← Акыда

Акыда · id 9700

شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن ناصبيا

سليمان الخراشي

Полный текст (172 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويعطون كل ذي حق حقه) . الموضع التاسع: قال شيخ الإسلام: (قالوا ومعاوية أيضاً كان خيراً من كثير ممن استنابه علي، فلم يكن يستحق أن يعزل ويولى من هو دونه في السياسة، فإن علياً استناب زياد بن أبيه، وقد أشاروا على علي بتولية معاوية. قالوا: يا أمير المؤمنين توليه شهراً واعزله دهراً. ولا ريب أن هذا كان هو المصلحة، إما لا ستحقاقه وإما لتأليفه واستعطافه، فقد كان رسول الله ﷺ أفضل من علي، وولى أبا سفيان، ومعاوية خير منه، فولى من هو خير من علي من هو دون معاوية. فإذا قيل: إن علياً كان مجتهداً في ذلك. قيل: وعثمان كان مجتهداً فيما فعل. وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال، من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض، حتى ذل المؤمنين وعجزوا عن مقاومة الكفار، حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم؟ ولا ريب أنه لو لم يكن قتال، بل كان معاوية مقيماً على سياسة رعيته، وعلي مقيماً على سياسة رعيته، لم يكن في ذلك من الشر أعظم مما حصل بالاقتتال، فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام، بل سفكت الدماء، وقويت العداوة والبغضاء، وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق، وهي طائفة علي،

стр. 107

وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تطلبه ابتداء. ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته، يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه، وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة، بل كان ألامر مع عدم القتال خيراً وأصلح منه بعد التقال، وكان علي وعسكره أكثر وأقوى، ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته، فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفوراً لصاحبه، فاجتهاد عثمان أن يكون مغفوراً أولى وأحرى. وأما معاوية وأعوانه فيقولون: إنما قاتلنا علياً قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا، فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه. فإذا قيل لهم: هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين. قالوا ما نعلم أنه إمام تجب طاعته، لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص، ولم يبلغنا عن النبي ﷺ نص بإمامته ووجوب طاعته. ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر، فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق، فإن هذا قد كتم وأخفى في زمن أبي بكر وأصحابه مثل ذلك لو كان حقا، فكيف إذا كان باطلاً؟)

стр. 108

تعليق في هذا الموضع يمارس الشيخ ﵀ موهبته في ضرب شبهات الروافض بشبهات النواصب لتسقط الشبهتان ويبقي منهج أهل السنة المعتدل. فهو يحرج الرافضة بأن جميع ما يقولونه في عثمان أو معاوية هو لازم لعلي، لا مناص من ذلك. وكما سبق: ليس هذا من قبيل التنقص، ولكن من قبيل إسقاط شبهات الطرفين، ليبقى أهل الوسط وهم أهل السنة ظاهرين. الموضع العاشر: قال شيخ الإسلام: (ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء المسلمين، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله لعى رياسته. وقد النبي ﷺ : " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " وقال: " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " فيكون علي كافراً لذلك - لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم، لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة. وأيضاً فيقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد. وهذا حال فرعون. والله تعالى يقول: (تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في

стр. 109

الأرض ولا فسادا والعقبة للمتقين) ، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ولمانعي الزكاة، فإن الصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله، لا على طاعته. فإن الزكاة فرض عليهم، فقاتلهم على الإقرار بها، وعلى أدائها، بخلاف من قاتل ليطاع هو) . (وفي الجملة فالذين قاتلهم الصديق ﵁ كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله ﷺ والإقرار بما جاء به، فلهذا كانوا مرتدين، بخلاف من أقر بذلك ولكن امتنع عن طاعة شخص معين كمعاوية وأهل الشام، فإن هؤلاء كانوا مقرين بجميع ما جاء به الرسول ﷺ : يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وقالوا: نحن نقوم بالواجبات من غير دخول في طاعة علي ﵁، لما علينا في ذلك من الضرر، فأين هؤلاء من هؤلاء؟) تعليق هذا الموضع - أيضاً - هو من قبيل التضييق على الروافض وأنهم إن طعنوا في أبي بكر ﵁ بشبهات لا غية فسيوجد غيرهم من النواصب ممن يطعن في علي ﵁ بشبهات أخرى لا غية، فمهما ألصقوا بأبي بكر تهمة من التهم فسيندرج ذلك على علي أيضاً ولن يستطيعوا أن يدفعوا ذلك عنه

стр. 110

إلا بأن يدفعوا شبهاتهم عن أبي بكر، فهم في حرج وضيق يرتدعون معه عن التعرض لصحابة رسول الله ﷺ أدنى تعرض. الموضع الحادي عشر: قال شيخ الإسلام: (اجتماع الناس على مبايعة أبي بكر كانت على قولكم أكمل، وأنتم وغيركم تقولون: إن علياً تخلف عنها مدة. فيلزم على قولكم أن يكون علي مستكبراً عن طاعة الله في نصب أبي بكر عليه إماماً، فيلزم حينئذ كفر علي بمقتضى حجتكم، أو بطلانها في نفسها. وكفر علي باطل، فلزم بطلانها) تعليق الروافض يزعمون أن معاوية ﵁ قد استكبر عن طاعة علي ﵁، فلهذا هو شر من إبليس الذي استكبر على آدم فيجيبهم شيخ الإسلام دافعاً هذه الفرية عن معاوية بأن هذا يلزم علياً كما يلزم معاوية، فإن علياً قد تأخر عن مبايعة أبي بكر بالخلافة عدة أشهر فيلزم من هذا على قولكم أنه قد استكبر عن طاعته فيلزم من ذلك اللوازم الشنيعة التي ألزمتم بها معاوية. فإذا لم تلتزموا ذلك، فالحجة من أصلها باطلة، فإذا بطلت في حق علي فهي باطلة في حق معاوية سواء بسواء؟ فهذا الموضع يبين موهبة شيخ الإسلام في إفحام الخصوم

стр. 111

وإحراجهم بالحجة المنعكسة التي تجعلهم يقولون: اللهم سلم، سلم؟ الموضع الثاني عشر: قال شيخ الإسلام: (إن الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر أكثر وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي، والأحاديث التي ذكره هذا وذكر أنها في الصحيح عند الجمهور، وأنهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم، هو من أبين الكذب على علماء الجمهور، فإن هذه الأحاديث التي ذكرها أكثرها كذب أو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدل على إمامة علي ولا على فضيلته على أبي بكر وعمر، بل وليست من خصائصه، بل هي فضائل شاركه فيها غيره، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر، فإن كثير منها خصائص لهما، لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص لم يشركه فيها غيره. وأما ما ذكره من المطاعن، فلا يمكن أن يوجه على الخلفاء الثلاثه من مطعن إلا وجه على علي ما هو مثله أو أعظم منه. فتبين أن ما ذكره في هذا الوجه من أعظم الباطل، ونحن نبين ذلك تفصيلاً. وأما قوله: " إنهم جعلوه إماماً لهم حيث نزهه المخالف والموافق، وتركوا غيره حيث روى فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته "

стр. 112

فيقال: هذا كذب بين، فإن علياً ﵁ لم ينزهه المخالفون، بل القادحون في علي طوائف متعددة، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه، فإن الخوارج متفقون على كفره، وهم عند المسلمين كلهم خير من الغلاة الذين يعتقدون إلاهيته أو نبوته، بل هم - والذين قاتلوه من الصحابة والتابعين - خير عند جماهير المسلمين من الرافضة الإثنى عشرية، الذين اعتقدوه إماماً معصوماً. وأبو بكر وعمر وعثمان ليس في الأمة من يقدح فيهم إلا الرافضة، والخوارج المكفرون لعلي يوالون أبا بكر وعمر ويترضون عنهما، والمروانية الذين ينسبون علياً إلى الظلم، ويقولون: إنه لم يكن خليفة يوالون أبا بكر وعمر مع أنهما ليسا من أقاربهم ن فكيف يقال مع هذا: إن علياً نزهه المؤالف والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة؟ ومن المعلوم أن المنزهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل، وأن القادحين في علي حتى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة، وهم أعلم من الرافضة وأدين، والرافضة عاجزون معهم علماً ويداً، فلا يمكن الرافضة أن تقيم عليهم حجة تقطعهم بها، ولا كانوا معهم في القتال منصورين عليهم. والذين قدحوا في علي ﵁ وجعلوه كافراً وظالماً ليس فيهم طائفة معروفة بالردة عن الإسلام، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة، كالغالية الذين يدعون إلهيته من

стр. 113

النصيرية وغيرهم، وكالإسماعيلية الملاحدة الذين هم شر من النصيرية، وكالغالية الذين يدعون نبوته، فإن هؤلاء مرتدون كفرهم بالله ورسوله ظاهر لا يخفى على عالم بدين الإسلام، فمن اعتقد في بشر الإلهية، أو اعتقد بعد محمد ﷺ نبياً، أو أنه لم يكن نبياً بل كان علي هو النبي دونه وإنما غلط جبريل، فهذه المقالات ونحوها مما يظهر كفر أهلها لمن يعرف الإسلام أدنى معرفة. بخلاف من يكفر علياً ويلعنه من الخوارج، وممن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم، فإن هؤلاء كانوا مقرين بالإسلام وشرائعه: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحجون البيت العتيق، ويحرمون ما حرم الله ورسوله، وليس فيهم كفر ظاهر، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم معظمة عندهم، وهذا أمر يعرفه كل من عرف أحوال الإسلام، فكيف يدعى مع هذا أن جميع المخالفين نزهوه دون الثلاثة؟ بل إذا اعتبر الذين كانوا يبغضونه ويوالون عثمان والذين كانوا يبغضون عثمان ويحبون علياً، وجد هؤلاء خيراً من أولئك من وجوه متعددة، فالمنزهون لعثمان القادحون في علي أعظم وأدين وأفضل من المنزهين لعلي القادحين في عثمان كالزيدية مثلاً. فمعلوم أن الذين قاتلوه ولعنوه وذموه من الصحابة والتابعين

стр. 114

وغيرهم هم أعلم وأدين من الذين يتولونه ويلعنون عثمان، ولو تخلى أهل السنة عن موالاة علي ﵁ وتحقيق إيمانه ووجوب موالاته، لم يكن في المتولين له من يقدر أن يقاوم المبغضين له من الخوارج والأموية والمروانية، فإن هؤلاء طوائف كثيرة) تعليق في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على مقولة الرافضي بأن علياً قد نزهه المؤالف والمخالف بخلاف الخلفاء الراشدين الثلاثة، فبين ﵀ أن علياً قد خالفه أقوام وظعنوا فيه ولم يتفقوا عليه كما يزعم الرافضي. ثم عقد مقارنة بين الذين غلوا فيه وبين الذين طعنوا فيه ووضح أن الأخرين أفضل من ألأولين فمتابعتهم وتصديق شبهاتهم أولى من متابعة وتصديق الروافض، ولكن الله نزه أهل السنة وحماها من سلوك مسلك الطائفتين، فحفظت لعلي حقه وعرفت فضله، فلم تغل فيه أو تجف عنه. وتأمل - أخي القارئ - ما خط بالأسود في نهاية الموضع تجد أن شيخ الإسلام - بذكائه الواسع - قد أخبرنا بأن أهل السنة هم المدافعون حقاً عن علي ﵁ أمام أعدائه، بخلاف الروافض الذين سيعجزون عن مقاومة النواصب الشانئين له، لأنه

стр. 115

ما من مطعن للروافض على الخلفاء الثلاثة إلا واللنواصب أشد مه وأعظم في علي. أما أهل السنة فإنهم يترضون عن الجميع ويتعاملون كما أمر الله ورسوله ﷺ . الموضع الثالث عشر قال شيخ الإسلام: عن علي ﵁: (وتشبيهه بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر وعمر: هذا بإبراهيم وعيسى، وهذا بنوح وموسى، فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة. وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص، ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص. وكذلك قوله: " لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال: فتطاولنا، فقال: ادعوا لي علياً، فأتاه وبه رمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله على يديه" وهذا الحديث أصح ما روي لعلي من الفضائل، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه. وليس هذا الوصف مختصاً بالأئمة ولا بعلي، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي، وكل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين يتبرؤون منه ولا يتولونه ولا يحبونه، بل قد يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، فإن النبي ﷺ شهد له بأنه يحب الله ورسوله

стр. 116

ويحبه الله ورسوله. لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك، لكن هذا باطل، فإن الله ورسوله لا يطلق هذا المدح على من يعلم أنه يموت كافراً) (وكذلك حديث المباهلة شركه فيه فاطمة وحسن وحسين، كما شركوه في حديث الكساء، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال ولا بالذكور ولا بالأئمة، بل يشركه فيه المرأة والصبي، فإن الحسن والحسين كانا صغيرين عند المباهلة، فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران بعد فتح مكة سنة ستع أو عشر، والنبي ﷺ مات ولم يكمل الحسين سبع سنين، والحسن أكبر منه بنحو سنة، وإنما دعا هؤلاء لأنه أمر أن يدعو كل واحد من الأقربين: والنساء والأنفس، فيدعو الواحد من أولئك: أبناؤه ونساءه، وأخص الرجال به نسباً. وهؤلاء أقرب الناس إلى النبي ﷺ نسباً، وإن كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه، لأن المقصود أن يدعو كل واحد منهم أخص الناس به، لما في جبلة الإنسان من الخوف عليه وعلى ذوي رحمه الأقربين إليه، ولهذا خصهم في حديث الكساء. والدعاء لهم والمباهلة مبناها على العدل، فأولئك أيضاً يحتاجون أن يدعوا أقرب الناس إليهم نسبهم، وهم يخافون عليهم

стр. 117

مالا يخافون على الأجانب، ولهذا امتنعوا عن المباهلة، لعلمهم بأنه على الحق، وأنهم إذا باهلوه حقت عليهم بهلة الله وعلى الأقربين إليهم، بل قد يحذر الإنسان على ولده مالا يحذره على نفسه. فإن قيل: فإذا كان ما صح م فضائل علي ﵁، كقوله ﷺ : " لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله "، وقوله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى "، وقوله: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً " ليس من خصائصه، بل له فيه شركاء، فلماذا تمنى بعض الصحابة أن يكون له ذلك، كما روى عن سعد وعن عمر؟ فالجواب: أن في ذلك شهادة النبي ﷺ لعلي بإيمانه باطناً وظاهراً، وإثباتاً لموالاته لله ورسوله ووجوب موالاة المؤمنين له. وفي ذلك رد على النواصب الذين يعتقدون كفره أو فسقه، كالخوارج المارقين الذين كانوا من أعبد الناس، كما قال النبي ﷺ فيهم: " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم " وهؤلاء يكفرونه ويستحلون قتله، ولهذا قتله واحد منهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، مع كونه كان من أعبد الناس. وأهل العلم والسنة يحتاجون إلى إثبات إيمان علي وعدله

стр. 118

ودينه للرد على هؤلاء، أعظم مما يحتاجون إلى مناظرة الشيعة، فإن هؤلاء أصدق وأدين، والشبه التي يحتجون بها أعظم من الشبه التي تحتج بها الشيعة، كما أن المسلمين يحتاجون في أمر المسيح صلوات الله وسلامه عليه إلى مناظرة اليهود والنصارى، فيحتاجون أن ينفوا عنه ما يرميه به اليهود من أنه كاذب ولد زنا، وإلى ما تدعيه النصارى من الإلهية، وجدل اليهود أشد من جدل النصارى، ولهم شبه لا يقدر النصارى أن يجيبوهم عنها، وإنما يجيبهم عنها المسلمون، كما أن للنواصب شبهاً لا يمكن الشيعة أن يجيبوا عنها، وإنما يجيبهم عنها أهل السنة. فهذه الأحاديث الصحيحة المثبتة لإيمان علي باطناً وظاهراً رد على هؤلاء، وإن لم يكن ذلك من خصائصه، كالنصوص الدالة على إيمان أهل بدر وبيعة الرضوان باطناً وظاهراً، فإن فيها ردا على من ينازع في ذلك من الروافض والخوارج، وإن لم يكن ما يستدل به من خصائص واحد منهم، وإذا شهد النبي ﷺ لمعين بشهادة، أو دعا له بدعاء، أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة ومثل ذلك الدعاء، وإن كان النبي ﷺ يشهد بذلك لخلق كثير ويدعو به لخلق كثير، وكان تعيينه لذلك المعين من أعظم فضائله ومناقبه) .

стр. 119

تعليق في هذا الموضع يبين شيخ الإسلام قضية سبق توضيحها في المقدمة وهي أن الفضائل الثابتة لعلي ﵁ هي فضائل مشتركة بينه وبين غيره ولم ينفرد بشئ منها، وفي هذا رد على الروافض الذين سيستغلون مثل هذه الفضائل في ادعاء عصمته أو أحقيته بالخلافة أو نحو ذلك من الغلو. ثم وضح ﵀ أن هذه الفضائل الثابتة له فيها أعظم الرد على النواصب الذين يبغضونه، فهي سلاح بيد أهل السنة يقطعون به شبهاتهم. ففي فضائله الثابتة رد على الطائفتين الخائبتين: رد على الروافض لأنها مشتركة ورد على النواصب لأنها ثابتة. وتقرير الحقائق ليس فيه أي تنقص لعلي ﵁. الموضع الرابع عشر: قال شيخ الإسلام: (استعانة علي برعيته وحاجته إليهم كانت أكثر من استعانة أبي بكر، وكان تقويم أبي بكر لرعيته وطاعتهم له أعظم من تقويم علي لرعيته وطاعتهم له. فإن أبا بكر كانوا إذا نازعوه أقام عليهم الحجة حتى يرجعوا إليه، كما أقام الحجة على عمر في قتال مانعي الزكاة وغير ذلك. وكانوا إذا أمرهم أطاعوه. وعلي ﵁ لما ذكر قوله في أمهات الأولاد وأنه اتفق رأيه ورأي عمر على أن لا يبعن، ثم رأى أن يبعن، فقال له قاضيه عبيدة

стр. 120

السلماني: رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة. وكان يقول: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف، حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. وكانت رعيته كثيرة المعصية له، وكانوا يشيرون عليه بالرأي الذي يخالفهم فيه، ثم يتبين له أن الصواب كان معهم. كما أشار عليه الحسن بأمور، مثل أن لا يخرج من المدينة دون المبايعة، وأن لا يخرج إلى الكوفة، وأن لا يقاتل بصفين، وأشار عليه أن لا يعزل معاوية، وغير ذلك من الأمور. وفي الجملة فلا يشك عاقل أن السياسة انتظمت لأبي بكر وعمر وعثمان ما لم تنظم لعلي ﵃. فإن كان هذا لكمال المتولي وكمال الرعية، وكانوا هم ورعيتهم أفضل. وإن كان لكمال المتولي وحده، فهو أبلغ في فضلهم. وإن كان ذلك لفرط نقص رعيه علي، كان رعية علي أنقص من رعية أبي بكر ﵁ وعمر وعثمان. ورعيته هم الذين قاتلوا معه، وأقروا بإمامته. ورعية الثلاثة كانوا مقرين بإمامتهم. فإذا كان المقرون بإمامة الثلاثة أفضل من المقرين بإمامة علي، لزم أن يكون كل واحد من الثلاثة أفضل منه. وأيضاً فقد انتظمت السياسة لمعاوية ما لم تنظم لعلي،

стр. 121

فيلزم أن تكون رعية معاوية خيراً من رعية علي، ورعية معاوية شيعة عثمان، وفيهم النواصب المبغضون لعلي، فتكون شيعة عثمان والنواصب أفضل من شيعة علي، فيلزم على كل تقدير: إما أن يكون الثلاثة أفضل من علي:، وإما أن تكون شيعة عثمان والنواصب أفضل من شيعة علي والروافض. وأيهما كان لزم فساد مذهب الرافضة، فإنهم يدعون أن علياً أكمل من الثلاثة، وأن شيعته الذين قاتلوا معه أفضل من الذين بايعوا الثلاثة، فضلاً عن أصحاب معاوية. والمعلوم باتفاق الناس أن الأمر انتظم للثلاثة ولمعاوية ما لم ينتظم لعلي. فكيف يكون الإمام الكامل والرعية الكاملة - على رأيهم - أعظم اضطراباً وأقل انتظاماً من الإمام الناقص والرعية الناقصة؟ بل من الكافرة والفاسقة على رأيهم؟ ولم يكن في أصحاب على من العلم والدين والشجاعة والكرم، إلا ما هو دون ما في رعية الثلاثة. فلم يكونوا أصلح في الدنيا ولا في الدين. ومع هذا فلم يكن للشيعة إمام ذو سلطان معصوم بزعمهم أعظم من علي ن فإذا لم يستقيموا معه كانوا أن لا يستقيموا مع هو دونه أولى وأحرى. فعلم أنهم شر وأنقص من غيرهم)

стр. 122

تعليق في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على طعن الرافضي في أبي بكر بأنه قد احتاج إلى رعيته في قوله: " إن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني " قال الرافضي: (وكيف يجوز إمامة من يستعين بالرعية على تقويمه، مع أن الرعية تحتاج إليه؟) فأجابه الشيخ بما سبق، وهو أن استعانة علي برعيته أكثر من استعانة أبي بكر، فإذا لم تجز إمامة أبي بكر بزعمكم، لم تجز إمامة علي. ثم بين عكس هذا الذي يزعمه الرافضي من خلال الواقع التاريخي، فقرر أن خلافة أبي بكر بل عمر وعثمان ومعاوية كانت السياسة فيها منتظمة أكثر مما انتظمت في عهد علي، فإذا لم تجز إمامتهم وهم كذلك، فإمامة علي غير جائزة على قولكم. وتقرير الحقائق الثابتة للرد على الغلاة ليس فيه أي تنقص من علي ﵁ كما سبق. الموضع الخامس عشر: (قال الرافضي: " وأحرق الفجاءة السلمي بالنار، وقد نهى النبي ﷺ عن الإحراق بالنار ") فقال شيخ الإسلام: (الجواب: أن الإحراق بالنار عن علي

стр. 123

أشهر وأظهر منه عن أبي بكر وأنه قد ثبت في الصحيح أن علياً أتى بقوم زنادقة من غلاة الشيعة، فحرقهم بالنار، فبلغ ذلك أبن عباس ن فقال لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، لنهي النبي صلى لله عليه وسلم أن يعذب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم، لقول النبي ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه:. فبلغ ذلك علياً، فقال: ويح ابن أم الفضل ما أسقطه على الهنات. فعلي حرق جماعة بالنار. فإن كان ما فعله أبو بكر منكراً، ففعل علي أنكر منه، وإن كان فعل علي مما لا ينكر مثله على الأئمة، فأبوبكر أولى أن لا ينكر عليه) تعليق في هذا الموضع - وقد مر مثله كثير - يقلب شيخ الإسلام شبهة الروافض على رؤؤسهم ليجعلهم يطلبون النجاة من هذا المأزق الذي ورطوا به أنفسهم بجهلهم. ولم يكذب شيخ الإسلام على علي في هذا الموضع وإنما أبرز للروافض هذه الحادثة الثابتة ليفحمهم بها، وهي اجتهاد من إمام المسلمين في زمانه علي بن أبي طالب ﵁ لا يذم بفعله.

стр. 124

الموضع السادس عشر: قال الرافضي طاعناً في أبي بكر ﵁: (وأهمل حدود الله فلم يقتص من خالد بن الوليد ولا حده حيث قتل مالك بن نويرة، وكان مسلماً، وتزوج امرأته في ليلة قتله وضاجعها، وأشار عليه عمر بقتله فلم يفعل) قال شيخ الإسلام: (والجواب: أن يقال: أولاً إن كان ترك قتل قاتل المعصوم مما ينكر على الأئمة، كان هذا من أعظم حجة شيعة عثمان على علي، فإن عثمان خير من ملء الأرض من مثل مالك بن نويرة، وهو خليفة المسلمين، وقد قتل مظلوماً شيهداً بلا تأويل مسوغ لقتله، وعلي لم يقتل قتلته، وكان هذا من أعظم ما امتنعت به شيعة عثمان عن مبايعة علي، فإن كان علي له عذر شرعي في ترك قتل قتلة عثمان، فعذر أبي بكر في ترك قتل قاتل مالك بن نويرة أقوى، وإن لم يكن لأبي بكر عذر في ذلك فعلي أولى أن لا يكون له عذر في ترك قتل قتلة عثمان. وأما ما تفعله الرافضة من الإنكار على أبي بكر في هذه القضية الصغيرة، وترك إنكار ما هو أعظم منها على علي، فهذا من فرط جهلهم وتناقضهم. وكذلك إنكارهم على عثمان كون لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، هو من هذا الباب. وإذا قال القائل: علي كان معذوراً في ترك قتل قتلة عثمان،

стр. 125

لأن شروط الاستيفاء لم توجد: إما لعدم العلم بأعيان القتلة، وإما لعجزه عن القوم لكونهم ذوي شوكة، ونحو ذلك. قيل: فشروط الاستيفاء لم توجد في قتل قاتل مالك بن نويرة، وقتل قاتل الهرمزان، لوجود الشبهة في ذلك، والحدود تدرأ بالشبهات. وإذا قالوا: عمر أشار على أبي بكر بقتل خالد بن الوليد، وعلي أشار على عثمان بقتل عبيد الله بن عمر. قيل: وطلحة والزبيروغيرهما أشاروا على علي بقتل قتلة عثمان، مع أن الذين أشاروا على أبي بكر بالقود، أقام عليهم حجة سلموا لها: إما لظهور الحق معه، وإما لكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد. وعلي لما لم يوافق الذين أشاروا عليه بالقود، جرى بينه وبينهم من الحروب ما قد علم، وقتل قتلة عثمان أهون مما جرى بالجمل وصفين فإذا كان في هذا اجتهاد سائغ، ففي ذلك أولى. وإن قالوا: عثمان كان مباح الدم. قيل لهم: فلا يشك أحد في أن إباحة دم مالك بن نويرة أظهر من إباحة دم عثمان، بل مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصوم الدم، ولم يثبت ذلك عندنا. وأما عثمان فقد ثبت بالتواتر ونصوص الكتاب والسنة أنه كان معصوم الدم. وبين عثمان ومالك بن نويرة من الفرق ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى.

стр. 126

ومن قال: أن عثمان كان مباح الدم، لم يمكنه أن يجعل علياً معصوم الدم، ولا الحسين، فإن عصمة دم عثمان أظهر من عصمة دم علي والحسين. وعثمان أبعد عن موجبات القتل من علي والحسين. وشبهة قتلة عثمان أضعف بكثير من شبهة قتلة علي والحسين، فإن عثمان لم يقتل مسلماً، ولا قاتل أحداً على ولايته ولم يطلب قتال أحد على ولايته أصلاً، فإن وجب أن يقال: من قتل خلقاً من المسلمين على ولايته إنه معصوم الدم، وإنه مجتهد فيما فعله، فلان يقال: عثمان معصوم الدم، وإنه مجتهد فيما فعله من الأموال والولايات بطريق الأولى والأحرى. ثم يقال: غاية ما يقال في قصة مالك ابن نويرة: إنه كان معصوم الدم وإن خالداً قتله بتأويل، وهذا لا يبيح قتل خالد، كما أن أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله. وقال له النبي ﷺ : " يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " فأنكر عليه قتله، ولم يوجب قوداً ولا دية ولا كفارة. وقدر روى محمد بن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس وقتادة أن هذه الآية: قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً) نزلت في شأن مرداس، رجل من غطفان، بعث النبي ﷺ جيشاً إلى قومه، عليهم غالب الليثي، ففر أصحابه ولم يفر. قال: إني مؤمن، فصحبته الخيل، فسلم عليهم، فقتلوه وأخذوا غنمه، فأنزل الله هذه الآية، وأمر رسول الله ﷺ برد أمواله

стр. 127

إلى أهله وبديته إليهم، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك. وكذلك خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة متأولاً، ورفع النبي ﷺ يديه وقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ". ومع هذا فلم يقتله النبي ﷺ لأنه كان متأولاً. فإذا كان النبي لم يقتله مع قتله غير واحد من المسلمين من بني جذيمة للتأويل، فلأن لا يقتله أبو بكر لقتله مالك بن نويرة بطريق الأولى والأحرى. وقد تقدم ما ذكره هذا الرافضي من فعل خالد ببني جذيمة، وهو يعلم أن النبي ﷺ لم يقتله، فيكف لم يجعل ذلك حجة لأبي بكر في أن لا يقتله؟ لكن من كان متبعاً لهواه أعماه عن أبتاع الهدى. وقوله: إن عمر أشار بقتله. فيقال: غاية هذا أن تكون مسألة اجتهاد، كان رأي أبي بكر فيها أن لا يقتل خالداً، وكان رأي عمر فيها قتله، وليس عمر بأعلم من أبي بكر: لا عند السنة ولا عند الشيعة، ولا يجب على أبي بكر ترك رأيه لرأي عمر، ولم يظهر بدليل شرعي أن قول عمر هو الراجح، فيكف يجوز أن يجعل مثل هذا عيباً لأبي بكر إلا من هو من أقل الناس علماً وديناً؟ وليس عندنا أخبار صحيحة ثابتة بأن الأمر جرى على وجه يوجب قتل خالد.

стр. 128

وأما ما ذكره من تزوجه بامرأته ليلة قتله، فهذا مما لم يعرف ثوته. ولو ثبت لكان هناك تأويل يمنع الرجم. والفقهاء مختلفون في عدة الوفاة: هل تجب للكافر؟ على قولين. وكذلك تنازعوا: هل يجب على الذمية عدة وفاة؟ على قولين مشهورين للمسلمين، بخلاف عدة الطلاق، فإن تلك سببها الوطء، فلا بد من براءة الرحم. وأما عدة الوفاة فتجب بمجرد العقد، فإذا مات قبل الدخول بها فهل تعتد من الكافر أم لا؟ فيه نزاع. وكذلك إن كان دخل بها، وقد حاضت بعد الدخول حيضة. هذا إذا كان الكافر أصلياً. وأما المرتد إذا قتل، أو مات على ردته، ففي مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد ليس عليها عدة وفاة بل عدة فرقة بائنة، لأن النكاح بطل بردة الزوج، وهذه الفرقة ليست طلاقاً عند الشافعي وأحمد، وهي طلاق عند مالك وأبي حنيفة، ولهذا لم يوجبوا عليها عدة وفاة، بل عدة فرقة بائنة، فإن كان لم يدخل بها فلا عدة عليها، كما ليس عليها عدة من الطلاق. ومعلوم أن خالداُ قتل مالك بن نويرة لأنه رآه مرتداً، فإذا كان لم يدخل بامرأته فلا عدة عليها عند عامة العلماء، وإن كان قد دخل بها فإنه يجب عليها استبراء بحيضة لا بعدة كاملة في أحد قوليهم، وفي الآخر بثلاث حيض، وإن كان كافراً أصلياً فليس على امرأته عدة وفاة في أحد قوليهم. وإذا كان الواجب استبراء بحيضة فقد تكون حاضت. ومن الفقهاء من يجعل بعض الحيضة

стр. 129

استبراء، فإذا كانت في آخر الحيض جعل ذلك استبراء لدلالته على براءة الرحم. وبالجملة فنحن لم نعلم أن القضية وقعت على وجه لا يسوغ فيها الاجتهاد، والطعن بمثل ذلك من قول من يتكلم بلا علم، وهذا مما حرمه الله ورسوله) تعليق في هذا الموضع يجيب شيخ الإسلام على شبهة أخرى من شبهات الروافض في الطعن على أبي بكر بأنه لم يقتل خالداً لقتله مالك بن نويرة، فبين الشيخ أن هذا قد وقع مثله أو أعظم منه لعلي ﵁ حيث لم يقتل قتلة عثمان، وهو - أي عثمان - (خير من ملء الأرض من مثل مالك بن نويرة) فإذا لمتم أبا بكر فلوموا علياً. الذي تتهمه النواصب بمثل اتهامكم لأبي بكر، وأما عند أهل السنة فلا لوم على الاثنين لأن لكل منهما عذره المقبول. وتقرير الثابت ليس فيه أي تنقص لعلي ﵁. الموضع السابع عشر: قال شيخ الإسلام: (وأما علي ﵁ فإن أهل السنة يحبونه ويتولونه، ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، لكن نصف رعيته يطعنون في عدله، فالخوارج يكفرونه، وغير الخوارج من

стр. 130

أهل بيته وغير أهل بيته يقولون: إنه لم ينصفهم، وشيعة عثمان يقولون: إنه ممن ظلم عثمان. وبالجملة لم يظهر لعلي من العدل، مع كثرة الرعية وانتشارها، وما ظهر لعمر، ولا قريب منه. وعمر لم يول أحداً من أقاربه، وعلي ولى أقاربه، كما ولى عثمان أقاربه. وعمر مع هذا يخاف أن يكون ظلمهم، فهو أعدل وأخوف من الله من علي. فهذا مما يدل على أنه أفضل من علي. وعمر، مع رضا رعيته عنه، يخاف أن يكون ظلمهم، وعلي يشكون من رعيته وتظلمهم، ويدعو عليهم ويقول: إني أبغضهم ويبغضوني وسئمتهم وسئموني. اللم فأبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرا مني. فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟) تعليق في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على طعن الرافضة في عمر وأحقيته بالخلافة، وقد قال قبله عن الرافضة بأنها (لما غلت في علي جعلت ذنب عمر كونه تولى، وجعلوا يطلبون له ما يتبين به ظلمه، فلم يمكنهم ذلك) لأنه ما من شبهة لهم ضده إلا وللنواصب مثلها ضد علي، ففي هذا إلزام لهم بأن يحفظوا ألسنتهم ولا يطلقوها في عرض عمر، لأنهم سيقابلون بالمثل من النواصب.

стр. 131

وأما أهل السنة فيردون (غلو) الروافض (بجفاء) النواصب. وليس في هذا أي تنقص لعلي ﵁. الموضع الثامن عشر: قال شيخ الإسلام: راداً قول الرافضي بأن فاطمة قد دعت على عمر لأنه ظلمها، فسلط الله عليه أبا لؤلؤة المجوسي حتى قتله. (والداعي إذا دعا على مسلم بأن يقتله كافر، كان ذلك دعاء له لا عليه، كما كان النبي ﷺ يدعو لأصحابه بنحو ذلك، كقوله: " يغفر الله لفلان " فيقولون: لو أمتعتنا به وكان إذا دعا لأحد بذلك استشهد. ولو قال قائل: إن علياً ظلم أهل صفين والخوارج حتى دعوا عليه بما فعله ابن ملجم، لم يكن هذا أبعد عن المعقول من هذا. وكذلك لو قال إن آل سفيان بن حرب دعوا على الحسين بما فعل به) تعليق هذا رد مفحم يشابه الردود السابقة، وهو مقابلة شبهات أهل الرفض بضدها، فما قالوه في غير علي، قد يقوله غيرهم في علي، فالأولى بهم أن يصمتوا عن تلفيق الأكاذيب. وليس في هذا أي تنقص - كما سبق - بل هو من قبيل الحجج (المحرجة) .

стр. 132

الموضع التاسع عشر: قال شيخ الإسلام: متابعاً ردوده على طعن الرافضي بعمر ﵁: (وأما قول الرافضي: " وعطل حدود الله فلم يحد المغيرة بن شعبة ". فالجواب: أن جماهير العلماء على ما فعله عمر في قصة المغيرة، وأن البينة إذا لم تكمل حد الشهود. ومن قال بالقول الآخر لم ينازع في أن هذه مسألة اجتهاد. وقد تقدم أن ما يرد على علي بتعطيل إقامة القصاص والحدود على قتلة عثمان أعظم فإذا كان القادح في علي مبطلاً، فالقادح في عمر أولى بالبطلان) تعليق ونحن نعلم، كما أن الشيخ يعلم، أن هذا القدح باطل في عمر وفي علي ﵄، ولكنه ذكر هذا للتضييق على الرافضة، ومقابلة شبهتهم بما يكسرها من شبه غيرهم. الموضع العشرون: قال شيخ الإسلام: متابعاً ردوده على الرافضي في اتهامه عمر بأنه يجهل السنة: (وعلي رضي الله عن قد خفي عليه من سنة رسول الله ﷺ أضعاف ذلك، ومنها ما مات ولم يعرفه)

стр. 133

تعليق قد علمنا أن الروافض إذا أبغضت أحداً تقولت عليه الأقاويل، واتهمته بما ليس تهمة عند العقلاء، ومنه هذا الموضع، وهو أن عمر قد تخفى عليه سنة رسول الله ﷺ ، وليس في هذا أي مطعن أو نقص فيه ﵁، لأن أحداً لا يدعي بأنه قد أحاط بجميع مسائل الدين جليلها ودقيقها. فبين لهم الشيخ أن ما تقولونه في عمر هو حاصل لعلي من خلال الوقائع الثابتة، فإن طعنتم في عمر فاطعنوا في علي، وهذا من قبيل إفحام الخصم كما سبق. الموضع الحادي والعشرون: قال شيخ الإسلام: متابعاً رده على طعون الرافضي في عمر ﵁ بأنه قد قال بالرأي؟ (فإن كان القول بالرأي ذنباً فذنب غير عمر - كعلي وغيره - أعظم، فإن ذنب من استحل دماء المسلمين برأي، هو ذنب أعظم من ذنب من حكم في قضية جزئية برأيه، وإن كان منه ما هو صواب ومنه ما هو خطأ، فعمر ﵁ أسعد بالصواب من غيره، فإن الصواب في رأيه أكثر منه في رأي غيره، والخطأ في رأي غيره أكثر منه في رأيه، وإن كان الرأي كله صواب، فالصواب الذي مصلحته أعظم هو خير وأفضل من الصواب الذي مصلحته دون ذلك، وآراء عمر ﵁ كانت مصالحها أعظم

стр. 134

للمسلمين) تعليق كما سبق معنا كثيراً، فهذا الموضع من قبيل مقابلة الشبهة بشبهة تدحضها ثم تتساقط الشبهتان سوياً ويبقى الرأي الصحيح. وقد علمنا في المقدمة أن هذا من الجوانب التي بذ فيها شيخ الإسلام من سواه من العلماء، فكما أن الشبهة الساقطة ليس فيها أي تنقص من الفاضل فليس فيها أي تنقص من المفضول. الموضع الثاني والعشرون: قال شيخ الإسلام: راداً على الرافضي قوله بأن عثمان قد صدرت منه من الأفعال ما توجب عدم أحقيته بالخلافة، وأن عمر قد أخطأ في اختياره مع أصحاب الشورى. (وأين إيثار بعض الناس بولاية أو مال، من كون الأمة يسفك بعضها دماء بعض وتشتغل بذلك عن مصلحة دينها ودنياها حتى يطمع الكفار في بلاد المسلمين؟ وأين اجتماع المسلمين وفتح بلاد الأعداء من الفرقة والفتنة بين المسلمين، وعجزهم عن الأعداء حتى يأخذوا بعض بلادهم أو بعض أوالهم قهراً أو صلحاً)

стр. 135

تعليق يبين هنا شيخ الإسلام أن ما حصل في عهد عثمان من خير لللأمة واستقرار لأفرادها وتوسع في الفتوح الإسلامية لم يحصل مثله في عهد علي، وهذه حقيقة لا ينازع فيها من له أدنى علم بالتاريخ، ففيها أعظم الرد على مزاعم الرافضة في عثمان والأخطاء التي قد حصلت في عهده فإن أصررتم على ذلك فقولوا مثلها في علي، لأنه قد حدث في عهده ما هو أعظم من ذلك. وقد مر معنا كثيراً أن هذا من قبيل مقابلة الحجج المتهافتة بعضها ببعض ليخرج من بينها الرأي الصائب سليماً معافى. الموضع الثالث والعشرون: قال شيخ الإسلام: راداً طعون الروافض في عثمان ﵁: (نواب علي خانوه وعصوه أكثر مما خان عمال عثمان له وعصوه، وقد صنف الناس كتباً فيمن ولاه علي فأخذ المال وخانه، وفيمن تركه وذهب إلى معاوية، وقد ولى علي ﵁ زياد بن أبي سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، وولى الأشتر النخعي، وولى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء. ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ كان خيراً من هؤلاء كلهم. ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعون أن علياً كان أبلغ فيه من عثمان. فيقولون: إن عثمان ولى أقاربه من بني أمية. ومعلوم أن علياً ولى أقاربه من قبل أبيه وأمه، كعبد الله

стр. 136

وعبيد الله ابن العباس. فولى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولى على مكة والطائف قثم بن العباس. وأما المدينة فقيل إنه ولى عليها سهل بن حنيف. وقيل ثمامة بن العباس. وأما البصرة فولى عليها عبد الله بن عباس. وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره) تعليق هذا أيضاً من مقابلة الشبهة بالشبهة، فما قلتم في عثمان فقولوه في علي، لأنهما قد تشابها في الفعل، ولكنكم قوم لا تعدلون. وقد برأ الله علياً ﵁ كما برأ عثمان ﵁. الموضع الرابع والعشرون: قال شخ الإسلام: (والمقصود هنا أن ما يعتذر به عن علي فيما أنكر عليه يعتذر بأقوى منه عن عثمان، فإن عليا قاتل على الولاية، وقتل بسبب ذلك خلق كثير عظيم، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير، وقد ولى من أقاربه من ولاه، فولاية الأقارب مشتركة، ونواب عثمان كانوا أطوع من نواب علي , وأبعد عن الشر. وأما الأموال التي تأول فيها عثمان، فكما تأول علي في

стр. 137

الدماء، وأمر الدماء أخطر وأعظم) تعليق وهذا الموضع كسابقه في رد الطعون عن عثمان، فإن ما اتهمتموه به قد حصل من علي مثله أو أعظم منه - على حد زعمكم - فقولوا فيه ما قلتم في عثمان إن كنتم صادقين. وأما أهل السنة فيوالون الاثنين، ويقيمون لهم العذر فيما صنعوا. الموضع الخامس والعشرون: قال شيخ الإسلام: (ولو قدح رجل في علي بن أبي طالب بأنه قاتل معاوية وأصحابه وقاتل طلحة والزبير. لقيل له: علي بن أبي طالب أفضل وأولى بالعلم والعدل من الذين قاتلوه، فلا يجوز أن يجعل الذين قاتلوه هم العادلين وهو ظالم لهم. كذلك عثمان فيمن أقام عليه حداً أو تعزيراً هو أولى بالعلم والعدل منهم. وإذا وجب الذب عن علي لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك، فالذب عن عثمان لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك أولى)

стр. 138

تعليق يبين شيخ الإسلام هنا أن أهل السنة كما يدافعون عن علي ﵁ في حروبه، فكذلك يدافعون عن عثمان في أفعاله، وليسوا كالرافضة التي لا ترى عثمان إلا بعين السخط: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا الموضع السادس والعشرون: قال شيخ الإسلام: (وكذلك أحمد بن حنبل جوز التعريف بالأمصار، واحتج بأن ابن عباس فعله بالبصرة. وكان ذلك في خلافة علي: وكان ابن عباس نائبه بالبصرة: فأحمد بن حنبل وكثير من العلماء يتبعون علياُ فيما سنه، كما يتبعون عمر وعثمان فيما سناه، وآخرون من العلماء، كمالك وغيره، لا يتبعون علياً فيما سنه، وكلهم متفقون على اتباع عمر وعثمان فيما سناه، فإن جاز القدح في عمر وعثمان فيما سناه وهذا حاله، فلان يقدح في علي بما سنه - وهذا حاله بطريق الأولى. وإن قيل: بأن ما فعله علي سائغ لا يقدح فيه، لأنه باجتهاده، أو لأنه سنة يتبع فيه، فلأن يكون ما فعله عمر وعثمان كذلك بطريق الأولى)

стр. 139

تعليق وهذه كسوابقها من قبيل (قلب الحجة) على الخصم وقد مر مثلها كثير. الموضع السابع والعشرون: قال شيخ الإسلام: (نحن لا ننكر أن عثمان ﵁ كان يحب بني أمية، وكان يواليهم ويعطيهم أموالاً كثيرة. وما فعله من مسائل الاجتهاد التي تكلم فيها العلماء، الذين ليس لهم غرض، كما أننا لا ننكر أن علياً ولى أقاربه، وقاتل وقتل خلقاً كثيراً من المسلمين الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصومون ويصلون، لكن من هؤلاء من قاتله بالنص والإجماع، ومنهم من كان قتاله من مسائل الاجتهاد التي تكلم فيها العلماء الذين لا غرض لهم. وأمر الدماء أخطر من أمر الأموال. والشر الذين حصل في الدماء بين الأمة أضعاف الشر الذي حصل بإعطاء الأموال. فإذا كنا نتولى علياً ونحبه، ونذكر ما دل عليه الكتاب والسنة من فضائله، مع أن الذي جرى في خلافته أقرب إلى الملام مما جرى في خلافة عثمان، وجرى في خلافة عثمان من الخير ما لم يجر مثله في خلافته، فلأن نتولى عثمان ونحبه، ونذكر ما دل عليه الكتاب والسنة بطريق الأولى) .

стр. 140

تعليق تأمل رأي شيخ الإسلام الواضح في أفعال علي ﵁ وقتاله لغيره وهي قسمان: الأول: من قاتلهم بالنص والإجماع كالخوارج فالحق لا شك معه. الثاني: من قاتلهم بالاجتهاد، فلا مأخذ عليه. فهو ﵀ يبرئ علياً في جميع أفعاله التي قد يستغلها النواصب في الطعن فيه. ثم يقول بأننا إذا برأنا علياً من ذلك كله وهو في أمر الدماء وهي عظيمة عند الله، أفلا نبرئ عثمان مما أخذتموه عليه، وهي من أمور المال، وأمره أسهل من الدماء فهل يعقل الرافضة هذه الحجة القوية؟ الموضع الثامن والعشرون: قال شيخ الإسلام: (ولم يكن لعلي اختصاص بنصر النبي ﷺ دون أمثاله، ولا عرف موطن احتاج النبي ﷺ فيه إلى معونة علي وحده، ولا باليد ولا باللسان، ولا كان إيمان الناس برسول الله ﷺ وطاعتهم له لأجل علي، بسبب دعوة علي لهم، وغير ذلك من الأسباب الخاصة، كما كان هارون مع موسى، فإن بني إسرائيل كانوا يحبون هارون جداً ويهابون موسى، وكان هارون يتألفهم. والرافضة تدعي أن الناس كانوا يبغضون علياً، وأنهم لبغضهم له لم يبايعوه. فكيف يقال: إن النبي ﷺ احتاج إليه، كما

стр. 141

احتاج موسى إلى هارون؟ وهذا أبو بكر الصديق أسلم على يديه ستة أن خمسة من العشرة: عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، ولم يعلم أنه أسلم على يد علي وعثمان وغيرهما أحد من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار) . تعليق واضح من هذا الموضع أن شيخ الإسلام كما يفضل أبا بكر على علي كذلك يفضله على عثمان، وهذا هو منهج أهل السنة. فهل يقول عاقل بأنه يتنقص عثمان؟ أم أنه أنزله في منزله الذي يستحقه دون غلو فيه، أو تفضيله على من هو أفضل منه، وما يصدق على عثمان يصدق على علي. الموضع التاسع والعشرون: قال شيخ الإسلام: (لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع، فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، فيكون هو الإمام. فهذا هو الدليل الصدق الذي لا كذب فيه. يقول الله: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا) .

стр. 142

ومثل هذه الفضيلة لم تحصل لغير أبي بكر قطعاً، بخلاف الوقاية بالنفس، فإنها لو كانت صحيحة فغير واحد من الصحابة وقى النبي ﷺ بنفسه. وهذا واجب على كل مؤمن، ليس من الفضائل المختصة بالأكابر من الصحابة. والأفضلية إنما تثبت بالخصائص لا بالمشتركات. يبين ذلك أنه لم ينقل أحد أن علياً أو ذي في مبيته على فراش النبي ﷺ ، وقد أوذي غيره في وقايتهم النبي ﷺ : تارة بالضرب، وتارة بالجرح، وتارة بالقتل، فمن فداه وأوذي أعظم ممن فداه ولم يؤذ. وقد قال العلماء: ما صح لعلي من الفضائل فهي مشتركة، شاركه فيها غيره، بخلاف الصديق، فإن كثيراً م فضائله - وأكثرها - خصائص له، لا يشركه فيها غيره. وهذا مبسوط في موضعه) تعليق تزعم الرافضة أن علياً يستحق الإمامة بعد الرسول ﷺ لأنه ثبت له من الفضائل ما لم يشركه فيها أحد غيره، ومنها أنه بات في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة، فبين لهم شيخ الإسلام أن وقاية النبي ﷺ ثابتة له ولغيره، بخلاف فضائل أبي بكر التي اختص بها، ومنها مشاركة الرسول ﷺ في هجرته. فعلى قولكم يكون هو الإمام.

стр. 143

الموضع الثلاثون: قال شيخ الإسلام: (وأبو بكر وعمر ﵄ قد أبغضهما وسبهما الرافضة والنصيرية والغالية والإسماعيلية. ولكن معلوم أن الذين أحبوا ذينك أفضل وأكثر، وأن الذين أبغضوهما أبعد عن الإسلام وأقل، بخلاف علي، فإن الذين أبغضوه وقاتلوه هم خير من الذين أبغضوا أبا بكر وعمر، بل شيعة عثمان الذين يحبونه ويبغضون علياً، وإن كانوا مبتدعين ظالمين، فشيعة علي الذين يحبونه ويبغضون عثمان أنقص منهم علماً وديناً، وأكثر جهلاً وظلماً. فعلم أن المودة جعلت للثلاثة أعظم. وإذا قيل: علي قد ادعيت فيه الإلهية والنبوة. قيل: قد كفرته الخوارج كلها، وأبغضته المروانية، وهؤلاء خير من الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر ﵄ فضلاً عن الغالية) . تعليق يرد شيخ الإسلام هنا على زعم الرافضة بأن آية: (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت سيجعل لهم الرحمن ودا) نزلت في علي ﵁، وأن ألله قد جعل له في قلوب المؤمنين

стр. 144

مودة فبين شيخ الإسلام بأن هذا من أكاذيب الرافضة وأن المودة التي كانت للخلفاء الثلاثة أكثر من المودة التي كانت له في قلوب المؤمنين، حيث خالفه ونازعه أناس مؤمنون، بخلاف غيره فإن الذين أبغضوهم كانوا أبعد عن الإسلام من الأولين وتقرير الحقائق ليس فيه أي تنقص لعلي، لأن الهدف دفع فرية الرافضة على غيره من أجلاء الصحابة. الموضع الحادي والثلاثون: قال شيخ الإسلام: (إن علياً لم يكن أعظم معاداة للكفار والمنافقين من عمر، بل ولا نعرف أنهم كانوا يتأذون منه كما يتأذون من عمر، بل ولا نعرف أنهم كانوا يتأذون منه إلا وكان بغضهم لعمر أشد) . تعليق قد سبق مثل هذا الكلام في الموضع الثامن، وهو من قبيل رد اتهامات الروافض لعمر ﵁. الموضع الثاني والثلاثون: قال شيخ الإسلام: (ولا يشك من عرف أحوال الصحابة أن عمر كان أشد عداوة للكفار والمنافقين من علي، وأن تأثيره في نصر الإسلام وإعزازه وإذلال الكفار والمنافقين أعظم من تأثير علي، وأن الكفار والمنافقين أعداء الرسول يبغضونه أعظم مما يبغضون علياً. ولهذا كان الذي قتل عمر كافراً يبغض دين الإسلام،

стр. 145

ويبغض الرسول وأمته، فقتله بغضاً للرسول ودينه وأمته. والذي قتل علياً كان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، وقتله معتقداً أن الله ورسوله يحب قتل علي، وفعل ذلك محبة الله ورسوله - في زعمه - وإن كان في ذلك ضالاً مبتدعاً. والمقصود أن النفاق في بغض عمر أظهر منه في بغض علي. ولهذا لما كان الرافضة من أعظم الطوائف نفاقاً كانوا يسمون عمر فرعون الأمة. وكانوا يوالون أبا لؤلؤة - قاتله الله - الذي هو من أكفر الخلق وأعظمهم عداوة لله ورسوله) تعليق هذا الموضع مثل الذين قبله. الموضع الثالث والثلاثون: قال شيخ الإسلام: (من المعلوم بالتواتر أن جهاد أبي بكر بماله أعظم من جهاد علي، فإن أبا بكر كان موسراً، قال فيه النبي ﷺ : " ما نفعني مال كمال أبي بكر " وعلي كان فقيراً، وأبو بكر أعظم جهاداً بنفسه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى) . تعليق قد عرفنا طريقة شيخ الإسلام في مواجهة اتهام الروافض
следующие страницы →