي سفيان "أبي سمبل في الرواية"- كما قُتل في بدر الوليدُ بن عتبة -أخو هند- وشيبةُ عمُّها.
стр. 1216
٣ - أن "سلمانَ الفارسيَّ" كان قد تعرَّضَ لعمليةِ اختطافٍ بِيْع على أثرِها ليهوديٍّ من بني قُريظة بالمدينة، فلما قَدم النبيُّ ﷺ المدينةَ وسمعَ به سلمان، أسلم على يديه، وقد أعانه النبيُّ ﷺ وصحابتُه على تحريرِ رقبته، فأمَدُّوه بالمالِ الذي أَعْتَق به نفسَه بعد سنينَ من إسلامه، وكان الرِّقُّ قد حَبَسه عن حضورِ "بدرٍ وأُحد"، فكانت غزوةُ "الأحزاب" أولَ مشاهِدِه، حيث أشار بحَفرِ الخندق، وكان ذلك في السَّنة الخامسة من الهجرة، وقد عاش مُسلِمًا كريمًا، وتُوفِّي مسلمًا كريمًا بـ "المدائن" في خلافةِ "عثمان".
ولقد اتَّخذ الرسولُ ﷺ في مكةَ كَتَبَةً يكتبون الوحيَ قبلَ إسلامِ سلمانَ بأكثرَ من ١٥ سنة، كما استمرُّوا يكتبون له بـ "المدينة"، ويَزيدُ عددُهم على ٢٠ كاتبًا، ليس منهم سلمان.
فما كان سلمانُ الفارسيُّ يومًا ما من كَتَبَةِ القرآن!!.
° لكنَّ الكاتبَ الجهول "سلمان رشدي"، ما كان له إلا أن يُزِيِّفَ تاريخًا يجهلُه، فلو احتَرَم نفسَه مرةً واحدةً، أو احتَرَم قُرَّاءَه، لَقرأَ شيئًا عن تاريخِ صَدرِ الإِسلام لِيستعينَ به على حَبْكِ روايته.
* فمِن جهالاتِ الدجَّال الهندي:
١ - أن "خالدًا وسلمان" كانوا من أوائلِ المسلمين بمكة "مدينة الجاهلية"، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.
٢ - وأن "حمزة" قَتل أخا هندٍ في مكةَ عندما هاجمِ هذا الأخيرَ مع زملاءَ له كُلاًّ من خالدٍ وسلمان وبلال، فأنقذ حمزةُ إخوتَه المسلمين من موتٍ محقق (ص ١١٨).
стр. 1217
٣ - وأن "سلمان" كان الكاتبَ الرسميَّ للنبي ﷺ (ص ٣٦٥).
٤ - وأن النبي ﷺ كان قد اشترى "بلالاً" وأعتقه (ص ١٠١، ١٠٢)، والصحيحُ أن أبا بكر ﵁ هو الذي اشتَراه وأعتقه.
٥ - وأنه عَقِبَ موتِ النبي ﷺ ، خَرَجَت عائشةُ من حُجرتها تقول: "من كان قد عَبَدَ الرسول، فليحزَنوا؛ لأن ماهوند "محمد" مات، ومَن كان يعبدُ اللهَ، فليبتهِجوا؛ لأنه حيٌّ لا يموت" (ص ٣٩٤).
° ثم يُردِفُ الدَّجالُ، بعد ذلك قائلاً: "لقد كان هذا نهايةَ الحُلم"، "حلم جبريل بموت محمد" (ص ٣٩٣).
° والحقيقةُ أن أبا بكر ﵁ هو الذي قال عَقِبَ موت الرسول ﷺ : "أيها الناس، إن مَن كان يعبدُ محمدًا، فإنَّ محمدًا قد مات، ومَن كان يَعبدُ اللهَ فإن اللهَ حيٌّ لا يموت"، ثم تلا قولَه -تعالى- في القرآن: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
* تزييفُه لحقائقِ الإِسلام والتاريخ:
زَيَّف هذا الدجَّالُ الهنديُّ حقائق الإِسلام والتاريخ .. وبدأ يوجِّه سِهامَه إلى حقيقةِ الإِسلام الخالدة: "توحيد الله "، وخاب إفكُه وما افترى، فاسمع إلى دَجَلِه وكَذِبِه في حكايته لقصةِ "الغرانيق" التي نَسَفَها حُفَّاظُ الحديثِ ورجالُه، وفي عصرِنا هذا كتبَ مُحدِّثُ ديارِ الشام "الألباني" ﵀ "نصب المجانيق لنسفِ قصةِ الغرانيق" .. فتعالَ معي:
стр. 1218
* صفقة مزعومة بين النبي وأبي سفيان!:
° يبدأُ الدجَّالُ هذا الجزءَ من روايته الشيطانية بقول أبي سمبل "أبي سفيان" لأحدِ خِصيانه: "أرسِلْ رسولاً إلى بيتِ الكاهن "ماهوند"، سوف نُجرِي له اختبارًا بسيطًا، مباراةً عادلة: ثلاثةٌ ضدُّ واحد".
° يتغيَّب "ماهوند" على أصحابه: حمزة وخالد وبلال وسلمان، فيَقْلَقون عليه، وعندما يعودُ إليهم يُبادِرُه حمزةُ بقوله: "يا ابن أخي، هذا شيءٌ ملعون! عندما تنزلُ من الجَبَل يكون حولَك نورٌ ساطع، أما اليوم، فيوجد شيءٌ مُظلم"! ثم يجلس "ماهوند" على حافَّةِ بئرِ "زمزم" ويبتسمُ قائلاً: "لقد عُرضت عليَّ صفقة .. فيصيح خالد: مِن أبو سمبل؟ إن هذا شيءٌ لا يُتصوَّر! ارفُضْها .. يستأنف "ماهوند" قائلاً: إنه أمرٌ تافهٌ، حَبَّةُ رملٍ صغيرة، فأبو سمبل يَسألُ اللهَ أنه يَمنحَه امتيازًا واحدًا صغيرًا".
° يرى حمزةُ أثَرَ الإجهاد عليه، كما لو كان قد صارع شيطانًا، ويَصرُخ السَّقاء "خالد" قائلاً: "لا شيء! ولا ذَرَّةً واحدة! " يستأنفُ "ماهوند" قائلاً: "إذا كان إلهُنا العظيمُ قد وَجَد في قلبِه أنه إذا تمَّ التسليمُ بأن ثلاثةً -ثلاثةً فقط من بين ثلاثِمِئةٍ وستِّينَ صَنَمًا في البيت- هي التي تَستحقُّ العبادة" .. وهناك يَصيحُ بلالٌ: "لا إله إلا الله"! ويشاركه زملاؤه في القول: يا الله!.
° ويستأنف "ماهوند": "إنه يطلبُ موافقةَ الله على: أللات والعزى ومناة، في مقابل ذلك يُعطِي الضمانَ بالتسامح الديني، بل وبالاعترافِ بنا رسميًّا، ويكون الدليلُ على مِصداقيةِ الصفقةِ أن أُنْتَخَبَ عُضوًا في مجلس
стр. 1219
الجاهلية "دار الندوة" .. هذا هو العَرْض".
° ويبدأُ التعليقُ من أصحابه، فيقول له سلمانُ الفارسي: "إنها مَصيدة! طِيلةَ كم من الزمنِ ونحن نتلو شهادةَ الإيمان الذي جِئتَنا به وهو: لا إله إلا الله؟! كيف يكونُ حالُنا عندما تتخلَّى عن ذلك الآن؟! ".
° ويقول "حمزة" في قلق: "إنك لم تهتمَّ بآرائهم مِن قبلُ، فلماذا تهتمُّ بها الآن؟! ولماذا تهتمُّ بها بعد الحديث مع "أبي سمبل"؟! ".
° فيجيب "ماهوند": "إنكم تعلمون واقعَ الأمر: لقد فَشِلنا في اكتسابِ مؤمنين، إن الناسَ لن يتخلَّوا عن آلهتهم".
ثم ينهضُ مبتعِدًا عنهم، يغتسل في زمزم للصلاة.
° ويستأنفُ المناقشةَ بعد الصلاة قائلاً: "ليس المُقتَرَحُ أن يَقْبَلَ اللهُ المعبوداتِ الثلاثَ كُفُوًا له .. أن يُعطَوا فقط نوعًا من الواسطة .. وضعًا أقلَّ".
° وهنا يقول له "حمزة": "يا ابنَ أخي، اصعَدِ الجَبَل، واسأل جبريل" .. ويصعد "ماهوند" الجبل ويسأل جبريل: "هل يُمكنُ أن نُسمِّي "أللات ومَناةَ والعُزَّى" ملائكةً؟ هل لك أخواتٌ يا جبريل؟ هل هُنَّ بناتُ الله"؟ (ص ١٠٤ - ١١١).
لقد عاد الرسول، لم يذهب هذه المرة إلى زمزم، إنه يَدخلُ خَيمةَ الشِّعر "التي يتبارَى فيها شعراءُ الجاهلية"، حيث يَجلسُ "أبو سمبل" سيِّدُ قومِه أعلى المِنَصَّة، وما إن يرى "ماهوند" حتى ينهضَ قائلاً له: "مرحبًا! مرحبًا ماهوند العرَّافُ والكاهن! ".
стр. 1220
° ثم يبدأ "ماهوند" حديثَه قائلاً: "هذا تَجَمُّعٌ لشعراءَ كثيرين، ولستُ أزعمُ أني واحدٌ منهم، لكني رسولٌ آتي بآياتٍ من الواحد الأعظم. فيقول له أبو سمبل: إذا كان إلهك قد كَلَّمك حقًّا، فيجبُ أن يَستمعَ إليه كلُّ الناس .. ثم يَسُودُ صمتٌ يقطعُه ماهوند قائلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم، والثريَّا إذا هَوَت، ما ضَلَّ صاحبكم وما غوى، وما يَنطِقُ عن الهوى، إنْ هو إلَّا وحيٌ يوحى، عَلَّمه شديدُ القوى، ذو مِرَّةٍ فاستوى، وهو بالأُفق الأعلى، ثم دنا فتدلَّى، فكان قاب قوسَين أو أدنى، فأوحى إلى عَبدِه ما أوحى، ما كَذَب الفؤادُ ما رأى، أفتُمارُونه على ما يرى، ولقد رأيتُه مرةً أخرى، عند سِدرةِ المنتهى، عندها جنَّةُ المأوى، إذ يغَشَى السِّدرةَ ما يَغشى، ما زاغ بَصَرِي وما طَغى، لقد رأيتُ من آياتِ الربِّ الكبرى".
° وعند هذا الحدِّ، وبلا أدنى تردُّدٍ أو ارتياب، يتلو "ماهوند" مقطَعَينِ آخَرَين: "أفرأيتم اللاتَ والعُزَّى. ومَناةَ الثالثةَ الأخرى. هُنَّ الطيورُ العُلا. وإن شفاعَتَهُنَّ تُرتَجَى" (١).
° وعندئذٍ تُسمَعُ صيحاتٌ وهُتافٌ وصلواتٌ للمعبودة: "أللات" .. ويهتف "أبو سمبل": "الله أكبر"! ثم يسجد بعدها، وتتبعُه زوجُه "هند" .. ويسجدُ الحاضرون جميعًا بين يَدَيِ النبيِّ الذي اعترف بالآلهة التي تَحمِي مدينة الجاهلية"! (ص ١١٣ - ١١٥).
° وهكذا، يَعبثُ الدجَّالُ الهنديُّ بواحدةٍ من أكبرِ دِياناتِ العالَم، ديانةِ التوحيد النَّقِيِّ الذي هو سَمتُها المميَّز .. يأتي هذا المَسْخُ محاولاً أن
стр. 1221
يُهاجمَها في أقوى حُصونها مَنَعَةً، وأشدِّ مداخِلِها صَرامةً .. ولكن هيهات هيهات!.
لقد حدث في المؤتمر الثاني للحوار الإِسلامي المسيحي، الذي عُقد في قرطبة عام ١٩٧٧، أن ألقى الكاردينال "ترانكون" رئيس أساقفة أسبانيا كلمة الافتتاح، وقال فيها: "إني -كأسقف- أَوَدُّ أن أنصحَ المؤمنين المسيحيين بنسيان الماضي، كما يريدُ المَجمعُ البابوي منهم، وأن يُعرِبوا عن احترامهم لنبيِّ الإِسلام .. إن هذا شيءٌ هامٌّ جدًّا بالنسبة للمسيحيِّ، إذ كيف يستطيعُ أن يُقدِّرَ الإِسلامَ والمسلمين دون تقديرِ نبيِّهم، والقِيَمُ التي بَثَّها ولا يَزالُ يبثُّها في حياةِ أتباعه؟.
لن أُحاوِلَ هنا تِعدادَ قِيَمِ نبيِّ الإِسلام الرئيسية: الدينيةِ منها والإنسانيةِ، فليست هذه مهمتي، وسوف يُلقيها عليكم الأخصائيون واللاهوتيون المسيحيون بالمؤتمر .. غير أني أُريدُ أن أُبرِزَ جانبَينِ إيجابيَّينِ -ضمنَ جوانب أخرى عديدة- وهما:
* إِيمانُه بتوحيدِ الله وانشغالُه بالعدالة:
- أما إيمانه بالله الأحد، فهو سِمةُ حياته، إنها أهمُّ عقيدةٍ تَرَكها لأُمَّتِه.
- وأمَّا دعوتُه إلى العدالة مع شَتَّى التطبيقات الدينية والاجتماعية، فهي ما تزال قائمةً .. بَيْدَ أنِّي أَوَدُّ أن أَخُصَّ بالذِّكر دعوتَه إلى سواسيةِ الناس، رجالاً ونساء، وإلى تحقيق العدالة بينهم".
° إنها واحدة من مشاكلِ البشرية عَبْرَ العصور، أن يوجَدَ أقزامٌ يتطاوَلون على عَمالقةِ الحقِّ والخيرِ والجمال.
стр. 1222
° ولقد كان من سُوءِ حظِّ البشرية أنْ أُعطِيَ هؤلاء -وأمثالُهم من صِغارِ النفوس- حظوظًا من مُختلَفِ الإِمكانات، فاستخدَموها في الهدم والتخريب .. لقد تحقَّق فيهم المَثَلُ الذي ضَرَبه المسيح "مثل الكلاب والخنازير"، حين عَلَّم الناس قائلاً: "لا تُعطُوا القُدْس للكلاب، ولا تَطرحوا دُرَرَكم قُدَّامَ الخنازير لئلَّا تدوسَها بأرجلِها وتلتفتَ فتمزِّقَكم" (متى: ٦: ٧).
* النبيُّ في غرفة نوم هند!:
° يتخيَّلُ الدجَّالُ الهنديُّ أن "هند" زوجةَ أبي سفيان "أبي سمبل" عَثُرت على "ماهوند" ملقًى في أحدِ شوارع مكة "مدينة الجاهلية"، فنَقَلَه خَدَمُها إلى غُرفتها، وهناك استردَّ وَعْيَه، وفي هذا يقول: "يستيقظ النبيُّ بين مِلاءاتٍ من الحرير، وهو يُعانِي من صُداعٍ عنيف، في غُرفةٍ لم يَرَها مِن قبلُ .. ثم لا يَلبثُ أن يَتعرَّفَ على صوتِ هند، فينهضُ وقد وَجَد نفسه عاريًا تحتَ ملاءة، فيناديها قائلاً: هل تعرَّضتُ لهجوم؟ .. تُصفِّقُ هند بيديها، فيأتي الخَدَمُ بطعامِ الإفطار، ويرتدي النبيُّ جِلبابًا من الحرير .. تَسخَرُ منه هندٌ قائلة: أيها الرسول! .. يا له من رسولٍ لا يُغازِلُ النساء! أمَا كان في مَقدُورِك الحضور إلى غُرفتي بإرادتك، وأنت في كامل وَعيك؟ بالطبع، كلا، إني متأكدةٌ أني كنتُ طَردتُك .. يسألها النبيُّ: هل أنا سجين؟ فتضحكُ منه مرةً أخرى قائلة: لا تكنْ أحمق .. ثم تهزُّ كتفَيها استهزاءً وتقول له: كنتُ أتجوَّل ليلةَ أمس، وقد ارتديتُ قِناعًا، في شوارع المدينة، لأشاهدَ المهرجان، وما كان إلَّا أن تعثَّرتُ في جسدك فاقدِ الوعي، مِثلَ سكران سقط في بالُوعة، يا ماهوند! لقد أرسلتُ خَدَمي بحَمَّالةٍ
стр. 1223
لإحضارك إلى بيتي، فلْتَقُل لي: "شكرًا". فقال لها: شكرًا .. ثم يتذكَّرُ ما حدث ويقول: لقد أُغمِيَ عليَّ.
تأتي هند، وتجلسُ على السرير قريبةً منه، وتَمدُّ إصبَعَها في فَتحةِ الجلباب، وتَضربُ صَدرَه، ثم تُتمتم: أُغمي عليك! هذا ضَعفٌ يا ماهوند .. هل ضَعُفتَ؟ ثم تُردِفُ قائلةً له: أنا زوجةُ سيِّد قومه، وكلانا -أنا وهو- لسنا من أصدقائك، إن زوجي رجلٌ ضعيف، يعلمُ أنَّ لي عُشَّاقًا ولا يَفعلُ شيئًا، وذلك لأنَّ رِعايةَ بيوتِ العبادة في أُسرتي: "أللات والعزى ومناة".
وتُقدِّمُ هندٌ للنبيِّ مكعَّباتٍ من البِطيخ، محاوِلةً إطعامَه بأصابعها، لكنه يرفضُ إطعامَها له، ويتناولُ البِطيخَ بنفسه.
ثم تستطردُ قائلةً: "بَعل" هو آخِرُ عُشَّاقي .. وهنا تلمحُ الغَيظَ في وجهه .. وتقول له: لا بعل ولا أبو سمبل كفءٌ لك، أنا فقط .. أنا عَدلُك وأنا خَصمُك .. ثم تقتربُ منه واضعةً وجهها أقربَ ما يكون منه، وتقول: إذا كنتَ أنت نائبًا عن الله، فأنا نائبة عن أللات، وهي لن تؤمنَ بإلهِك عندما يَعترفُ بها، إن معارضَتَها له عنيدةٌ ونهائيةٌ للحرب بيننا، لا تنتهي بهُدنة -ويا لها من هُدنة!! - إنَّ إلهَك رَبٌّ متعالٍ، ولا يُوجد لدى أللات أقلُّ رغبةٍ في أن تكونَ ابنتَه، إنها كفءٌ له كما أني كفءٌ لك.
عندئذٍ يسألها ماهوند: وبِناءً على ذلك، هو يَخونُ سيِّدُ قومِه عهدَه؟ وتجيبُ هند: مَن يدري؟ إنه ضعيف كما أخبرتُك، لكني أَصدُقُكَ القول: لا يمكن أن يوجَد سلامٌ بين الله وهذه الثلاث، أنا لا أُريد ذلك، أريدُ القتالَ حتى الموت، هذا ما أنا عليه .. ثم يرحل النبي" (ص ١١٩ - ١٢١).
стр. 1224
عَبَثٌ ما بعده عَبَث، وفجورٌ ما بعده فجور (١).
وغدًا: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
° ولله دَرُّ أحمد يسري حين يقولُ في قصيدته "سلمان والشيطان":
تَبَّتْ يَداكَ أبا لَهَبْ … قُتِل الكِتابُ ومَن كتَبْ
يُوحِي لك الشيطانُ … بالأفكارِ في صُوَرِ الأدبْ
يَضَعُ الكمامةَ فوقَ … عَينيك يا لَسُوءِ المُنقَلَبْ
ويَقودُ خَطوَكَ باعوجاجٍ … كي تُشارِكَه اللَّهَبْ
قَدَحَ الشَّرارَ بعينِهِ … ورَمَى خيالَك بالشُّهُبْ
طافَ البلادَ فلمْ يَجِدْ … إلَّاك مُخْتَلَّ العَصَبْ
لا شكَّ أنك عندَه … في الخَلقِ أدنى الرُّتَبْ
سلمانُ، لا سَلِمَتْ يَداك … ولا سَلِمْتَ منَ العَطَبْ
وَخلَعْتَ دينَكَ ضَلَّةً … وخَنِسْتَ تَرْقُبُ عن كثَبْ
وهَجَرْتَ أًرْضَكَ مُفلِسًا … تسعى فيُبلِيكَ الجَرَبْ
أيقَنْتَ أنَّ محمدًا … يُفدَى بأُمٍّ أو بأبْ
ورأيتَ فيه نَموذجًا … للخيرِ في كلِّ الحِقَبْ
وإلى ديانةِ أحمدٍ … قد كنتَ يومًا تَنتسبْ
فتَمكَّنَ الشيطاَنُ منكَ … مِنَ الدِّماغ إلى الذَّنَبْ
وتَطاوَلَ القَلَمُ اللعينُ … وراح يَسْكُبُ ما سَكَبْ
стр. 1225
أتُراكَ تَعلُو بالسِّبابِ؟ … إذنْ فإبليسُ السَّبَبْ
قد خاض قَلبَكَ عُصبةٌ … وعليهمُ حَقٌّ وَجَبْ
مُتْ كلَّ يومٍ مرةً … وذُقِ العذابَ المُرتَقَبْ
فكتابُكَ المنشورُ يُبعَثُ … يومَ نَشْرِكَ بالغَضَبْ
ويَسوءُ وجهَك لا الصُّراخُ … يَقِيكَ منهُ ولا النَّصَبْ
لا تَشترِي حَرَسًا هنالِكَ … أو تُساوِمْ بالذَّهَبْ
فبكلِّ حرفٍ في الكتابِ … عذابُ دَهرٍ تَكتَسِبْ
وبقَدْرِ ما انتسَخوه يُسلَخُ … جِلدُ وَجهِكَ باللَّهَبْ
ورفيقُك الشيطانُ يَرمي … تحت رِجْلِكَ بالحطبْ
يَتبرَّأُ الشيطانُ مِنك … ومِن عذابك لَم تُجَبْ
ذُقْ ما جَنَتْ كفَّاكَ، لا … تجني من الشوكِ العِنَبْ
سلمانُ والشيطانُ ضلاَّ … واستشاطا في الغضبْ
تَعِسَ الرِّفاقُ ومَن يناصِرُهم … ويُجْمِلُ في الطلبْ
* مفتريات على سلمان الفارسي:
° يتخيل الدجَّالُ مشهدًا حَدَث في غُرفة "بعل" -شاعر الهجاء، وتابع أبي سمبل "أبي سفيان" وزوجه هند-، فيقول: "عاد "بعل" إلى غرفته الحقيرة، فوجد فيها شخصًا مُقنَّعًا عاجَلَه بضَربةٍ أَدمَتْه، ثم بدأ بعدَها حوارٌ بينهما كشف أثناءَه المقنَّعُ وجهَه، فبانت شخصيته: إنه سلمان الفارسي! ..
قال سلمانُ لبعل: ماهوند قادم. فارتعد بعل وقال له: إنك واحدٌ من أقربِ صَحابته. فرد سلمانُ: كلَّما كنتَ أقربَ إلى المُشَعْوِذِ، كلَّما سَهُل عليك
стр. 1226
كشفُ ألاعِيبه"! (ص ٣٦٢ - ٣٦٣).
° ثم يقول الدجَّال: "وحَلُم جبريل بهذا: ظهر جبريلُ للنبيِّ وسط أشجارِ نخيل الواحة "يثرب"، ووجد نفسَه يتدفَقُ بتشريعات تشريعات .. بدأ سلمانُ يشكو لبعل ويقول: الوحيُ -القرآن- عَلَّم المؤمنَ مِقدارَ ما يأكلُه، وأن الأوضاعَ الجنسيةَ بين الرجل والمرأة كلُّها مقبولةٌ، عدا أن تكونَ المرأةُ فوق الرجل!.
ولقد حدَّد كبيرُ الملائكة -جبريلُ- الطريقةَ التي تُوزَّعُ بها ثروةُ المتوفَّى، حتى إن سلمانَ بدأ يتساءل: أيُّ إلهٍ هذا الذي يبدو كرجلِ أعمال؟! ..
وكان ذلك بدايةَ الفكرةِ التي حَطَّمت إيمانَه"! (ص ٣٦٤).
° "ونظرًا لتعليم سلمانَ الراقي، فقد صار هو الكاتبَ الرسميَّ لماهوند، ومِن ثمَّ صار هو المسؤولَ عن كتابةِ تلك التشريعاتِ المتكاثرة .. وتكلَّم سلمانُ عن حَثِّه النبيَّ على حَفْرِ خندقٍ كبيرٍ حولَ الواحة "يثرب".
وبعد هزيمةِ الجاهليين، قال سلمانُ لبعل برِثاءٍ: أين التكريمُ الشعبيُّ لي؟! أين اعترافُ ماهوند لي بالجميل؟! لماذا لم يَذكُرْني كبيرُ الملائكة في رسائله؟! ولا لفظةً واحدة؟!.
ثم اشتكى سلمانُ لبعلٍ من أنَّ وَحْيَ جبريل كان ينزلُ مؤكِّدًا المواقفَ والتشريعاتِ التي يتَّخذُها ماهوند، ولذا بدأ يشُمُّ رائحةً كريهة .. بعد ذلك أخرج سلمانُ زجاجةَ مُسكِرٍ حارٍّ من عباءته، وبدأ هو وبعل يَعُبَّانِ منها عبًّا .. " (ص ٣٦٥).
° وقال سلمان لبعل: "إن هذا الرجل -ماهوند- ساحر، لم يَقدِرْ أحدٌ على مقاومةِ إغرائه .. وعلى أيِّ حالٍ -قالها سلمانُ وهو يتجرَّعُ بقيةَ [الزجاجة]-
стр. 1227
قرَّرتُ أن أختبرَه.
فعندما جلس تحت قَدَمَي محمد ليكتبَ له الوحي، بدأ يُغيِّرُه خِلسةً .. لم يلاحظ ماهوند هذه التغييرات، وبهذا بدأتُ أُلَوِّثُ كلمةَ الله بكلماتي الدنسة!.
بعد ذلك عَرفتُ أن أيامي في "يثرب" صارت معدودة، فرحلتُ عنها قبلَ الفجر على جَمَلٍ .. ولم يَعُد يُهِمُّني أن أرتبطَ ثانيةً بمدينةِ الجاهلية "مكة" .. إن ماهوند سيعودُ إليها منتصرًا، وأنا أعلمُ أني سأفقدُ حياتي .. " (ص ٣٦٧ - ٣٦٨).
° "بعد أن فَتَحَ ماهوند مدينة الجاهلية، وأمر بتطهيرِ بيتِ الحَجَرِ الأسود من أصنام الجاهلية -٣٦٠ صنمًا-، جاء الناسُ إليه يُسلِّمون وُيعلنون: "لا إله إلا الله"، همس ماهوند في أُذُن خالد: شخصٌ واحدٌ لم يأتِ لِيركعَ أمامي، سلمانُ، ألم تَجِدوه؟!.
وفي اليوم التالي، يُسحَب سلمانُ إلى حَضرةِ النبيِّ، يُمسِكُه خالدٌ من أُذُنه، وقد مَدَّ سِكِّينًا على رَقَبته، ويُحضِرُه باكيًا متشنِّجًا: وجدتُه أخيرًا مع مومسٍ تصرخُ في وجهه لأنه لم يَدفعْ أُجرتَها، وها هي رائحتُه نَتِنَةٌ من الخمر.
"سلمان الفارسي"! قالها النبيُّ في بداية نُطقِه بالحُكم بإعدامه، لكنْ هذا الأسيرُ يصَرخُ بصوتٍ عال: "لا إله إلا اللهَ"! فيَهُزُّ ماهوند رأسَه قائلاً: إن تحريفَك يا سلمان لا يمكنُ غُفرانُه: أنْ تَضَعَ كلمتَك بَدَلَ كلمةَ الله! يُقسِمُ سلمان على تجديدِ إخلاصه للنبيِّ، ثم يَهمِسُ إليه باسمِ بعل "وشاية" .. وهنا يتدخل بلال لصالحه، فيعفو عنه النبيُّ.
عندئذ يذهبُ خالدٌ للبحث عن بعل: من بيتٍ إلى بيت .. " (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).
стр. 1228
ذلك من مُفتَرَيات الدجَّالِ الهنديِّ سلمان رشدي على الصحابي التقيِّ سلمان الفارسي، لا لسببٍ إلَّا لكونه ينتسبُ إلى فارس "إيران الحديثة" التي اصطدمت بالغَرب كثيرًا بعد سقوط الشاه، إضافةً لتلك اللعبة الاستعمارية القديمة التي تَعمل على تفتيتِ المسلمين تحت مسمَّيات مختلفة مثل: "عَرَب وعَجَم، سُنَّة وشيعة، وسَلَفية وصوفية .. "، فجاء هذا المَسخُ من تشويهٍ لحقائقِ الإِسلام وعَبثٍ بتاريخه، خَلْطًا للأوراق وجَعْلَها في خدمةِ السياسة، التي تُعنَى بلغة ميكيافيلي "السفالة والانتهازية".
وقبل ذلك وبعده، تأتي مفترياتُ هذا الدجَّال على أمين الوحي "جبريل"، وعلى خاتم الأنبياء "محمد رسول الله"، فيَسوقُها بلا حساب .. ولقد غَرَّته نفسُه فاستكبر، وطَفِقَ يَسخرُ منهما ومن قول: "لا إله إلا الله"! لقد كَذَبَ وظَلَمَ وأَجْرَم، والحقُّ والعدلُ والتاريخُ يشهدون على أنه لا جريمةَ بغير عقاب.
° إن له بُشرَى في القرآن، نَزُفُّها إليه وإلى أشياعِه الذين يُظاهِرونه، بُشرَى تقول فيه وفي أمثالِه من مَسْخِ البشر الذين يتكرَّرون عبر التاريخ: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٣ - ٣٩].
* وماذا عن الماخور؟!:
° يَفترى الدَّجالُ كعادته، فيقول عن "مكة" بعد أن فَتَحها النبيُّ،
стр. 1229
ودَخَل المكيُّون في الإِسلام: "عاد ماهوند إلى يثرب مع زوجاته، تاركًا المدينة "الجاهلية" تحتَ إمرةِ قائدِ جيشِه خالد .. فمنذ مُدَّةٍ فكَّر ماهوند في أمرِ خالد بإغلاقِ مواخير الجاهلية، إلَّا أنَّ "أبو سمبل" نَصَحه بألَّا يُقدِمَ على مِثل هذا الإجراءِ المتهوِّر، فَلَفَت نَظرَه إلى أن الجاهليين حديثو عهدٍ بالإِسلام: "فلتأخذِ الأمورَ بتأنٍّ" .. ونظرًا لأنَّ ماهوند يُعتبر أكثرَ الأنبياءِ واقعيةً، فقد وافق على فترةٍ انتقالية.
ولهذا، اندفع الجاهليون إلى ماخورِ الحِجاب، في غيابِ النبيِّ "في يثرب" .. ولأسبابٍ واضحةٍ لم يكن من الكَيَاسة أنْ يقفَ رُوَّادُ الماخور في صفٍّ طويلٍ في الشارع، وإنما كانوا يَلتفُّون حولَ نافورةِ الغرام، في الفِناء الداخليِّ للماخور، يطوفون حولَها، كما يطوفُ الحُجَّاجُ -لأسبابٍ أخرى- حولَ الحَجَرِ الأسود القديم .. كان كلُّ رُوَّادِ الماخور لابِسِي أقنعةَّ، وكان بعل "الزوج الصوري لمومسات الماخور" يُراقبُهم من أعلى.
وبعد مرور سنتَينِ ويَومٍ واحِدٍ من ممارسةِ بعلٍ لحياته الجديدة "ديوثًا"، إذا بأحدِ زبائِن "عائشة" يتعرَّفُ عليه على الرغم من تنكُّره، قائلاً: "إذَنْ، هذا هو المكانُ الذي آواك"! لقد كان هذا سلمانَ الفارسيَّ، الذي دعاه بعل -عَقِبَ ذلك- إلى رُكنٍ، وقَدَّم له زجاجةً من النَّبيذ .. قال سلمانُ: "لقد جئتُ إلى هنا، لأني تاركٌ نهائيًّا هذه المدينةَ اللعينة، ولهذا أردت أن أستمتعَ بلحظةٍ من المتعة بعد كلِّ تلك السنين الخَرَّاء! لقد قَرَّرتُ أن أرحل إلى وطني .. إني راحلٌ غدًا دون أدنى تأخير"! (ص ٣٨١، ٣٨٥).
стр. 1230
* مُفتَرَياتٌ حولَ موتِ النبي ﷺ -!:
° يتردَّى الدجَّالُ في قَعرِ مستنقعاتِ الفجورِ والتضليل، فيتخيَّلُ موتَ النبيِّ، ويَنسِبُه لحُلْمٍ اعترى جبريل، فيقول: "جاءت الأخبارُ أنَّ النبيَّ ماهوند قد أُصيب بمرضٍ عُضال، وأنَّ رأسَه بها دَقٌّ ثقيلٌ كما لو كانت قد امتلأت بالشياطين!.
وهذا ما حَلُم به جبريلُ حَول موتِ ماهوند: عندما بَدَأت رأسُ الرسول تُوجِعُه بآلامٍ لم يَعْهَدْها من قبلُ، أدرك أنها النهاية .. ثم صَرخ قائلاً: مَن هناك؟ هل هو أنت يا عزرائيل؟!.
لكنَّ "عائشة" سمعت صوتًا مرعبًا لامرأةٍ تقول: لا يا رسول الله، إنه ليس عزرائيل!.
وعاد ماهوند يَسأل: هل هذا المرضُ منكِ يا أللات؟.
فقالت: إنه انتقامي منكَ، وهو يُرضيني .. ثم خَرَجت تلك المرأةُ المتكلِّمة .. وتمتم الرسولُ: ومع ذلك، فإني أشكرُكِ أيتها أللاتُ على هذه المنحة!.
وما هي إلَّا لحظات، حتى مات" (ص ٣٩٣ - ٣٩٤).
* أما بعد ..
أمَا وقد تَردَّتِ الأمورُ إلى هذا الحد، فلم يَعُدْ هناك من حديث إلَّا اللعنة، نَصُبُّها على هذا الدجَّال الهندي من "الكتاب المقدَّس"، فلعلَّ حُماتَه من "أهل الكتاب" يُفيقون قبلَ أن تدركَهم، لقد كان تعليمُ نبيِّ الله داود أن نقول في مثل هذه المواقف: "يا إلهَ تسبيحي لا تسكت؛ لأنه قد انفَتح على