الانفعالية في التاريخ، قد أَبرَزَ مفهومَ الإسلام السياسي كتهديدٍ متواتر، ومفهومَ الدين السياسي كبِنيةٍ تاريخيةٍ في أصول الإسلام، يقول "جولدزيهر": "إن الإسلامَ قد جَعل الدينَ دنيويًّا، لقد أراد أن يَبنيَ حُكمًا لهذا العالَم بوسائل هذا العالم" (١).
إننا أمامَ منافسةِ شرسةٍ بدأت منذ أكثَرَ من ألفِ عام، وساحَتَها كانت في مُعظَم الأحيان هي كلُّ أنحاءِ المعمورة، ومع ظُهور العولمة، وتزايُدِ حركات الهجرة، ونَقصِ العَمالةِ اليدوية المدرَّبة في أوروبا، وتناقُصِ عددِ السكان في كثير من دولِ شمال وغرب أوروبا، فقد تسبَّب كل ذلك في عَودةِ الوجودِ الإسلاميِّ للظهور بقوةٍ داخل أوروبا، وفي كلِّ عواصمها وحواضِرِها بشكلٍ أصبَحَ يستفزُّ كلَّ مَن يسعى إلى الانتصارِ للكنيسة، أو للغربِ على حساب الإسلام.
لقد رأت الكنيسةُ الأوروبيةُ تاريخيًّا -وحتى الآن على أغلب الظن- أن هناكَ خُطورةً من انتشارِ الإسلامِ في كلِّ أنحاءِ المعمورة، وأن هذه الخُطورةَ تُمثِّلُ كارثةً على المسيحية، لذلك فإن المواقفَ الفكريةَ المسيحيةَ تَنحى دائمًا إلى الهجوم على الإسلام وعلى نبيِّ الإسلامِ ﷺ .
* إِهدارُ قيمةِ كل مقدَّس عند العلمانيِّين الغربيين:
تطوَّرَ مشوعُ العلمانيةِ من "فَصِل الدين عن الدولة" إلى "إقصاء الدين عن الحياة" .. إلى "الهجوم على الدين للقضاء على ثبات القِيم"، واستَتْبَعَ
стр. 1927
ذلك رغبةُ القائمين على هذا المشروع العلماني في القضاءِ على كلِّ القِيَم الثابتةِ في المجتمعات، وتحويل فكرةِ القِيَم إلى موضوع نسبي متغيِّر تبعًا للزمان والمكان وأمزجةِ الشعوب.
يقتضي تحقيقُ هذه الفكرةِ القضاءَ على وَلَعِ الشعوبِ وتقديرِها للمقدَّس، بصرفِ النظر عن قيمةِ ذلك المقدَّس في حياتها، أو مدى اعتزازِها به، من أجل ذلك ظَهرت حملة منظمة في الغربِ طوالَ الأعوام الماضيةِ للنَيل من كلِّ الأنبياءِ والصالحين، وليس نبي الإسلام وحده.
فقد ظَهر في الإِعلام الغربي مؤخَّرًا العديدُ من الأفلام التي تهاجمُ المسيحَ ﵇، وكذلك نبى الله موسى، وكل ذلك يَندرجُ -في ظننا- ضمنَ مشروع علمانيٍّ يهدفُ إلى تشويهِ صُورِ كلِّ رموزِ القِيَم الأخلاقيةِ غيرِ المتغيرة في العالم، ولعل ذلك يُفسِّرَ أيضًا سببَ تكرارِ الهجوم على نبيِّ الإسلام من أنصارِ التياراتِ المتحررةِ والليبراليةِ في الغرب.
* فَشَل تحجيم التأثير السياسي والدولي للإِسلام:
إن التياراتِ العلمانيةَ واللادينيةَ التي تَحكُمُ الكثيرَ من دول أوروبا -ولها تأثيرٌ قوىٌ على السياسة الأمريكية أيضًا- لا تكترثُ كثيرًا لمسألةِ انتشارِ الاسلام عدديًّا أو جغرافيًّا أو عقديًّا في مواجهةِ المسيحيةِ، أو أيِّ ديانةٍ أخرى، كثيرٌ من هؤلاء القادةِ السياسيين والإعلاميين والفكريين ممن ينتمون إلى التيار اللاديني أو العلماني لا يهتمُّون لموضوع الدين من ناحيةِ علاقة الإنسانِ بخالقه، أو بمَعبَدِه أو كنيستِه أو مسجده، ما شغلُهم بالتأكيد هو آثارُ التدينِ على مسيرةِ العالَم الاقتصاديةِ والليبراليةِ والحضاريةِ بمفهومهم هم
стр. 1928
لهذه الحضارة السائدة.
وفي هذا السياقِ يَبرُزُ الإسلامُ كمصدرِ إزعاجٍ رئيس؛ لأنَّه قوةٌ محرِّكةٌ ومؤثِّرةٌ، وتدفعُ بمُعتنقيهِ إلى رَفضِ الهيمنةِ ومقاومةِ مشروعاتِ الاستعمارِ الفكريِّ والاقتصاديِّ بنفس حِدِّةِ وصَلابةِ ومقاومةِ الاستعمارِ المسلَّح، وهنا يَكمُنُ تفسيرُ اتحادِ التياراتِ الليبرالية العلمانيةِ الغربيةِ مع التياراتِ الدينيةِ المتطرِّفةِ في بعضِ الكنائسِ الأوروبية، من أجل تقليصِ تأثيرِ الإِسلامِ على العالم المعاصر، إنه تحالُفٌ لم يَحدُثْ في التاريخ مِن قبلُ بهذه الدرجة من الشموليةِ والتعقيدِ والانتشارِ الجغرافي أيضًا.
وهذا الاتحادُ الفكريُّ بَدأ منذ القديمِ عن طريقِ المفكرين المسيحيين، يذكرُ أحدُ المفكِّرين الروسُ عن ذلك: "إننا لَواجِدون عند كبارِ المفكرين السيحيين -بدءً من أوغسطين وانتهاءً بتوما الأكويني- فكرةً عامةً ملازمةً تقول: إن تطورَ الإنسانية يجبُ أن يُفضيَ حتمًا إلى ملكوتِ المسيح، وهو تطوُّرٌ يجبُ أن يَستوعبَ في داخله العالَمَ كلَّه، وفي الوقتِ ذاته، "فإن مَلِكنا على حقٍّ، أما غيرُ المسيحيين، فهم ليسوا على حقِّ" (أغنية رولان" (١).
* فُقدان الغَربِ للحبِّ والعاطفةِ، فقلوبُ أهلِه أقسى من الحجارة:
إنَّ الأمةَ الإسلاميةَ تَعلَّمت من دينِها أنَّ أوثَقَ وأعلى درجاتِ الإيمانِ أنْ تُحبَّ في الله، وأن تُبغِضَ أيضًا في الله، وأسمى درجاتِ المحبةِ في الله أن
стр. 1929
تُحبَّ خيرَ خَلقِ الله ﷺ ، نعم نحنُ نؤمنُ برسالة النبي ﷺ ، ونراه قائدًا وهاديًّا ورسولاً .. ولكننا أيضًا -وفوقَ كلِّ ذلك- نَحبُّه حبًّا كبيرًا ومختلِفًا عن كلِّ معاني الحبِّ التي تربطُ الغربيين بحُكَّامهم، أو حتى أنبيائهم.
بل إن العجيبَ في الأمر -والذي يؤكِّدُ مرضَ الغرب- أننا -نحن المسلمين- نحبُّ أنبياءَهم أكثَرَ من حُبِّهم هم لهم، فليس من الممكن أن تَسمعَ مسلمًا يَهزأُ بالمسيح ﵇، ولا يُمكنُ أن تَجِدَ أيَّ فردٍ من أفراد هذه الأمة العربيةِ والإسلاميةِ يَسخَرُ من نبيِّ الله موسى ﵇، إنهم أنبياءُ نؤمنُ بهم ونُوقِّرُهم، والأهمُّ في كلِّ ذلك -في هذا السياق- أننا حقًّا نحبُّهم، لَيتَهم في الغربِ يَعرفون ماذا يعني هذا الحبُّ؟! وكم هو جميلٌ أن تكونَ مُحِبًّا .. وأن تحيا بالعاطفة، وليس بالمصلحةِ أو المنفعة. لكنَّ الحُبَّ يُفرِزُ أيضًا عاطفةً مضادةً وهي الكُرْه، وهنا يمكنُ أن نَجِدَ تفسيرًا لحماسِ مفكِّري الغرب في الهجوم على ظاهرةِ حُبِّنا الشديدِ لنبيِّ الإسلام ﷺ ، فالحبُّ عاطفةٌ جياشة، وكأيِّ عاطفةٍ، فإنها تَحمِلُ دائمًا ضِمنَ عناصرِها نَقيضَها -وهو الكُرْه-، إن مَن يعرفُ كيف يُحب .. يتيقَّنُ أيضًا كيف يكره.
إننا أُمةٌ نحاولُ دائمًا أن نَربِطَ العاطفةَ بمعاييرِ الدينِ والأخلاق، ونحاولُ كذلك أن نتحكَّمَ في الكراهيةِ لكي تنضبطَ ضِمنَ أُطُرِ الدينِ والقانونِ والأعرافِ، ولكننا لا نحاولُ أبدًا أن نتخلَّص منهما، بل إن الدينَ الإسلاميَّ الذي يَحُثُّ على الانضباطِ والتقيُّدِ في الحب .. هو نفسُ الدين الذي يَرى أن الكُرهَ عاطفةٌ بشريةٌ لا يمكن القضاءُ عليها، ولكن يجبُ أن
стр. 1930
تُقَنَّنَ وتُضبَطَ ضِمنَ قِيَم وقواعدِ المجتمعاتِ الإسلامية.
أما الغربُ، فهو يريدُ أن يتخلَّص الناسُ -وخصوصًا هذه الأمة- من تلك العواطفِ الجيَّاشة .. حبًّا كانت أم كراهيةً .. فكلاً منهما يساعدُ على تقويةِ النقيض .. فمَن يُحِبُّ بشدةٍ -حتى وإنِ انضبط بمعاييرِ الشرع- يمكنُ أن يَكرَهَ أيضًا بشدَّةٍ ضمنَ نفسِ المعايير والضوابط، هناك في الغرب مَن يريدُ تركيعَ البشريةِ حتى لا يَكرهَ أفعالَه أحدٌ، حتى وإنْ قَتل وعذَّب واستَهزأ وهَيْمَنَ وسيطر .. لا بد إذن أن يُقيَّدَ ويُحجَّمَ الحُبُّ .. وأن تُقتلَ مشاعر البغض ..
ليس هناك من تدريبٍ أفضلُ على قتلِ العاطفةِ لهذهِ الأمة مِن أن يُستهزاءِ بخيرِ خَلقِ الله ﷺ ، وأن تُمنعَ الأمةُ من التعبيرِ عن غضبِها من الاستهزاءِ أو حبِّها للنبي ﷺ ، الغربُ يريدُ أن يُطوِّعَنا أن نَقبلَ أن يُهانَ أغلى مَن نُحبُّ، وأن نَمتنعَ عن إظهارِ العاطفة .. وبالتالي سنمتنعُ إيضًا تلقائيًّا -في ظنهم- عن بُغضِ أفعالهم.
لن تَنجحَ محاولةُ تدريبِ الأمةِ -أفرادًا وجماعاتٍ- على أن نَنسى العاطفة .. ولن يُفلحَ مَن يُحاولُ أن يَكبِتَ طاقاتِ المحبين، قد يكونُ المطلوبُ -للبعض في الغرب- أن تَفقِدَ الاُمةُ ثِقَتَها في نفسها .. وفي قيمةِ العاطفة .. وبالتالى تَلْفِظُ الحبَّ والكُرْهَ معًا .. وتتحولُ إلى كائنٍ مُطيعٍ ينضمُّ إلى القافلةِ المتحركةِ نحوَ نهايةِ التاريخ عندما ينتصرُ الغرب، ولكنني أشك في إمكانيةِ حدوثِ ذلك، إننا أمامَ معركةِ المستقبل بين العواطفِ والمصالح .. بين الإنسانِ والآلة .. بين سيادةِ القلبِ أم هَيمنةِ العقل .. مِن
стр. 1931
أجل ذلك لابدَّ نَقبَلَ خَوضَ المعركة .. وسلاحُنا في ذلك هو العاطفة، وهو تَحدٍّ عقليٌّ وقلبيٌّ مع الغرب، ولكننا سننتصرُ بهما معًا.
* محمدٌ ﷺ تجسيدٌ للكمال الإِنساني، فاضحٌ لِبَهيميَّةِ الغَرْبِ وانحطاطه:
يَرى البعضُ في الغربِ في شخصيةِ النبي ﷺ نموذجًا متكاملاً لنوعٍ من الكمالِ الإنسانيِّ الذي لا يُمكنُ للغرب بأفكارِه ونظرياتِه وممارساتِه أن يَصِلَ لها، وعند هذا الفريقِ من الغربيين، يُصبحُ القضاءُ على هذا النموذج همًّا حقيقيًّا بذاته.
فكأنَّ حياةَ النبيِّ محمدٍ ﷺ تُمثِّلُ ذلك الضميرَ الذي يُوخِزُ الغربَ في جَنَباته، وكأنه مِرآةٌ داكنةٌ توضِّحُ لهم بالدليلِ الواقعيِّ مَدى التردِّي الذي وَصَل إليه حالُ الشخصيةِ الغربية نتيجةً لابتعادِها عن النموذج المحمديِّ.
• عن تَميم الداريِّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لَيَبْلُغَنَّ
هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنهار، ولا يَتركُ الله بَيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلاَّ أدْخَلَه هذا الدينَ بعِزِّ عزيزٍ، أوْ بذُلِّ ذليل، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذُلاًّ يُذِلُّ به الكُفرَ" (١).
* * *
стр. 1932
بَل هي حَرْبٌ على الرسول ﷺ والإسلام
стр. 1933
الصليبي سمير جعجع، قائدُ القوَّات الصَّليبيَّة - بلُبنانَ يَسُبُّ الرسولَ ﷺ والمسلمين
تَقدَّمت المحاميةُ "ميُّ الخنساء" ببلاغ إلى النائب العام اللبنانيِّ، تطالب فيه بالتحقيق مع كُلٍّ من "سمير جعجع" قائدِ القوَّاتِ اللبنانيَّةِ المسيحيَّة، والمسؤولين عن موقع القوَّات على الإنترنت، لنشرهم مقالاً يتضمَّن سِبَابًا مُقْذِعًا للمسلمين سنَّةً وشيعةً وللرسول ﷺ ، وهاجم المقالُ -الذي حَصلت "الأهرامُ العربي" على نُسخةٍ منه "حسن نصر الله" الأمينَ العامَّ لحزب الله، ووَصَفه بالكاذِبِ والمخادع، وأنه يضحكُ على المسلمين بادعاءِ أنه قادر على محاربةِ إسرائيل، متناسِينَ أن إسرائيل قادرةٌ على إبادةِ كلِّ العرب، وعلى تدميرِ السدَّ العالي لإغراقِ مصر، وعلى تدميرِ "طِهران"، وعلى الوصولِ إلى غرفةِ نومِ الرئيس السوري "بشَّار الأسد"!!.
ووَصَف المقالُ المسلمينَ سُنَّةً وشيعةً بأَنهم "مهابيل"، وأنهم كائنات لم تَصِلْ بعدُ إلى درجةِ "القِرْد" على مِقياس "دارون".
كما وُصف الرسولُ ﷺ بألفاظٍ نَعِفُّ عن إعادةِ نشرها.
° وخَتَم القول: "إن الخداعَ الذي يُمارسُه "حسن نصر الله" وحزبه على هؤلاء المساطيل يُعتَبَر تافِهًا إذا ما قُورِن بأساطير محمد بن عبد الله".
"ميُّ الخنساء" أوضحت للأهرم العربي أن المقالَ منشورٌ على موقع القوَّات اللبنانية
http://www.lebanese-forces.com/web
، وهو يُمثِّلُ جريمةً طبقًا لقانونِ العقوبات اللبناني، وقد طَلبت في البلاع المقدَّم منها بتوقيف "جعجع" والمسؤولين عن الموقع وإحالتِهم إلى المحاكمة أمام القضاء
стр. 1934
المُخْتَصّ، ومطالبتهم بدفع تعويضِ مِئةِ مليون دولار، يتم توزيعُ ٨٠% منه على عائلاتِ شُهداء وأسرى المقاومة، و ١٠% يُسلَّم لدار الفتوى، ومثلُها إلى المجلس الشيعيَّ الأعلى، تخصص لطباعة كتبٍ عن سيرة الرسول الأكرم ﷺ (١).
° وقبل "سمير جعجع" بعشراتِ السنين كانت الحربُ اللبنانية الصليبية العاشرةُ.
* الحرب الصليبية العاشرة:
سمَّاها بهذا الأستاذ "أحمد بهاء الدين" (العربي- العدد ٢١٣ - أغسطس ١٩٧٦) حربٌ شاب لهولها الأطفالُ من المسلمين، قَدمت أكثرَ من خمسينَ ألفاً من القتلى -تسعون في المئة منهم من المسلمين-، وثَلاثِمِئةِ ألفِ جريح، وهم ألوفٌ لم يَخسرِ العربُ مجتمِعين نِصفَهم في حروبهم الأربع مع إسرائيل!.
صليبية … سلوكُ أوغادِها ومجرميها من المارون صليبي، تفكيرُهم صليبي، حُلْمُهم صليبي .. أسفروا عن وجوهِهِم الكالحة، وباطنُهم العفنُ يقودُهم:
١ - "حزبُ الكتائبِ اللبنانيِّ" الذي يتزعمه "بِيير الجميل" (٢)، و"بَشير الجميل".
° يقول "بيير الجميل": "إنَّ مهمةَ الكتائِب في لبنانَ مهمةٌ رسوليَّة".
стр. 1935
٢ - "تنظيمُ النمور" يقودهم "كميل شمعون" رأس الأفعى المارونيَّة.
° صَرَّح هذا القَذِرُ للصحفي "جي سيتون" مندوبِ "نوفيل ابرز فاتور" الفرنسية قائلاً: "يوجد في شَرْقِنا هذا فئتانِ من المسيحيين، المسيحيون الأحرار الذين لم يَقبلوا أبدًا بأن تكونَ لأحدٍ سُلطةٌ عليهم، والمسيحيون الآخرون الذين خَضعوا للخلفاءِ المسلمين، وأدَّوُا الجزيةَ في سبيل البقاء على قَيد الحياة، وهؤلاء الذين يرفضون الحمايةَ الإسرائيليةَ جُزءٌ من هذه الفئة الثانية، فهم ليسوا من العِرْقِ اللبناني، وإنني أعتقدُ بأننا -على الأقل- يهود مِثلُهم" (نقلاً عن الجمهورية- القاهرة-٦/ ٨/ ١٩٧٨ م) (١).
٣ - "جبهة حُرَّاسِ الأَرْزَ"، وهي الجَناحُ العسكريُّ لحزب "الطليعة التبادعية" الذي يقودُه الشاعر الصليبيُّ الكارهُ للإسلام "سعيد عقل".
٤ - "حزب التحرير الزغرتاوي" يقودُ جيشَه "طوني سليمان فرنجية".
٥ - "الرابطة المارونية".
٦ - "فتيات مارون".
٧ - "فتيان مار نهرا".
٨ - "جبهة الموت لأعداء مارون".
المارون تحالَفوا مع المسيحيين القادمين من أُوربَّا في القرون الوسطى خلالَ الحربِ الصليبيةِ، وهم الآنَ ألدُّ أعداء المسلمين .. يُشكّلون نسبة ١٧% من سُكَّان لبنان، ويشكّلُ المسلمون المستضعَفون ٦٥% من سكان لبنان.
стр. 1936
° صليبيُّون حتى النخاع … "سعد حدَّاد" و"سامي شِدْياق" وهما يقومانِ بعمليةِ تصفيةٍ للمسلمين في جنوب لبنان، والاتصالِ الدائم مع "مِناحم بيجين" رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، والأبِ "شربيل القَسَّ" أو "الأباتي شربي" كما يطلقون عليه في لبنان، هو أكثرُ تعبيرًا عن صليبيتِه، وله الزياراتُ المتكرَّرةُ إلى الفاتيكان، وسافَرَ إلى إسرائيل عن طريق قبرص، واجتمع بالمسؤولين الإسرائيليين، وحَصَل منهم على كميَّاتٍ من الأسلحة والذخائِرِ، كما حَصَل على مُساعَداتٍ ماديةٍ قُدَّرت بثلاثةِ ملايين دولار، فحوَّل الأديرةَ في جبال لبنان إلى ترسانةِ أسلحة، وقام بتدريب سبعةِ آلافِ راهبٍ مارونيَّ، اشتركوا في القتال في الحربِ الصليبيةِ العاشرةِ العنيفةِ الشرسةِ والضاريةِ في لبنانِ (١).
° وتبقى مذابحُ مخَّيمِ "تل الزعتر" في شهر يوليو ١٩٧٦ دليلاً فاضحاً على الجرائم البشعة للمارون ضدَّ المسلمين .. لقد ظل الُمخَّيم صامدًا مدةَ ثلاثةٍ وخمسيِن يوماً، بعد أن صَدَّ سبعين هجومًا. عنيفًا تحت أقسى الظروف .. وبعد سقوطِ المخيَم كانت المذابحُ المرَّوعةُ. الموارنة ومعهم جيش "حافظ الأسد" الخائن، وتنضمُّ إليهم منظمة "أمل" الشيعيَّة.
° قاله "حافظ الأسد" لكمال جنبلاط: "لن نسمحَ لكم أن تتغلبوا على الانغزاليين أبداً .. فقال له جنبلاط: إنهم أعداء العروبة والإسلام! قال الأسد: هذا لايمنع من أننا سنمنعُكم بالقوةِ من أن تنتصروا على الانغزاليين" (٢).
стр. 1937
° سوف نتوقفُ لحظات ٍعند الَمجزرة التي قادتها الكتائبُ والمارون يومَ ٧ ديسمبر ١٩٧٥، والتي أُطلق عليها مذبحة "السبت الدامي" (راجع "روز اليوسف"، رسالة عاجلة من بيروت بقلم "بكر الشرقاوي "-العدد ٢٤٨١ - بتاريخ ٢٩/ ١٢/ ١٩٧٥).
فقد تَّم في هذا اليومِ وخلالَ دقائق َقليلةٍ ذَبح ٣٠ مسلماً -ما تُذبح الشاه -في قلب الشوارع، وقد كان المارون يسألون من يمر بهم قبل هذه المذبحة عن دين، فإذا عرفوا أنه مسلم قالوا له:"سُبَّ ربَّك" .. فإذا سَبَّ الله وهو في رُعبٍ شديدٍ، عادوا وقالوا:"سَبَّ محمدًا نبيك". فإذا سَبَّ -وكان سَبُّه مُقذِعاً وفاحشاً في كلَّ ما طُلب منه-، أعتَقوه وجعلوه يمَرُّ!.
هذا ما كان يحدثُ أيام الهدوء النسبيَّ -كما يذكرُ مراسل ُ"روز اليوسف" ..
أماَّ ما حدث بعد ذلك في يوم "السبت الدامي"، فتقشعرُّ له الأبدان:
° على سبيل المثال:
- أمٌّ عجوزٌ كانت تعبرُ الشارع مع ابنها، التقطوه وذبحوه أمامها مِن الوريد إلى الوريد؛ ولم يرحموا ضراعتها!.
- زوجةٌ مسلمةٌ صغيرةُ السنِّ، اصطادوها هي وزوجَها، بَقَروا بطنهَ وفقؤوا عَينيه، ثم أجهزوا عليه بضربةِ بَلطةٍ فوقَ رأسه، ثم عادوا واستداروا لها وغَمَدوا "السونكي" في فَرجها من فوقِ ملابسها وقالوا لها: "هاي ليكي يا مسلمة"!.
- ولدٌ كتائبيٌّ (١٦ سنة) راح يَدفعُ أمامَه رجلاً مسلمًا وهو يوجَّهُ الرشَّاشَ إلى بطنِه .. سَقط الرجلُ على الأرضِ بعد أن تعثَّر من الرعب،
стр. 1938
أمسك هذا الصبيُّ الرجلَ من شعره، وسَحَب سكيِّنا طويلاً من حِزامه، وراح يذبحُ الرجلَ من رقبتِه حتى تمكَّن من فصلها في النهاية أمام "سينما ريفولي" بساحة البرج!!.
- إحراق المصاحف .. فقد كانت سيارةٌ متوجِّهةٌ إلى سورية على الطريق الدولي في منعطفِ "عاريَّا"، وتَحمِلُ مصاحفَ مطبوعة، أوقَفَها الكتائبيون، وقَلَبوا المصاحفَ على الأرض، وأشعلوا فيها النار بعد ذَبح سائقها! (١).
وسَجَّلت كلُّ وكالاتِ الأنباء إمدادَ إسرائيل بالسلاحِ للمارون والكتائب.
وذَكرت وكالةُ الأنباء الفرنسيةِ في نبإٍ عاجلٍ لها من لبنان: أن من المرتزَقة الأقباط المصريين كانوا يَعملون في صفوفِ قوات "حزب الوطنيين الأَحرار" برئاسة "كميل شمعون".
ولك أن تتخيلَ أن القواتِ السوريةَ الخائنةَ لله ورسوله التي قاتَلت بجانبِ المارون، كانت أربعين ألفَ رجل ومعهم سبعُمئةِ دبابةٍ، وأن نفقاتها يوميًّا على الأقل كانت مليون دولار، تُساندُ (٠٠٠، ١٥) من قوات المارون الصليبيين، و (٠٠٠، ١٢) مقاتلٍ من قوات الجيش اللبناني الرسميِّ بقيادة العميد "حَنَّا سعيد" انضمَّت أغلبيَّتُها إلى الجبهة الصليبية.
° يقول كميل شمعون: "لا خلاص لأحداثِ لبنان ووقفِ القتال، سوى إخراجِ الفلسطينيين من لبنان، وقتل من يتبقى منهم، وإقامةِ لبنان الحر
стр. 1939
الذي لا ينتمي لا للعروبة ولا للإِسلام".
* كلهم البابا "أوربان الثاني":
كلُّ صَلِيبي هنا في أرض العرب لا يَقلُّ عن البابا "أوربان الثاني" و"بطرس الناسك كيو كيو"- أي: الضئيل كما كان مواطنوه يُسَمُّونه- و"والتر المفلس"، كلُّهم يَحملُ حقداً رهيبًا للإسلام.
يذكرُ التاريخ أن "بطرس الناسك" اجتَمع بشمعون بطريَرك القدس، وشكى شمعونُ أحوالَ المسيحيين (١)، وأجابه بطرسُ قائلاً: "اعلمْ -أيها الأبُ المقدَّس- أنه لو كان لدى الكنيسةِ في روما والملوكِ في الغرب أيُّ مُخبِرٍ حَذِرٍ وموثوق يُخبِرُهم بالمصائبِ التي تُكابدونها (٢)، لكانوا سيحاولون حتمًا تقديمَ العلاج بالسُّرْعةِ الممكنةِ وبالقولِ والفعل لمصاعبكم هذه، ولذلك اكتُبْ أنت بكلِّ اجتهادِ إلى البابا العظيم وإلى الكنيسة في روما، واكتبْ أيضَا إلى ملوكِ وأمراءِ الغرب، وصادِقْ على الرسالة بخاتَم سُلطانِك الكهنوتي، وبالحقيقة -إنني لمداواةِ رُوحي- لن أتوانَى عن الاضطلاع بهذه المهمة" (٣).
وهكذا كتب بطريرك القدس الخائنُ الرسالةَ، وسلَّمها لبطرس الناسك الذي سَلَّمها بدوره للبابا أوربان الثاني.
стр. 1940
° ودعا البابا أوربانُ الثاني الجماهيرَ الصليبيةَ وخَطَبهم في مؤتمرهم وهو على باب كنيسة "كليرِمون" في نوفمبر (١٠٩٥ م- شوال ٤٨٨ هـ) قائلاً: "يا شعبَ الفرنجة! شعبَ اللهِ المحبوبَ المختار، لقد جاءت من تُخومِ قلسطين" ومن مدينة القسطنطينية أنباءُ مُحزِنةٌ تُعلِنُ أن جنسًا لعينًا -أبعدَ ما يكونُ عن الله- قد طغَى وبَغَى في تلك البلادَ -بلادِ المسيحيين-، وخَربها بما نَشَره فيها من أعمال السلب والحرائق، ولقد ساقوا بعضَ الأسرى إلى بلادهم وقَتلوا بعضهمُ الآخرَ بعد أن عَذبوهم أشنَعَ تعذيب، وهم يَهدِمون المذابحَ والكنائسَ بعد أن يُدنَّسوها برِجْسهم؛ ولقد قطُعوا أوصالَ مملكةِ اليونان، فانتزعوا منها أقاليمَ بَلَغ من سَعَتِها أن المسافرَ فيها لا يستطيعُ اجتيازَها في شهرَينِ كاملَيْن.
عَلَى من تقعُ تَبِعةُ الانتقامِ لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع، إذا لم تَقَع عليكم أنتم؟! أنتم يا مَنْ حباكم "اللَّه ُ-أكثَر من أيَّ قوم ٍآخرين- بالمجدِ في القتالِ وبالبسالةِ العظيمة، وبالقدرة على إذلال رؤوسِ مَن يقفون في وجوهكم؟!.
ألا فليكنُ من أعمالِ أسلافكم ما يُقوَّي قلوبَكم -أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيرِه في ملوككم وعظمتم-، فليُثِرْ همّتَكم ضريحُ المسيح المقَّدس ربنَّا ومُنقذنا، الضريحُ الذى تمتلكُه الآن أممٌ نجسة، وغيره من الأماكن المقدَّسة التى لُوثَّت ودُنَّست لا تدعوا شيئًا يقعدُ بكم عن أملاككم أو من شؤون أُسَرِكم، ذلك بأن هذه الأرضَ التي تسكنونها الآن -والتي تُحيطُ كلها عن جميع جوانبها البحارُ وقُلَلُ الجبالِ- ضيقةٌ لا تتَّسع لسكَّانها
стр. 1941
الكثيرين، تَكادُ تَعجزُ عن أن تجودَ بما يَكفيكم من الطعام، ومِن هذا يَذبحُ بعضُكم بعضًا، ويَلتهمُ بَعضُكم بعضاً، وتتحاربون ويَهلِكُ الكثيرون منكم في الحروب الداخلية.
طهِّروا قلوبكم إِذنْ من أدرانِ الحِقد، واقْضُوا على ما بينكمِ من نزاعٍ، واتخِذوا طريقَكم إلى الضريحِ المقدَّس، وانتزِعوا هذه الأرض من ذلك الجنسِ الخبيثِ، وتملَّكوها أنتم، إنَّ "أورشليم" أرضٌ لا نظيرَ لها في ثِمارِها، هي فردوسُ المباهج.
إن المدينةَ العظيمةَ القائمةَ في وسط العالم تَستغيثُ بكم أنْ هُبُّوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلةِ راغبين متحمِّسين، تتخلَّصوا من ذنوبكم، وثِقوا أنكم ستنالون من أجل ذلك مجدًا لا يَفْنى في السماوات" (١).
° يقول "وليم" -رئيسُ أساقفةِ "صور"- في كتابه "تاريخ الحروب الصليبية" بعض ما جاء في موعظة البابا -حسب روايته-: "إنَّ مَهْدَ عقيدتِنا وموطنَ ربِّنا وأُمَّ الخلاص يَستولي عليها الآن بكلِّ قوة شعبَ بدون ربٍّ، إنه ابنٌ لجاريةٍ مصرية (٢)، وهو يفرضُ شروطًا مفرِطةً في شدَّتها على الأبناءِ الأسْرى للمرأةِ الحُرَّة (٣)، وذلك على الرَّغْم من أنه هو المستحِقُّ لهذه الأحوال.
стр. 1942
لقد اضطَّهد عرقُ السراسنة (١) الشّرِيرُ التابعُ للمعتقداتِ الخرافيَّةِ (٢) النَّجِسةِ -لسنواتٍ عديدة وبكلِّ عُنفٍ واستبدادٍ - الأماكنَ المقدَسةَ حيث ارتكزت أقدامُ ربِّنا، وأخضَعَ المؤمنين لرغباته، وحَكَم بالعبودية عليهم، ولقد دَخلت الكلابُ الأماكنَ المقدَّسةَ، وجَرى تدنيسُ المقدَّسات، وإذلالُ الناس عَبَدةِ الربَّ.
إنَّ معبدَ الربَّ الذي طَرَد منه -بغَيرته- الذين باعوا واشتَرَوا، حتى لا يُصبحَ بَيتُ أبيه مَغَارة للصوص، قد جُعِل بيتًا للشياطين.
إن مدينةَ مَلِكِ الملوك التي نَقلت إلى الآخَرين مبادئَ عقيدةٍ عصماءَ، تُدْفَع علي الرَّغم من إرإدتها لتكونَ خاضعةً لدعاوى الشعوبِ المُنْحَطَّة.
كما أن "كنيسةَ القيامة" المقدَّسة -مكانَ الاستراحةِ الأخيرة للرب النائم-!! تتحمَّل حُكمَهم، وقد دنَّستها قذارةُ الذين ليس لهم نصيبٌ في القيامة (٣)، بل مُقدَّرٌ عليهم أن يُحرَقوا للأبدِ كالقَشَّ بأَلسِنةِ النيرانِ السَّرمَدِية.
لِنذهبْ إلى نجدةِ إخوانِنا، لِنقطعْ قيودَهم، ولْنَطرحْ عنهم رَبْطَهم، اذهبوا ولْيكنِ الربُّ معكم، وجَّهوا أسلحتَكم التي لطَّختموها بشكلٍ محرم في ذبح بعضِكم بعضًا إلى أعداءِ العقيدة وأعداءِ اسم المسيح.
عليكم أن تكبَحوا بكراهيةٍ قويمةٍ غطرسةَ الكَفَرة (٤) الذين يُحاولون
стр. 1943
استعباد الممالِكِ والإماراتِ والقُوى، وأن تُهاجِموا بكُلَّ قوَّتِكم أولئك العاقدي العزمَ على تدميرِ الاسم المسيحي، وإلاَّ فسيحدثُ أن كنيسةَ الربّ -التي تُكابِدُ الآنَ من نِيرِ العبودِية المُجحِفة- ستُعاني خلالَ فترة قصيرة من خَسارةِ العقيدةِ، وستنتصرُ خرافاتُ الوثنيين (١) .. ولقد رأى بعضُكم بأُمَّ عينيه هذه الأشياءَ التي نتحدَّثُ عنها الآن، ويَعرفُ نوعَ المِحنةِ التي يَعيشُ إخوانُنا فيها، وإن كتابَهم الذي أحضَرَه باليد "بُطرس" الرجلُ المُبَجل الموجودُ معنا هنا ينطِقُ بمحتوى هذه الرسالة ذاتها.
وبناء عليه نقومُ واثِقين برحمةِ الرب، وبسلطانِ الرسل المبارَكِين -بطرس وبولس- بمَنع المسيحيين المؤمنين الذين يَحمِلون السِّلاحَ ضد المُلحدين (٢)، ويتولَّون للقيام بأعباءِ هذا الحج مغفرة للعقوباتِ المفروضةِ عليهم بسببِ خطاياهم، ولْيَثِقِ الذين سيَرحلون إلى هناك بتوبةٍ صادقةٍ أنهم سيُلاقون التكفيرَ عن آثامِهم، وسَيَجنون ثمارَ الجزاءِ السَّرْمَدِيِّ، ونضع في الوقتِ نفسِه تحتَ حمايةِ الكنيسةِ وحمايةِ بطرسَ وبولسَ المباركَيْنِ جميعَ الذين سيُباشِرون هذه المهمَّةَ بحماسةِ الإيمان ويتوَلَّون قتالَ المُلحِدِينِ".
° يقول أسقُف صور: "ويمكن القولُ بالفعل بأن قولَ الربِّ كان يتحقَّقُ حيث يقول: "ما جئتُ لأُلقيَ سلامًا بل سيفًا" (٣).
فماذا فعل الصليبيون بأتباع محمدٍ ﷺ في الحملةِ الصليبية؟!.
стр. 1944
عندما دخلوا "أنطاكية" عام ٤٩١ هـ قَتلوا وأسَروا وسَبَوْا ما لا يدركه حَصْرٌ (١).
° يقولُ صاحب كتاب "أعمال الفرنجة": "إن الإنسانَ لم يكن يَسير في الطرقات إلاَّ على الجثث، وقد تَعفَّنت كلها تحتَ شمسِ يونيو وحرارته" (٢).
° وعندما هاجموا "معرَّةَ النعمان" سنة ٤٩١ هـ، واضطُرَّ أهلُها للاستسلام مقابلَ أمانٍ أخذوه، غدر الفرنجةُ بأهلها، ونَهَبوا ما وجدوه، وقدَّر عددُ القتلى من المسلمين بأكثرَ من عشرينَ ألفاً، بينما يقدِّرُهم ابنُ الأثير بمئةِ ألف" (٣).
° أما في بيت القدس:
فقد فاقت وحشيَّتُهم كلَّ وصف، ارتَكبوا فيها ما قد استنكره مؤرِّخو الإفرنجِ أنفسُهم.
° روى شاهدُ عيان منهم ما فَعله قومُه عندما دخلوا بيت المقدس، فقال: "إن النساءَ كُنَّ يُقتَلْن طعنًا بالسيوف والحِراب، وكان الأطفالُ يُختَطَفون بأرجُلهم من أثداءِ أمَّهاتهم، فيُقذَف بهم من فوقِ الأسوار، أَوْ تُهَشَّمُ رؤوسهم بدقِّها بالأعمدة، وذُبح سبعون ألفًا من المسلمين الذين بَقُوا في المدينة" (٤).
стр. 1945
° وذَكَر الراهبُ "روبرت" بيتَ المقدس بعد فتحها فقال: "كان قومُنا يَجُوبون الشوارعَ والميادينَ وسُطوحَ المنازل؛ ليَرْوُوا غَلِيلَهم من التقتيل، كانوا كاللبؤات التي خطِفت صِغارُها، يَذبحون الأولاد والشُّبانَ والشيوخَ، ويقطِّعونهم إرَبًا إرَبًا.
كانوا يَشنقون أناسًا كثيرين بحبلٍ واحد بُغيةَ السرعة، ويا للغرابة أن تُذبح تلك الجماعة الكبيرةُ المسلمة بأمضى سلاح، من غيرِ مقاومة!!.
كان قومُنا يَبقرون بطونَ الموتى، ليخرجوا منها قطعًا ذهبية، فكانت الدماءُ تَسيل كالأنهار في طرقِ المدينة المغطَّاةِ بالجثث" (١).
° قال ابنُ الأثير: "قَتلوا بالمسجد الأقصى ما يَزيدُ على سبعين ألفًا، منهم كثيرٌ من أئمةِ المسلمين وعلمائِهم وعُبَّادِهم وزُهَّادهم ممن فارَقَ الأوطان، وجاوَرَ ذلك الموضعَ الشريف" (٢).
° يقول "وليم" أسقف صور: "لقد كان بالفعل حُكمُ اللهِ القويمُ (٣) الذي قَضَى على الذين دنَّسوا حَرَمَ المسيح بطقوسهم الخرافية، وجَعلوه مكانًا غريبًا بالنسبة لأهلِه المؤمنين: أن يُكفروا عن خطاياهم بالموت، وأن يُطهَّروا الأَرَوِقةَ المقدَّسةَ بسَفكِ دمائهم.
وبات من المحالِ النظرُ إلى الأعدادِ الكبيرة للمقتولين دونَ هَلَع، فقد انتَشرت أشلاءُ الجثثِ البشرية في كل مَكان، وكانت الأرضُ ذاتها مُغطَّاةً بدم القتلى، ولم يكن مَشهدُ الجثثِ التي فُصلت الرؤوسُ عنها والأضلاعِ
стр. 1946
المبتورةِ المتناثرة في جميع الاتجاهات هو وحدَه الذي أثارَ الرعبَ في كلّ مَن نظر إليها، فقد كان الأرهبُ من ذلك هو النظر إلى المنتصرين أنفسهم وهم مُلَطَّخون بالدم من رؤوسهم إلى أقدامهم .. إنه منظر مشؤوم جَلب الرعبَ لجميع مَن واجهوه" (١).
° يقول "وليم" أسقف صور: "طاف بَقيَّةُ الجنودِ خلالَ المدينة بحثًا عن التعساء الباقين على قَيد الحياة، والذين يُمكن أن يكونوا مختبئين في مداخلَ ضيِّقةٍ وطرقٍ فرعيَّةٍ للنجاة من الموت، وسُحب هؤلاء على مرأًى من الجميع، وذُبِحوا كالأغنام، وتَشَكَّل البعضُ في زُمَرٍ، واقتَحموا المنازلَ حيث قَبضوا على أربابِ الأُسَرِ وزوجاتِهم وأطفالِهم وجميع أُسرهم، وقُتِلت هذه الضَّحايا، أو قُذِفت من مكانٍ مرتفع حيث هَلكت بشكلٍ مأساوي" (٢).
* * *
стр. 1947
بل هي حربٌ على الإسلام
* من أوربان الثاني إِلى البابا يوحنَّا بولس الثاني:
اسمُه "كارول فوجيتلا" من بولندا .. وُلد في ١٨ مايو ١٩٢٠ م، وفي ١٤ أكتوبر ١٩٧٨ انتُخب "كارول" باباً للكرسيِّ الرسولي للفتيكان، وهو أولُ بابا غيرِ إيطالي يَتِمُّ اختيارُه منذ ٤٥٠ سنة، وسُمِّي بالبابا "يُوحنا بولس الثاني".
* رأيُ "يوحنا بولس الثاني" في القرآن:
° رأي البابا في القرآن أنه مقتبَسٌ من التراث المسيحي (١)، فقد قال البابا في حوارٍ له مع صحافيًّ إيطالي: "أيُّ شخص ٍيقرأُ القرآنَ -وهو على درايةٍ مُسبَقَةٍ بالعهد القديم والجديد-، سيلَحظُ بوضوح: سياقَ الاختزالِ الذي تعرَّض له التنزيلُ الإلهيُّ المسيحيُّ، ومن المحالِ ألاَّ يَصطدمَ المرءُ من عدم الفهم الذي يَظهرُ في القرآن بوضوح لما قاله الله عن نفسه: أوَّلاً: عن طريق الأنبياء في العهدِ القديم، ثم لِمَا قاله بصورةٍ نهائيةٍ في العهد الجديد عن طريقِ ابنه، وبالفعل إن كلَّ هذا الثراءَ الخاصَّ يَكشفُ اللهُ عن ذاته، والذي يُمثِّل تراثَ العهد القديم والجديد، قد تُرِك جانبًا في الإسلام" (٢).
* رأيُ البابا في إِله المسلمين:
° يقول هذا القِزم: "إنَّ اللهَ القرآنيَّ تُطلقُ عليه أجملُ الأسماءِ
стр. 1948
المعروفةِ في اللغة الأسبانية، لكنه في نهايةِ المطافِ إلهٌ يظَلُّ غريبًا عن العالم، إنه إلهٌ عبارة عن إلهِ جلاله (كبرياء) فحسب، وليس إلهًا متواصلاً مع البشر (عمانوئيل) -اللهُ معنا- إن الإسلامَ ليس دينَ فِداء، وهو لا يُعطي أيَّةَ مساحةٍ للصليبِ ولا للبعث" (١).
* عداوة دفينةٌ أبدَّيةٌ:
من أين جاءت هذه العداوةُ الدفينةُ من الصليبيين في الشرقِ أو الغرب عَرَبًا كانوا أم عجمًا لكلِّ ما يَمُتُّ إلى الإسلامِ ونبيَّة والمسلمينَ بصِلَةٍ؟! حتى كأن الشعرَ الجاهلي "لَقيطَ بن يَعْمَرَ الإيادي" يَعنيهم حين قال:
في كل يوم يسنُّون الحِرابَ لكم … لا يهْجَعون إذا ما غافلٌ هَجَعَا
خزرٌ عيونهمُ كأن لَحْظَهم … حريقُ غابٍ ترى منه السَّنا قِطَعًا
° يقول "غوستاف لوبون": "لقد تجمَّعت العُقَدُ الموروثة، عُقَدُ التعصُّب التي ندينُ بها ضدَّ الإسلام ورجاله، وتراكمت خلالَ قرونٍ سحيقةٍ، حتى أصبحت ضِمنَ تركيبنا العضوي" (٢).
هل خَبَت هذه الرُّوحُ التي لا تُطيقُ سماعَ اسم محمدٍ ﷺ أو المسلمين من أتباعه؟!
واللهِ ما خَبَت يومًا رُوحُ العداوةِ للنبيِّ محمدٍ ﷺ وأتباعِه، بل هي في ازدياد، وما وقع في البوسنة والعراق فاق محاكِمَ التفتيشِ في الأندلس، أو
стр. 1949
إبادةَ الهنود في أمريكا الشمالية.
° يَصِفُ "كافين رايلي" في كتابِه "الغرب والعالم" المذبحةَ التي تَمَّت للمسلمين يومَ سقوطِ القُدسِ على أيدي الصليبيين بقوله: "بعد أن سَقطت المدِينةُ وقَعَت المذبحة؛ إذْ ذُبح كلُّ المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً، فيما عدا الحاكم وحَرَسَه، الذين تمكَّنوا من افتداءِ أنفُسِهم بالمال، وتمَّ اصطحابُهم إلى خارج المدينة".
وفي مَعبد"سليمان" وحولَه، خاضت الجيادُ في الدم حتى الركب واللجام، فقد كان حُكمُ اللهِ عادلاً ورائعًا، ففي هذا المكانِ نفسه ارتفعت هَرطقاتُ هؤلاء المُجدِفين (١) في حق اللهِ الذي يتلقَّى فيه دماءَهم الآن".
وقد نَظَم الصليبيون يوم ذاك مواكب النصرِ إلى كنيسة القبر المقدَّس، وهم يَبكُون من شدةِ الفرح، ويُغنُّون أغانيَ الشكرِ للربَّ "يسوع":
أيُّها اليومُ الجديد
أيتُها البهجة
أيها الفرح الجديدُ الدائم
ذلك اليومُ خالدةٌ ذِكراه
طوالَ القرونِ الآتية
حَوَّل كلَّ عذابنا ومصاعبنا
إلى فرحٍ وبهجة
стр. 1950
ذلك اليوم تثبيتٌ اكيدٌ للمسيحية
وسحقٌ للوثنية
وتأكيدٌ لإيماننا" (١).
ويومَ أن عادت القدسُ على يدِ البطل "صلاح الدين الأيوبي" ما نَسِيَ الصليبيون له هذه، ويومَ اجتاحت جَحافلُ الصليبِ الفرنسيِّ أرضَ سوريا، فأقدم الجنرالُ الصليبيّ الحاقد "غورو"، ووَضَع قدمَه على قبرِ "صلاح الدين" قائلاً: "قُمْ يا صلاح الدين، ها قد عدنا" .. وقالها الجنرال "إِلِلنْبي" عند دخوله القدس: "الآن انتهت الحروبُ الصليبية".
* الصليبيون الإِنجليز عند دخولهم الهند:
يوم أنِ احتلَّ البريطانيون الهندَ، فعلوا بالمسلمين ما يَفوقُ الوصف، وخُذْ على سبيل المثال:
° يقولُ المؤرخُّ الأمريكي "إدوارد توماس": "سيق ٨٥ جنديًّا إلى المحكمةِ العسكرية، تحتَ مراقبةِ الحُرَّاس، وحُكِم عليهم جميعًا بأن تُعَرَّى أجسادُهم جميعًا، وأن يُكَبَّلُوا بالأصفاد، وأن يُترَكوا بلا طعام، وكان منظرًا مؤلمًا، ارتجفت له قلوبُ الرفقاء، إذ كان بينَهم مَن خَدَم هؤلاء الصليبيين خِدماتٍ جليلة، ومنهم مَن حارَبَ في صفوفهم، ولَقِيَ الشدائدَ والأذى في سبيل إرضائهم.
стр. 1951
ولكنهم كانوا جميعًا ينتمون إلى دينِ الإسلام؛ ولذا فَقَد صدر القرارُ أن يَموتوا هكذا جوعًا وعطشًا وذِلَّةً، وهم عرايا كما ولدتهم أُمَّهاتُهم مُكبَّلون في القيود أمام أعيُنِ الجميع، حتى عَلق اللورد "كايننج" -حاكمُ الهند العام- على هذا الحكم الذي شارك في إصدارِه بقوله: بلغ هذا الحكمُ من السَّفاهة مبلغًا لا يُوجدُ له نظيرٌ في تاريخ الهند" (١).
° يقول المؤرِّخ الأمريكي" إدوارد توماس" عن مذابح الإنجليز للمسلمين بالهند: "لقد تطوَّرت مذابحُ الإنجليز، حتى باتُوا لا يكتفون بالشَّنق، بل كانوا يُغلِقون عليهم بيوتَهم، ثم يُشعِلون فيها النار؛ فيصيرون رمادًا".
° وكتب "دلين لين" مدير صحيفة "تايمز أو إنديا" نقلاً عن أجندةِ أحدِ الجنود: "كان المسلمون يُحَاطُون بجلود الخنازير، ثم يُخيِّطونها عليهم، أو يَدْلكونهم بشحومها، ثم يُشعلون فيهم النارَ وهم أحياءٌ كما كان يُجبَرُ المسلمون على أن يفعلَ أحدُهم الفاحشةَ في أخيه.
وسوف تظلُّ هذه التصرَّفاتُ وصمةَ عارٍ على جَبينِ المسيحيين الإنجليزِ لا تُمحَى على مر الأيَّام".
° ونقلاً عن سطور من كتاب قائدِ قوَّات الجيشِ البريطاني في الهند (٤١ سنة)، كتب يصفُ حالَ مدينة "دلهي" يوم أن دَخَلها في ٢٤ سبتمبر ١٨٥٧ فقال: "لقد كانت "دلهي" في الحقيقة مدينةَ الأهوال، ليس بها داع ولا مُجيبٌ، فلا صوتَ إلا صوتُ سنابك الخيل، ولم يَقَعْ بصرُنا على عِرْقٍ
стр. 1952
ينبض، أو عينٍ تَطرِف، لم تكن هناك إلاَّ جُثث هامدةٌ مبعثرةٌ هنا وهُناك، وقد كانت في أوضاع مختلفةٍ ضَيَّعها صراعُ الحياة مع الوت في أدوارٍ مختلفة.
كُنَّا لا نتكلَّمُ إلاَّ همسًا؛ حتى لا نُزعجَ هؤلاء الأشقياءَ الذين كانوا مستغرقين في نَومةِ الوت، إنَّ ما رأيناه من الناظِرِ كانت هائلةً مُفزِعةً، وكانت مُؤسِفةً مُحزنةً، وقد كانت بعضُ الجثثِ تنَتهشُها "كلاب"، وكان عند بعضها "نِسرٌ" يرفرف بجناحَيْه، وُيحاوِل أن يَطير، فلا يستطيعُ، لفرط الشَبَّع والثُّقْل.
لقد كان منظرًا مَهيبًا مُوحِشًا لا يمكن تصويرُه، وكأنَّ خَيْلَنا قد استولى عليها الذُّعْر، فكانت تَجفَلُ وتنتفخُ مناخرُها، وقد كان المحيطُ كله مُرَوِّعًا، يَغُضُّ بروائحَ مُضرةٍ تَبعثُ الأمراض" (١).
° ويُسَجِّل الشيخُ أحمد حسين المدني -أحدُ شهودِ العيان- سلوكَ الصليبيِّين الإنجليز قائلاً: "إني لا أجدُ وصْفًا أُعَبِّر به عن أعمالِ البشاعة وما فيها من خِسَّةٍ ودناءةٍ ارتكبها أهلُ الصليب، فقد أَمروا خَوَنةَ السِّيخ أن يفعلوا أفعالاً شاذَّةً قبيحةً مع المسلمين على أعْينِ الناس، وعَلَّقُوا رؤوسَ الشهداءِ وجُثَثَهم على الأشجار، وحَوَّلوا مسجد "شاه جهان" إلى مكانٍ للقمامة".
° وقال الشيخ "فضل حق خير أبادي" أحد علماء الهند الكبار: "بهذه الرُّوح الخبيثة -رُوح التَّشَفِّي والانتقام- انهالوا على "دلهي" وأهلِها يُدَمِّرون
стр. 1953
وَيقتُلون وينهبون، حتى بَلغ عددُ قتلى المسلمين (٢٧) ألفًا، وتحوَّلت معظمُ أحيائها أنقاضًا، والمساجدُ خرابًا، وتكدَّست الجثثُ في الشوارع، وجَرَتِ الدماءُ في الساحاتِ أنهارًا".
° ويقرِّر "إدوارد توماس" فظاعةَ الصليبيين وخِسَّتهم فيقول: "في "دلهي" قُبض على المَلِكِ وأسرته جميعًا، وسِيقُوا مُقيَّدين في ذِلَةٍ وانكسار، وفي الطريق أَطَلَقَ الضَّابطُ الصليبي "هيدسين" الرصاصَ على ثلاثةٍ من أبناءِ المَلِك، ثم قَطعوا رؤوسَهم، ثم سَوَّلت للذين يدَّعون الحضارةَ نفوسُهم بالبشاعة إلى حدًّ تشمئزُّ منه النفوس، فحين قدموا الطعامَ للمَلِك وهو في السجن، كانت مفاجاةً مُذهِلة عندما كَشَف الغطاء، فلم يجد طعامًا، بل وجد رؤوسَ أبنائِه الثلاثة.
وهنا تمالك الشيخ الضعيفُ نفسَه في رباطةِ جأشٍ وقال: "إن أبناءَ التيموريِّين البواسلَ يأتون هكذا إلى آبائهم مُحْمَرة وجوهُهم".
ثم أخذوا الرؤوسَ، وعلَّقوها على بوابةٍ كبيرة في "نيودلهي" تُسمَّى الآن "فوني دروازه" أي: "بوَّابة الدماء".
° يقول المؤرَّخ "سبنسر بول" شاهدًا على جرائم أهل الصليب: "إن الإنجليزَ عندما استولَوا على "دلهي" نَصبوا المشانقَ في الشوارع، وصَلَبوا (٣٠٠٠) رجل مسلم، كان منهم (٢٩) من الأسرة الحاكمة".
° ولعلَّ أفضلَ تلخيصٍ لموقفِ عَبَدَةِ الصليب من أتباع محمدٍ ﷺ ، هو ذلك الطلبُ الذي تقدَّم به القائدُ الإنجليزيُّ "الفنسين نكلسون" إلى سيِّده
стр. 1954
"إدوار كايننج" الحاكم العام للهند: "علينا أن نَسُنَّ قانونًا يُبيحُ لنا إحراقَ المسلمين وسَلْخَ جُلودهم؛ لأن نارَ الانتقام لا تَشفِي الغليل، ولا تُخمِدُه، بالشَّنق وحده" (١).
* محاكم التفتيش في أسبانيا: (من سنة ١٥٥٢ إِلى سنة ١٦٠٩ م):
فَعَل فيها الصليبيون ما تقشَعِرُّ لهوله الأبدان: "آلاتٌ لتكسير العظام وسَحقِ الأجساد، كانوا يبدؤون بسَحقِ عِظامِ الأرجل، ثم عِظامِ الصدرِ والرأسِ واليديْن، حتى تأتيَ الآلةُ على البَدنِ المهشَّمِ كلِّه، فيَخرجُ من الجانب الآخَرِ كتلةً واحدةً.
° وصندوقٌ في حجم رأسِ الإنسان تمامًا، تُوضعُ فيه رأسُ المُعَذَّبُ بعد أن يُربَطَ بالسلاسل من يدَيْه ورِجلَيْه، ثم تُقطَرُ على رأسِه نُقطٌ من الماءِ الباردِ من ثُقبٍ أعلى الصندوق، فتَقعُ على رأسِه بانتظام، حتى يَلفِظَ أنفاسَه مجنونًا، وآلات لتقطيع اللسان، وأخرى لتمزيق أثداء النساءِ وسَحبِها من الصدورِ بواسطة كلاليب، ومجالد من الحديد الشائكِ لضرب المُعَذبين وهم عرايا حتى يتناثرَ اللحمُ عن العظم.
كانت تَصدُرُ أحكامُ الإعدامِ بالجملة بصفةٍ يوميةٍ ضدَّ المسلمين رميًا بالرصاص في مهرجاناتٍ ضخمةٍ يحضرُها القساوسةُ ورجالُ الدولةِ والأهالي، وكثيرًا ما كان المَلِكُ يَحضُرُ بنفسِه ليباركَ عملَ الكنيسة!.
أما عائلاتُ المسلمين، فكان يتمُّ حَرقُهم في محارِقَ ضخمةٍ أسمَوْها "مواكب الموت".
° يقول المؤرَّخُ "لورنتي": "ألقت محكمةُ التفتيش أكثَرَ من
стр. 1955
(٠٠٠، ٣١) نَفْسى في النار و (٠٠٠، ٢٩٠) عقوبةٍ تلي الإعدام".
أما عن عقوبة الإلقاء في النار، فقد أُقيمت محارقُ عدَّةٌ في الميادين العامةِ بالمدن الكبيرة، وكانت تنُظمُ لها مهرجاناتٌ واحتفالات، يَشهَدُها الأحبارُ وأبناءُ الكنيسة والملوكُ أحيانًا، كأنها أعيادٌ يَطرَبُ لها الناس، ولا يَجِدُون في مناظِرها ما يدعُو إلى الضِّيق والاشمئزاز" (١).
ومِن آلاتِ التعذيبِ عند هؤلاء الصليبيينَ -الذين نُزِعت من قلوبهم الرحمة، فلم تَبْقَ منها ذرةٌ واحدة في صدورهم، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تُنزع الرحمةُ إلاَّ مِن شَقِيًّ" (٢) -، فمن وسائل تعذيبهم: غُرفٌ صغيرة في حجم الإنسان، بعضُها رأسي، وبعضُها أُفقِي، كانت مُخَصصةً للسجناء يَقضُون فيها حياتَهم إلى الممات، ثم تبقى الجثثُ في سِجنها الضيَّق حتى تَبلَى ويتساقَطَ اللحمُ عن العظم، وتبقى الهياكلُ البشريةُ في أغلالها سجينةً.
° ومن آلاتِ التعذيب عند هؤلاء الوحوش اَلةٌ تُسمَى "السيدة الجميلة"، وهي عبارةٌ عن تابوتٍ تنامُ فيه صورةُ فتاة جميلةٍ مصنوعةٍ على هيئة الاستعداد لعناق من يَنامُ معها، وقد بَرزت من أعضائها سكاكينُ حادةٌ، كانوا يَطرحون الشاب المعذبَ فوقَ الصورة، ثم يُطبِقُون عليه بابَ
стр. 1956
التابوت، حتى يتمزَّقَ جسدُ الشابِّ ويُقطَعَ إربًا.
* ومن أعداءِ رسول الله ﷺ : الصليبيون الفرنسيون الذين احتلُّوا الجزائر وفَعلوا بها الأفاعيل:
إرهابٌ صليبيٌ قذر يَدُلُّ على نفوسٍ مُنحَطَّةٍ مُجرمةٍ لا تَمُتُّ إلى الإنسانيةِ بصِلَةٍ، تحاول فرضَ العقيدةِ الصليبيةِ على مُسلِمِي الجزائرِ جبرًا وبمباركة الكنيسة!.
ففي عام ١٨٣٢ م أعلن القائدُ "روفجيو" عن تحويل مسجدِ "القشاوة" -أجمل مساجد الجزائر، والذي يَقعُ بالحيِّ الأوروبي وسط مدينة الجزائر- إلى كنيسة.
وتحدَّد ظُهرُ يوم ١٨ ديسمبر ١٨٣٢ م لإنجازِ هذا العمل، وتقدَّمت في الموعدِ المحدَّدِ إحدى طائراتِ الجيش، أَنزلت فرقةً من سلاح المهندسين، توجَّهت مباشرةً إلى محاصَرةِ أبوابِ المسجد "بالبُلَط" و"الفؤوس"، وبداخل المسجدِ أربعةُ الآفِ مسلم، كانوا قد اعتَصموا داخلَ المسجد خَلْفَ متاريس.
ثم اندَفعتِ القوةُ العسكريةُ تَسبِقُها سناكي البنادق، فخرَّ المسلمون جَرحى وصَرعى تحتَ أرجل الجنود، واستمرَّت هذه المذبحةُ طوالَ الليل، حتى إذا جاء الصباحُ صار الجامعُ "كاتدرائيةَ الجزائر".
وما أن انتهى الجنودُ من وَضْع الصليبِ على كل بابٍ من أبوابِ المسجد، وفي نَشوةِ هذا الانتصار، داروا على أعقابِهم صَوْبَ مسجد "القصبة"، فدخله الضُباطُ والجنودُ، وأقاموا فيه شعائرَهم الدينية.
стр. 1957
° وتَزعَّم القَسُّ "شوسيه" -الوكيلُ العامُّ لأسقفِ- الجزائر -قيادةَ طابورهم، يُرتّلون أنشودةَ الغُفران .. وأَعدَّ هذا القَسُّ لنفسِه منبرًا للوعظ، وأُتي له بمنبر أثريٍّ من مسجدٍ يُقال. له: "المقدَّس"، ووقف سكرتيرُ الحاكم "يوجو" يقول: "إنَّ آخِرَ أيام الإسلام قد دَنَتْ، وفي خلالِ عشرين عامًا، لن يكونَ للجزائر إلهٌ غير المسيح، ونحن إذا أمكننا أن نشكَّ في أن هذه الأرضَ تملِكُها فرنسا، فلا يمكنُنا أن نشكَّ -على أيِّ حالٍ - أنها قد ضاعت من الإسلام للأبد .. أما العرب، فلن يكونوا مِلْكًا لفرنسا إلاَّ إذا أصبحوا مسيحيين جميعًا" (١).
° وانظر إلى نموذج من خِسة الصليبيين الفرنسيين وبشاعةِ مذابحهم للمسلمين التي وصفتها التقاريرُ الرسميةُ التي أُرسلت إلى العاصمة "باريس": "جريمةٌ شنعاءُ، وهي إبادةُ قبيلةٍ بأكملها، تحت دعوى اتهام أحدِ أفرادها بارتكابِ جريمةِ سرقة، ثم تحقَّق بعد أن تمَّت عمليةُ الإبادة أن المتهمَ بريءٌ!!.
وبِناءً على تعليمات الجنرال "روفجيو" خرجت قوةٌ من الجنود من مدينةِ الجزائر في ليل ٦ أبريل ١٨٣٢، وانقضَّتَ قُبيلَ الفجر على أفرادِ القبيلة، وهم نيام تحت خيامِهم، فذَبَحتهم جميعًا بغيرِ ما تمييز في الأعمار والأجناس، وعاد الفرسانُ الفرنسيُّون من هذه الحملة، وهم يَحملون رؤوسَ القتلى على أَسِنَّة رِماحهم" (٢).
стр. 1958
° وباتت عملياتُ إبادةِ الجزائريين المسلمين شيئًا يستحقُّ الفَخْرَ والتهنئة والمباركةَ من الكنيسة، فكَتبت إحدى الصحفِ الفرنسيةِ "مثلاً" في أكتوبر ١٨٣٦ م قائلة: "أُرسلت إلى باريس مؤخَّرًا عشرون رأسًا، ليبلغَ عددُ الرؤوس التي وَصلت إلى معسكرِ العمليَّات ثمانيةَ وستين رأسًا، وهي معلَّقةٌ على سناكي البنادق، إنها لَصفقةٌ عظيمةٌ وبداية طيبةٌ تفتحُ لنا الطريق".
° وُيعلق الجنرالُ الفرنسيُّ "شارنجارنييه" قائلاً: "إن رجالي وَجَدوا التسليةَ في قَطع رقابِ المسلمين من رجالِ القبائل الثائرةِ في بلدتي "الحراش" و"بورقيقة" .. ".
° وانظر إلى بشاعةِ اللئام: في تقريرٍ كَنَسِيًّ جاءت هذه السطور "أمَّا باقي الغنيمة، فقد عُرِضت في سوق "باب عزون"، حيث عُرِضت أساوِرُ النساء وهي ما زالت تُحيط بمعاصمِهنَّ المقطوعة، والأقراطُ تتدلَّى من قِطَعِ لحم آدميًّ، وقد بِيعت بأكملِها ووُزِّع ثمنها".
* مجرمون أبالسةٌ أعداءٌ لرسول الله ﷺ -:
يَقفُ رسولُ الله يوم القيامة يَسألُ العسكريين الصليبيين الفرنسيين عمَّا اقترفوا من مذابحَ لأتباعه في الجزائر .. أبالسة فرنسيون أبادوا المسلمين .. سيسألُهم الله عمَّا اقترفوا من مذابح عام ١٨٤١ م وما بعدها في الجزائر، منهم الجنرالُ الصليبي" يوجو" الذي تولَّى الحُكمَ في الجزائر، يُعاوِنه الجنرال "بليسيه"، والجنرال "سانت أرنو" و"شانجارنييه" و"دي هيريسون" و"مونتانياك" و"لاموريسيير" و"كافينياك" .. شياطينُ الإنسِ
стр. 1959
وفرنسا في جزائر الإسلام.
° يقول الصليبي "سانت أرنو" في خطابِ لأسرته بفرنسا: "لقد أحرَقْنا فيها (١) كل شيء، دمرنا كل شيء، الحربُ أوَّاهُ منها، ما أكثَرَ مَن هلك فيها من نساءِ وأطفالِ هاجروا إلى جِبال "الأطلس"، فقَضَوْا نَحْبَهم بين ثلوجِها، بتأثيرِ البردِ والبؤس!! ".
° وكتب في رسالةٍ أخرى لزوجته عام ١٨٤٣ م يقول: "لقد كنتُ في قبيلةِ "البزار"، فأحرقتُ أفرادَها جميعًا، ونَشرتُ حولَهم الخرابَ، أنا الآن عند "السنجا"، أُعيد فيهم الشيءَ نفسَه، ولكن على نطاقٍ واسع".
° ويقول "مونتانياك" في كتاب له بعنوان "رسائل جندي":" إنَّ أولادَ سعدٍ كانوا قد تركوا نساءَهم وأولادَهم جميعًا في"الأحراج"، وقد كان يُمكنُني أنْ أقضيَ عليهم جميعًا، ولكن لم يكن عَددُنا كافيًا للتفرُّغ لهذا.
لقد كانت مذبحةً شنيعةً حقاً، كانت المساكنُ، والخيامُ في الميادين، والشوارعُ، والأفنيةُ التي انتشرت عليها الجثثُ، في كلِّ مكان، وقُمنا بعملِ إحصائيةٍ في جوٍّ هادئٍ بعد الاستيلاء على المدينة، فبَلَغ عددُ القتلى من النساء والأطفال (٣٠٠، ٢)، أما عددُ الجرحى، فلا يَكادُ يُذكَر، لسببٍ يسير، هو أننا لم نتركْ جَرحاهم على قيدِ الحياة".
° وكتب الكونت "دي هيريسون": "فظائعُ لا مثيلَ لها، أوامرُ بالشَّنق تَصدُرُ من نفوس كالصخر، وقلوب كالحجر، أوامرُ بالرَّمْي بالرصاصِ أحيانًا، وباستعمالِ السيف أحيانًا أُخرى في أُناسٍ مساكين، جُلُّ ذنبِهم أنهم
стр. 1960
يَستطيعون إرشادَنا إلى ما نطلبُ إليهم أن يُرشِدونا إليه".
° ثم تحكي "كوليت جانسون" مؤلِّفة كتاب "الجزائر الثائرة" فتقول: "وتَصِلُ الحالُ على هذا المنوال حتى عام ١٨٤٥ م، إذْ تبلغ الهَمَجِيَّةُ شأوها، وتَندثُر المُثُلُ الإنسانية وتتلاشى، ويَجتاجُ الجزائَر لَونٌ جديدٌ من ألوان البربريَّة، والخِسَّة، والإجرام، والوحشيَّةِ في حقِّ المسلمين العزَّل.
ففي ذلك العام أدخِل نظامُ "الإبادة" للقضاءِ على الشعبِ الجزائري، "طريقة جهنم"، وما أدراك ما جهنم!!
وقد نشأت هذه الطريقة -أولَ ما نشأت- عن مَحضِ الصُّدْفة، ولكن سَرعانَ ما أصبحت نظامًا من أنظمةِ الجيش المعمولِ بها في مهمَّتِه ضدَّ المسلمين.
ففي يونيو (١٨٤٥) كانت قبيلةُ "أولاد الرياح" قد تَلَقَّتْ من القائدِ الفرنسي أمرًا بالتسليم، ولكنَّ القبيلةَ بدلاً من الامتثالِ للأمرِ، لاذتْ بالفرارِ إلى المغاوِرِ والكهوف لتستأنفَ الجهادَ والمقاومة، فلما ضَيَّق القائدُ "بليسيه" الخناقَ على أفرادِ القبيلة، وهم في بطن أحدِ الكهوف، واشتَرطوا عليه سَحْبَ القوَّاتِ الصليبيةِ ليَخرجوا إليه، رفض هذا الشرط، وقرَّر أن يَصُبَّ عليهمِ نارَ جهنم؛ لِيَصْلَوها سعيرًا، وأَنَّى للقلم أن يَصفَ هذا المشهدَ الجبَّارَ العاتي؛ فالقواتُ الفرنسية تتقدَّمُ تحتَ جُنْح اليل البهيم صَوْبَ فجوةِ
الكهف يَسُدُّونها بالمتاريس، ثم يقذفون النارَ بداخلها ويُشعلونها من حولها، وهؤلاء هم المسلمون المعتصِمون في جوفِ الكهف، تنطلق منهم الأنَّاتُ والصرخاتُ، فتَصُمُّ الآذان، وتولوِلُ النساء، ويَصرخُ الأطفال،
стр. 1961
وتَنعِقُ الحيوانات، وتحترقُ الصخور؛ فتنهار وتنتشرُ منها الأتربةُ تخنقُ المجموع .. وتتناثرُ الجنادل، فتصيبُ الرؤوس، وتنفجرُ الذخائر، فيَعُمُّ الدَّمار، وتنتشرُ جُثَثُ الموتى، وبرغم كلَّ هذا، ما زال الرجالُ يجاهِدون للخروج من بطنِ الأرض، فتنطبقُ عليهم، ويَقبُرُهم الجماد".
° ثم تستطرد كاتبةُ "الجزائر الثائرة" فتقول: "ويُقبِل الصباحُ، وتتولَّى فرقةٌ من الجنود الفرنسيين -يتدلَّى الصليبُ على صُدورهم- مُعاينةَ الأتُونِ الذي صَبَّوا فيه النيرانَ في أثناءِ الليل، فيرتدُّ منهم البصرُ من هولِ ما يَرَون، ففي مدخل الغَوْر انتشرت هياكلُ ثيرانٍ وحميرٍ وخِرافٍ حَدَتْ بها الغريزة صَوبَ مخرج الكهف، لاستنشاقِ الهواء الذي عُدِم بالداخل، وتكدَّست بين هذه الحيوانات، ومِن تحتها جُثثُ رجالٍ ونساءٍ وأطفال، وشُوهِد رجلٌ ميت وهو جاثٍ على رُكْبتيه، وقد أمسكت يداه قَرْنَ ثورٍ نافِق، وبجواره امرأةٌ ميتةٌ تحتضنُ بين ذراعيْها طِفلَها الميتَ، مما يَدُل على أن الرجل قد اختنق وهو يُدافعُ عن امرأتِه وطِفلِه اللذَيْنِ اختَنَقا أيضًا من هجومِ الثوْر عليهما أثناء الحريق.
وفي سراديبِ هذه المغاوِرِ الفسيحةِ، وجَدَ الجنودُ الفرنسيون (٧٦٠) جُثةً، أخرجوا منها (٦٠) مُسلمًا يُعانون سَكْرةَ الموت، ما لَبِث أربعون منهم أنْ قَضَوا نَحْبَهم، وعشرةٌ منهم حَمَلتهم سياراتُ الإسعَاف، والباقون أُطلِق سراحُهم ليعودوا إلى مساكنهم، عِبرَةً لمن لا يعتبر، ولم يَبْقَ من حُطامِ الدنيا سوى الدَّمع القاني يذرفونه على الدَّمار العميم" (١).
стр. 1962
° وكان الذي أمر بهذا هو المارشال "يوجو" في أمره إلى القائد "بليسيه" ١١ يونيو سنة ١٨٤٥ م: "إذا احتَمَى هؤلاء الرَّعاعُ في الكهوف، فافعلوا بهم ما فعله "كافينياك" من قبل، وأحرقوهم حَرْقَ الثعالب".
* هيلاسلاسي الصليبي الأثيوبيُّ عدوُّ الله ورسوله والمسلمين:
استولت الحبشةُ عن "أرِيتْرِيا" المسلمة بتأييدٍ من فرنسا وإنجلترا، فماذا فعلت فيها؟!!.
صادرت معظمَ أراضيها، وأسلَمَتْها للإقطاعيين من الحبشة، كان الإقطاعيُّ والكاهنُ مخَوَّليْنِ بقتل أيِّ مسلم دون الرجوع إلى السلُّطة، فكان الإقطاعيُّ أو الكاهنُ يَشنقُ فلاَّحِيه أو يُعذبهم في الوقتِ الذي يُريد.
فُتحت للفلاحين المسلمين سجون جماعية رهيبة، يُجلَد فيها الفلاَّحون بسِياطٍ تَزِنُ أكثَرَ من عشرةِ كيلو غرامات، وبعد إنزالِ أفظع أنواع العذاب بهم كانوا يُلقَوْن في زنزاناتٍ بعدَ أن تُربَطَ أيديهم بأرجُلِهم، وُيتركون هكذا لعشرِ سنين أو أكثر، وعندما كانوا يخرجون من السجون كانوا لا يستطيعون الوقوف؛ لأن ظهورهم قد أخذت شكل القَوْس.
كل ذلك كان قبلَ استلام "هيلاسلاسي" السلطةَ في الحبشة، فلمَّا أصبح إمبراطورًا للحبشة وَضَع خُطَةً لإنهاء المسلمين خلالَ خمسةَ عَشَرَ عامًا، وتباهى بخُطَته هذه أمام الكونغرس الأمريكي.
° شنَّ تشريعاتٍ لإذلالِ المسلمين، منها: أن عليهم أن يَركعوا لموظَفي الدولةِ وألا يُقتلوا.
° أمر أن تُستباحَ دماؤُهم لأقل سبب، فقد وُجِد شرطيٌّ قتيلاً قُرب
стр. 1963
قريةٍ مسلمة، فأرسلت الحكومةُ كتيبةً كاملةً قَتلت أهلَ القريةِ كلَّهم، وأحرقتهم مع قريتهم، ثم تَبيَّن أن القاتلَ هو صديقُ المقتول، الذي اعتدى على زوجته، وحاول أحدُ العلماء -واسمه "الشيخ عبد القادر"- أن يثورَ على هذه الإبادة، فجمع الرجال، واختفى في الغابات، فجَمعت الحكومةُ أطفالَهم ونساءَهم وشيوخَهم في أكواخ من الحشيش والقَصَب، وسَكبت عليهم البنزينَ وأحرقتهم جميعًا.
ومَن قَبَضَت عليه من الثوَّار كانت تُعذبه عذابًا رهيبًا قبلَ قتلِه، من ذلك إطفاءُ السجائر في عينيه وأُذنَيْه، وهَتْكُ عِرضِ بناتِه وزوجتِه وأخواتِه أمامَ عينيْه، ودَقُّ خِصيَتْيه بأعقابِ البنادق، وجَره على الأسلاكِ الشائكةِ حتى يَتفتَّت، وإلقاؤهُ جريحًا قبل أن يموتَ لتأكلَه الحيواناتُ الجارحةُ، قبلَ أن تربطَهُ بالسلاسل حتى لا يُقاوِم.
° أصدر "هيلاسلاسي" أمرًا بإغلاقِ مدارسِ المسلمين، وأَمَر بفتح مدارس مسيحيَّةٍ، وأجبَرَ المسلمين على إدخالِ أبنائِهم فيها ليُصبِحوا مسيحيين.
° عَيَّن حُكَّامًا فجرةً على مقاطعاتِ أريتريا، منهم واحدٌ عيَّنه على مقاطعةِ "جَمَّة"، ابتدأ عَمَلَه بأن أصدر أمرًا أن لا يَقطِفَ الفلاَّحون ثمارَ أراضيهم إلاَّ بعد موافقته، وكان لا يَسمحُ بقُطافِها إلاَّ بعد أن تتلفَ، وأخيرًا صادر ٩٠% من الأراضي، أخذ هو نصفَها، وأعطى الإمبراطورَ نصفَها، ونَهَبَ جميعَ ممتلكاتِ المسلمين.
° وأمرهم أن يَبنُوا كنيسةً في الإقليم فبَنَوْها .. ثم أَمَرهم أن يُعمِّروا كنيسةً عند مَدخل كل قريةٍ أو بَلدةٍ .. ولم يكتفِ بذلك، بل بنى دُورًا
стр. 1964
للعاهرات حول المساجد ومعها الحاناتُ التي يَسْكَرُ فيها الجنودُ، ثم يدخلون إلى المساجدِ ليبولوا بها ويتغوَّطوا، وُيراقصوا العاهرات فيها وهم سُكارى.
كما فَرض على الفلاحين أن يَبيعوا أبقارَهم لشركةِ "أنكودا" اليهودية فكافاه الإمبراطورُ "هيلاسلاسي" على أعماله هذه بأن عيَّنه وزيرًا للداخلية.
وكانت حكومةُ الإمبراطور تُلاحِقُ كلَّ مثقَّفٍ مسلمٍ لتزُجَّه في السجن حتى الموت، أو تُجبِرَه على مغادرةِ البلاد حتى يبقى شعبُ "أريتريا" المسلم مُستعْبَدًا جاهلاً وغير ذلك كثيراً" (١).
هذا مع العلم بأن نسبةَ المسلمين في أثيوبيا بلغت ٧٥% من سكانها، فلعنةُ الله على "هيلاسلاسي" ومن هو على شاكلته.
* السَّفَّاحُ الصليبيُّ عدوُّ رسولِ الله ﷺ : "جوليوس نيريري":
كيف لا يكونُ الصليبي "جوليوس نيريري" عدوَّ الله ورسوله والمسلمين -بل والبشريةِ جمعاء-، ولم تَجِفَّ بعدُ دماءُ المسلمين في "زنجبار" يومَ أباد (٠٠٠، ١٢) مسلم، وألقى (٠٠٠، ٤) آخرين في عَرضِ البحر (٢).
* التحالفُ الصليبيُّ الوثنيُّ وعلى رأسِه "تشارلز تايلور"، يقتل ٢٥ ألف مسلم في ليبريا:
تقعُ ليبيريا على ساحل الجنوب الغربيِّ من القارةِ الأفريقية، ويَحدُّها جنوبًا المحيطُ الأطلسي، وعددُ سكانها ٣ ملايين نسمة، ٣٥% مسلمون، و ٢٥% نصارى، والباقي وثنيُّون.
стр. 1965
° والإسلامُ أسبقُ من النصرانية في هذه البلاد وأقدمُ رسوخًا.
وتعرض المسلمون في التسعينات ١٩٩٤ م لمجازرِ إبادةٍ وتشريدٍ واعتداءٍ على الأعراض وسَلبٍ للمتلكات.
وشَتَّت مجموعةٌ وثنيَّةٌ متمرِّدة حاقدة على الإسلام والمسلمين تحتَ اسم "الجبهة الوطنية الليبيرية" بقيادةِ الصليبي الكريه عدِّو الإِسلامِ ورسول الله ﷺ "تشارلز تايلور" هجومًا شرسا من "ساحل العاج" بحثًا عن كلِّ ما هو مسلمٌ أو إسلاميٌّ للقضاءِ عليه.
وفي حوارِ مجلة "الدعوة" مع الشيخ "سيكو أبو بكر" ممثِّل "حركةِ إنقاذِ مسلمي ليبيريا" في المملكة السعودية، أوضَحَ أن مُحصَّلةَ المحنةِ من الضحايا والأضرار المادية والمعنوية كالآتي:
١ - قتل ما لا يَقِل عن ٢٥ ألفِ مسلمٍ شَرَّ قِتْلةٍ، حيث أُحرِقَ الدعاةُ والأئمةُ بإشعالِ النيران فيهم بعدَ صبِّ البنزينِ عليهم، وفُصِلت رؤوسُهم عن أجسامِهم، وقُطِعت ألسُنُ وآذانُ المؤذنين أحياءً، وبُقِرَت بطون الحوامِل .. فضلاً عن المذابح الوحشيةِ البشعة التي في ارتُكِبت في أكثرَ من مكان.
٢ - وجودُ عشراتِ الآلاف من المفقودين والجرحى والمصابين.
٣ - تشريدُ وإخراج أكثرَ من ٧٠٠ ألف مسلم من ديارِهم، وهم موجودون الآن لاجئين في الدولِ المجاورة مِثل غينيا وسيراليون.
٤ - اغتصابُ عددٍ كبير من النساءِ والفتياتِ المسلمات.
٥ - هدمُ المساجدِ ومنازلِ المسلمين ومؤسساتِهم التعليميةِ والاقتصاديةِ،