← Тараджим

Тараджим · id 9702

تهذيب الأسماء واللغات

النووي

Полный текст (1 116 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[لكتاب: تهذيب الأسماء واللغات]ـ المؤلف: الإمام العلامة الفقيه الحافظ أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه ومقابلة أصوله: شركة العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية يطلب من: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان عدد الأجزاء: ٤ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] (تخريج الأحاديث وتخريج أسماء الرجال لـ مصطفى عبد القادر عطا، وليست في المطبوع)

стр. 2

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين مقدمة المؤلف الحمد لله خالق المصنوعات، وبارىء البريات، ومدبر الكائنات، ومصرف الألسن الناطقات، مفضل لغة العرب على سائر اللغات، المُنزل كتابه والمرسل رسوله وحبيبه محمدًا ﷺ بها تنويهًا بشأنها، وتعريفًا بعظم محلها وارتفاع مكانها، أحمده أبلغ الحمد وأكمله، وأزكاه وأشمله، وأشهد أن لا إله إلا الله اللطيف الكريم، الرءوف الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله ﷺ وعلى سائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين، أما بعد: فإن لغة العرب لما كانت بالمحل الأعلى، والمقام الأسنى، وبها يُعرف كتاب رب العالمين، وسُنة خير الأولين والآخرين، وأكرم السابقين واللاحقين، صلوات الله عليه وعلى سائر النبيين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اجتهد أولو البصائر والأنفس الزاكيات، والهمم المهذبة العاليات فى الاعتناء بها، والتمكن من إتقانها بحفظ أشعار العرب وخطبهم ونثرهم، وغير ذلك من أمرهم، وكان هذا الاعتناء فى زمن الصحابة، رضى الله عنهم، مع فصاحتهم نسبًا ودارًا، ومعرفتهم باللغة استظهارًا، لكن أرادوا الاستكثار من اللغة التى حالها ما ذكرنا، ومحلها ما قدمنا، وكان ابن عباس، وعائشة، وغيرهما، رضى الله عنهم، يحفظون من الأشعار واللغات ما هو من المعروفات الشائعات. وأما ضرب عمر بن الخطاب وابنه، رضى الله عنهما، أولادهما لتفريطهم فى حفظ العربية، فمن المنقولات الواضحات الجلية. وأما المنقول عن التابعين ومَن بعدهم فى ذلك، فهو أكثر من أن يُحصر، وأشهر من أن يذكر. وأما ثناء إمامنا الشافعى، ﵀، وحثه على تعلم العربية فى

стр. 3

أول رسالته، فهو مقتضى منصبه، وعظم جلالته، ولا حاجة إلى الإطالة فى الحث عليها، فالعلماء مجمعون على الدعاء إليها، بل شرطوها فى المفتى، والإمام الأعظم والقاضى لصحة الولايات، واتفقوا على أن تعلمها وتعليمها من فروض الكفايات. فلما كان أمرها ما ذكرته، وجلالتها بالمحل الذى وصفته، أردت أن أسلك بعض طرق أهلها، لعلى أنال بعض فضلها، وأؤدى بعض ما ذكرته من فروض الكفاية، وأساعد فى معرفة اللغة من له رغبة من أهل العناية، فأجمع إن شاء الله الكريم الرءوف الرحيم ذو الطول والإحسان والفضل والامتنان كتابًا فى الألفاظ الموجودة فى "مختصر أبى إبراهيم المزنى"، و"المهذب"، و"التنبيه"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، و"الروضة"، وهو الكتاب الذى اختصرته من شرح الوجيز للإمام أبى القاسم الرافعى، ﵀. فإن هذه الكتب الستة تجمع ما يحتاج إليه من اللغات، وأضم إلى ما فيها جُملاً مما يحتاج إليه مما ليس فيها؛ ليعم الانتفاع به إن شاء الله تعالى، اللغات العربية، والعجمية، والمعربة، والاصطلاحات الشرعية، والألفاظ الفقهية، وأضم إلى اللغات ما فى هذه الكتب من أسماء الرجال، والنساء، والملائكة، والجن، وغيرهم ممن له ذكر فى هذه الكتب برواية وغيرها، مسلمًا كان أو كافرًا، برًا كان أو فاجرًا. وخصصت هذه الكتب بالتصنيف؛ لأن الخمسة الأولى منها مشهورة بين أصحابنا يتداولونها أكثر تداول، وهى سائرة فى كل الأمصار، مشهورة للخواص والمبتدئين فى كل الأقطار، مع عدم تصنيف مفيد يستوعبها. وقد صنَّف جماعة فى أفرادها مصنفات غير مستوفات، وفى كثير منها إنكار وتصحيف، فيقبح بمنتصب للإعادة أو التدريس إهمال ذلك، وأرجو من فضل الله الكريم إن تم هذا الكتاب أن يشفى القلوب الصافيات، ويملأ الأعين الصحيحات الكاملات. وأرتب الكتاب على قسمين: الأول: فى الأسماء. والثانى: فى اللغات. فأما الأسماء فضربان: الأول: فى الذكور. والثانى: فى الإناث. فأما الأول فثمانية

стр. 4

أنواع: الأول: فى الأسماء الصحيحة، كمحمد، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وزيد، وعمرو، وشبهها. الثانى: فى الكنى، كأبى القاسم، وأبى بكر، وأبى حفص، ونظائرها. الثالث: الأنساب والألقاب والقبائل، كالزهرى، والأوزاعى، والبويطى، والمزنى، وكالأعمش، والأصم، وكقريش، وخزاعة، وخثعم. الرابع: ما قيل فيه ابن فلان، أو ابن فلانة، أو أخوه، أو أخته، أو عمه، أو خاله، كابن أبى سعية، وابن أبى ليلى، وابن أبى ذئب، وابن جريج، وكابن أم مكتوم، وابن اللتبية، وكأخوى عائشة، رضى الله عنها، وأختيها، وعم عباد بن تميم، ونظائرها. الخامس: ما قيل فيه فلان، عن أبيه، عن جده. السادس: زوج فلانة، وزوجة فلان. السابع: المبهمات، كرجل، وشيخ، وبعض العلماء، ونحوه. الثامن: ما وقع من الأسماء والأنساب غلطًا. وأما الضرب الثانى، وهو النساء، فهو سبعة أنواع على الترتيب المذكور فى الرجال، ويسقط منهن النوع الخامس، فليس فى هذه الكتب فلانة، عن أمها، عن جدتها، أو عن أبيها، عن جدها، وباقى الأنواع موجودة. وسنرى كل ما ذكرته فى موضعه موضحًا إن شاء الله تعالى. وأرتب جميع ذلك على حروف المعجم، لكن أبدأ فيه بمن اسمه محمد كما فعل أبو عبد الله البخارى والعلماء بعده، رضى الله عنهم، لشرف اسم النبى ﷺ ، ثم أعود إلى ترتيب الحروف، فأبدأ بحرف الهمزة، ثم الباء، ثم التاء، ثم الجيم، إلى آخرها، وأعتمد فى الاسم الحرف الأول، فأقول: حرف الهمزة، أذكر فيه اسم كل من فى اسمه ألف، مقدمًا منهم من بعد الألف فيه الأول فالأول، فأقدم آدم على إبراهيم؛ لأنهما وإن اشتركا فى أن أولهما همزة، لكن بعد همزة آدم همزة أخرى، وبعد همزة إبراهيم باء، والهمزة مقدمة على الباء، ثم كذلك فى باقى حروف الاسم، وأعتبر ذلك فى باقى الحروف، فأقدم أبيض بن حمال، على أُبى بن كعب؛ لأنهما وإن اشتركا فى الهمزة والباء والياء، فرابع أبيض ضاد، ورابع أبى ياء أخرى، فإن اشترك اثنان فى جميع الحروف كإبراهيم وإبراهيم، قدمت بالآباء،

стр. 5

فأقدم إبراهيم بن آزر على إبراهيم بن إبراهيم، وإبراهيم بن إبراهيم على إبراهيم بن أحمد، وإبراهيم بن أحمد على إبراهيم بن أدهم، فإن استويا فى اسمهما واسم أبويهما كإبراهيم بن أحمد وإبراهيم بن أحمد، قدمت بالجد، فأقدم إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم على إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل، فإن استويا فى الجد أيضًا اعتبرت أبا الجد، ثم جده، ثم على هذا المثال فى جميع الحروف إلى حرف الياء. وكذلك أصنع فى الكنى، والأنساب، والألقاب، والقبائل، ونحوها، فأقدم ترجمة أبى إبراهيم على ترجمة أبى إسحاق، وترجمة الأنماطى على الأوزاعى، والأصمعى على الأعمش، وبنى تميم على بنى حنيفة، وكذلك فى الأبناء ابن أم مكتوم على ابن اللتبية، وكذا الأخوة وغيرهم، وكذا الزوج والزوجة، وكذا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، على طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، وكذا طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، على عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وأما المبهمات والأغاليط، فأذكرها على ترتيب وقوعها فى هذه الكتب، وأفعل مثل جميع ذلك فى النساء، إن شاء الله تعالى. وأما اللغات: فأرتبها أيضًا على حروف المعجم على حسب ما سبق من مراعاة الحرف الأول والثانى وما بعدها، مقدمًا الأول فالأول، معتبرًا الحروف الأصلية ولا أنظر إلى الزوائد، وربما ذكرت بعض الزوائد فى باب على لفظه، ونبهت على أن الحرف الفلانى زائد، وقد ذكرته فى موضعه الأصلى، وإنما أفعل هذا لأن هذا الكتاب قد يطالعه بعض المتفقهين ممن لا يعرف التصريف، فربما طالع اللفظة فى غير محلها الأصلى متوهمًا أن حروفها كلها أصول، فلا يجدها هناك، ولا يعلم لها مظنة أخرى، فأردت التسهيل عليهم، فإن خير المصنفات ما سهلت منفعته وتمكن منها كل أحد. وأذكر إن شاء الله تعالى فى آخر كل حرف اسم المواضع التى أولها من تلك الحروف، وأعتبر الحرف الزائد على عادة العلماء فى أسماء الأشخاص

стр. 6

والأماكن؛ لأنها قليلة وذكرها فى حرفها الأول أقرب إلى وصول المتفقهين إليه. وأضبط إن شاء الله تعالى من أسماء الأشخاص واللغات والمواضع كل ما يحتاج إلى ضبط بتقييده بالحركات والتخفيف والتشديد، وأن هذا الحرف بالعين المهملة أو الغين المعجمة وما أشبهه، وأنقل كل ذلك إن شاء الله تعالى محققًا مهذبًا من مظانه المعتمدة، وكتب أهل التحقيق فيه، فما كان مشهورًا لا أضيفه غالبًا إلى قائليه؛ لكثرتهم وعدم الحاجة إليه، وما كان غريبًا أضفته إلى قائله أو ناقله، وما كان من الأسماء وبيان أحوال أصحابها نقلته من كتب الأئمة الحفاظ الأعلام المشهورين بالإمامة فى ذلك، والمعتمدين عند جميع العلماء، كتاريخ البخارى، وابن أبى خيثمة، وخليفة بن خياط المعروب بشباب، والطبقات الكبير، والطبقات الصغير لمحمد بن سعد كاتب الواقدى، وهو ثقة، وإن كان شيخه الواقدى ضعيفًا، ومن الجرح والتعديل لابن أبى حاتم، والثقات لأبى حاتم بن حبان، بكسر الحاء، وتاريخ نيسابور للحاكم أبى عبد الله، وتاريخ بغداد للخطيب، وتاريخ همدان، وتاريخ دمشق للحافظ أبى القاسم بن عساكر، وغيرها من كتب التواريخ الكبار وغيرها. ومن كتب أسماء الصحابة كالاستيعاب لابن عبد البر، وكتاب ابن مندة، وأبى نعيم، وأبى موسى، وابن الأثير، وغيرها، ومن كتب المغازى والسير، ومن كتب ضبط الأسماء كالمؤتلف والمختلف للدارقطنى، وعبد الغنى بن سعيد، والخطيب البغدادى، وابن ماكولا، وغيرها، ومن كتب طبقات الفقهاء كطبقات أبى عاصم العبادى، وطبقات الشيخ أبى إسحاق، وطبقات الشيخ أبى عمرو بن الصلاح، وهى مقطعات، وقد شرعت فى تهذيبها وترتيبها، وهو نفيس لم يصنف مثله ولا قريب منه، ولا يغنى عنه فى معرفة الفقهاء غيره، ويقبح بالمنتسب إلى مذهب الشافعى جهله، وأجمع فيه عيونًا من روايات كتب الحديث، وكتب الفقه، وكتب الأصول وغيرها، ومن الأنساب كالأنساب لأبى سعد السمعانى وغيره،

стр. 7

ومن كتب المبهمات ككتاب الخطيب البغدادى، وابن بشكوال، وغيرهما. وأما اللغات فمعظمها من تهذيب اللغة للأزهرى، وكتاب شرح ألفاظ مختصر المزنى، والمحكم فى اللغة، وجامع القزاز، والجمرة لابن دريد، والمجمل لابن فارس، وصحاح الجوهرى، وغيرها من الكتب المشهورة فى اللغة. ومن كتب غريب الحديث كغريب أبى عبيدة، وصاحبه أبى عبيد، وابن قتيبة، والخطابى، والهروى. ومن كتب تفسير القرآن كالبسيط للواحدى، وكتاب الرمانى المعتزلى، وغيرهما من التفاسير الجامعة للغات. ومن الكتب المصنفة فى أنواع من مفردات اللغة، كغريب المصنف لأبى عبيد القاسم ابن سلام، وإصلاح المنطق لابن السكيت، وأدب الكاتب لابن قتيبة وشروحه، وكتاب الزاهر لابن الأنبارى، وشروح الفصيح. ومن الكتب المصنفة فى لحن العوام للمتقدمين والمتأخرين، وهى كثيرة مشهورة، ومن شروح الحديث كمعالم السنن للخطابى فى شرح سنن أبى داود، والأعلام له فى شرح البخارى، والتمهيد لابن عبد البر فى شرح الموطأ، وشرح البخارى لابن بطال، وشرح الترمذى لابن العربى، وشرح مسلم للقاضى عياض، والمشارق له، ومطالع الأنوار لابن قرقول، وغيرها. ومن كتب الفقه والأصول والكلام كبيان حقيقة العقل، والنبى، والمعجزة، والكرامة، والسحر، والرزق، والتوفيق، والخذلان، والكلام، والوجود، والآجال، والأقدار، والمعالم، والمسيخ، والبداء، وغير ذلك مما لا يوجد متقنًا إلا فى كتب الأصول والكلام. ومن كتب الأماكن ككتاب أبى عبيد البكرى، والاشتقاق لأبى الفتح الهمدانى، والمؤتلف والمختلف فى الأماكن للحازمى، وغيرها. وسنرى إن شاء الله تعالى ما أنقله من هذه الكتب مضافًا إليها كلها فى مواطنها، وكذا غيرها مما لم أذكره مما سنراه وتقر به عينك إن شاء الله تعالى. وأرجو من فضل الله تعالى أن هذا الكتاب يجتمع فيه من الأسماء واللغات والضوابط والكليات والمعانى المستجادات جُمل مستكثرات ينتفع بها فى تفسير

стр. 8

القرآن والحديث، وجميع الكتب المصنفات، فإنى لا أقتصر فيه على ضبط الألفاظ وحقيقتها، بل أنبه مع ذلك على كثير من المعانى اللطيفة والمسائل الحقيقية بأوضح العبارات المختصرات إن شاء الله تعالى، وأضبط فيه إن شاء الله تعالى من حدود الألفاظ الفقهية ومجامعها ما يصعب تحقيقه إلا على النادر من أهل العنايات كضبط حقيقة الهبة، والهدية، والصدقة، والفرق بينها، وما يتعلق بالألفاظ الجامعة كقولنا: الجماع يتعلق به نحو مائة حكم كذا وكذا، وتلك الأحكام كلها يتعلق بالوطء فى دبر المرأة إلا سبعة أحكام، ويتعلق معظمها بالوطء فى دبر الرجل، ووطء البهيمة، وأن الأحكام كلها تتعلق بتغييب الحشفة من سليم الذكر، وفى مقطوعها تفصيل نذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى، ومن ذلك حقيقة الإكراه، وكذا هو يسقط أثر الفعل إلا فى نحو ثلاثين مسألة، وهى كذا وكذا، ومن ذلك حرمة مكة حده من كل جهة كذا وكذا، ويخالف غيره من البلاد فى كذا وكذا حكمًا. ومن ذلك الحيض يتعلق به أحكام وهى كذا وكذا، وتلك الأحكام كلها يتعلق بالنفاس إلا كذا وكذا، والميتة كلها حرام ونجسة إلا كذا وكذا مسألة، وأشباه هذه الأمثلة غير منحصرة، وسنراها إن شاء الله تعالى فى مواضعها، وكذلك أوضح إن شاء الله تعالى من بيان المواضع وحدودخا وضبطها ما لا أظنك تجد مجموعها فى غير هذا الموضع إلا بتعب إن وجدته، وأنبه على ما يشتبه منها كذى الحُلَيْفة ميقات أهل المدينة، وبقربه أربعة مواضع تشبهه فى الخط، وهَجَر المذكورة فى مسألة القلتين غير هجر المذكورة فى باب الجزية، وأشباه ذلك كثيرة. وأما الأسماء: فهى إن شاء الله تعالى أتقن ما تجده، وأجمعه للنفائس وعيون أخبار أصحابها، فأحققها أكمل تحقيق وأبلغ إيضاح، ثم أسلك فى هذا الكتاب إن شاء الله تعالى طريقة مستحسنة من مستجادات التصنيف، وهى أن ما كان فيه من الأسماء والألفاظ متكررًا تكرارًا كثيرًا أو معروف الموضع شرحته

стр. 9

من غير بيان موضعه غالبًا، وما كان يخفى موضعه على بعض المتفقهين وشبهه بينت موضعه، فأقول مثلاً قوله فى المهذب فى باب كذا أو فى أوله أو أوائله أو أواخره أو فى أثنائه مثاله الكراز، ذكره فى المهذب فى باب السلم فى فصل السلم فى الآنية، وهو بضم الكاف وتخفيف الراء ... الخ شرحه، وروضة خاخ ذكرها فى كتاب السير، وبُزَاخة ذكره فى قتل المرتد وأشباه ذلك. وكذا أسماء الأشخاص إن كان الشخص متكررًا كالمزنى، وابن سريج، لا أضيفه إلى موضع، وإن لم يكن متكررًا أو تكرر فى موضعين أو ثلاثة بينت موضعه، فأقول مثلاً: البخارى ومسلم صاحبا الصحيحين، ذكرهما فى المهذب فى باب قسم الخمس، ولا ذكر لهما فى المهذب إلا هنا، وذكر فى الوسيط البخارى فى صفة الصلاة فى قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم، لا ذكر له فى هذين الكتابين إلا فى هذين الموضعين، وتكرر ذكرهما فى الروضة، وأبو داود ذكره فى المهذب فى آخر زكاة الفطر، وفى قسم الخمس فحسب، ولا ذكر له فى باقى الكتب إلا فى الروضة فتكرر فيها. وأبيض بن حمال الصحابى لا ذكر له فى هذه الكتب الستة إلا فى إحياء الموات من المهذب، والنجاشى فى الجنائز وأشباه هذا، وإذا تكرر الاسم فى موضعين بلفظتين يوهمان الاختلاف وليس يختلفان أو عكسه بينته، فقلت مثلاً: أبو شريح الخزاعى فى المهذب فى باب ما يجب به القصاص، هو أبو شريح الكعبى المذكور فى باب استيفاء القصاص، ثم فى باب العفو عن القصاص، وعبد الله بن زيد الأنصارى المذكور فى المهذب فى صفة الوضوء، وصلاة الاستسقاء، وأول باب الشك فى الطلاق، هو واحد، وهو غير عبد الله بن زيد المذكور فى باب الأذان من المهذب، والوسيط، والفرق بينهما من كذا وكذا. ومرادى بهذا كله التيسير والإيضاح للطالبين رجاء رضا رب العالمين، فقد صح أن رسول الله ﷺ قال: "والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه"، وأذكر إن شاء الله تعالى فى آخر ترجمة كل واحد من فقهاء أصحابنا مسائل غريبة عنه، سواء كان قوله فيها

стр. 10

راجحًا أو مرجوحًا، وأبين أن قوله راجح أو مرجوح، وأكثر ذلك من المرجوح، والمقصود من تراجم الصحابة وغيرهم بيان الاسم، والكنية، والنسب، والبلد، والمولد، والوفاء، ونفيسه من مناقبه، وعيون أخباره، وينضم إلى هذا فى فقهاء أصحابنا أنه على من تفقه ومن تفقه عليه، وما صنف وأن تصنيفه نفيس أم لا، وأنه يعتمد أم لا، وأنه قليل المخالفة للأصحاب أو كثيرها. وسنرى فى كل ذلك إن شاء الله تعالى ما تقر به عينك، وترغب بسببه فى مراجعة كتب العلماء من كل فن، وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يحصل لصاحبه مقصود خزانة من أنواع العلوم التى يدخل فيه، واستمدادى فى ذلك وفى غيره من أمورى التوفيق، والكفاية، والإعانة، والصيانة، والهداية من الله الكريم الوهاب، اللطيف الحكيم التواب، أسأله التوفيق لحسن النيات، وتيسير أنواع الطاعات، والهداية لها دائمًا فى ازدياد حتى الممات، ومغفرة ما ظلمت نفسى به فى المخالفات، وأن يفعل ذلك بوالدى ومشايخى وأهلينا وأحبابنا، وسائر المسلمين والمسلمات، وأن يجود علينا أجمعين برضاه ومحبته، ودوام طاعته، ويجمع بيننا فى دار كرامته، وغير ذلك من أنواع المسرات، وأن ينفعنا أجمعين بهذا الكتاب، ويجمع لنا المثوبات، وألا ينزع منا ما وهبه لنا ومنَّ به علينا من الخيرات، وألا يجعل شيئًا من ذلك فتنة لنا، وأن يعيذنا من كل المخالفات، إنه سميع الدعوات، جزيل العطيات، اعتصمت بالله، توكلت على الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، حسبى الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وأقدم فى أول الكتاب فصولاً تكون لمحصله قواعد وأصولاً. * * * [القسم الأول: في الأسماء] فصل اعلم أن لمعرفة أسماء الرجال، وأحوالهم، وأقوالهم، ومراتبهم، فوائد كثيرة ، منها معرفة مناقبهم، وأحوالهم، فيتأدب بآدابهم، ويقتبس المحاسن من آثارهم، ومنها مراتبهم وأعصارهم، فينزلون منازلهم، ولا يقصر بالعالى فى الجلالة عن درجته، ولا يرفع غيره عن مرتبته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ، وثبت فى صحيح مسلم عن ابن مسعود، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "

стр. 11

ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثًا" (١) ، وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم" (٢) . قال الحاكم أبو عبد الله فى علوم الحديث: هو حديث صحيح، وأشار أبو داود فى سننه إلى أنه مرسل. ومنها أنهم أئمتنا وأسلافنا، كالوالدين لنا، وأجدى علينا فى مصالح آخرتنا التى هى دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا، فيقبح بنا أن نجهلهم وأن نهمل معرفتهم. ومنها أن يكون العمل والترجيح بقول أعلمهم وأورعهم إذا تعارضت أقوالهم على ما أوضحته فى مقدمة شرح المهذب. ومنها بيان مصنفاتهم وما لها من الجلالة وعدمها، والتنبيه على مراتبها، وفى ذلك إرشاد للطالب إلى تحصيلها، وتعريف له بما يعتمده منها، وتحذيره مما يخاف من الاعتزار به، وغير ذلك، وبالله التوفيق. * * * فصل: يتعلق بالتسمية والأسماء والكنى والألقاب وقد جمعت فى هذه الأقسام جُملاً نفيسة فى كتاب الأذكار، وأنا أشير هنا إن شاء الله إلى نُبذ من عيون ذلك: يستحب تحسين الاسم، لحديث أبى الدرداء، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، فأحسنوا أسمائكم" (٣) . رواه أبو داود بإسناد جيد. وفى صحيح مسلم، عن ابن عمر، رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن" (٤) . وفى سنن أبى داود، والنسائى، عن ابن وهب الجشمى الصحابى، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "سموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث، وهمام، وأقبحها: حرب، ومرة" (٥) . وفى صحيح مسلم، عن سمرة بن جندب، رضى الله عنه، قال: قال رسول

стр. 12

الله ﷺ : “لا تسمين غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجاحًا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثَم هو، فلا يكون فيقول: لا” (١) . ويستحب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، ففى الصحيحين عن أبى هريرة، رضى الله عنه، أن زينب كان اسمها برّة، فقيل: تزكى نفسها، فسماها رسول الله ﷺ زينب. وفى صحيح مسلم، عن زينب بنت أبى سلمة، رضى الله عنها، قالت: سميت برة، فقال رسول الله ﷺ : “سموها زينب” (٢) ، قالت: ودخلت عليه زينب بنت جحش واسمها برة، فسماها رسول الله ﷺ زينب. وفى صحيح مسلم، عن ابن عمر، رضى الله عنهما، أن ابنة لعمر كان اسمها عاصية، فسماها رسول الله ﷺ جميلة. ويحرم تلقيب الإنسان بما يكرهه، سواء كان صفة له، كالأعمش، والأجلح، والأعمى، والأصم، والأقرع، والأعرج، والأبرص، والأحول، والأثبج، والأصفر، والأحدب، والأزرق، والأفطس، والأشتر، والأثرم، والأقطع، والزمن، والمقعد، والأشل، سواء كان صفة لأبيه أو أمه أو غير ذلك مما يكرهه. واتفقت العلماء على جواز ذكره بذلك على سبيل التعريف لمن لا يعرفه إلا بذلك، كهؤلاء المذكورين فى المثال، فإنهم أئمة وعلماء مشهورون بهذه الألقاب فى كتب الحديث وغيرها، ولا يعرفهم أكثر الناس إلا بالألقاب. واتفقوا على جواز تلقيبه باللقب الحسن وما لا يكرهه، كعتيق لقب أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، وأبى تراب لقب على بن أبى طالب، وذى اليدين لقب الخرباق بن عمرو، وسرق لقب الحباب بن أسد الجهنى، فهؤلاء صحابيون، رضى الله عنهم، لقبهم النبى ﷺ بهذه الألقاب وكانوا يحبونها. وتجوز الكنية لكل مسلم، ويستحب لنا أن نكنى أهل الفضل من العلماء وغيرهم، ويستحب أن يكنى بأكبر أولاده، وفى حديث فى سنن أبى داود وغيره، أن النبى ﷺ سأل رجلاً عن أكبر أولاده، فكناه به. ويجوز تكنيته بغير أولاده، ويجوز تكنية من لا ولد له، ويجوز تكنية من لم يولد له، وتكنية الطفل كما كان رسول الله ﷺ يقول: “يا أبا عمير، ما فعل

стр. 13

النغير” (١) . ويجوز تكنية الرجل بأبى فلانة، والمرأة بأم فلان وأم فلانة، ويكنى الكافر الذى اشتهر بكنيته كأبى لهب، وأبى طالب، وأبى رغال، وغيرهم. وفى جواز التكنى بأبى القاسم خلاف للعلماء أوضحته فى كتاب الأذكار والروضة، وأنا أشير إليها هاهنا، وبالله التوفيق. * * * فصل عادة الأئمة الحذاق المصنفين فى الأسماء والأنساب أن ينسبوا الرجل النسب العام ثم الخاص؛ ليحصل فى الثانى فائدة لم تكن فى الأول، فيقولون مثلاً: فلان بن فلان القريشى الهاشمى؛ لأنه لا يلزم من كونه قرشيًا كونه هاشميًا، ولا يعكسون فيقولون: الهاشمى القرشى، فإنه لا فائدة فى الثانى حينئذ، فإنه يلزم من كونه هاشميًا كونه قرشيًا. فإن قيل: فينبغى ألا يذكروا القريشى، بل يقتصروا على الهاشمى. فالجواب: أنه قد يخفى على بعض الناس كون الهاشمى قرشيًا، ويظهر هذا الخفاء فى البطون الخفية، كالأشهل من الأنصار، فيقال: الأنصارى الأشهلى، ولو اقتصروا على الأشهلى لم يعرف كثير من الناس أن الأشهلى من الأنصار أم لا، وكذا ما أشبهه، فذكروا العام ثم الخاص؛ لدفع هذا الوهم، وقد يقتصرون على الخاص، وقد يقتصرون على العام، وهذا قليل. ثم إنهم قد ينسبون إلى البلد بعد القبيلة، فيقولون: القريشى المكى أو المدنى، وإذا كان له نسب إلى بلدين بأن يستوطن أحدهما ثم الآخر نسبوه غالبًا إليهما، وقد يقتصرون على أحدها، وإذا نسبوه إليهما قدموا الأول، فقالوا: المكى الدمشقى، والأحسن: المكى ثم الدمشقى، وإذا كان من قرية بلدة نسبوه تارة إلى القرية، وتارة إلى البلدة، وتارة إليهما، وحينئذ يقدمون البلدة؛ لأنها أعم كما سبق فى القبائل، فيقولون فيمن هو من أهل حرستا، قرية من

стр. 14

قرى الغوطة التى هى كورة من كور دمشق: فلان الدمشقى الحرستانى، وقد يقولون فى مثله: فلان الشامى الدمشقى الحرستانى، فينسبونه إلى الإقليم، ثم البلدة، ثم القرية. وقد ينسبونه إلى الكورة، فيقولون: الغوطى الحرستانى، أو الشامى الدمشقى الغوطى الحرستانى. قال عبد الله بن المبارك، ﵀، وغيره: إذا أقام إنسان فى بلد أربع سنين نسب إليه. وينسبون إلى القبيلة مولاهم؛ لقوله ﷺ : "موالى القوم من أنفسهم" (١) ، وسواء كان مولى عتاقة، وهو الأكثر، أو مولى حلف ومناصرة، أو مولى إسلام، بأن أسلم على يد واحد من القبيلة، كالبخارى الإمام مولى الجعفيين، أسلم بعض أجداده على يد واحد من الجعفيين، وسنوضحه فى ترجمته، إن شاء الله تعالى، وقد ينسبون إلى القبيلة مولى مولاها، كأبى الحباب الهاشمى مولى شقران مولى رسول الله ﷺ ، وبالله التوفيق. * * * فصل فى حقيقة الصحابى والتابعى وبيان فضلهم ومراتب الصحابة والتابعين وأتباعهم أما الصحابى: ففيه مذهبان، أصحهما وهو مذهب البخارى وسائر المحدثين وجماعة من الفقهاء وغيرهم، أنه كل مسلم رأى النبى ﷺ ولو ساعة، وإن لم يجالسه ويخالطه. والثانى وهو مذهب أكثر أهل الأصول أنه يشترط مجالسته، وهذا مقتضى العرف، وذاك مقتضى اللغة، وهكذا قاله الإمام أبو بكر بن الباقلانى، ﵀، وغيره. وأما التابعى: ففيه أيضًا مذهبان، أحدهما: الذى رأى صحابيًا. والثانى: أنه الذى جالس صحابيًا. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى

стр. 15

تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية. واختلفوا فى المراد بالسابقين فى الآية، فقال سعيد بن المسيب وآخرون: هم من صلى إلى القبلتين. وقال الشعبى: أهل بيعة الرضوان. وقال محمد بن كعب القرظى، وعطاء: هم أهل بدر. وقال الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . وفى الصحيحين عن عمران بن الحصين، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : “خيركم قرنى، ثم اللذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”. وفى الصحيح قوله ﷺ : “لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه” أى نصفه. والأحاديث فى فضل الصحابة، رضى الله عنهم، على الإطلاق كثيرة مشهورة فى الصحيحين وغيرهما، وأما فضائلهم على الخصوص لطائفة ولأشخاص، فأكثر من أن تحصر، وسنذكر فى تراجمهم منها جملاً إن شاء الله تعالى. فممن له مزية من الصحابة، رضى الله عنهم، العشرة الذين شهد لهم النبى ﷺ بالجنة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبى وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، رضى الله عنهم. ومنهم أهل بدر، وأُحُد، والعقبتين الأولى والثانية، وأهل بيعة الرضوان تحت الشجرة. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] . قال الإمام أبو منصور البغدادى: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أُحُد، ثم بيعة الرضوان. وأجمع أهل السُنة على أن أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر. وقدَّم جمهورهم عثمان على علىّ، رضى الله عنهم. قال الخطابى: وقدم أهل السُنة من أهل الكوفة عليًّا على عثمان، وبه قال ابن خزيمة، والصحيح قول الجمهور تقديم عثمان، ولهذا اختارته الصحابة للخلافة وقدموه، وهم أعلم وأعرف بالمراتب. وأولهم إسلامًا خديجة بنت خويلد، وأبو بكر،

стр. 16

هذا هو الصحيح، واختلفوا فى أيهما أسبق، وآخرهم وفاة أبو الطفيل عامر بن واثلة، رضى الله عنه، توفى سنة مائة من الهجرة باتفاق العلماء، واتفقوا على أنه آخر الصحابة، رضى الله عنهم، وفاة. وأما التابعون: فواحدهم تابعى، وتابعى، وقد ذكرنا حقيقته وفضلهم، وأما مراتبهم، فقال الإمام الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابورى: هم خمس عشرة طبقة، أولهم الذين أدركوا العشرة من الصحابة، منهم قيس بن أبى حازم، سمع العشرة، وروى عنهم، ولم يشاركه فى هذا أحد، وقيل: لم يسمع عبد الرحمن. ويليهم الذين ولدوا فى حياة رسول الله ﷺ من أولاد الصحابة، ثم ذكر طبقاتهم. وفى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال فى أويس القرنى: “هو خير التابعين، رضى الله عنه”. وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، فقيل له: علقمة، والأسود؟ فقال: سعيد، وعلقمة، والأسود. وعنه: لا أعلم فيهم مثل أبى عثمان النهدى، وقيس ابن أبى حازم. وعنه: أفضلهم قيس، وأبو عثمان، وعلقمة، ومسروق. ولعله أراد أفضلهم فى ظاهر علوم الشرع، وإلا فأويس خير التابعين. وقال أبو عبد الله بن خفيف الزاهد: أهل المدينة يقولون: أفضل التابعين ابن المسيب، وأهل الكوفة أويس، وأهل البصرة الحسن. ومن الفضلاء التابعين الفقهاء السبعة فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وفى السابع ثلاثة أقوال، هل هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؟ أو سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب؟ أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؟. وقد ذكرهم صاحب المهذب فى باب الخيار فى النكاح، وسنوضحهم فى تراجمهم إن شاء الله تعالى. وأما تابعو التابعين ومن بعدهم: فلهم فضل فى الجملة، ولكن لا يلحقون من حيث الجملة بمن قبلهم؛ لحديث أنس، رضى الله عنه، فى صحيح البخارى، أن رسول الله ﷺ قال: “ما من عام إلا والذى بعده شر منه” (١) . وفى صحيح

стр. 17

البخارى أيضًا، عن مرداس الأسلمى، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : “يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حفالة كحفالة الشعير والتمر لا يباليهم الله بالة” (١) ، يقال: لا أبالى زيدًا بالاً ولا بالة، وبلى بكسر الياء مقصور، أى لا أكترث به ولا أهتم له. ومع هذا فلهم فى أنفسهم فضائل ظاهرة، وفى حفظ العلم آيات باهرة، ففى الصحيحين أن النبى ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم خذلان من خذلهم" (٢) . وجملة العلماء أو جمهورهم على أنهم حملة العلم، وقد دعا لهم النبى ﷺ فقال: "نضر الله امرء سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها" (٣) ، وجعلهم عدولاً، فأمرهم بالتبليغ عنه، فقال ﷺ : "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وفى الحديث الآخر: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". وهذا إخبار منه ﷺ بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له فى كل عصر خلفاء من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعده فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه فى كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة، ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئًا من العلم، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه، والله أعلم. * * * فصل فى سلسلة التفقه لأصحاب الشافعى، رحمة الله عليه منهم إلى الشافعى، ﵀، ثم إلى رسول الله ﷺ وهذا من المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات، التى

стр. 18

ينبغى للمتفقه والفقيه معرفتها، وتقبح به جهالتها، فإن شيوخه فى العلم آباء فى الدين، وصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهل الإنسان والوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم، وبرهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم، وشكرهم، فأذكرهم منى إلى رسول الله ﷺ ، وحينئذ يعرف مَن كان فى عصرنا وبعده طريقه باجتماعها هى وطريقتى قريبًا. فأما أنا فأخذت الفقه قراءة، وتصحيحًا، وسماعًا، وشرحًا، وتعليقًا، عن جماعات، أولهم شيخى الإمام المتفق على علمه، وزهده، وورعه، وكثرة عبادته، وعظم فضله، وتميزه فى ذلك على أشكاله، أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربى ثم المقدسى، رضى الله عنه وأرضاه، وجمع بينى وبينه وبين سائر أحبابنا فى دار كرامته مع من اصطفاه، ثم شيخنا أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسى ثم الدمشقى، الإمام العارف، الزاهد، العابد، والورع، المتقن، مفتى دمشق فى وقته، ﵀، ثم شيخنا أبو حفص عمر بن أسعد بن أبى غالب الربعى، بفتح الباء، الأربلى، الإمام المتقن، رضى الله عنه، ثم شيخنا أبو الحسن سلار بن الحسن الأربلى ثم الحلبى ثم الدمشقى، المجمع على إمامته، وجلالته، وتقدمه فى علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحى، رضى الله عنه. وتفقه شيوخنا الثلاثة الأولون على شيخهم الإمام أبى عمرو عثمان بن عبد الرحمن ابن عثمان المعروف بابن الصلاح، وتفقه هو على والده، وتفقه والده فى طريقة العراقيين على أبى سعيد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن على بن أبى عصرون الموصلى، وتفقه أبو سعيد على القاضى أبى على الفارقى، وتفقه الفارقى على الشيخ أبى إسحاق الشيرازى، وتفقه الشيخ أبو إسحاق على القاضى أبى الطيب طاهر بن عبد الله الطبرى، وتفقه أبو الطيب على أبى الحسن محمد بن على بن سهل بن مصلح الماسرجسى، وتفقه الماسرجسى على أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزى، وتفقه أبو إسحاق على أبى العباس أحمد بن عمر بن

стр. 19

سريج، وتفقه ابن سريج على أبى القاسم عثمان بن بشار الأنماطى، وتفقه الأنماطى على أبى إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنى، وتفقه المازنى على أبى عبيد الله محمد بن إدريس الشافعى، رضى الله عنه، وتفقه الشافعى على جماعات، منهم أبو عبد الله مالك بن أنس إمام المدينة، ومالك على ربيعة، عن أنس، وعلى نافع، عن ابن عمر، كلاهما عن النبى ﷺ . والشيخ الثانى للشافعى، ﵀، سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمرو بن عباس، رضى الله عنهم. والشيخ الثالث للشافعى، رضى الله عنه، أبو خالد مسلم بن خالد مفتى مكة وإمام أهلها، وتفقه مسلم على أبى الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وتفقه ابن جريج على أبى محمد عطاء بن أسلم أبى رباح، وتفقه عطاء على أبى العباس عبد الله بن عباس، وأخذ ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب، وعلى، وزيد بن ثابت، وجماعات من الصحابة، رضى الله عنهم، عن رسول الله ﷺ . وأما طريقة أصحابنا الخراسانيين، فأخذتها عن شيوخنا المذكورين، وأخذها شيوخنا الثلاثة عن أبى عمرو، عن والده، عن أبى القاسم بن البزرى الجزرى، عن أبى الحسن على بن محمد بن على الكيا الهراسى، عن أبى المعالى عبد الملك بن عبد الله بن يوسف ابن عبد الله بن يوسف إمام الحرمين، عن والده أبى محمد، عن أبى بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد القفال المروزى الصغير، وهو إمام طريقة خراسان، عن أبى زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزى، عن أبى إسحاق المروزى، عن ابن سريج، كما سبق. وتفقه شيخنا الإمام أبو الحسن سلار على جماعات، منهم الإمام أبو بكر الماهانى، وتفقه الماهانى على ابن البزرى بطريقه السابق، فهذا مختصر السلسلة. ومعلوم أن كل واحد من هؤلاء أخذ عن جماعة، بل جماعات، لكن أردت الاختصار وبيان واحد من شيوخ كل واحد، وذكرت أجلهم وأشهرهم له، وسأوضحهم

стр. 20

بأحوالهم وتراجمهم فى هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، إلا شيوخنا المتأخرين، فإنه لا ذكر لأكثرهم فى هذا، وقد ذكرتهم فى كتاب الطبقات، وبالله التوفيق. * * * فصل ابتداء التاريخ ابتدأ التاريخ فى الإسلام من هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وهذا مجمع عليه، وأول مَن أرَّخ بالهجرة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، سنة سبع عشرة من الهجرة. وهذه أحرف فى بيان جملة من الأمور المشهورة فى كل سنة من سنى الهجرة إلى وفاة رسول الله ﷺ على ترتيب السنين، وهى عشر سنين: الأولى: فيها بنى النبى ﷺ مسجده ومساكنه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأسلم عبد الله بن سلام، وشرع الأذان. السنة الثانية: فيها حولت القبلة إلى الكعبة بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا من الهجرة فى شعبان، وفيها فرض صوم رمضان شهره، وفيها فرضت صدقة الفطر، وفيها كانت غزوة بدر فى رمضان، وفى شوال منها بنى بعائشة، وفيها تزوج علىٌ فاطمة. الثالثة: فيها غزوات وسرايا، منها غزوة أُحُد يوم السبت السابع من شوال، ثم غزوة بدر الصغرى لهلال ذى القعدة، وفيها غزوة النضير، وحُرمت الخمر بعد أُحُد، وتزوج فيها حفصة، وتزوج عثمان أم كلثوم، وولد الحسن بن على. الرابعة: فيها تزوج أم سلمة، وقصرت الصلاة، ونزل التيمم، وفيها غزوة الخندق، وقيل: الخندق فى سنة خمس، والصحيح أنه سنة أربع، ففى الصحيحين عن ابن عمر، رضى الله عنهما، قال: عُرضت على النبى ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزنى، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازنى. وقد أجمعوا على أن أُحُدًا فى الثالثة، ويقال لها: الخندق، والأحزاب، وكان حصار الأحزاب المدينة خمسة عشر يومًا، ثم هزمهم الله ، وأرسل عليهم ريحًا وجنودًا، وقيل: أن غزاة ذات الرقاع فيها، والأرجح أنها فى سنة خمس، وهو أول صلاة الخوف، وفيها

стр. 21

قتل القراء ببئر معونة، رضى الله عنهم. الخامسة: فيها غزاة دومة الجندل، وقريظة، ونزل الحجاب. السادسة: فيها غزاة الحديبية، وبيعة الرضوان، وغزوة بنى المصطلق، وكسفت الشمس، ونزل الظهار. السابعة: فيها غزوة خيبر، والهدنة، وهو الصلح مع أهل مكة، والقضاء، ويقال لها أيضًا: عمرة القضاء، وعمرة القضية أيضًا، وفيها هاجر خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة سادن الكعبة، فلقوا عمرو بن العاص واصطحبوا وأسلموا ثلاثتهم، وتزوج أم حبيبة، وميمونة، وصفية، وجاءته مارية، وبغلته دُلْدُلُ، وقدم جعفر وأصحابه من الحبشة، وأسلم أبو هريرة. الثامنة: فيها غزوة مؤتة، وذات السلاسل، وفتح مكة فى رمضان، وولد إبراهيم، وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ ، وفيها غزوة حنين، والطائف، وفيها غلا السعر، فقالوا: سعر لنا، فأجابهم بقوله: “المسعر هو الله”. التاسعة: فيها غزوة تبوك، وحج أبو بكر، رضى الله عنه، بالناس، وتوفيت أم كلثوم، والنجاشى، رضى الله عنهما، وتتابعت الوفود. العاشرة: فيها حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، وتوفى إبراهيم ابن النبى ﷺ ، وأسلم جرير، ونزل: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] . وهذا حين أشرع فى مقصود الكتاب مستعينًا بالله الكريم الوهاب، مبتدئًا بنبينا محمد ﷺ ، ثم من اسمه محمد؛ لشرف اسمه، ثم أعود إلى ترتيب الحروف المشروطة فى الخطبة، وهو ﷺ : * * * الترجمة النبوية الشريفة ١ - محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان: إلى هنا إجماع الأمة، وأما ما بعده إلى آدم فيختلف فيه أشد اختلاف. قال العلماء: ولا يصح فيه شىء يعتمد، وقُصى بضم القاف، ولؤى بالهمزة وتركه، وإلياس بهمزة وصل، وقيل: بهمزة قطع. وكنية النبى المشهورة: أبو القاسم، وكناه جبريل، صلى الله عليهما وسلم: أبا إبراهيم. ولرسول الله ﷺ أسماء كثيرة، أفرد فيها الإمام الحافظ أبو القاسم

стр. 22

على بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعى الدمشقى المعروف بابن عساكر، ﵀، بابًا فى تاريخ دمشق، ذكر فيه أسماء كثيرة، جاء بعضها فى الصحيحين، وباقيها فى غيرهما، منها: محمد، وأحمد، والحاشر، والعاقب، والمقفى، والماحى، وخاتم الأنبياء، ونبى الرحمة، ونبى الملحمة. وفى رواية: نبى الملاحم، ونبى التوبة، والفاتح، وطه، ويس، وعبد الله. قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقى، ﵀: زاد بعض العلماء، فقال: سماه الله فى القرآن: رسولاً، نبيًا، أميًا، شاهدًا، مبشرًا، نذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، ورءوفًا رحيمًا، ومذكرًا، وجعله رحمة، ونعمة، وهاديًا ﷺ . وعن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "اسمى فى القرآن محمد، وفى الإنجيل أحمد، وفى التوراة أحيد، وإنما سميت أحيدًا لأنى أحيد أمتى عن نار جهنم" (١) . قلت: وبعض هذه المذكورات صفات، فإطلاقهم الأسماء عليها مجاز. وقال الإمام الحافظ القاضى أبو بكر بن العربى المالكى فى كتابه الأحوذى فى شرح الترمذى: قال بعض الصوفية: لله ألف اسم، وللنبى ﷺ ألف اسم. قال ابن الأعرابى: فأما أسماء الله ، فهذا العدد حقير فيها، وأما أسماء النبى ﷺ فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهر بصيغة الأسماء النبية، فوعيت منها أربعة وستين اسمًا، ثم ذكرها مفصلة مشروحة، فاستوعب وأجاد، ثم قال: وله وراء هذه أسماء. وأم النبى ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب. ووُلد رسول الله ﷺ عام الفيل، وقيل: بعده بثلاثين سنة. قال الحاكم أبو أحمد: وقيل: بعده بأربعين سنة، وقيل: بعده بعشر سنين. رواه الحافظ أبو القاسم بن عساكر فى تاريخ دمشق، والصحيح المشهور أنه

стр. 23

عام الفيل، ونقل إبراهيم بن المنذر الحزامى شيخ البخارى، وخليفة بن خياط، وآخرون الإجماع عليه. واتفقوا على أنه ولد يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، واختلفوا هل هو فى اليوم الثانى أم الثامن أم العاشر أم الثانى عشر، فهذه أربعة أقوال مشهورة. وتوفى ﷺ ضحى يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ومنها ابتداء التاريخ كما سبق، ودفن يوم الثلاثاء حين زالت الشمس، وقيل: ليلة الأربعاء، وتوفى ﷺ وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، وقيل: ستون، والأول أصح وأشهر، وقد جاءت الأقوال الثلاثة فى الصحيح. قال العلماء: الجمع بين الروايات أن من روى ستين لم يعتبر هذه الكسور، ومن روى خمسًا وستين عد سنة المولد والوفاة، ومن روى ثلاثًا وستين لم يعدهما، والصحيح ثلاث وستون. وكذا الصحيح فى سن أبى بكر، وعمر، وعلى، وعائشة، رضى الله عنهم، ثلاث وستون سنة. قال الحاكم أبو أحمد، وهو شيخ الحاكم أبى عبد الله: يقال: ولد النبى ﷺ يوم الاثنين، ونبىء يوم الاثنين، وهاجر من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين. وروى أنه ﷺ ولد مختونًا مسرورًا، وكفن ﷺ فى ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ثبت ذلك فى الصحيحين. قال الحاكم أبو أحمد: ولما أدرج النبى ﷺ فى أكفانه وضع على سريره على شفير القبر، ثم دخل الناس أرسالاً يصلون عليه فوجًا فوجًا لا يؤمهم أحد، فأولهم صلاة عليه العباس، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس، فلما فرغ الرجال دخل الصبيان، ثم النساء، ثم دفن ﷺ ، ونزل فى حفرته العباس، وعلى، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران. قال: ويقال: كان أسامة بن زيد، وأوس بن حولى معهم، ودفن فى اللحد، وبنى عليه ﷺ فى لحده اللبن، يقال: إنها تسع لبنات، ثم أهالوا التراب، وجعل قبره ﷺ مسطحًا، ورش عليه الماء رشًا. قال: ويقال: نزل المغيرة فى قبره، ولا يصح. قال الحاكم أبو أحمد: يقال: مات عبد الله والد رسول الله ﷺ ولرسول الله ﷺ ثمانية

стр. 24

وعشرون شهرًا، وقيل: تسعة أشهر، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: شهران، وقيل: مات وهو حمل، وتوفى بالمدينة. قال الواقدى وكاتبه محمد بن سعد: لا يثبت أنه توفى وهو حمل. ومات جده عبد المطلب وله ثمان سنين، وقيل: ست سنين، وأوصى به إلى أبى طالب. وماتت أم رسول الله ﷺ وله ست سنين، وقيل: أربع، ماتت بالأبواء، مكان بين مكة والمدينة. وبعث ﷺ رسولاً إلى الناس كافة وهو ابن أربعين سنة، وقيل: أربعين ويوم، وأقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشرًا، وقيل: خمس عشرة، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام بها عشر سنين بلا خلاف، وقدم المدينة يوم الاثنين لثنتى عشرة خلت من شهر ربيع الأول. قال الحاكم: وبدأ الوجع برسول الله ﷺ فى بيت ميمونة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر صفر. فصل أرضعته ﷺ ثويبة، بضم المثلثة، مولاة أبى لهب أيامًا، ثم أرضعته حليمة بنت أبى ذؤيب عبد الله بن الحارث السعدية، وروى عنها أنها قالت: كان يشب فى اليوم شباب الصبى فى شهر. ونشأ ﷺ يتيمًا، فكفله جده عبد المطلب، ثم عمه أبو طالب، وطهره الله من دنس الجاهلية، فلم يعظم صنمًا لهم فى عمره قط، ولم يحضر مشهدًا من مشاهد كفرهم، وكانوا يطلبونه لذلك فيمتنع، ويعصمه الله من ذلك. وفى الحديث عن على، رضى الله عنه، أن النبى ﷺ قال: “ما عبدت صنمًا قط، وما شربت خمرًا قط، وما زلت أعرف أن الذى هُم عليه كُفر”، وهذا من لطف الله تعالى به أن برأه من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلق جميل، حتى كان يُعرف فى قومه بالأمين؛ لما شاهدوا من أمانته وصدقه وطهارته. فلما بلغ اثنتى عشرة سنة خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرًا الراهب فعرفه بصفته، فجاء وأخذ بيده، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب

стр. 25

العالمين، هذا يبعثه الله حجة للعالمين، قالوا: فمن أين علمت ذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبى، وإنا نجده فى كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفًا من اليهود فرده. ثم خرج ﷺ ثانيًا إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة، رضى الله عنها، فى تجارة لها قبل أن يتزوجها، حتى بلغ سوق بصرى، فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة، ولما خرج إلى المدينة مهاجرًا خرج معه أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، ومولى أبى بكر عامر بن فُهيرة، بضم الفاء، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثى، وهو كافر، ولا يُعلم له إسلام. فصل فى صفته ﷺ - كان ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا الأبيض الأمهق، ولا الآدم، ولا الجعد القطط، ولا السبط، وتوفى وليس فى رأسه عشرون شعرة بيضاء، وكان حسن الجسم، بعيد ما بين المنكبين، له شعر إلى منكبيه، وفى وقت إلى شحمتى أذنيه، وفى وقت إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين، أى غليظ الأصابع، ضخم الرأس والكراديس، فى وجهه تدوير، أدعج العينين، طويل أهدابهما، أحمر المآقى، ذا مشربة، وهى الشعر الدقيق من الصدر إلى السرة كالقضيب، إذا مشى تقلع كأنما ينحط فى صبب، أى يمشى بقوة، والصبب الحدور، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر كأن وجهه كالقمر، حسن الصوت، سهل الخدين، ضليع الفم، سواء البطن والصدر، أشعر المنكبين والذراعين وأعالى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، أشكل العينين، أى طويل شقهما، منهوس العقبين، أى قليل لحم العقب، بين كتفيه خاتم النبوة، كزر الحجلة وكبيضة الحمامة. وكان إذا مشى كأنما تطوى له الأرض، ويَجِدُّون فى لحاقه وهو غير مكترث، وكان يسدل شعر رأسه ثم فرقه، وكان يرجله ويسرح لحيته، ويكتحل بالأثمد كل ليلة فى كل عين ثلاثة أطراف عند النوم، وكان أحب

стр. 26

الثياب إليه القميص، والبياض، والحبرة، وهى ضرب من البرود فيه حمرة، وكان كُم قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ، ولبس فى وقت حلة حمراء وإزارًا ورداء، وفى وقت ثوبين أعفرين، وفى وقت جبة ضيقة الكمين، وفى وقت قباء، وفى وقت عمامة سوداء وأرخى طرفها بين كتفيه، وفى وقت مرطًا أسود من شعر، أى كساء، ولبس الخاتم والخف والنعل. فصل فى أبناءه وبناته ﷺ - له ثلاثة بنين: القاسم، وبه كان يكنى، ولد قبل النبوة، وتوفى وهو ابن سنتين. وعبد الله، وسمى الطيب والطاهر؛ لأنه ولد بعد النبوة، وقيل: الطيب والطاهر غير عبد الله، والصحيح الأول. والثالث إبراهيم، ولد بالمدينة سنة ثمان، ومات بها سنة عشر وهو ابن سبعة عشر شهرًا أو ثمانية عشر. وكان له ﷺ أربع بنات: زينب تزوجها أبو العاص بن الربيه بن عبد العزى بن عبد الشمس، وهو ابن خالتها، وأمه هالة بنت خويلد. وفاطمة تزوجها على بن أبى طالب، رضى الله عنه. ورقية، وأم كلثوم تزوجهما عثمان بن عفان، تزوج رقية، ثم أم كلثوم، وتوفيتا عنده، ولهذا سمى ذا النورين، توفيت رقية يوم بدر فى رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وتوفيت أم كلثوم فى شعبان سنة تسع من الهجرة. فالبنات أربع بلا خلاف، والبنون ثلاثة على الصحيح، وأول من ولد له القاسم، ثم زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وجاء أن فاطمة، ﵍، أسن من أم كلثوم، ذكر ذلك على بن أحمد بن سعيد بن محرم أبو محمد الحافظ. ثم فى الإسلام عبد الله بمكة، ثم إبراهيم بالمدينة، وكلهم من خديجة، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، وكلهم توفوا قبله إلا فاطمة، فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الأصح والأشهر.

стр. 27

فصل فى أعمامه وعماته ﷺ - أعمامه ﷺ أحد عشرة: أحدهم الحارث، وهو أكبر أولاد عبد المطلب، وبه كان يكنى، وقثم، والزبير، وحمزة، والعباس، وأبو طالب، وأبو لهب، وعبد الكعبة، وحجل، بحاء مهملة مفتوحة ثم جيم ساكنة، وضرار، والفيداق، أسلم منهم حمزة، والعباس، وكان حمزة أصغرهم سنًا؛ لأنه رضيع رسول الله ﷺ ، ثم العباس قريب منه فى السن، وهو الذى كان يلى زمزم بعد أبيه عبد المطلب، وكان أكبر سنًا من رسول الله ﷺ بثلاث سنين. وعماته ﷺ ست: صفية أسلمت وهاجرت، وهى أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة فى خلافة عمر بن الخطاب، رضى الله عنهما، وهى أخت حمزة لأمه. وعاتكة، قيل: إنها أسلمت، وهى التى رأت رؤيا غزوة بدر وقصتها مشهورة. وبرة، وأروى، وأميمة، وأم حكيم، وهى البيضاء. فصل فى أزواجه ﷺ - أولهن خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم حفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وميمونة، وجويرية، وسفية، وسنذكرهن فى تراجمهن إن شاء الله تعالى، فهؤلاء التسع بعد خديجة توفى عنهن، ولم يتزوج فى حياة خديجة غيرها، ولا تزوج بكرًا غير عائشة. وأما اللاتى فارقهن ﷺ فى حياته فتركناهن لكثرة الاختلاف فيهن. وكان له سريتان: مارية، وريحانة بنت زيد، وقيل: بنت شمعون، ثم أعتقها. روينا عن قتادة، قال: تزوج النبى ﷺ خمس عشرة امرأة، فدخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفى عن تسع.

стр. 28

فصل فى مواليه ﷺ - منهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى أبو أسامة، وثوبان بن بجدد، بضم الموحدة والدال وإسكان الجيم، وأبو كبشة واسمه سليم، شهد بدرًا، وباذام، ورويفع، وقصير، وميمون، وأبو بكرة، وهرمز، وأبو صفية عبيد، وأبو سلمى، وأنسه، بفتح الهمزة والنون، وصالح، وشقران، ورباح بالموحدة، وأسود النوبى، ويسار الراعى، وأبو رافع واسمه أسلم، وقيل غير ذلك، وأبو لهثة، وفضالة اليمانى، ورافع، ومدعم، بكسر الميم وإسكان الدال وفتح العين المهملتين، أسود، وهو الذى قتل بوادى القرى، وكركرة بكسر الكافين، وقيل: بفتحهما، كان على ثقل النبى ﷺ ، وزيد جد هلال بن يسار بن زيد، وعبيدة، وطهمان أو كيسان أو مهران أو ذكوان أو مروان، ومأبور القبطى، وواقد، وأبو واقد، وهشام، وأبو ضميرة، وحنين، وأبو عسيب، واسمه أحمر، وأبو عبيدة، وسفينة، وسلمان الفارسى، وأيمن بن أم أيمن، وأفلح، وسابق، وسالم، وزيد بن بولا، وسعيد، وضميرة بن أبى ضميرة، وعبيد الله بن أسلم، ونافع، ونبيل، ووردان، وأبو أثيلة، وأبو الحمراء. ومن الإماء: سلمى، بفتح السين، أم رافع، وأم أيمن بركة، بفتح الباء، وهى أم أسامة ابن زيد، وميمونة بنت سعيد، وخضرة، ورضوى، وأميمة، وريحانة، وأم ضميرة، ومارية، وشيرين، وهى أختها، وأم عباس. وكثير من هؤلاء لهم ذكر فى هذه الكتب، وسيأتى بيان أحوالهم فى تراجمهم إن شاء الله تعالى. واعلم أن هؤلاء الموالى لم يكونوا موجودين فى وقت واحد للنبى ﷺ ، بل كان بعض منهم فى وقت، والله أعلم.

стр. 29

فصل فى خدمه ﷺ - منهم: أنس بن مالك، وهند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان، وربيعة بن كعب الأسلمى، وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس حطهما وجعلهما فى ذراعيه حتى يقوم، وكان عقبة بن عامر الجهنى صاحب بغلته ﷺ يقود به فى الأسفار، وبلال المؤذن، وسعد مولى أبى بكر الصديق، وذو مخمر، ويقال: مخبر، بالباء الموحدة، ابن أخى النجاشى، ويقال: ابن أخته، وبكير بن سراح الليثى، ويقال: بكر، وأبو ذر الغفارى، والأسلع بن شريك بن عوف الأعرجى، ومهاجر مولى أم سلمة، وأبو السجع، رضى الله عنهم. فصل فى كُتَّابه ﷺ - ذكرهم الحافظ أبو القاسم فى تاريخ دمشق أنهم ثلاثة وعشرون، وروى ذلك كله بأسانيده، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلى، والزبير، وأُبى بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبى سفيان، ومحمد بن مسلمة، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبان بن سعيد بن العاص، وأخوه خالد بن سعيد، وثابت بن قيس، وحنظلة ابن الربيع، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، والعلاء بن عتبة، والمغيرة بن شعبة، والسجل. وزاد غيره: شرحبيل بن حسنة، قالوا: وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت، ومعاوية، رضى الله عنهم.

стр. 30

فصل فى رُسُلِهِ ﷺ - أرسل ﷺ عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشى، فأخذ كتاب رسول الله ﷺ ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض، ثم أسلم حين حضره جعفر بن أبى طالب وحسن إسلامه. وأرسل ﷺ دحية بن خليفة الكلبى بكتاب إلى هرقل عظيم الروم. وعبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى ملك فارس. وحاطب بن أبى بلتعة اللخمى إلى المقوقس ملك الأسكندرية ومصر، فقال خيرًا، وقارب أن يُسلم، وأهدى لرسول الله ﷺ مارية القبطية وأختها شيرين، فوهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت. وأرسل عمرو بن العاص إلى ملكى عمان فأسلما وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل عندهم حتى توفى رسول الله ﷺ . وأرسل سليط بن عمرو العلوى إلى اليمامة وإلى هوذة بن على الحنفى. وأرسل شجاع بن وهب الأسدى إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى ملك البلقاء من أرض الشام. وأرسل المهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث الحميرى. وأرسل العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين فصدق وأسلم. وأرسل أبا موسى الأشعرى وعاذ بن جبل إلى جملة اليمن داعين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن ملكوهم وسوقتهم. فصل فى مؤذنيه ﷺ - له ﷺ أربعة من المؤذنين: بلال، وابن أم مكتوم بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ بقباء، وسيأتى بيان أحوالهم فى تراجمهم، إن شاء الله تعالى.

стр. 31

فصل فى حجه وعمرته وغزواته ﷺ - ثبت فى الصحيحين أن النبى ﷺ اعتمر أربع عُمَر بعد الهجرة، ولم يحج إلا حجة الوداع التى ودَّع الناس فيها سنة عشر من الهجرة، وغزا بنفسه ﷺ خمسًا وعشرين غزوة، هذا هو المشهور، وهو قول موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وأبى معشر، وغيرهم من أئمة السير والمغازى، وقيل: سبعًا وعشرين، ونقل أبو عبد الله محمد بن سعد فى الطبقات الاتفاق على أن غزواته ﷺ بنفسه سبع وعشرون غزوة، وسراياه ست وخمسون، وعدَّها واحدة واحدة مرتبة على حسب وقوعها. قالوا: ولم يقاتل إلا فى تسع: بدر، وأُحُد، والخندق، وبنى قريظة، وبنى المصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف، وهذا على قول من قال: فتحت مكة عنوة، وقيل: قاتل بوادى القرى، وفى الغابة، وبنى النضير، والله أعلم. فصل فى أخلاقه ﷺ - كان ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان، وكان أحسن الناس خَلقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم حجًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله، وأشدهم لله خشية، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ، فحينئذ يغضب ولا يقوم لغضبه شىء حتى ينتصر للحق، وإذا غضب أعرض وأشاح، وكان خُلقه القرآن، وكان أكثر الناس تواضعًا، يقضى حاجة أهله، ويخفض جناحه للضعفة، وما سُئل شيئًا قط فقال: لا، وكان أحلم الناس، وكان أشد الناس حياء من العذراء فى خدرها، والقريب والبعيد والقوى والضعيف عنده

стр. 32

فى الحق سواء. وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، ولا يأكل متكئًا ولا على خوان، ويأكل ما تيسر، ولا يمتنع من مباح ما، وكان يحب الحلواء والعسل، ويعجبه الدباء، وهو اليقطين، وقال: "نعم الإدام الخل" (١) ، و"فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٢) ) ، وكان أحب الشاة إليه الذراع. وقال أبو هريرة، رضى الله عنه: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، يعنى للعدم، وكان يأتى الشهر والشهران لا يوقد فى بيت من بيوته نار. وكان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ويكافىء على الهدية. ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعود المريض، ويجيب من دعاه من غنى أو فقير، أو دنى أو شريف، ولا يحتقر أحدًا، وكان يقعد تارة القرفصاء، وتارة متربعًا، واتكأ فى أوقات، وفى كثير من الأوقات أو فى أكثرها محتبيًا بيديه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس فى الشراب بالإناء ثلاثًا خارج الإناء. ويتكلم بجوامع الكلم، ويعيد الكلمة ثلاثًا لتفهم، وكلامه بَيِّن يفهمه من سمعه، ولا يتكلم فى غير حاجة، ولا يقعد ولا يقوم إلا على ذكر الله تعالى، وركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، وأردف معه خلفه على ناقة وعلى حمار، ولا يدع أحدًا يمشى خلفه. وعصب على بطنه الحجر من الجوع، وكان يبيت هو وأهله الليالى طاويين، وفراشه من أدم حشوه ليف، وكان متقللاً من أمتعة الدنيا كلها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلها فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها، وكان كثير الذكر، دائم الفكر، جل ضحكه التبسم، وضحك فى أوقات حتى بدت نواجذه وهى الأنياب، ويحب الطيب، ويكره الريح الكريهة، ويمزح ولا يقول إلا حقًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان كما وصفه الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . وكانت معاتبته تعريضًا: "ما بال قوم يشترطون شروطًا ليست فى كتاب الله تعالى" (٣) . ونحو ذلك، ويأمر بالرفق ويحث عليه، وينهى عن العنف، ويحث على العفو والصفح ومكارم الأخلاق، ويحب التيمن فى طهوره وترجله

стр. 33

وتنعله وفى شأنه كله، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. وإذا نام واضطجع اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة. وكان مجلسه مجلس حلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا يؤذين فيه الحرم، أى لا يذكر فيه النساء، يتعاطفون فيه بالتقوى، ويتواضعون، ويوقر الكبار، ويرحم الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلة على الخير. وكان يتألف أصحابه، ويكرم كريم كل قوم ويوليه أمرهم، ويتفقد أصحابه، ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يجزى بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد فى سبيل الله، وما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا. ودلائل كل ما ذكرته فى الصحيح مشهورة، وقد جمع الله له ﷺ كمال الأخلاق، ومحاسن الشيم، وآتاه علم الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمىّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا مُعلم له من البشر، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، صلوات الله عليه وسلامه دائمين إلى يوم الدين. ثبت فى الصحيح عن أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: ما مستت ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله- ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لى قط أف، ولا قال لشىء فعلته: لم فعلته، ولا لشىء لم أفعله: ألا فعلت كذا. فصل فى معجزاته ﷺ - لرسول الله ﷺ معجزات ظاهرات وأعلام متظاهرات تبلغ ألوفًا، وهى مشهورات، فمنها القرآن، المعجزة الظاهرة، والدلالة الباهرة، ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ، الذى أعجز البلغاء فى أفصح الأعصار، وأعياهم أن يأتوا بسورة منه ولو استعانوا بجميع الخلق. قال الله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ

стр. 34

اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ، فتحداهم ﷺ بذلك مع كثرتهم وفصاحتهم وشدة عداوتهم إلى يومنا هذا. أما المعجزات غيره، فلا يمكن حصرها أبدًا؛ لأنها كثيرة جدًا، ومتجددة متزايدة، ولكن أذكر منها أمثلة كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الماء والطعام، وتسبيح الطعام، وحنين الجذع، وتسليم الحجر، وتكليم الزراع المسمومة، ومشى الشجرة إليه، واجتماع الشجرتين المتباعدتين ورجوعهما إلى مكانهما، ودرور الشاة الحائل، ورده عين قتادة بن النعمان بعد أن ندرت وصارت فى يده إلى مكانها، فلم تكن تُعرف بعد ذلك، وتفله فى عينى على وكان أرمد فبرىء من ساعته، ومسحه رجل عبد الله بن عتيك فبرأت فى الحال، وإخباره بمصارع المشركين يوم بدر، هذا مصرع فلان، فلم يعدوا مصارعهم، وإخباره بقتلة أُبى بن خلف، وإخباره بأن طائفة من أمته يغزون البحر، وأن أم حرام منهم فكان كذلك، وبأنه يفتح على أمته ما زوى له من مشارق الأرض ومغاربها، وبأن كنوز كسرى تنفقها أمته فى سبيل الله ، وبأنه يخاف على أمته ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا، وبأن خزائن فارس والروم تفتح لنا، وبأن سراقة بن مالك يسور بسوارى كسرى. وبأن الحسن بن على يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وبأن سعد بن أبى وقاص يعيش حتى ينتفع به أقوام ويضر به آخرون، وبأن النجاشى مات يومكم هذا وهو بالحبشة، وبأن الأسود العنسى قُتل ليلتكم هذه وهو باليمن، وبأن المسلمين يقاتلون الترك صغار الأعين عراض الوجوه ذلف الأنوف، وبأن اليمن تفتح عليكم والشام والعراق، وبأن المسلمين يجندون ثلاثة أجناد جندًا بالشام، وجندًا باليمن، وجندًا بالعراق، وبأنهم يفتحون مصر أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا. وبأن أويسًا القرنى يقدم عليكم فى إمداد أهل اليمن، كان به برص فبرىء منه إلا قدر درهم، فقدم كذلك على عمر، وبأن طائفة

стр. 35

من أمته على الحق، وبأن الناس يكثرون، وبأن الأنصار يقلون، وبأن الأنصار يلقون بعده أثرة، وبأن الناس لا يزالون يسألون حتى يقولوا: هذا خلق الله الخلق ... الحديث، وبأن رويفع بن ثابت تطول به الحياة، وبأن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية، وبأن هذه الأمة ستفترق، وبأنه سيكون بينهم قتال، وبأنه ستخرج نار من أرض الحجاز، وأشباه هذا، فوقعت كلها كما ذكر ﷺ واضحة جلية. وقال لثابت بن قيس: "تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا"، فعاش حميدًا، واستشهد باليمامة. وقال لعثمان: "تصيبه بلوى شديدة". وقال فى رجل من المسلمين: "يقاتل قتالاً شديدًا، وأنه من أهل النار"، فَقَتل نفسه. وجاءه وابصة بن معبد يسأله عن البر والإثم، فقال: "جئت تسأل عن البر والإثم" (١) . وقال لعلى والزبير والمقداد: "اذهبوا إلى روضة خاخ" (٢) بأن هناك ظعينة معها كتاب، فوجدوها فأنكرته، ثم أخرجته من عقاصها. وقال لأبى هريرة حين سرق الشيطان التمر: "إنه سيعود" فعاد. وقال لأزواجه: "أطولكن يدًا أسرعكن لحاقًا بى" (٣) فكان كذلك. وقال لعبد الله بن سلام: "أنت على الإسلام حتى تموت". ودعا ﷺ لأنس بأن يكثر ماله وولده ويطول عمره، فكان كذلك، عاش فوق مائة سنة، ولم يكن أحد من الأنصار أكثر مالاً منه، ودفن من أولاده الذكور لصلبه مائة وعشرين ابنًا قبل قدوم الحجاج سوى غيرهم، وهذا مصرح به فى صحيح البخارى وغيره. ودعا ﷺ أن يعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبى جهل، فأعزه الله بعمر، رضى الله عنه. ودعا على سراقة بن مالك فارتطمت به فرسه فى جلد من الأرض، وساخت قوائمها فيها، فناداه بالأمان وسأله الدعاء له. ودعا لعلى أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فلم يكن يجد حرًا ولا بردًا. ودعا لحذيفة ليلة بعثه يأتى بخبر الأحزاب ألا يجد بردًا، فلم يجده حتى رجع. ودعا لابن عباس أن يفقهه الله فى الدين، فكان كذلك. ودعا على عتبة بن أبى لهب أن

стр. 36

يسلط الله عليه كلبًا من كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء. ودعا بنزول المطر حين سألوه ذلك لقحوط المطر ولم يكن فى السماء قزعة، فثار سحاب أمثال الجبال، ومطروا إلى الجمعة الأخرى، حتى سألوه أن يدعو برفعه، فدعا فارتفع وخرجوا يمشون فى الشمس. ودعا لأبى طلحة ولامرأته أم سليم أن يباك الله لهما فى ليلتهما، فكان كذلك، فحملت فولدت عبد الله، فكان من أولاده تسعة كلهم علماء. ودعا لأم أبى هريرة، رضى الله عنه، بالهداية، فذهب أبو هريرة فوجدها تغتسل وقد أسلمت. ودعا لأم قيس بنت محصن أخت عكاشة بطول العمر، فلا نعلم امرأة عمَّرت ما عمرت، رواه النسائى فى أبواب غسل الميت. ورمى الكفار يوم حنين بقبضة من تراب، وقال: "شاهت الوجوه" (١) ) فهزمهم الله تعالى، وامتلأت أعينهم ترابًا. وخرج على مائة من قريش ينتظرونه ليفعلوا به مكروهًا، فوضع التراب على رءوسهم ومضى ولم يروه. فصل فى أفراس النبى ﷺ - كان له ﷺ أفراس، فأول فرس ملكه السكب، بفتح السين المهملة وإسكان الكاف وبالباء الموحدة، وكان أغر محجلاً، طلق اليمنى، وهو أول فرس غزا عليه. وفرس آخر يقال له: شنجة، وهو الذى سابق عليه فسبق، وفرس آخر يقال له: المرتجز، وهو الذى اشتراه من الأعرابى الذى شهد له خزيمة بن ثابت. وقال سهل بن سعد: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة أفراس: لزاز، بكسر اللام وبزاءين، والظرب، بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء، واللحيف، بضم اللام وفتح الحاء المهملة، وقيل: بالمعجمة، وقيل: النحيف، بالنون، فأما لزاز فأهداه له المقوقس، واللحيف أهداه له ربيعة بن أبى البراء فأثابه عليه فرايض، والظرب أهداه له فروة بن عمرو الجذامى، وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الدارى، ثم وهبه لعمر، ثم وهبه عمر لرجل، ثم وجده يباع. وكان له ﷺ بغلته دُلْدُل، بضم الدالين المهملتين، يركبها فى الأسفار، وعاشت

стр. 37

بعده ﷺ حتى كبرت وذهبت أسنانها، وكان يحش لها الشعير، وماتت بينبع. وروينا فى تاريخ دمشق من طرق أنها بقيت حتى قاتل عليها على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فى خلافته الخوارج. وكان له ﷺ ناقته العضباء، ويقال لها أيضًا: الجدعاء، والقصواء، هكذا روينا عن محمد بن إبراهيم التيمى، أن هذه الأسماء الثلاثة لناقة واحدة، وكذا قاله غيره، وقيل: هن ثلاث. وكان له حمار يقال له: عُفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء، وذكره القاضى عياض بالغين المعجمة، واتفقوا على تغليطه فى ذلك. مات عفير فى حجة الوداع، وكان له وقت عشرون لقحة، ومائة شاة، وثلاثة أرماح، وثلاثة أفراس، وستة أسياف منها ذو الفقار، تنفله يوم بدر، وهو الذى رأى فيه الرؤيا يوم أُحُد، ودرعان، وترس، وخاتم، وقدح غليظ من خشب، وراية سوداء مربعة من نمرة، ولواء أبيض، وروى أسود. واعلم أن أحوال رسول الله ﷺ وسيره وما أكرمه الله تعالى به، وما أفاضه على العالمين من آثاره ﷺ غير محصورة، ولا يمكن استقصاؤها، لاسيما فى هذا الكتاب الموضوع للإشارة إلى نبذ من عيون الأسماء، وما يتعلق بها، وفيما ذكرته تنبيه على ما تركته، ولأن مقصودى تشريف الكتاب بتصدير بعض أحوال رسول الله ﷺ فى أوله، وقد حصل ذلك ولله الحمد، وكيف لا يشرف كتاب صدر بأحوال الرسول المصطفى ﷺ ، والحبيب المجتبى، خيرة العالم، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، وسيد المرسلين، هادى الأمة، ونبى الرحمة ﷺ ، وزاده فضلاً وشرفًا لديه، والحمد لله رب العالمين. فصل فى خصائص رسول الله ﷺ فى الأحكام وغيرها وهذا فصل نفيس، وعادة

стр. 38

أصحابنا يذكرونه فى أول كتاب النكاح؛ لأن خصائصه ﷺ فى النكاح أكثر من غيرها، وقد جمعتها فى الروضة مستقصًا ولله الحمد، وهذا الكتاب لا يحتمل بسطها، فأشير فيه إلى مقاصدها مختصرة إن شاء الله تعالى. قال أصحابنا: خصائصه ﷺ أربعة أضرب: الأول: ما اختص به ﷺ من الواجبات: قالوا: والحكمة فيه زيادة الزلفى والدرجات العلى، فلم يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم، كما صرح به الحديث الصحيح، ونقل إمام الحرمين عن بعض أصحابنا أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة، واستأنسوا فيه بحديث، فمن هذا الضرب صلاة الضحى، ومنه الأضحية، والوتر، والتهجد، والسواد، والمشاورة. والصحيح عند أصحابنا أنها واجبات عليه، وقيل: سُنن، والأصح عند أصحابنا أن الوتر غير التهجد، والصحيح أن التهجد نسخ وجوبه فى حقه ﷺ ، كما نسخ فى حق الأمة، وهذا هو المنصوص للشافعى، ﵀. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ، وفى صحيح مسلم عن عائشة ما يدل عليه. ومنه وجوب مصابرته العدو، وإن كثروا وزادوا على الضعف. ومنه قضاء دين من مات وعليه دين، لم يخلف وفاء، وقيل: كان يقضيه تكرمًا لا وجوبًا، والأصح عند أصحابنا أنه كان واجبًا. وقيل: يجب عليه ﷺ إذا رأى شيئًا يعجبه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، ومن هذا الضرب فى النكاح أنه أوجب عليه تخيير نسائه بين مفارقته واختياره. وقال بعض أصحابنا: كان هذا التخيير مستحبًا، والصحيح وجوبه، فلما خيرهن اخترنه والدار الآخرة، فحرم عليه التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن على حسن صنيعهن، قال الله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ، ثم نسخ لتكون المنة لرسول الله ﷺ بترك التزوج عليهن، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِى آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية. واختلف أصحابنا هل حرم طلاقهن بعد الاختيار؟ فالأصح أنه لم يحرم وإنما حرم التبدل، وهو غير مجرد الطلاق.

стр. 39

الضرب الثانى: ما اختص به من المحرمات عليه: ليكون الأجر فى اجتنابه أكثر، وهو قسمان: أحدهما: فى غير النكاح: فمنه الشعر، والخط، ومنه الزكاة، وفى صدقة التطوع قولان للشافعى، أصحهما أنها كانت محرمة عليه، وأما الأكل متكئًا، وأكل الثوم والبصل والكرات، فكانت مكروهة له غير محرمة فى الأصح. وقال بعض أصحابنا: محرمات، وكان يحرم عليه إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، وقيل: كان مكروهًا، والصحيح عند أصحابنا تحريمه. وقال بعض أصحابنا تفريعًا على هذا: إنه كان إذا شرع فى تطوع لزمه إتمامه، وهذا ضعيف، وكان يحرم عليه مد العين إلى ما متع به الناس من زهرة الدنيا، وحرم عليه خائنة الأعين، وهى الإيماء برأس أو يد أو غيرهما إلى مباح من قتل أو ضرب أو نحوها، على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، وكان لا يصلى أولاً على من مات وعليه دين ولا وفاء له، ويأذن لأصحابه فى الصلاة عليه. واختلف أصحابنا هل كان يحرم عليه الصلاة أم لا؟ ثم نسخ ذلك، وكان يصلى عليه، ويوفى دينه من عنده. القسم الثانى: فى النكاح: فمنه إمساك من كرهت نكاحه، والصحيح عند أصحابنا تحريمه. وقال بعضهم: كان لا يفارقها تكرمًا. ومنه نكاح الكتابية، والأصح عند أصحابنا أنه كان محرمًا عليه، وبه قال ابن سريج، وأبو سعيد الأصطخرى، والقاضى أبو حامد المروروذى. وقال أبو إسحاق المروزى: ليس بحرام، ويجرى الوجهان فى التسرى بالأمة الكتابية ونكاح الأمة المسلمة، لكن الأصح فى التسرى بالكتابية الحل، وفى نكاح الأمة المسلمة التحريم، وأما الأمة الكتابية، فقطع الجمهور بأن نكاحها كان محرمًا عليه، وطرد الحناطى الوجهين، وفرع الأصحاب هنا تفريعات لا أراها لاثقة بهذا الكتاب. الضرب الثالث: التخفيفات والمباحات: وما أبيح له ﷺ دون غيره نوعان: أحدهما: لا يتعلق بالنكاح: فمنه الوصال فى الصوم، واصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها، ويقال لذلك المختار: الصفى والصفية، وجمعها

стр. 40

صفايا. ومن خمس الخمس فى الفىء والغنيمة، وأربعة أخماس الفىء، ودخول مكة بلا إحرام، وإباحة القتال فيها ساعة دخلها يوم الفتح، وله أن يقضى بعلمه وفى غيره خلاف، ويحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقبل شهادة من يشهد له، ويحيى الموات لنفسه، ولا ينتقض وضوئه بالنوم مضطجعًا. وذكر بعض أصحابنا فى انتقاض وضوئه بلمس المرأة وجهين، والمشهور الانتقاض. وفى إباحة مكثه فى المسجد مع الجنابة وجهان لأصحابنا، قال أبو العباس بن القاص فى التلخيص: يباح، وقال القفال وغيره: لا يباح، وغَلَّط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص فى الإباحة. وقد يحتج للإباحة بحديث عطية، عن أبى سعيد، قال النبى ﷺ : "يا على، لا يحل لأحد يجنب فى هذا المسجد غيرى وغيرك" (١) . قال الترمذى: حديث حسن. وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية ضعيف عند الجمهور، ويجاب بأن الترمذى حكم بأنه حسن، فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه. وأبيح له أخذ الطعام والشراب من مالكيهما المحتاج إليهما إذا احتاج هو ﷺ إليهما، ويجب على صاحبهما البذل له ﷺ ، وصيانة مهجته ﷺ . قال الله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . واعلم أن معظم هذه المباحاة لم يفعلها ﷺ ، وإن كانت مباحة له، والله أعلم. النوع الثانى: متعلق بالنكاح: فمنه إباحة تسع نسوة، والصحيح جواز الزيادة له ﷺ . ومنه انعقاد نكاحه بلفظ الهبة على الأصح، والأصح انحصار طلاقه فى الثلاث، وقيل: لا ينحصر، وإذا عقد نكاحه بلفظ الهبة لا يجب مهر بالعقد، ولا بالدخول بخلاف غيره. ومنه انعقاد نكاحه بلا ولى ولا شهود، وفى حال الإحرام على الصحيح فى الجميع، وإذا رغب فى نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة على الصحيح، ويحرم على غيره خطبتها. وفى وجوب القسم بين أزواجه وإمائه وجهان. قال الأصطخرى: لا يجب، فيكون من الخصائص. وقال آخرون: يجب، فليس منها. وبنى الأصحاب أكثر هذه المسائل ونظائرها على أصل عندهم، وهو أن نكاحه ﷺ هل هو كالنكاح فى حقنا أم كالتسرى؟. وأعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فقيل: أعتقها وشرط أن ينكحها،
следующие страницы →