أنها الوسيلةُ الوحيدة للتصدِّي للمدِّ الإسلامي، كما تمَّ استصدارُ القوانينِ الأمريكيةِ الترويعية لتنفيذِ الهوية، فما عساكم فاعِلين بتلك الدُّويلةِ الدينيةِ العنصريةِ التي ساعد الفاتيكانُ على تثبيتها ظلمًا وعدوانًا وانتزاع الأرضِ من أصحابها لقومٍ لا حقَّ لهم فيها وفقًا للنصوص؟ بل ما عساه فاعلاً بهذه الدُّويلةِ العنصريةِ -التي يُعَدُّ إنشاؤها خروجًا سافرًا على دينِه وتعاليمه-، وهناك من الأبحاث اللاهوتية ما يؤكدُ أنه لا حق لهم شرعًا في هذه الأرض، وذلك من قَبيل رسالةِ الأب "لاندوزي" .. ولا نَسخرُ حين نتساءل بكلِّ مرارةٍ وألم:
ترى، هل سيقومُ سيادةُ البابا بتنصيرِ اليهود، أم أن الفاتيكانَ هو الذي سيتهوَّد؟! أليست دعوتكم الظالمةُ هي تنصيرَ العالم؟!.
إن مَن يَحمِلُ على كاهِله مِثلَ هذا التاريخِ المدرَّجِ بالدماء، ومِثلَ هذا التراث القائم على التزوير والتحريف، ويقومُ بمثل هذه السقطةِ الاستفزازية وسبِّ الإسلام والمسلمين عن عَمدٍ، فلا يجبُ عليه الاعتذارُ الواضحُ فحسب، وإنما يجبُ عليه التنحِّي عن مثل هذ المَنصب، وهو أقل ما يجبُ عليه أن يفعلَه إن كانت هناك أمانةٌ علميةٌ أو دينية".
انتهى مقال الدكتورة زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة الفرنسية.
* كشفُ البيان حولَ أزمةِ بابا الفاتيكان:
° وفي موقعه على "الإنترنت" كتب الأستاذ "خالد سعود البليهد" قائلاً: "لقد ساءني -وساءَ كل مسلم- ما صَدَر من بابا الفاتيكان من إساءةٍ للإسلام ونبي الرحمة، وقد قُوبل ذلك بردودٍ غاضبةٍ من المسلمين على
стр. 1857
اختلافِ طبقاتهم، وهي تدل على غيرتهم وحُبِّهم لدينهم وتعظيمِهم لنبيِّهم ﵊، وقد اختَلف الخطابُ في الردِّ، وتنوَّع في الأسلوب حسبَ اختلافِ المدرسةِ الفكريةِ والمذاهبِ والتأصيل العلمي، وهذه تنبيهاتٌ حولَ هذه القضيةِ الخطيرةِ بيانًا للحق، وكشفًا للمشتبه، ووضعًا للأمور في نصابها:
الأول: ليس بغريبٍ أن يصدرَ هذا التهجُّمُ والبغيُ من رئيسِ النصارى، والنصارى معروفٌ عنهم الكذبُ، والجحودُ، وإلباسُ الحق بالباطل، وتزويرُ الحقائق، والإساءةُ لخصومهم.
* قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
* قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥].
* قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
* قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
* قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
والأصلُ في تصرُّفاتِ النصارى ومعاملتِهم للمسلمين الافتراءُ وكَتمُ الحق والازدراءُ بهم والظلمُ وهَضمُ الحقوق، ومَن خالف ذلك منهم فنادرٌ
стр. 1858
خارجٌ عن الأصل، ولهذا يُخطىُء كثيرًا مَن يُحسِنُ الظنَّ بهم ويُوادُّهم ويلتمسُ لهم المعاذيرَ ويُثنِي عليهم، وإنما تَحسُنُ أخلاقُهم إذا تحقَّقت مصالحُهم ومكاسبُهم المادية.
الثاني: القتالُ للأعداءِ وسيلةٌ مشروعةٌ في الإسلام، وهي من محاسِنِ هذا الدينِ وكمالِه، ودليلٌ على عِزَّةِ الإسلام وأهله، وهو ثابتٌ بنوعيه "قتال الطلب" و"قتال الدفع"، وإنَّما شُرع "قتال الطلب" لإعلاءِ كلمةِ الله، وتحريرِ الخلقِ عن الظلم، وإزالةِ العوائقِ عن معرفةِ الحقِّ واتباعِه، ولم يُشرَعْ لاستعبادِ الناس وإكراهِهم على الدخولِ في الدين.
* قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
ولا شكَّ أن الإسلامَ انتَشر في كثيرٍ من الأصقاعِ بالقتال والتاريخُ شاهدٌ بهذا، كما أنه انتَشر أيضًا في البلادِ الأخرى بالدعوةِ إلى الله، ولا يُنكِر هذا إلاَّ مكابرٌ أو جاهل، ومما يؤسَف له أنَّ بَعضَ المنتسِبين للعلم والدعوة ينكِرون "قتالَ الطلب"، ويزعُمون أن القتالَ لم يشرع إلاَّ للدفاع عن بلاد المسلمين، ويظنون أن إثباتَ ذلك يسيءُ للإسلام، وهم بذلك متأثرون بأطروحاتِ المستشرقين وأتباعِهم من تلاميذ المدرسة العقلية.
الثالث: ما حَصَل من البابا دليلٌ صريحٌ على فَشل مشروع "الحوار بين الإسلام والنصرانية، والدعوة إلى تقارب الأديان"، ودعوى "الحوار بين الأديان" عملٌ باطلٌ لا أصلَ له في الشرع، وهو ممتنعٌ شرعًا وواقعًا، وقام
стр. 1859
منذ عِدَّةِ عقودٍ ولم يُثمِرْ شيئًا، وهو يتضمَّنُ إبطالَ أصل "الولاء والبراء"، ويقتضي المداهنةَ، ولم يَرِدْ به الشرعُ، ولم يَفعَلْه رسولُنا الكريم ولا خلفاؤه الراشدون ولا الأئمة المتبوعون، وليس بيننا وبين النصارى أصولٌ أو نقاطُ التقاءٍ حتى يُتفقَ عليها، وقد كان منهجُ النبي ﷺ في دعوتهم يتمثَّلُ في الأمور التالية:
(١) الكتابةِ لرؤساء النصارى وعَرضِ الإسلام عليهم.
(٢) دعوةِ النصارى لمناظرتِهم وجدالهم بالتي هي أحسن.
(٣) طلبِ مباهلتهم.
* وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤].
* وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
وبهذا نعرفُ خطأَ بعضِ المفكِّرين في رُدودهم من إثارة الحوارِ والتباكي عليه والسعيِ لتحقيقه.
الرابع: حَقَّق الإسلامُ العَدلَ في حَربه مع خُصومه، وذلك أنه حينما شَرع القتال وضَعَ له آدابًا وضوابطَ وإجراءاتٍ تُهذِّبُه وتَرقَى به عن الوحشية، تتمثل في الأمور الآتية:
(١) يُقسَّمُ الكفارُ إلى قسمين:
١ - محاربين.
٢ - مسالِمِين.
стр. 1860
فالأول: يُشرع قتالهم .. والثاني: لا يُشرع قتالهم، سواءٌ كانوا من أهل الذمةِ أو من أهل الصُّلح والهُدنة.
(٢) تخييرُ العدو عند قتالِه إلى خِصالٍ ثلاثِ: إما الإسلام، أو الجِزية، أو القتال.
(٣) عدمُ إكراهِ العدوِّ على الدخول في الإسلام.
(٤) احترامُ وتعظيم الصلح والذمةِ والهدنة، وعدمُ التعرضِ لدماءِ أهل الذِّمةِ وأموالِهم، وليس في شيءٍ من الأديان الأخرى ما في الإسلام من تعظيم أهل الذمةِ ووضع الحقوقِ لهم وعليهم.
(٥) النهى عن قتل غيرِ المقاتِلين والشيوخ والنساءِ والأولادِ، والنهيُ عن تخريبِ الديارِ والأموال، والنهى عن التمثيل بالمقاتلين إلاَّ على سبيل المكافأة.
(٦) النهيُ عن استباحةِ البلادِ والعِبادِ حين الانتصار، بل يَلزَمُ الكفُّ مباشرةً إذا صالح العدوُّ أو دخل الإسلام.
(٧) الكفُّ عن الخَصمِ ساحةِ المعركة إذا أظهَرَ الإسلامَ ونطقَ بالشهادتين، وعَدَمُ التعرضِ له مهما فَعَل من الجنايات، ويُعصَمُ دمُه ومالُه.
(٨) إذا حَصَل من العدوِّ خيانةٌ -أو هَمَّ بخيانةٍ-، وقُرَّر إجلاؤه، أُمهِلَ فترةً من الزمن لإِجلائِه، لِيجمَعَ مالَه ويُهيِّئ أمرَه، ولم يُؤمَرْ بالجلاء في الحال.
(٩) إذا حَصل نقصٌ للعهد من بعضِ النصارى ولم يتواطأِ الجميعُ عليه، لم يُقاتَلوا ويؤاخَذوا جميعًا بجَريرة بعضهم، بل يعاقَبُ مَن حَصَل منه ذلك، كما أفتى بذلك العلماءُ في نصارى "طَرَسوس" ونصارى
стр. 1861
"قبرص"، ونصارى "جبل لبنان"، والشواهدُ كثيرة في التاريخ.
(١٠) الالتزامُ بالعهودِ والمواثيقِ في الحرب، والنهيُ عن الغَدر مهما كان العدو.
(١١) استقبالُ المستأمَن، وتعظيمُ حرمته مهما كان، وإكرامه وحمايتُه حتى يرحل.
(١٢) مشروعيةُ الجِوار من كلِّ مسلم ولو كان المُجيرُ امرأةً، وتعظيمُ حُرمةِ مَن أجاره المسلمُ، وعَدَمُ التعرُّضِ له.
وغير ذلك من الآدابِ العظيمةِ والأخلاقِ العالية التي دَلَّ الشرعُ عليها، وشَرْحُ ذلك يطول ليس هذا مَحِلَّه.
وقد تخلَّق بهذا الولاةُ والقادةُ والعلماءُ، فضَربوا أروعَ الأمثلةِ في العَدلِ والإنصافِ مع خُصومهم، خصوصًا في الصدرِ الأول من الإسلام، فصار لهم عظيمُ الأثر في البلاد والعباد، وقد نَعِمَ بذلك النصارى في كثير من البلدان، وكانوا يَخضعون لحكم الإسلام زمانًا طويلاً آمِنين مطمئِّنين، يَبذلون الجزيةَ مقابلَ حِفظِ حقوقِهم وأموالهم، وقد آثَروا بقاءَ حُكم المسلمين في بلادهم لِعَدلِهم ومساواتهم بغيرِهم، بل دَلَّت الوقائعُ على أن بعضَ النصارى كانوا يَستغيثون بالمسلمين ليُخلِّصوهم من ظلم الطائفةِ الأخرى من بني جِنسهم، وآخرون من النصارى كانوا يَثِقون بالمسلمين في عُهودِهم وصُلحِهم وهُدنتِهم مِن تَركِ القِتال، ويتبادلون المَصالحَ معهم، والتاريخُ زاخرٌ بهذا كلِّه .. والنصارى على خلافِ ذلك، عُرفوا في كثيرٍ من حروبهم ووقائعهم بالظلمِ والتعدِّي والوحشية، ولمْ يَنْسَ التاريخ أبدًا جنايةَ محاكمِ
стр. 1862
التفتيش في الأندلس وغيرها.
وإن المَرءَ لَيعجبُ أشدَّ العجبِ ممَّا يدَّعيه بعضُ المسلمين في كَون البابا يجهلُ شرائعَ الأسلام ولا يَعرفُ حقيقةَ محمدٍ ﷺ ، بل كلامُه وسياقه صريح في قَصدِ الإساءه للإسلام وأهلِه، ورجلٌ وَصَل لأعلى المنازِلِ في رئاسةِ النصرانية، يَبعُدُ جدًّا كونُه لم يَطَّلعْ على كتاباتِ المسلمين وكتابِهم المقدَّس، لا سيَّما مع تواجُدِ المسلمين في أوروبا منذ قرون، والانتفاحِ الثقافي بين الشعوب، ولكن كما قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال : ﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦].
أسألُ اللهَ أن يُعيدَ للمسلمين عِزَّهم ومَجْدَهم، ويُكبِتَ عَدوَّهم، ويَنصُرَهم على مَن عاداهم، ويَجعلَ الذل والصَّغارَ على من خالفهم" اهـ.
* أسرارٌ وراءَ كلامِ البابا عن الإِسلام ونبيِّه ﷺ -:
° وكَتبَ الأستاذ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيز الزايديُّ على موقع "الإسلام اليوم": "يَعجَبُ بعضُ المتابعين من الحَملةِ المتزايدةِ على الإسلام من بعضِ الزعماءِ الدينيين والسياسيين النصارى في السنواتِ الأخيرة، وتساءل بعضُهم عن سرِّ التوقيت والتزامُن، فمِن كلام "بوش" عن المسلمين الفاشيِّين، إلى كلام البابا "بندكت السادس" عن النبي ﷺ ، وقَبلَهما كلامُ رئيس الوزراء الإيطالي عن الحضارةِ الإسلامية، وبعدَه الرسومُ المسيئةُ، وغيرُ ذلك من حملاتِ التشويه.
стр. 1863
وربما تساءل البعضُ عن الأسبابِ الكامنةِ في هذه الحملات المتوالية، وربَّما حَمَّل بعضُ الكُتَّابِ إخوانَه المسلمين وِزْرَ هذه الحَملات، نظرًا لِمَا حَدَث من بعضِهم من أعمالِ تفجير وقتل.
° وأقول: إنَّ ثَمَّةَ سرًّا مهمًّا ينبغي ألاَّ نَغفُلَ عنه في بيان السرِّ الحقيقيِّ وراءَ هذه الحَمْلاتِ، ألَا وهو الانتشارُ الواسعُ لدينِ الإسلام في معاقِل النصرانية، الذي أقَضَّ مضاجعَ الرؤساءِ الدينيين والسياسيين، ممَّا حَدَا ببعضِهم للكلامِ الصريحِ عن ضرورةِ التصدِّي لانتشارِ دينِ الإسلام، وهذه بعضُ الإحصاءاتِ والأخبارِ التي تَشهدُ بها الانتشار:
أ- زيادةُ أعدادِ المساجدِ في دولِ الغرب:
ففي قلبِ أوروبا بدأت أعدادُ المساجدِ فيها تُنافسُ أعدادَ الكنائسِ في باريس ولندن ومدريد وروما ونيويورك، وصوتُ الأذانِ الذي يُرفع كلَّ يوم في تلك البلاد خَمسَ مرات، خيرُ شاهدٍ على أن الإسلامَ يَكسِبُ كل يوم أرضًا جديدةً وأتباعًا جُددًا.
فقد أصبح للأذانِ مَن يُلبِّيه في كل أنحاء الأرض، من طوكيو حتى نيويورك، وعند نيويورك ومساجدها نتوقف، ففي أوقاتِ الأذانِ الخمسِ يَنطلقُ الأذانُ في نيويورك وحدَها في مئةِ مسجد، وبَلغ عددُ المساجدِ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ ما يَقرُبُ من (٢٠٠٠) مسجد والحمدُ لله، وترتفعُ في بريطانيا مئذنةُ نحو (١٠٠٠) مسجد، وتعلو سماءَ فرنسا وحدَها مئذنةُ (١٥٥٤) مسجدًا ولا تتَّسع للمصلين، وأمَّا ألمانيا، فتقدَّرُ المساجدُ وأماكنُ الصلاةِ فيها بـ (٢٢٠٠) مسجدٍ ومُصَلًّى، وأمَّا بلجيكا فيُوجدُ فيها
стр. 1864
نحو (٣٠٠) مسجدٍ ومُصلًّى، ووصَلَ عددُ المساجدِ والمصلَّيات في هولندا إلى ما يزيد عن (٤٠٠) مسجد، كما ترتفع في إيطاليا وحدَها مئذنةُ (١٣٠) مسجدًا، أبرزُها مسجدُ روما الكبير، وأما النمسا، فيَبلغُ عددُ المساجدِ فيها هو إلي (٧٦) مسجدًا.
هذه فقط بعضُ الدول في أوروبا الغربية، عدَا عن أوروبا الشرقية، والأقبالُ على الإسلام يزداد يومًا بعدَ يوم، ومِن هذه المساجدِ يتحرك الإسلام، ويَنطلقُ في أوروبا، لذلك ليس غريبًا أن تُشدِّدَ أوربا وأمريكا في أَمرِ المساجد ومراقبةِ أهلِها، والتضييقِ في إعطاءِ الرخصِ لبنائها، ومِن المفارقاتِ العجيبةِ أن كثيرًا من هذه المساجدِ كانت كنائسَ، فاشتراها المسلمون وحَوَّلوها إلى مساجد!!.
ب- تحذير الصحف الغربية من انتشار الإسلام:
فقد بدأت الصحفُ الغربيةُ تُطلِق صيحاتِ تحذيرٍ من انتشارٍ واسع لدينِ الإسلام بين النصارى، ومِن ذلك ما جاء في مَقالٍ نُشِر في مجلةِ "التايم" الأمريكية: "وستُشرقُ شمسُ الإسلام من جديد، ولكنها في هذه المرةِ تَعكِسُ كلَّ حقائقِ الجغرافيا، فهي لن تُشرِقَ من المَشرِقِ كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب".
أما جريدةُ "الصانداي تلغراف" البريطانية، فقالت في نهاية القرن الماضي: "إن انتشارَ الإسلام مع نهايةِ هذا القرنِ -يعني: الذي مَضَى- ومَطلَع القرنِ الجديد -يعني: الذي نحنُ فيه- ليس له من سببٍ مباشرٍ إلاَّ أن سُكَانَ العالَم من غيرِ المسلمين بدؤوا يتطلَّعون إلى الإسلام، وبدؤوا يَقرؤون
стр. 1865
عن الإسلام، فعرفوا من خلالِ اطلاعِهم أن الإسلامَ هو الدينُ الوحيدُ الأسمى الذي يُمكن أن يُتَّبع، وهو الدينُ الوحيدُ القادرُ على حلِّ كلّ مشاكل البشرية".
مجلة "لودينا" الفرنسية قالت بعدَ دراسةٍ قام بها متخصِّصون: "إن مستقبلَ نظامِ العالَمِ سيكونُ دينيًّا، وسيَسودُ النظامُ الإسلاميُّ على الرغم مِن ضَعفِه الحالي؛ لأنه الدينُ الوحيدُ الذي يَمتلك قوةً شموليةً هائلة".
ج- انتشارُ بَيع نُسَخِ القرآنِ الكريم والكتبِ الإسلامية:
وبعدَ تفجيراتِ الحادي عَشَرَ من سبتمبر، التي كان لها آثارٌ سيئةٌ واسعة على النشاطات الإسلاميةِ في الغرب وعلى دُولِ الإسلام، إلاَّ أنه مع ذلك ازدادَ في العالَمِ الغربيِّ الإقبالُ على التعرُّف على الإسلام بصورةٍ غيرِ متوقَّعة، وأصبحت نسَخُ القرآنِ الكريم المترجمةُ من أكثرِ الكتبِ مَبيعًا في الأسواقِ الأمريكيةِ والأوروبيةِ حتى نَفِدَت من المكتبات، لكثرةِ الإقبالِ على اقتنائها، وتسبَّب ذلك في دخولِ الكثيرِ منهم في الإسلام، وفي ألمانيا وَحدها بِيعَتْ خلالَ سنةٍ واحدة (٤٠) ألفَ نسخ من كتابِ ترجمةِ معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، كما أعادت دار نشر "لاروس" الفرنسية الشهيرة طباعةَ ترجمة معاني القرآنِ الكريم بعدَ نفادها من الأسواق.
د- تزايدُ أعدادِ الداخلين في الإسلام:
ففي عام ٢٠٠١ نَشرت صحيفةُ "نيويورك تايمز" مقالاً ذكَرت فيه أن بعضَ الخُبراء الأمريكيين يُقدِّرون عددَ الأمريكيين الذين يَعتنقون الإسلام سنويًّا بـ (٢٥) ألفَ شخص، وأن عددَ الذين يَدخلون دينَ الله يوميًّا
стр. 1866
تضاعَفَ أربعَ مراتٍ بعدَ أحداثِ الحادي عشر من سبتمبر حسبَ تقديراتِ أوساطٍ دينية، والمدهشُ أن أحدَ التقاريرِ الأمريكيةِ الذي نُشر قبلَ أربع سنواتٍ ذَكَر أن عددَ الداخلين في الإسلام بعدَ ضرباتِ الحادي عَشَرَ من سبتمبر قد بَلغ أكثرَ من ثلاثين ألفَ مسلمٍ ومسلمةٍ، وهذا ما أكَّده رئيس مجلس العلاقاتِ الإسلاميةِ الأمريكي؟ إذ قال: "إنَّ أكثرَ من (٢٤) ألف أمريكي قد اعتَنقوا الإسلامَ بعد أحداثِ الحادي عَشَرَ من سبتمبر، وهو أعلى مستوًى تَحقق في الولاياتِ المتحدة منذ أن دَخَلها الإسلام".
أمَّا في فرنسا، فقد أوردت صحيفة "لاكسبرس" الفرنسية تقريرًا عن انتشارِ الإسلام بين الفرنسيين جاء فيه: "على الرغم من كافةِ الإجراءات التي اتخذتها الحكومةُ الفرنسيةُ مؤخَّرًا ضدَّ الحجاب الإسلاميِّ، وضدَّ كلِّ رمزٍ دينيٍّ في البلاد، أشارت الأرقامُ الرسميةُ الفرنسيةُ إلى أن أعدادَ الفرنسيين الذين يدخلون في دينِ الله بلغت عشراتِ الآلافِ مؤخَّرًا، وهو ما يُعادلُ إسلامَ عشرةِ أشخاصٍ يوميًّا من ذَوِي الأصولِ الفرنسية، هذا خلافَ عددِ المسلمين الفِعليِّ من المهاجِرِين ومِن المسلمين القدامى في البلاد".
وقد أشار التقريرُ إلى أن أعدادَ المسلمين في ازديادٍ من كافةِ الطبقاتِ والمِهَنِ في المجتمع الفرنسي، وكذلك مِن مُختَلَفِ المذاهبِ الفكريةِ والأديان، مِن عِلمانيين إلى بُوذيِّين إلى كاثوليك وغيرِهم، كما أشار التقريرُ إلى نشاطِ بعضِ الجالياتِ المسلمةِ وجماعاتٍ مثل جماعةِ التبليغ في الدعوة إلى الإسلام في المجتمع الفرنسي.
كما وَرَد في التقرير إلى أن عددَ المعتنِقِين الجُدُدِ للإسلام من الفرنسيِّين
стр. 1867
يَصِلُ إلى (٦٠) ألفًا مؤخَّرًا، سواء أولئك الذين أسلَموا بدافعِ حُبِّهم وإعجابِهم بهذا الدين، أو بدافعِ البحثِ عن الهُويَّةِ والبحثِ عن الذاتِ، الكثير منهم من شبابِ المُدن، ويتراوَحون ما بينِ "الأصولية" والاعتدال، منهم مهندسون .. جامعيون .. رؤساء شركات .. مُدِّربون .. مدرِّسون .. طلاَّب .. عاطلون .. متحفِّظون أو متديِّنون بشكل واضحٍ .. كل هؤلاء الأشخاصِ يُشكِّلَون لَبِنَةً جديدةً في المجتمع الإسلامي الجديد، وهم بمثابةِ الأُسرةِ الكبيرةِ في مُختَلَفِ مجالاتِ الحياةِ بالمجتمع الفرنسي، ومِن هؤلاء على سبيل المثال: فنان الشراب في مدينة مرسيليا المسمى "إخناتون"، ولاعب الكرة " فرانك ريبري"، ومُصمِّم الرقصات "موريس بيجار" وأيضًا "كليمون" -أصغر أبناء رئيس وزراءِ الحزبِ الاشتراكيِّ السابق "موريس توريز"- .. كل هؤلاء أعلنوا إسلامَهم منذ فترةٍ ليست بالبعيدة .. ومعتنِقو الإسلام مِن الجِيل الأولِ مِن بينهم فنانون وحامِلو شهاداتِ رفيعة، ومعظمُهم يُفضِّلون ممارسةَ الإسلام النقيِّ الصافي، كما أنزله الله على نبيِّه محمد .. انتهى ما ورد في التقرير.
ونظرًا لهذه الشواهِدِ المؤكَّدة لإِقبالِ الغربيين على الإسلام، فقد حَذَّر أسقفٌ إيطاليٌّ بارز من "أسلمة أوروبا"، وفي مدينةِ "بولونيا" الإِيطالية حَذَّر أسقفٌ آخر من أن الإسلامَ سينتصر على أوروبا إذا لم تَغْدُ أوروبا مسيحيةً مجددًا .. يَحدث هذا الإقبالُ وهذا التخوُّفُ من الإسلام على الرغمِ من ملاحظةِ أمورٍ مهمة:
أولاً: أن الأوضاعَ الحاضرةَ ليست في مصلحةِ الإسلام والمسلمين؛
стр. 1868
فالأحداث السيئةُ في بلاد الإسلام قد تُعطي البعضَ نظرةً سيئةً تجاهَ هذا الدينِ بسببِ أوضاعِ أهله.
وثانيها: تلك الجهودُ الهائلة والإمكاناتُ الضخمة التي يَبذُلها النصارى في سبيل نشرِ الديانة النصرانية، على كافةِ الأَصعِدة، حتى بَلغت ميزانياتُ بعضِ مجالِسِ الكنائسِ العالميةِ أكثرَ من مليارِ دولارٍ للسنةِ الواحدة.
وثالثها: التضييقُ على النشاطاتِ الإسلاميةِ والمراكِزِ والجمعياتِ الخيريةِ الإسلاميةِ في كثير من الدول.
ومع ذلك لا يزال هذا الدين الحق -دين الإسلام- ينتشر ويَعتنقه الكثيرون، ونظرًا لأن النصارى -خصوصًا رجال الدين- ينظرون للإسلام بصفتِه دينًا منافسًا، فقد رأوا فيه خطرًا على أوروبا ولذا حَرِصوا على إثارةِ الشبهاتِ حولَه لحمايةِ النصارى من خَطَرِه كما يتصوَّرون.
وقد جاءت الأحداث الأخيرةُ ليتَّخذوا منها أدلةً يؤيِّدون بها مزاعمَهم الباطلةَ عن الإسلام، فزَعَمَ كثيرٌ من غُلاة النصارى أن حوادثَ الإرهابِ سَببها دين الإسلام، ويمكن لكل عاقل أن يُجيبَ عن هذه الشبهةِ بحوادثِ التاريخِ القريب والواقعِ الذي نعيشه، فهل نقول: إن دينَ النصارى هو سببُ الإرهابِ لأنهم خلالَ الحربَينِ العالميتين قَتَلوا الملايينَ من أبناءِ جِلدتهم النصارى؟ فضلاً عمن قتلوهم من المسلمين أثناءَ حُروبهم الاستعمارية؟ هل ننسِبُ القتلَ والتدميرَ إلى دينِهم؛ لأنَّ الأمريكانَ النصارى قَتلوا مئاتِ الآلافِ بالقنبلة الذرية؟!.
هل نقول: إن دينَ النصارى يدعُو للقتل واحتلال البلدانِ الأخرى؛
стр. 1869
لأنَّ الرجلَ المتدِّينَ المحافظَ ربيب القُسُس "بوش"، غَزَا العراقَ ودمَّرها وقتلَ آلافَ المدنيين العُزَّل، وأحدَثَ فيها فوضى يَجني مرارتَها ملايينُ العراقيين؟ هل نقول: إن دينَ النصارى دين القتل والإرهاب؛ لأن قُسَسَ ورهبان "الهوتو" في إفريقية ساهموا في المذابح التي حَدَثت للتوتسي، وقد طُلِب بعضُهم كمجرمي حربٍ للأمم المتحدة؟ هل ما حَدَث في البوسنة والهِرسك من مذابحَ واغتصابٍ للمسلمين على أيدي الصرب يُحسَبُ على دينِ النصارى وعلى المسيح ﵇ لأنَه جاء في الإنجيل "ما جئتُ لأُلقِيَ سلامًا على الأرض"؟ هل مذابحُ المسلمين في ليبريا وسيراليون التي قام بها النصارى ننسبها للمسيح ودينه؟.
إن على البابا "بندكت" أن يُصلِحَ حالَ كنائسِه التي زَكَمَت فضائحُ شذوذ رجالِ الدين فيها الأنوفَ قبل أن يتحدَّثَ عن الإسلام ونبيه بتلك اللهجة المَتحامِلة، فمن كانَ بيتُه من زجاجٍ فلا يرمي الناس بحَجَر" اهـ.
* * *
يا أيُّها البابا ..
أقْصِرْ، فأنتَ أمامَ وهْمٍ حاشدِ … يا مَن عَبَدْتَ ثلاثةَ في واحدِ
أقْصِرْ، فموجُ الوَهْم حولكَ لم يزَلْ … يقتاتُ حبَّةَ كلِّ قلبٍ حاقدِ
أَقْصر فدونَ رسولنا وكتابنا … خَرْطُ القتَادِ وعَزْمُ كلِّ مجاهدِ
يا أيها البابا: رويدَك إِنَّنَا … لنرى التآمُر في الدُّخانِ الصَّاعِدِ
في دينِنا نَبعُ السَّلامِ ونهْرُه … نورٌ يَفيضُ به تبتُّلُ راشدِ
стр. 1870
فلَنَحْنُ أوسطُ أمَّةٍ وقفتْ عَلَى … مِنهاج خالقِها وقوفَ الصَّامِدِ
إنا لنؤمنُ بالمسيحِ ورفعِهِ … ونزولهِ فينا نزولَ الرائدِ
فَعَلَامَ تَصْدُمُنا بِشَرِّ بِضاعةٍ … معروضةٍ في سوق وَهْمٍ كاسدِ؟
أنْسَاكَ تثليثُ العقيدةِ خالقًا … فردًا يتوقُ إليه قلبُ العابدِ
أبْدَيْت بغضاءَ الفؤادِ ورُبَّمَا … أخفيت منها ألف عقدةِ عاقدِ
أتراكَ تُدْرِكُ سوءَ ما أحْدَثْتَهُ … مما اقترفت مِن الحديث الباردِ؟
عجبًا لعقلكَ كيف خانَك وعْيُهُ … حتى أسأت إلى النبيِّ القائدِ؟
هذا محمد، أيها البابا، أما … يكفي من الإنجيلِ أقربُ شاهدِ؟
بقدومِهِ هتفَ المسيحُ مُبَشِّرًا … بشرى بموعود لأعظمِ واعدِ
قامتْ عليكَ الحُجَّةُ الكبرى فلا … تُشْعِل بها نيرانَ جَمْرٍ خامدِ
إنْ كانَ هذا قوْلَ مرشدِ قومِهِ … فينا، فكيف بجاهلٍ ومعانِدِ؟
ما قيمةُ التَّاج المرصَّع حينما … يُطوَى على وَهمٍ ورأيٍ فاسدِ
يا أيها البابا .. لدينا حُجَّةٌ … كالشمس أكبرُ من جحودِ الجاحدِ
مليارُنا حَيُّ الضميرِ وإنْ تكنْ … عصفتْ به منكم رياحُ مَكايد
قعدَتْ بأمَّتِنِا الخطوبُ ولنْ تَرَوْا … منها إذا انتفضَتْ تخاذُلَ قاعِدِ (١)
* * *
* فَتكُ باباواتنا .. وفَتكُ "بابا الفاتيكان":
° يقول دكتور استفهام: "حين يتهَّجمُ رأسُ الكنيسةِ العالميةِ على الإسلام والمسلمين والنبيِّ ﷺ ، فهذا شأنٌ أراه طبيعيًّا؛ لأنَه يقفُ مع الإسلام في حالةِ خِصام، وهو تَلُوحُ بين عَينيه الحروبُ الصليبيةُ التي قادتها الكنائسُ العالمية، وكان طابعُها دينيًّا مَحْضًا، وإشرافٌ قليلٌ على ما فَعلوا في العالم الإسلاميِّ يُقنِعُهم هم قبلَ أنْ يقتنعَ غيرُهم بمن هو "الإرهابي" الذي غاصت قوائمُ خيولِه في دماء الأبرياءِ من المؤمنين في القُدس والشام ومصر وما حولها.
° إنَّ من البلايا الكبيرةِ أن يتحدَّثَ نصرانيٌّ عن "العقل والمنطق"، فأيُّ عقل وأيُّ مَنطقٍ في الدين النصراني المحرَّف، فكيف يكونُ الثلاثةُ واحدًا والواحدُ ثلاثةً إلاَّ في عقولِ المخرِّفين الذين لم يَستنيروا بنورِ الوحيِ والعقل؟! وأيُّ منطقٍ يُسعِفُ مَن يرى أن إلهَه قَتل ابنَه حتى يُخلِّص الآثِمِين من آثامِهم، فهو كالذي غَضِب على زوجتِه فقَطَع ذَكَرَه؟!.
° لا أستغربُ أن يَصُدرَ من بابا الفاتيكان ما هو أشر من هذا وأشنع، فقد بَدَت البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورُهم أكبر، ولكني أعجبُ حين يكونُ هَديُ "القرآن" ومنهجُ محمدٍ ﷺ ما هو إلاَّ تعاليمَ شريرةً قليلةً، فأصبح الإسلامُ الشاملُ لتفاصيل الحياةِ دقيقِها وجليلِها تعاليمَ شريرة، بينما صارت النصرانيةُ المحرَّفةُ هي الدينُ الذي لا يُخالِفُ العقلَ والمنطقَ .. مع أن الدينَ النصراني "الروحاني" هو الذي أَسَّس العلمانية التي تَجعلُ الدينَ منزويًا في الكنائس، لا يَعرفون منه إلاَّ قَرْعَ الأجراس، وتعميدَ الصِّبية، وأكلَ الخبزِ وشُربَ الخمر، فوجدت "العلمانيةُ" التي أشْقَتِ الناسَ المجتمعَ
стр. 1874
النصرانيَّ خاويًا من كل تشريع مدنيٍّ، لأن دينَهم ليس دينًا شموليًّا يأتي على تفاصيلِ الحياة .. بل هو دينٌ هُلاميٌّ لا يرى الرُّوحَ ولا النفسَ، ولا يَحُلُّ مشكلاتِ الواقع، بل هو إلى الخرافةِ أقربُ منه إلى العقل والمنطق!.
° لا أستغربُ هذا أبدًا من رجل يَسُبُّ اللهَ حين يعتقدُ بأنه ثالثُ ثلاثة، أو أن له ولدًا، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٠ - ٩٢].
فمن يقولُ هذا يقولُ ما هو أقلُّ منه مِن سبِّ الإِسلام وتعاليمِه، ولكنَّ العجبَ كلَّ العجبِ من "بباواتنا" الذين بَصَموا على كلام البابا، وأيَّدوه، وجَعَلوا كلامَه فُرصةً لتبيينِ حقيقةِ الموقفِ من الإِسلام، وهم قد رَضَعوا مناهجَه في تعليمهم، وخالَطوا أهلَه، ولكنهم يقومون بالإنابة لهدمِ قِيَمِ الإسلام وشرائعِه حين يتَّهمونه بأنه "انتشر بالسيف"، ولا يَقصِدون انتشارَ الإسلام بالسيف بمعنى "الجهاد" الذي يُزيلُ الطواغيتَ التي تَحولُ دون المسلمين ودونَ أن يُسمعوا الناسَ هدايةَ الله، ولكنهم يَقصِدون بانتشارِ الإسلام "بالسيف" أن إكراهَ الناسِ على دينٍ لا يوافقُ العقلَ، والتاريخُ يشهدُ على طُولِه وكثرةِ معاركِ المسلمين أنهم لم يُكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام، بل الإسلامُ ينسابُ إلى نفوسِهم كالماءِ الرقراقِ العَذب، فيَجدون فيه لذةً لا يَجِدونها في أيِّ دين غيرِه، بل أَمِنَ "النصارى" في بلادِ المسلمين وتعايَشوا مع أهل الإسلام ما لم يأَمنوا في بلادِهم الأصليةِ بلادِ بني الأصفرِ! فأيُّ سيف يتحدثون عنه؟!.
стр. 1875
إن بليَّتنا الكبرى في مِثل "عبده خال" ومَن حذا حَذْوَه من الكُتَّاب الذين لم يُدركوا أنهم يُصادِمون صَخرةَ الإسلام، الذي أعيا المَناطقةَ والفلاسفة، ووَجدوا فيه توافقًا بين العقل والنقل، وتمازُجًا بين الرُّوح والمادةِ في تعاليمه، وشموليةً من غيرِ تناقض، فلم يَجِدوا إلاَّ المُخاتلةَ بالألفاظ، والتعميمَ في الأحكام، بمثل قولهم: "إن الإسلامَ انتشر بالسيف، وإنه لا يَقبلُ تطبيقَ العقل في النص، ولا أدري أين هو تراثُ المسلمين الذين جَعلوا للعقل مكانتَه الحقيقيةَ من غيرِ إفراطٍ ولا تفريط، وأين هي قراءةُ منهجِ المحدِّثين في نَقدِ مُتونِ السُّنة، وأين هي القواعدُ العقليةُ التي قَعَّدها علماءُ المسلمين على مَدارِ التاريخ، وأين هي حركةُ الفقه الكبيرة والاجتهادِ في أبوابِ العلِم والمعاملات، في تراثٍ لم تَعرِفِ البشريةُ مِثلَه؟ وأين هو عن مدوَّناتِ الفقهِ التي لم تتركْ شاردةً ولا واردةً إلاَّ وذَكرت لها حُكمًا، وأين هو عن "منهج القرآن" الذي دَلَّل على قضايا الاعتقاد والغَيبِ والنبوة والألوهية بأدلةٍ عقلية، وأثنى على أهل العقولِ، وأشادَ بهم في مواضعَ كثيرةٍ .. وكثيرةٍ جدًّا!.
إن خُذلانَ الإسلامِ يأتي من دعاةٍ على أبوابِ جهنم، هم أشدُّ فَتكًا به من "بابا الفاتيكان" الذي أخرج خَبيئةَ نفسِه، ثم جَعَلها أسئلةً مشروعة تحتاجُ لإِجابات .. فإنْ كان بابا الفاتيكان قد عاش في كنيستِه وصَومعتِه بين كتبٍ لا تساوي خُروج الحمير، فكيف بمَن تربَّى حولَ البيتِ العتيق، ورَضَع مِن منهجِ الإسلام، ثم ينقلبُ عليه ويَلمِزُه -ولا إخالُه- إلا خاليًا من كل شيمةٍ وعِلمٍ وعقل .. والله المستعان!.
стр. 1876
* يا بنديكت الذميم، سيَفتحُ المسلمون روما .. هذا وَعْدُ نبيِّنا ﷺ -:
° نقول لبنديكت الذميم: "كَشَف الإعلاميُّ السعوديُّ عصام مدير -صهر الداعية الراحل أحمد ديدات- أن تصريحاتِ البابا جاءت على خَلْفيةِ إسلامِ عددٍ كبيرٍ من القساوسة داخلَ الفاتيكان، وصَلَ إلى حوالي ٣٠ قِسِّيسًا، وأنه تَجرِي لهم حاليًا محاكماتٌ واسعةٌ لمعاقبتِهم وطَردِهم من الكنيسة، ونَقَل الخبرَ موقعُ "إخوان أون لاين" ونقلته عنه جريدة "الأسرة العربية" عدد (٢٩٣٦) صفحة (١).
* وهديةٌ أخرى نُهديها لك أيها اللئيم:
• عن أبي قَبيل قال: كنَّا عند عبدِ الله بن عمرِو بنِ العاص، وسُئِل: أيُّ المَدينتَينِ تُفتح أوَّلَا "القسطنطينية" أوْ "رُوميَة"؟ فدعا عبدُ اللهِ بصندوقِ له حِلَقٌ، قال: فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حَولَ رسولِ الله ﷺ نكتبُ، إذْ سُئل رسولُ الله ﷺ : أيُّ المَدينتَينِ تُفتح أوَّلاً: أقسطنطينيةُ أو رومِيَة؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "مدينةُ هِرقلَ تُفتحُ أوَّلاً" .. يعني: قسطنطينية (١).
و"روميَة" هي روما كما في "معجم البلدان"، وهي عاصمةُ إيطاليا حيث دولة الفاتيكان.
стр. 1877
بابا الفاتيكان:
أنا أدري
بأنَّكَ ترهَبُ العلياءَ في ديني
وتَرْهبني لأني أبعثُ الآمالَ في قلبِ المساكينِ
وتَرْهبني لأني الروحُ تسْرِي في الملايين
أنا المسلمُ إني أَسمعُ الدنيا تناديني
وعندي البَلسَمُ الشافي لأمراضِ الملايينِ
ستعلو رايتي في هذه الدنيا وتُعليني
وتُورِق في صحارِي الرمل
غابَاتٌ من الزيتونِ والتينِ
* * *
* استباحةُ الإِسلامِ على يَدِ القِزمِ الكريه .. المجرمِ الصليبي الفرنسي "روبير ريد يكير" وصحيفة "لوفيجارو" الفرنسيَّة:
بعد أيامٍ قليلةٍ من الجريمة التي ارتكبها بابا الفاتيكان في حق الإسلام والمسلمين، خرج علينا فيلسوفٌ فرنسيٌّ يُدعَى "روبير ريديكير" بمقالٍ رديءٍ في صحيفةِ "لوفيجارو" الفرنسية، يتهجَّمُ فيه على الإسلا م والمسلمين، ويُوجِّهُ فيه السِّبابَ إلى الرسولِ ﷺ .. وتحت عنوان "في مواجهةِ التهويل الإسلامي ماذا يفعلُ العالم؟ " راح الكاتبُ الفرنسيُّ الشهيرُ يَنْضَحُ حِقْدًا، ويبثُّ سمومًا لا تَقِلُّ أَبدًا عن تلك التي أطلقها سَليلُ النازيةِ والحاقدُ على
стр. 1878
الإسلام بابا الفاتيكان.
إنها تصبُّ في ذاتِ المستنقع الذي يَغترفُ منه بعضُ هؤلاء مِدادَ أقلامهم وكلماتهم.
° ففي الأسبوع الماضي انطَلقت الصحيفةُ الفرنسيَّةُ، وعلى صَدْر صفحاتِها هذا المقالُ الذي ربَّما لم يَسْتَرْع انتباهَ الكثيرين، رغمَ أن "لوفيجارو" صحيفةٌ فرنسيةٌ شهيرةٌ وذائعةٌ الصِّيت، ولكن يبدو أن استمرارَ الحملاتِ الصليبيةِ الجديدةِ على الإسلام والمسلمين جَعَل من هذه الإهاناتِ والمؤامراتِ وكأنَّها أمرٌ طبيعيٌّ!!.
° لقد شَنَّ الكاتبُ الفرنسي الوقحُ "ريديكير" هجومًا شديدًا في مقالِهِ الأخيرِ، حيث قال فيه: "إن العنفَ والكراهيةَ تعيشُ في الكتاب الذي يُثَقِّفُ المسلمين" -في القرآن الكريم-.
° وقال بكلِّ بجاحةٍ وحِقدٍ: " إن القرآنَ هو كتابُ العنفِ المُطلَق".
° وقال هذا الحاقدُ السَّفيهُ مبرِّرًا للوقاحةِ التي أطلقها بابا الفاتيكان: "إن ردودَ الفعل الإسلاميةَ على خطابِ البابا التحليليَّ، تأتي في إطارِ سعْي هذا الإسلام إلى خنقِ أغلى ما يمتلكُه الغربُ -وما لا يوجدُ في أيِّ بلدٍ مسلمٍ-، وهو حريةُ التفكيرِ والتعبير".
° وشَبَّه الكاتبُ الفرنسيُّ الإسلامَ بالشيوعية، وقال: "اليومَ -مِثلَ الشيوعيةِ بالأمس- يَستغلُّ الإسلامُ كَرَمَ الغرب، وانفتاحَه وتسامُحَه وقِيَمَه الديمقراطية، وهو يسْعَى إلى فرضِ النظام القرآنيِّ على العالَمِ الغربيِّ نفسه".
стр. 1879
° وشَنَّ الفيلسوفُ الفرنسي الكريهُ القِزمُ القَمِيءُ الشائهُ الخَلْقِ ميتُ القلبِ هجومًا شرِسًا على رسولِ الله محمدٍ ﷺ ، وراح يَنفُثُ عن حِقدِه وسُمومِه بكلماتٍ تتَّهمُ رسولَنا الكريمَ ﷺ بأنه "سيِّد الكراهية"، وأنه "قائدٌ لا يَرحم"، وأنه "سارقٌ"، وأنه "جزَّار اليهود"، وأنه "ذو مُيولٍ جنسيَّةٍ تُخوِّله الزواجَ بالعشرات".
° وراح هذا السَّفيهُ يهاجمُ مناسكَ الحجِّ عند المسلمين بقوله: "إذا كان رَجمُ الشيطانِ في مكةَ هو فِعْلٌ مُقدَسٌ، فبإمكانِك عندئذٍ أن تَفهمَ العنفَ في هذا الدين" (١).
هذا المقالُ الوقحُ الذي تَصدَّر الصحيفةَ الفرنسيةَ لم يُثِرْ أدنى اهتمامٍ عند المسلمين ..
ولو ناراً نَفَخْتَ بها أضاءت … ولكن أنتَ تنَفُخُ في رمادِ
° وكتبت جريدة "الأسبوع" في عددها (٤٩٧) ما قاله "روبير ريديكير" في مقالِه عن رسول الله ﷺ : "إن محمدًا يُصوِّر نفسَه في القرآن على أنه مقاتلٌ لا يَرحم، قام بالنِّهْب، وهو قاهرٌ لليهود، ومتعدِّدُ الزوجات .. وإن القرآن الذي يتعلَّمُه كل مسلمٍ يتضمَّنُ الكراهيةَ والعُنفَ".
ورَغمَ اعترافِ الصحيفة بعدها بيومٍ بالاعتذارِ عن ذلك على لسانِ نائبِ رئيسِ تحريرها "بيار روسلان" باعتبار أنَّ نشرَ هذا المقالِ كان أمرًا خاطئًا، ومؤكِّدًا أنه لا يُمثِّل رأيَ الصحيفةِ، إلاَّ أنه يَدُل على مَوجةِ الكراهيةِ
стр. 1880
العاتيةِ والحقدِ الأسودِ على رسولِنا ﷺ من الغربِ الصليبي" (١).
* مسرحيةٌ وقحةٌ تتهكَّمُ على الإِسلام .. والمسرحيُّ البَذِيءُ "هانس نوينفيلس" وصليبيُّو ألمانيا:
° بعد مقال "روبير ريديكيه " بأسبوع واحدٍ -أي: خلال أسبوعين فقط من كلمة البابا- اندَلعت أزمة جديدةٌ وخطيرةٌ في ألمانيا، حيث عَقدت مؤسسةٌ للعروضِ الأوبرالية في "برلين" مؤتمرًا صحيفًا يومَ الثلاثاء ٢٦ سبتمبر، أَعلنت فيه "كريستن هارمز" مديرةُ "مؤسسة الأوبرا الألمانية" في برلين عن إلغاءِ عرضِ أوبرا "يدومينيو" لموتسارت التي كانت ستَعرِض أربعةَ عروض في شهر نوفمبر، وذلك خَشيةَ أن يَعتبرَها المسلمون استفزازيةً، وذلك بعد أن أشارت الشرطةُ إلى أن عَرْضَها سيؤدِّي إلى مَخاطرَ غيرِ محسوبةٍ على الجمهورِ والعامِلين في الأوبرا، وذلك لِتَضَمُّنِ المسرحيةِ مَشاهداً لِقَطْع رأسَيِ الرسولِ ﷺ وسيَّدنا عيسى ﵇، وقالت الشركةُ في بيانٍ وَزَّعته: إنها فعلت ذلك لمعرفتها بما يُمكنُ أن تُحدِثَه من جَدَلٍ بعد أزمةِ الرسوم الكاريكاتيرية، وخَتمت "هارمز" بأنها تلقَّت تحذيراتٍ أمنيَّةً من عَرْضِها، ولذلك فإنَّ قرارَ الإلغاءِ يأتي في صالح الفنَّانين ومُرتادِي الأوبرا!!.
وهذه الأوبرا التي أَدخل عليها المسرحيُّ "هانس نونيفيلس" تعديلاتٍ، والمكوَّنةُ من ثلاثةِ فصولٍ، كان قد ألَّفها "موتسارت" عام ١٧٨١ م، وسَبق
стр. 1881
أن عُرِضَت في ألمانيا في ديسمبر ٢٠٠٣، وأثارت حينَها رُدودَ فعلٍ قويةً لدى الجمهور، وكان يُفتَرض أن يُعادَ عَرضُها في ٥ و ٨ و ١٥ و ١٨ نوفمبر.
وهو عَرضٌ يقومُ على الفِكرِ الإلحاديِّ الذي يَعتمدُ هنا على عبارة "نيتشه" (١) الفَلسفيةِ الشهيرة "إنَّ اللهَ قد مات" التي أراد أن يَجعلَها عنوانًا لفسلفته التي لا تعترفُ إلاَّ بالحسيَّاتِ وفَقَط بالبشر، وبأنهم هم وحدَهم الموجودون في العالَم، وهنا تَسيرُ التفاصيلُ على جَلْبِ مَلِك "كريت" "أدومينيو" رموزَ جميع الأديان- ومنهم الرسولُ ﷺ وسيدُنا عيسى ﵇، بل وكذلك "بوذا" و"بوزيدون" -إله البحر عند الإغريق-، ثم قَطْعَ رقابِهم، ووَضْعَ كلّ واحدةٍ منها على كُرسيٍّ من الكراسيِّ لِيثُبِتَ أنه انتَصَر على جميع الأنبياء والمُصلِحين، بل حتى على فكرةِ الإله ذاتها!.
لذا فكان طبيعيًّا أن يؤدِّي عَرضُ هذه الأوبرا إلى غَضَبٍ عارمٍ في العالَم الإسلاميِّ بأسره، حيث إنها تُصوِّر عمليةَ قطعِ رقبةِ الرسول ﷺ -وكذلك سيدنا عيسى- بصورةٍ لا يُمكن لأحدٍ تحمُّلُها، بل وهناك مشاهدُ لبطلِ العَرضِ يُمسِكُ بالرقبةِ والدماء تنسالُ منها.
وبعد إلغاءِ العرضِ، ثارت ضجَّةٌ من السياسيِّين الألمان -وبالذات من قِبَل الاتحادِ المسيحي-، فقد انتَقدت المستشارةُ الألمانية "أنجيلا ميركل" زعيمةُ الاتحاد المسيحيِّ ذلك قائلةً: "علينا أن نتنبَّهَ وألا نتراجعَ أمامَ التخويفِ الذي يَقفُ وراءَه إسلاميُّون راديكاليون مستعدُّون لارتكابِ أعمالِ عُنفٍ".
بينما وَصَل الأمرُ بالمتحدِّثِ للشؤون الثقافيةِ للكتلةِ البرلمانية للاتحاد
стр. 1882
المسيحيِّ "فولفجانج بورنزن" للقولِ بأن ذلك الإلغاءَ يُمثِّلُ "ركوعًا للإرهابيين" وتشجيعًا للراديكاليين، وسيزيدُ من ممارسةِ الضغوطِ والتهديداتِ على "ثقافتنا وديننا المسيحيِّ"، بينما رآه "بيتر رامساور" زعيمُ المجموعة البلدية للحزب المسيحى الاجتماعي بأنه ليس سوى "جُبْنٍ خالص"، وفي الوقت ذاتِه قام عُمدةُ "برلين" من الحزب الاشتراكيِّ الديمقراطي "كلاوس فوفرايت" -والمعروف بأنه شاذٌّ جنسيًّا وأثارت علاقتُه بصديقه ضجَّةً في الساحة الألمانية- بمهاجمةِ مديرةِ الأوبرا لقرارِها إلغاءَ العَرضِ .. قائلاً: "يجب أن نحيا بجرأةٍ بقِيَمِنا حولَ الانفتاح والتسامح والحريَّة"، بينما وصف وزيرُ الداخلية "فولفجانج شويبله" -أيضًا من الاتحاد المسيحيِّ- إلغاءَ العَرضِ بأنه "غير مقبول" (١).
* من يَحجُبُ الشمسَ؟ ..
° كَتَب الأستاذ "عزت السعدني" في "تحقيق السبت" بجريدة "الأهرام" بتاريخ ٧/ ١٠/ ٢٠٠٦ م (ص ٣) تحت عنوان "مَن يحجبُ الشمسَ؟ " فقال: "هل هناك إهانةٌ للأديان أكثرُ وأبشعُ من عَرضِ رؤوسِ الأنبياءِ مذبوحةً تقطُرُ دمًا على خشبةِ المسرح؟.
° لا تندهشوا .. ولا تتعجَّبوا .. ولا تَضرِبوا كفًّا بكفٍّ .. لقد أصبحت إهانةُ الإسلام وسَبُّ دينِنا وتشويهُ صورةِ سيِّدنا محمدٍ ﷺ عند الغربِ فضيلةً من الفضائل .. وتعبيرًا عن حريةِ الفكر والرأيِ والإبداع!
стр. 1883
احبِسوا أنفاسَكم، وافتحوا عيونَكم عن آخِرِها، وارهَفوا سمعَكم .. نحن الآن في دار أوبرا برلين في ألمانيا .. أضواءُ الصالةِ تُطْفأ، وأنوارُ المسرح تضاء .. المشهدُ أمامَنا مرعِبٌ مثيرٌ ويَقطرُ دمًا .. بَطَلُ المسرحية "إيدومينو" ملك كريت يَظهر على المسرح وملابسُه البيضاء ملطَّخةٌ بالدماء، وهو يَحملُ حقيبةً كبيرةً مليئةً برؤوس بشريةٍ مقطوعةٍ .. يُخرِجُ البطل الرؤوسَ البشريةَ واحداً بعد الآخر وهي تقطر دمًا، ويَضَعُ كلَّ واحدٍ على كرسي أسودَ قصير .. الرأسُ الأول للإله "بوذا"، والثاني للمسيح عيسى بنِ مريم ﵇، والثالث لنبيِّ الله محمدِ بن عبد الله، والرابعُ "لبوسيدون" إلهِ البحرِ عند الإغريق .. الرؤوسُ الأربعة تقطر دمًا يَسيل على الكراسيِّ وخشبةِ المسرح!
المشهدُ الأخيرُ في المسرحية: "الرؤوسُ الكريمة المقطوعةُ" لم يكن أبدًا في صُلبِ المسرحية التي كتبها "موتسارت" أشهرُ موسيقارٍ في تاريخ ألمانيا في عام ١٧٩١ .. ولم يَخطُرْ على بالِ المؤلف قبلَ مئتين وخمسةٍ من الأعوام .. ولكنه مَشهدٌ أضافته العبقرية الألمانية في الإبداع الفنيِّ وحريةِ الرأي والفكر .. لكي يكونَ مشهدُ النهايةِ رسالةً صريحةً وملعونةً ووقحةً -كما تقولُ الزميلة "الفجر"- إلى الدنيا كلها .. رسالةٌ تقول: "إن الآلهةَ -كلَّ الآلهة- قد ماتت، وإن على الإنسان أن يتولَّى قَدَرَه ومصيرَه بنفسه".
والفكرةُ العبقريةُ الألمانية الشيطانيةُ ليست غريبةً على الفِكرِ والفنِّ والأدبِ والإبداع الأوروبي -والألمانيِّ بالذات-، أليست ألمانيا بلدَ الفيلسوف "نيتشه" الذي أعلن من قبل أن الله قد مات؟.
° هل تريدون أن أُلقِيَ مزيدًا من أعوادِ الكبريت على فَحيحِ غضبِكم
стр. 1884
وحَنَقِكم واستنكاركم؟.
قبل أن نُشعِلَ أعوادَ الثقاب -ولسنا في حاجةٍ إلى إشعالها-، فالمصيبةُ قد وقعت، والإهانة قد وصلت .. هل تريدون أن تَعرفوا قصةَ المسرحية التي تَحمل اسم "إيدومينيو" ولا علاقة لها بالإسلام، أو المسيحية من قريبٍ أو بعيد.
و"إيدومينيو" هذا بطلُ المسرحية كان مَلِكًا على جزيرة "كريت" في البحر الأبيض .. وقد ذهب في رحلةٍ بحريةٍ لتحاصرَه العواصفُ والرياحُ والأمواج .. ولَمَّا أوشكت مركبُه على الغَرَق .. دعا "بوسيدون" -إلهَ البحار عند الإغريق- لكي ينقذَه .. ونَذَر له إذا أنقذه أن يقدِّم له قربانًا يذبحه على مِحرابِ الأكروبول .. وهو أولُ مَن تقعُ عليه عيناه بعد نجاته.
وينجو "إيدومينيو" من الغَرَق، ويَصِل إلى البَرِّ .. ولكنَّ المفاجأةَ القاتلة: "أن أولَ مَن وقعت عليه عيناه بعد نجاته .. هو ابنهُ الوحيد"!.
هكذا كتب "موتسارت" مسرحيتَه قبلَ أكثر من مِئتي عام .. لماذا إذن هذا المشهدُ المؤلمُ والذي أشعل قلوبَ المسلمين والمسيحيين حنقًا وغضبًا؟! رأسُ النبي محمدٍ ورأسُ عيسى بنِ مريم تقطرانِ على المسرح في مشهدِ النهاية؟.
آخرُ خبر. . أن المسبرحية لم تعرض .. لَا الآن ولا في نوفمبر المقبل وهو موعدُ عرضِها الرسمي في أوبرا برلين الشهيرة.
ولكنَّ المشهدَ الأخير صوَّروه وقدَّموه للميديا الألمانية، والغريب بعد ساعاتٍ من جريرة البابا بنديكت السادس بابا روما بتصريحاته التي أهانت
стр. 1885
الإسلامَ وسَبَّت نبيَّه الكريم!.
كانت المسرحيةُ إهانةً سخيفةً وبلا مبرر، شأنها شأن محاضرةِ بابا الفاتيكان الذي أقحَمَ فيها كلامًا مسيئًا للإسلام، برغم أنه كان يتحدثُ عن العقل في المسيحية، فوصف الإسلامَ بأنه بلا عقل!.
ثم ما الداعي هنا لوضع رؤوسِ الأنبياء تنزف دمًا في مسرحيةٍ تتحدثُ عن إلهٍ إغريقي هو مجردُ أسطورةٍ يونانية قديمة؟.
على أيِّ حالٍ، فإن هذا الإبداعَ الشيطانيَّ الألمانيَّ قد فَتح على مُبدِعيه أبوابَ جهنم .. بدايةً من تهديدِ وزيرِ الداخليةِ الألمانية "أبهر هارت" .. لكريستين هارمس مديرةِ أوبرا برلين بمنع عرضِ المسرحية نهائيًّا قائلاً لها: "إن رأسَ النبيِّ محمدٍ المقطوعَ سوف يأتي بالغضب الإسلاميِّ إلى قلب الدار"!.
الصحفُ الألمانية لم تَرْضَ بوقفِ عرضِ المسرحية، وقالت: "لا صوتَ يعلو على صوتِ حرية الرأي والتعبير"، وهو منطِقُ الصحفِ الدنماركية نفسها أيامَ أزمةِ الرسوم المسيئة للرسول .. وإنَّ مَنْعَ عَرضِ المسرحيةِ خيانةٌ لمبادئِ حريةِ الرأي والتعبيرِ في ألمانيا!.
* إِهانة كل ٣٥ دقيقة:
مرةً أخرى .. لا تندهشوا .. ولا تتعجَّبوا .. ولا تستغرِبوا .. لقد أصبحت إهانةُ الإسلام وسبُّ ديننا وتشويهُ صورةِ نبيِّنا عند الغرب فضيلةً من الفضائل .. وعادةً يوْميةً تخرجُ على الملأ .. وعلى صفحاتِ الصحف .. وعلى شاشاتِ المحطَّات الأجنبيةِ دون خَجَلٍ، ودون مواربةٍ
стр. 1886
آخرها على لسانِ أكبرِ رأسٍ في الكنيسةِ الكاثوليكية الذي أهان الإسلامَ، وَصَنَعَ من رسالةِ محمدٍ شرًّا مستطيرًا .. مَثَلُه مَثَل مَن يجلسُ الآن على كرسيِّ أعظم دولةٍ في الوجودِ قوةً ومالاً وأعزَّ نفرًا .. فهو -لا فضَّ فوه- أولُ مَن نَطَق بعبارة: "لقد عادت الحربُ الصليبيةُ من جديد" .. بعد أحداثِ الحادي عشر من سبتمبر، وقالوا يومَها: "إنها زلة لسانٍ" .. وما هي بزلة لسان .. بل عقيدة ويقين.
ومِن ساعتها أصبحت إهانةُ الإسلام وتشويهُ صورةِ الرسول عادةً يومية .. حتى إن العالَمَ الغربي أصبح يُطلِقُ إهانةً ضدَّ الإسلام كل ٣٥ دقيقة!.
ليست هذه الحقيقة المُفزعةُ من عندنا .. ولكنها إحصائيةٌ رسميةٌ صَدرت من "الميدل إيست ووتش" التي قالت صراحة: "إن هناك إهانةً تخرجُ ضدَّ الإسلام كل ٣٥ دقيقة .. في صورةِ جملةٍ في مقالٍ، أو سَطرٍ، أو حتى برنامجٍ إذاعيٍّ، أو كلمةِ احتجاج في الشارع .. أو حتى نكتةٍ في برنامجٍ ترفيهيٍّ، أو غُرزةٍ من غُرَز ملهًى ليلي .. كما لو كان المسلمون هم تسليةَ العالَم الغربيِّ الوحيدةَ الآن في وقت فراغه"!.
وهكذا تَحوَّل المسلمون في بِقاع الأرض إلى أُضحوكةٍ ومادةٍ كاريكاتورية هَزْليةٍ كرتونيةٍ للتسلية والترفيه والتندر والسخرية والضحك.
ونحن هنا لا نلومُ الغرب .. ولكننا نلومُ أنفسَنا لأننا بتهاوننا وتخاذُلنا وصمتنا الرهيب كأننا نطلبُ منهم ونرجوهم أن يُحوِّلونا إلى فيلمٍ ضاحك .. مسرحيةٍ ساخرة .. نكتةٍ أضحوكة .. مادةٍ للتسلية
стр. 1887
وقتل الوقت!.
وإذا كانت إهانةُ بابا الفاتيكان الذي لم يَعتذرْ حتى هذه الساعة .. كلُّ ما قاله: إنه يأسفُ لأننا فهمنا كلامَه خطأً .. الخطأُ خطؤنا نحن .. وعلينا نحن أن نَعتذرَ له عن سوءِ فَهمِنا لكلامه الذي شوَّه فيه صورةَ إسلامنا، ووَصَفه بأنه دينٌ بلا عقل وبلا منطق .. ووَصف رسولَنا الكريم بأنه رسول أتى بالشرِّ كله!.
فماذا نريدُ أكثرَ مِن إهانةٍ جديدةٍ لديننا ونبينا كلَّ ٣٥ دقيقة لكي نتحركَ ونُوقفَ هذه الحملةَ المنظمةَ المدبَّرةَ والمقررةَ والمخططةَ سَلَفًا ولاحقًا ضدَّ الإسلام ونبيِّه الكريم؟.
لقد أعلن العالَمُ الإسلاميُّ كلُّه عن غضبه وثورته .. ولكنَّ هل الغضبَ وحدُه يكفي؟.
لقد رَفض الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر أسفَ بابا الفاتيكان .. وطلب منه أن يعتذرَ رسميًّا ودينيًّا وبابويًّا!.
ورَفض البابا شنودة الثالث بابا الكرازة المرقسية ما قاله بابا الفاتيكان وما كان عليه أن يتورَّط في مِثل هذه الأقوال.
وقال: إن كلام بابا الفاتيكان لا يمثِّلُ كنيسةَ روما ولا الكاثوليك!.
وقال الشيخُ القرضاوي رئيسَ الاتحاد الدولي لعلماءِ المسلمين بأن يعتذرَ البابا قولاً وكتابةً وبعباراتٍ صريحةٍ وقويةٍ.
لابد أن يعرفَ الغربُ أن الدينَ الإسلاميَّ منطقة محظورةٌ محرَّمةٌ .. ممنوعٌ الاقترابُ منها، أو الدخول إليها .. إلاَّ بالحقِّ والصدق .. لا بالتسليةِ
стр. 1888
والسخريةِ والتهكُّم كل ٣٥ دقيقة.
وما زال مسلسلُ التهكم والسبِّ والسِّباب معروضًا ومفروضًا علينا في أيام الشهر الكريم.
ها هي جريدةُ "الفيجارو الفرنسية" تقول: إن الدينَ الإسلاميَّ يدعو إلى العنف والتطرف.
وها هو كاتبٌ جزائري متفرنسٌ يكتب مقالاً يهاجمُ فيه الإسلامَ والرسولَ، ويَصِفُ الإسلامَ بأنه دين العنف .. ويصفُ النبيَّ الكريم -ويا لِهولِ ما قاله- بأنه قاطعُ طريقَ!.
وهكذا كلَّ ٣٥ دقيقة إهانةٌ، أو سبٌّ، أو تهكُّمٌ على الإسلامِ والمسلمين والرسول الكريم ﷺ !.
يَعني كلَّ ٢٤ ساعة العالمُ الإسلامي في انتظار ٤٥ لطمةً وسَبَّةً وتَهكُّمًا وقلَّةَ حياءٍ وحقدًا وكراهيةً في منظومةِ إهانات لن تتوقف ولن تهدأ .. إذا لم نتحرك عقلاً وتعقلاً وفكرًا ومنطقًا .. لا غضبًا وتهورًا!.
* حُمَّى "الإسلاموفوبيا"!:
° ما الذي جرى؟
وما الذي يجري؟
ما الذي يَجري للغرب حتى جُنَّ جُنونه وأُصيب بهستيريا مهاجمةِ كلِّ ما هو مسلم وكل ما هو عربي؟.
ما الذي جَرى حتى يصبَح كلُّ مسلمٍ متطرِّفًا .. وكلُّ عربيٍّ إِرهابيًّا؟.
ما الذي جَرى حتى يتَّهموا كتابَ الله بالعُنف والتطرُّفِ وهو منه
стр. 1889
بَرَاء .. فالإسلامُ هو دينُ المحبةِ والسلام بين كلِّ البشر؟.
ما الذي جَرى حتى يَطلُعَ علينا الرئيس "بوش" في إحدى "تجلِّياته الأُسبوعية" بتعبيرٍ جديد هو "الإسلامُ الفاشي" .. يعني رَبْطًا بين الإسلام والفاشيةِ التي خَرجت من عَباءة "موسيليني" حليف "هتلر" في الحرب العالمية الأخيرة؟.
ما الذي جرى لنا حتى نسكتَ على كل هذا الضَّيم وهذا الهَوان .. في ديننا ونبينا؟.
ولكن هذه الهجمةُ الشرسةُ على الإسلام والمسلمين يصِفُها الزميلُ العزيز والكاتب الصحفي د. "سعيد اللاوندي" في مكانها الصحيح بقوله: لا تندهشْ، ولا تتعجب مما يجري من حولنا .. انفلاتُ لسانِ بابا الفاتيكان أو تهكُّمُ مسرحيةٍ ألمانية تقطع رؤوسَ الأنبياء على المسرح .. بحُجَّة حرية الرأي والتعبير!.
شتائمُ وقِحةٌ من صحفٍ فرنسيةٍ وإيطاليةٍ وألمانيةٍ ونمساوية ودنماركية .. أو بذاءاتُ كاتبٍ متأورب اسمه "سلمان رشدي" .. إنها يا عزيزي ظاهرةُ "الإسلاموفوبيا" التي تجتاحُ الغرب الآن! " اهـ.
* بل هي -واللهِ- كما يقول الله عر وجلَّ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
* اليوم عادت كلابُ الدانمرك نابحةً:
و"مع ذكرى الرسوم الدانماركية الوقِحَة، يقومُ التليفزيون الدانماركيُّ بنَشرِ صورٍ للنبي محمدٍ ﷺ للمرةِ الثالثةِ في مسابقةٍ دنماركيةٍ لمن يُقدِّمُ أبشعَ
стр. 1890
صورةٍ للرسول الكريم ﷺ ، حيث صَوَّروا النبي الكريمَ في شَكل جَمَلٍ يَشربُ البِيرة، وكذلك في شَكلِ مجاهدٍ سكرانٍ يُحاولُ تفجيرَ "كوبنهاجن"، في نَفسِ الوقتِ الذي يَنفي مسؤولُ نَشرِ الرسوم الكاريكاتورية التي أساءت للرسول ﷺ عَدَمَ نَدَمِه قائلاً: "لستُ نادِمًا على أيِّ شيءٍ، ولو اقتَضى الأمرُ المُعَاودَةَ لعاودت".
° ومِن جهةٍ أخرى ذَكرت وكالةُ الأنباء الفرنسيَّة أنَّ المجتمعَ الدانماركي أضحى أشدَّ نقدًا للإسلامِ، وأنَّ واحدًا من أربعةِ دانماركيين أضحى أكثرَ سلبيَّةَ تُجاهَ الإسلام، وأن قُرابةَ (٦، ٤٦%) من الدانماركيين يُقِرُّون صاحبَ الرسوم على موقفِه انسجامًا مع مبدأِ حريَّةِ التعبير (١).
* "إِذا لم تستحِ، فافْعَلْ ما شئت" يا "خوسيه ماريا أزنار":
ثُمَّ ها هو رئيسُ الوزراء الأسباني السابق "خوسيه ماريا أزنار" يطالبُ المسلمين اليومَ بالاعتذار الرسميِّ عن فترةِ حُكمِهم لأسبانيا، ويقول: "إنهم أرادوا كَسْرَ الصليبَ والقضاءَ على المسيحية" (٢).
وأعرَبَ القِزمُ الصليبيُّ عن رَفضِه التام لفكرةِ تحالُفِ الحضاراتِ بين الغربِ والعالَم الإسلاميِّ واصفًا إياها بأنها "فكرةٌ غبيَّةٌ".
وهكذا تجتمعُ في آنٍ واحدٍ تصريحاتُ "بوش" عن "الفاشية الإسلامية"، وبابا روما عن شَرِّ الإسلام، وأسقُفِ أستراليا حين هاجَمَ الإسلامَ ثم "أزنار" أسبانيا.
стр. 1891
* رئيسُ الحزب المسيحي الألماني "إِدموند شتويبر" الكارهُ للإِسلام:
إنه أمرٌ دُبِّر في وَضَح النهار، ولا نقولُ بليل .. قبل زيارةِ البابا لألمانيا كانت هناك تصريحاتٌ غريبةٌ معاديةٌ للإسلام قد صَدَرت عن رئيسِ الحزبِ المسيحيِّ الاجتماعيِّ الألمانيِّ ورئيسِ وزراءِ ولاية "بافاريا" "إدموند شتويبر" والمعروفُ بانتقاداتِه الحادَّةِ للإسلام والمسلمين .. قُبيلَ زيارةِ البابا الأخيرة لولاية "بافاريا" حيث صَرَّح "شتويبر" لصحيافةٍ شعبيةٍ تُدعى "بيلد" تابعةٍ لدار نشر "أكسل شبرنجر" وهي معروفةٌ بدَعمها المطلَق لإسرائيل .. وبمناسبةِ زيارةِ البابا لِمَسْقَطِ رأسِه في ولاية "بافاريا" قائلاً: "إن المسيحيةَ تختلفُ عن الإسلام برَفضِها التعصُّبَ وعدمَ التسامح، وقبولِها الحرياتِ الدينية، واعترافِها بالمساواةِ الكاملة بين الرجل والمرأةِ، وعدمِ سماحِها بالزواجِ عن طريقِ الإكراه".
وأضاف قائلاً: "على العكسِ من الإسلام تَعتبر المسيحيةُ الإِنسانَ كائنًا فريدًا، له قيمةٌ كبيرة، ويَتمتعُ بالحق في الحرية والمساواة".
الأمرُ الذي لم يَعُدْ مفهومًا سوى بتصريحاتِ البابا التي جاءت بعد تصريحاتِ "بوش" وكأن هناك اتفاقًا سريًا ما لِشَنِّ حملةٍ سياسيةٍ دينيةٍ عالميةٍ ضدَّ الإسلام (١).
* الكاتب الألماني الصليبي "إِيجون فليج":
وعلى نفسِ النهج يتكررُ الأمرُ "في مقالةٍ نشرتها صحيفة "فرانكفورتر ألجمانيه" يوم ١٦ سبتمبر للكاتب "إيجون فليج" تحت عنوان: "الإسلام
стр. 1892
يُريد غزو العالم" هاجَمَ فيها الإسلامَ بحِدَّةٍ ووَصَمَه فيها بالعنف، وبأنه دينٌ قتاليٌّ، وأنه يَرى الأندلسَ ومنطقةَ البَلْقان وجنوبَ إيطاليا والجُزُرَ اليونانيةَ كلَّها باعتبارها مستعمراتٍ إسلاميةً سابقةً، وأنها يجبُ أن تعودُ إلى حِصنِ الإسلام، وأن هَدَفَ المسلمين غَزوُ العالَم بأسره، وتدميرُ دارِ الحرب، والتعويلُ على ذلك بالحربِ والعنفِ، بل وَصَلَ به الأمرُ إلى الدفاع بقوةٍ عن الحروب الصليبيَّةِ، مؤكدًا أن البابا "أوربان الثاني" كان حِينَها على حَقٍّ، وأن هذه الحروبَ تمَّت إمَّا لمساعدةِ المسيحيين المُضْطَهَدين، وإما التحرير الأماكن المقدَّسةِ في فلسطين، أو لحمايةِ المسيحيين من الأطماع الإسلاميةِ، بل إنه تَكلَّم -حتى وعلى عكسِ ما هو ثابتٌ تاريخيًّا- عمَّا أسماه تميُّزًا واضطهادًا من المسلمين تُجاهَ المسيحيين واليهود.
ثم وَصَل الأمر بـ "فليج" إلى انتقادِ الإسلام بكلّ قوَّةِ ودعم مَن أسماهم "بالمثقَّفين الإسلاميين" مِن أتْباع الغرب، ليختمَ مقاله قائِلاً: "إن من يَستمرُّ في بَثِّ الأساطيرِ عن التسامح الإسلاميِّ، يَحُولُ دونَ قيام المثقَّفينِ الإسلاميين بأيِّ إصلاحٍ للإسلام" (١).
وبعدَها بثلاثةِ أيام فقط -يوم ١٩ سبتمبر- كان مقالُ "روبير ريديكيه" في صحيفةِ "لوفيجارو الفرنسية".
* ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾:
إنَّ مَن يُهاجمون النبيَّ ﷺ لا يَجهَلون مَن هو، بل يَعرفونه حقَّ
стр. 1893
المعرفة، ألم يُخبِرْنا الحق أنهم يَعرفونه كما يعرفون أولادهم؟! ألَا نقرأُ في القرآن: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]؟!.
وهي تدلُّ بوضوح على أن علماءَ وقادةَ أهل الكتاب يَعرفون محمدًا ﷺ ، وهي معرفة حقيقيةٌ ومستمرةٌ كما تدل الآيةُ الكريمة.
* أخبرنا كذلك أن هذه المعرفةَ جاءت مِن كتبهم، وليس فقط مِن اطِّلاعِهم على أحداثِ العالَم، أو اهتمامهم بالإسلام، فقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولا شك أنهم يَعرفون النبي وهم يُهاجمونه.
* قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
* وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
كيف يُمكن تفسيرُ أن تُزَيَّن بعضُ كنائِس أوروبا بلَوحاتٍ ورسوماتٍ لنبيِّنا محمدٍ وهو -كما يدَّعون- يُعذَّبُ في نارِ جهنم، وأن تَبقى هذه اللوحاتُ في أماكنها في أكثَرَ من كنيسةٍ خاضعةٍ لسلطةِ الفاتيكان، ولم تَلْمَسْها يدٌ، ولم يُحاوِلْ تغييرَ ذلك أحدٌ من دُعاةِ التسامح والحوارِ طوال عشراتِ السنين، وحتى الآن؟.
стр. 1894
كيف يُفسَّر أن يوضَعَ في كنيسةٍ أوروبيةٍ في عاصمةِ الاتحادِ الأوروبي تمثالٌ مُهينٌ لنبي الأمة وهو مَطروحٌ أرضًا تدوسُه أقدامُ ملائكةٍ تُعلِن انتصارَ المسيحيةِ على الإسلام؟ وكيف إذا كان هذا التمثالُ ليس في الكنيسةِ فقط، بل هو في مِحرابها؟ أي أنه يَراه ويشاهدُه كلُّ مَن يَزورُ الكنيسةَ للعبادة أو السياحةِ أو غيرهما، ألاَّ يدل هذا على الإجرام الذي وصفته الآيةُ في الحديث عَمَّن يُعادونَ نبيَّ الأمة؟.
إن نوعَ الاتهاماتِ والإهاناتِ المتكررةِ والتي تُلصَقُ بنبي الله ﷺ من قِبَل الحمقى من الغربِ، لا تدلُّ إلاَّ على صفةٍ واحدة في هؤلاء .. وهي الصفةُ التي وصفهم بها ربُّ العزةِ والجلال؛ إنها صفةُ "الإجرام"، ومن المهم أن نسمِّيَ الأشياءَ بمسمياتها الصحيحةِ والحقيقيةِ لِننجحَ في الحوارِ والتعايُشِ مع الآخرين (١).
"إن الصورةَ المشوَّهةَ عن الإسلام في الغرب لم تكن بسببِ جهل أوروبا به، ولكنها في الواقع نتيجةُ معرفةٍ حقيقيَّةٍ بالإسلام غُلِّفت بالحقدِ والخوفِ من تنامِي تأثيرِ هذا الدينِ على أوروبا نفسِها وعلى العالم أجمع".
* الصورةُ النَّمَطيةُ عن الإِسلام:
"ساهَمَ المفكرون الأوروبيون الدينيون -وغيرهم أيضًا- في تحويل الإسلام إلى دينٍ كريهٍ بَغيضٍ لدى العامةِ، لكي تحتفظ أوروبا بابتعادها عن الوقوع تحتَ سيطرةِ القوةِ الأخلاقيةِ والفكريةِ الآسِرةِ للدين الإسلامي، كان
стр. 1895
لابد لذلك مِن تكوينِ صورةٍ نمطيةٍ ذهنيةٍ بشعةٍ عن الإسلام ناحيةٍ، وعن نبيِّ الإسلام من ناحيةٍ أخرى لتحقيق ذلك.
° يجبُ الفصلُ هنا بين رؤيتين -كما يرى المفكِّرُ هشام جعيط-:
الأولى: هي رؤيةُ العالَم الشعبي.
والثانية: هي رؤيةُ العالَم المدرسي.
الأولى تغذَّت من الحروب الصليبية، والثانيةُ من المواجهةِ الإسلاميةِ المسيحيةِ في أسبانيا، واحدةٌ انتشرت على المستوى الخيالي، والأخرى على المستوى العقلاني، في الأدب الشعبيِّ كان المسلمون وَثنيِّين، ومحمدٌ ساحرًا وشخصًا فاسدًا وزعيمَ شعبٍ فاسد، "وأغنية رولاند" Roland التي تمثِّلُ -مِن وِجهةِ النظرِ الفرنسية- ملحمةَ الصراع مع المسلمين، بدَورها تقدِّمُ العَرَبَ على أنهم وثنيون، وهي تَخلطُ الملحميَّ بالخيالي.
بالمقابل في الرؤيةِ المتبحِّرةِ هناك معرفةٌ سابقة، ولكنَّ الغَطرسةَ والنوايا السيئةَ لم تُفِد في أن يكونَ التعبيرُ عن هذه المعرفةِ مُنصِفًا أو دقيقًا.
لقد استمرَّ بناءُ هذه الصورةِ النمطيةِ الكريهةِ عن الإسلام طُوالَ الألفِ عامٍ الماضيةِ بشكل دؤوب ومستمرٍّ لم يَنقطع إلاَّ في فتراتٍ محدودةٍ للغاية، ولم تُخالِفْه أو تَعترضْ عليه إلاَّ دوائرُ ثقافيةٌ وفكريةٌ صغيرةٌ وغير مؤثِّرةٍ في الموقفِ الفكريِّ الأوروبي.
لذلك يمكن القول: إنَّ التصوراتِ الغربيةَ المعاصرةَ حولَ دين المسلمين، لم تتكونْ وترتسمْ في صفحةٍ بيضاءَ خاليةٍ، وإنما انعَكست في مرآةٍ قديمةٍ مشوَّهة؛ إذ إن سكانَ أوروبا المعاصرة وَرِثوا عن أسلافِهم مِن