← Акыда

Акыда · id 9700

شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن ناصبيا

سليمان الخراشي

Полный текст (172 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

السنة من أشد الناس بغضاً وكراهة لأن يتعرض له بقتال أو سب. بل هم كلهم متفقون على أنه أجل قدراً، وأحق بالإمامة، وأفضل عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من معاوية وأبيه وأخيه الذي كان خيراً منه، وعلي أفضل ممن هو أفضل من معاوية ﵁، فالسابقون الأولون الذين بايعوا تحت الشجرة كلهم أفضل من معاوية، وأهل الشجرة أفضل من هؤلاء كلهم، وعلي أفضل جمهور الذين بايعوا تحت الشجرة، بل هو أفضل منهم كلهم إلا الثلاثة، فليس في أهل السنة من يقدم عليه أحداً غير الثلاثة، بل يفضلونه على جمهور أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار) ومن ذلك أنه: يرد علي قول الرافضي بأن علياً سيف الله المسلول وليس خالد بن الوليد، فيقول: (وأما قوله أي الرافضي: " علي أحق بهذا الاسم " فيقال: أولاً من الذي نازع في ذلك؟ ومن قال: إن علياً لم يكن سيفاً من سيوف الله؟ وقول النبي ﷺ الذي ثبت

стр. 72

في الصحيح يدل على أن لله سيوفاً متعددة، ولا ريب أن علياً من أعظمها , وما في المسلمين من يفضل خالداً على علي، حتى يقال: إنهم جعلوا هذا مختصا بخالد. والتسمية بذلك وقعت من النبي ﷺ في الحديث الصحيح، فهو ﷺ الذي قال: إن خالداً سيف من سيوف الله. ثم يقال ثانياً: علي أجل قدراً من خالد، وأجل من أن تجعل فضيلته أنه سيف من سيوف الله؟ فإن عليا له من العلم والبيان والدين والإيمان والسابقة ما هو به أعظم من أن تجعل فضيلته أنه سيف من سيوف الله، فإن السيف خاصته القتال، وعلي كان القتال أحد فضائله، بخلاف خالد فإنه كان هو فضيلته التي تميز بها عن غيره، لم يتقدم بسابقة ولا كثرة علم ولا عظيم زهد، وإنما تقدم بالقتال، فلهذا عبر عن خالد بأنه سيف من سيوف الله) ومن ذلك قوله: (فكيف يظن بعلي ﵁ وغيره من أهل البيت أنهم كانوا أضعف ديناً وقلوباُ من الأسرى في بلاد الكفر، ومن عوام أهل السنة، ومن النواصب) .

стр. 73

ومن ذلك أنه يرد أكاذيب الروافض في فضل علي، وأنه قاتل الجن، وأن الجن تحتاجه، بقوله: (لا ريب أن من دون علي بكثير تحتاج الجن إليه وتستفتيه وتسأله، وهذا معلوم قديماً وحديثاً، فإن كان هذا قد وقع، فقدره أجل من ذلك. وهذا من أدنى فضائل من هو دونه. وإن لم يكن وقع، لم ينقص فضله بذلك) ويقول ﵀ مبيناً شجاعة علي ﵁: (لا ريب أن علياً ﵁ كان من شجعان الصحابة، وممن نصر الله الإسلام بجهاده، ومن كبار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن سادات من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، وممن قاتل بسيفه عدداً من الكفار) ومن ذلك قوله: (أما زهد علي ﵁ في المال فلا ريب فيه، لكن الشأن أنه كان أزهد من أبي بكر وعمر)

стр. 74

ومن ذلك قوله: (نحن نعلم أن علياً كان أتقى لله من أن يتعمد الكذب، كما أن أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم كانوا أتقى لله من أن يتعمدوا للكذب) ومن ذلك أنه سئل ﵀: (عمن قال: إن علياً قاتل الجن في البئر؟ وأنه حمل على اثني عشر ألفاً وهزمهم؟ فأجاب: لم يحمل أحد من الصحابة وحده لا في اثني عشر ألفاً ولا في عشرة آلاف، لا علي ولا غيره، بل أكثر عدد اجتمع على النبي ﷺ هم الأحزاب الذين حاصروه بالخندق، وكانوا قريباً من هذه العدة، وقتل علي رجلاً من الأحزاب اسمه " عمرو بن عبدود العامري ". ولم يقاتل أحد من الإنس للجن، لا علي ولا غيره، بل علي كان أجل قدراً من ذلك، والجن الذين يتبعون الصحابة يقاتلون كفار الجن، لا يحتاجون في ذلك إلى قتال الصحابة معهم) .

стр. 75

ومن ذلك أنه ﵀ يرى أن الذين لم يقاتلوا علياً ﵁ هم أحب إلى أهل السنة ممن قاتله، وأن أهل السنة يدافعون عنه بقوة أمام اتهامات النواصب والخوارج، يقول: (وأيضاً فأهل السنة يحبون الذين لم يقاتلوا علياً أعظم مما يحبون من قاتلفه، ويفضلون من لم يقاتله على من قاتله، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر ﵃. فهؤلاء أفضل من الذين قاتلوا علياً عند أهل السنة. والحب لعلي وترك قتاله خير بإجماع أهل السنة من بغضه وقتاله، وهم متفقون على وجوب موالاته ومحبته، وهم من أشد الناس ذبا عنه، ورداً على من طعن عليه من الخوارج وغيرهم من النواصب، لكن لكل مقام مقال) ومن ذلك أنه يفضل الصحابة الذين كانوا مع علي على الصحابة الذين كانوا مع معاوية ﵃ أجمعين - يقول: (معلوم أن الذين كانوا مع علي من الصحابة مثل: عمار وسهل بن حنيف ونحوهما كانوا أفضل من الذين كانوا مع

стр. 76

معاوية) ومن ذلك أنه يرد على من تأول حديث " عمار تقتله الفئة الباغية " بأن علياً هو الذي قتله لأنه الذي أحضره إلى المعركة معه، فيقول: (وأما تأويل من تأوله: أن علياً وأصحابه قتلوه، وأن الباغية الطالبة بدم عثمان، فهذا من التأويلات الظاهرة الفساد، التي يظهر فسادها للعامة والخاصة) . ومن ذلك أنه يبرئه من دم عثمان ﵄ فيقول: (وتولى علي على إثر ذلك، والفتنة قائمة، وهو عند كثير منهم متلطخ بدم عثمان، والله يعلم براءته مما نسبه إليه الكاذبون عليه، المبغضون له، كما نعلم براءته مما نسبه إليه الغالون فيه، المبغضون لغيره من الصحابة، فإن عليا لم يعن على قتل عثمان ولا رضي به، كما ثبت عنه - وهو الصادق - أنه قال ذلك) . ومن ذلك أنه يقول ﵀: (إن قتل علي وأمثاله من أعظم المحاربة لله ورسوله

стр. 77

والفساد في الأرض) وينكر شيخ الإسلام علي الجهلة الذين يطعنون في علي ﵁ في مقابل الروافض الذين يطعنون في الصحابة، فهو يقول عن بعض أهل السنة بأن: (فيهم نفرة عن قول المبتدعة، بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له، فيعرضون عن ما يثبتونه من الحق أو ينفرون منه، أو يكذبون به، كما قد يصير بعض جهالة المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت، إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها، بل بعض المسلمين يصير في الإعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى بعض ذلك، حتى يحكى عن قوم من الجهال أنهم ربما شتموا المسيح إذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا في الحرب. وعن بعض الجهال أنه قال: سبوا علياً كما سبوا عتيقكم ... كفراً بكفر وإيماناً بإيمان هذه مواضع يسيرة مما نقل عن شيخ الإسلام ﵀ في فضل علي ﵁ ودفاعه الحار عنه أمام

стр. 78

أعدائه، وتبرئته مما نسبوه إليه. فهل يقال بعد هذا كما قال هؤلاء المبتدعة الجائرون بأنه ﵀ كان منحرفاً عن علي ﵁ أو أنه تنقصه في كتبه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم؟ لا يقوله أدنى مسلم فضلاً عن شيخ الإسلام الذي تصرمت حبال أيامه تقرير عقيدة السلف الصالح، ومن ضمنها تفضيل علي ﵁ وجعله الخليفة الرابع الراشد، واعتقاد أنه على الحق أمام من حاربه وخالفه. ولكن ذنب شيخ الإسلام عند هؤلاء المبتدعة أنه لم يغل في علي كما غلوا، أو يتجاوز به قدره الذي أراده الله له.

стр. 79

المواضع التي احتج بها الطاعنون في شيخ الإسلام ابن تيمية من كتاب " منهاج السنة " مع الرد عليهم

стр. 80

بعد أن عرفنا منهج شيخ الإسلام في نقض حجج الرافضي وأنه ﵀ متبع لمنهج السلف الصالح في محبة علي ﵁ وأنه من الخلفاء الراشدين دون غلو فيه وتفضيله على الثلاثة وطعن فيهم كما تفعل الرافضة، دون جفاء عنه وتنقص له كما تفعل النواصب، بعد أن عرفنا هذا وهو جواب مجمل للرد على متهمي شيخ الإسلام ببغض علي وتنقصه سوف أعرض في هذا المبحث المواضع التي يزعم أولئك أن فيها تنقصاً أو إيهاماً بالتنقص من كتاب " منهاج السنة " بجميع أجزائه، ثم أتبع كل موضع بتعليق موجز يوضح مقصد شيخ الإسلام منه.

стр. 81

الموضع الأول: قال شيخ الإسلام: وأما قوله: " ثم علي بمبايعة الخلق له " فتخصيصه علياً بمبايعة الخلق له، دون أبي بكر وعمر وعثمان، كلام ظاهر البطلان، وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة القوم أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان، أعظم من اتفاقهم علي بيعة علي ﵁ وعنهم أجمعين، وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة عثمان أعظم مما اتفقوا على بيعة علي. والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل من الذين بايعوا علياً، فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب، وأمثالهم، مع سكينة وطمأنينة بعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام. وأما علي ﵁ فإنه بويع عقيب قتل عثمان ﵁ والقلوب مضطربة مختلفة، وأكابر الصحابة متفرقون ... ) تعليق في هذا الموضع يدفع شيخ الإسلام فرية الرافضي في أن

стр. 82

علياً ﵁ بايع له جميع الخلق بخلاف غيره من الخلفاء الراشدين، ويبين أن هذا القول باطل وأن الصحيح أن اتفاق الخلق على الخلفاء الثلاثة أكثر من اتفاقهم على علي ﵁. وهو في هذا القول لم يخطئ ﵀ وإنما يبين حقيقة يتجاهلها الروافض ليتوصلوا من خلالها إلى الطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين - وتقرير الحقيقة والواقع التاريخي لا يعد طعناً أو استنقاصاً من علي ﵁ كما سبق. الموضع الثاني: قال شيخ الإسلام: (إن عمر بن الخطاب ﵁ كان أعظم فتوحاً وجهاداً بالمؤمنين، وأقدر على قمع الكفار والمنافقين من غيره مثل عثمان وعلي، ﵃ أجمعين) تعليق في هذا الموضع يقرر الشيخ حقيقة لا يستطيع أحد جحدها وهي أن عمر ﵁ كان أعظم فتوحاً وجهاداً، وأقدر على قمع الكفار والمنافقين من غيره، كعثمان وعلي ﵄ وهذا واضح من مطالعة سيرهم، والأحداث التي وقعت في عصرهم، ففي عهد عمر ﵁ امتدت التفوحات شرقاً وغرباً بخلاف من بعده. وتقرير الحقائق التاريخية لا يعد

стр. 83

تنقصاً من عثمان أو علي ﵄. الموضع الثالث: قال شيخ الإسلام: (من المعلوم بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة، أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في خلافة علي زمن القتال والفتنة والافتراق، فإذا لم يوجد من يدعي الإمامية فيه أنه معصوم، وحصل له سلطان بمبايعة ذي الشوكة إلا علي وحده، وكان مصلحة المكلفين واللطف الذي حصل لهم في دينهم ودنياهم في ذلك الزمان أقل منه في زمن الخلفاء الثلاثة، علم بالضرورة أن ما يدعونه من اللطف والمصلحة الحاصلة بالأئمة المعصومين باطل قطعاً) تعليق في هذا الموضع يبين الشيخ - أيضاً - حقيقة تاريخية لا تعمي إلا على كل صاحب هوى، وهي أن المؤمنين في عهد الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان كانوا أسعد حياة وأعظم أمناً في عصرهم، بخلاف حالهم في عهد علي ﵁، بحيث وقعت الفتنة وحدث الانقسام والتفرق. وقصد الشيخ بتقرير هذه الحقيقة الرد على قول الروافض بأن أئمتهم معصومون، ويحصل بهم اللطف والصلاح للأمة، وهذا منتقض بحال الناس في عهد أفضل هؤلاء الأئمة عند الرافضة حيث لم يحصل في عهده من

стр. 84

اللطف والمصلحة ما ادعاه الروافض، وتقرير الحقائق التاريخية لنقض أقوال أهل الكذب ليس فيه أي منقصة لأمير المؤمنين على ﵁ وليس في هذا تنقص لعلي ﵁ لأن وقته وقت فتن واضطرابات لا وقت صفاء وطمأنينة. الموضع الرابع: قال شيخ الإسلام: (وأيضاً فالحق لا يدور مع شخص غير النبي ﷺ ، ولو دار الحق مع علي حيثما دار لوجب أن يكون معصوماً كالنبي ﷺ ، وهم من جهلهم يدعون ذلك، ولكن من علم أنه لم يكن بأولى بالعصمة من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وليس فيهم من هو معصوم، علم كذبهم ـ وفتاويه من جنس فتاوى عمر وعثمان ليس هو أولى بالصواب منهم، ولا في أقوالهم من الأقوال المرجوحة أكثر مما في قوله، ولا كان ثناء النبي ﷺ ورضاه عنه بأعظم من ثنائه عليهم ورضائه عنهم، بل لو قال القائل: إنه لا يعرف من النبي ﷺ أنه عبت على عثمان في شئ، وقد عتب علي علي في غير موضع لما أبعد ـ فإنه لما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل اشتكته فاطمة لأبيها وقالت: إن الناس يقولون: إنك لا تغضب لبناتك، فقام رسول الله ﷺ خطيباً، وقال: " إن بني المغيرة استأذنوني أن يزوجوا ابنتهم علي بن أبي طالب، وإني لا آذن ثم لا آذن، ثم لا أذن: إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم، فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس فقال: " حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي " والحديث ثابت صحيح أخرجاه في الصحيح.

стр. 85

وكذلك في الصحيحين لما طرقه وفاطمة ليلاً، فقال: " ألا تصليان؟ " فقال له علي: إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانطلق وهو يضرب فخذه ويقول: " وكان الإنسان أكثر شئ جدلاً " وأما الفتاوى فقد أفتى بأن المتوفى عنها وزجها وهي حامل تعتد أبعد الأجلين، وهذه الفتيا كان قد أفتى بها أبو السنابل بن بعكك على عهد النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " كذب أبو السنابل " وأمثال ذلك كثير. ثم بكل حال فلا يجوز أن يحكم بشهادته وحده، كما لا يجوز له أن يحكم لنفسه) تعليق في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على قول الروافض بأن الحق يدور مع علي أينما دار ويروون في هذا حديثاً موضوعاً رده شيخ الإسلام وبين أن الحق لا يدور مع شخص غير النبي ﷺ ولكي يزيد في دحض هذه الشبهة الباطلة أوضح للروافض أن علياً ﵁ ليس معصوما ً، وله من الاختيارات المرجوحة كما لغيره أو أكثر، وهذا ثابت يعرفه أهل العلم بالآثار لم يأت به شيخ من عنده، وأنه ﵁ قد يجتهد في فعل فيعاتبه عليه النبي ﷺ كما في قصة خطبته بنت أبي جهل وغيرها. وتقرير الحقائق الثابتة لدفع غلو أهل الرفض لا يعد انتقاصاً

стр. 86

من علي ﵁ كما سبق. الموضع الخامس: قال شيخ الإسلام: (وأما قوله: " رووا جميعاً أن فاطمة بضعة مني من آذاها آذاني ومن أذاني آذى الله " فإن هذا الحديث لم يرو بهذا اللفظ، بل روي بغيره، كما روي في سياق حديث خطبة علي لابنة أبي جهل، لما قام النبي ﷺ خطيباً فقال: " إن بن هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، وإني لا آذن، إلا أن يريد ابن طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم " وفي رواية: " إني أخاف أن تفتن في دينها " ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فقال: " حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي. وإني لست أحل حراماً، ولا أحرم حلالاً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحدا أبداً " رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من رواية علي بن الحسين والمسور بن مخرمة، فسبب الحديث خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل، والسبب داخل في اللفظ قطعاً، إذ اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج سببه منه، بل السبب يجب دخوله بالاتفاق. وقد قال في الحديث: " يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " ومعلوم قطعاً أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي

стр. 87

صلى الله عليه وسلم رابه وآذاه، فإن كان هذا وعيداً لاحقاً بفاعله، لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيداً لاحقاً، كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي. وإن قيل: إن عليا تاب من تلك الخطبة ورجع عنها. قيل: فهذا يقتضي أنه غير معصوم. وإذا جاز أن من راب فاطمة وآذاها، يذهب ذلك بتوبته، جاز أن يذهب بغير ذلك من الحسنات الماحية، فإن ما هو أعظم من هذا الذنب تذهبه الحسنات الماحية والتوبة والمصائب المكفرة. وذلك أن هذا الذنب ليس من الكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، ولو كان كذلك لكان علي - والعياذ بالله - قد ارتد عن دين الإسلام في حياة النبي ﷺ . ومعلوم أن الله تعالى نزه علياً من ذلك. والخوارج الذين قالوا: إنه ارتد بعد موت النبي ﷺ لم يقولوا: إنه ارتد في حياته، ومن ارتد فلا بد أن يعود إلى الإسلام أو يقتله النبي ﷺ ، وهذا لم يقع، وإذا كان هذا الذنب هو مما دون الشرك فقد قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . وإن قالوا: بجهلهم: إن هذا الذنب كفر ليكفروا بذلك أبا بكر، لزمهم تكفير علي، واللازم باطل فالملزوم مثله. وهم دائماً يعيبون أبا بكر وعمر وعثمان، بل ويكفرونهم بأمور قد صدر من

стр. 88

علي ما هو مثلها أو أبعد عن العذر منها، فإن كان مأجوراً أو معذوراً فهم أولى بالأجر والعذر، وأن قيل باستلزام الأمر الأخف فسقاً أو كفراُ، كان استلزم الأغلظ لذلك أولى. وأيضاً فيقال: إن فاطمة ﵂ إنما عظم أذاها لما في ذلك من أذى أبيها، فإذا دار الأمر بين أذى أبيها وأذاها كان الاحتراز عن أذى أبيها أوجب. وهذا حال أبي بكر وعمر، فإنهما احتراز عن أن يؤذيا أباها أو يريباه بشئ، فإنه عهد عهداً وأمر بأمر، فخافا إن غيرا عهده وأمره أن يغضب لمخالفة أمره وعهده ويتأذى بذلك، وكل عاقل يعلم أن رسول الله ﷺ إذا حكم بحكم، وطلبت فاطمة أو غيرها ما يخالف ذلك الحكم، كان مراعاة حكم النبي ﷺ أولى، فإن طاعته واجبة، ومعصيته محرمة، ومن تأذى بطاعته كان مخطئاً في تأذيه بذلك، وكان الموافق لطاعته مصيباً في طاعته. وهذا بخلاف من آذاها لغرض نفسه لا لأجل طاعة الله ورسوله. ومن تدبر حال أبي بكر في رعايته لأمر النبي ﷺ ، وأنه إنما قصد طاعة الرسول ﷺ لا أمراً آخر، يحكم أن حاله أكمل وأفضل وأعلى من حال علي ﵄، وكلاهما سيد كبير من أكابر أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وعباد الله الصالحين، ومن السابقين الأولين، ومن أكابر المقربين، الذين يشربون بالتسنيم، ولهذا كان أبو بكر ﵁ يقول: " والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي " وقال: " ارقبوا

стр. 89

محمداً ﷺ في أهل بيته " رواه البخاري عنه. لكن المقصود أنه لو قدر أن أبا بكر آذاها، فلم يؤذها لغرض نفسه، بل ليطيع الله ورسوله، ويوصل الحق إلى مستحقه، وعلي ﵁ كان قصده أن يتزوج عليها، فله في آذاها غرض، بخلاف أبي بكر، فعلم أن أبا بكر كان أبعد أن يذم بأذاها من علي، وأنه إنما قصد طاعة الله ورسوله بما لا حظ له فيه، بخلاف علي، فإنه كان له حظ فيما رابها به وأبو بكر كان من جنس من هاجر إلى الله ورسوله، وهذا لا يشبه من كان مقصوده امرأة يتزوجها. والنبي ﷺ يؤذيه ما يؤذي فاطمة إذا لم يعارض ذلك أمر الله تعالى، فإذا أمر الله تعالى بشئ فعله، وإن تأذى من تأذى من أهله وغيرهم، وهو في حال طاعته لله يؤذيه ما يعارض طاعة الله ورسوله، وهذا الإطلاق كقوله: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني " ثم قد بين ذلك بقوله ﷺ " إنما الطاعة في المعروف " فإذا كانت طاعة أمرائه أطلقها ومراده بها الطاعة في المعروف، فقوله: " من آذاها فقد آذاني " يحمل على الأذى في المعروف بطريق الأولى والأحرى، لأن طاعة أمرائه فرض، وضدها معصية كبيرة. وأما فعل ما يؤذي فاطمة فليس هو بمنزلة معصية أمر النبي ﷺ ، وإلا لزم أن يكون على قد فعل ما هو أعظم من معصية الله ورسوله، فإن معصية أمرائه معصيته، ومعصيته معصية الله. ثم إذا عارض معارض وقال: أبو بكر وعمر

стр. 90

وليا الأمر. والله قد أمر بطاعة أولي الأمر، وطاعة ولي الأمر طاعة لله ومعصيته معصية لله، فمن سخط أمره وحكمه فقد سخط أمر الله وحكمه. ثم أخذ يشنع على علي وفاطمة ﵄ بأنهما ردا أمر الله، وسخطا حكمه، وكرها ما أرضى الله، لأن الله يرضيه طاعته وطاعة ولي الأمر، فمن كره طاعة ولي الأمر فقد كره رضوان الله، والله يسخط لمعصيته، ومعصية ولي الأمر معصيته، فمن اتبع معصية ولي الأمر فقد اتبع ما أسخط الله وكره رضوانه. وهذا التشنيع ونحوه على علي وفاطمة ﵄ أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر، وذلك لأن النصوص الواردة عن النبي ﷺ في طاعة ولاة الأمور، ولزوم الجماعة، والصبر على ذلك مشهورة كثيرة، بل لو قال قائل: إن النبي ﷺ أمر بطاعة ولاة الأمور وإن استأثروا، والصبر على جورهم، وقال: " إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " وقال: " أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم " وأمثال ذلك. فلو قدر أن أبا بكر وعمر ﵄ كان ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما، لكان الواجب مع ذلك طاعتهما والصبر على جورهما. ثم لو أخذ هذا القائل يقدح في علي وفاطمة ﵄ ونحوهما بأنهم لم يصبروا ولم يلزموا الجماعة، بل جزعوا وفرقوا الجماعة، وهذه معصية عظيمة - لكانت هذه الشناعة أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر ﵄، فإن أبا

стр. 91

بكر وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجباً، ولا فعلا محرماً أصلاً، بخلاف غيرهما، فإنه قد تقوم الحجة بنوع من الذنوب التي لم يفعل مثلها أبو بكر ولا عمر. وما ينزه علي وفاطمة ﵄ عن ترك واجب أو فعل محظور، إلا وتنزيه أبي بكر وعمر أولى بكثير، ولا يمكن أن تقوم شبهة بتركهما واجباً أو تعديهما حداً، إلا والشبهة التي تقوم في علي وفاطمة أقوى وأكبر، فطلب الطالب مدح علي وفاطمة ﵄ أما بسلامتهما من الذنوب، وإما بغفران الله لهما، مع القدح في أبي بكر وعمر بإقامة الذنب والمنع من المغفرة، من أعظم الجهل والظلم، وهو من أجهل وأظلم ممن يريد مثل ذلك في علي ومعاوية ﵄، إذا أراد مدح معاوية ﵁، والقدح في علي ﵁ تعليق في هذا الموضع الطويل يقلب الشيخ حجة الرافضي عليه ويحرجه أيما إحراج ن فالرافضي يزعم أن أبا بكر ﵁ قد منع فاطمة ﵂ حقها من (فدك) وإن هذا إيذاء لها كما أنه إيذاء للرسول ﷺ القائل: " فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها ". فبين له شيخ الإسلام أن هذا الحديث له سبب، وقد قيل في

стр. 92

علي ﵁ لا أبي بكر ﵁. فهو ﷺ قد قاله عندما أراد علي أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة، فإذا كان أبو بكر قد آذى فاطمة كما تزعمون فعلي قد آذاها قبله، فما قلتم في أبي بكر فقولوه في علي، ﵄ وأبو بكر - أيضاً لم يمنعها إلا اتباعاً لحديث رسول الله ﷺ ، فهو قد قدم حقه ﷺ عليها بخلاف علي الذي أراد الزواج عليها - وفيه أذية لها - لحظ نفسه. ولك هذا من تقرير الحقائق الثابتة، وفيه إنزال الصحابة منازلهم التي أنزلهم الله إياها دون غلو في بعضهم، وذم لآخرين هم أفضل من الأولين. وليس في هذا أي تنقص لعلي ﵁، وإنما فيه إفحام الروافض الجهال. الموضع السادس: قال شيخ الإسلام: (واستخلاف علي لم يكن على أكثر ولا أفضل ممن استخلف عليهم غيره، بل كان يكون في المدينة في كل غزوة من الغزوات من المهاجرين والأنصار أكثر وأفضل ممن تخلف في غزوة تبوك، فإن غزوة تبوك لم يأذي النبي ﷺ لأحد بالتخلف فيها، فلم يتخلف فيها إلا منافق أو معذور أو الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وإنما كان عظم من تخلف فيه النساء والصبيان ولهذا لما استخلف علياً فيها خرج إليه باكياً، وقال: أتدعني مع النساء

стр. 93

والصبيان؟ وروي أن بعض المنافقين طعنوا في علي، وقالوا: إنما استخلفه لأنه يبغضه، وإذا كان قد استخلف غير علي على أكثر وأفضل مما استخلف عليه علياً. وكان ذلك استخلافاً مقيداً على طائفة معينة في مغيبه، ليس هو استخلافاً مطلقاً بعد موته على أمته، لم يطلق على أحد من هؤلاء أنه خليفة رسول الله ﷺ إلا مع التقييد، وإذا سمي علي بذلك فغيره من الصحابة المستخلفين أولى بهذا الاسم، فلم يكن هذا من خصائصه. وأيضاً فالذي يخلف المطاع بعد موته لا يكون إلا أفضل الناس، وأما الذي يخلفه في حال غزوه لعدوه، فلا يجب أن يكون أفضل الناس، بل العادة جارية بأنة يستصحب في خروجه لحاجته إليه في المغازي من يكون عنده أفضل ممن يستخلفه على عياله، لأن الذين ينفع في الجهاد هو شريكه فيما يفعله، فهو أعظم ممن يخلفه على العيال، فإن نفع ذاك ليس كنفع المشارك له في الجهاد. والنبي ﷺ إنما شبه علياً بهارون في أصل الاستخلاف لا في كماله، ولعلي شركاء في هذا الاستخلاف يبين ذلك أن موسى لما ذهب ميقات ربه لم يكن معه أحد يشاركه في ذلك، فاستخلف هارون علي جميع قومه، والنبي ﷺ لما ذهب إلى عزوة تبوك أخذ معه جميع المسلمين إلا المعذور، ولم يستخلف علياً إلا على العيال وقليل من الرجال، فلم يكن استخلافه كاستخلاف موسى لهارون، بل ائتمنه في حال مغيبه، كما ائتمن موسى هارون

стр. 94

في حال مغيبه، فبين له النبي ﷺ أن الاستخلاف ليس لنقص مربتة المستخلف، بل قد يكون لأمانته كما استخلف موسى هارون على قومه، وكان علي خرج إليه يبكي وقال: أتذرني مع النساء والصبيان؟ كأنه كره أن يتخلف عنه. وقد قيل: أن بعض المنافقين طعن فيه، فبين له النبي ﷺ أن هذه المنزلة ليست لنقص المستخلف، إذ لو كان كذلك ما استخلف موسى هارون) تعليق في هذا الموضع يدحض شيخ الإسلام شبهة الرافضة في أن علياً هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ لأنه قد استخلفه في غزوة تبوك على المدينة، وشبهه بهارون مع موسى ﵇، ويبين أن رسول الله ﷺ قد استخلف غير علي غير مرة في حياته، فلم يكن هذا دليلاً على استحقاقهم الخلافة، وإنما هو دليل على أمانة المستخلف حيث أئتمنه الرسول ﷺ على الأهل والأولاد والأموال. فالشيخ ﵀ قد أنزل علياً منزلته التي أنزله الرسول ﷺ إياها وهي ائتمانه، ولم يغل فيه كغلو الرافضة فيجعل هذا دليلاً على أحقيته في الخلافة على أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.

стр. 95

الموضع السابع: قال شيخ الإسلام راداً على قول الرافضة " بأن محبة علي مفرقة بين أهل الحق والباطل " (وإن أريد بذلك مطلق دعوى المحبة، دخل في ذلك الغالية كالمدعين لإلهيته ونبوته، فيكون هؤلاء أهل حق وهذا كفر باتفاق المسلمين. وإن أريد بذلك المحبة المطلقة فالشأن فيها، فأهل السنة يقولون: نحن أحق بها من الشيعة، وذلك أن المحبة المتضمنة للغلو هي كمحبة اليهود لموسى، والنصارى للمسيح، وهي محبة باطلة، وذلك أن المحبة الصحيحة أن يحب العبد ذلك المحبوب على ما هو عليه في نفس الأمر، فلو اعتقد رجل في بعض الصالحين أنه نبي من الأنبياء، وأنه من السابقين الأولين فأحبه، لكان قد أحب ما لا حقيقة له، لأنه أحب ذلك الشخص بناءً على أنه موصوف بتلك الصفة، وهي باطلة، فقد أحب معدوماً لا موجوداً، كمن تزوج امرأة توهم أنها عظيمة المال والجمال والدين والحسب فأحبها، ثم تبين أنها دون ما ظنه بكثير، فلا ريب أن حبه ينقص بحسب نقص اعتقاده، إذا الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها. فاليهودي إذا أحب موسى بناء علي أنه قال: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وأنه نهي عن اتباع المسيح ﷺ يوم القيامة علم أنه لم يكن يحب موسى على ما هو عليه،

стр. 96

وإنما أحب موصوفاً بصفات لا وجود لها، فكانت محبته باطلة، فلم يكن مع موسى المبشر بعيسى المسيح ومحمد. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " المرء مع من أحب " واليهودي لم يحب إلا ما لا وجود له في الخارج، فلا يكون مع موسى المبشر بعيسى ومحمد ﷺ فإنه لم يحب موسى هذا، والحب والإرادة ونحو ذلك يتبع العلم والاعتقاد، فهو فرع الشعور، فمن اعتقد باطلاً فأحبه، كان محباً لذلك الباطل، وكانت محبته باطلة فلم تنفعه، وهكذا من اعتقد في بشر الإلهية فأحبه لذلك، كمن اعتقد إلهية فرعون ونحوه، أو أئمة الإسماعيلية، أو اعتقد الإلهية في بعض الشيوخ، أو بعض أهل البيت، أو في بعض الأنبياء أو الملائكة، كالنصارى ونحوهم، ومن عرف الحق فأحبه، كان حبه لذلك الحق فكانت محبته من الحق فنفعته. قال الله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعملهم (١) والذين ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم واصلح بالهم (٢) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا البطل وأن الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثلهم (٣) . وهكذا النصراني مع المسيح: إذا أحبه معتقداً أنه إله - وكان عبداً - كان قد أحب ما لا حقيقة له، فإذا تبين له أن المسيح عبد رسول لم يكن قد أحبه، فلا يكون معه.

стр. 97

وهكذا من أحب الصحابة والتابعين والصالحين معتقداً فيهم الباطل، كانت محبته لذلك الباطل باطلة. ومحبة الرافضة لعلي ﵁ من هذا الباب، فإنهم يحبون ما لم يوجد، وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته، الذي لا إمام بعد النبي ﷺ إلا هو، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر ﵄ ظالمان معتديان أو كافران، فإذا تبين لهم يوم القيامة أن علياً لم يكن أفضل من واحد من هؤلاء، وإنما غايته أن يكون قريباً من أحدهم، وأنه كان مقرا بإمامتهم وفضلهم، ولم يكن معصوماً لا هو ولا هم، ولا كان منصوصاً على إمامته، تبين له أنهم لم كونوا يحبون علياً، بل هم من أعظم الناس بغضاً لعلي ﵁ في الحقيقة، فإنهم يبغضون من اتصف بالصفات التي كانت في علي أكمل منها في غيره: من إثبات إمامة الثلاثة وتفضيلهم فإن علياً ﵁ كان يفضلهم ويقر بإمامتهم. فتبين أنهم مبغضون لعلي قطعاً. وبهذا يتبين الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أنه قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه: " لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " إن كان محفوظاً ثابتاً عن النبي ﷺ فإن الرافضة لا تحبه على ما هو عليه، بل محبتهم من جنس محبة اليهود لموسى والنصارى لعيسى، بل الرافضة تبغض نعوت علي وصفاته، كما تبغض اليهود والنصارى نعوت موسى وعيسى، فإنهم يبغضون من أقر نبوة محمد ﷺ ، وكانا مقرين بها صلى الله

стр. 98

عليهم أجمعين. وهكذا كل من أحب شيخاً علي أنه موصوف بصفات ولم يكن كذلك في نفس الأمر، كمن اعتقد في شيخ أنه يشفع في مريديه يوم القيامة، وأنه يرزقه وينصره ويفرج عنه الكربات ويجيبه في الضرورات، كما اعتقد أن عنده خزائن الله، أو أنه يعلم الغيب أو أنه ملك، وهو ليس كذلك في نفس الأمر ن فقد أحب ما لا حقيقة له. وقول علي ﵁ في هذا الحديث: لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق، ليس من خصائصه، بل قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار " وقال " لا يبغض الأنصار رجل مؤمن بالله واليوم الآخر " وقال " لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. وفي الحديث الصحيح حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ دعا له ولأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين، قال: فلا تجد مؤمناً إلا يحبني وأمي. وهذا مما يبين به الفرق بين هذا الحديث وبين الحديث الذي روي عن ابن عمر: " ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي ﷺ إلا ببغضهم علياً " فإن هذا مما يعلم كل عالم أنه كذب، لأن النفاق له علامات كثيرة وأسباب متعددة غير بغض علي، فكيف لا يكون على النفاق علامة إلا بغض علي؟ وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: " آية النفاق بغض الأنصار " وقال في الحديث

стр. 99

الصحيح: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ". وقد قال تعالى في القرآن في صفة المنافقين: (ومنهم من يلمزك في الصدقت فإن أعطوا رضوا) (ومنهم الذين يؤذون النبي) (ومنهم من عهد الله) (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) (وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمنا) . وذكر لهم في سورة براءة وغيرها من العلامات والصفات ما لا يتسع هذا الموضع لبسطه. يل لو قال: كنا نعرف المنافقين ببغض علي لكان متوجهاً كما أنهم أيضاً يعرفون ببغض الأنصار، بل وببغض أبي بكر وعمر، وببغض غير هؤلاء، فإن كل من أبغض ما يعلم أن النبي ﷺ يحبه ويواليه، وأنه كان يحب النبي ﷺ ويواليه، كان بغضه شعبة من شعب النفاق، والدليل يطرد ولا ينعكس. ولهذا كان أعظم الطوائف نفاقاً المبغضين لأبي بكر، لأنه لم يكن في الصحابة أحب إلى النبي ﷺ منه، ولا كان فيهم أعظم حباً للنبي ﷺ منه فبغضه من أعظم آيات النفاق. ولهذا لا يوجد المنافقون

стр. 100

في طائفة أعظم منها في مبغضيه، كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم. وإن قال قائل: فالرافضة الذين يبغضونه يظنون أنه كان عدواً للنبي ﷺ لما يذكر لهم من الأخبار التي تقتضي أنه كان يبغض النبي ﷺ وأهل بيته فأبغضوه لذلك. قيل: إن كان هذا عذراً يمنع نفاق الذين يبغضونه جهلاً وتأويلاً، فكذلك المبغضون لعلي الذين اعتقدوا أنه كافر مرتد، أو ظالم فاسق، فأبغضوه لبغضه لدين الإسلام، أو لما أحبه الله وأمر به من العدل، ولا عتقادهم أنه قتل المؤمنين بغير حق، وأراد علواً في الأرض وفساداُ، وكان كفرعون ونحوه، فإن هؤلاء وإن كانوا جهالاً فليسوا بأجهل ممن اعتقد في عمر أنه فرعون هذه الأمة، فإن لم يكن بغض أولئك لأبي بكر وعمر نفاقاً لجهلهم وتأويلهم، فكذلك بغض هؤلاء لعلي بطريق الأولى والأحرى، وإن كان بغض علي نفاقاً وإن كان المبغض جاهلاً متأولاً فبغض أبي بكر وعمر أولى أن يكون نفاقاً حينئذ، وإن كان المبغض جاهلاً متأولاً) تعليق في هذا الموضع الطريف يبين شيخ الإسلام أن الرافضة يبغضون علياً؟ لأنهم في الحقيقة قد أحبوا شخصاً لا وجود له إلا في أذهانهم، ولا يحبوا علياً ﵁ على حقيقته الثابتة عند

стр. 101

المؤمنين، فهم كاليهود مع موسى، والنصارى مع عيسى ﵉. ثم بين الشيخ أن حديث علي ﵁: " لا يبغضني إلا منافق " ينطبق على الرافضة، فهم منافقون لأنهم يبغضون علياً (الحقيقي) ، ويحبون علياً (الوهمي) . وهذا الحديث ليس من خصائص علي أيضاً، فقد شاركه غيره فيه كالأنصار. ثم ذكر الشيخ أن الرافضة الذين يبغضون أبا بكر لا حجة لهم قائمة أمام الذين يبغضون علياً فما يدعونه في أبي بكر من أسباب البغض يمكن ادعاء أكثر منه في علي، وكلاهما قد برأه الله من ذلك، ولكن الروافض قوم لا يفقهون. فهذا من باب (الحجج المحرجة) كما سبق، ولا دخل له في (التنقص) من بعيد أو قريب. الموضع الثامن: قال شيخ الإسلام: (فإن جاز لرافضي أن يقدح فيهما يقول: بأي وجه تلقون رسول الله ﷺ ؟ مع أن الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره حتى أخرجها من منزلها وسافر بها، مع أن ذلك إنما جعلها بمنزلة الملكة التي يأتمر بأمرها ويطيعها، ولم يكن إخراجها لمظان

стр. 102

الفاحشة - كان لناصبي أن يقول: بأي وجه يلقى رسول الله ﷺ من قاتل امرأته وسلط عليها أعوانه حتى عقروا بها بعيرها، وسقطت من هودجها، وأعداؤها حولها يطوفون بها كالمسبية التي أحاط بها من يقصد سباءها؟ ومعلوم أن هذا مظنة الإهانة لأهل الرجل وهتكها وسبائها وتسليط الأجانب على قهرها وإذلالها وسبها وامتهانها، أعظم من إخراجها من منزلها بمنزلة الملكة العظيمة المبجلة التي لا يأتي إليها أحد إلا بإذنها، ولا يهتك أحد سترها، ولا ينظر في خدرها. ولم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في العسكر من محارمها، مثل عبد الله بن الزبير ابن أختها، وخلوة ابن الزبير بها ومسه لها جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وهي لم تسافر إلا مع ذي محرم منها. وأما العسكر الذين قاتلوها، فلولا أنه كان في العسكر محمد بن أبي بكر مد يده إليها لمد يده إليها الأجانب، ولهذا دعت عائشة ﵂ على من مد يده إليها قالت: يد من هذه؟ أحرقها الله بالنار. فقال: أي أخية في الدنيا قبل الآخرة. فقالت: في الدنيا قبل الآخرة ز فأحرق بالنار بمصر. ولو قال المشنع: أنتم تقولون: إن آل الحسين سبوا لما قتل الحسين ولم يفعل بهم إلا من جنس ما فعل بعائشة حيث استولى عليها، وردت إلى بيتها، وأعطيت نفقتها. وكذلك آل الحسين

стр. 103

استولى عليهم، وردوا إلى أهليهم، وأعطوا نفقة، فإن كان هذا سبياً واستحلالاً للحرمة النبوية، فعائشة قد سبيت واستحلت حرمة رسول الله ﷺ وهم يشنعون ويزعمون أن بعض أهل الشام طلب أن يسترق فاطمة بنت الحسين، وأنها قالت: لا هاً لله حتى تكفر بديننا. وهذا إن كان وقع فالذين طلبوا من علي ﵁ أن يسبي من قاتلهم من أهل الجمل وصفين ويغنموا أموالهم، أعظم جرماً من هؤلاء، وكان في ذلك لو سبوا عائشة وغيرها. ثم إن هؤلاء الذين طلبوا ذلك من علي كانوا متدينين به مصرين عليه، إلى أن خرجوا على علي وقاتلهم على ذلك. وذلك الذي طلب استرقاق فاطمة بنت الحسين واحد مجهول لا شوكة له ولا حجة، ولا فعل هذا تديناً، ولما منعه سلطان من ذلك امتنع، فكان المستحلون لدماء المؤمنين وحرمهم وأموالهم وحرمة رسول الله ﷺ في عسكر علي أعظم منهم في عسكر بني أمية، وهذا متفق عليه بين الناس، فإن الخوارج الذين مرقوا من عسكر علي ﵁ هم شر من شرار عسكر معاوية ﵁. ولهذا أمر النبي صلى الله علية وسلم بقاتلهم وأجمع الصحابة والعلماء على قتالهم ز والرافضة أكذب منهم وأظلم وأجهل، وأقرب إلى الكفر والنفاق، لكنهم أعجز منهم وأذل، وكلا الطائفتين من عسكر علي، وبهذا وأمثاله ضعف علي وعجز عن مقاومة من كان يإزائه. والمقصود هذا أن ما يذكرونه من القدح في طلحة والزبير ينقلب بما هو أعظم منه في حق علي، فإن أجابوا عن ذلك بأن

стр. 104

علياً كان مجتهداً فيما فعل، وأنه أولى بالحق من طلحة والزبير. قيل: نعم، وطلحة والزبير كان مجتهدين، وعلي - وإن كان أفضل منهما - لكن لم يبلغ فعلهما بعائشة ﵂ ما بلغ فعل علي، فعلي أعظم قدراً منهما، ولكن إن كان فعل طلحة والزبير معها ذنباً، ففعل علي أعظم ذنباً، فتقاوم كبر القدر وعظم الذنب. فإن قالوا: هما أحوجا علياً إلى ذلك، لأنهما أتيا بها، فما فعله علي مضاف إليهما لا إلى علي. قيل: هكذا معاوية لما قيل له: قد قتل عمار، وقد قال النبي ﷺ " تقتلك الفئة الباغية " قال: أو نحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به حتى جعلوه تحت سيوفنا. فإن كانت هذه الحجة مردودة، فحجة من احتج بأن طلحة ووالزبير هما فعلا بعائشة ما جرى عليها من إهانة عسكر علي لها، واستيلائهم عليها - مردودة أيضاً. وإن قبلت هذه الحجة قبلت حجة معاوية ﵁. والرافضة وأمثالهم من أهل الجهل والظلم يحتجون بالحجة التي تستلزم فساد قولهم وتناقضهم، فإنه إن احتج بنظيرها عليهم فسد قولهم المنقوض بنظيرها، وإن لم يحتج بنظيرها بطلت هي في نفسها، لأنه لا بد من التسوية بين المتماثلين، ولكن منتهاهم مجرد الهوى الذي لا علم معه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، أن الله لا يهدي القوم الظالمين.

стр. 105

وجماهير أهل السنة متفقون على أن علياً أفضل من طلحة والزبير، فضلاً عن معاوية وغيره، ويقولون: إن المسلمين لما افترقوا في خلافته فطائفة قاتلته وطائفة قاتلت معه، كان هو وأصحابه أولى الطائفتين بالحق، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق " فهؤلاء هم الخوارج المارقون الذين مرقوا فقتلهم علي وأصحابه، فعلم أنهم كانوا أولى بالحق من معاوية ﵁ وأصحابه. لكن أهل السنة يتكلمون بعلم وعدل، ويعطون كل ذي حق حقه. تعليق في هذا الموضع يقابل شيخ الإسلام بين حجج الرافضة في ذم طلحة والزبير ﵄ وحجج النواصب في ذم علي ﵁ ويبين أنه ما من شبهة يقيمها الروافض على ذم طلحة والزبير إلا وللنواصب أشد منها، وهذا من قبيل (الحجج المحرجة) كما سبق. وليس من قبيل التنقص، وإنما ساق الشيخ (هذيان) النواصب لدفع (هذيان) الروافض. وتأمل ما خط بالأسود مما يدل على مقدار محبته وتعظيمه لعلي ﵁ وإنزاله في منزلته التي أرادها الله له. ثم تأمل قوله في الأخير: (أهل السنة يتكلمون بعلم وعدل

стр. 106

ويعطون كل ذي حق حقه) . الموضع التاسع: قال شيخ الإسلام: (قالوا ومعاوية أيضاً كان خيراً من كثير ممن استنابه علي، فلم يكن يستحق أن يعزل ويولى من هو دونه في السياسة، فإن علياً استناب زياد بن أبيه، وقد أشاروا على علي بتولية معاوية. قالوا: يا أمير المؤمنين توليه شهراً واعزله دهراً. ولا ريب أن هذا كان هو المصلحة، إما لا ستحقاقه وإما لتأليفه واستعطافه، فقد كان رسول الله ﷺ أفضل من علي، وولى أبا سفيان، ومعاوية خير منه، فولى من هو خير من علي من هو دون معاوية. فإذا قيل: إن علياً كان مجتهداً في ذلك. قيل: وعثمان كان مجتهداً فيما فعل. وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال، من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض، حتى ذل المؤمنين وعجزوا عن مقاومة الكفار، حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم؟ ولا ريب أنه لو لم يكن قتال، بل كان معاوية مقيماً على سياسة رعيته، وعلي مقيماً على سياسة رعيته، لم يكن في ذلك من الشر أعظم مما حصل بالاقتتال، فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام، بل سفكت الدماء، وقويت العداوة والبغضاء، وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق، وهي طائفة علي،

стр. 107

وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تطلبه ابتداء. ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته، يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه، وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة، بل كان ألامر مع عدم القتال خيراً وأصلح منه بعد التقال، وكان علي وعسكره أكثر وأقوى، ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته، فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفوراً لصاحبه، فاجتهاد عثمان أن يكون مغفوراً أولى وأحرى. وأما معاوية وأعوانه فيقولون: إنما قاتلنا علياً قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا، فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه. فإذا قيل لهم: هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين. قالوا ما نعلم أنه إمام تجب طاعته، لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص، ولم يبلغنا عن النبي ﷺ نص بإمامته ووجوب طاعته. ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر، فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق، فإن هذا قد كتم وأخفى في زمن أبي بكر وأصحابه مثل ذلك لو كان حقا، فكيف إذا كان باطلاً؟)

стр. 108

تعليق في هذا الموضع يمارس الشيخ ﵀ موهبته في ضرب شبهات الروافض بشبهات النواصب لتسقط الشبهتان ويبقي منهج أهل السنة المعتدل. فهو يحرج الرافضة بأن جميع ما يقولونه في عثمان أو معاوية هو لازم لعلي، لا مناص من ذلك. وكما سبق: ليس هذا من قبيل التنقص، ولكن من قبيل إسقاط شبهات الطرفين، ليبقى أهل الوسط وهم أهل السنة ظاهرين. الموضع العاشر: قال شيخ الإسلام: (ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء المسلمين، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله لعى رياسته. وقد النبي ﷺ : " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " وقال: " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " فيكون علي كافراً لذلك - لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم، لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة. وأيضاً فيقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد. وهذا حال فرعون. والله تعالى يقول: (تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في

стр. 109

الأرض ولا فسادا والعقبة للمتقين) ، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ولمانعي الزكاة، فإن الصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله، لا على طاعته. فإن الزكاة فرض عليهم، فقاتلهم على الإقرار بها، وعلى أدائها، بخلاف من قاتل ليطاع هو) . (وفي الجملة فالذين قاتلهم الصديق ﵁ كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله ﷺ والإقرار بما جاء به، فلهذا كانوا مرتدين، بخلاف من أقر بذلك ولكن امتنع عن طاعة شخص معين كمعاوية وأهل الشام، فإن هؤلاء كانوا مقرين بجميع ما جاء به الرسول ﷺ : يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وقالوا: نحن نقوم بالواجبات من غير دخول في طاعة علي ﵁، لما علينا في ذلك من الضرر، فأين هؤلاء من هؤلاء؟) تعليق هذا الموضع - أيضاً - هو من قبيل التضييق على الروافض وأنهم إن طعنوا في أبي بكر ﵁ بشبهات لا غية فسيوجد غيرهم من النواصب ممن يطعن في علي ﵁ بشبهات أخرى لا غية، فمهما ألصقوا بأبي بكر تهمة من التهم فسيندرج ذلك على علي أيضاً ولن يستطيعوا أن يدفعوا ذلك عنه

стр. 110

إلا بأن يدفعوا شبهاتهم عن أبي بكر، فهم في حرج وضيق يرتدعون معه عن التعرض لصحابة رسول الله ﷺ أدنى تعرض. الموضع الحادي عشر: قال شيخ الإسلام: (اجتماع الناس على مبايعة أبي بكر كانت على قولكم أكمل، وأنتم وغيركم تقولون: إن علياً تخلف عنها مدة. فيلزم على قولكم أن يكون علي مستكبراً عن طاعة الله في نصب أبي بكر عليه إماماً، فيلزم حينئذ كفر علي بمقتضى حجتكم، أو بطلانها في نفسها. وكفر علي باطل، فلزم بطلانها) تعليق الروافض يزعمون أن معاوية ﵁ قد استكبر عن طاعة علي ﵁، فلهذا هو شر من إبليس الذي استكبر على آدم فيجيبهم شيخ الإسلام دافعاً هذه الفرية عن معاوية بأن هذا يلزم علياً كما يلزم معاوية، فإن علياً قد تأخر عن مبايعة أبي بكر بالخلافة عدة أشهر فيلزم من هذا على قولكم أنه قد استكبر عن طاعته فيلزم من ذلك اللوازم الشنيعة التي ألزمتم بها معاوية. فإذا لم تلتزموا ذلك، فالحجة من أصلها باطلة، فإذا بطلت في حق علي فهي باطلة في حق معاوية سواء بسواء؟ فهذا الموضع يبين موهبة شيخ الإسلام في إفحام الخصوم
следующие страницы →