← Сира

Сира · id 96964

وا محمداه إن شانئك هو الأبتر

سيد حسين العفاني

Полный текст (2 668 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بابا غيَّرَ اسمَه، حيث كان اسمُه الأصلي "أوكتافيان"، وهو الذي انتَخب نفسَه للبابوية لَمَّا كان في السابعةَ عَشْرةَ من عمره. ° قال "ولْك": "إنَّ تدنُّسَهُ وتَهتُّكَهُ فاقَ كلَّ حدٍّ". وقد أُقيمت على قداستِه الحجَّةُ عَلَنًا من أجل التسرِّي والزنا بالأقاربِ المحارم والرِّشوةِ بوظائفِ الكنيسة، وهذ البابا كان ذا شهرةٍ رديئةٍ من أجل شهواتِه، حتى إنَّ النساءَ الزَّائرات لم يتجاسَرْن على المجيءِ إلى روميَّا (١). ° قال "بوار": "إنَّ هذا البابا قد حَوَّل القصرَ اللاتيريني -الذي كان مَسكنًا للقديسين- إلى ماخورةٍ، وفيه كان يُضاجعُ سُريَّةَ أبيه، وإنَّ النساء مِن أجلِه كنَّ يَخَفْنَ أن يأتِينَ من البلاد الأخرى لِيَزُرنَ قبورَ الرسُل والقديسين في "روميَّا"، وإن قداستَه ما كان يَدعُ أيَّ امرأةٍ، بل كان يُجبِرُ الزوجاتِ والأراملَ والعذارى أن يَخْضَعْنَ لمطالبه الرَّجسة، ثُمَّ تمكَّن "أوتو" مِن خَلع هذا البابا بالتماسٍ من مَجْمَع مؤلَّفٍ من المطارنة والعامة، لارتكابه انتهاكَ حُرمةِ الأشياءِ المقدسةِ والرِّشوةِ بوظائفِ الكنيسةِ والتجديفِ والتشويهِ القاسي؛ لأنَّه قَطَع يدَ أحد الشمامسة اليمنى وخَصَاه، وقَلَع عين "بانديكت" (٢)، وقَطَع أنفَ حافظِ الأوراقِ القديمةِ وجَلَدَ نيافة مُطران "أسباير"، ولَعَن وحَرَم جميع أضداداه، ثم مات عَقِبَ هذا الحرامِ بضربةٍ أتته على رأسِه بينما كان مضطجعًا في الفراشِ مع إحدى النساء المتزوِّجات (٣).

стр. 1822

° ولاحظ "جوتن" أنَّ "باروينوس" قال روايًا عن، "لويتبراندس": إن الشيطانَ هو الذي ضَرب البابا "يوحنا" تلك الضربةَ على رأسه، لكن يظهرُ أنه من غيرِ المحتمل أن الشيطانَ يُسيءُ لأخيه بعملٍ يقضي عليه، بل من المرجَّح غالبًا أنَّ الذي ضربَه تلك لضربةَ هو زوجُ المرأةِ الزانيةِ التي كان في فراشها (١). ° "بونيفاشيوس السابع" (٩٨٤ - ٩٨٥ م) والقديس "غريقوريوس السابع" (١٠٧٣ - ١٠٨٧ م) كانا أولادَ زنًا (٢): تزوَّجَ بابنتي أختِه "حوبا" … قداستُه كما غفرَ الذُّنوبا ° "بونيفاشيوس الثامن" (١٢٩٤ - ١٣٠٣ م) .. إن هذا البابا لَقَّب نفسه بمَلِكِ الملوك، واحتَجَّ الشعبُ على بَيعِه وظائف الكنيسةِ وسَفكِ الدماءِ والنهبِ، ومِنْ سُكناه مع ابنتي أختِه كسُرِّيَّاتِ له، وقد وَلَدَتا من قداسته (٣). أغوى ولاطَ وأمرُهُ مستنكَرُ … إنَّ الكنيسةَ للخطايا تغفِرُ! ° "يوحنا الثالث والعشرين" (١٤١٠ - ١٤١٧ م) .. إن هذا البابا حُوكِمَ أمامَ جَمعٍ تألَّفَ لذلك الغرضِ، وتبرهَنَ ضدَّه بشهادةِ سبعةٍ وثلاثين شاهداً -ومعظمُ أولئك الشهودِ من المَطارنة والقسوس- على أن قداسته مذنبٌ لارتكابه الفِسقَ والزنا بالأقاربِ المحارم، واللِّواطةِ والرِّشوةِ بوظائفِ الكنيسة، والسرقةِ والقتل، وقد شَهِدَ عليه جماعةٌ بأنه أغوى واغتَصب

стр. 1823

ثلاثَمئةِ راهبة، وقال كاتمُ أسرارِه الخاص "نبام": إنَّ هذا البابا كانت له نِسوةٌ في "بولونيا"، وأصحبت نحوُ مئتي بنتٍ ضحيَّةَ شَهواتِه ورفاهةِ قداسته (١). ° الأحبارُ الرومانيَّة: "سكستوس الرابع" (١٤٧١ - ١٤٨٤ م). ° قال "سنجر" في كتابه "تاريخ العهارة" وجه ١٥٩: إنه وقعَ تحت نَظَره كتابٌ عن حياةِ البابوت -والكتاب يُدعى "الأحبار الرومانية" طبع مدينة نيويورك سنة ١٨٤٥ م-، قال: إنه قرأ في ذلك الكتاب أنَّ تذكارًا أُهدي إلى "سكستوس الرابع" بأحدِ أفرادِ عائلةِ الكردينال القديس "لوسيا"، حيث سَمَحَ له أن يرتكبَ جريمةَ اللِّواطة! وأنَّ البابا كتب على ذلك التصريح أو الإذنِ كلمة "فيات" ومعناها "أمر أو حُكم". "إينوستسيوس الثامن" (١٤٩٢ - ١٥٠٣ م) .. إنَّ قداسةَ هذا البابا كان من الأدنياء، ولم يكن له أدنى سُلطةٍ على شهواته، وقد اشتهى قداستُه أرملةً وابنتين، فجَعَلهن تحتَ تصرُّفِ شهواتِ قداسته. ° قال "ولْك": إن هذا البابا رجلٌ لا آدابَ عنده، ومُخادعٌ وطَمَّاع، وكَسَلَفِه لم يكن نُصْبَ عَينيه إلاَّ غرضٌ واحدٌ يَرمي إليه، وهو تنميةُ وإكثارُ عائلتِه الوقتيَّةِ الوراثيَّة (٢). ° وقال عنه "موشايم": "إنَّ دناآتٍ كثيرةً وجرائمَ عظيمةً وارتكاباتٍ فظيعةً قد أُرَّخَت عنه، حتى صار من اللازم المؤكَّد أنه كان رجلاً مُجَرَّدًا -ليس عن الدِّيانة فقط- بل من اللياقةِ والخَجَل (٣)، وهذا البابا في أحدِ

стр. 1824

الأعيادِ كان عند قداستِه نِسوةٌ زانيات يَرقُصْن، وهؤلاء الزانيات بإشارةٍ منه خَلعْنَ ملابسهن و … نحن نُسدل ستارًا على بقيَّة المنظر (١). ° زَنَى بابنَتِه وأخته!!: وقد كان قداستُه يَزني بأختِه وابنتِه "مدموزيل لوكرتيا"، حيث أنجَبَ منها ولدًا! (٢)، أمَّا من جهةِ روايةِ موته، فنتبع "رِنك" في تاريخه عن البابوات حيث قال: "مِن الثابت والمحُقق أنَّه أراد أن يُسمِّمَ أحدَ الكردينالاتِ الأغنياءِ ليتخلَّص من شرِّه، فأوعزَ إلى الطَّاهي كي يضعَ السُّمَّ في إناءِ الكاردينال، ولكن الكردينال عَرَفَ ذلك، فاحتال بواسطةِ الهدايا والوعودات والصلواتِ وكسبِ قلبِ رئيسِ طهاة البابا، والإناءُ المسموم الذي كان منويًّا وَضعُه أمامَ الكردينال وُضعَ أمام البابا، ومات بالسُّمِّ الذي دسَّه لغيره!! (٣). "بولس الثالث" (١٥٣٤ - ١٥٥٠ م) .. هذا البابا أيضًا كان زانيًا، واعترف بولدٍ وبنتٍ وُلِدا له غيرِ شرعيينِ، ولقد اعترضَ الإمبراطورُ عليه لأنَّه رقَّى حفيدَيه إلى منصبِ الكردينالات، وهما حديثَا السنَّ، فأجاب البابا أنه يريدُ أن يَفعلَ كما فَعَل سَلَفُه مِن قَبلِه!! (٤). وَرِثوا من الأسلافِ كل كريهَةٍ … وتستَّروا خَوفًا من الأتباع

стр. 1825

° قال الأبُ "شنكوي": لا يظنَّ القارئُ ولا يُخدَع بتصوُّره أنَّ بابوات "روميا" في يومنا هذا أحسنُ أو أشرفُ من بابوات القرون الوسطى! بل هم الآن على نَمَطِ أسلافِهم القدماءِ، لا فرقَ بينهم سوى أنهم في هذه الأيام يَهتمُّون في إخفاءِ خَلاعتِهم خوفًا من هذا العالَم الذي أصبح متمدِّنًا، فهم يخافون على وظائِفهم وتهييج الشعبِ ضدَّهم، فيُخفُون خلاعتَهم وتهتكهم بظواهرِ التَّديُّن قَدْرَ ما أمكن. ° راهباتٌ أم عاهرات؟!!: اذهبِ الآن إلى "روميَّا"، وهناك الرومُ الكاثوليك يَدُلُّونك على البِنتين الجميلتينِ اللتينِ وُلِدَتا للبابا "بيوس التاسع" (١٨٤٦ - ١٨٧٨ م) من صاحبتَيه!!! وهناك يُخبِرونك عن أسماءِ خمسِ صاحباتٍ أُخَرَ له -ثلاثٌ منهن راهباتٌ-، وهؤلاء كان يُصاحِبُهن منذ كان خوريَّا ومُطرانًا!! والبعضُ منهن ما زِلْنَ على قَيدِ الحياة يُرْزَقْنَ (١). ° البابا "غريغوريس" من أكبرِ سِكِّيري إيطاليا!!: ° قال الأب "شنكوي" في كتابه "الخوري والمرأة والاعتراف": "سَلْ أولئك الذين يَعرفون البابا "غريغوريس السادس عشر" (١٨٣٢ - ١٨٤٦ م) سَلَفَ "بيوس التاسع"، وهم يَروُوُن لكَ تاريخَ صاحباتِه، وكانت إحداهن زوجةَ حلاَّقِه! ويُخبرونك أيضًا بأن قداستَه كان من أكبرِ سِكِّيري إيطاليا! (٢) انتهى.

стр. 1826

وبعدَ هذا العرضِ الموجَزِ للتاريخ المُخزِي لبابوات الفاتيكان، ألَا يَستحي "بندكتوس السادس عشر" من الظهور أمامَ العالم ليتَحدَّث باسم هذه البابَوية المُقرِفة، فضلاً عن النَيل من شِرْعةِ الإسلام الطاهرة ومن رسولِها الزكي ﵊؟؟! وألا يَستحي المُصفِّقون له والمدافعون عنه ودعاةُ التقاربِ معه من الظهورِ أمامَ الناس بعد اليوم؟! " (١) اهـ. * مهلاً يا بابا! إِنّي أدعوك إِلى الإِسلام!: ° قال الكاتب: د. عدنان علي رضا النحوي: * رسالة إِلى بابا الفاتيكان: مهلاً يا بابا! إِنِّي أدعوك إِلى الإِسلام!: تحدَّث بابا الفتيكان "بنديكت السادس عشر" في محاضرته في جامعة "ريجينسبورج" في "بافاريا" بألمانيا حولَ ما يَعتقدُه من خلاف بين الإسلام والنصرانيةِ في العلاقة بين "الإيمان والعقل". لم تكنْ إساءتُه الأولى للإسلام فيما ادَّعاه من نقاطٍ مِثلَ سُوءِ فهم الآية الكريمة: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ومن مِثل "الحربِ المقدَّسة في القرآن"، ولا بقوله الذي خالَفَ فيه الإيمانَ والعقلَ معًا في وقتٍ واحد، حين قال: "أرِني شيئًا جديدًا أتى به محمدٌ، فلن تجدَ إلاَّ ما هو شريرٌ ولا إنسانيٌّ، مِثلَ أمرِه بنَشرِ الدين الذي كان يُبشِّرُ به بحدِّ السيف"، وهنا لم يكن خطؤه مخالفةَ الدين والعقل فحسب، ولكنْ وَقَع في خطإٍ كبيرٍ، ألَا وهو

стр. 1827

"الافتراءُ"، أو الكَشفُ عن جَهلِه الواسع بالإسلام!. إن إساءتَه الأولى كانت لنفسِه وللنصرانيةِ التي أتى بها عيسى ﵇ وللدِّينِ كلِّه والعقل كله، فهل يُعَقْلُ أن الله الواحدَ الأحدَ، رب السمواتِ والأرضِ وربَّ العالمين، وجميعُ الخَلقِ عبادٌ له، هل يُعقَلُ أن اللهَ الواحدَ يَبعثُ لعبادِه بأديانٍ مختلفةٍ متصارِعة، ثُمَّ يُحاسِبُهم يومَ القيامة؟! إذا كان الدينُ عند الله هو الحق، بَعَث الرسلَ والأنبياءَ ليُذكِّروا عبادَه بالحق الذي يجبُ أن يتَّبعوه في الحياةِ الدنيا، ليدخلَ المؤمنون الجنَّةَ برحمةٍ من الله، ويدخلَ الكافرون النارَ عدلاً من الله ، إذا كان الدينُ مِن عندِ الله هو الحق، فهل يُعقَلُ أن يَبعثَ رُسُلَه بأديانٍ متصارعةٍ؟! كلاَّ! ثُمَ كلاَّ! فهذا لا يُعقَلُ، فالدينُ عند الله واحدٌ، بَعَث جميعَ رسلِهِ بدينٍ واحدٍ هو دين الإسلام، دينًا واحداً! فاستَمعْ إلى ما يقوله الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩]. * وكذلك قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. * وكذلك قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]. ° هذه هي الحقيقة الأولى التي يَفرِضُها العقل والدينُ في وقتٍ

стр. 1828

واحد، ألَا وهي: "أن الدين كله من عند الله وهو دين واحد"! فكيف غابَت هذه الحقيقة عن إيمانِ البابا وعقلِه؟!. * ولذلك جاءت الآياتُ في القرآن الكريم واضحةً جليلةً تُبيِّنُ بشكلٍ حاسم أنَّ جميعَ الرسُل والأنبياءِ جاؤوا بدين واحدٍ من عند الله هو الإسلام، فالإسلامُ دينُ نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ وعيسى وأيوبَ ويونسَ وهارونَ وسليمانَ وداودَ وغيرِهم ﵈ ممن ذكرهم القرآن الكريم أم لم يذكرهم: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٦]. ولقد جاءت الآياتُ البيناتُ تبيَّنُ أن كل نبي ورسولٍ كان مسلِمًا، وكذلك أن الذين آمنوا به واتبعوه كانوا مسلمين، وهذه هي الحقيقةُ الثانيةُ المرتبطةُ بالحقيقةِ الأولى السابقِ ذكرُها: "أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء والرسل، والذين اتبعوهم". * ولذلك أصبح مِن أُسسِ الإيمانِ في الإسلام، في دينِ الله، أن يؤمنَ المسلمُ بجميع الأنبياءِ والرسل، لا يُفرِّقَ بين أحدٍ منهم: ﴿وَوَصَّى بِهَا

стр. 1829

إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]. * وكذلك: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]. * ونوحٌ ﵇ يقول: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧٢]. * وإبراهيمُ ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧]. * وموسى ﵇ كذلك: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤]. * وعيسى ﵇ ومَن آمن معه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران: ٥٢]. وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين. * أما قولُ البابا عن التناقضِ بين ما تُشيرُ إليه الآيةُ الكريمة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وبينَ أمرِ رسولِ الله ﷺ بنَشرِ الدينِ بحدِّ السيف: كان أحرى بالبابا أن يذكرَ

стр. 1830

الَايةَ كاملةً حتى يَنجليَ المعنى، فلا تعارض بين قوله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وبين أمرِه بالجهادِ في سبيل الله، قضيَّتانِ متداخلتانِ تُكمِلانِ المعنى والصورةَ لتكونَ جُزءً من نهجٍ واحدٍ متماسك. فـ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ تعني: أن اللهَ لا يَقبلُ من أحدٍ إيمانًا لم يكن نابعًا من قلبِه متيقِّنًا منه، فعلى الإنسانِ أن يَستمعَ للدعوةِ إلى الإيمانِ الحق، إلى الإسلام، ثمَّ عليه أن يفكِّرَ، ثمَ عليه أن يُقرِّرَ هو بنفسه -آمَنَ أم لم يؤمن-، ثم ليتحمَّل هو مسؤوليةَ قراره، ولكنَّ المشكلةَ هنا أنه يجبُ أن تَبْلُغَه الدعوةُ واضحةً جليَّةً ليفكِّرَ، وأن يُفسَحَ المجال للإِنسانِ لِيستمعَ ثمَّ ليفكِّر، ثمَّ ليقرِّر، ثمَّ ليتحمَّلَ مسؤوليةَ قراره، ولكلِّ قرارٍ نتيجة: فلو قرَّر الكفرَ فمصيره إلى النار، وإن قرَّر الإيمان فمصيرُه إلى الجنَّة. * وحينَ حَمَّل الله الإنسانَ مسؤوليةَ الإيمانِ أو عَدَمِه، وَفَّر له جميعَ الإمكاناتِ التي تعينه على اتخاذِ قرارِ الإيمانِ لِينجوَ عند الله، واسَتمعْ إلى آياتِ الله البيِّنات: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣١]. ولذلك كان من أهم القضايا التي يؤكِّدُها القرآنُ الكريمُ: أَمْر الله

стр. 1831

للإنسان أن يُفكّرَ التفكيرَ الإيمانيَّ السليم، ويُلحُّ القرآنُ الكريمُ بهذه القضيةِ إلحاحًا شديدًا، ويوفِّرُ اللهُ لعبادِه سبيلَ التفكيرِ الإيمانيِّ الذي يَهدي إلى الإيمانِ والعمل الصالح، وذلك بنِعَم من الله كثيرة: ١ - أنْ جَعَل الإيمانَ فِطرةَ الإنسان التي يُولَدُ عليها، وأبواه يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، أو يمجِّسانِهِ، فتَفْسدَ فطرتُه، ويتحملُ أولئك المسؤوليةَ عند الله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢]. • وكذلك الحديث الشريف: عن أبي هريرة ﵁، عن الرسول ﷺ قال: "ما مِن مولودٍ إلاَّ يُولَدُ على الفِطرة، فأبواه يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ، كما تُنتِجُ البهيمةُ بَهيمةً جمعاءَ، هل تُحِسُّون فيها من جَدعاءَ؟ " (١). ولذلك جَعل اللهُ برحمتِه دينَه دينَ الفِطرةِ التي يُفْطَرُ الناسُ جميعًا عليها، ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. ٢ - أنْ جَعَل آياتِه بيناتٍ في السموات والأرضِ، وفي الإنسانِ نفسِه آياتٌ بيناتٌ شاهداتٌ على أن اللهَ حقٌّ واحدٌ لَا إله إلاَّ هو: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 1832

﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢]. ٣ - أرسَلَ الانبياءَ والرسلَ في كل أُمَّةٍ، حتى لا يكونَ للناسِ على الله حُجَّةٌ بعد الرُّسُل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وخَتَم الأنبياءَ والمرسَلين بمحمدٍ ﷺ الرسولِ الذي بَشَّر به موسى وعيسى والأنبياءُ ﵈. ٤ - أنْ أنعَمَ على الإنسانِ بالسَّمع والبصرِ والفؤادِ، وجَعل اللهُ كل أولئك عنه مسؤولاً: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. لذلك أَصبحتِ القضيةُ الآنَ -إيمانًا وعقلاً- أن تُبلَّغَ الدعوةُ إلى الناس كافَّةً، وأن لا يَقف أمامَها حاجزٌ يَصُدُّ عن سبيل الله، ويمنعُ وصولَ الحق إلى الناس، فيبدأ المومنون بالتبليغ والبيانِ والتعهُّدِ والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٥ - ١٢٨]. * ولم يَكنِ الأمرُ بالدعوةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ أمرًا مرهونًا

стр. 1833

بزمنٍ، ولكنه أمرٌ ممتدٌّ امتدادَ الدعوةِ الإسلاميةِ ما دامت الطُّرُقُ مفتوحة والأبوابُ مُشْرَعَةً ولا يُوجَدُ اعتداءٌ على الإسلام ولا ظُلمٌ ولا صَدٌّ عن سبيله، وهذا قوله : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦]. * نعم! ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾! فهم الظالمون المعتدون!. * ولمَّا نزل قوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأنفال: ٣٩]. * وقوله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠]. • فما كِان الجهادُ في الإسلام إلاَّ "ردًّا لعدوانٍ عليه" (١)، أو "بلاغًا لرسالةِ الله إلى الناس بعد أن صُدَّ عن سبيله" (٢)، وكان رسولُ الله ﷺ يقول: "خَلُّوا بيني وبين الناسِ حتى أُبلِّغَ رسالةَ ربي"!. وكان أعداءُ الإسلام هم المُعتَدِين بصورةٍ مستمرةٍ، ولذلك جاء قولُه

стр. 1834

سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾ [التوبة: ١٠]. وكذلك جَمَع الرومانُ حُشودَهم حولَ الجزيرةِ العربية قبلَ غَزوة "مؤتة" التي أَمَر الرسولُ ﷺ الصحابةَ أن يتحرَّكوا إليها لمواجهتِهم. وأعجَبُ من كلام البابا هذا بأن محمدًا ﷺ أَمَر بنشرِ دينِه بالسيف!! وتناسَى الآياتِ الكريمةَ التي تدعو إلى الدعوةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة! والإسلامُ يريدُ أن تُبلَّغَ رسالتُه، فحين تكونُ الحِكمةُ والموعظةُ الحسنةُ هي السبيلَ الممكنَ، يُتَّبَعُ، وإنْ كان هنالك عدوانٌ وصدٌّ عن سبيل الله، فقد شَرعَ اللهُ الجهادَ في الإسلام حقًّا. إنَّ الإسلامَ جاء ليُخرجَ الناسَ من الظلماتِ إلى النور، ومِن الكفرِ إلى الإيمان، ولِينقذَهم من عذابِ جهنَّمَ إلى نعيمِ الجنَّة، وهذا هو أخطرُ ما في حياةِ الإنسان على الأرض في الحياة الدنيا. أيُعقلُ بعد ذلك أن يُتْركَ الإنسانُ على هواه، إنِ اختارَ الشِّركَ، أو الكفرَ دونَ بَذلِ الجهود لإنقاذه؟ أرأيتَ لو أنك عايَنْتَ رجلاً يكادُ يَغْرَقُ في البحر، أتترُكُه دونَ أن تُنقِذَه وأنت قادرٌ على ذلك؟ فكيف إذا كان الإنسانُ سيُلْقَى في نارِ جهنم، أتترُكُه دونَ محاولةِ إنقاذه؟!. ولو أنك كنتَ تسيرُ على طويقٍ تعرفه، وأمامَك يَسيرُ رجلٌ لا يَعرفُ الطريق، وأمامَه هُوَّةٌ عميقةٌ فيها نارٌ تلظَّى، فلو تركتَه يُتابعُ سَيْرَه سيَهوِي في لَهيبِ النار، أكنتَ تترُكُه يَهوِي، أم تقبِلُ عليه ليرجعَ؟ فإذا اقتنع وعاد إلى الصوابِ والحقِّ، فذلك هو المقصود .. وأما إذا أبي وأصرَّ على أن يمَضيَ

стр. 1835

إلى هلاكِه، أكنت تتركُه أم تمنعُه ولو بالقوَّة؟! وإذا كان هذا الرجلُ ابنَك، أو أخاك، أو رجلاً آخر، أكنتَ تاركَه؟!. وهكذا الإسلامُ، جاء لِيمنعَ الناسَ مِن أن يَهْوُوا في نارِ جهنم، لِينقذَهم من النارِ إلى الجَنَّةِ، فالأمرُ أخطرُ مِن أن يؤخَذَ بهذه البساطة، بساطةِ العلِمانيةِ التي تتركُ أمرَ الدينِ للفردِ نفسِه، لا تَحرِصُ على آخِرَته. وهذا الذي ضَرَب البابا مثلاً به، الطالبُ في الجامعة الذي أعلَنَ كفرَه صراحةً، وأنكر وجودَ الرب، فتُرك هو وشأنَه، يقول البابا: "إن التماسُكَ الدخليَّ للإِيمانِ داخلَ هذا الكونِ لم يتأثَّرْ بكُفرِ هذا الرجل"! هذا ظنٌّ ووهم! وإلاَّ ما قيمةُ الدينِ والرسالاتِ السماويةِ إذا كان شأنها أن تَتركَ المُلحِدَ على إلحادِهِ لِيهويَ في جهنم إذا مات على الإلحاد؟! ما قيمةُ الدين إذن، والنتيجة واحدةٌ إذا كان هنالك دينٌ أم لم يكن هنالك دين؟! كيف لا يتأثَّرُ التماسُكُ الداخليُّ للإيمانِ في داخل الكون بوجودِ مُلحِدِين تتركُهم وإلحادَهم؟!. إن الدينَ جاء لِينقذَ الناسَ من خطرٍ هو أعظمُ من أيِّ خطرٍ في الحياة الدنيا، لِينقذَهم بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ما دامت تُفيد، وبالقوةِ والشدةِ إذا لَزِم الأمر .. وتَركُ الملحِدِ لإلحادِه سيَنشرُ الفسادَ في الأرض، ويَمتدُّ الإلحادُ، وتَطغى الفِتنُ في الأرض كما هي تطغى اليومَ في ظِلِّ سيطرةِ النصرانية، ويُفْتَن الناسُ عْن دينِهم وإيمانهم. ولكننا نَعجَبُ من البابا كيف يَتَّهم الإسلامَ بأنه نُشِر بالسيف، ويتناسى العالَمَ النصرانيَّ منذُ قُرونٍ طويلةٍ وهو يَحمِل كلَّ أنواع السلاح والتدميرِ

стр. 1836

غاراتٍ متواصلةً على العالَم الإسلامي، وما زالت ممتدةً ترتكبُ أسوأَ أنواع الجرائمِ في الأرض؟! هذه الجرائمُ باسم "الديمقراطية" يقودها العالَمُ الغربيُّ باسم "النصرانية"، كذلك كما أعلنها "بوش" بأنها "حربٌ صليبيةٌ"، وكما أعلنها غَيره، وكما تنطق التصرُّفاتُ المتتاليةُ المختلفةُ من العالَم الغربي. وموقفُ بابا الفاتيكان موقفُ العَداءِ من الإسلام والمسلمين ليس جديدًا، وإنما هي مواقفُ متكررةٌ في حقدٍ وعَداءٍ مكشوف، ولا نراه بذلك يُطبِّقُ ما يزعمونه بأنه دينُ عيسى ﵇. ولا حاجةَ لأن أُذكِّرَ بابا الفاتيكان كيف تكوَّنت الكنيسةُ الكاثوليكيةُ في قَلبِ الإمبراطوريةِ الرومانية، وبعد صِدامٍ وصِراعٍ مع الوثنيةِ لمدةٍ تَزيدُ عن (٣٠٠) سنة، أثَّرت الوثنيةُ اليونانيةُ الرومانية فيها، فمنها أَخذت طقوسَها التي لم يأتِ بها عيسى ﵇، ومنها أَتت فكرةُ "التثليث" التي رَفَضها طائفةُ "الآريوسيين" وتمسَّكوا بالتوحيدِ الخالِصِ لله، فقَضَوا عليهم قضاءً مُبرَمًا. وإذا كان البابا حريصًا على "الإيمانِ والعقل"، ففي كلامِه فارَقَ الإِيمان وفارَقَ العقل، وأَغْرَقَ في الافتراءِ والظلم. نَقصِدُ من هذه الملاحظات أن نُعرِّف بابا الفاتيكان على بعضِ القضايا في الإسلام، القضايا التي هي واضحةٌ في كتاب الله! ولكننا نَظلُّ نَعجَبُ أن يَصدُرَ عن رجل في هذا المركزِ الحساسِ ما يَكشفُ عن جهلٍ كبيرٍ بالإسلام، واضطرابٍ في الإيمان ودَورِ العقل. فالإيمانُ يَفرضُ عليه وعلى غيرِه أن لا يتحدَّثَ عن أيِّ موضوعٍ إلاَّ بعد

стр. 1837

دراسته دراسةً أمينةً، ونُذكِّرُ بقوله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. والعقلُ يَفرِضُ كذلك أنْ لا يتحدَّثَ الإنسانُ عن موضوع إلاَّ بعد دراستِه دراسةً جادةً، ليكونَ أمينًا فيما يَعرِضُه، فالإيمانُ والعقلُ يَفرضانِ الأمانةَ والصدقَ وعدمَ الافتراء. هذه ملاحظاتٌ سريعةٌ نسوقُها، عسى أن تَصِلَ إلى أُذُنِ بابا الفاتيكان، وقلبِه، لِيستفيدَ منها في حياته وآخرته. ° وفي قوله: "أرني شيئًا جديدًا أتى به محمد، فلن تَجِدَ إلاَّ ما هو شريرٌ ولا إنساني .. "!. • فإنَّ محمَّدًا ﷺ يَردُّ على ذلك في حديثِه الشريفِ الذي يَرويه عنه أبو هريرة وأبو سعيدٍ الخُدْريُّ وأُبَيُّ بنُ كَعبٍ ﵃ "مَثَلي في النبيَّين كمَثَلِ رجلٍ بني دارًا، فأحسَنَها وأَكْمَلَها وأجْمَلَها، وتَرَكَ منها مَوضِعَ لَبِنَة لم يَضَعْها، فجَعَل الناسُ يطوفون بالبُنيانِ ويَعْجَبون ويقولون: لو تَمَّ موضعُ هذه اللَّبِنةِ!! فأنا في النبيين موضعُ تلك اللبِنة" (١). وهذا تأكيدٌ على أنَّ الدينَ واحدٌ عند الله، وأنه دينٌ واحدٌ لجميعِ الرسل والأنبياء، وأنَّ محمدًا ﷺ خاتَمُ الأنبياءِ والمرسلين. ولكننا من ناحيةٍ أخرى نَعتِبُ على أنفسِنا -نحن المسلمين-، الذين

стр. 1838

انتشروا في الأرض ملايينَ من الدعاةِ، ثم نكتشفُ كلَّ يوم أنَّ رسالةَ الإسلام لمْ تُبلَّغَ لا إلى هذا ولا إلى ذاك، وأولُ واجبِنا قبلَ أن نهاجمَ البابا هو أن نوضِّحَ له الإسلامَ، ثمَّ ندعوه بشكل واضحٍ صريحٍ إلى الإسلام، إلى دينِ عيسى ﵇ ودينِ جميع اِلأنبياء والمرسلين، إننا ندعوه ونُلحُّ بالدعوةِ، عسى أن يَهدِيَ الله قلبَه فيؤمن فينجوَ من فتِنةِ الدنيا وعذابِ الآخرة. لقد سَبَق أن ذَهَب وفدٌ من المسلمين إلى الفاتيكان لأجلِ الحوار! أيُّ حوارٍ كانوا يَقصِدون؟! فهم يَعرِفون موقفَ البابا من الإسلام، والبابا يعرفُ موقفَ المسلمين من الفاتيكان، وكلاهما يعرفُ أنّه لا نُقطةَ لقاءٍ بين الفريقين إلاَّ أن يتنازلَ أحدُهما عن عقيدتِه، فهذا إذن ليس حوارًا، وإنما كان يجبُ أن يدعوَ الوفدُ البابا دعوةً صريحةً إلى الإسلام، وأن تكونَ دعوة جليَّةً جريئةً لا مجاملاتِ فيها على حسابِ الحق، وهذا هو أمرُ الله لنا، فلْنستمعْ إلى ما يأمرُنا به الله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦٠ - ٦١]. * ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ [البقرة: ٦٢ - ٦٤].

стр. 1839

° شتَّانَ بين هذه الدعوةِ الواضحةِ إلى الحقِّ، وبين ما كان يَجرِي عليه الحوار! حتى لقد صَرَّح رئيسُ وفدِ الحوارِ إلى الفاتيكان أنَّ البابا قال لهم: "نحنُ لا نؤمن بأنَّ محمَّدًا رسولٌ من عند الله"! ثمَّ يتساءل: "لِمَ الحوارُ إذن؟! ". نعم! لِمَ الحوارُ وهم لم يطلبوه ولكن أنتم طلبتموه وسعيتُم إليه! ذهبتم ولم تُبلِّغوهم دينَ الله بوضوح، كانوا جريئينَ بضلالهم، ونحنُ ضعفاءُ بالحقِّ الذي نؤمنُ به، هم لا يُجامِلون، ولا يَرقُبُون في مؤمنٍ إِلاًّ ولا ذِمَّةً، ونحن نتنازلُ كلَّ يومٍ عن شيءٍ من ديننا!!. ° ومِن أعجبِ ما قاله البابا: "أرني شيئًا جديدًا أتى به محمد، فلن تجدَ إلاَّ ما هو شريرٌ ولا إنساني"!. فإن كان هناك شيءٌ يكشفُ الوجهَ، فلا شيءَ يَكشِفُه أكثرُ من هذا القول، وليس هذا بجهل فحسب، ولكنه افتراءٌ على رسولِ الله ﷺ ، وأهمُّ ما جاء به محمدٌ ﷺ : مكارمُ الأخلاق، والحبُّ في الله، والكلمةُ الطيبةُ، والإحسانُ، وصِلَةُ الرحم، وبرُّ الوالدين، والبرُّ كله. عَلَّمنا محمدٌ ﷺ أَدَبَ الكلمةِ واللفظةِ، بحيث تكونُ صادقةً لا كَذِبَ فيها ولا افتراء .. معاني الإنسانيةِ الحقَّةُ لا نَجِدُها في أي رسالةٍ كما نَجِدُهْا في دينِ الإسلام دينِ جميع الأنبياءِ والرسل الذين خُتِموا بمحمدٍ ﷺ . ولو أردتُ أن أُعدِّدَ كلَّ ما جاء به محمدٌ ﷺ من عندِ ربِّه -من الخير ومعاني الإنسانية- لاحتجتُ إلى مؤلَّفات، ولكنْ يكفي أن أقولَ: إنه جاء بما أنت بحاجةٍ إليه!.

стр. 1840

وحَسُبك حديثُ رسول الله ﷺ يَرويه عنه أبو هريرة ﵁: "إنَّما بُعثْتُ لأتمِّم صالحَ الأخلاق" (١). ° أيها البابا، إني أدعوك إلى الإسلام دعوةً واضحةً صريحةً، فأسلِمْ، عسى أن تَسلَمَ بين يدي الله، إنَّ الحق جَلِيٌّ، واللهُ أرحمُ بعبادِه من أن يَتركَ الحقَّ مبهمًا غيرَ بيِّنٍ أو جَلِيٍّ. فإذا قَضَيتَ وغادرتَ الدنيا، ورأيتَ أنك كنت كما أنت الآن على غيرِ الحق، وبدا لك أنَّ الحقَّ هو ما جاءت به الرسلُ والأنبياءُ والنبيُّ الخاتَمُ محمدٌ ﷺ ، فماذا أنت فاعل؟! وماذا يفعلُ الذين اتَّبعوك؟!. أُكرِّر بإلحاحٍ -أيها البابا- أنْ أَسْلِمْ، فعسى أن تُنقِذَ نفسَك وتُنقِذَ الملايين ممَّن يتبعونك. أنا لا أنتظرُ اعتذارك! ولكنْ أنتظرُ توبتَك إلى الله، لأنك ارتكبت معصيةً كبيرةً. فالإساءةُ إلى أيِّ نبيٍّ أو رسولٍ إثمٌ ومعصيةٌ عند الله، وبخاصةٍ إذا كانت إلى خاتَمِ النبيين محمدٍ ﷺ ، واستمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧] (٢) اهـ. * * *

стр. 1841

* خطابٌ مفتوحٌ إِلى البابا "بنديكتوس السادس عشر": ° كتبت الدكتورة زينب عبد العزيز: "أبدأُ بهمسةِ عتابٍ كزميلةٍ في اللقبِ الجامعي -وهو المستوى الذي يَدورُ في نطاقِه هذا الخطاب- وكإنسانةٍ مُسلمةٍ، نالها من الإهانةِ والمرارةِ والألمِ ما نال المسلمين في العالَمِ أجمعَ مما ورد في المحاضرة التي ألقيتموها، في جامعة "ريجنسبرج" بألمانيا، تحت عنوان: "العنف يتعارضُ مع طبيعةِ الله ومع طبيعة الروح". ° فمَن يَحملُ على كاهِلِه أمانةَ ومسؤوليةَ كلِّ هذه الألقاب، عارٌ عليه أن يتدنَّى إلى مستوى السبِّ العلنيِّ لدينٍ يتمسَّكُ به ويتَبعُه أكثر من خُمسِ سكانِ العالم .. وعارٌ عليه أن يختارَ موقفَ التحدِّي الاستفزازيِّ للنَيل من الإسلام والمسلمين .. وهو موقفٌ يندرجُ بلا شك ضمنَ مسلسل الإساءةِ والمحاصرةِ الذي بدأ منذ بدايةِ انتشارِ الإسلام ويتواصلُ حتى يومِنا هذا، إنه موقفٌ وَضَعَكم على أرضِ احتقارِ الآخر، والكذبِ، والجهلِ، باختيارِكم، وكلُّها تشبيهاتٌ لا تليقُ بمَن في مِثلِ منصِبِكم، فهو موقف يكشِفُ عن مدى جَهلِكم بدينِكم وبدينِ الآخرين من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى هو موقفٌ أشبهُ ما يكونُ بإطلاقِ العِنانِ لحملاتٍ صليبيةٍ جديدةٍ ما أغنانا جميعًا عنها!. ° وتؤكِّدُ جريدةُ "لاكروا" المسيحية الصادرة في ١٧/ ٩/ ٢٠٠٦، أن المحاضرةَ قد تمَّ الإعدادُ لها طويلاً، وقرأها العديدُ من المحيطين بكم، مثلَما يحدثُ مع كافةِ النصوص العامةِ على الأقل، كما تؤكدُ الجريدةُ أنه منذ يومٍ الإثنين ١١/ ٩ وبينما لمِ يكن البابا قد نَطق محاضرتَه بعد، صَدرت الصحفُ الإيطاليةُ بعناوين حولَ "بنديكت السادس عشر والإسلام"! الأمر الذي يؤكدُ ربطَ هذه المحاضرةِ في هذا التوقيت بمسرحيةِ الحادي عشر من

стр. 1842

سبتمبر! .. فما أصبح معروفًا يقينًا رغمَ التمويهِ الشديد، أن الأياديَ المدبِّرةَ أمريكيةٌ رفيعةُ المستوى، وكان هدفُ المحاضرة واضحًا في ربطِه بين الإسلام والإرهابِ والشر .. أي أنه موقفٌ متعمَّد. ° ولقد جاء ردُّكم وتعبيرُكم عن "الحزن" الذي انتابكم من ردودِ الأفعال التي أثارتها محاضرتُكم كعُذرٍ أقبحَ من ذنب، فالباحثُ الأكاديميُّ حينما يَستشهدُ في بحثه، يكونُ ذلك لأحدِ أمرين: إمَّا لتأييدِ موقفِه، وإمَّا لِنَقدِ ذلك الاستشهاد، ولا يوجدُ هناك ما يسمَّى باستشهادٍ لا يُعبِّرُ عن رأيِ كاتبهِ بالمعني الذي حاولتم التبريرَ به: فالكاتبُ هو الذي يَستشهدُ. وقولُكم: إن هذه العبارات لا تُعبِّرُ عن رأيكم الشخصي، في الوقت الذي يؤكدُ صُلبُ المحاضرةِ وسابقُ كتاباتكم -وخاصةً خطابُكم الرسوليُّ-، كلُّها كتاباتٌ تؤكدُ أنكم تعنونه، وذلك يَضعُكم في مصافِّ أولئك الباحثين الذين يضعون أفكارَهم على لسانِ غيرِهم حتى لا تُحسَبَ عليهم خشيةَ عواقبها .. وهو موقفٌ علميٌّ يوصفُ بالجُبن، ولا يَليقُ بمَن في مكانتكم. ° وحتى التصريحُ الصادرُ عن المكتبِ الإعلاميِّ للفاتيكان يوم السبت ١٦/ ٩/ ٢٠٠٦ والذي استَشهد فيه المتحدثُ الرسمي بقرارِ وثيقة "في زماننا هذا" الصادرةِ عن مَجمع الفاتيكانِ الثاني سنة ١٩٦٥، فهو أيضًا بمثابةِ عُذرٍ أقبحَ من ذنب، ويكشف عن الموقفٌ غيرِ الكريم والملتوي -لكي لا أقولَ ذو الوجهين- للفاتيكان، فمن يَطَّلعُ على مَحاضرِ صياغةِ هذا النص تحديدًا، يُصابُ بالغَثَيان مِن كثرةِ ما جاهَدَ كاتبوه لاستبعادِ أن العربَ من سُلالةِ إسماعيل الابنِ البِكر لسيدنا إبراهيم، ولا ينتمون إليه، وإنما يتخذونه مَثلاً!. وأستبعاد حتى أن الله قد خاطَبَ المسلمين عن طريقِ الوحي إلى

стр. 1843

سيدنا محمدٍ ﷺ ، والمرجعُ صادرٌ عن الفاتيكان بعنوان "الكنيسة والديانات غير المسيحية"، وبه محاضر الجلسات المُخجِلة، الأمرُ الذي يوضِّحُ مدى تمسُّككم باستمرارِ ذلك الموقفِ غيرِ الأمين تُجاهَ الإسلامِ والمسلمين، لعدمِ الاعترافِ به كديانةٍ توحيدية، وسواء اعترفتم أو لم تعترفوا به، فالإسلامُ موجودٌ ومعترَفٌ به من الجميع على أنه الرسالةُ التوحيديةُ الثالثةُ المرسَلةُ للبشر، ورَفضُه أو إنكارُه لا يُدِينُ إلاَّ شخصَكم، ولا يَسَعُ المجال هنا لتناولِ مختلَفِ النقاطِ التي طَرحتموها في تلك المحاضرة، والتي تَزيدُ عن العشرين موضوعًا، وسأكتفي بالردِّ على ما يَخصُّ الإسلام، وهما نقطتان أساسيتان: ما وصفتم به اللهَ في "المذهب الإسلامي" من أن التصعيدَ المُطلَقَ لله عبارةٌ عن مفهومٍ لا يتفقُ ولا يتمشَّى مع العقل والمنطق، ولا يُمكنُ فهمه، وأن إرادتَه لا ترتبطُ بأيِّ واحدةٍ من فئاتكم المنطقية، ولا حتى فئةِ المعقول؛ وأن سيدَنا محمدًا عليه صلوات الله، لم يأتِ إلاَّ بكلِّ ما هو شرٌّ ولا إنساني، مثل أمرِه بنشرِ العقيدةِ التي يُبشَّرُ بها بالسيف!. ° وأولُ ما يَجبُ توضيحُه هنا هو أن الإسلامَ ليس بمذهب، كما وصفتموه، وإنما دينٌ توحيديٌّ متكامل، شاملُ الأركان، ثابتٌ وراسخ، وخاصةً شديدُ المنطقِ والوضوح، وهو ما يَجذبُ الناسَ إليه، ومجردُ إغفالِ مثل هذه الحقيقةِ يُوصِمُ موقفَكم، ويَكشفُ عن مَدى عَدمِ الأمانةِ العلميةِ والموضوعيةِ التي تتمسَّكون بها!. ولن أحدثِّكَم هنا عن الإسلام الذي يُمكنُكم دراستُه إن شئتم، لكنني سأسألُكم عن الكتابِ المقدَّس بعَهديه، والذي تَرَون أنه بقِسمَيهِ يتفقُ مع العقلِ والمنطقِ دونًا عن القرآن، مشيرِين في موضع آخَرَ: "أن العنفَ

стр. 1844

يتعارضُ مع طبيعةِ الله وطبيعةِ الروح، وأن اللهَ لا يُحبُّ الدمَ، والتصرُّفُ بمنافاةِ العقل يُعدُّ ضدَّ طبيعة الله". ° وهنا لا يَسَعُني إلاَّ أن أسألَكم عن كلِّ ما هو واردٌ بالعهد القديم من أمرِ الإله "يهوه" لأتباعِه بإبادةِ كلِّ القُرى وحَرْقِها وذَبحِ الرجالِ والنساء والأطفالِ بحدِّ السَّيفِ، وأَخذِ الذهبِ والفضة .. وفي مكانٍ آخَرَ يطلبُ تعذيبَهم وتقطيعَهم وحَرْقَهم في أفرانِ الطوب .. هل تتمشَّى مثل هذه الآياتِ مع العقل والمنطقِ في نظركم؟ وخاصةً هل تَرَونها تخلُو من الشرّ واللاإنسانية؟! أم هذا هو التسامحُ الذي تُقرُّونه؟!. ° وما هو واردٌ في سِفْر "حزقيال" حين يأمرُه الربُّ أن يأكلَ خبزًا وعليه "خِراءُ الإنسان"، وحينما اشتكى النبيُّ "حزقيال" أَمَره أن يُضيف عليه رَوَثَ البقر! هل يتمشَّى هذا مع العقل والمنطقِ في نظركم؟! وأخجل حقًّا من ذِكرِ بعضِ الإباحياتِ الواردةِ بهذا النصِّ وغيره رَغمَ محاولةِ درئِها بتغييرِها، أو تعديلِها من طبعةٍ لأخرى .. والنصوصُ والطبعات موجودة. ° أما في المسيحية التي تتراَّسون أعلى المناصب فيها، فأبدأُ بسؤالِكم عن تأليه السيدِ المسيح في "مجمع نيقية الأول" سنة ٣٢٥، رغمَ وجودِ العديدِ من الآياتِ التي يقولُ فيها السيدُ المسيح: إن "الرب إلهنا واحد" (مرقس ٢٩: ١٢)، "ليس أحدٌ صالحًا إلاَّ واحدٌ وهو الله" (متَّى: ١٩ - ١٦) .. "إنِّي أصعدُ إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهِكم" (يوحنا: ١٧ - ٢٠) .. "للربِّ إلهك تَسجُد، وإياه وحدَه تعبد" (متى: ١٠: ٤)، وما أكثرَ الآياتِ التي يُوضِّحُ فيها أنه إنسان: "أنا إنسانٌ قد كلَّمكم بالحق الذي سمعه من الله، (يوحنا: ٤٠: ٨)، كما أن هناك آياتٍ تقول: "هذا يسوع النبي الذي من

стр. 1845

ناصرة الجليل" (١١: ٢١)، و"قد قام فينا نبيٌّ عظيم" (لوقا: ١٦: ٧) .. ورَغمَ كلِّ هذه التأكيدات التي لا تزالُ موحودةً ولم تُمْحَ بعد، قامت المؤسسةُ الكَنَسيَّةُ بإعلانِ أنَّ يسوع "إلهٌ حقيقيٌّ من إلهٍ حقيقي، مولودٌ وليس مخلوقًا، ومشاركٌ لآب في الجوهر" .. وبعدَ ذلك جَعَلَتْه اللهَ شخصيًّا، فهل تتمشَّى كل هذه المغالطاتِ مع العقل والمنطق -رغم أنها أدَّت إلى تقسيم المسيحية وإلى مذابح بين أتباعها؟!. ° وفي "مَجمع القسطنطينية الأول" تمَّت إضافةُ أن "الروح القدس مشارِكٌ للآب في الجوهر"، ممَّا أدَّى إلى انفصالٍ آخَرَ للكنائس، وفي "مجمع أفسوس" سنة ٤٣١ أقرَّ المَجمعُ بدعة "أن مريم أم الله"، ممَّا أدَّى إلى معاركَ وانفصالاتٍ أخرى .. وفي "مجمع خلقيدونيا" سنة ٤٥١ أقر "الطبيعة الثنائية ليسوع" .. وكلُّها عقائدُ وقراراتٌ لا يَذكرُ ولا يَعرفُ عنها يسوعُ أيَّ شيءٍ، فهل هذا يتمشَّى مع العقل والمنطق؟!. ° والمعروفُ من إصداراتكم أنه لم يَتِمَ تقبُّلُ عقيدةِ التثليثِ لقرونٍ طويلةٍ بين الكنائس، بحيث نُطالعُ في قرارِ مجمع "فلورنسا" المنعقدِ سنة ١٤٣٩، الذي راح يُحدِّدُ لليعاقبة معنى الثالوث لفرضِه بلا رجعة، ويَنصُّ القرارُ على ما يلي: "إن العلاقةَ وحدَها هي التي تُفرق بين الأشخاص، لكن الأشخاصَ الثلاثةَ يُكوِّنون إلهًا واحدًا وليس ثلاثةَ آلهة؛ لأنَّهم من جوهر واحد، وطبيعةٍ واحدة، وألوهيةٍ واحدة، وضخامةٍ واحدة، وخلودٍ واحد، وإن ثلاثتَهم واحدٌ حيث لا تُمثِّلُ العلاقةُ أيَّ تعارض". وعلى الذين لا يَرُوقهم هذا الوضوح تُجيب الكنيسة: "إنه سرٌّ"! فهل مِثلُ هذا المنطق هو الذي تَرَونه يتمشَّى مع العقلِ السليم؟!.

стр. 1846

° تعتبرون سيادتُكم أن نصوصَ الكتاب المقدَسِ بعَهده القديم، القائم على الترجمةِ السبعينية، وأناجيلِه الأربعةِ وباقي الكتبِ المُرفقة، هو الكتابُ الذي يُعتدُّ به، فهو يَحتوي على الإيمانِ الإنجيليِّ، وتستعينون بفِكرِه طوالَ محاضرتِكم بعد استبعادِ القرآن، والمعروفُ تاريخنا أن القديسَ "جيروم" هو الذي صاغه بأمرٍ من البابا "داماز"، بعد توليفِه من أكثرَ مِن خمسين إنجيلاً كانت منتشرةً ومستخدمةً حتى القرنِ الرابع، وعند الفراغِ من مهمَّته كَتَب مقدمةً للعهدِ الجديدِ موجِّهًا إياها للبابا "داماز" يقول فيها: "إلى قداسة البابا "داماز"، من "جيروم": تَحُثُّني على أن أقومَ بتحويل عملٍ قديمٍ لأَخرُجَ منه بعملٍ جديد، وتريدُ منِّي أن أكونَ حَكَمًا على نُسَخِ كلِّ تلك النصوصِ الإِنجليةِ المتناثرةِ في العالم، وأن أختارَ منها وأُقَرِّرَ ما هي تلك التي حادت، أو تلك التي هي أقربُ حقًّا من النص اليوناني، إنها مهمةٌ ورعة، لكنها مغامرةٌ خطِرةٌ، إذ سيتعيَّنُ علي تغييرُ أسلوبِ العالَم القديم وأن أعيدَه إلى الطفولة، وأن أقومَ بالحُكم على الآخرين، يعني في نفسِ الوقت أنهم سيَحكمون فيه على عملي، فمَن مِن العلماءِ، أو حتى من الجهلاء، حينما سيُمسكُ بكتابي بين يَديه ويلحظ التغييرَ الذي وَقَعِ فيه، بالنسبةِ للنصِّ الذي اعتادَ قراءَته، لن يَصيحَ بالشتائم ضدِّي وَيتَّهِمني بأنني مُزوِّرٌ ومُدنَّسٌ للمقدسات؛ لأنني تجرَّأتُ وأضفتُ، وغيَّرتُ، وصحَّحتُ في هذه الكتب القديمة؟. وحيالَ هذه الفضيحة، هناك شيئانِ يُخفِّفان من رَوعي، الأمر الأول: أنك أنت الذي أمرتَني بذلك؛ والأمرُ الثاني: أن ما هو ضلالٌ لا يمكنُ أن يكونَ حقًّا، وهو ما تُقرُّه أقذَعُ الألسِنةِ شراسةً، وإذا كان علينا أن نُضفِيَ

стр. 1847

بعضَ المِصداقيةِ على مخطوطاتِ الترجمةِ اللاتينية، لِيَقُلْ لنا أعداؤنا أيها أصوبُ؛ لأن هناك من الأناجيل بعددِ الاختلافِ بين نصوصِها، ولماذا لا يَرُوقُهم أن أقومَ بالتصويبِ اعتمادًا على المصادرِ اليونانية لتصويبِ الأجزاءِ التى أساء فهمَها المترجِمون الجهلاء، أو بدَّلوها بسوءِ نيَّةٍ، أو حتى قام بعضُ الأدعياء بتعديلها؟. وإذا كان علينا دَمجُ المخطوطات، فما يَمنعُ أن نَرجعَ ببساطةٍ إلى الأصولِ اليونانية، ونَبعُدُ بذلك عن أخطاءِ الترجمات السيئة أو التعديلات غيرِ الموفَّقة من جانبِ الذين تصوَّروا أنهم علماء، أو الإضافاتِ التي أدخلها الكَتَبَةُ النعسانين؟ إنني لا أتحدَّثُ هنا عن العهدِ القديم والترجمةِ السبعينيةِ باللغةِ اليونانية التي لم تَصِلْنا إلاَّ بعدَ ثلاثِ ترجماتٍ متتاليةٍ من العِبرية إلى اليونانية، ثم إلى اللاتينية، ولا أودُّ أن أبحثَ هنا ما الذي سيقولُه "أكويلا" أو "سيماك"، أو لماذا آثَر "تيودوسيان" الوسَطَ بين المترجِمِين القدامى والحُدَّاث؟ لذلك سأعتمدُ على الترجمةِ التي يمكنُ أن يكونَ قد عَرَفها الحواريون. ° وأتحدثُ الآن عن العهدِ الجديد، المكتوب بلا شكٍّ باللغةِ اليونانية -فيما عدا "إنجيل متَّى" الذي كان قد استعان أولاً بالعبرية لنشرِه في منطقةِ اليهوديةَ-، إن هذا الإنجيلَ يختلفُ يقينًا عن الذي بَلُغَتِنا نظرًا لتعدُّدِ المصادرِ التي استعانوا بها لتكوينه، وقد آثَرتُ أن أرجعَ إلى نصٍّ أساسيٍّ، فلا أودُّ الاستعانةَ بترجماتِ المدعوَّان "لوشيانوس" أو "هزيكيوس" التي يُدافعُ عنها البعضُ بضراوةٍ عن غيرِ وجهِ حق، واللذان لم يكن مِن حقهما مراجعةُ لا

стр. 1848

العهدِ القديم بعد ترجمة السبعينية، ولا أن يقومَا بمراجعةِ النصوصِ الجديدة، فالنصوصُ الإنجيليةُ التي وَصَلَتْنا بلغاتِ شعوبٍ مختلفةٍ تُوضحُ مدى الأخطاءِ والإضافاتِ التي بها، وإذا كنتُ قد قمتُ بذلك بالنسبةِ للنسخِ المكتوبة بلُغتِنا، فلابدَّ وأن أعترفَ بأنني لم أستفِدْ منها شيئًا" انتهى. ° ذلك هو حالُ الكتاب الذي تعتبرونه مقدَسًا! وأكتفي بهذا القَدْرِ من الاستشهاد؛ لأن باقيَ النصِّ متعلق بترتيبِ الأناجيل وتبويبها، وكان ذلك في القرنِ الرابع الميلادي، أي أنه حتى ذلك التاريخ لم تكنِ الأناجيلُ المعروفةُ حاليًا قد استَتَبَّ أمرُها، واندَلعت الخلافاتُ بين الكنائسِ لمدةِ قرونٍ طويلةٍ، حتى قامت المؤسسةُ الكَنَسيةُ الكبرى بفَرضِ هذا الكتابِ المقدسِ على الأتباع على أنه نصٌّ منزَّلٌ و"أن مؤلفه هو الله"، وذلك في "المَجمع التريدنتي" سنة ١٥٤٧، ثم قام "مجمع الفاتيكان الأول" المنعقد في عامي ١٨٦٩ و ١٨٧٠ بإعلان أن الكتابَ المقدَس بعهديه "كُتب بإلهامٍ من الروح القدس، وأن مؤلِّفه هو الله، وأنها قد أُعطيت هكذا للكنيسة" .. أما "مجمع الفاتيكان الثاني" المنعقد بعد ذلك بحوالَي تسعين عامًا، ظَهرت خلالَها من الدرساتِ والأبحاثِ التي أطاحت بمصداقيةِ الكتاب المقدس، ما جَعَله يُعلِنُ عن إصحاحاتِ هذا الكتاب المقدس قائلاً: "إن هذه الكُتبَ وإنْ كانت تتضمنُ الناقصَ والباطلَ، فهي مع ذلك شهاداتٌ لعِلمِ تربيةٍ إلهيٍّ حقيقي"!. تُرى أيها البابا، هل هذا هو المنطقُ الذي تَرَونه حقًّا ومفهومًا؟!. ° ولا تفوتُنا هنا الإشارةُ إلى "ندوة عيسى" التي انعقدت في الولايات

стр. 1849

المتحدة الأمريكية سنة ١٩٩٢، وإن أهمَّ ما خَرج به فريقُ العلماء المساهِمين فيها -وهم حوالي ٢٠٠ باحثًا لاهوتيًّا وأكاديميًّا- أن ٨٢% من الأقوال المنسوبة إلى يسوعَ لم يتفوه بها، وإنَّما صاغها كَتَبَةُ الأناجيل، وأن موتَ يسوع وبَعْثَه حَدَث في المكان وبالكيفية التي أرادها كَتَبَهُ الأناجيل .. (صفحة ٢٤ من مقدمة الكتاب الصادر عن الندوة) .. وما يأسفُ له هؤلاء العلماءُ هو الجهلُ الشديد لدى عامةِ المسيحيين بكتابهم المقدَس -وخاصةً بالعهد الجديد-، وهو مستوًى يَرَون أنه يَصِلُ إلى درجةِ الأُميَّة! واللهم لا تعليق على ما تعتبرونه مصدرًا للعقل والمنطقِ والإلهام!!. ° تقولون في خُطبتكم الموثَّرة: إن سيدَنا محمدًا ﷺ لم ياتِ إلاَّ بأشياءَ شريرةٍ ولا إنسانية، مِن قَبِيل أمرِه أن يَتمَّ نَشرُ ما يُبشِّر به بالسيف .. لعلَّكم لا تَجهلون أن البابا "أوربانَ الثاني" هو الذي أعلن قيامَ الحروبِ الصليبية باسم الرب في مجمع "كليرمونت"، قائلاً: "إن الله يُريدُها"، وأنه أطلق على المساهِمين فيها لقب "جُنْدِ يسوع"، وأَمَرهم بوضع علامةِ الصليب على ثيابهم وعَتادِهم، ووَعَد بغفرانِ ذنوبِهم وإعفائِهم من الضرائب، وأغدَقَ عليهم العطايا .. ويَصِفُ المؤرخ المرافقُ للحَملةِ -والمعروف باسم "لانونيم" - قائلاً: "تمَّ طَردُ المدافِعين عن المدينة "القدس" بقَتلِهم وبترِهم بالسيوف أحياءً حتى معبدِ سليمان، وقد وَقعت مَجزرةٌ لا مثيلَ لها، بحيث أن جنودَنا كانوا يَغُوصون بأقدَامِهم في الدماء حتى عراقيبهم"، ثم يُضيفُ بعد ذلك قائلاً: "لعلَّ ما أدَّى إلى نجاح ذلك الهجوم وغيرهِ الانقسامُ الذي كان سائدًا آنذاك بين المسلمين، وعندما سادت المجاعةُ أيامَ حصارِ "عكَّا" كان الصليبيون يَسْلُقون أطفالَ المسلمين ويأكلونهم ..

стр. 1850

أذلك هو ما يندرجُ تحت مسمَّى "العقل والأعمال الإنسانية وعدم الانتشار بالسيف"؟!. ° كما تم إنشاءُ محاكم التفتيش لتواكِبَ أعمالَها ولتواصلَ ما أُطلق عليه "عصرُ الظلمات" الذي امتدَّ حوالَي ألفِ عام، بمنع الأتباع من قراءةٍ إنجيلهم، ومَنع التعليم إلاَّ على رجالِ الدين .. والمعروفُ أن الحروبَ الصليبيةَ لم تُوجَّهْ ضدَّ المسلمين وحدَهم في الأراضي المقدسة، وإنما امتدَّت إلى "إسبانيا" لِتعاونَ في اقتلاع الإسلام، كما امتدَّت إلى أوروبا وجنوبِ شرق فرنسا لاقتلاع شعوبِ "الكاتار والبوجوميل والفودوَا"، لأنهم حتى ذلك الوقت كانوا رافِضين لبدعةِ تأليه السيد المسيح .. وما تَذكُرُه المراجعُ التاريخيةُ والعِلميةُ عن عملياتِ التعذيب التي تَفنَّنت فيها محاكمُ التفتيش مِن حَرقِها الناسَ أحياءً، أو فَقْءِ عيونهم، أو انتزاع لسانهم وهم أحياءٌ، أو دَهْنِ أرجُلهم بالزيَّتِ ووضعِها فوقَ النار -بعدَ ربطِهم حتى لا يتحركوا من أماكنهم- لَيُصيبُ القارئَ بالغَثَيان .. وما كَتَبه القَسُّ "برتولوميه دي لاس كازاس" عن وحشيةِ أعمال المبشِّرين ورجالِ الكنيسة وجنودِها -عند غزوهم شعوبَ أمريكا الجنوبية- يفوقُ الخيالَ في بشاعته .. ولم يُسمَحْ بنشرِ مذكِّراته إلاَّ في أواخِرِ القرن العشرين، ولا يَسعُ المجالُ هنا للتحدُّثِ عن الحروبِ الدينية بين المسيحيين كحَربِ الخمسين عامًا، والمئةِ عامٍ، والمجازِرِ المميَّزة كمجزرةِ البروتستانت المعروفة باسم "سانت بارتليمي" .. ولا عن سَردِ كيفيةِ فَرضِ المسيحيةِ بالسيف على أوروبا وضواحيها، أو على باقي بعضِ شعوبِ العالم.

стр. 1851

° وإذا ما تَمَّ حَصرُ أعدادِ كلِّ الذين تَمَّ قتلُهم بأمر من الكنيسة الكاثوليكية الرومية الرسولية، لَوصل إلى مئاتِ الملايين من الأبرياء، وهو ما تَذْخَرُ به المراجع .. فمِثلُ هذه الأعمالِ تندرجُ تحت أي منطق في نظر سيادتكم؟ أم لعلَّكم تباركونها لبراءتها وتسامُحِها المسيحي!. سيادةَ الأستاذِ والباحثِ، إنَّ كلَّ ما تقدم -وأكثرَ منه بكثير- هو ثابتٌ عِلميًّا وتاريخيًّا ووثائقيًّا، بل أكثرُ منه جِدُّ كثير، ولا يَسَعُ المجالُ هنا لذِكره .. إنها مجردُ شَذَرات. ° تقولون في الفقرةِ من محاضرتكم: "إن الله لا يُحبُّ الدمَ"، ومع ذلك تصرُّون على استمرارِ العقيدةِ التي تَفرضُ على الأتباع شُربَ دمِه وأكلَ لحمِه عند تناولِ "الإفخار ستيا"، ومَن لا يؤمنُ بذلك إيمانًا قاطعًا بأنه يشربُ دَمَه فعلاً ويأكلُ لحمه فعلاً يكون كافرًا وملعونا .. ومن الواضح أن هناك العديدَ من الأتباع الذين يَنفِرون من مجردِ هذه الفكرة، وتفاوتت حِدَّةُ الصراعاتِ الرافضةِ "للإفخار ستيا" بالمعنى الكَنَسي، وكان من أشهرِ هؤلاء "جان فيكليف" الذي أدانه مَجْمَع "كونستانس" ١٤١٨ لأنه نادى بأنه الخُبزَ والنبيذَ لا يتبدَّلانِ في القربان ولا يتحوَّلان، وأن المسيحَ لا يتواجدُ فعلاً بلحمِه ودمِه في القربان، فأدان المَجمعُ كلَّ مؤلَفاتِه، واتَّهمه بالهرطقة، وبعد وفاته أَمَر المَجمعُ بنَبشِ قَبرِه لإلقاءِ عِظامه بعيدًا عن المدافنِ الكنسيَّة (المجامع المسكونية ج ٢ صفحة ٨٥٩)، ثم قام مجمعُ "لاتران" بإدخال هذا الطقس الدمويِّ ضمن عقيدة "الإِيمان"!. وكانت آخرُ محاولةٍ مبذولةٍ لدراسةِ كيفيةِ فَرضِ فكرةِ أكلِ لحمِ المسيحِ وشُربِ دمِه فعليًّا وحقيقيًّا، ذلك العامَ الذي كرَّسه البابا "يوحنا بولس

стр. 1852

الثاني" في أكتوبر ٢٠٠٤، والذي انتهى بانعقادِ "السينودس" الذي أُقيم من ٢ إلى ٢٣ أكتوبر ٢٠٠٥، وحضره ٢٥٦ أسقفًا من ١١٨ بلدًا حول موضوع: "الإفخارَ ستيا في الحياة والرسالة الحالية للكنيسة"، وقد قمتَ بترأُسه لوفاةِ البابا السابق، وتم اختيارُ هذا التاريخ ٢٣ أكتوبر لإنهاءِ أعمالِ المؤتمر، لِيتَّفقَ مع "اليوم العالمي للتبشير" .. وهو ما يكشفُ عن أن عقيدةَ "الإفخار ستيا" تقفُ عقبةً في عملياتِ التبشيرِ التي تَخوضونها وتجاهِدون لِتدارُسِ كيفيةِ فرضها!. ومن الواضح أن الإصرارَ على فرضِ هذه العقيدةِ بمثل هذا التشبُّث، هي عمليةُ تبرير لاستمرارِ ضرورةِ وجودِ طبقةِ القساوسة التي هي وحدَها تمتلكُ سرَّ تحويل الخُبزِ والنبيذ "بقُدرتهم السحريَّة" إلى لحم ودم المسيح الذي يَتعيَّنُ على الأتباع أكلُه وشُربُه، وإلاَّ لا يَحصلون على الخَلَاص! .. ولا نَملكُ إلاَّ أن نتعجَّبَ لِمَا تعتبرونه معقولاً ومنطقيًّا ويتفهَّمُه العقل والمنطق .. ولعل ذلك هو ما دَفَع الكاتبَ الفرنسيَّ "إميل زولا" أن يقول في إحدى رواياته: "إن الحضارةَ الإنسانيةَ لن تتقدمَ إلاَّ إذا سَقَط آخِرُ حَجَر من آخِرِ كنيسةٍ على رأسِ آخِرِ قسيس"!. أنتقلُ بعد ذلك إلى "مجمع الفاتيكان الثاني" وقرارتِه سنة ١٩٦٥ التي تُمثل خروجًا سافرًا على نصوصِ وتعاليم العهدِ الجديد، التي تُمثِّلُ جزءً كبيرًا من المشكلات التي تُواجِهُ العالَم حاليًا، فعلى الرغم من اتهامِكم اليهودَ في قُدَّاسِ كل يوم أحد بأنهم قَتَلةُ الرب، وعلى الرغم مِن وجودِ أكثرَ مِن مئةِ آيةٍ صريحةِ الوضوح في اتهامِها بالعهدِ الجديد، نصَّ ذلك المَجمعُ

стр. 1853

- مِن ضِمنِ ما نصَّ عليه في نصوصه المتعددة- على: - تَبرأةِ اليهود من دم المسيح. - اقتلاع اليسار في عقد الثمانينات (من القرن العشرين). - اقتلاع الإسلام في عَقدِ التسعينات، حتى تبدأ الألفيةُ الثالثة وقد تَمَّ تنصير العالم، وإن كانت هذه التوصِيَة بدأت بعبارةٍ مضغمة هي "توصيل الإنجيل لكلِّ البشر". - إعادةِ تنصير العالم. - توحيدِ كافةِ الكنائسِ تحتَ لواء كاثوليكيةِ روما. - فرضِ المساهمةِ في عمليةِ التبشير على كافةِ المسيحيين الكَنَسيين منهم والمدنيين، وهي أولُ سابقةٍ من نوعها، وتُوصِمُ أمانةَ الأقليات المسيحية في كل مكان. - استخدام الكنائسِ المحليةِ في عملياتِ التبشير، الأمرُ الذي يَضعُ الأقلياتِ المسيحيةَ في البلدان التي يَعيشون فيها في موقفِ عدم الأمانةِ، أو الخيانةِ الوطنيةِ لصالح التعصُّبِ الكنسي. - فرضِ بدعةِ الحوار، كوسيلةٍ لكسبِ الوقتِ حتى تتمَّ عمليةُ التنصير بلا مقاومةٍ تُذكر. - إنشاءِ لجنة الحوار. - إنشاءِ لجنة خاصة بتنصير العالم. ° ولن أطلبَ منكم تقييمَ قرارتِ هذا المَجْمَع من حيثُ العقلُ والمنطق، أو من حيثُ الشرور واللاإنسانية التي تَمَخَّضُ عنها، فهي ليست

стр. 1854

بحاجةٍ إلى تقييم، إنها تجأر بنفسها لكنني سأُضيفُ أن البابا "يوحنا بولس الثاني" كان قد وعَد بتبديل وتغييرِ سبعينَ آيةٍ من آيات الأناجيل لتتمشَّي مع مسلسل التنازلات التي تُقدِّمونها للصهاينة، وللحقِّ لا أعرفُ إنْ كان قد تمكَّن من إتمام ذلك قبلَ وفاتِه؟ أم سيقعُ عليكم الوفاء بهذا الوعد؟. ° ومن بين كلِّ القرارات السابقةِ لن أُعلِّقَ إلاَّ على نقطةِ بدعةِ "الحوار بين الأديان"، لأستشهدَ ببعضِ النماذج الكاشفةِ من الوثائق الفاتيكانية: - أخطر ما يمكن أن يُوقِفَ الحوار: أن يكتشفَ مَن نُحاورُه نيَّتَنا في تنصيره. - من أهمَّ عقباتِ الحوارِ ما قُمنا به في الماضي ضدَّ الإسلام والمسلمين، وهذه المَراراتُ عادت للصحوة حاليًا، فقد أُضيفت الآن قضية إسرائيل وموقفُ الغرب منها، ونحن كمسيحيين نعرفُ ما هي مسؤليتُنا حيال هذه القضية. - ضرورةُ القيام بفَصل المسيحيةِ في حدِّ ذاتها عن العالَم الغربي، ومواقِفِه المُعاديةِ والاستعمارية، فالمسلم لم يَنْسَ ذلك بعد. - إن الحوارَ الصحيحَ يَرمي إلى تجديدِ فردٍ بالارتدادِ الباطنيِّ والتوبة، اعتمادًا على الصبرِ والتأني والتقدم خُطوةً خطوةً وفقًا لِمَا تَقتضيه أحوال الناس في عصرنا. - يَتعيَّنُ على المسيحيين أن يُساعِدوا مؤمِنِي العقائدِ الأخرى على التطهُّرِ من تُراثِهم الدينيّ لِتَقَبُّل عمليةِ الارتداد. - إن أعضاء الديانات لأخرى مأمورون بالدخولِ في الكنيسة من أجل

стр. 1855

الخَلاص. - الحوارُ يعني فَرْضَ الارتدادِ والدخولِ في سرِّ المسيح. - إن الكرسيَّ الرسوليَّ يسعى إلى التدخل لدى حُكَّام الشعوبِ والمسؤولين عن مختلفِ المحافِل الدولية، أو الانضمام إليهم بإجراءِ الحوارِ، أو حَضِّهم على الحوارِ لمصلحةِ المُصالحةِ وَسَطِ صراعاتٍ عديدة. وأكتفي بهذا القَدْرِ القليل من غُثاءٍ كثير لأسألَكم: هل مِثلُ هذ التعاملِ غيرِ الأمين واللاإنساني هو ما تعتبرونه مقبولاً من العقل والمنطق؟!. وهنا تَجدُرُ الإشارةُ إلى خطابكم الرسوليِّ الأول "الله محبة"، ولا يَسَعُ المجالُ لتناوله بالتفصيل، فقد أفردتُ له مقالاً آنذاك بعنوان "تنازلات على نَغَمة المحبة"! ومن أهمِّ ما يَجبُ الإشارةُ إليه اعتبارُكم أن اليهودَ والمسيحيين وحدَهم هم الذين يَعبدون اللهَ الحقيقي، ثمَّ قيامُكم بالربط بين الإسلام والانتقام والكراهيةِ والعنفِ باسم الله، وأنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيةَ وحدَها هي التي عليها أن تَسُودَ العالَم، وكمٌّ من التنازلات الممجوجة التي قدمتموها للصهاينة، وهو ما يؤكِّدُ أن استشهادكم في المحاضرة لم يكن من قَبيل المصادفة، وإنما تقصِدونه لأنه يُمثِّلُ رأيَكم الدائم. ولا يَسَعُني عند نهايةِ خطابي المفتوح هذا إلاَّ أن أسألَكم: يُصِرُّ الفاتيكانُ على أن رسالتَه هي تنصيرُ العالم، وهو يَبذُلُ قُصارى جَهدِه وبكافةِ الوسائل الصريحةِ والملتوية لِتحقيقِ ذلك، بل لا يَكُفُّ عن حثِّ الكنائسِ الأخرى وتوحيدِها لاستخدامِها في عمليةِ التبشير والتنصير، ولقد تمَّ فرضُ هذا الموقفِ على الأتباع وعلى الكنائس المحليَّةِ في كل مكانٍ بزَعمِ

стр. 1856

أنها الوسيلةُ الوحيدة للتصدِّي للمدِّ الإسلامي، كما تمَّ استصدارُ القوانينِ الأمريكيةِ الترويعية لتنفيذِ الهوية، فما عساكم فاعِلين بتلك الدُّويلةِ الدينيةِ العنصريةِ التي ساعد الفاتيكانُ على تثبيتها ظلمًا وعدوانًا وانتزاع الأرضِ من أصحابها لقومٍ لا حقَّ لهم فيها وفقًا للنصوص؟ بل ما عساه فاعلاً بهذه الدُّويلةِ العنصريةِ -التي يُعَدُّ إنشاؤها خروجًا سافرًا على دينِه وتعاليمه-، وهناك من الأبحاث اللاهوتية ما يؤكدُ أنه لا حق لهم شرعًا في هذه الأرض، وذلك من قَبيل رسالةِ الأب "لاندوزي" .. ولا نَسخرُ حين نتساءل بكلِّ مرارةٍ وألم: ترى، هل سيقومُ سيادةُ البابا بتنصيرِ اليهود، أم أن الفاتيكانَ هو الذي سيتهوَّد؟! أليست دعوتكم الظالمةُ هي تنصيرَ العالم؟!. إن مَن يَحمِلُ على كاهِله مِثلَ هذا التاريخِ المدرَّجِ بالدماء، ومِثلَ هذا التراث القائم على التزوير والتحريف، ويقومُ بمثل هذه السقطةِ الاستفزازية وسبِّ الإسلام والمسلمين عن عَمدٍ، فلا يجبُ عليه الاعتذارُ الواضحُ فحسب، وإنما يجبُ عليه التنحِّي عن مثل هذ المَنصب، وهو أقل ما يجبُ عليه أن يفعلَه إن كانت هناك أمانةٌ علميةٌ أو دينية". انتهى مقال الدكتورة زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة الفرنسية. * كشفُ البيان حولَ أزمةِ بابا الفاتيكان: ° وفي موقعه على "الإنترنت" كتب الأستاذ "خالد سعود البليهد" قائلاً: "لقد ساءني -وساءَ كل مسلم- ما صَدَر من بابا الفاتيكان من إساءةٍ للإسلام ونبي الرحمة، وقد قُوبل ذلك بردودٍ غاضبةٍ من المسلمين على

стр. 1857

اختلافِ طبقاتهم، وهي تدل على غيرتهم وحُبِّهم لدينهم وتعظيمِهم لنبيِّهم ﵊، وقد اختَلف الخطابُ في الردِّ، وتنوَّع في الأسلوب حسبَ اختلافِ المدرسةِ الفكريةِ والمذاهبِ والتأصيل العلمي، وهذه تنبيهاتٌ حولَ هذه القضيةِ الخطيرةِ بيانًا للحق، وكشفًا للمشتبه، ووضعًا للأمور في نصابها: الأول: ليس بغريبٍ أن يصدرَ هذا التهجُّمُ والبغيُ من رئيسِ النصارى، والنصارى معروفٌ عنهم الكذبُ، والجحودُ، وإلباسُ الحق بالباطل، وتزويرُ الحقائق، والإساءةُ لخصومهم. * قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. * قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]. * قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. * قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. * قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]. والأصلُ في تصرُّفاتِ النصارى ومعاملتِهم للمسلمين الافتراءُ وكَتمُ الحق والازدراءُ بهم والظلمُ وهَضمُ الحقوق، ومَن خالف ذلك منهم فنادرٌ

стр. 1858

خارجٌ عن الأصل، ولهذا يُخطىُء كثيرًا مَن يُحسِنُ الظنَّ بهم ويُوادُّهم ويلتمسُ لهم المعاذيرَ ويُثنِي عليهم، وإنما تَحسُنُ أخلاقُهم إذا تحقَّقت مصالحُهم ومكاسبُهم المادية. الثاني: القتالُ للأعداءِ وسيلةٌ مشروعةٌ في الإسلام، وهي من محاسِنِ هذا الدينِ وكمالِه، ودليلٌ على عِزَّةِ الإسلام وأهله، وهو ثابتٌ بنوعيه "قتال الطلب" و"قتال الدفع"، وإنَّما شُرع "قتال الطلب" لإعلاءِ كلمةِ الله، وتحريرِ الخلقِ عن الظلم، وإزالةِ العوائقِ عن معرفةِ الحقِّ واتباعِه، ولم يُشرَعْ لاستعبادِ الناس وإكراهِهم على الدخولِ في الدين. * قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. ولا شكَّ أن الإسلامَ انتَشر في كثيرٍ من الأصقاعِ بالقتال والتاريخُ شاهدٌ بهذا، كما أنه انتَشر أيضًا في البلادِ الأخرى بالدعوةِ إلى الله، ولا يُنكِر هذا إلاَّ مكابرٌ أو جاهل، ومما يؤسَف له أنَّ بَعضَ المنتسِبين للعلم والدعوة ينكِرون "قتالَ الطلب"، ويزعُمون أن القتالَ لم يشرع إلاَّ للدفاع عن بلاد المسلمين، ويظنون أن إثباتَ ذلك يسيءُ للإسلام، وهم بذلك متأثرون بأطروحاتِ المستشرقين وأتباعِهم من تلاميذ المدرسة العقلية. الثالث: ما حَصَل من البابا دليلٌ صريحٌ على فَشل مشروع "الحوار بين الإسلام والنصرانية، والدعوة إلى تقارب الأديان"، ودعوى "الحوار بين الأديان" عملٌ باطلٌ لا أصلَ له في الشرع، وهو ممتنعٌ شرعًا وواقعًا، وقام

стр. 1859

منذ عِدَّةِ عقودٍ ولم يُثمِرْ شيئًا، وهو يتضمَّنُ إبطالَ أصل "الولاء والبراء"، ويقتضي المداهنةَ، ولم يَرِدْ به الشرعُ، ولم يَفعَلْه رسولُنا الكريم ولا خلفاؤه الراشدون ولا الأئمة المتبوعون، وليس بيننا وبين النصارى أصولٌ أو نقاطُ التقاءٍ حتى يُتفقَ عليها، وقد كان منهجُ النبي ﷺ في دعوتهم يتمثَّلُ في الأمور التالية: (١) الكتابةِ لرؤساء النصارى وعَرضِ الإسلام عليهم. (٢) دعوةِ النصارى لمناظرتِهم وجدالهم بالتي هي أحسن. (٣) طلبِ مباهلتهم. * وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. * وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وبهذا نعرفُ خطأَ بعضِ المفكِّرين في رُدودهم من إثارة الحوارِ والتباكي عليه والسعيِ لتحقيقه. الرابع: حَقَّق الإسلامُ العَدلَ في حَربه مع خُصومه، وذلك أنه حينما شَرع القتال وضَعَ له آدابًا وضوابطَ وإجراءاتٍ تُهذِّبُه وتَرقَى به عن الوحشية، تتمثل في الأمور الآتية: (١) يُقسَّمُ الكفارُ إلى قسمين: ١ - محاربين. ٢ - مسالِمِين.

стр. 1860

فالأول: يُشرع قتالهم .. والثاني: لا يُشرع قتالهم، سواءٌ كانوا من أهل الذمةِ أو من أهل الصُّلح والهُدنة. (٢) تخييرُ العدو عند قتالِه إلى خِصالٍ ثلاثِ: إما الإسلام، أو الجِزية، أو القتال. (٣) عدمُ إكراهِ العدوِّ على الدخول في الإسلام. (٤) احترامُ وتعظيم الصلح والذمةِ والهدنة، وعدمُ التعرضِ لدماءِ أهل الذِّمةِ وأموالِهم، وليس في شيءٍ من الأديان الأخرى ما في الإسلام من تعظيم أهل الذمةِ ووضع الحقوقِ لهم وعليهم. (٥) النهى عن قتل غيرِ المقاتِلين والشيوخ والنساءِ والأولادِ، والنهيُ عن تخريبِ الديارِ والأموال، والنهى عن التمثيل بالمقاتلين إلاَّ على سبيل المكافأة. (٦) النهيُ عن استباحةِ البلادِ والعِبادِ حين الانتصار، بل يَلزَمُ الكفُّ مباشرةً إذا صالح العدوُّ أو دخل الإسلام. (٧) الكفُّ عن الخَصمِ ساحةِ المعركة إذا أظهَرَ الإسلامَ ونطقَ بالشهادتين، وعَدَمُ التعرضِ له مهما فَعَل من الجنايات، ويُعصَمُ دمُه ومالُه. (٨) إذا حَصَل من العدوِّ خيانةٌ -أو هَمَّ بخيانةٍ-، وقُرَّر إجلاؤه، أُمهِلَ فترةً من الزمن لإِجلائِه، لِيجمَعَ مالَه ويُهيِّئ أمرَه، ولم يُؤمَرْ بالجلاء في الحال. (٩) إذا حَصل نقصٌ للعهد من بعضِ النصارى ولم يتواطأِ الجميعُ عليه، لم يُقاتَلوا ويؤاخَذوا جميعًا بجَريرة بعضهم، بل يعاقَبُ مَن حَصَل منه ذلك، كما أفتى بذلك العلماءُ في نصارى "طَرَسوس" ونصارى
следующие страницы →