← Акыда

Акыда · id 9700

شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن ناصبيا

سليمان الخراشي

Полный текст (172 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ابن تيمية لم يكن ناصبياً تأليف الشيخ سليمان بن صالح الخراشي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم لفضيلة الشيخ صالح الفوزان الحمد لله وحده - وبعد: فقد قرأت هذا الكتاب: (ابن تيمية لم يكن ناصبياً) وهو الرد على من احترق غيظاً من كتاب شيخ الإسلام: " منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية" فاتهمة بأنه ناصبي يبغض علياً ﵁ لأن الذي يخالف مذهب الشيعة في الكذب والافتراء في حب علي بزعمه وأن حبه يلزم منه بغض صحابة رسول الله ﷺ وتكفيرهم. فمن لم يوافقهم على ذلك أو ردَّ عليهم مفترياتهم يعتبر ناصبياً. ولذلك لما بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ افتراءات الشيعة في هذا الكتاب وفضح كيدهم وذب عن أصحاب رسول الله ﷺ وزيف دعواهم المحبة لعلي ﵁، وأن الذين يحبون علياً ﵁ هم أهل السنة والجماعة، الذين يعتبرونه رابع الخلفاء الراشدين وأحد السابقين الأولين المهاجرين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، لذلك كله اشتدت عداوة الرافضة لشيخ الإسلام ابن تيمية، واتهموه بأنه ناصبي ومنهم أناس يندسون بيننا ويروجون في المجالس وبين شبابنا هذه الفكرة الخبيثة - فجاء هذا الكتاب: (ابن تيمية لم يكن ناصبياً) تأليف الشيخ سليمان بن صالح الخراشي، رداً على هذه الفكرة ومروجها، بذكر مقاطع من كلام شيخ الإسلام تدحض هذه الفرية وتخرس مروجها - ولله الحمد - فجزى الله الشيخ سليمان خير الجزاء على نصرة الحق ودحض الباطل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. كتبه: صالح بن فوازان بن عبد الله الفوزان

стр. 3

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. أما بعد: فلم يزل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منذ أن جهر بدعوة الحق يتلقى التهم والافتراءات التي يلفقها عليه خصومه في حياته وبعد مماته. وهذه التهم والافتراءات يوصي بها سلف المبتدعة إلي خلفهم، ويرجون بها إلي أوليائهم، لتكون سلاحاً بيدهم أمام دعوة الشيخ التي عشت بنورها أبصارهم الكليلة. فهم قد اتهموا الشيخ ﵀ بتهم كثيرة تفوق الحصر، منها ما هو مكذوب من أصله، ومنها ما هو مساء فهمه. فقيل في الشيخ - مثلا - بأنه يقول بعدم العالم، وأنه مجسم، وأنه مشبه، وأنه يبغض الرسول ﷺ ويمنع من زيارته، وأنه يفتي بمسائل شنيعة لم يقل بها أحد قبله، وأنه، وأنه ... في تهم عديدة يحسن بشيخ الإسلام أن يمثل أمامها بقول أبي الطيب:

стр. 4

رماني الدهر بالأزراء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال وهان فما أبالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي قلت: ولكن الله القائل (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) لم تزل سنته ماضية في أن يهيئ لأوليائه من يقوم بالذب عنهم، أحياءً وأمواتاً. فقد قيض لشيخ الإسلام تلاميذ بررة، وأنصاراً متلاحقين يدفعون تهم الأعداء عن عرض الشيخ ﵀ والكتب التي ألفت في رد خصوم الشيخ كثيرة جداً، ليس هذا موضع استقصائها. وهذه الرسالة التي قمت بإعدادها - راجياً أن تسلك مسالكهم - هي في دفع تهمة وفرية على شيخ الإسلام، افتراها خصومه عليه عندما ألف كتابه العظيم (منهاج السنة) . فهؤلاء الخصوم عندما قرأوا كتابه لم يفهموه حق الفهم - أو فهموه وغاضهم ما فيه، أو لحسدهم وبغيهم - فانقلبت حسنات الشيخ - في تأليفه لهذا الكتاب - عندهم إلي سيئات.

стр. 5

إن يحسدوك فلا تعبأ بقائلهم ... هم الغثاء وأنت السيد البطل فقالوا قولتهم الآثمة: بأن شيخ الإسلام ابن تيمية يبغض علياً ﵁ ويتنقصه في كتابه هذا؟؟ وقد اتخذا هؤلاء الجهال من عبارات خاطئه للحافظ ابن حجر أطلقها في هذا المقام سلماً للولوغ في عقيدة شيخ الإسلام، فأصبحوا يرددون كلمات الحافظ ﵀ في كتبهم ورسائلهم نكاية بأهل السنة، وشيخهم. وأني شقي باللئام ولا ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل وهذه الفرية ليست هي الأولى ولا ألاخيرة في سجل التهم الموجهة لشيخ الإسلام، بل قد قيل فيه ما هو أعظم منها وقيل في غيره من الأئمة ما هو مثلها. فهي تهمة باطلة قد تعودناها من أهل البدع في كل زمان. وأنا لم أكن لأعبأ بها، أو أن أقيم رسالتي هذه عليها، لولا أن

стр. 6

سمعت من تأثر بها ممن يدعي طلب العلم آخذاً في ترديدها في رسائله على استحياء وفي مجالسه بتصريح دون تلميح وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب وخشية من أن يقع في نفوس الناشئين من شباب الإسلام أي حسيكة على شيخ الإسلام نظراً لترديد مثل هذه التهمة في بعض المجالس مقرونة بأقوال الحافظ ابن حجر ﵀ رغبت في دفع هذه التهمة الباطلة في رسالتي هذه بشيء من التفصيل الذي لم أجده في رسائل أخرى. وكما قال الشيخ الألباني - حفظه الله - (نحن إنما علينا أن ندافع عن الذين آمنوا، ونبرئ ساحتهم مما اتهموا به من الأكاذيب والأباطيل التي يكون الدافع عليها تارة الجهل، وأخرى الظلم، وقد يجتمعان) والله أسال أن يجعلني من الذابين عن عرض علم الإسلام وشيخه ابن تيمية ﵁ وأن يكتب لي ولقارئها المنتفع بها الأجر والثواب. وأن يعظم أجر شيخنا: الشيخ صالح الفوزان الذي تفضل بتقديم هذه الرسالة. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم

стр. 7

لمحة عن كتاب (منهاج السنة) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله

стр. 8

الذين اتهموا شيخ الإسلام بهذه التهمة كانت عمدتهم في هذا الاتهام عبارات لم يفهموا مغزاها عثروا عليها متفرقة في كتابه " منهاج السنة" وقبل أن أبين مقصود شيخ الإسلام منها أحب أن يعلم القارئ نبذة عن هذا الكتاب وظروفه ليكون على وعي وبصيرة بمنهج الشيخ. كتاب " منهاج السنة " هو (من أهم وأكبر كتب شيخ الإسلام، وقد ورد ذكره في أكثر الكتب التي تحدثت عن مؤلفات ابن تيمية) وهو قد ألفه (حوالي سنة ٧١٠هـ. وهذا يعني أنه ألف هذا الكتاب أثناء وجوده في مصر) وهو ﵀ قد ألفه نقضاً لكتاب (منهاج الكرامة) للرافضي ابن المطهر. يقول شيخ الإسلام في مقدمة كتابه بعد حمد الله والثناء عليه: (أما بعد، فإنه قد أحضر إلي طائفة من أهل السنة والجماعة كتاباُ صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا، منفقاً لهذه البضاعة،

стр. 9

يدعو به إلي مذهب الرافضه الإمامية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور. .) قال: (وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم الأسباب في تقرير مذاهبهم عند من مال إليهم من الملوك وغيرهم. وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه فيه (خدابنده) وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب، لما في ذلك من نصر عباد الله المؤمنين، وبيان بطلان أقوال المفترين الملحدين) قلت: أما الرافضي المردود عليه فهو: (أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي ابن المطهر الحلى المشهور عند الشيعة بالعلامة. ولد سنة ٦٤٨ وتوفي سنة ٧٢٦هـ قبل وفاة ابن تيمية بعامين، وهو منسوب إلى الحلة السيفية التي بناها الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور المزيدي الأسدي من أمراء دولة الديالمة في محرم سنة ٤٩٥هـ، وهي واقعة بين النجف والخار علي طرفي شط الفرات) (أما الملك خدابنده الذي ألف ابن المطهر كتابه " منهاج الكرامة من أجله فهو أحد ملوك الدولة الإيلخانية ومن أحفاد جنكيز خان واسمه الجايتو (أو أولجايتو) خدابنده غياث الدين محمد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكيز خان. وقد تولى أخوة الملك غازان (أو قازان) الحكم سنة ٦٩٤ وولاه حكم

стр. 10

خراسان، وكان غازان ميالاً لأهل السنة (ولابن تيمية عدة وقائع معه) واستمر حكمه مدة ثمان سنين وعشرة أشهر إلى أن توفي في شوال سنة ٧٠٣، وتولى بعده أخوه خدابنده في شهر ذي الحجة من نفس العام. وقد استمر خدابنده بعض الوقت مقيماً على السنة إلى أن كانت سنة ٧٠٩ حينما انتقل إلى مذهب الشيعة) بسبب الرافضي (ابن المطهر) الذي ألف له كتاب: " منهاج الكرامة " ودعاه فيه إلى اعتناق مذهب الرافضة بعد أن حسنه له وقبح صورة مذهب أهل السنة في عينه. وكتاب " منهاج الكرامة " يتحدث فيه الرافضي عن مسألة ألإمامة التي يقول عنها بأنها (أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين) ويلخص لنا الرافضي كتابه أو رسالته في هذه المسألة بقوله: (وسميتها " منهاج الكرامة في معرفة الإمامة " ورتبتها على فصول: الفصل الأول: في نقل المذاهب في هذه المسألة. الفصل الثاني: في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع. الفصل الثالث: في الأدلة على إمامة علي ﵁ بعد رسول الله ﷺ . الفصل الرابع. في الإثني عشر.

стр. 11

الفصل الخامس. في إبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان) قلت هذا بإجمال فصول الكتاب المردود عليه فهو قد حدد هدفه من تأليفه، وهو تقرير إمامة علي ﵁ بعد الرسول ﷺ ، والطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وغيرهم من الصحابة. وفي سبيل هذا الهدف الباطل الذي أقام عليه رسالته غلا غلواً فاحشاً في علي ﵁ فصوره في صورة غير التي نعرف من سيرته، وعظمه على غيره من الصحابة - بل والرسول ﷺ فجعل الأحداث تدور من حوله، فهو صانعها، وهو بطلها الوحيد. وأقذع في تصويره ﵁ وأهل البيت في صورة المظلومين، الذين قد هضم الصحابة حقوقهم، وأما الصحابة الآخرين فقد صغر مواقفهم، ونال منهم، وجعلهم في صورة الظالمين الذين انتهكوا حق علي وأهل البيت، وتفنن - في سبيل هذا الهدف - في توزيع التهم عليهم. فعلي ﵁ عنده هو الإمام المعصوم، وهو أفضل البشر بعد الرسول ﷺ وهو أزهد الناس، وأعبدهم، وأعلمهم في جميع العلوم وأشجعهم، وأنه يعلم الغيب وكان

стр. 12

مستجاب الدعاء، وأن الشمس قد ردت له ونزلت في شأنه آيات كثيرة، وفضله الرسول صلى الله علية وسلم في أحاديث كثيرة، وكانت له كرامات عظيمة ... إلخ. وأما أبو بكر ﵁ فهو عند الرافضي قد اغتصب الخلافة من علي، وظلم فاطمة حقها، وأنه لا علم عنده، وهو لا يقيم الحدود على رعيته.... إلي آخر تهم الرافضي لأبي بكر ﵁ التي فندها شيخ الإسلام في كتابه. وهكذا صنع الرافضي مع عمر ومع عثمان ومع معاوية ومع طلحة والزبير ﵃ أجمعين -. فهو قد أخفى فضائلهم واختلق لكل واحد منهم تهمة باطلة ليشوه صورته أمام الناس. هذا ملخص ما احتواه هذا الكتاب الآثم الذي حاءته جنود شيخ الإسلام من كل مكان: من فوقه، ومن أسفل منه، حتى جعله حصيداً خامداً كأن لم يغن بالأمس فذب بحماس عن أعراض أكرم الخلق بعد الرسل، ونفى غلو الرافضة في علي، وبين المنهج الحق في جميع المسائل التي تعرض لها الرافضي. ومما يأسف له المسلم أن هذا الكتاب العظيم لشيخ الإسلام ﵀ الذي أصبح مرجعاً لكل طالب علم بعده يريد أن ينقض شبهات الروافض لم يعجب بعض من يدعون العلم، ورأوا أنه كان الأولى أن لا يؤلفه شيخ الإسلام.

стр. 13

ومن هؤلاء: السبكي الذي كان خصماً من خصوم شيخ الإسلام، حيث يقول في قصيدته حول الروافض وكتاب " منهاج السنة " إن الروافض قوم لا خلاق لهم ... من أجهل الناس في علم وأكذبه والناس في غنية عن رد إفكهم ... لهجنة الرفض واستباح مذهبه فهو يرى أنه لا داعي للرد عليهم لافتضاح مذهبهم، وهذا سوء فهم وجهل من السبكي لأن شبه الروافض وأكاذيبهم إذا كانت مفضوحة عند العلماء الذين يخبرون مذهبهم الباطل، فإنها قد تروج على عامة المسلمين من عليه القوم وأسافلهم ممن لا علم عند برد شبهاتهم، فيتأثر بأقوالهم، وقد ينصر مذهبهم كما فعل الملك (خدابنده) الذي ألف له ابن المطهر كتابه. وتخيل لو كان عند هذا الملك علم بأباطيلهم كما وضحها شيخ الإسلام، هل كان سيترفض؟ قلت: وكأني بالحسد قد ملأ قلب السبكي حتى قال قولته السابقة، لأن الله قد ادخر هذا العمل العظيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يكتبه لغيره.

стр. 14

وقولة السبكي هذه أغضبت أحد علماء السنة (يوسف السرمري) فرد علي قصيدته السابقة بقصيدة أجمل منها جاء فيها: وقعت في الشيخ إذ رد الروافض في ... قعر الحضيض وكانوا فوق مرقبه أوهمتنا فيك رفضاً في كلامك والـ ... إنسان قد يبتلى من تحت مذربه فهو يقول للسبكي بأنك أوهمتنا بأنك رافضي لأنك تدافع عن الروافض وترى عدم الرد على مذهبهم. والصحيح أن السبكي ليس برافضي، ولكنه العداء والحسد لشيخ الإسلام. قلت: ومن هؤلاء الذين لم يروا أهمية لرد شيخ الإسلام على الروافض: الصفدي، الذي لقي شيخ الإسلام عدة مرات، وكان شيخ الإسلام يحثه على ملازمة التتلمذ على يديه ليستفيد، ولكن غلبه حب الأدب، فصرفه الله عن العلم. يقول الصفدي في كتابه: " أعيان العصر " عن شيخ الإسلام: (وضيع الزمان في رده على النصارى والروافضة ومن عاند الدين أو ناقضه، ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم لقلد أعناق أهل العلوم بدر كلامه النظيم)

стр. 15

قلت: لم يضيع شيخ الإسلام زمانه، بل أفاد الأمة بردوده تلك وجعلها مرجعاً لمن بعده ممن أرد نقض شبهات الأعداء، وأما التفسير وشروح البخاري فقد تتابع عليها علماء الإسلام بما يغني الأمة أن تنصرف (جميع) جهود علمائها إليها، ومن تأمل كتب وفتاوى شيخ الإسلام يعلم أن له حظا وافراً من ذلك - أيضاً -. وأخيراً: ما أجمل قول الأستاذ محمد كرد على ﵀ في شيخ الإسلام: (ولو لم يكن له إلا " منهاج السنة " لكفاه على الأيام فخراً لا يبلى، ففيه مثال من علمه وقوة حجته، ومعرفته بالملل والنحل، وإذا قلنا: إنه لم يؤلف نظيره في الرد على المخالفين لأهل السنة لصدقنا كل منصف من أهل القبلة) .

стр. 16

المتهمون لشيخ الإسلام بتنقص علي ﵁ والانحراف عنه

стр. 17

لقد حاولت أن أذكر في هذا المبحث أبرز المتهمين لشيخ الإسلام بتلك الفرية، ممن عثرت على أقوالهم، مع توثيقها من كتبهم أو من كتب الناقلين عنهم، وقد اتضح لي أنهم على نوعين: الأول: أناس لم يفهموا مقاصد شيخ الإسلام من عباراته التي ذكرها في كتابه " منهاج السنة " والتي ظنوا أن فيها تنقصاً لعلي ﵁، وأداهم لهذا عجلتهم في الحكم دون ترو، ولا مراجعة لأقوال شيخ الإسلام الصريحة في نفي ذلك عن نفسه، إضافة إلى عدم إدراكهم لعمق مذهب الشيخ في رده لأكاذيب الروافض، فلهذ زلوا هذا الزلة العظيمة. وخير مثال لهؤلاء: الحافظ ابن حجر العسقلاني - عفا الله عنه- الثاني: أناس قد أشربت قلوبهم مختلف أنواع البدع، فطارت قلوبهم فرحاً عندما عثروا على تلك العبارات التي ظنوها تنقصاً لعلي ﵁ فأذاعوا بها شرقاً وغرباً قاصدين بذلك ذم شيخ الإسلام والتنفير منه ومن كتبه وآرائه التي تخالف مشربهم. وخير مثال لهؤلاء: ابن حجر الهثيمي، والكوثري، والغماري، والسقاف، والحبشي، وغيرهم - كما سيأتي -.

стр. 18

المتهمون وأقوالهم ١- فمنهم العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ الذي جرأت كلماته السفهاء على شيخ الإسلام، واتخذوها متكأ للتطاول على مقامه ﵀ وسهولة كيل التهم له بتنقص علي ﵁ ما دام الحافظ ﵀ قد ألمح إلى ذلك ومهد لهم الطريق بكلماته في شيخ الإسلام. ونحن نعلم أن الحافظ ﵀ هو ممن يقدرون شيخ الإسلام، ويثنون عليه، ويعرفون فضله. قال العلامة محمود شكري الألوسي: (إن الحافظ ابن حجر العسقلاني موالاته ومحبته للشيخ ابن تيمية مما لا ينكره إلا جاهل، وقد تلقى العلم عن تلامذة الشيخ وأصحابه وانتفع بكتبه، وقرأ كثيراً منها درساً، وهذا هو اللائق به وبأمثاله من أهل الفضل والعلم، وقد قيل: إنما يعرف ذا الفضل ذووه) قلت: ومن ذلك قول الحافظ: ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السارة، التي انتفع بها الموافق والمخالف: لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته، فكيف وقد

стр. 19

شهد له بالتقدم في العلوم والتمييز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم فضلاً عن الحنابلة) أما كلام الحافظ في شيخ الإسلام حول موضوع تنقص على ﵁ فهو اجتهاد خاطئ من الحافظ تعجل في إطلاقه لعدم فهمه مقاصد شيخ الإسلام. ومن ذلك قوله في لسان الميزان في ترجمة الرافضي الذي رد عليه شيخ الإسلام: (صنف كتاباً في فضائل علي ﵁ نقصه الشيخ تقي الدين ابن تيمية في كتاب كبير، وقد أشار الشيخ تقي الدين السبكي إلى ذلك في أبياته المشهورة حيث قال: وابن المطهر لم تطهر خلائقه........) قال ابن حجر: (طالعت الرد المذكور فوجدته كما قال السبكي في الاستيفاء، لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في الرد الأحاديث التي يوردها ابن المطهر، وان كان معظم ذلك من الموضوعات الواهيات، لكنه رد في رده كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانها، لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان، وكم

стр. 20

من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته أحياناً إلى تنقيص على ﵁ . وقال - أيضاً - في ترجمة الرافضي في كتابه: (الدرر الكامنة) : (له كتاب في الإمامة رد عليه فيه ابن تيمية بالكتاب المشهور المسمى بالرد على الرافضي، وقد أطنب فيه وأسهب، وأجاد في الرد إلا أنه تحامل في مواضع عديدة، ورد أحاديث موجودة وإن كانت ضعيفة بأنها مختلقة) . وقال في الدرر الكامنة في ترجمة ابن تيمية: (وكان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس، كأن هذه العلوم بين عينيه فأخذ منها ما يشاء ويذر، ومن ثم نسب أصحابه إلى الغلو فيه واقتضى له ذلك العجب بنفسه حتى زهى على أبناء جنسه، واستشعر أنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم، قعويهم وحديثهم، حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شئ، فبلغ الشيخ إبراهيم الرقي فانكر عليه، فذهب إليه واعتذر واستغفر، وقال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً ثم خالف فيها نص الكتاب، منها اعتداد المتوفي

стр. 21

عنه زوجها أطول الأجلين) وقال ابن حجر - أيضاً -: منهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي ما تقدم، ولقوله: إنه كان مخذولا حيث ما توجه، وأنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله: إنه كان يحب الرياسة، وإن عثمان كان يحب المال، ولقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول وعلى أسلم صبياً، والصبي لا يصح إسلامه على قول، وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل، ومات مانسبها من الثناء على..... وقصة أبي العاص ابن الربيع وما يؤخذ من مفهومها، فإنه شنع في ذلك، فألزموه بالنفاق لقوله ﷺ " ولا يبغضك إلا منافق ") ٢- ومنهم: ابن حجر الهيتمي الذي قال في فتاواه الحديثية: (ابن يتمية عبد خذله الله تعالى وأضله وأعماه وأصمه وأذله وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته

стр. 22

وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية. ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما - والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال ومضل جاهل غال، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته) قال: (ولا زال يتتبع الأكابر حتى تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه وبدعوه، بل كفره كثير منهم، وقد كتب إليه بعض أجلاء عصره علماً ومعرفة سنه خمس وسبعمائة: من فلان إلى الشيخ الكبير العالم إمام أهل عصره - بزعمه - أما بعد، فإنا أحببناك في الله زماناً وأعرضنا عما يقال فيك إعراض الفضل إحساناً، إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة بحكم ما يقتضيه العقل والحس، وهل يشك في الليل عاقل إذا غربت الشمس؟ وإنك أظهرت إنك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله تعالى أعلم بقصدك ونيتك، ولكن الإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول، وما رأينا آل أمرك إلا إلى هتك الأستار والأعراض باتباع من لا يوثق بقوله من أهل الأهواء والأغراض، فهو سائر زمانه يسب الأوصاف والذوات ولم يقنع بسب الأحياء حتى حكم بتكفير الأموات.

стр. 23

ولم يكفه التعرض على ما تأخر من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الأول ومن له أعلى المراتب في الفضل، فيا ويح من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة، وهيهات أن لا يناله غضب وأنى له بالسلامة. وذكر سامعه منه تخطئة الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وقد تقدم، ثم قال: فيا ليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ علي بزعمك كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب؟ والآن قد بلغ هذا الحال إلى منتهاه والأمر إلى مقتضاه ولا ينفعني إلى القيام في أمرك ودفع شرك، لأنك قد أفرطت في الغي ووصل أذاك إلى كل ميت وحي، وتلزمني الغيرة شرعاً لله تعلى ولرسوله، ويلزم ذلك جميع المؤمنين وسائر عباد الله المسلمين، بحكم ما يقوله العلماء، وهم أهل الشرع، وأرباب السيف الذي بهم الوصل والقطع، إلى أن يحصل منك الكف عن أعراض الصالحين ﵃ أجمعين) قلت: قال صاحب كتاب (جلاء العينين) : السيد نعمان الألوسي بعد نقله لهذا الكلام: (كان ينبغي من ابن حجر أن يعزو هذا الكلام إلى كتاب الذي نقله منه، ونسبه إلى ابن تيمية)

стр. 24

وقال أيضاً: (إن ما نسبه الشيخ ابن حجر إلى شيخ الإسلام من سوء الاعتقاد في أكابر الصحابة الكرام لا أصل له) ٣- ومن المتهمين لشيخ الإسلام بأنه منحرف عن على المدعو زاهد الكوثري أحد رؤوس البتدعة في هذا القرن والذي سخر كل تآليفه وتعليقاته على الكتب في النيل من علماء السلف ممن لم يوافق مشربه البدعي. يقول هذا الكوثري راداً على شيخ الإسلام تضيفه حديث (رد الشمس لعلي ﵁) دون اعتبار لتصحيح الطحاوي له: (فتراه يحكم عليه هذا الحكم القاسي لأنه صحح حديث لد الشمس لعلي كرم الله وجهه، فيكون الاعتراف بصحة هذا الحديث ينافي انحرافه عن علي ﵁، وتبدو على كلامه آثار بغضه لعلي ﵇ في كل خطوة من خطوات تحدثه عنه) ويقول في كتابه " اللإشفاق " (ولولا شدة ابن تيمية في رده على ابن المطهر في منهاجه إلى أن بلغ به الأمر أن يتعرض لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوئل الجزء الثالث منه، بطريق يأباه كثير

стр. 25

من أقحاح الخوارج مع توهين الأحاديث الجيدة في هذا السبيل - لما قامت دولة الغلاة من الشيعة في بلاد الفرس والعراق وشرق الآسيا (كذا) الصغرى وأذربيجان من عهد الملك المغولي " خدابنده " وابن المطهر الحلي لما وصل إليه كتاب ابن تيمية هذا، قال: كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي، ولكن جوابي يكون بالفعل، حتى سعي سعياً إلى أن تمكن من قلب الدولة السنية من تلك الأقطار غالية في التشيع يحمل " خدابنده " الملك الشعوب على المتذهب بمذهب ابن المطهر، ولم يزل الغلو في التشيع في تلك البلاد منذ علم ابن تيمية هذا، ولم كان يسعى بحكمة لما بعدت شقة الخلاف بين الإخوان المسلمين على الوجه الذي تراه) قلت: قال الشيخ محمد بهجة البيطار راداً هذا الاتهام عن شيخ الإسلام: (أقوال: كلامه هذا الصريح في أن الإمام ابن تيمية هو الذي أثار ثائرة الشيعة بتعصبه عليهم، وطعنه فيهم، وتنقيصه علياً ﵇ بما يأبى مثله الخوارج وأنه هو الذي حمل ابن المطهر على هذا الغلو في التشيع والسعي في نشر المذهب من عهد الملك المغولي " خدابنده " الذي تشيع وقلب دولته شيعية بسعي ابن المطهر الحلي هذا، وأن منهاج السنة النبوية في نقض كلام

стр. 26

الشيعة والقدرية لشيخ الإسلام هو الذي زاد النار ضراماً. ألخ. سبحان الله ما أجرأ هذا الرجل على تشوية الحقائق وإفساد التاريخ، فهو ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً. وإليك الجواب عن الكذب الصريح: ١- إن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يؤلف كتابه " منهاج السنة النبوية " ابتداءً، ولكنه ألفه رداً على كتاب الحلي الشيعي الذي سماه " منهاج الكرامة " وقد قال ﵀ في مقدمة كتابه: " أما بعد فإنه أحضر إلي طائفة من أهل السنة والجماعة كتاباً صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقاً لهذه البضاعة، ويدعو به إلى مذهب الرافضة الإماية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم (إلى أن قال) وذكر من أحضر هذا الكتاب بأنه من أعظم الأسباب في تقرير مذهبهم عند من مال إليهم من الملوك وغيرهم، وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه " خدابنده " وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب " اهـ. فأنت ترى أن كتاب منهاج السنة النبوية قد كتب رداً لا عتداء من اعتدى على أهل السنة وتهجم عليهم، وطعن في دينهم، وأن شيخ الإسلام قد أحضر إليه كتاب الشيعي ولم يكن رآه، وطلب منه أهل السنة والجماعة رد مفترياته على أهل السنة وهو شيخهم، بل شيخ الإسلام، ومن أولى منه ببيان الحق وأقدر منه عليه؟ ٢- إن الملك المغولي " خدابنده " قد ترفض أو تشيع على يد ابن المطهر الحلي قبل صدور رد شيخ الإسلام عليه كما هو

стр. 27

ظاهر من كلامه. ٣- إن أقصى ما في كلام شيخ الإسلام هو الدعوة إلى الاعتدال في الأقوال والاعمال، وتخفيف غلو الغالين في العقائد، وتقليص ظل عصبيات أهل البدع والأهواء، ودفع أكاذيبهم وأباطيلهم، والغرض من ذلك كله تنوير العقول، وتقريب القلوب، وتطهيرها مما تراكم عليها من أوضار الباطل، وأوغار الحقد، وإزالة ما استحكم فيها من جفوة وقسوة. وهذه نبدة صغيرة من كلام شيخ الإسلام مصدقة لما ذكرناه. قال ﵀: " وأما الرافضي فإذا قدح في معاوية بأنه كان باغياً ظالماً، قال له الناصبي: وعلي أيضاً كان باغياً ظالماً لما قاتل المسلمين على إمارته وبدأهم بالقتال، وصال عليهم وسفك دماء الأمة بغير فائدة لا في دينهم، وكان السيف مسلولاً في خلافته على أهل الملة، كفوفاً عن الكفار - إلى أن قال - فالخوارج والمروانية وكثير من المعتزلة وغيرهم يقدحون في على ﵁ وكلهم مخطئون في ذلك ضالون مبتدعون " اهـ. فأنت ترى شيخ الإسلام يحكي كلام الروافض والنواصب والخوارج، ولكنه لا يحكم على فريق، بل يحكم بأنهم مخطئون مبتدعة ضالون، خلافاً لما يزعمه الكوثري، المقلد الغبي، من انتقاص مقام الإمام علي، فما أضيع البرهان عند المقلد.

стр. 28

٤- وأوضح وأفضح مما تقدم أن هذا المعتدي على التاريخ، دعواه أن ابن تيمية هو سبب الغلو في التشيع، وبسط سلطانه في الأرض، ويوهم كلامه أو يفهم أن السلطان " خدابنده " قد ترفض ونشر مذهب ابن المطهر بسبب ابن تيمية، وتحامله على الشيعة في منهاج السنة النبوية. وقال: وابن المطهر الحلي لما وصل إليه كتاب ابن تيمية هذا، قال: كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي، ولكن جوابي يكون بالفعل حتى سعى سعياً إلى أن تمكن من قلب الدولة السنية من تلك الأقطار إلى دولة غالية في التشيع يحمل " خدابنده " الملك الشعوب على التمذهب بمذهب ابن المطهر، ولم يزل الغلو في التشيع متغلغلاً في تلك البلاد منذ عمل ابن تيمية هذا. اهـ. ونحن ننقل لك بعد هذا الكلام ما ذكره الشيعة الإمامية أنفسهم في سبب ترفض الملك " خدابنده " ليعلم مبلغ هذا الرجل من تحريف التاريخ وقلب الحقائق الواقعية بكل وقاحة وصفاقة، ونسجل عليه حقده وتعصبه على رجال الإسلام العظام، وافتراءه عليهم الكذب الصريح. جاء في كتاب " روضات الجنات في تراجم الشيعة " تأليف ميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري الميلاد، والأصفهاني الموطن والمهاد - في ترجمة الحسن بن المطهر الحلي ما نصه:

стр. 29

ثم نقل عن كتاب شرح مولانا التقي المجلس علي الفقيه نقلاً عن جماعة من الأصحاب أن الشاه " خدابنده " المذكور غضب يوماً على امرأته فقال لها: أنت طالق ثلاثاً، ثم ندم وجمع العلماء فقالوا: لا بد من المحلل فقال: عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أو ليس لكم هنا اختلاف؟ فقالوا: لا، فقال: أحد وزرائه: إن عالماً بالحلة وهو يقول ببطلان الطلاق، فبعث كتابه إلى العلامة وأحضره - وهنا أطال في وصف اجتماعه بعلماء السنة ومناظرته لهم، بما يضحك الثكلى ويشبه كلام الصبيان ثم قال: وعلى أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل، لأنه لم يتحقق شروطه، ومنه العدلان، فهل قال الملك بمحضرهما؟ قال: لا ثم شرع في البحث مع العلماء حتى ألزمهم جميعاً فتشيع الملك وبعث إلى البلاد والأقاليم حتى يخطبوا بالأئمة الإثني عشر، ويضربوا السكك على أسمائهم، وينفقوها على أطراف المساجد، والمشاهد منهم (ثم قال) والذي في أصفهان موجود الآن في الجامع القديم الذي كتب زمانه ثلاثة مواضيع منه، وكذا في معبديه - مكوار لنجان، ومعبد الشيخ نور الدين النطنزي من الفرقاء، وكذا على منارة دار السيادة التي تممها هذا السلطان من بعد ما أحدثه أخوه غازان. اهـ. (ثم قال) : وهذه اليد العظمى والمنة الكبرى التي له على أهل الحق مما لم ينكره أحد من المخالفين والموافقين، حتى أنه في بعض تواريخ العامة (أي أهل السنة) رايت التعبير عن هذه

стр. 30

الحكاية بمثل هذه الصورة. ومن سوانح سنة سبع وسبعمائة، أظهر " خدابنده " شعار التشيع بإضلال ابن المطهر. اهـ. أعلمت الآن أيها القارئ الكريم السبب الذي من أجله ترفض هذا الجاهل الأعجمي المغولي وأنه مسألة شخصية، لا دخل فيها لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا لكتاب منهاج السنة النبوية، وهو كونه طلق زوجته ثلاثاً وهو غضبان، واستفتى أمثال الكوثري من علماء عصره فأفتوه بالمحلل، وهو الذي سماه الرسول ﷺ التيس المستعار، وقال الملك لهم: عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أو ليس لكم هنا اختلاف؟ قالوا: لا، لابد من المحلل - أي الملعون بلسان الرسول ﷺ هو المحلل له، فاستنكف الملك عن هذا التحليل الذي هو زنا صريح، ولو أخذوا بما كان عليه الطلاق الثلاث في عهده ﷺ وفي عهد صاحبيه، لخرجوا من جحر الضب الذي أوقعوا الملك معهم فيه، ولو اهتدى إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لوجد لمسألته عنده حلاً نبوياً سنياً غير شيعي، ولكن الكوثري يلبس شيخ الإسلام ذنب غيره فعليه ما يستحق من ربه، ولماذا تسكت أيها الكوثري عمن أحرجوا الملك فأخرجوه من بينهم، وتطعن في دين من يرده وقومه إلى حظيرة السنة؟ أكان بالله إثما أن يؤلف ابن تيمية كتاب " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية "؟ ويرد به ضلالات ابن المطهر الحلي

стр. 31

والكوثري السني فيما يزعم يتبجح بقول الحلي الشيعي لإمام السنة: كنت أجاوبه لو كان يفهم كلامي. وفي كتاب " روضات الجنات " في تراجم الشيعة الذي لخصنا عنه ما تقدم (ص١٧١ - ١٧٤) نقلاً عن تذكرة الشيخ نور الدين علي بن عراق المصري - أن الشيخ تقي الدين بن تيمية الذي كان من جملة علماء السنة معاصراً للشيخ جمال الدين العلامة المذكور - منكراً عليه في الخفاء كثيراً - كتب إليه العلامة بهذه الأبيات: لو كنت تعلم كل ما علم الورى ... طراً لصرت صديق كل العالم لكن جهلت فقلت إن جميع من ... يهوى خلاف هواك ليس بعالم فكتب الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي في جوابه هذه القطعة وأرسلها إليه: يا من يموه في السؤال مسفسطاً ... إن الذي ألزمت ليس بلازم هذا رسول الله يعلم كل ما ... علموا وقد عاداه جل العالم وترى الكوثري ينوه بكلمة ابن المطهر الحمقاء التي أخذها من شعره ولكنه لم يذكر جوابها السديد لبعض علماء السنة.

стр. 32

ويمكنك أن تقف مما أوردناه لك على دخيلته، وتعرف حقيقة نحلته وخبيئته. وجملة القول: أن هذا الرجل لا يتعد بعقله ولا بنقله ولا بعلمه ولا بدينه. ومن يراجع تعليقاته يتحقق صدق ما قلناه فيه، على أنا أوردنا شواهد منها دلت على سائلها وعرفنا حقيقة قائلها، فمن بقي له شك فيها فليرجع إليها، ليرى كيف أن التعصب يعمي ويصم، والله عليم بذات الصدور) ٤- قلت: ومن المتهمين لشيخ الإسلام بالانحراف عن علي ﵁ المدعو: عبد الله الغماري أحد مبتدعي زماننا الذي يقول في رده على الشيخ الألبان أثناء كلامه على حديث " أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي ﵇ " قال الغماري: (حديث صحيح، أخطأ بان الجوزي بذكره في الموضوعات، ورد عليه الحافظ في القول المسدد، وابن تيمية لانحرافه عن ﵇ كما هو معلوم لم يكفه حكم ابن الجوزي بوضعه فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه) وقال الغماري - أيضاً - في موضع آخر من رسالته السابقة -

стр. 33

متحدثاً عن الألباني - حفظه الله -. (وحاله في هذا كحال ابن تيمية، وتطاول على الناس فأكفر طائفة من العلماء، وبدع طائفة أخرى، ثم اعتنق هو بدعتين لا يوجد أقبح منهما: إحداهما: قوله بقدم العالم، وهي بدعة كفرية - والعياذ بالله تعالى - والأخرى: انحرافه عن علي ﵇، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق، لقول النبي ﷺ لعلي: " لا يحبك إلى مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ") ٥- ومن المتهمين - أيضاً - المدعو حسن بن علي السقاف أحد المبتدعة المعاصرين الذي عول على الغماري في هذا الاتهام الباطل فقال في كتابه: " التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد " نقلاً عن عبد الله بن الصديق الغماري من كتابه " الصبح السافر " (وابن تيمية يحتج كثير من الناس بكلامه، ويسميه بعضهم (شيخ الإسلام) وهو ناصبي عدو لعلي ﵇، واتهم فاطمة ﵍ بأن فيها شعبة من النفاق) ٦- ومنهم صاحب كتاب " التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني ومؤلفه كما على غلافه (لجماعة من العلماء)

стр. 34

يضع هذا الزائغ عنواناً في صفحة (٨٥) يقول فيه: (افتراؤه على الإمام على) أي افتراء ابن تيمية على علي ﵁ ثم نقل تحته أقوال الحافظ ابن حجر السابقة، وشيئاً من أقوال شيخ الإسلام زاعماً الرد عليها. ٧- ومن المتهمين لشيخ الإسلام بهذا الاتهام الشنيع: المدعو: عبد الله الحبشي وذلك في قوله: (وابن تيمية هذا طعن في علي بن أبي طالب. وقال: إن حروبه أضرت بالمسلمين. قلت: وقد رد عليه الشيخ عبد الرحمن دمشقية - حفظه الله - في كتابه: " المقالات السنية في تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية ورد مفتريات الفرقة الحبشية " ٨- ومن المتهمين لشيخ الإسلام بهذه التهمة: حسن المالكي الذي ... اشتهر بين أهل العلم بمحبته للمخالفة والانفراد بأقوال شاذة يلتقطها من كتب المبتدعة، ويثيرها عند أهل السنة، وليس هذا مقام ذكرها. وقد سمعت هذا المالكي يقول في أحد المجالس بأن ابن تيمية (فيه شئ من النصب)

стр. 35

وأما في كتبه - أي المالكي - فقد ألمح إلى هذه التهمة ولم يصرح، فمن ذلك قوله في كتابه " نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي " (أقول لكم - وبلا فخر - خذوا مني هذه الحقائق التي هي خلاصة دراسة استمرت أربع سنوات في كتب التاريخ، وهي: أن الكتب المفتقدة للتحقيق العلمي المتشدقة بمنهج أهل الحديث بالإضافة إلى ما سبق هي.........) ثم ذكر مجموعة من الكتب التي ينبغي عدم اعتمادها - كما يزعم - ثم قال في الحاشية، (كنت يومها قد ذكرت كتاب (منهاج السنة) لابن تيمية ضمن هذه الكتب التي تفتقد التحقيق ويقلده المؤرخون بلا محاكمة للنصوص، وقد حذفت دكره هنا مؤجلاً الحكم النهائي بعد دراسة الكتاب دراسة مستفيضة) قلت: ونحن على شوق إلى رؤية هذه (الدراسة المستفيضة) لكتاب شيخ الإسلام. ومن أقوال المالكي التي تلمح إلى هذه التهمة قوله في كتابه الآنف عن شيخ الإسلام: (وهو معروف بدفاعه عن الخلفاء الثلاثة) وليس الأربعة؟ نعوذ بالله من الظلم والبهتان. ٩- وممن قد يعد من المتهمين لشيخ الإسلام - أيضاً - أم مالك الخالدي، وهي زوج حسن المالكي فقد ألفت كتاباً

стр. 36

بعنوان " البرهان الجلي في دفاع ابن تيمية عن خلافة علي ﵁ " ألمحتت إلى هذه التهمة بشئ من الحذر حيث أبهمت العبارة في أن لشيخ الإسلام أخطاءً عدة في كتابه: " منهاج السنة"، وأن له أقوالاً متناقضة...... إلخ اتهامها الذي لم تذكر عليه أي مثال ليتبين مرادها بدلاً من هذا التعمية والتعتعة وإليك شيئاً من أقوالها، لعل أحداً من القراء يفهم ما لم أفهمه من هذا الغموض المطبق على حروفها: تقول: (يوجد لابن تيمية أقوال ظاهرها يناقض بعض ما أوردناه هنا فلعل ما أوردناه هو آخر ما كان عليه الشيخ لأنه الحق ومن عرف الحق يستبعد أن ينحرف عنه) قلت: ولم توضح - هداها الله - هذه الأقوال المتناقضه لشيخ الإسلام، أو الأقوال التي فيها لبس واشتباه، وكان الواجب عليها ما دامت تعتقد أن ما تقوله هو الحق أن تصرح بهذه الانتقادات لشيخ الإسلام وترد عليها رداً علمياً، لا أن تطلق هذه العبارات والأقوال التي (فيها لبس واشتباه) هؤلاء هم أبرز المتهمين لشيخ الإسلام بهذا الاتهام وهم

стр. 37

كما ترى من أقحاح أهل البدع - ما عدا ابن حجر العسقلاني - فلا يستغرب منهم هذا الكذب والافتراء على شيخ الإسلام الذي هذم بدعهم وفضحهم على رؤوس الأشهاد فلهذا توارثوا هذا العداء الدفين له على مر الأجيال، إلي أن يشاء الله. وكما قلت سابقاً: لوكان المتهم للشيخ هم هؤلاء المبتدعة وحدهم لما أقمت لأقوالهم أي أهميمة، لأننا قد تعودنا منهم الكثير من مثل هذه الافتراءات والتهم على علماء السلف، ولكن وقوف الحافظ ابن حجر في صفهم ولو بالتلميح هو الذي دفعني لرد خطئه على شيخ الإسلام لكي لا يتسرب دون علم إلى ناشئة المسلمين، أو يستغله أحد مرضى النفوس ممن في صدورهم إحن خفية على شيخ الإسلام لسبب من الأسباب الله أعلم به.

стр. 38

منهج شيخ الإسلام في دفع شبهات الروافض

стр. 39

علمنا أن شيخ الإسلام يواجه كتاباً قد ألفه رجل من طائفة جاهلة ظالمة قد عرف أفرادها بالكذب المختلق لا يفوقهم فيه أحد، فهذا الرافضي قد حشد أكاذيبه في هذا الكتاب من جهتين: من جهة الغلو في علي ﵁ بشتى الأكاذيب والموضوعات، ومن جهة الطعن في الصحابة الآخرين ﵃ فصاحب هذا الكتاب مندفع بحماسة إلى تقرير مذهبه الباطل بأي وسيلة، ولو كانت الافتراءات والأكاذيب. وشيخ الإسلام أمام سيل جارف من الغلو المكذوب في علي ﵁ وأمام حمم متدفقة من الأكاذيب في سبيل الطعن في الصحابة - رضوان الله عليهم - فماذا يصنع؟ إن المتأمل لهذه الظروف التي عاشها شيخ الإسلام أمام هذا الكتاب يجد أن له خيارين: الخيار الأول: وهو المشهور عند العلماء وأصحاب التآليف: هو أن يقوم شيخ الإسلام بدفع الطعون عن الصحابة ببيان كذبها وأنها مختلقة، فكلما رمى الرافضي بشبهة أو طعن على صحابي قام شيخ الإسلام بردها أو برده بكل اقتدار لينفيه عن هذا الصحابي. هذا هو الخيار الأول، وهو في ظني الخيار الذي كان الحافظ ابن حجر يريد لشيخ الإسلام أن يسلكه مع الرافضي. وهو خيار جيد ومقبول لو كان الخصم غير الرافضي، أي لو كان الخصم ممن يحتكمون في خلافاتهم إلى النقل الصحيح أو العقل الصريح، أما مع الرافضي فإن هذا الأسلوب لا يجدي، ولن

стр. 40

يكف بأسه عن أعراض الصحابة، فإنك مهما أجدت في رد الشبهة أو الطعن فإنه لن يقتنع بذلك أبداً - كما علم من طريقة القوم - ومهما أفنيت عقلك وجهدك في دفع أكاذيبه فإنه لن يألو جهداً في اختلاف غيرها من الأكاذيب. إذاً فهذا الخيار الأول لن يثني الرافضي عن هدفه من النيل من الصحابة - رضوان الله عليهم - نعم هو سينفع أهل السنة، ولكنه لن يضر الروافض ولن يسكتهم. الخيار الثاني: وهو الذي اختاره شيخ الإسلام لأنه يراه ذا مفعول فعال في مواجهة أكاذيب الروافض وغلوهم المستطير وهذا الخيار يرى أن أجدى طريقة لكف بأس الروافض هو مقابلة شبهاتهم بشبهات خصومهم من الخوارج والنواصب، أي مقابلة هذا الطرف بذاك الطرف المقابل له، ليخرج من بينهما الرأي الصحيح الوسط. فكلما قال الرافضي شبهة أو طعناً في أحد الخلفاء الثلاثة - أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ قابلها شيخ الإسلام بشبهة مشابهة للنواصب والخوارج في علي ﵁. وهو لا يقصد بهذا تنقص على ﵁ والعياذ بالله، وإنما يقصد إحراج الروافض، وكفهم عن الاستمرار في تهجمهم على الصحابة، لأنه ما من شئ من الطعون والتهم
следующие страницы →