← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 97

الموفي بمعرفة التصوف والصوفي

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب نادر في نقد الصوفية الموفى بمعرفة التصوف والصوفي تأليف الإمام كمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثعلب الأدفوي المصري (٦٨٥ - ٧٤٨ هـ) حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور محمد عيسى صالحية مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع الكويت

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع ص ب: ٢٦٢٢٣/ الصفاة الرمز البريدي: ١٣١٢٣ الكويت

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تمهيد شهد القرن الثاني الهجري ظهور الحركة الصوفية، حين بدأ إعراضُ النَّاس عن السبيل السويّ من مراقبةِ اللَّه وخشيته وذكره في السِّرّ والعلَن والزهد في الدُّنيا. فقد هالَ جماعةَ الصالحين تكالبُ النَّاس على الدُّنيا. واستباقهم للانهماكِ في الملذّاتِ والملاهي، فانتحوا جانبًا متجهين إلى الحقِّ سبحانَه، متبتِّلينَ، يتلُونَ كتاب اللَّه، ويقومونَ الليلَ تهجدًا وتهليلًا بالسرِّ والعلَن. وأخذَ جماعةٌ من هؤلاءِ على أَنفسهم تبيين السلوك العملي للصوفيّة، فوصف المحاسبي في كتابه "الرعاية لحقوق اللَّه تعالى" سلوك الصوفية بأسلوب علمي. وكانت مسالك الصوفية حتَّى القرن السادس الهجري بصورة عامةٌ قريبةٌ إلى الزهد، مع ما خَالَطَها في بعض الأحيان من ابتعادٍ عن جادة الصواب. غير أن الأحداثَ الجسامَ التي تعاقبت على الدولة الإسلامية منذ أواخر القرن السادس الهجري وأوائل القرن السابع الهجري، أَوجدت ردة فعل معاكسة، فانصرف بعضهم عن الحياة وشؤونها ومالوا إلى التواكل، وغدا الزهد في أعرافهم نوعًا من اللامبالاة يصل لدرجة الخنوع.

стр. 4

لقد كانت البداية حين عقد الأيوبيون العزمَ على التصدّي لتيار الفكر الشيعي إثر انهيار الدولة الفاطمية؛ إذ أنشأ الأيوبيون العديد من المدارس ودور الحديث في مصر والشام واستدعي علماء وفقهاء السُّنَّة ليقوموا بدورهم في تلك المؤسسات، فأصبحت مدن إسلامية كثيرة مثل الإسكندرية، والقاهرة، وقوص، وأسيوط، والقدس، وحلب، ودمشق، وطرابلس، مراكزَ نابضة لعلوم السنَّة والفكر السنِّي. ثم جاءت الهجمة الصليبية الشرسة لتُضيف أعباءً أُخرى، حيث ألقت بكاهلها على صلاح الدِّين، فعمل على تثبيت عروبية وإسلامية البلاد التي كانت مطمع الغزاة الجدد، فأقام الخوانق والرُّبط والزوايا والتكايا، إضافة إلى المساجد والمدارس ودور الحديث والبيمارستانات، وكان هدف صلاح الدِّين من وراء ذلك النهوض بالشعور الديني عند المسلمين، ورفع استعدادات الأمة الإسلامية لمقاومة الأخطار التي تتهددها. واحتل جماعة من الناس تلك الأماكن، امتهنوا الذكر وقراءة القرآن. وسلكوا السبيل القويم، وكانوا نماذج خيرة للأتقياء والعبَّاد. ولكن تلك الأماكن ما لبثت أن أصبحت ملجأً وملاذًا لكل طالبة راحة، حيث يجد فيها ضالته من الطعام واللباس والشراب دون عناء يذكر، وتلا ذلك ازدياد أعداد المنتظمين في سلك الصوفية، لا سيما بعد تضخم عدد الخانقات والرُّبط والزوايا والتكايا، ومبالغة الناس في حبس الأوقاف عليها، وتباري السلاطين والأمراء والأغنياء في تقديم الأموال والهدايا لمرتاديها. فسهلت حياة المتصوفة ونعموا بعيشة مترفة باذخة، قادت إلى تفشي البدع فيما بعد. وإزاء ذلك فقد كثر ادّعاء التصوف، بقصد التعيش، فأمّ العديدون الخانقات، ولبسوا الصوف، وحلقوا الرؤوس، ولكنهم لم يتخلقوا بأخلاق

стр. 5

الزهاد أو الصوفية، وغدا الصوفي على الأغلب، رجلًا أكولًا، كثير الفضول، يُضرب بتطفُّله المثل، فقالوا: "نعوذ باللَّه من النَّار، ومن الصوفي إذا عرف باب الدار". وفي وصفٍ آخر لحالهم بأنهم "أكلة، بطلة، سطلة، لا شغل لهم ولا مشغلة". وعرَّف كثير من الفقهاء جماعة المتصوفة "بأنهم رجال يظهرون الإسلام، ويبطنون فاسد العقيدة، في أرجلهم جماجم وعذباتهم من قدام" (١). ومما زاد في تكالب جماعات من النَّاس على الانضواء في سلك الصوفية، وقوع الهجمة التترية المغولية المدمرة على العالم الإسلامي، وما أورثته في النفوس من شعور بالمرارة وخيبة الأمل، وما أتصف به ذلك العصر من شظف في العيش نتيجة القحط والجدب فاستدامت المجاعات، وانتشرت الأمراض السارية كالطاعون والجُدري وغير ذلك من الأمراض الفتاكة. ووجد هؤلاء في الخانقات بسطةً في العيش، وسَعة في الحال، بل وترفًا في المأكل والمشرب والملبس، ذلك أن العديد من المصالح والمنشآت، كالبساتين والدكاكين والحمامات والأسواق قد وقفت على الصوفية، فخانقاه سعيد السعداء بمصر التي أنشئت سنة ٥٦٩ هـ = ١١٧٣ م، أوقفت عليها جملة من المصالح لينفق من ريعها على فقراء الصوفية، من جملتها بستان الحبانية وقيسارية شراب، وكان يخصص لكل صوفي فيها ثلاثة أرغفة زنتها ثلث رطل في مرق، ويعمل لصوفيتها الحلو كل شهر، ويفرق عليهم الصابون (٢). أما صوفية خانقاه ركن الدِّين بيبرس، فقد أُلحق بها مطبخ، يوزع منه على المجاورين اللَّحم والطعام وثلاثة أرغفة كل يوم إضافة إلى _________ (١) سلام: الأدب في العصر المملوكي، ١/ ٢٠٢، ووردت الأوصاف في الرسالة، ٧ أ. (٢) المقريزي: المواعظ، ٢/ ٤١٦.

стр. 6

الحلوى، ولصوفية خانقاه شيخو علاوة على ما ذكر، الزيت والصابون (١). أما صوفية خانقاه سرياقوس فلهم كل سنة ثمن كسوة وتوسعة في كل رمضان والعيدين والمواسم، فوق ما كان لهم من طعام شهي وخبز نقي إضافة إلى الحلوى وزيت الزيتون والصابون وثمن الفواكه، هذا عدا ما في الخانقاه من سكر وألوان من الشراب وأنواع الأدوية. كما أُلحق بالخوانق الحمامات والمطابخ والمدافن، ومدت أرضيتها بالفرش وآلات النحاس والكتب والقناديل وغيرها من الأدوات النفيسة، التي لا يقتنيها إلا الملوك والأمراء. إنَّ من يطلع على وقفيات الخوانق والزوايا والأربطة يدرك مدى العبء الاقتصادي الذي عاناه المجتمع بسبب ضيق القاعدة التي تستفيد من المصالح الاقتصادية المحبوسة على الصوفية دون غيرهم من شرائح المجتمع. وكدليل على حياة البذخ والترف التي نعم بها الصوفيون، نقدّم أنموذجين السماعين عقدا في مصر والشام سنة ٦٥٩ هـ = ١٢٦١ م. "قال المولي قطب الدِّين ﵀: حكى لي بعض الناصرية، قال: لما دخلنا الدِّيار المصرية، اتفق أن بعض أكابر الأمراء عمل سماعًا، وحضر بنفسه إلى الأمير جمال الدِّين ودعاه، فوعده بالمضي إليه والحضور عنده، فلما كان عشاء الآخرة، مضي ونحن معه -جماعة من مماليكه وخواصه- إلى دار ذلك الأمير، فلما دخل وجد جماعةً من الأمراء جلوسًا في إيوان الدار، وجماعةً من الفقراء في وسط الدار، فوقف، ولم يدخل، وقال لصاحب الدار: أخطأتم فيما فعلتم، كان ينبغي أن يقعد الفقراء فوق وأنتم _________ (١) المرجع السابق، ١/ ٢٨٣.

стр. 7

في أرض الدار، ولم يجلس حتى تحول الفقراء إلى مكان الأمراء، والأمراء إلى مكان الفقراء، وقعد هو ونحن بين الأمراء، فلما غنّى المغني، قام أحدهم والدف بيده يستعطي، وهذه كانت عادة المغاني في الدِّيار المصرية، فلما رآه الأمير جمال الدِّين انتهره، وقال: والك". وتمضي الرواية في شرح حال الصوفية وهم يرقصون ويجمعون النقود من الذهب والفضة من الأمراء، ثم أكلهم ما لذ وطاب من المطعم والمشرب (١). وإنصرافهم فرحين جذلين. كما أورد قطب الدِّين اليونيني في "ذيله" على "مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي عرضًا دقيقًا، وصف فيه إحدى تلك الليالي الراقصة، جاءت في ترجمة لاجين بن عبد اللَّه الأمير حسام الدِّين الجوكنداري (ت ٦٦٢ هـ/ ٦٣ - ١٢٦٤ م). حيث قال: ". . . وكان له في الفقر والصالحين عقيدة حسنة، ويكثر من الإحسان إليهم والبر بهم، وافتقادهم بالنفقة والكسوة وغير ذلك، وكان يعمل لهم السماعات، ويحضر فيها من المآكل والمشاريب والأرابيح الطيبة والشموع ما يبهر العقل ويتجاوز الحد، فكان يقدر ما يغرمه على السماع الواحد تقريبًا ثمانية آلاف درهم (٢). . . إلخ. ويمضي اليونيني في وصف ليلة سماع حضرها هو بنفسه في دارة لاجين الكائنة بالعُقَيبة بدمشق أواخر سنة ٦٥٩ هـ، ذلك أن الدار أضيئت _________ (١) حبيب الزيات: ليلة رقص وسماع أميرية للفقراء، مجلة المشرق العدد ٤٣ سنة ١٩٣٩ م، نقلًا عن الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب - مخطوط بالمكتبة الأحمدية بحلب المحفوظة الآن بمكتبة الأسد بدمشق رقم ١٢١٤، الأوراق من ٢٧٠ - ٢٧١ من الجزء الأول. (٢) اليونيني: "ذيل مرآة الزمان" خ أكسفورد POC.OR.١٣٢ الأوراق ١١٢ - ١١٣.

стр. 8

بالشموع الكافورية في أنوار (شمعدانات) الفضة، والمطعمة بصنوف الجواهر والأحجار الكريمة. حتى إذا قضيت صلاة المغرب مدَّ للفقراء سماطًا اشتمل على قريب مئة زبدية عادلية، في كل زبدية خروف صحيح رضعي، وحوالي ثلاث مئة زبدية في كل واحدة ثلاثة طيور دجاج وغير ذلك من أنواع الطعام، وبعد العشاء وإتمام الصلاة شرع الحاضرون في الغناء والرقص، حتى إذا ما تعبوا مَدَّ سماطًا من الحلوى والقطائف الرطبة والمقلوة المصنوعة بالسكر المصري والفستق والمسك ثم رقصوا وغنوا جميعًا، ومن ثم مُد سماطًا عظيمًا من الفواكه النادرة في غير موسمها من سفرجل وتفاح وكمثرى ورمان وبطيخ، وبعدها عادوا إلى الرقص والغناء، ومن ثم مَدَّ سماطًا من المكسرات على أنواعها من قصب عراقي وفستق وبندق وزبيب، والكعك المحشو والخشكنان (أقراص من الدقيق والحلوى)، والبقسماط وغيرها، وكان شرابهم مصنوعًا بالثلج والسكر وعاء الخلافه (نوع من الصفصاف المصري المستقطر)، وماء الورد، إضافة إلى المباخر المعمرة بالند والعنبر والعود الهندي حتى إذا كان وقت السحر دخلوا حمامًا مجاورًا لدار لاجين، فاستحمّوا وأُلبسوا القمصان والثياب الجدد، وبعد الحمام عادوا إلى الدار فأُشربوا الأشربة التي تناسب الحمام، ومن ثم مد لهم سماطًا من الحلوى الساخنة، وبعدها ينصرفون. والتقدير حالة الناس آنذاك، فقد علّق اليونيني على وقوع هذا السماع، بأنه أقيم، والناس في ضنك، فغرارة القمح بدمشقي ثمنها ثلاث مئة درهم، ورطل اللحم بالدمشقي ثمنه سبعة دراهم، والدجاجة ثمنها ثلاثة دراهم. وجميع الأشياء غالية جدًا. فانظر أي ترف ورخاء، عاش فيه صوفية ذلك العصر؟

стр. 9

ولم يقتصر دور الصوفية على التخريب الاقتصادي، بل تعداه إلى التأثير في الأحداث السياسية والاجتماعية، وذلك من خلال تغلغل الحركة في أوساط العامة والخاصة، ومن ثم فإنَّ الدولة اعترفت بمؤسسات الصوفية وقربت مشايخ الصوفية، حتى إن السلاطين كانوا يفاخرون ببناء الأربطة والخوانق والزوايا لجماعة الصوفية، لاعتقادهم أن بإمكان الفقراء المتصوفة الإتيان بالخوارق، وكشف الضّرّ عن السلاطين، والادعاء بالمكاشفة ومشاهدة الحق (١). ولذا فإن فقراء الصوفية كثيرًا ما دعوا ليرفعوا الضَّرر عن مصاب، أو ليدعوا بالعافية لمريض (٢). وقد بلغ من تأثير شيخ شيوخ خانقاه سعيد السعداء أن نجح في إبعاد ابن تيمية عن مصر إلى الشام سنة ٧٠٧ هـ = ١٣٠٧ م، حيث حُبس في الشام، بدعوى تكلمه على مشايخ الطريقة، وكان شيخ سعيد السعداء قد جمع فوق خمس مئة صوفي من صوفية الخانقاه وسار بهم في تظاهرة إلى القلعة، وكانت جماعات غفيرة من العامة قد انضمت إلى المظاهرة، وفي القلعة، شكوا للسلطان ابن تيمية، الذي أحالهم بدوره إلى القاضي الشافعي فدفعهم عنه إلى تقي الدِّين علي بن الزواوي المالكي، والذي أصدر بدوره الحكم الذي أشرنا إليه (٣). وفي دمشق أيضًا عُنِّف ابنُ رمضان الشاهد، لأنه تكلم في حق الفقراء (٤). وضُرِب حتى طلبة التوبة والاستغفار. بل إن الصوفية كثيرًا ما قاموا بإراقة الخمور والبوزة لأنها محرمة على _________ (١) الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ١٦. (٢) الصقاعي: تالي وفيات الأعيان، ١٥١. (٣) ابن طولون: مفاكهة الخلان، ج ١ ص ٢١. (٤) المرجع السابق ج ١ ص ٩، ٧، حوادث سنة ٨٨٥ هـ.

стр. 10

غيرهم، وقد يخرجون إلى الشوارع لإطلاق سراح أحدهم من السجن، وأمورًا أخرى كثيرة. وسدر الصوفية في مفاسدهم، حتى إن بعضهم أفتى بحرام الكسب إِلَّا عند الضرورة، لأن الكسب في عرفهم ينفي التوكل على اللَّه أو ينقص منه، وقد أمرهم اللَّه بالتوكل، ورزقهم في السماء وما يوعدون (١). ثم إن بعض الصوفية كانوا لا يقيمون الصلاة أبدًا، مدعين أنهم لا يقومون بأدائها إِلَّا في الأماكن المقدسة فقط (٢). لقد عمَّ الفساد حياة الصوفية في عادتهم وأخلاقهم ورسومهم وسننهم وملابسهم وأزيائهم ومشاربهم ومآكلهم، واشتهر المتفقرون من المتصوفة بالجشع في الأكل والشرب، والولع بالرقص والتهافت على السماع والغناء. حتى قال فيهم الشاعر الطاهر: [الوافر] أرى جيلَ التصوف شرَّ جيلِ ... فقل لهمُ وأَهونُ بالحلولِ أَقالَ اللَّهُ حين عبدتموه ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي (٣) وعليه فإن أبرز مظاهر الفساد في حياة المتصوفة علاوة على ما ذكر، يمكن إيجازها بما يلي: _________ (١) الشيباني: الكسب، ٣٧ العيني: عقد الجمان، ج ٣٣/ ٣٨ أ، الكلاباذي: التعرف، ١٠٢. (٢) الشعراني: اليواقيت والجواهر، ١/ ١٢٥. (٣) وردت الأبيات في النص المنشور من رسالة ابن القارع، علي منصور الحلبي، الذي كان معاصرًا لأبي العلاء المعري، والتي جاءت رسالة الغفران ردًا على رسالة ابن القارح لأبي العلاء، وقد جاء في الشطر الأول من البيت الثاني: أقال اللَّه حين عشقتموه ولعله الأصوبه، لأن الصوفية تعشق بينما العبادة لكل البشر، انظر: أبو العلاء المعري: رسالة الغفران، ومعها نص محقق من رسالة ابن القارح، تحقيق د. بنت الشاطئ، ط. السادسة، دار المعارف، ١٩٧٧ ص ٣٦ - ٣٧، بنت الشاطئ: جديد في رسالة الغفران، ط. بيروت ١٩٧٢، ص ٥١.

стр. 11

مظاهر الفساد في حياة المتصوفة - السماع والرقص: والسماع عند الصوفية، لياليَ تعقد، فيها ينشدون ويرقصون، وفي تعرفهم أن السماع يولد حالة في القلب تسمّى بالوجد، وهذا بدوره يحرك أعضاء البدن، فإن كانت الحركات غير موزونة كانت اضطرابات، وإن كانت موزونة فحينئذ تكون تصفيقًا ورقصًا (١)، ويبدو أن نوعا من الهوى والغلبة قد سيطرا على الصوفي، فإن سمع غناء أو إيقاعا بقضيب، تواجد وصفق وربما مزَّق ثيابه ورماها (٢). وقد أنكر عليهم جماعة من العلماء مثل هذا السلوك الشائن، وصنفوا الكتب، ووضعوا القصائد في ذم سلوكهم، فالإمام موفق الدِّين، عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسي وضع رسالة في ذم ما عليه مدَّعو التصوف من الغناء والرقص والتواجد وضرب الدُّف وسماع المزامير، ورفع الأصوات المنكرة بما يسمونه ذكرًا وتهليلًا، بدعوى أنها من أنواع القرب إلى اللَّه تعالى. وهجاهم كثيرٌ من الشعراء مثل شدَّاد بن إبراهيم الملقب بالطاهر الجزري، والعميد أبو محمد، عبد اللَّه، أحمد بن إبراهيم الزواوي الكاتب، وظهير الدِّين قاضي السَّلاميَّة ت ٦١٠ هـ = ١٢١٣ م (٣)، الذي هجا مكي شيخ زاوية الفقراء بالبوازيج، البليدة القريبة من السَّلَّامية، فقال: [المتقارب] أَلا قُلْ لِمَكّي قَوْلَ النَّصُوحِ ... فَحقُّ النصيحة أن تُستَمَعْ متى سمع النَّاسُ في دِينِهم ... بأَنَّ الغِنَا سُنّةٌ تُتَّبعْ؟ _________ (١) الغزالي: إحياء علوم الدين، ٢/ ٢٣٦، ابن الجوزي: تلبيس إبليس ٢٦٧ (نقد مسلك الصوفية في الغناء والسماع، الهروردي: عوارف المعارف، باب ٢٤ "القول والسماع"). (٢) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ٢٤٧، ٢٥٠، ٢٦٠. (٣) هو أبو إسحاق، إبراهيم بن نصر بن عسكر، انظر ابن خلكان: وفيات الأعيان ٧/ ٣٧ - ٣٨.

стр. 12

وَأَنْ يَأْكُلَ المَرْءُ أَكلَ البَعِيْرِ ... وَيَرْقُصَ في الجَمْع حتَّى يَقَعْ وَلَوْ كَانَ طاوي الحَشَا جائعًا ... لما دار من طَرَبٍ واسْتَمعْ وقالوا سَكِرْنا بحبِّ الإِلهِ ... وَمَا أسْكَرَ القَوْمَ إِلا القِصَعْ كذاك الحميرُ إذَا أخصْبتْ ... يُنَقّزها ريُّها وَالشَبَعْ - مصاحبة المرد والأحداث: استحل بعض الصوفية كل المحرمات والكبائر، وتظاهروا بالفسق والفجور والمخازي، فليلة الماشوش تتم علانية عند متصوفة شيراز (١). وقد روى خبرها التنوخي في مشوار المحاضرة (٢)، ذلك أن ابن خفيف البغدادي، شيخ متصوفة شيراز، وقد مات رجل صوفي من أصحابه، وخلف زوجة صوفية، فاجتمع النساء الصوفيات يعزينها، حتَّى إذا انتهت مراسيم الدفن، وصل ابن خفيف الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام من كلام الصوفية إلى أن قال: أعزبت. قال لها: هاهنا غير (٣). فقالت: لا غير (٤). فقال: فما معنى التزام النفوس آفات الهموم وتعذيبها بعذاب الغموم؟ ولأي معنى تترك الامتزاج (٥) لتلتقي الأنوار (٦) وتصفو الأرواح وتقع _________ (١) انظر الزيات (حبيب): كتابة الديارات في الجزء الأول من مسالك الأبصار لابن فضل اللَّه العمري، مجلة المشرق ٤٢: ١٩٤٨، ٢٩٧. (٢) التنوخي: نشوار المحاضرة، مجلة المجمع العربي بدمشق، العدد ١٧ ص ٢٦١ - ٢٦٢. (٣) أي هل يوجد هنا غير موافق في المذهب. (٤) أي ليس من يخالف. (٥) كناية عن الوطء. (٦) أي النور الإلهي.

стр. 13

الاختلافات وتنزل البركات. فقالت النساء: إذا شئت. فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم، فلما كان سحرًا خرجوا، ويبدو أن ذلك الحادث قد وقع في اليوم الأول من الصوم، أو الأحد الأول من الصوم حسب رواية الشابشتي في الديارات (١)، وأصبح ذلك اليوم احتفالًا لهم يختلط فيه الرجال بالنساء. وقد أشار ابن الجوزي إلى أن صوفية عصره قد سدُّوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب، لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح. واتفقت لهم صحبة الأحداث على وجه الإرادة وقصد الزهادة (٢). ويقرر ابن الجوزي بأن آفة الصوفية في عصره في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد (٣)، ولم يقف البلاء عند هذا الحد، بل تعداه لإِضفاء مشروعية ذلك للمتصوفة، فقد صنف أبو الفضل، محمد بن طاهر، المعروف بابن القيسراني الشيباني ت ٥٠٧ هـ = ١١١٣ م رسالة في إباحة السماع والنظر إلى المرد (٤). واشتهر من المتصوفة بالتهتك والاستباحة خضر الكردي شيخ الملك الظاهر بيبرس، والشيخ أبي الحسن الحريري، وسليمان بن المولّه المجذوبه. وكان علي الحريري أكثرَ المتصوفة تهتكًا في معاشرة الأحداث "فكان _________ (١) وردت عند الحديث عن دير الخوات ص ٩٣، وانظر ابن فضل اللَّه العمري: مسالك الأبصار، ١/ ٢٨٠ - ٢٨٢ (تحقيق أحمد زكي باشا). (٢) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ٢٦٥. (٣) المرجع السابق، ٢٧٦. (٤) الشعراني: الطبقات الكبرى، ٢/ ١٢٩.

стр. 14

من وقع نظره عليه من الأحداث وأولاد الجند والأمراء وغيرهم يحسن ظنه فيه، ويميل إليه، ولا يعود ينتفع به أهله، بل يلازمه ويقيم عنده، اعتقادًا فيه وميلًا إليه" (١). ومع أن ظاهرة مصاحبة المُرد والأحداث والمخنثين كانت واضحة في العصور العباسية المتأخرة، فقد اشتدت في عصر المماليك، وذلك إثر قدوم طائفة من الأوبراتية التترية (٢)، المشهورين بالجمال سنة ٦٩٥ هـ = ١٢٩٥ م، وانتشارهم في مصر والشام، ومن ثم دخولهم في خدمة الأمراء المماليك، وتنافس أمراء المماليك في اقتناء صبيانهم وبناتهم، ومن تبقى من هؤلاء الأويراتية بعد ذلك انخرط في الجيش، وتفرقوا في الممالك لتنتشر معهم المفاسد، ووجدته جماعات من الصوفية فيهم ضالتهم، فبالغوا في إضفاء مشروعية صوفية على فعلتهم النكراء، وقد أورد لنا الشعراني -أحد كبار متصوفة القرن العاشر الهجري- خبر الصالح محمد بن عراقي، الذي كان لا يمكِّن ابنه عليًا من الخروج إلى السوق، حين كان أمرد، إلّا أن يُبَرقَع خوفًا عليه من السوء والفتنة (٣). ولم يقف الأمر على المرد والأحداث بل تعداه إلى سواه من البهائم والحيوانات، فقد كان الشيخ الصوفي علي وحيش (ت ٩١٧ هـ/ ١٥١١ م) كثير الاعتداء على البهائم والأتن (٤). لقد كان هذا الضرب من التصوف استهزاءً بالأديان، وبعدًا عن جادة الزهد والعبادة، وتهتكًا، حتَّى استحق صوفية القرون التالية للقرن السادس _________ (١) الدلجي: الفلاكة، ٧٢، ابن الفوطي: الحوادث الجامعة، ٣٢٥. (٢) قبائل مغولية سكنت الجزء الأعلى من خط نهر Venessei بأواسط آسيا. (٣) الشعراني: لواقح الأنوار، ٢/ ٢٥٧، زكي مبارك: التصوف، ١/ ٢٥٧. (٤) الشعراني: الطبقات الكبرى، ٢/ ١٢٩ - ١٣٠.

стр. 15

هجري، لقبَ "الفقراء المخربين"، لأنهم يناقضون السنن والعادات ويخرجون عن الآداب والشرائع (١). - تعاطي الحشيش: دأب عدد من الصوفية على تعاطي الحشيشة، بدعوى أنها تذهب الهموم الكثيفة عن قلوبهم، وتجلو بفعلها أفكارهم الشريفة. وليس بين أيدينا نص موثوق حول كيفية دخولها إلى العالم الإسلامي، فقد تعددت الروايات حولها، فبعض الروايات تنسبها إلى الهندي بيرزطن الذي حملها معه من الهند إلى فارس في القرن الأول الهجري، ومن ثم انتقلت بواسطة جماعة القلندرية الذين كانوا ينتظمون في سلك الصوفية، وقد حلقوا الرؤوس والحواجب والشوارب (٢). ورواية أخرى تنسب كشفها إلى الشيخ حيدر ت ٦١٨ هـ = ١٢٢١ م، والذي جعلها وقفًا على رفاقه من متصوفة خراسان، وأوصى أن يزرعوها على قبره بعد وفاته، ومن ثم انتقلت إلى بغداد فالشام ومصر، ومن الجدير بالذكر أن جماعة الحيدرية قدموا إلى دمشق بعد سنة ٦٥٥ هـ = ١٢٥٧ م، وعلى رؤوسهم طراطير، ولحاهم مقصوصة، وشواربهم بغير قص، وبنوا لهم زاوية خارج دمشق، ومنها وصلوا إلى مصر (٣). وقد تغنّى شعراء الصوفية بمحاسن الحشيشة، وأطلقوا عليها عدة أسماء مثل حشيشة الفقراء، ومدامة حيدر، والقلندرية. وكان شاعرهم محمد بن علي بن الأعمى، أكثر الشعراء لهجًا بمزايا الحشيشة، فقال: [الطويل]. _________ (١) الزيات: الفقراء المخربون، مجلة المشرق، مجلد ٤٣ سنة ١٩٤٩، ٥١١ - ٥١٥. (٢) ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، ٢/ ١١٢. (٣) المقريزي: السلوك، ج ١ ق ١ ص ٤٠٧.

стр. 16

دع الخمر واشرب من مدامة حيدر ... معنبرة خضراء مثل الزبرجد يعاطيكَها ظبي من الترك أغيد ... يميسُ على غصنٍ من البانِ أملدِ فتحسبها في كفِّه إذ يديرها ... كرقم عذار فوق خدِّ مورَّد يرنحها أَدنى نَسيم تنسَّمت ... فتهفو إلى بردِ النَّسيم المرود وتشدو على أغصانها الوُرقُ في الضحى ... فيطربها سجع الحمامِ المغرّدِ هي البِكْرُ لَمْ تُنْكَح بماءِ سحابةٍ ... ولا عُصرتْ يومًا برجلٍ ولا يدِ ولا عبثَ القسيس يومًا بكَأْسها ... ولا قرَّبوا مِنْ دنّها كلَّ مقعدِ ولَا نصَّ في تحريمها عندَ مالكٍ ... ولا [هي] عند الشافعيّ وأحمدِ ولا أثبت النُّعمانُ تنجيسَ عينهِا ... فخُذْها بحدّ المشرفي المهنَّدِ وكف أكف الهمّ بالكيفِ واسترحْ ... ولا تطرحن يومَ السرورِ إلى غدِ (١) لقد أدخل الصوفية الحشيشة إلى العالم الإسلامي منذ القرن السادس الهجري، ولا زالت أمتنا تعاني من آثار هذا المرض الاجتماعي حتَّى اليوم. - الإدعاء بالإتيان بالخوارق والكرامات: عمَّ بين الصوفية اعتقاد بأن الإنسان إذا ارتاض وجاهد في العبادة، فإنه قد يلتحق بالملائكة الكرام حتّى يطير في الهواء ويمشي على الماء، فبالرياضية حسب اعتقادهم، ينسلخ الصوفي بالكليَّة عن الحظوظ البشرية، وهذا الاعتقاد في أساسه، اعتقاد البراهمة (٢)، ولكنه شاع عند الصوفية، وكانوا يحرصون على نشر الأخبار التي تروي طيران أحدهم في الهواء، فالشيخ أبو يوسف، صفي الدِّين، الحسين بن جمال الدِّين الأنصاري الخزرجي "ارتفع بجلسته إلى العلو قدر قامتين، ودار وسع المجلس الذي كان الصوفية فيه، ثم نزل إلى موضعه! ! " (٣). _________ (١) المقريزي: الخطط، ٣/ ٤٠. (٢) الغزي: لطف السمر، ١/ ٣٦٣. (٣) صفي الدين الخزرجي: سير الأولياء، ٣٠، تحقيق مأمون محمود ياسين وعفت وصال، ط. بيروت.

стр. 17

وقد أنكر ابن تيميَّة على صوفية الأحمدية ما يفعلونه من دخولهم في النيران المشتعلة، وأكلهم الحيَّات، ولبسهم الأطواق الحديد في أعناقهم، وتقلدهم بالسلاسل على مناكبهم، وعمل الأساور الحديد في أيديهم (١) وغيرها من الخوارق. لقد حفلت القرون من السابع الهجري إلى العاشر الهجري بأخبار كرامات وخوارق هؤلاء الصوفية حتّى غدت أمرًا مصدوقًا، يتعرض من كذَّبه إلى التعزير والإيذاء، وانسحبت آثار ذلك على العصور التالية، وخاصة في العهد العثماني، حين أصبحت الطرق الصوفية واسعة الانتشار، كثيرة الأتباع. كانت الصوفية في ذلك العصر شرًّا أصاب المجتمع، وإفسادًا للقيم والآداب، وتخريبًا للشرائع والسنن، وقد عبر كلُّ من فتح الدِّين ابن سيد الناس، وصلاح الدِّين الصفدي عن حال الصوفية بعبارات مقنعة، تعكس واقع حال المتصوفة، فالشيخ فتح الدِّين محمد بن محمد بن سيد الناس، يقول فيهم: [الخفيف] ما شروط الصوفي في عصرنا اليو ... م سوى ستة بغير زيادة وهي. . . (٢) العلوق والسكر والسطْ ... ـلة والرقص والغنا والقياده وإذا ما هذى وأبدي اتّحادًا ... وحلولًا من جهله وأعاده وأتى المنكراتِ عقلًا وشرعًا ... فهو شيخُ الشُّيوخ ذو السِّجَّادَة (٣) كما وصف الصفدي هيئة أحد رجال الصوفية، فقال: "شيخ مسن فقير، حرفوش، مكشوف الرأس، منفوش الشعر، عليه _________ (١) المقريزي: السلوك، ج ٢ ق ١ ص ١٦. (٢) كلمة فاحشة بذيئة. (٣) المقريزي: الخطط، ٢/ ٤٢٤، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣/ ٢٨٧.

стр. 18

دلق رقيق، بالي الخلقة رقيق، قد تمكن منه الوسخ ونبت فيه ورسخ، قد جمعه من عدة رقاع، له مدفأة يستدفئ بنارها" (١). تحليل مادة الرسالة التي ننشرها: ناقشت الرسالة، مسألة اقتصادية مهمة، وهي، هل يصح الوقف والوصية للصوفية أم لا؟ ذلك أن عددًا كبيرًا من مصالح البلدان، كالدكاكين والحمامات والأسواق والبساتين والقرى الفلاحية والطواحين والمعاصر وغيرها، كانت توقف على صوفية خانقاه أو يوصي بإنفاق ريعها على جماعة صوفية معينة، وبالتالي فإنه لا يستفيد من هذه المصالح إلا حفنةٌ من المجتمع حظيتْ بخيراتهِ وهباتِهِ، بل وأثرت في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية في الأمة، فغدت هي المتنفذة المقربة من أُولي الأمر، بل إن أُولي الأمر أنفسَهم باتوا يخشونهم، فتزلفوا لهم بالمبالغة في إكرامهم وإغداق الأموال عليهم. لقد شكل هؤلاء الصوفية عبئًا ثقيلًا على اقتصاد المجتمع، وأُرْهِقَ الأهالي والفلاحون بتوفير احتياجاتهم طمعًا في إرضائهم ونيل دعواتهم، وانعكست الأهداف وغرق الصوفية في المفاسد والإِفساد، وسيروا الحياة الاجتماعية وفق ما يرغبون، وطغي هيلمانهم، واستفحل تأثيرهيم، فقام جماعة من العلماء، وأخذوا على عاتقهم تنبيه المجتمع لحالة التردي التي وصلت إليها حركة الصوفية، وذلك من خلال إيقاظ الأحاسيس بأصول الصوفية الحقة، فأعاد هذا النفر من العلماء، البحث في التصوف، وحقيقة الصوفي من حيث المبادئ والأهداف، والقصد من ذلك إثارة المسألة عند الناس، ليقارنوا بين حال الصوفية في عصرهم، وما يجب أن يكونوا عليه. وكان مؤلف رسالتنا جعفر بن ثعلب الأدفوي أحد هؤلاء العلماء الذين _________ (١) سلام: الأدب في العصر المملوكي، ج ١ ص ٢٠٣.

стр. 19

صنفوا في باب الصوفية، وعقد أبوابًا في رسالتنا للبحث في مبادئ الصوفية حيث اتكأ على "الرسالة القشيرية" واقتبس منها عشرة آراء لكبار فقهاء الصوفية عرضها بشكل ميسر بسيط. وحول حقيقة الصوفي والكلام فيه، فقد تناول مؤلفنا، النسبة إلى التصوف، وبيان من تصدق عليه النسبة، وقرَّر بأن البدع واختلاف الفرق الإسلامية بعد سنة ٢٠٠ هـ، هي التي أخرجت التصوف عن أُصوله ومعناه (١). وحتَّى ينجح في إقناع قارئ الرسالة أو مسامعها، فقد استشهد بأكثر من عشرين رأيًا لفقهاء من الصوفية من أهل الطريق وأصحاب العلم والتحقيق (٢)، وملخص ما انتهى إليه، أن الصوفي في العرف العام، هو من اتصف بالصفات المحمودة في الشرع، وتخلق بالأخلاق الممدوحة، وإن بَعُد فيها الطبع، معرض عن الدُّنيا، مقبلٌ على الآخرة، سالك الطريق التي هي أولى بالمرء". وأما في العرف الخاص، فإن الصوفي من يلبس لبسة مخصوصة من دلق (٣) أو فرجيه (٤)، وله عمامة، يرخي منها عذبة قصيرة من قدامه، ويحضر _________ (١) انظر الرسالة، ٤ ب. (٢) الرسالة، ٦ أ. (٣) الدلق: نوع من اللباس يجعل تحت العباءة الفوقانية، وقد يكون كالمعطف واسعًا بدون فتحة، سوى فتحة الكتفين، ويُحاك من حرير الطرح الأزرق اللون أو من الصوف الأسود، انظر، محمد عيسى صالحية: من وثائق الحرم القدسي الشريف، ص ٢٧، دوزي: معجم، ١٨٣، ماير: الملابس المملوكية، ٩٠. (٤) فرجية: ثوب فضفاض، له كمان واسعان، يتجاوزان قليلًا أطراف الأصابع، وقد يكون لها ذيل يرخى من فوق الرأس. انظر دوزي: معجم الملابس، ١٦٧ (النص المترجم المنشور في مجلة اللسان العربي م ١٠ ج ٣).

стр. 20

في الخانقاه بعد العصر ليحضر القراءة والذكر، وغير متعاط للحرف الدنيئة كالحياكة أو الحجامة أو القمامة، وغير موصوف بالثروة. وكأن الأُدفوي أراد القول، إن شروط الانتظام في سلك الصوفية في عصره هي: - التزيّي بأزياء معينة. - مداومة الحضور إلى الخانقاه بعد العصر للقراءة والذكر. - عدم تعاطي الحرفة الدنيئة كالحياكة والحجامة والقمامة. - غير معروفة بالثراء. وما عداها من الزهد والعبادة والبعد عن زخرف الدُّنيا فغدت شيئًا مهملًا. لقد مهَّد الأدفوي بالبابين السابقين ليصل إلى الباب الثالث، وهو "من يستحق الوقف والوصية من الصوفية"، وهذا الباب هو جوهر الرسالة، والمقصد الأساسي لتصنيفها، ويدخل هذا الباب في نظريات الإلزام والالتزام من فقه القانون المدني. في حيثيات "العُرف". والمادة القانونية التي يطرحها هي، أن العرف محكّم وفاصل في النزاع إذا كان منضبطًا، ولا خلاف عليه في بلد معين، فإذا اضطرب العرف في ذلك البلد، وجب البيان حينئذٍ، أي أن الحكم يربط بالأسباب. فالوقف لا يصح على الصوفية، لعدم ضبط معنى الصوفية ووقوفه عند حدٍ. وقد أفاض مؤلف الرسالة في الاستشهاد بما في المذاهب الأربعة جواز الوقف من عدمه، فالشافعية لا تجيزه، وكذا بعض علماء الحنفية، وأما

стр. 21

الحنابلة، فأجازوا الوقف على المنقطعين للعبادة، وتصفية النفس من الأخلاق المذمومة (١). ثم ناقش مؤلفنا رأي الغزالي في الوقف على الصوفية، والذي أورده في كتاب "إحياء علوم الدِّين" (٢)، حيث ذهب الغزالي إلى أنَّ الصوفي هو من اتصف بما يلي: - الصلاح. - الفقر. - لبس زي الصوفية. - ألا يكون مشتغلًا بحرفة. - أن يكون مخالطة للصوفية بطريق المساكنة والخلطة (٣). وقد تناول مؤلف رسالتنا هذه القضايا، وناقشها، وفنَّدها بندًا بندًا، واستشهد بأقوال كبار رجال الزهد والتصوف لإِثبات حجته، وإبطال حجج الغزالي، وقد استند مؤلفنا في ردّه على الغزالي، على الأمور التالية: - أن الغزالي فيما أورده لم يجرِ على القواعد الفقهية. - أن الغزالي استند على رسوم الصوفية المحدثة. - اعتراف الغزالي بأن لا دليلَ لديه عما يقوله إلا العادات والأعراف الخاصة. - العرف الخاص لا اعتبار له عند أهل الفتوى (٤). - قدم الأُدفوي جملة من الشواهد التاريخية تبطل الادعاء بالزي، وتنفي شرط المساكنة والخِلطة، وحتى الفقر والاشتغال بحرفة دون أخرى، وأما الصلاح، _________ (١) الرسالة، ٨ أ. (٢) الغزالي: إحياء علوم الدين، ٢/ ١٥٣. (٣) الرسالة، ٩ أ. (٤) الرسالة، ٩ ب.

стр. 22

فبيَّن مؤلف رسالتنا، بأن الصلاح محصور في الاقتداء بسنَّة الرسول ﷺ ، وأن مسالك الصوفية لا بد أن تكون وفق القرآن والسُّنَّة (١)، وأتى بشواهد عديدة من أقوال أئمة التصوفة المشهورين بالصلاح والتحقيق. ويلاحظ بأن مؤلفنا كان ينقم على الغزالي طرح تلك الآراء، بل ويقابلها بالاستهجان، فحين عرض الغزالي لنزول الخانقاه، قال مؤلف رسالتنا "وهذا الذي ذكره الغزالي لا يناسب تحقيقه" (٢)، وفي موضع آخر قال: ". . . وهو لم يبينه قبل، وأحال عليه، فهو عجيب منه" (٣)، وفي معرض نقده لكتاب "الإِحياء" قال: "لأن كتاب الإِحياء ليس موضوعًا للتحقيق على طريقة الفقه، وأكثره وكثير منه، مبني على كلام صوفي" (٤) ومجمل ما انتهى إليه مؤلف رسالتنا، أن المنتسبين إلى التصوف ثلاثة أقسام: - قسم اتبعوا ما جاء في الشرع، ووقفوا مع ما قاله علماء السُّنَّة، فهم يستحقون التعظيم ويستوجبون التبجيل والتكريم (٥). - قسم حصل لهم غلوٌ في التصوف فابتدعوا طرقًا واخترعوا عقائدَ، ووقفوا مع ألفاظ مزخرفة جمعوها، فيدخلون في جملة الكفار، ويستحقون النار. - قسم غلب عليهم الجهل، ووقفوا مع ما أُحدث من رسوم وتركوا النظر في المعارف والعوارف والعلوم. واحتفلوا بالرقص والسماع والشهوات، وهؤلاء _________ (١) الرسالة ١٢ ب -١٥ أ. (٢) الرسالة، ٨ ب. (٣) الرسالة، ٨ ب. (٤) الرسالة، ٨ ب. (٥) لم يذكر الوقف كاستحقاقٍ لهؤلاء، وإنما اكتفى بأستحقاقهم التعظيم والتبجيل والتكريم.

стр. 23

الأخسرون أعمالًا في الدُّنيا والآخرة (١). أما الوقف على صوفية عصره، فلا يُقره مؤلف الرسالة للأسباب الشرعية التي أشرنا إليها. وفي ذلك قطع لمصدر ارتزاق لفئة كسولة خاملة، استنامت في عيشها إلى السهولة واليسر، واستطابت الراحة. وكان خطأ المجتمع أن وفَّرَ لها سُبل الحياة بدون تعب، فملأ الواحد منهم بطنه بلذيذ الطعام، ونام نومًا عميقًا، في انتظار الطعام الألذ، والمتعة السهلة المنال. وصدق من قال: نعوذ باللَّه من النار، ومن الصوفي إذا عرف باب الدار. مؤلف الرسالة: هو جعفر بن ثعلب بن جعفر الأُدفُوي، أبو الفضل، كمال الدِّين ولد في بلدة أُدْفُو (٢) سنة ٦٨٥ هـ = ١٢٨٦ م، وبها نشأ. ثم درس بمدرسة قُوص، التي كانت بها مدرسة تضارع مدارس القاهرة، ثم انتقل إلى القاهرة، ودرس على جملة من أساتذة العصر، منهم أبو حيَّان، محمد بن علي بن يوسف الأندلسي، أثير الدِّين، وابن دقيق العيد، وتاج الدِّين الدشناوي، وأحمد بن محمد بن أحمد، محيي الدِّين القرطبي وسواهم. وقد وُصِفَ المؤلف بأنه مؤرخ، وله علم بالأدب والفقه والفرائض والموسيقا، وكان ينعى على علماء عصره ما وَصَلَ إليه العلم في عصره، فقال: [الكامل] إن الدروس بمصرنا في عصرنا ... طبعت على غلط وفرط عياط ومباحث لا تنتهي لنهاية ... جدلًا ونقل ظاهر الأغلاط ومدرس يبدي مباحث كلها ... نشأت عن التخليط والأخلاط _________ (١) انظر الرسالة، ص ١٧. (٢) وهي بلدة بصعيد مصر الأعلى بين أُسْوَان وقُوص. انظر "معجم البلدان" (١/ ١٢٦) و"شذرات الذهب" (٦/ ١٥٣) طبعة القدسي (م).

стр. 24

ومُحدِّث قد صار غاية علمه ... أجزاء يرويها عن الدمياطي وفلانة تروي حديثًا عاليًا ... وفلان يروي ذاك عن أسباط والفرق بين عزيزهم وغريرهم ... وأفصح عن الخياط والحناط والفاضل النحرير فيهم دأبه ... قول (أرسطاليس) أو بقراط وعلوم دين اللَّه نادت جهرة ... هذا زمان فيه طُيَّ بساطي (١) مؤلفاته: من أهم مؤلفاته التي عرفناها: - الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد: وقد ألفه بإشارة من شيخه أبي حيان، وقد ترجم فيه لأعلام عصره من إقليم قوص، وأعماله ومدنه، وقد جعل تراجمه على حروف المعجم، وشملت ٥٩٤ ترجمة، من ضمنها ترجمة الأربع نساء. وقد طبع الكتاب سنة ١٩٦٦، بتحقيق سعد محمد حسن. - الإمتاع في أحكام السماع: ويبحث في ضروب الغناء من حيث جوازه وتحريمه، وفيه فوائد موسيقية عن آلات العزف والضرب، ومنه نسخ بدار الكتب والوثائق القومية، وثانية بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة وثالثة بمتحف الطوب قابي، خزانة أحمد الثالث رقم A.١٤٣٠ ورابعة في مكتبة جستربيتي، وانظر بروكلمان، الذيل ٢/ ٢٧ (٢). - البدر السافر وتحفة المسافر: ترجم فيه لبعض شعراء القرن السابع، ويقع في مجلدين: _________ (١) الشوكاني: البدر الطالع، ١/ ١٨٢ - ١٨٣، ابن حجر: الدرر الكامنة، ١/ ٥٣٦ ط. بيروت. د. ت. (٢) انظر أيضًا كتاب الإِمتاع والانتفاع في مسألة سماع السماع للأُدفوي، خزانة مدريد الوطنية رقم ٢٤٦، حبيبه الزيات: لغة الحضارة، مجلة المشرق عدد ٦٣ ج ٤، ٥، تموز - آب ١٩٦٥ ص ٦٧ - ٦٨.

стр. 25

الأول في الفاتيكان رقم Mus.Borg.L.F.Araba,١٦٨ والثاني في مكتبة الفاتح بإستانبول رقم ٤٢٠١. ونسخة في فيينا ناقصة. - فرائد الفوائد ومقاصد القواعد في علم الفرائض: منه نسخة في مكتبة غوتا بألمانيا الديمقراطية. - كتاب الإِسعاف: وقد ورد ذكره في الرسالة التي نشرها (١). - كتاب الموفي بمعرفة التصوف والصوفي، وهو الذي نقوم بنشره لأول مرة . ومن الجدير بالذكر أن كمال الدِّين الأدفوي قد عاش في القاهرة، واتخذ المدرسة الصالحية سكنًا يتردد عليه الأشياخ (٢) فيها. وقد وصفه الإسنوي بأنه: "كان مشاركًا في علوم متعددة، أديبًا شاعرًا ذكيًّا كريمًا، طارحًا للتكلف، ذا مروءة". وقد توفي بالقاهرة بعد عودته من الحج عام ٧٤٨ هـ = ١٣٤٧ م (٣). وصف النسخ: تحتفظ خزانة الفاتح بالمكتبة السليمانية في أستانبول - بتركيا بنسخة وحيدة من الرسالة مسجلة تحت رقم ٢٨٧٦ ولا علم لكاتب السطور بنسخة _________ (١) انظر الرسالة ق ٦ ب. (٢) الأدفوي: الطالع السعيد، المقدمة، ش. (٣) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ٦/ ١٥٣ من طبعة القدسي، الشوكاني: البدر الطالع، ١/ ١٨٢، المقريزي: السلوك ج ٢ ق ٣ ص ٧٩٣، والسيوطي: حسن المحاضرة، ١/ ٢٥٥، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، ١٠/ ٢٣٧، الأدفوي: الطالع السعيد أ - ت (مقدمة).

стр. 26

أخرى في المكتبات العربية والأجنبية سواها، وقد جاء على صفحة عنوانها: كتاب الموفي بمعرفة التصوف والصوفي. تأليف جعفر بن ثعلب الأدفوي الشافعي. وبالإضافة إلى السماع المسجل على صفحة العنوان، والذي سنشير إليه مع السماعات الأخرى المسجلة في نهاية الرسالة، فقد وردت عبارات تفيد بأن الأدفوي كان تلميذًا لأبي حيَّان، بخط المؤلف ثم حول كلمة القيمري عبارة، قلعة بين الموصل وخلاط (لب اللباب). وكذا إشارة إلى أن الرسالة قد روجعت من قبل أبي حيَّان الأندلسي نفسه. السماعات الموجودة على الرسالة: أولًا: على صفحة العنوان: ١ - " سمع جميع هذا الكتاب من لفظ مؤلفه الشيخ الإمام العلَّامة كمال الدِّين، أبي الفضل، جعفر بن ثعلب الشافعي الأدفوي نفع اللَّه به بحضور سيدنا وشيخنا الأستاذ الإمام العلَّامة وحيد دهره وفريد عصره، ونسيج وحده، أعجوبة الزمان أثير الدِّين، أبي حيَّان، محمد بن علي بن يوسف بن حيان، فسح اللَّه في مدته، صالحٌ بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه الدمشقي القيمري، وذا خطه وصح ذلك يوم الاثنين، ثامن عشر صفر سنة إحدى وأربعين وسبعماية بمنزل شيخنا أبي حيَّان بالمدرسة الصالحية بين القصرين بالقاهرة المحروسة، وأجاز إليَّ جميع ما يجوز لهما روايته، والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وسلم". ويستفاد من السماع أن الذي سجله هو صالح بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه الدمشقي القيمري، وكان ذلك بتاريخ ١٨ صفر سنة ٧٤١ هـ، وبمنزل أبي حيَّان بالقاهرة، وأن صالحًا هذا قد أُجيز بالرواية من قبل الأدفوي وأبي حيَّان.

стр. 27

ثانيًا: على الورقة ١٨ أو ١٨ ب وجدت السماعات التالية: ١ - سمعها أجمع على مؤلفها إليخ الإمام العلَّامة كمال الدِّين، أبي الفضل الأدفوي أحسن اللَّه إليه، بقراءة. . . إلخ المُحَدِّث الرّحال، عز الدِّين بن حمزة بن أحمد الهكاري. . . إلخ، برهان الدِّين، إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر الفدي -كذا- المرشدي وعبد العزيز بن محمد المؤذن البغدادي وذا خطه، وصحَّ وثبت بدار الحديث الكاملية (١) من القاهرة، يوم الخميس ثامن عشر رمضان سنة أربعين وسبعماية، وصلى اللَّه على سيدنا محمد النَّبيِّ وآله وصحبه وسلم. ويستفاد من السماع أنه تم في دار الحديث الكاملية التي أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدّين محمله بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب سنة ٦٢٢ هـ = ١٢٢٥ م، وهي ثاني مدرسة عملت للحديث، ووقفها على المشتغلين بالحديث، وكانت بخط بين القصرين، وقد سمعها ثلاثة من العلماء، وسجل السماع بخط عبد العزيز بن محمد المؤذن البغدادي، وكان تاريخه قبل السماع المسجل على صفحة العنوان: ٢ - على الصفحة ١٨ ب ما يفيد قراءة الرسالة من قبل عبد العزيز بن محمد بن خلف النوري، وقد سمعها منه عبد الواحد بن سعيد الغازازي والشيخ محمد السمودي وكان ذلك بالمدرسة الصالحية بالقاهرة المعزية في ثامن عشر شهر المحرم الحرام، افتتاح شهور سنة ٧٤٣". وكتبه جعفر بن ثعلب بن جعفر بن علي بن مطهر بن وائل الأُدفوي، حامدًا للَّه ومصليًا على نبيه، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل. _________ (١) حول دار الحديث الكاملية، انظر، المقريزي: الخطط، ٢/ ٣٧٥، أحمد فكري: مساجد القاهرة ومدارسها، ٢/ ٥٥.

стр. 28

ويستفاد من السماع أن المؤلف قد أجاز لعبد العزيز النوري الرواية، وحضر القراءة بالتاريخ المشار إليه. وكذا على الصفحة نفسها ما يفيد نقلها من قبل يحيى الجعفري. كتب المخطوط بخط نسخ جميل وبالمداد الأسود والمداد الأحمر، وكانت العناوين مكتوبة بالمداد الأحمر، ويخط أكبر حجمًا، كما خُط بالمداد الأحمر تحت العبارات المهمة في الرسالة. عدد الأوراق: ١٨ ق. عدد الأسطر: ١٥ س. المقياس: ١٩.٧ × ١٤ سم. عدد الكلمات في السطر من (٧ - ١١) كلمة. ولم يذكر اسم الناسخ أو تاريخه، ويبدو أن النسخة قد رُوجعت من قبل أحدهم، وعليها تمليكات، وكذا وقف باسم السلطان الغازي محمود خان. وقبل أن أختم كلامي أتوجه بالشكر الجزيل إلى الأستاذ الدكتور خالد عبد الكريم جمعة الذي كان له فضل ظهور الكتاب ضمن مطبوعات مكتبة دار العروبة الغراء. وإلى الأستاذ محمود الأرناؤوط الذي تولى تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب. الكويت في ٢٧/ رجب/ ١٤٠٨ هـ الموافق ١٥/ مارس/ ١٩٨٨ م د. محمد عيسى صالحية * * *

стр. 29

كتاب نادر في نقد الصوفية الموفى بمعرفة التصوف والصوفي تأليف الإمام كمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثعلب الأدفوي المصري (٦٨٥ - ٧٤٨ هـ) حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور محمد عيسى صالحية مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع الكويت

стр. 30

الموفي بمعرفة التصوف والصوفي سَمِعَ جَميع هذا الكِتابِ مِنْ لَفْظِ مؤَلِّفهِ الشَّيْخِ الإِمام العَلَّامَةِ كَمالِ الدّينِ، أبي الفَضْل، جَعْفَرَ بنْ ثَعْلَب الشَّافِعِيّ الأُدْفَويِّ نَفَعَ اللَّهُ به، بحُضور سَيّدنا وشَيْخنا الأُستاذِ الإمامِ العَلّامَة وحَيد دَهْرهِ، وَفرَيد عَصْرِهِ، وَنَسيجِ وَحْدِهِ، أُعُجوَبة الزّمان، أَثير الدّين، أبي حيّان، مُحمّد بن عليّ بن يوسف بن حيَّان (١)، فسح اللَّه في مُدَّته صالحُ بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه الدّمشقيّ القَيْمرِي (٢)، وذا خطّه وصحّ ذلك، يَوْمَ الاثنين ثامن عشر صفر سنة إحدى وأربعين وسبعماية، بمنزلِ شَيْخِنِا أبي حيّان بالمدرسةِ الصالحيةِ (٣) بين _________ (١) انظر ترجمته في، ابن حجر: الدرر الكامنة، ٤/ ٣٠٢، المَقَّري: نفح الطيب، ١/ ٦٢٥، ابن خلدون: العبر، ٦/ ١٤٤، السيوطي: بغية الوعاة، ١٢١، ابن حزم: جمهرة الأنساب، ٤٦٤، الأدفوي: الطالع السعيد، المقدمة من (و - ي). (٢) قال ابن حجر: (هو أحد طلبة الحديث المكثرين، أعتنى بالطلب، ودار على الشيوخ من بعد سنة (٣٠) فأكثر بمصر والإسكندرية ودمشق، انظر "الدرر الكامنة" (١/ ٢٠٢) و"ذيل العبر" للحسيني ص (٢٧١). (٣) المدرسة الصالحية: بخط بين القصرين، بناها الملك نجم الدين أيوب، حيث ابتدأ في بنائها في ١٣ ذي الحجة سنة ٦٣٩ هـ، ورتب فيها دروس لفقهاء المذاهب الأربعة سنة ٦٤١ هـ، وذكر الأدفوي في الطالع السعيد في حوادث سنة ٧٢٤ هـ، أن أبا حيان كان يسكنها بتاريخ ١١ صفر سنة ٧٢٤ هـ، وقد ورد اسمها خطأ في الأصل، حيث ذكرها "الصلاحية"، انظر حولها، المقريزي: الخطط، ٢/ ٣٤٧، السيوطي: حسن =

стр. 31

القَصْرَيْن بالقاهِرةِ المَحْروسَة، وأجازا لي جَميعَ ما يَجوزُ لهما رِوايَتُهُ، والحمدُ اللَّه ربِّ العالمين وصلّى على سيّدنا محمّدٍ وسلّمَ. * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ للَّه العالم بما تُكنُّه الضمائرُ، المُطّلعِ على ما تُبْديهِ الألسنَةُ وما تُخْفيهِ السرائرُ، المُنعم بتنوّعِ الطاعات، ليأتيَ كلُّ أمْرٍ منها بما هوَ عليهِ قادرٌ، فَمنْ فاتَهُ نوعٌ منها، فهو على نَوْعٍ آخرَ مُثابر. بَعَثَ مُحمدًا من أكرمِ القبائلِ وأشرفِ العناصرِ، وجَعَلَهُ مُقدّمًا في الفضل وإن كانَ وجُوْدُهُ في الزمن الآخر، وخصّه بأصحابٍ هم كالنجومِ الزّواهرِ، صَفّوَة الخَلْقِ، والقائِمونَ بالحقِّ فعليهم تُعْقدُ الخناصرُ، فهمْ أهلُ الصفاءِ، وأربابُ الوفاء، وأكابرُ السّادات، وساداتُ الأكابر، فصلّى اللَّهُ عليه وعلى آلهِ وصحبه، صلاةً يَحْصُلُ بها الأَجرُ الجزيلُ الوافرُ، وتكسو بأحْسَنِ الملابسِ وأفخرِ المفاخر. وَبَعْدُ: فإنهُ وَقعَ البحثُ في اسم التَصوُّفِ وحقيقةِ الصوفيِّ، ومَنْ يَسْتَحقُّ رَيْعَ ما وُقِفَ أو وُصّي به للصوفية فهذِهِ ثلاثةُ مطالب. المطلب الأول: التَّصَوُّف: وهو عبارةٌ عن قصدِ طريقِ طائفةٍ مخصوصةٍ سُمُّوا بالصُّوفيَّة، يُتَلَبَّسُ بها فَقيلَ فيه: إنه من باب تَفَّعُّل، إذا دخَلَ في الفِعْلِ كَقَولِكَ: تَقَّمَصَ، إذا لبِسَ القميصَ. قالَ الإِمامُ الأُستاذُ أبو القاسم، عبدُ الكَريمِ بنُ هَوَازن القُشَيرْي (١)

стр. 32

-المُتَوصّلُ إلى طريقهم-: "يُقالُ له مُتَصوّف، والجَمَاعةُ مُتَصَوِّفة" (١). قال: وليس لهذا الاسمِ من جهةِ العَرَبِيَّة قياسٌ ولا اشتقاق، ولا ظهرَ فيه أثرٌ، فهو لَقَبٌ (٢). فهذا الكلام عليه من حيث الوَضْعُ العُرْفيُّ، المصطلحُ عليه. وأمَّا أقْوالُ الناسِ في ذلِكَ، فَفيهِ مقالات: قال أبو عثمان، سَعيدُ بنُ إسماعيلَ (٣) -أحدُ أكابرِ هذِهِ الطّائفةِ-: التَصَوُّفُ: الصُّحْبةُ مع اللَّه بحُسن الأدّبِ ودَوَام الهَيْبَبةِ والمُراقَبةِ، والصُّحْبَة مع رسول اللَّه باتَّباعِ سُنَّته ولُزومِ ظاهِرِ العِلْمِ (٤)

стр. 33

وقال أبو الحُسين، أحمْدُ بن مُحمدٍ النُّوري (١) -شيَخُ الطَّريقةِ-: التَّصوَّفُ تَرْكُ كلِّ حَظ للنَّفْسِ (٢): وقال أبو عَمْرو إسماعيل بن نُجيد (٣): التّصوف، الصّبر تحت الأَمْرِ والنَّهي (٤). وقال أبو محمدَ الجُريْري (٥): التَّصَوّفُ، الدّخولُ في كلّ خلقٍ سَنِيّ والخُروجُ من كُلِّ خُلقٍ دنيّ (٦).

стр. 34

وقال محمد بنُ علي (١) -أحَدُ المشايخِ-: التَّصوُّف أخلاقٌ كَريمةٌ (٢). وقال أستاذُ الطائفةِ الجُنَيْدُ بنُ محمدٍ الفَقَيه (٣): التصَوّفُ ذِكرٌ معَ اجتماعٍ، وَوَجْدُ مع اسْتماعٍ، وعَمَلٌ مع أتَّباعٍ (٤). المطلب الثاني: في حقيقةِ الصُّوفيِّ ، والكلامِ فيه في مَقامَين: أحدُهما: في النِّسبةِ. والثاني: في بَيانِ من تَصْدُقُ عَلَيْهِ النِّسبَةُ. المقام الأول: النِّسبةُ . قَالَ الأستاذُ القُشَيْريُّ: كانَ الناسُ بَعْدَ النبيِّ يُسَمَّوْنَ بالصحَّابَةِ؛ إذْ لا فَضيلةَ فَوْقَها، ثم من أدْرَك الصحَّابَةَ يُسمَّوْن تابِعين، ثم أتباعُ التَّابعين، ثم

стр. 35

اخَتَلفَ الناسُ وتَبايَنَت المراتِبُ، فسُمِّي خواصُّ الناسِ مِمَنْ لهم شِدَّةُ عنايةٍ بأَمرِ الدِّين، الزُّهادَ والعُبَّادَ. ثم ظهرت البِدَعُ وحَصَلَ التَّداعِي بَيْنَ الفِرَق، فَانْفردَ خَواصُّ أهَلِ السُّنَّة، المُراعونَ أنفسهُمْ مع اللَّه، الحافِظونَ قُلوبهم من طَوارقِ الغَفْلَةِ باسمِ التَّصوُّفِ. قال: واشْتُهِرَ هذا الاسم لهم قَبْلَ المئتين مِنَ الهجرة (١). قَالَ: وكان أحمدُ بنُ حَنْبلٍ ﵀ يقولُ لأبي حَمْزَةَ البَزّاز البَغْدادِي (٢): ما تَقَولُ في هذه المسألَةِ يا صُوفيّ. وكانَ فقيهًا عالمًا بالقراءات (٣). ثمّ اختَلَف النّاسُ في أنّ هذه نِسبةٌ إلى ماذا؟ فقالَ بَعْضُهمُ: نسبةً إلى الصَّفاء، لمّا صَفَتْ قُلوبُهُم، وتَنَقّتْ مِن الكدوراتِ جُعلَتْ لَهمْ هذه النِسبةُ (٤). قَالَ القُشَيْريُّ: وهذا بَعيدٌ من جهةِ اللُّغةِ. وَكَأَنَّهُ استَبْعَدَ من حيث أَنَّ النّسبَة إلى الصّفاء، صَفَويٌّ، ولكن يجوزُ أنْ يكونَ أصْلُهُ صَفويًّا، ثم حَصَلَ التَّغْييرُ من مُتداوِلي اللَّفْظِ.

стр. 36

وقَالَ بَعْضُهُم: نِسبَةٌ إلى الصُّفَّة، وذلكَ أنّهُم كانوا مُجرّدينَ من الحُظوظِ الدّنيويَّةِ، شابَهوا في حالِهمْ حالَ أهل الصُّفَّةِ (١)، فَحَصلَت لهم هذه النّسبةُ. واعتُرِضَ على هذا بأنّ النّسبة إلى الصُّفَّة، صَفِّيّ لا صوفيّ، ويُجابُ عنه بما أُجِيبَ به عن الأوَّل (٢). وَقَالَ بَعْضُهم: نِسبةٌ إلى الصَّف، فَكأنهم بما تَعاطوه من الحِرْصِ على الفضلِ والأعْمالِ المُقرِّبة وَطَلب التَّقَدُمِ إلى رضوان اللَّه ويعترض بما أعتُرِض وَيجابُ بِمِثِل ما أُجِيِبَ بِهِ (٣).

стр. 37

وَقَال بعَضُهُم: نِسْبةٌ إلى لِبْسِ الصوّف (١)، وهذا صحَيحٌ من حَيْثُ اللَّغَة، وَاعْتَرَضَ القُشَّيريُّ عَلَيه، بأنَّ القَوْمَ لم يَخَتصُّوا بِلِبس الصّوفِ. وَيُجابُ بأنّهُ الغالِب عَلَى مَنْ طلبَ خُشَونَةَ العَيْشِ والتَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا. والتَّقَشفِ فيها. من تركَ الناعمَ من الثيابِ، ويَقنَعُ بالخَشِن منها. ولبس الصوفِ والقطنِ غالبٌ في هذه الحالةِ. والصوفُ أغلبُ لعمومِ وجودهِ، وخشونتُه أكثر من خشونةِ القطنِ. وفي الحديث الصحيح من حديث أَبي بردة، قالَ: أخرجتْ لنا عائشةُ كساءً غليظًا وإزارًا غليظًا، فقالت: قُبِضَ [رُوْحُ] رسولُ اللَّه في هذين (٢). وأَخرجَ الترمذيّ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ عن النبيّ قالَ: "كانَ على موسى يومَ كلَّمه ربَّه كساءُ صوفٍ وجبة صوفٍ، وكمةُ صوفٍ وسراويلُ صوفٍ (٣) ولذلك أيضًا منْ يأخذُ نفسَه بالإِعراض عن الأمور الدنيوية من الأمم الماضية، يتَّصفون بلبسِ الصُّوفِ كالرهبانِ وأشباههم حتّى لا يكادوا ينفَكُّونَ عنه. وقالَ بعضهم: هو نسبةٌ إلى المصافَاةِ. قال الشاعرُ: صافَي فَصُوفِيَ حتى لُقِّبَ الصوفي (٤).

стр. 38

فهو مصافٍ لمولاه بالخدمة والامتثالِ والإِقبالِ على ما يُرضيهِ، والإِعراض عن ما سواه، ومصافٍ للخلقِ باطِّراحِ ما في أيديهم، وتركِ الالتفاتِ إلى ما هو محبوب عندهُم، فهوَ مصافٍ لهم، وهم مصافُونَ لَه، وهذا كما قيلَ في عصفورةِ الجنّة (١). إنّها لمّا اجتَنبت بُرَّهم اجتَلَبَت بِرَّهم، أَو اجتنبَت حَبَّهم فاجتلبَت حُبَّهُم. وكذلك لمّا صافُوا الخَلقَ بتركِ ما في أيديهِمْ وعدم مزاحمتِهِمْ في أغراضهم وأعراضهم صافُوهم بمحبَّتِهِم وإجلالهم وتعظيمهم وإكرامِهِمْ. وقيلَ، نسبةً إلى صوفانة، وهي بقلةٌ تنبت بالصَّحراءِ، فنُسبُوا إليها لأنهم اجتزأُوا باليَسيرِ وبما يُلتفَتُ إليه، قانعينَ ببقلة مُجتزِئين بِها (٢). وقيل: نسبةً إلى صوفَة، وهي قبيلةٌ كانت تجيرُ الحاجّ في الدّهرِ الأولِ، يُقالُ: أَجيري صوفَةَ (٣)، فكانُوا ساداتِ النّاس ومنقذِيهِمْ، والمقتدى

стр. 39

بِهم، فلمَّا حصلَتْ لهذهِ الطائفةِ هذه الرُّتْبَةُ، نُسبُوا إلى تلكَ القبيلةِ لمشاركتِهِمْ في التّقدُّمِ والاقتداءِ بفعلِهِمْ، ذكرَه أبُو نُعَيمٍ وغيرُه. المقام الثاني: في بيان من ينطلق عليه هذه النسبة . وهي تطلقُ باعتبارَيْن: أحدُهما، العرفُ، في لسانِ أهلِ الطريقةِ الأقدَمِينَ, الثاني، في العرفِ الخَاصُ في زمانِنا وما يقرُبُ منْهُ فأمّا الأقدَمُون، فاختلَفتْ عباراتُهم في ذلك، والمعنى واحدٌ أو متقارِبٌ. سُئلَ النُّوري عن الصُّوفي، فقالَ: من سمعَ السَّماعَ وآثَرَ تَرْكَ الأسبابِ. وسُئل ابنُ الجلَّاءِ (١) عنهُ، فقالَ: لا نعرِفُهُ في شرطِ العِلْمِ، ولكنَّهُ فَقِيرٌ مجرَّدٌ من الأَسبابِ، وكانَ مع اللَّه بِلَا مَكان" (٢).

стр. 40

وقال شيخُ دهرِه وفريدُ عصره، أبو الحسن ابنُ الصَّبّاغِ القُوصيّ؛ الصُّوفي (١)؛ الذي يُقيِلُ العثْرةَ، ويستُرُ الزلَّةَ ويسُدُّ الخلَّة (٢). وذكر أبو محمد، عبدُ اللَّطيف، بنُ أبي طاهر الترسي البغدادي المعروف بالمُطَجِّن (٣) في كتابه "الدليل في الطريق"؛ أنَّه سألَ جَماعةً منْ أهلِ العِلْم والتصوُّف عنِ الصُّوفي، فذَكَرَ كلٌّ منْهُم مقالًا. قالَ الشيخُ أحمدُ الرِّفَاعي (٤) -وكانَ فَقِيهًا شافِعيَّ المذْهبِ-: مَنْ وفَّى جميعَ المَطْلُوباتِ وَصَفِيَ مِنْ جميعِ الكَدَراتِ.
следующие страницы →