بعدها ثابتًا راسخًا مطمئنًا، لا يتكبَّر على العباد، ولا ينتفخُ، ولا يتعاظم، وهو الذي سَمع ما سَمع من العليِّ الكبير!.
واللهُ أعلم حيث يجعلُ رسالته، وما كان إلاَّ محمد ﷺ -بعظمةِ نفسِه هذه- مَن يَحملُ هذه الرسالةَ الأخيرةَ بكلِّ عظمتها الكونيةِ الكبرى، فيكون كُفئًا لها، كما يكونُ صورةً حيَّةً منها.
إن هذه الرسالةَ من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدقِ والحقِّ، بحيث لا يَحملُها إلاَّ الرجلُ الذي يُثني عليه اللهُ هذا الثناء، فتُطيقُ شخصيتُه كذلك تلقِّي هذا الثناء، في تماسُكٍ وفي توازن، وفي طمأنينة؛ طمأنينةِ القلبِ الكبير الذي يَسَعُ حقيقةَ تلك الرسالةِ وحقيقةَ هذا الثناء العظيم.
إنَّ حقيقةَ هذه النفسِ من حقيقةِ هذه الرسالة، وإنَّ عَظَمة هذه النَّفُس من عظمة هذه الرسالة، وإن قَدْر رسول الله ﷺ كقَدْر الإسلام لأَبعدُ من مَدَى أيِّ مِجهر يملكه بَشَر، وقُصارى ما يَملكُه راصدٌ لعظمة هذه النفسِ أن يراها ولا يُحدِّد مداها، وأن يشيرَ إلى مسارها دونَ أن يستطيعَ أن يحدد هذا المسار!.
ومرةً أخرى يَجدُ المرء نفسَه مشدودًا للوقوفِ إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقِّي رسول الله ﷺ لهذه الكلمةِ من ربِّه، وهو ثابتٌ راسخٌ متوازنٌ مطمئنُّ الكيان .. لقد كان ﷺ -وهو بَشَر- يثني على أحد أصحابه، فيهتز كيانُ صاحِبه هذا وأصحابِه مِن وَقْعِ هذا الثناءِ العظيم .. وهو بَشرٌ وصاحبه يَعلَم أنه بشر، وأَصحابه يدرِكون أنه بَشر، إنه نبيٌّ نعم، ولكن في الدائرة المعلومة الحدود، دائرةِ البشرية ذاتِ الحدود .. فأمَّا هو فيتلقَّى هذه
стр. 72
الكلمةَ من الله، هو بخاصةٍ يعلمُ مَن هو الله! هو يعلمُ منه ما لا يعلمُه سواه، ثم يصطبر ويتماسَكُ ويتلقَّى ويَسير .. إنه أمرٌ فوقَ كلِّ تصوُّر وفوقَ كل تقدير!!! إنه محمد ﷺ -وحدَه- هو الذي يَرقَى إلى هذا الأُفق من العظمة .. إنه محمدٌ نبي الله ﷺ -وحده- هو الذي يَبلغُ قمَّة الكمالِ الإنسانيِّ، إنه سيّدُ البشر محمد ﷺ -وحده- هو الذي يُكافئُ هذه الرسالةَ الكونيةَ العالميةَ الإنسانية، حتى لتتمثل في شخصية حيَّة تمشي على الأرض في إهابِ إنسان .. إنه محمد ﷺ -وحده- الذي علم الله منه أنه أهلٌ لهذا المقام، واللهُ أعلم حيث يجعلُ رسالته، وأعلن في هذه أنه على خُلُق عظيم، وأعلن في الأخرى أنه -جلَّ شأنُه وتقدَّست ذاته وصفاته- يُصلِّي عليه هو وملائكتُه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهو -جل شأنُه- وحده القادرُ على أن يَهَبَ عبدًا من عبادِه ذلك الفضلَ العظيم.
* ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو الكسائي: (بِظَنين) بالظاء .. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة (بِضَنين) بالضاد.
والمقصود هنا رسول الله ﷺ .
لقد نَزَّه اللهُ رَسُولَيْه: المَلَكيَّ جبريلَ، والبشريَّ رسولَ الله ﷺ عَمَّا يُضَادُّ مقصودَ الرسالة من الكتمان الذي هو الضنَّة والبُخل، والتبديلُ، والتغييرُ الذي يُوجبُ التهمة، فقال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، فإنَّ الرسالةَ لا يتمُّ مقصودُها إلاَّ بأَمْرَين: أدائها من غير كتمان، وأدائها على
стр. 73
وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصان.
والقراءتان كالآيتيْن، فتضمَّنت إحداهما -وهي قراءة الضاد- تنزيهَه عن البخل، فإن "الضَّنين" هو البخيل، يُقال: "ضَنِنتُ به، أضنُّ"، بوزن "بخِلت به أبخل" ومعناه.
° قال ابن عباس ﵄: "ليس بخيلاً بما أنزل الله".
° وقال مجاهد: "لا يضنُّ عليهم بما يعلم".
وأجمع المُفَسِّرون على أن "الغيَب" ها هنا: القرآن والوحي.
° وقال الفَرَّاء: "يقول تعالى: يأتيه غيَبُ السماء وهو منفوسٌ فيه، فلا يَضِنُّ به عليكم .. وهذا معنًى حسنٌ جدًّا، فإن عادةَ النفوسِ الشُّحُّ بالشيءِ النفيس، ولا سيما عمن لا يَعرفُ قَدْره، ويذمُّه ويذمُّ مَن هو عنده، ومع هذا فالرسولُ لا يبخلُ عليكم بالوحي الذي هو أنفسُ شيءٍ وأَجَلُّه".
° وقال أبو علي الفارسي: "المعنى: يأتيه الغيبُ فيُبيِّنه ويُخبرُ به وُيظهِرُه، ولا يَكتمُهُ كما يكتمُ الكاهنُ ما عنده، ويُخفيه حتى يأخذَ عليه حُلوانًا.
° وفيه معنًى آخر، وهو: أنه على ثقةٍ من الغيب الذي يُخبِرُ به، فلا يخافُ أن يَنتقضَ، ويظهرَ الأمر بخلافِ ما أخبر به، كما يَقعُ للكُهَّان وغيرهم مِمَّنْ يُخبر بالغيب، فإنَّ كَذِبَهم أضعافُ صِدقِهم، وإذا أَخْبَرَ أحدُهم بخبرٍ لم يكن على ثقةٍ منه، بل هو خائفٌ من ظهور كَذِبه، فإقدامُ هذا الرسول على الإخبار بهذا الغَيب العظيم واثِقًا به، مُقيمًا عليه، مُبْدِيًا له في كلِّ مَجْمع، ومُعِيدًا مُناديًا به عَلى صِدْقه، مُجْلِبًا به على أعدائه: مِن
стр. 74
أعظم الأدِلة عَلى صِدْقه.
° وأمَّا قراءةُ من قرأ (بظنين) بالظاء، فمعناه: المُتَّهَم، يُقال: "ظننت زيدًا" بمعنى: اتَّهَمْتُه، وليس من الظنِّ الذي هو الشعورُ والإدراك، فإن ذاك يتعَدَّى إلى مَفْعُولَيْن.
والمعنى: وما هذا الرسولُ على القرآن بمُتَّهم، بل هو أمينٌ لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُص؛ وهذا يدل على أن الضميرَ يرجعُ إلى محمد ﷺ ؛ لأنه قد تقدم وَصفُ الرسولِ المَلَكي بالأمانة، ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، أي: وما صاحبكم بمُتَّهم، ولا بخيل.
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنييْن:
أحدهما: أن الكُفار لم يُبَخِّلوُه، وإنما اتَّهموه، فنفيُ التُّهمةِ أَوْلَى مِن نَفْي البُخل.
الثاني: أنه قال: ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾، ولو كان المراد البخلُ لقال: "بالغيب"؛ لأنه يُقال: فلان ضنين "بكذا"، وقلَّما يُقال: "على كذا".
° قلتُ: وُيرجِّحه أنه وَصَفه بما وَصَف به رسولَه المَلَكِي من الأمانة، فنَفَى عنه التُّهْمةَ كما وَصَف جبريلَ بأنه أمين.
وُيرجِّحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسامَ الكَذِب كلَّها عمَّا جاء به من الغيب، فإن ذلك لو كان كذِبًا، فإمَّا أن يكونَ منه، أوْ ممَّن عَلَّمه، وإن كان منه، فإمَّا أن يكون تعمَّده أو لمْ يتعمَّدْه، فإن كان من مُعَلِّمِه، فليس هو بشيطان رَجيم، وإن كان منه مع التَّعَمُّد فهو المُتَّهم ضدُّ الأمين، وإن كان عن غير تعمُّد فهو المجنون .. فنفى سبحانه عن رسوله ﷺ ذلك كله، وزكَّى
стр. 75
سَنَد القرآن أعظمَ تزكية، فلهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]، ليس تعليمَ الشيطان، ولا يَقدِرُ عليه، ولا يحسُنُ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، فنفى فِعْلَه وابتغاءَه منهم، وقدرَتهم عليه.
وكلّ مَن له أدْنى خِبرةٍ بأحوالِ الشياطين والمجانين والمُتَّهَمِين، وأحوالِ الرُّسل يَعلمُ عِلْمًا لا يُمارِي فيه ولا يشك -بل عِلْمًا ضَرُورِيًّا كسائر الضرورِيَّات- منافاةَ أحدِهما للآخَر، ومضادَّته له، كمنافاةِ أحدِ الضدَّيْن لصاحبه، بل ظهورُ المنافاة بَيْن الأمْرَين للعقل، أَبْيَنُ من ظهورِ المنافاة بين النور والظلمة للبَصَر، ولهذا وَبَّخ سبحانه مَن كَفَر بعد ظهور هذا الفَرْقِ المُبين بين دعوة الرّسل ودعوة الشياطين، فقال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]، قال أبو إسحاق: فأيَّ طريق تسلكون أَبْيَنَ من هذه الطريق التي بَيَّنت لكم؟، وقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]، وقال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].
فالأمر منحصرٌ في الحق والباطل، والهدى والضلال (١) .. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
* * *
стр. 76
* محمد رسول الله ﷺ المُبَارَك:
بأبي هو وأمي .. هو المُبَارَك أينما كان ..
إذا نحنُ أدْلَجْنا وأنت إمامُنا … كفى المطايا طِيبُ ذِكرِك حادِيا
وإنْ نحن أضَللنا الطريقَ ولم نَجدْ … ضِياءً كَفَانَا نورُ وجهك هادِيا
وإني لأستغْشِي وما بي غَشوةٌ … لَعَل خَيَالاً منك يَلقَى خياليا
كانت البركةُ فيه ومعه وعنده ﷺ :
° فكلامُه مبارك، يقول الكلمةَ المُوجَزَة، فتحملُ في طيَّاتها من العِبَرِ والعِظاتِ ما يَدْهَشُ لروعتها العقلُ حُسْنًا وبلاغةً، فلا أبْدَعَ، ولا أرْوعَ، ولا أوْجَزَ، ولا أعجزَ من هذا الكلام الباهي الزاهي ..
كأنَّهُ الروضُ حَيَّتُه الصَّبا سَحَرًا … وزاره الغيثُ فازدانت خَمائِلُهُ
° ويُلقِي الخُطبةَ، فيَجعلَ الله فيها من النفع والتأثير والبركة ما يَبقى صداهُ في الأجيال جِيلاً بعد جيل.
° والبركة في عمره ﷺ ، فقد عاش ثلاثًا وعشرين سنةً في إبلاغ رسالته ليس إلاَّ، فكان في هذه الفترةِ الوجيزةِ من الفتحِ والنصرِ والنفعِ والعلمِ والإيمانِ والإصلاحِ ما لا يقومُ به غيرة في قرونٍ ودهور، ففي ثلاثٍ وعشرين سَنةً فحسب، بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانة، وعلَّم القرآن، ونَشَر السُّنة، وقضى على الكفر، وأسَّس دولةَ العدل، وأقام أعظمَ حضارةٍ راشدةٍ عَرَفتها الإِنسانية .. فسبحان مَن بارك في لحظاتِ عُمره ودقائقِ حياته ..
مرت سنينٌ بالسُّعود وبالهنا … فكأنها من حُسنِها أيامُ
• وبُورك له ﷺ في آثاره، فقد مرَّ بصاحبِ قَبْرَينِ يُعذَّبان، أحدهما
стр. 77
كان لا يتنزَّهُ من البول، والآخرُ كان يَمشي بالنميمة بين الناس، فشَقَّ ﷺ عصًا خضراءَ كانت معه وغَرَسها على القبرين، وقال: "أرجو أن يُخفَّفَ عنهما من العذابِ حتى تَيْبَسا" (١)، وهذا خاصٌّ به، ولا يكونُ إلاَّ له ﷺ ، لِمَا جَعَل اللهُ فيه من البركة.
° ومَرِض عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ بالرمدِ يومَ خيبر، حتى أصبحَ لا يَرى شيئًا، فنَفَثَ عليه ﷺ ، فأبصر -بإذنِ الله- في الحالِ لبركةِ دعائِه ونَفْثِه ﷺ :
مَرِضَ الحبيبُ فزرتُهُ … فمَرِضتُ مِن خوفي عليهِ
وأتى الحبيبُ يَزورُني … فشُفِيتُ من نظري إليهِ
° وكان الجيشُ في الخندق ألفَ رجلٍ، قد بَلَغ بهم الجوعُ مبلغًا عظيمًا، فدعا جابرُ بنُ عبد الله الرسولَ ﷺ وثلاثة معه على عَناقٍ من وَلَدِ الماعز ذَبَحها وشيءٍ من طعام الشعير، فدعا ﷺ الجيشَ جميعًا وسَبَقهم، ودعا على الطعام ونفَث، ثم أدخلهم عَشَرَةً عَشَرة، فأكلوا جميعًا وشبِعوا جميعًا، وبَقِي الطعامُ بحاله، ووُزِّع على أهل المدينة، فما بَقِي بيتٌ إلاَّ دَخَله من ذلك الطعام .. فلا إله إلاَّ الله! يا لها مِن معجزةٍ باهرةٍ وآيةٍ ظاهرة على صِدقِه وبركتِه ونبوَّته:
علوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ … بحقٍّ فيك كلُّ المعجزاتِ
عليك تحيةُ الرحمن تَسرِي … بتَبْرِيكٍ غوادٍ رائحاتِ
° وسافر معه جيشٌ قِوامه ألفٌ وأربَعُمئةِ رجل، فانتهى ماؤهم
стр. 78
وأشرفوا على الهلاك، وانقطعوا في البَيداء، فدعا ﷺ بقِرْبةٍ صغيرة فيها قليلٌ من ماء، فصبَّه على يده الشريفةِ الطاهرة المباركة، فثارت مِن بين أصابعه أنهارُ الماء، فملأ الناسُ أوعيتَهم وعَبَّؤُوا قِرَبَهم، وسَقَوا رواحلَهم، وشَرِبوا وتوضَّؤُوا، واغتسلوا جميعًا، ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ..
وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجهه … ثُمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
فحيَّا الله ذاك الكفَّ الطاهرَ المبارَك الذي ما خان، ولا غشَّ، ولا غَدَر، ولا نَهَب، ولا سَلَب، ولا سَرَق ولا سَفَك ..
يدٌ بيضاءُ لو مُدَّت بليلٍ … عظيمِ الهولِ أشرقَتِ الليالي
° وزار ﷺ سعدَ بنَ أبي وقاص ﵁ وهو مريضٌ ملتهِبُ الجسم، فوضع يَدَه المباركةَ على صَدرِ سعد، فوجَدَ بَرْدَها كالثلجِ، فشُفِي بإذن الله.
° يقول سعدٌ ﵁ بعدَ سنواتٍ طويلة: "واللهِ لكأني أجدُ بَرْدَها الآنَ على صدري".
° ورَش ﷺ بقيةَ وَضوئِه على جابرِ بن عبد الله ﵄ وهو مريضٌ، فشُفي بإذنِ الله، وحَلَق رأسه ﷺ بمِنًى يوم النحر، فأعطى شِقَّه الأيمنَ أبا طلحةَ الأنصاري، لأنَّ صَوتَه في الجيشِ كمئةِ فارسٍ جائزةً له، والنصفَ الآخَرَ وُزعِّ على الناس، فكادوا يقتتلون عليه، فمنهم مَن حَصَل على شَعْرةٍ، ومنهم مَن تقاسَمَ هو وصاحبه شَعرةً واحدة، ومنهم مَن كان يضعُ هذه الشعرةَ في الماءِ إذا أراد أن يشرب ..
جَعلتُ لعرَّافِ اليمامةِ حُكْمَه … وعَرَّافِ نجدٍ إنْ هما شفياني
стр. 79
فواللهِ ما من رُقية يُعلِّمانها … ولا شربة إلاَّ بها سَقياني
فجئتُ إلى المعصوم حتى أعلَّني … بشَربةِ حقٍّ مِن هدًى وبيانِ
° ومَسَح ﷺ رأسَ أبي مَحذورة وهو صغير، فأقسم أبو محذورة لا يُحلَقُ هذا الشعر الذي مسَّه كف الرسول ﷺ ، فبقيَ طيلةَ حياتهِ حتى طال ودُفن معه.
° وكان الصِّبيانُ يأتونه ﷺ بآنيتِهم، فيضع كفَّه المباركَ في إناءِ الماءِ واللبن، فيجدون فيه البركةَ والشفاءَ بإذن الله.
وقَصَصُ بركته لا تنتهي، وأحاديثُ معجزاته لا تنقضي، فهو المباركُ أينما حل وأينما ارتحل، وهو الموفَّق أينما سار وأقام.
* ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾:
هذه السورةُ خالصة لرسول الله ﷺ -كسورة الضَحى، وسورة الشرح-، يُسَرِّي عنه ربُّه فيها، ويَعِدُه بالخير، ويُوعِدُ أعداءَه بالبَتْر .. وفيها من تثبيتِ اللهِ وتطمينه وجميل وَعدِه لنبيِّه ﷺ ما فيها، ومَرهوبُ وعيده لشانئه.
كذلك تَمْثُلُ حقيقةُ الهدى والخير الإيمان، وحقيقةُ الضلال والشرِّ والكفران .. الأولى كثرةٌ وفَيضٌ وامتداد، والثانيةُ قِلَّةٌ وانحسارٌ وانبتار، وإنَّ ظَنَّ الغافلون غيرَ هذا وذاك.
نَزَلت هذه السورةُ تَمسحُ على قلبه ﷺ بالرَّوْح والنَّدى، وتقرِّر حقيقةَ الخير الباقي الممتدِّ الذي اختاره له ربُّه، وحقيقةَ الانقطاعِ والبتر المُقدَّر لأعدائه .. وقد فسَّر رسولُ الله ﷺ "الكوثر" بنهره في الجنة وذَكَر صِفَته.
стр. 80
• عن أنس ﵁ مرفوعًا: "نزلت عليَّ آنفًا سورةٌ"، فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ .. ﴾ السورة، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ ". قلنا: اللهُ ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهرٌ وَعَدَنيه ربِّي في الجنة، عليه حَوضٌ تَرِدُ عليه أمَّتي يومَ القيامة، آنيتُه عددُ نجومِ السماء، فيختلجُ العبدُ منهم فأقول: ربِّي إنه من أمتي!! فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (١).
• وعنه مرفوعًا: "بينما أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا بنهرٍ حافَّتاه قِبابُ الدُّرِّ المجوَّف، قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك ربُّك، فإذا طِيبُه -أو طِينُه- مِسكٌ أذفر" (٢).
• وعن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: "هو نَهَرٌ في الجنة حافَّتاه من ذهبٍ يَجري على الدُّرِّ والياقوتِ، تربتُه أطيبُ من رِيحِ المسك، وطَعمُه أحلى من العسل، وماؤه أشدُّ بياضًا من الثلج" (٣).
° ومن حديث عائشة ﵂ موقوفًا: "الكوثر نهرٌ بفِناء الجنة، شاطئاه
стр. 81
درٌّ مجوَّف، وفيه من الأباريقِ والآنيةِ عددَ النجوم" (١).
° وعن ابن عباس ﵄ موقوفاً: "الكوثرُ: الخيرُ الكثير الذي أعطاه اللهُ إياه" (٢).
° قال الإِمام ابنُ جرير الطبري بعد سَرْده للأقوال التي قيلت في "الكوثر": "وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قولُ من قال: هو اسمُ النهر الذي أُعْطِيَه رسولُ الله ﷺ في الجنة، وَصَفه اللهُ بالكثرة لعِظَم قَدْره.
وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى الأقوال في ذلك، لتتابُع الأخبار عن رسول الله ﷺ بأن ذلك كذلك".
وهذا الكوثرُ -نهرُ الجنة- هو مِن بينِ الخير الكثير الذي أُوتِيَه الرسولُ ﷺ ، فهو كوثرٌ من الكوثر .. خَيرٌ كثير مُطلَقٌ فائضٌ غَزير .. غيرُ ممنوعٍ ولا مَبتور .. فإذا أراد أحدٌ أن يتتبعَ هذا الكوثرَ الذي أعطاه اللهُ لنبيِّه فهو واجدُه
стр. 82
حيثما نظر أو تصوَّر:
° هو واجدُه في النبوَّة، في أنه رسولُ الله ﷺ ، وهو أفضلُ الرسل مكانةً عند ربِّه، وماذا فَقَد مَن وَجَد اللهَ؟.
° وهو واجدُه في هذا القرآن الذي نَزَل عليه، وسورةٌ واحدةٌ منه كوثرٌ لا نهايةَ لكثرته، وينبوعٌ ثَرٌّ لا نهايةَ لفَيضِه وغَزَارته.
° وهو واجدُه في الملأِ الأعلى الذي يُصلِّي عليه، ويُصلِّي على مَن يُصلِّي عليه في الأرض، حيث يقترنُ اسمُه باسم الله في الأرض والسماء.
° وهو واجدُه في سُنَّتهِ الممتدَّة على مَدَار القرون، في أرجاءِ الأرض، وفي الملايين بعدَ الملايين السائرة على أثره، وملايينِ الملايين منَ الألسِنة والشِّفاه الهاتفةِ باسمه، وملايينِ الملايين من القلوب المُحبَّة لسيرته وذكراه إلى يوم القيامة.
° وهو واجدُه في الخير الكثيرِ الذي فاض على البشريَّة في جميع أجيالها بسببه وعن طريقه، سواءٌ مَن عَرَفوا هذا الخيرَ فآمنوا به، ومَن لم يَعرِفوه، ولكنه فاض عليهم فيما فاض.
° وهو واجدُه في مظاهرَ شتَّى، ومحاولةُ إحصائها ضربٌ من تقليلها وتصغيرها! إنه الكوثر، الذي لا نهايةَ لفيضه، ولا إحصاءَ لعوارفه، ولا حِدَّ لمدلوله، ومِن ثَمَّ تَرَكه النصُّ بلا تحديد، ليشملَ كلَّ ما يَكثُرُ من الخير ويزيد.
* وقفة:
بدأت سورةُ الكوثر بأجودِ الجُود والعطاءِ لأشرف الخلائق، والمِنحةُ
стр. 83
بكلِّ خير يمكنُ أن يكونَ .. ﴿إِنَّا﴾ محمولٌ على التعظيم، ففيه تنبيهٌ على عظمةِ العطيَّة؛ لأن الواهبَ هو مَلِك الملوك .. فقد أشعرت الآية بعِظَمِ الواهب، والموهوبِ له، والموهوب، فيا لها من نعمةٍ ما أعظمَها وما أجلَّها، ويا له من تشريفٍ ما أعلاه!!.
* قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾، ولم يقلْ "آتيناك"، لأن "الإِيتاء" أصلُه الإحضار وإن اشتُهر في معنى الإعطاء، والإيتاءُ يَحتملُ أن يكونَ واجبًا، وأن يكون تفضُّلاً، وأمَّا الإعطاء، فإنه بالتفضُّل أشبهُ، وإذا كان الكوثرُ في نفسه في غايةِ الكثرة، لكنه بصدوره من مَلِكِ الملوك يَزداد عظمة وكمالاً .. ولَمَّا كان كثيرُ الرئيس أكثرَ من كثيرِ غيره، فكيف بالمَلِك، فكيف بِمَلِكِ الملوك، فكيف إذا أخرجه في صيغةِ مبالغة!! فكيف إذا كان في مَظهَرِ العظمة!! فكيف إذا بُنيت الصيغة على "الواو" الذي له العلوُّ والغلبة!! فكيف إذا أتت أثرُ "الفتحة" التي لها مِثلُ ذلك -بَل أعظم-!! فكيف إذا صُدِّرت الجملةُ بحرف التأكيد البخاري مجرى القسم!!.
أفاض عليه من كل شيءٍ من الأعيان والمعاني من العلم والعمل وغيرهما من معادِنِ الدارَين، والخيرِ الذي لا غاية له مما لا يدخلُ تحتَ الوصف، فاجتَمَع له أشرفُ العطاءِ من أكرم المُعطِين وأعظمِهم.
فقد اضمَحلَّ في جانب نعمةِ الكوثر الذي أُوتي كلُّ ما ذَكَره الله تعالى في الكتاب من نعيم أهل الدنيا وتمكُّنِ مَن تمكَّن منهم، ولم يَقَعْ بعد هذه السورة ذِكرُ شيءٍ من نعيم الدنيا.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ .. لم يقل "سنعطيك" … فأَتى بصيغة الماضي ليدل على أن رسول الله ﷺ كان مُوَيَّدًا عزيزًا مَرْعِيَّ الجانب
стр. 84
مَقْضِيَّ الحاجة، وحُكمُ اللهِ له بالعطاء كان حاصلاً في الأزل، وأنَّ الغني الحميدَ قد هيَّأ أسبابَ سعادةِ النبي ﷺ قبل دخوله في الوجود، فكيف يُهمِلُ أمرَه بعد وجودِه واشتغالِه على أكمل وجهٍ بالعبودية وآدابها، زِدْ على ذلك أن الكريمَ إذا شَرعَ في العطيَّة على سبيل التفضُّل لا يبطِلُها، بل كلَّ يوم يَزيدُ فيها بمَنِّهِ وإحسانِه وكرمه، فتفضُّله غيرُ متناهٍ، وكرمُه غير متناهٍ، وإعطاؤه لنبيِّه وعبده محمد ﷺ دائمٌ يَزيدُ أبدًا.
* التشريفات العظيمة السَّنِية لخير البرية وسيِّد البشرِيَّة:
سورة "الكوثر" تتمَّةٌ لِما قبلها مِن سُورٍ كلُّها تشريفات سنيَّة من ربِّ البرية لسيِّد البشريَّة:
* فسورةُ "الضحى" كاملة كلُّها لرسول الله ﷺ :
أولها: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣].
وثانيها: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
وثالثها: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].
ثم ختمها بذِكر ثلاثةِ أحوالٍ من أحواله ﷺ فيما يتعلَّقُ بالدنيا، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨].
* وفي سورة "ألم نشرح" شرَّفه ﷺ بثلاثةِ أشياء:
أولها: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وثانيها: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢].
стр. 85
وثالثها: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤].
° وشَرَّف الله نبيَّه ﷺ في سورةِ "التين" بثلاثةِ أنواع من التشريف:
أولها: أنه تعالى أقسَمَ ببلدِه ﷺ .. وهو قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣].
وثانيها: أنه تعالى أخبر عن خَلاصِ أُمَّتِه من النار .. وهو قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: ٦].
وثالثها: وصولُ أمته إلى الثواب .. وهو قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦].
° ثم مَنَّ الله الودودُ الكريمُ على نبيِّه العظيم بثلاثةِ أنواع من التشريفات:
أولها: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، أي: اقرأ القرآن على الخَلق مستعينًا باسم ربك.
وثانيها: أنه تعالى قهر خَصْمَه بقوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨].
وثالثها: أنه خَصَّه ﷺ بالقُّربى التامةِ، وهو قوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
° وشرفه ﷺ في سورة "القدر" بليلة القَدْر التي لها ثلاثةُ أنواع من الفضيلة:
أولها: كونها خيرًا من ألف شهر.
стр. 86
ثانيها: نزول الملائكة والرُّوحُ فيها.
وثالثها: كونُها سلامًا حتى مَطْلَع الفجر.
° وشرَّفه ﷺ في سورة "لم يكن" بأنْ شَرَّف أمته بثلاثة تشريفات:
أولها: أنه خيرُ البرية.
وثانيها: أن جزاءَهم عند ربهم جنات.
وثالثها: ﵃.
° وشرفه ﷺ في سورة "إذا زلزلت" بثلاثة تشريفات:
أولها: قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، وذلك يقتضي أن الأرضَ تشهدُ يوم القيامة لأمته ﷺ بالطاعة والعبودية.
والثاني: قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦]، وذلك يدلُّ على أنه تُعرضُ عليهم طاعتُهم، فيَحصلُ لهم الفرح والسرور.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، ومعرفةُ اللهِ لا شكَّ أنها أعظم من كلِّ عظيمٍ، فلا بدَّ وأن يَصِلوا إلى ثوابها.
° ثم شرَّفه ﷺ في سورة "العاديات" بأن أقسم بخيل الغُزاة من أمته ﷺ ، فوصفت تلك الخيل بصفاتٍ ثلاث: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ١، ٢].
° ثم شرَّف أمته ﷺ في سورة "القارعة" بأمور ثلاثة:
أولها: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦].
стр. 87
وثانيها: أنهم في عِيشة راضية.
وثالثها: أنَّهم يَرَون أعداءهم في نارٍ حامية.
° ثم شرَّفه ﷺ في سورة "ألهاكم" بأن بَيَّن أن المُعرِضين عن دينهِ وشرعِه يصيرون معذَّبين من ثلاثة أوجه:
أولها: أنهم يَرَون الجحيم.
وثانيها: أنهم يَرَونها عين اليقين.
وثالثها: أنهم يُسألون عن النعيم.
° ثم شرَّف أمته ﷺ في سورة "العصر" بأمور ثلاثة:
أولها: الإيمان ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
وثانيها: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
وثالثها: إرشاد الخلق إلى الأعمال الصالحة، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
° ثم شرَّفه في سورة "الهمزة" بأنْ ذَكَر أن مَن هَمَزَه ولَمَزَه فله ثلاثةُ أنواع من العذاب:
أولها: أنه لا ينتفع بدنيا ألبتة .. وهو قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا﴾ [الهمزة: ٣، ٤].
وثانيها: أنه يُنبَذُ في "الحُطمة"، ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾.
وثالثها: أنه يُغلِق عليه تلك الأبوابَ حتى لا يَبقى له رجاءُ الخروج، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨].
стр. 88
ثم شرَّفه ﷺ في سورة "الفيل" بأن ردَّ كيدَ أعدائِه إلى نَحرهم من ثلاثة أوجه:
أولها: جعل ﴿كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: ٢].
وثانيها: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣].
وثالثها: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥].
° ثم شرَّفه ﷺ في سورة "قريش" بأنه تعالى راعى مصلحةَ أسلافه ﷺ من ثلاثة أوجه:
أولها: جعلهم مؤتلِفين متوافِقِين ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١].
وثانيها: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤].
وثالثها: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤].
° وشرفه ﷺ في سورة "الماعون" بأن وَصَف المكذِّبين بدينه بثلاثةِ أنواع من الصفات المذمومة:
أولها: الدناءة واللؤم، وهو قوله تعالى: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٢، ٣].
وثانيها: تَرْكُهم تعظيمَ الخالق، وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٥، ٦].
وثالثها: تركهم نفعَ الخلق، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].
فهذه مناقبُ متكاثرة، كلُّ واحدةٍ منها أعظمُ من مُلْكِ الدنيا بحذافيرها.
стр. 89
المَقامةُ النبويَّة لعائضِ القَرْني -لله دَرُّه -
° قال الشيخ عائض القرني بأسلوبه الرقراق الذي يَسيلُ منه دَمعُ كلِّ مُشتاق إلى سيد الرسل عظيم الأخلاق ﷺ :
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الهُدَى … واسْتَبْشَرَت بِقُدُومِكَ الأَيَّامُ
هَتَفَتْ لَكَ الأرْوَاحُ مِنْ أَشْوَاقِهَا … وَازَّيَّنتْ بِحَدِيثِكَ الأقْلامُ
ما أحسنَ الاسمَ والمسمَّى! وهو النبيُّ العظيم في سورة "عمَّ"، إذا ذَكَرتُه هَلَّت الدموعُ السواكب، وإذا تذكرته أقبلت الذكريات من كل جانب ..
وَكُنْتُ إذَا ما اشْتَدَّ بِي الشَّوْقُ وَالجَوى … وَكَادَتْ عُرَى الصَّبْرِ الجَمِيل تَفْصِمُ
أُعَلِّلُ نَفْسِي بِالتَّلاقِي وَقُرْبِه … وَأُوهِمُهَا لَكِنَّهَا تَتَوَهَّمُ
المتعبِّدُ في غارِ حراء، صاحبُ الشريعة الغرَّاء، والمِلَّةِ السَّمْحاء، والحنيفيةِ البيضاء، وصاحبُ الشفاعة والإِسراء، له المقامُ المحمود، واللواءُ المعقود، والحوضُ الورود، هو المذكورُ في التوراة والإنجيل، وصاحبُ الغُرَّة والتَّحجيل، والمؤيَّدُ بجبريل، خاتمُ الأنبياء، وصاحبُ صفوةِ الأولياء، إمامُ الصالحين، وقدوةُ المفلحين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
стр. 90
السَّمَاوَاتُ شَيِّقَاتٌ ظمَاءُ … وَالفَضَا والنُّجُومُ والأضْوَاءُ
كُلُّهَا لَهْفَةٌ إلَى العَلَمِ الْهَا … دِي وشَوْقٌ لِذَاتِهِ وَاحْتِفَاءُ
تنظَم في مَدحه الأشعار، وتُدبَّج فيه المَقاماتُ الكبار، وتُنقل في الثناء عليه السِّيرُ والأخبار، ثم يَبقى كنزًا محفوظًا لا يُوفِّيه حقَّه الكلام، وعَلَمًا شامخًا لا تُنصِفُه الأقلام، إذا تحدَّثنا عن غيره عَصَرْنا الذكريات، وبَحَثْنا عن الكلمات، وإذا تَحدَّثْنا عنه تَدَفَّقَ الخاطرُ، بكل حديث عاطر، وجاش الفؤادُ بالحبِّ والوِداد، ونَسِيَتِ النفسُ همومَها، وأغفَلَتِ الروح غمومَها، وسَبَّح العقلُ في ملكوتِ الحُبِّ، وطاف القلب بكعبةِ القرب، هو الرمزُ لكل فضيلة، وهو قبَّةُ الفَلَكِ خِصالٌ جميلة، وهو ذُروةُ سَنام المجدِ لكلِّ خلالٍ جليلة.
مرحبًا بالحبيب والأريب والنجيب، الذي إذا تحدَّثتُ عنه تزاحمت الذكريات، وتسابقت المشاهدُ والمقالات.
صلى الله على ذاك القدوة ما أحلاه! وسَلَّمَ الله ذاك الوجهَ ما أبهاه! وبارك اللهُ على ذاك الأُسوةِ ما أكمَلَه وأعلاه! عَلَّمَ الأُمةَ الصِّدقَ وكانت في صحراءِ الكذبِ هائمة، وأرشَدَها إلى الحقِّ وكانت في ظُلماتِ الباطل عائمة، وقادها إلى النور وكانت في دياجيرِ الزور قائمة ..
وَشَبَّ طِفْلُ الهُدَى المَحْبُوبُ مُتَّشحًا … بِالخَيرِ مُتَّزِرًا بِالنُّورِ وَالنَّارِ
стр. 91
فِي كَفِّهِ شُعْلَة تَهْدِي وَفِي دَمِه … عَقِيدَةٌ تَتَحَدَّى كُلَّ جَبَّارِ
كانت الأمةُ قبلَه في سُباتٍ عميق، وفي حضيضٍ من الجهل سحيق، فبَعَثه اللهُ على فترةٍ من المرسلين، وانقطاعٍ من النبيين، فأقام اللهُ به الميزان، وأنزل عليه القرآن، وفَرَّق به الكفرَ والبهتان، وحُطِّمت به الأوثان والصلبان، للأمم رموزٌ يُخطؤون ويُصيبون، ويُسدَّدون ويَغلِطون، لكنَّ رسولَنا ﷺ معصومٌ من الزلل، محفوظٌ من الخلل، سليمٌ من العلل، عُصم قلبُه من الزيغ والهوى، فما ضَلَّ أبدًا وما غوى، إنْ هو إلاَّ وحيٌ يوحى.
للشعوب قاداتٌ لكنهم ليسوا بمعصومين، ولهم ساداتٌ لكنهم ليسوا بالنبوة مَوسومين، أمَّا قائدُنا وسيِّدُنا فمعصومٌ من الانحراف، محفوفٌ بالعناية والألطاف.
قُصارى ما يَطلبُه ساداتُ الدنيا قصورٌ مشيَّدة، وعساكرُ تَرفعُ الولاءَ مؤيَّدة، وخُيول مُسَوَّمة في مُلكِهم مُقيَّدة، وقناطيرُ مقنطَرةٌ في خزائنهم مخلَّدة، وخَدَمٌ في راحتهم مُعَبَّدة.
أما محمَّد ﷺ فغايةٌ مطلوبه، ونهايةٌ مرغوبه، أن يُعبَدَ اللهُ فلا يُشركُ معه أحد؛ لأنه فَردٌ صمد، لم يَلِدْ ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
يسكنُ بيتًا من الطين، وأتباعُه يجتاحون قصورَ كسرى وقيصر فاتِحين، يَلبسُ القميصَ المرقوع، ويَربِطُ على بطنِه حَجَرين من الجوع، والمدائنُ تُفتح بدعوته، والخزائنُ تُقسم لأمته ..
إِنَّ البَرِيَّةَ يَوْم مَبْعَثِ أحْمَد … نَظَرَ الإِلَهُ لَهَا فَبَدَّلَ حَالَهَا
стр. 92
بَلْ كَرَّمَ الإنْسَانَ حِينَ اخْتَارَ منْ … خَيْرِ البَرِيَّةِ نَجْمَهَا وَهِلالَهَا
لَبِسَ المُرَقَّعَ وَهْوَ قَائِدُ أَمَّةٍ … جَبَت الكُنُوزَ فَكَسَّرَت أعْلامَهَا
لَمَا رآهَا اللهُ تَمْشِي نَحْوَه … لا تَبْتَغِي إلاَّ رِضَاهُ سَعَى لَهَا
ماذا أقولُ في النبي الرسول؟ هل أقولُ للبَدْر: حُيِّيتَ يا قمرَ السماء؟ أم أقولُ للشمس: أهلاً يا كاشفةَ الظلماء؟ أم أقولُ للسحاب: سَلِمْتَ يا حامل الماء؟! ..
يَا مَنْ تَضَوَّعَ بِالرِّضْوَانِ أعْظُمُهُ … فَطَابَ مِنْ طِيبِهِ تِلكَ القَاعُ وَالأَكَمُ
نَفْسِي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أنتَ سَاكِنُهُ … فِيه العَفَافُ وَفِيهِ الجُودُ وَالكَرَمُ
اسلُكْ معه حيثُما سَلَك، فإنَّ سُنَّته سفينةُ نوحٍ، مَن رَكِب فيها نجا، ومَن تَخلَّف عنها هَلَك، نَزَل بَزُّ رسالته في غارِ حراء، وبِيع في المدينة، وفُصِل في بدر، فلَبِسه كلُّ مؤمنٍ، فيا سعادةَ مَن لَبِس، ويا خَسارةَ من خَلَعه فقد تَعِس وانتكَس، إذا لم يكنِ الماءُ مِن نهرِ رسالته فلا تشربْ، وإذا لم يكنِ الفَرَسُ مُسوَّمًا على علامتِه فلا تركبْ، بلالُ بنُ رباح صار باتِّباعِهِ سَيدًا بلا نَسَب، وماجدًا بلا حَسَب، وغنيًّا بلا فِضةٍ ولا ذَهَب، أبو لهب عمُّه لما عصاه خَسِر وتبَّ، سيَصلى نارًا ذات لهب ..
стр. 93
الفُرْسُ وَالرومُ وَاليُونَانُ إنْ ذُكِرُوا … فعندَ ذكرِكَ أسْمَالٌ عَلَى قَزَمِ
هُمْ نَمَّقُوا لَوْحَةً بِالرِّقِ هَائِمَةً … وَأَنْتَ لَوْحُكَ مَحْفُوظٌ مِنَ التُّهَمِ
وإنك لَتهدي إلى صراط مستقيم، وإنك لعلى خلق عظيم، وإنك لعلى نهجٍ قويم، ما ضَلَّ، وما زلَّ، وما ذلَّ، وما غَلَّ، وما مَلَّ، وما كَلَّ.
فما ضَلَّ؛ لأن اللهَ هادِيه، وجبريلَ يُكلِّمُه ويناديه.
وما زَلَّ؛ لأن العِصمة ترعاه، واللهُ أيَّده وهداه.
وما ذَلَّ؛ لأن النصرَ حليفُه، والفوز رديفه.
وما غَلَّ؛ لأنه صاحبُ أمانة، وصيانة، وديانة.
وما مَلَّ؛ لأنه أُعطي الصبر، وشُرح له الصدر.
وما كَلَّ؛ لأن له عزيمةً، وهمةً كريمة، ونفسًا طاهرةً مستقيمة ..
كَأنَّكَ فِي الكِتَابِ وَجَدت لاءً … مُحَرَّمَةً عَلَيْكَ فَلا تَحِلُّ
إِذَا حَضَرَ الشتَاءُ فَأَنْتَ شَمْسٌ … وَإنْ حَلَّ المصِيفُ فَأنْتَ ظِلُّ
ﷺ ، ما كان أشرحَ صدرَه! وأرفَعَ ذكرَه! وأعظمَ قَدرَه! وأنفذَ أمرَه! وأعلى شرَفَه! وأربح صَدَقةَ مَن آمَنَ به وعرفه! ومع سَعَة الفِناء، وعظم الآناء، وكرم الآباء، فهو محمدٌ الممجَّد، كريمُ المَحْتِد، سخيُّ اليد، كأنَّ الألسِنةَ والقلوب ريضت على حُبِّه، وأَنِست بقُربه، فما تنعقدُ إلاَّ
стр. 94
تنعقدُ إلاَّ على وُدِّه، ولا تَنطقُ إلاَّ بحمده، ولا تَسبحُ إلاَّ في بحرِ مجده ..
نُورُ العَرَارَةِ نُورُه وَنَسِيمُهُ … نَشْرُ الخُزَامَى فِي اخْضِرَارِ الآسِي
وَعَلَيْهِ تَاجُ مَحَبَّة مِنْ ربِّهِ … مَا صِيغَ مِنْ ذَهَبٍ وَلا مِنْ مَاسِي
إنَّ للِفطَرِ السليمة، والقلوبِ المستقيمة حُبًّا لمنهاجه، ورغبةً عارمةً لسلوك فِجاجه، فهو القدوةُ الإمام، الذي يُهدى به مَنِ اتبع رضوانه سُبُلَ السلام.
ﷺ ، عَلَّم اللسانَ الذِّكر، والقلبَ الشكر، والجسدَ الصبر، والنفسَ الطُّهْر، وعَلَّم القادةَ الإنصاف، والرعيةَ العفاف، وحَبَّبَ للناس عَيشَ الكفاف، صَبَر على الفقر؛ لأنه عاش فقيرًا، وصَبَر على جُموع الغنى لأنه مَلَك مُلكًا كبيرًا، بُعِث بالرسالة، وحَكم بالعدالة، وعَلَّم من الجهالة، وهَدَى من الضلالة، ارتقى في درجاتِ الكمال حتى بَلَغ الوسيلة، وصَعِد في سلَّمِ الفضل حتى حاز كلَّ فضيلة ..
أَتَاكَ رَسُولُ المَكْرُمَاتِ مُسْلِّمًا … يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ أَعْظَمَ مُتَّقِي
فَأقْبَل يَسْعَى فِي البِساطِ فَمَا درَى … إِلى البَحْرِ يَسْعَى أَمْ إلَى الشَّمْسِ يَرْتَقِي
هذا هو النورُ المبارَكُ يا مَن أبصر، هذا هو الحجَّةُ القائمةُ يا من أدبر، هذا الذي أنذَر وأعذَر، وبَشَّر وحَذَّر، وسَهَّل ويَسَّر، كانت الشهادةُ صعبةً
стр. 95
فسهَّلَها من أتباعه مُصعَب، فصار كلُّ بطلٍ بعدَه إلى حِيَاضِهِ يرغب، ومِن مَوْرِدِهِ يشرب، وكان الكذبُ قبلَه في كلِّ طريق، فأباده بالصديق، مِن طُلاَّبه أبو بكر الصديق، وكان الظُّلمُ قبلَ أن يُبعثَ متراكِمًا كالسحاب، فزحزحه بالعدلِ من تلاميذِه عمرُ بن الخطاب، وهو الذي ربَّى عثمانَ ذا النورين، وصاحبَ البيعتين، والمتصدِّقَ بكلِّ ماله مرَّتين، وهو إمامُ عليٍّ حَيْدَرة، فكم من كافرٍ عَقَرَه، وكم من مُحارِبٍ نَحَره، وكم من لواءٍ للباطل كَسَره، كأن المشركين أمامَه حُمُرٌ مستنفِرة، فَرَّت من قسورة!! ..
إِذَا كَانَ هَذَا الجِيلُ أتْبَاعَ نَهْجِه … وَقَدْ حَكَمُوا السَّادَاتِ فِي البَدْوِ وَالحَضَرْ
فَقُلْ كَيْفَ كَانَ المُصْطَفَى وَهْوَ رَمْزُهُمْ … مَعَ نُورِه لا تُذْكَرُ الشَّمْسُ والقَمَرْ!
كانت الدنيا في بلابلِ الفتنة نائمة، في خَسارةٍ لا تعرفُ الربحَ وفي اللهوِ هائمة، فأذَّن بلالُ بن رباح، بـ "حيَّ على الفلاح"، فاهتزَّتِ القلوب، بتوحيد علاَّمِ الغيوب، فطارت المُهَجُ تطلبُ الشهادة، وسَبَّحَتِ الأرواحُ في مِحراب العبادة، وشَهِدَتِ المعمورةُ لهم بالسيادة ..
كُلُّ المشَاربِ غَيْرُ النِّيلِ آسِنَةٌ … وَكُل أرْضٍ سِوَى الزَّهْرَاءِ قِيعَانُ
لا تُنْحَرُ النفْسُ إِلاَّ عِنْدَ خَيْمَتِهِ … فَالمَوْتُ فَوْقَ بَلاطِ الحُبِّ رِضْوَانُ
أرسله اللهُ على الظَّلماء كشمسِ النهار، وعلى الظمأ كالغَيث المِدرار،
° لله درُّ أمهاتِ المؤمنين حين يَصِفْنَ علوَّ همَّةِ نبينا ﷺ للصحابة!!
تقول إحداهن: "وأيُّكم يطيق ما كان يُطيق؟ ".
° وتقول الأخرى: "ما لكم وصلاتِه ﷺ ؟! ".
فأيُّ همَّةٍ كانت همَّةَ سيِّد البشر؟! هذا المُترَعُ عَظمةً وعلوَّ همةٍ وسُمُوًّا!!.
أَلا إن الذين بَهَرتهم عظمته لَمعذورون ..
بأبي وأمي رسولُ الله إلى الناسِ في قَيْظ الحياة ..
أيُّ سرٍّ توفَّر له فجَعَل منه إنسانًا يُشرِّف بني الإِنسان .. ؟.
وبأيَّة يدٍ طولَى، بَسَطها شطْرَ السماء، فإذا كلُّ أبواب رحمتِها، ونِعمتِها وهداها، مفتوحةٌ على الرحاب؟.
أيُّ إيمان، وأيُّ عزْم؟ وأيُّ مَضاءٍ؟!
أيُّ صِدق، وأيُّ طهْر، وأيُّ نقاءٍ .. ؟!
أيُّ تواضع .. أيُّ حُبٍّ، أيُّ وفاء؟!.
أيُّ احترام للحياة وللأحياء؟!.
ومهما تتبارَى القرائحُ والإِلهامُ والأقلامُ متحدثةً عنه، عازفةً أناشيدَ عَظَمَته؛ فستظلُّ جميعًا كأنْ لم تَبْرَحْ مكانها، ولم تحرِّك بالقوْل لسانها ..
ولهُ كمالُ الدينِ أعلى همَّةٍ … يعلُو ويسمُو أن يُقاسَ بثاني
لمَّا أضاءَ على البريَّة زانَها … وعلا بها فإذا هو الثَّقَلانِ
فوجدتُ كلَّ الصيْدِ في جَوْف الفِرا … ولقيتُ كلَّ الناسِ في إنسانِ
стр. 103
ومهما سُطِّرتِ المجلداتُ في علوِّ همته، فليست غيرَ "بَنان" تومئُ على استحياءٍ إلى بعض ما فيه.
وعلى تفنُّنِ مادحيهِ بوصْفهِ … يَفنى الزمانُ وفيهِ ما لم يُوصَفِ
فلِعُلُوِّ همته ﷺ في السَّير فهو المُفرَدُ السابق، فلِسَبْقه لم يُوقفْ له على أثرٍ في الطريق .. والمشمِّر بعدَه قد يرى آثارَ نيرانه على بُعْدٍ عظيم، كما يرى الكواكب، ويَسْتخبرُ ممَّن رآهم: أين رآهم؛ فحالُه كما قيل:
أُسائِلُ عنكم كل غادٍ ورائحٍ … وأومي إلى أوطانكم وأسلِّمُ
° ولله درُّ حسَّانَ حين يصفُ رسولَ الله ﷺ ومَن ربَّاهم الرسول ﷺ من قومه على عيْنه!! يقول:
لو كانَ في الناسِ سَبَّاقونَ بعدَهُمُ … فكلُّ سبْقٍ لأدنى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
° يقول ابن القيم في "مدارج السالكين" (٣/ ١٤٧ - ١٤٨): "انظر إلى همَّة رسول الله ﷺ ، حين عُرضت عليه مفاتيحُ كنوز الأرض فأباها، ومعلومٌ أنه لو أخَذها لأنفقها في طاعةِ ربِّه تعالى، فأبتْ له تلكَ الهِمَّةُ العاليةُ أن يتعلَّق منها بشيء مما سوى الله ومَحابِّه، وعُرِض عليه أن يتصرَّف بالمُلْكِ فأباه .. واختار التصرُّفَ بالعبودية المحْضَة .. فلا إلهَ إلاَّ اللهُ خالقُ هذه الهمَّة، وخالقُ نفْسٍ تَحمِلها، وخالقُ هِممٍ لا تعدو هممَ أخسِّ الحيوانات!! ".
* أعلى الهمم:
همَّةٌ اتصلت بالحق طلبًا وقصدًا، وأوصلت الخلْقَ إليه دعوةً ونُصحًا، وأعلى الهمة: همَّةُ مَن دعا الثقَليْن من الإنسِ والجنِّ إلى الله .. وأوْقَفَ كلَّ نَفَسٍ من أنفاسِه على هذه الغاية.
стр. 104
وإن كان موسى ﵇ في مَظهَرِ الجلال، وشريعتُه شريعةُ جلالٍ وقهر، وكان من أعظم خَلْق الله هيبةً ووقارًا، وأشدِّهم بأْسًا وغضبًا لله، وبَطْشًا بأعداء الله، وكان لا يُستطاع النظرُ إليه .. وعيسى ﵇ في مَظهرِ الجمال، وكانت شريعتُه شريعةَ فضلٍ وإحسان، وكان لا يقاتِلُ ولا يحارب، وليس في شريعته قتالٌ ألبتةَ .. فإن نبيَّنا ﷺ كان في مَظهرِ الكمال، الجامعِ لتلك القوَّة والعدْل والشدَّة في الله، ولهذا اللِّين والرأفةِ والرحمةِ، وشريعتُه أكملُ الشرائع، فهو نبيُّ الكمال، وشريعتهُ شريعةُ الكمال، وأمته أكملُ الأمم؛ وأحوالُهم ومقاماتهم أكملُ الأحوال والمقامات، وجعَلَهم خيرَ أمة أُخرجتْ للناس، وكمَّل لهم منَ المحاسن ما فرَّقه في الأمَم قبلَهم، كما كمَّل نبيَّهم ﷺ من المحاسن بما فرَّقه في الأنبياء قبله، وكمَّل كتابَه بالمحاسن التي فرَّقها في الكتب قبلَه، وكذلك في شريعته.
وتفصيلُ تفضيلِ النبي ﷺ وأمته وخصائصِه يستدعي سِفْرًا، بل أسفارًا؛ فهم ضنائن الله، وهم المجتبَوْن الأخيار، وذلك فضل الله يُؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
* رأى الناسُ رأْيَ العيْن علوَّ همَّتِهِ التي لا تدانيها هِمَّة:
رأَوا طُهْرَه وعفَّتَه وأمانتَه واستقامتَه وشجاعته .. رأوا سُموَّه وحَنانه .. رأوا عقلَه وبيانَه .. رأوا الشمسَ تتألَّق تألُّقَ صِدْقِه وعَظَمةِ نفسه .. سمِعوا نمُوَّ الحياة يَسري في أوصال الحياة، عندما بدأ رسولُ الله ﷺ يَفيضُ عليها من وحي يومِه وأمسِه .. رأوا الكمالَ البشريَّ وعلوَّ الهمةِ ملْءَ كلِّ عيْنٍ وأُذنٍ وقلب ..
стр. 105
يروحُ بأرواح المحامِدِ حُسْنُها … فيرقى بها في سامياتِ المفاخرِ
وإن فُضَّ في الأكوانِ مِسْكُ ختامِها … تَعطَّر منها كلُّ نجدٍ وغائرِ
لقد كان رسولُ الله ﷺ سيدَ الأوَّابين العابدين المتبتِّلين، لم تتخلَّف نفْسُه عن أغراضِ حياتِه العظمى قِيْدَ شعْرة، ولم يُخْلِفْ موعدَه مع الله في عبادةٍ ولا في جهاد.
لقد كانت السِّنونَ الأُولى لرسالته سنواتٍ قلَّما نجدُ لها في تاريخ الثباتِ والصدقِ والعظمةِ نظيرًا، وتلك سنواتٌ كشفَتْ أكثرَ مِن سواها عن كلِّ مزايا معلِّم البشريةِ وهاديها!! وتلك سنواتٌ كانت فاتحةَ الكتاب الحيِّ؛ كتابِ حياته وبطولاته، بل كانت -قبلَ سواها وأكثرَ من سواها- مَهْدَ معجزاته.
لقد جهَرَ رسول الله ﷺ -وهو الوحيد الأعْزَل- بدعوة الحق، وقام بدِينِ الله والدعوةِ إليه ما لم يقُمْ به أحد، وأُوذي في الله ما لم يُؤْذَ أحدٌ قبله، مخلِصًا أمينًا، وهذا لا يَقدِر عليه إلاَّ أولو العزْم من الأبرار والمرسلين.
بلَّغ وبَلَّغ في غيرِ مداراة وفي غير هروب .. واجَهَ الشركَ ورؤوسَه من اللحظةِ الأولى بجوْهر الرسالة ولُباب القضية، من اللحظة الأولى واجههم بكلماتِ التوحيد المُبِينة المُسْفِرة، وواجَهَ قومَه بدعوةٍ تتصدَّع مِن هَولِ وقعِها الجبال .. وتخرجُ الكلمات من فؤاده وفمه صادعةً رائعة، كأنما احتشدتْ فيها كلُّ قوى المستقبل وتصميمه .. كأنها قَدَرٌ يُذيع بيانَه.
ولقَّن رسول الله ﷺ قوى الشرك أولَ دروسِه في أستاذيَّةٍ خارقة،
стр. 106
وتفانٍ عجيب، وكانت صورةُ المشهدِ تملأ الزمان والمكان، بل والتاريخ، وذوو الضمائر الحيَّة في مكةَ يَطْرَبون ويَعْجَبون من علوِّ همَّته .. رأوا رجلاً شاهقًا عليًّا .. لا يدرون: هل استطال رأسُه إلى السماءِ فلامَسَها .. أم اقتربت السماءُ من رأسه فتوَّجته؟!.
رأوا تفانيًا وصمودًا وعظمةً، ويقينًا ناهضًا فوق مِنَصَّةِ الأُستاذيَّة، يُلقِي على البشرية كلِّها أبلغَ الدروس، ويُلقِّنها أمضى مبادئها.
سَلُوا رجالَ مكة .. وسَلُوا الطائفَ عن سيِّد الرجال .. لقد كانت كلماتُه رجالاً.
أي ولاءٍ هذا الذي يحملُه الرسولُ ﷺ لدعوته!!
فرْدٌ أعزل .. تواجهُه المكائدُ أينما وَلَّى وسار!!
ليسَ هناك من أسبابِ الحياة الدنيا ما يشدُّ أزره، ثم هو يَحمِلُ كلَّ هذا الإصرار، وكلَّ هذا الصمود والولاء!!.
بأبي وأمي رسول الله ﷺ .. مَن ينطلقُ مهمومًا من أجل الدعوة بعد عودته من الطائف فلم يَستفقْ إلا وهو بـ "قرْن الثعالب" .. بأبي هو وأمي ..
وكيفَ يُسامَى خيرُ من وطئ الثرى … وفي كلِّ باعٍ عن عُلاهُ قُصورُ!
وكلُّ شريفٍ عندهُ متواضِعٌ … وكلُّ عظيمِ القريتيْنِ حقيرُ!
نعم ..
فلقد سَرَتْ مَسرى النجومِ هُمومُهُ … ومضتْ مُضِيَّ الباتراتِ عزائمُه
نعم ..
فاقَ أهلَ المعالي … وعَلا مَن عَلَاها
стр. 107
• قال رسول الله ﷺ : "مَثَلي في النبيين كَمثَل رجلٍ بني دارًا، فأحسَنَها وأكْمَلَها وأجْمَلها، وترَك فيها موضع لَبنةٍ لم يَضَعْها، فجعل الناسُ يطوفون بالبنيان ويَعْجَبون منه، ويقولون: لوْ تَمَّ موضعُ هذه اللِبنة!! .. فأنا في النبيين موضعُ تلك اللَّبِنة" (١).
° "لقد كان ﵊ يعلم علْمَ اليقين أنه جاء الحياةَ الإنسانيةَ ليُغيِّرها، وأنه ليس رسولاً إلى قريشٍ وحدها، ولا إلى العربِ وحدهم .. بل رسولَ الله إلى الناس كافَّة.
وقد فَتح الله -سبحانه- بصيرتَه على المدى البعيد الذي ستَبْلُغُه دعوتُه، وتَخفِقُ عنده رايتُه.
ورأى رأيَ اليقينِ مستقبلَ الدينِ الذي بشَّر به .. ورغم ذلك كلِّه، لم يَر في نفسه، ولا في دينه، ولا في نجاحه -الذي لن تشهدَ الأرض له مثيلاً- أكثر من "لبنةٍ" في البناء .. !!.
كلُّ هذه الحياة التي عاشها .. كلُّ جهادِه وبطولاته .. كلُّ عظمتِه وطُهْره .. كلُّ هذا الفوز الذي حقَّقه دينُه في حياته، الفوزُ الذي كان يعلم أنه سيبلغه بعد مماته .. كلُّ ذلك ليس إلاَّ "لبنة"!! لبنةً واحدةً في بناءٍ شاهِقٍ عريق .. !!.
وهو الذي يُعلن هذا ويقولُه، وُيصِرُّ على توكيده!! ثم هو لا ينتحلُ بهذا القول تواضعًا، يُغذِّي به جُوعًا إلى العظمة في نفسه، بل هو يؤكِّد هذا الموقفَ
стр. 108
باعتباره حقيقةً تشكِّل مسؤوليةُ تبليغها وإعلانها جُزءً من جوهر رسالته.
ذلك أن التواضعَ -على الرغم من أنه خُلُق من أخلاق الرسولِ ﷺ الأصيلة-، لم يكن الدليلَ الذي يدلُّ على عظمتِه وُيشير إليها؛ فإن عظمةَ الرسولِ بَلَغتْ من التفوُّق والأصالة ما جَعَلها آيةَ نفسِها، وبرهانَ ذاتِها .. ".
فرْدُ التواضعِ فرْدُ الجُودِ مكرمةً … فرْدُ الوجودِ عنِ الأشباه والنُّظَرَا
أعلى العلا في العُلا قدْرًا وأمنعُهُمْ … دارًا وجارًا واسمًا في السماءِ ذُرَا
وإذا كان التوحيدُ هو الغايةَ المطلوبة من جميع مقاماتِ الإيمان والأعمالِ والأحوال، وهو أولُ دعوةِ الرسل وآخرُها، وإذا كان أهلُ التوحيد يتفاوتون في توحيدِهم -عِلمًا ومعرفةً وحالاً- تفاوتًا لا يُحصيه إلا الله - فأكملُ الناسِ توحيدًا الأنبياءُ صلوات الله وسلامه عليهم، والمرسَلون منهم أكملُ في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملُ توحيدًا، وأكملُهم توحيدًا الخليلانِ محمدٌ وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما؛ فإنهما قاما من التوحيد بما لم يَقُمْ به غيرُهما؛ عِلمًا ومعرفةً وحالاً، ودعوةً للخَلق وجهادًا، فلا توحيدَ أكملُ من الذي قامت به الرسلُ، ودعَوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه؛ ولهذا أمَر الله سبحانه نبيَّه ﷺ أن يقتديَ بهم فيه.
ولمَّا فاق رسولُ الله ﷺ النبيِّين والمرسَلِين، وقام بحقيقةِ التوحيد -عِلْمًا وعملاً ودعوةً وجهادًا-، جَعَله اللهُ إمامًا للخَلْق ورسولاً للناسِ كافَّةً، بل وللثقلَيْن من الجنِّ والإنس.
وتوحيده جُعل أعلى توحيدٍ، وخاصَّةَ الخاصَّةِ، مَن رَغِب عنه فهو من أسفهِ السفهاء.
стр. 109
* رسولُ اللهِ ﷺ أعلى الناسِ همَّةً في جميع مقاماتِ الدين:
وقد كان رسولُ الله ﷺ سيدَ المجاهدين والعابدين، والصابرين والصائمين .. كان أعلى الناس توكُّلاً، وأوفرَ الناس نصيبًا منَ الرضا والحمد، والدعاءِ والشكرِ والتبتُّل، وأعلى الناس يقينًا، وكان أشجعَ الناس، وأرحمَ الناس، وأَشدَّ الناس حياءً، وكان أحسنَ الناسِ خُلُقًا ومروءةً وتواضعًا، وأكثرَ الناسِ مراقبةً لربه، وأعلى الناس خشوعًا، وأَشدَّ الناس عبادةً لربِّه، وكان أطولَ الناس صلاةً.
° وكُتبُ الشمائل المحمدية للترمذي وغيره؛ مملوءة بالأحاديث التي تكشِفُ عن هذا النور الذي أرسله الله ليضيءَ للبشرية طريقًا .. ﷺ ..
خُلُقٌ أرقُّ مِنَ النسيم ونفحةٌ … تُغني العديمَ وتُنجِدُ المجهودَا
وسَريرةٌ مَرْضيَّةٌ وعزيمةٌ … عُلويَّةٌ سمَت السماءَ صُعُودَا
ذا البحرُ عِلمًا ذا النجومُ طلائعًا … ذا الصخْرُ حِلمًاَ ذا الغَمامةُ جُودَا
° ولله درُّ شوقي حين يقول فيه ﷺ :
وإذا رحمْتَ فأنت أمٌّ أو أبٌ … هذانِ في الدنيا همَا الرُّحَمَاءُ
* رسولُ الله ﷺ أحسنُ الناسِ عطْفًا ووُدًّا:
° يقول العقاد: "إذا كان الرجلُ مُحِبًّا للناس، أهلاً لحبِّهم إياه، فقد تمَّتْ له أداةُ الصداقةِ من طرَفَيْها .. وإنما تتمُ له أداةُ الصداقة بمقدارٍ ما رُزق من سَعَة العاطفة الإِنسانية، ومِن سلامة الذَّوْق، ومتانةِ الخُلُق، وطبيعةِ الوفاء .. وقد كان محمد ﷺ في هذه الخصالِ جميعًا مَثَلاً عاليًا بين صفوةِ خَلْق الله.
стр. 110
° كان عطوفًا يرأمُ مَن حوْله ويُوَدُّهم ويدومُ لهم على المودَّة طولَ حياته .. وليس في سجلِّ المودةِ الإِنسانية أجملُ ولا أكرمُ من حنانه على مُرضعته "حليمة"، ومن حفاوته بها وقد جاوز الأربعين؛ فيلقاها هاتفًا بها: "أُمِّي، أُمِّي"، ويَفرشُ لها رِداءَه، ويُعطيها من الإِبل والشاءِ ما يُغنيها في السَّنة الجَدْباء.
° ولقد وفدتْ عليه "هوازنُ" وهي مهزومةٌ في وقعة "حُنين"، وفيها عمٌّ له من الرضاعة؛ لأجل هذا العمِّ من الرضاعة تشفَّع النبيُّ إلى المسلمين أن يردُّوا السَّبْي من نساءٍ وأبناء، واشترى السَّبْي ممن أبَوْا رَدَّه إلا بمال.
وحضنتْه في طفولته جاريةٌ عَجماء، فلم يَنْسَ لها مودَّتها بقيَّة حياته.
• وشَغَله أن يَنْعَمَ بالحياة الزوجية ما يشغلُ الأبَ من أمر بناته ورَحِمِه، فقال لأصحابه: "مَن سرَّه أن يتزوَّج امرأةً من أهل الجنة فليتزوَّجْ أمَّ أيمن" .. وما زال يُناديها: "يا أُمَّهْ، يا أُمَّه"؛ كلما رآها وتحدَّث إليها، وربما رآها في واقعةِ قتالٍ تدعو اللهَ وهي لا تدري كيف تدعو بلكنتها الأعجميَّة، فلا تُنسيه الواقعةُ الحازبةُ أن يُصغيَ إليها ويَعطِفَ عليها.
وقد اتسع عطفُه حتى بَسَطه للأحياء كافَّة، فـ "كان يُصغي للهرَّة الإِناءَ فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها" (١).
وكان يواسي في موت طائرٍ يلهو به أخو خادمِه (٢)، ويُوصي المسلمين