يسلط الله عليه كلبًا من كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء. ودعا بنزول المطر حين سألوه ذلك لقحوط المطر ولم يكن فى السماء قزعة، فثار سحاب أمثال الجبال، ومطروا إلى الجمعة الأخرى، حتى سألوه أن يدعو برفعه، فدعا فارتفع وخرجوا يمشون فى الشمس.
ودعا لأبى طلحة ولامرأته أم سليم أن يباك الله لهما فى ليلتهما، فكان كذلك، فحملت فولدت عبد الله، فكان من أولاده تسعة كلهم علماء. ودعا لأم أبى هريرة، رضى الله عنه، بالهداية، فذهب أبو هريرة فوجدها تغتسل وقد أسلمت. ودعا لأم قيس بنت محصن أخت عكاشة بطول العمر، فلا نعلم امرأة عمَّرت ما عمرت، رواه النسائى فى أبواب غسل الميت. ورمى الكفار يوم حنين بقبضة من تراب، وقال: "شاهت الوجوه" (١)
) فهزمهم الله تعالى، وامتلأت أعينهم ترابًا. وخرج على مائة من قريش ينتظرونه ليفعلوا به مكروهًا، فوضع التراب على رءوسهم ومضى ولم يروه.
فصل فى أفراس النبى ﷺ -
كان له ﷺ أفراس، فأول فرس ملكه السكب، بفتح السين المهملة وإسكان الكاف وبالباء الموحدة، وكان أغر محجلاً، طلق اليمنى، وهو أول فرس غزا عليه. وفرس آخر يقال له: شنجة، وهو الذى سابق عليه فسبق، وفرس آخر يقال له: المرتجز، وهو الذى اشتراه من الأعرابى الذى شهد له خزيمة بن ثابت. وقال سهل بن سعد: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة أفراس: لزاز، بكسر اللام وبزاءين، والظرب، بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء، واللحيف، بضم اللام وفتح الحاء المهملة، وقيل: بالمعجمة، وقيل: النحيف، بالنون، فأما لزاز فأهداه له المقوقس، واللحيف أهداه له ربيعة بن أبى البراء فأثابه عليه فرايض، والظرب أهداه له فروة بن عمرو الجذامى، وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الدارى، ثم وهبه لعمر، ثم وهبه عمر لرجل، ثم وجده يباع.
وكان له ﷺ بغلته دُلْدُل، بضم الدالين المهملتين، يركبها فى الأسفار، وعاشت
стр. 37
بعده ﷺ حتى كبرت وذهبت أسنانها، وكان يحش لها الشعير، وماتت بينبع. وروينا فى تاريخ دمشق من طرق أنها بقيت حتى قاتل عليها على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فى خلافته الخوارج. وكان له ﷺ ناقته العضباء، ويقال لها أيضًا: الجدعاء، والقصواء، هكذا روينا عن محمد بن إبراهيم التيمى، أن هذه الأسماء الثلاثة لناقة واحدة، وكذا قاله غيره، وقيل: هن ثلاث.
وكان له حمار يقال له: عُفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء، وذكره القاضى عياض بالغين المعجمة، واتفقوا على تغليطه فى ذلك. مات عفير فى حجة الوداع، وكان له وقت عشرون لقحة، ومائة شاة، وثلاثة أرماح، وثلاثة أفراس، وستة أسياف منها ذو الفقار، تنفله يوم بدر، وهو الذى رأى فيه الرؤيا يوم أُحُد، ودرعان، وترس، وخاتم، وقدح غليظ من خشب، وراية سوداء مربعة من نمرة، ولواء أبيض، وروى أسود.
واعلم أن أحوال رسول الله ﷺ وسيره وما أكرمه الله تعالى به، وما أفاضه على العالمين من آثاره ﷺ غير محصورة، ولا يمكن استقصاؤها، لاسيما فى هذا الكتاب الموضوع للإشارة إلى نبذ من عيون الأسماء، وما يتعلق بها، وفيما ذكرته تنبيه على ما تركته، ولأن مقصودى تشريف الكتاب بتصدير بعض أحوال رسول الله ﷺ فى أوله، وقد حصل ذلك ولله الحمد، وكيف لا يشرف كتاب صدر بأحوال الرسول المصطفى ﷺ ، والحبيب المجتبى، خيرة العالم، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، وسيد المرسلين، هادى الأمة، ونبى الرحمة ﷺ ، وزاده فضلاً وشرفًا لديه، والحمد لله رب العالمين.
فصل فى خصائص رسول الله ﷺ فى الأحكام وغيرها
وهذا فصل نفيس، وعادة
стр. 38
أصحابنا يذكرونه فى أول كتاب النكاح؛ لأن خصائصه ﷺ فى النكاح أكثر من غيرها، وقد جمعتها فى الروضة مستقصًا ولله الحمد، وهذا الكتاب لا يحتمل بسطها، فأشير فيه إلى مقاصدها مختصرة إن شاء الله تعالى. قال أصحابنا: خصائصه ﷺ أربعة أضرب:
الأول: ما اختص به ﷺ من الواجبات: قالوا: والحكمة فيه زيادة الزلفى والدرجات العلى، فلم يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم، كما صرح به الحديث الصحيح، ونقل إمام الحرمين عن بعض أصحابنا أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة، واستأنسوا فيه بحديث، فمن هذا الضرب صلاة الضحى، ومنه الأضحية، والوتر، والتهجد، والسواد، والمشاورة.
والصحيح عند أصحابنا أنها واجبات عليه، وقيل: سُنن، والأصح عند أصحابنا أن الوتر غير التهجد، والصحيح أن التهجد نسخ وجوبه فى حقه ﷺ ، كما نسخ فى حق الأمة، وهذا هو المنصوص للشافعى، ﵀. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ، وفى صحيح مسلم عن عائشة ما يدل عليه.
ومنه وجوب مصابرته العدو، وإن كثروا وزادوا على الضعف. ومنه قضاء دين من مات وعليه دين، لم يخلف وفاء، وقيل: كان يقضيه تكرمًا لا وجوبًا، والأصح عند أصحابنا أنه كان واجبًا. وقيل: يجب عليه ﷺ إذا رأى شيئًا يعجبه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، ومن هذا الضرب فى النكاح أنه أوجب عليه تخيير نسائه بين مفارقته واختياره.
وقال بعض أصحابنا: كان هذا التخيير مستحبًا، والصحيح وجوبه، فلما خيرهن اخترنه والدار الآخرة، فحرم عليه التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن على حسن صنيعهن، قال الله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ، ثم نسخ لتكون المنة لرسول الله ﷺ بترك التزوج عليهن، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِى آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية. واختلف أصحابنا هل حرم طلاقهن بعد الاختيار؟ فالأصح أنه لم يحرم وإنما حرم التبدل، وهو غير مجرد الطلاق.
стр. 39
الضرب الثانى: ما اختص به من المحرمات عليه: ليكون الأجر فى اجتنابه أكثر، وهو قسمان:
أحدهما: فى غير النكاح: فمنه الشعر، والخط، ومنه الزكاة، وفى صدقة التطوع قولان للشافعى، أصحهما أنها كانت محرمة عليه، وأما الأكل متكئًا، وأكل الثوم والبصل والكرات، فكانت مكروهة له غير محرمة فى الأصح. وقال بعض أصحابنا: محرمات، وكان يحرم عليه إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، وقيل: كان مكروهًا، والصحيح عند أصحابنا تحريمه.
وقال بعض أصحابنا تفريعًا على هذا: إنه كان إذا شرع فى تطوع لزمه إتمامه، وهذا ضعيف، وكان يحرم عليه مد العين إلى ما متع به الناس من زهرة الدنيا، وحرم عليه خائنة الأعين، وهى الإيماء برأس أو يد أو غيرهما إلى مباح من قتل أو ضرب أو نحوها، على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، وكان لا يصلى أولاً على من مات وعليه دين ولا وفاء له، ويأذن لأصحابه فى الصلاة عليه. واختلف أصحابنا هل كان يحرم عليه الصلاة أم لا؟ ثم نسخ ذلك، وكان يصلى عليه، ويوفى دينه من عنده.
القسم الثانى: فى النكاح: فمنه إمساك من كرهت نكاحه، والصحيح عند أصحابنا تحريمه. وقال بعضهم: كان لا يفارقها تكرمًا. ومنه نكاح الكتابية، والأصح عند أصحابنا أنه كان محرمًا عليه، وبه قال ابن سريج، وأبو سعيد الأصطخرى، والقاضى أبو حامد المروروذى.
وقال أبو إسحاق المروزى: ليس بحرام، ويجرى الوجهان فى التسرى بالأمة الكتابية ونكاح الأمة المسلمة، لكن الأصح فى التسرى بالكتابية الحل، وفى نكاح الأمة المسلمة التحريم، وأما الأمة الكتابية، فقطع الجمهور بأن نكاحها كان محرمًا عليه، وطرد الحناطى الوجهين، وفرع الأصحاب هنا تفريعات لا أراها لاثقة بهذا الكتاب.
الضرب الثالث: التخفيفات والمباحات: وما أبيح له ﷺ دون غيره نوعان:
أحدهما: لا يتعلق بالنكاح: فمنه الوصال فى الصوم، واصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها، ويقال لذلك المختار: الصفى والصفية، وجمعها
стр. 40
صفايا. ومن خمس الخمس فى الفىء والغنيمة، وأربعة أخماس الفىء، ودخول مكة بلا إحرام، وإباحة القتال فيها ساعة دخلها يوم الفتح، وله أن يقضى بعلمه وفى غيره خلاف، ويحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقبل شهادة من يشهد له، ويحيى الموات لنفسه، ولا ينتقض وضوئه بالنوم مضطجعًا. وذكر بعض أصحابنا فى انتقاض وضوئه بلمس المرأة وجهين، والمشهور الانتقاض. وفى إباحة مكثه فى المسجد مع الجنابة وجهان لأصحابنا، قال أبو العباس بن القاص فى التلخيص: يباح، وقال القفال وغيره: لا يباح، وغَلَّط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص فى الإباحة.
وقد يحتج للإباحة بحديث عطية، عن أبى سعيد، قال النبى ﷺ : "يا على، لا يحل لأحد يجنب فى هذا المسجد غيرى وغيرك" (١) . قال الترمذى: حديث حسن. وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية ضعيف عند الجمهور، ويجاب بأن الترمذى حكم بأنه حسن، فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه. وأبيح له أخذ الطعام والشراب من مالكيهما المحتاج إليهما إذا احتاج هو ﷺ إليهما، ويجب على صاحبهما البذل له ﷺ ، وصيانة مهجته ﷺ . قال الله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . واعلم أن معظم هذه المباحاة لم يفعلها ﷺ ، وإن كانت مباحة له، والله أعلم.
النوع الثانى: متعلق بالنكاح: فمنه إباحة تسع نسوة، والصحيح جواز الزيادة له ﷺ . ومنه انعقاد نكاحه بلفظ الهبة على الأصح، والأصح انحصار طلاقه فى الثلاث، وقيل: لا ينحصر، وإذا عقد نكاحه بلفظ الهبة لا يجب مهر بالعقد، ولا بالدخول بخلاف غيره. ومنه انعقاد نكاحه بلا ولى ولا شهود، وفى حال الإحرام على الصحيح فى الجميع، وإذا رغب فى نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة على الصحيح، ويحرم على غيره خطبتها. وفى وجوب القسم بين أزواجه وإمائه وجهان.
قال الأصطخرى: لا يجب، فيكون من الخصائص. وقال آخرون: يجب، فليس منها. وبنى الأصحاب أكثر هذه المسائل ونظائرها على أصل عندهم، وهو أن نكاحه ﷺ هل هو كالنكاح فى حقنا أم كالتسرى؟. وأعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فقيل: أعتقها وشرط أن ينكحها،
стр. 41
فلزمه الوفاء بخلاف غيره. وقيل: جعل نفس العتق صداقًا، وصح ذلك بخلاف غيره، وقيل: أعتقها بلا عوض، وتزوجها بلا مهر لا فى الحال ولا فيما بعد، وهذا أصح، وذكر الأصحاب فى هذا النوع أشياء كثيرة جدًا حذفتها.
الضرب الرابع: ما اختص به ﷺ من الفضائل والإكرام: فمنه أن أزواجه اللائى توفى عنهن محرمات على غيره أبدًا، وفيمن فارقها فى الحياة أوجه أصحها تحريمها، وهو نص الشافعى، ﵀، فى أحكام القرآن، وبه قال أبو على بن أبى هريرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، والثانى: يحل، والثالث: يحرم التى دخل بها فقط. فإذا قلنا بالتحريم، ففى أمة يفارقها بوفاة أو غيرها بعد الدخول وجهان. ومنه أن أزواجه أمهات المؤمنين، سواء من توفيت تحته ومن توفى عنها، وذلك فى تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن، وتحريم حقوقهن لا فى النظر والخلوة، وتحريم بناتهن وإخواتهن، فلا يقال: بناتهن أخوات المؤمنين، ولا آباؤهن وأمهاتهن أجداد وجدات المؤمنين، ولا إخوتهن وأخواتهن أخوال وخالات المؤمنين.
وقال بعض أصحابنا: يطلق اسم الإخوة على بناتهن، واسم الخؤولة على إخوتهن وأخواتهن، وهذا ظاهر نص الشافعى، ﵀، فى مختصر المزنى. وهل كن أمهات المؤمنات؟ فيه وجهان صحابنا، أصحهما: لا، بل هن أمهات المؤمنين دون المؤمنات، وهو المنقول عن عائشة، رضى الله عنها، بناء على المذهب المختار لأهل الأصول أن النساء لا يدخلن فى ضمير الرجال.
وقال البغوى من أصحابنا: ويقال للنبى ﷺ : أبو المؤمنين والمؤمنات. ونقل الواحدى عن بعض أصحابنا أنه لا يقال ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . قال: ونص الشافعى، رضى الله عنه، على جوازه، أى أبوهم فى الحرمة.
قال: ومعنى الآية: ليس أحد من رجالكم ولد صلبه. وفى الحديث الصحيح فى سنن أبى داود وغيره، أن النبى ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد" (١) ، قيل: فى الشفقة، وقيل: فى ألا يستحيوا من سؤالى عما يحتاجون إليه من أمر العورات وغيرها، وقيل: فى ذلك كله وغيره، وقد أوضحت ذلك كله فى كتاب الاستطابة من شرح
стр. 42
المهذب.
ومنه تفضيل نسائه ﷺ على سائر النساء، وجعل ثوابهن وعقابهن ضعفين، وتحريم سؤالهن إلا من وراء حجاب، ويجوز فى غيرهن مشافهة. وأفضل أزواجه خديجة وعائشة. قال أبو سعد المتولى: واختلف أصحابنا أيتهما أفضل. ومنه فى غير النكاح أنه ﷺ خاتم النبيين وخير الخلائق أجمعين، وأمته أفضل الأمم، وأصحابه خير القرون، وأمته معصومة من الاجتماع على ضلالة، وشريعته مؤبدة وناسخة لجميع الشرائع، وكتابه معجزة محفوظ عن التحريف والتبديل، وهو حجة على الناس بعد وفاته، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت، ونُصر بالرعب مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت له الغنائم، وأعطى الشفاعة والمقام المحمود، وأرسل إلى الناس كافة، وهو سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة.
وهو أكثر الأنبياء تبعًا، وأُعطى جوامع الكلم، وصفوف أمته فى الصلاة كصفوف الملائكة، وكان لا ينام قلبه، ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه، ولا يحل لأحد أن يرفع صوته فوق صوته، ولا أن يناديه من وراء الحجرات، ولا أن يناديه باسمه فيقول: يا محمد، بل يقول: يا نبى الله، يا رسول الله، ويخاطبه المصلى بقوله: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، ولو خاطب آدميًا غيره بطلت صلاته، ويلزم المصلى إذا دعاه أن يجيبه وهو فى الصلاة، ولا تبطل صلاته، وكان بوله ودمه يتبرك بهما، وكان شعره طاهرًا، وإن حكمنا بنجاسة شعر الأمة، واختلف أصحابنا فى طهارة دمه وبوله وسائر الفضلات، وكانت الهدية حلالاً له بخلاف غيره من ولاة الأمور، فلا تحل له هدية رعاياهم على تفصيل مشهور، ولا يجوز الجنون على الأنبياء، ويجوز عليهم الإغماء؛ لأنه مرض بخلاف الجنون، واختلفوا فى جواز الاحتلام، والأشهر امتناعه.
وفاته ﷺ ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، وواظب عليهما بعد العصر، وفى اختصاصه بهذه الملازمة والمداومة وجهان لأصحابنا أصحهما وأشهرهما الاختصاص. وقال ﷺ : "لا تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى" (١) ، وفى جواز التكنى بأبى القاسم خلاف
стр. 43
أوضحته فى الروضة، وفى كتاب الأذكار. وقال ﷺ : "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلا سببى ونسبى" (١) ، قيل: معناه أن أمته ينسبون إليه يوم القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا تنسب إليهم، وقيل: يُنتفع يومئذ بالانتساب إليه ولا يُنتفع بسائر الأنساب. قال أصحابنا: ومن أستهان أو زنى بحضرته كفر، كذا قالوه، وفى الزنا نظر.
قال ابن القاص، والقفال، والمروزى: ومن الخصائص أنه ﷺ يؤخذ عن الدنيا عند تلقى الوحى، ولا يسقط عنه الصلاة ولا غيرها. ومنه أن من رآه فى المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بصورته، ولكن لا يعمل بما يسمعه الراءى منه فى المنام فيما يتعلق بالأحكام إن خالف ما استقر فى الشرع؛ لعدم ضبط الرائى، لا للشك فى الرؤية؛ لأن الخبر لا يُقبل إلا من ضابط مطلف، والنائم بخلافه. ومنها أن الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء للحديث المشهور.
ومنها قوله ﷺ : "إن كذبًا علىَّ ليس ككذب على أحد" (٢)
) ، قال أصحابنا وغيرهم: فتعمد الكذب عليه من الكبائر، فإن استحله المتعمد كفر، وإلا فهو كسائر الكبائر لا يكفر بها. وقال الشيخ أبو محمد الجوينى والد إمام الحرمين: يكفر بذلك، والصواب الأول، وبه قطع الجمهور، والله أعلم.
واعلم أن هذا الضرب لا ينحصر، ولكن نبهنا بما ذكرناه على ما سواه، ولنختم الفصل بكلامين:
أحدهما: قال إمام الحرمين: قال المحققون: ذكر الخلاف فى مسائل الخصائص خبط لا فائدة فيه، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس الحاجة إليه، وإنما يجرى الخلاف فيما لا نجد بُدًا من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة.
الكلام الثانى: قال الصيمرى: منع أبو على بن خيران الكلام فى الخصائص؛ لأنه أمر انقضى. قال: وقال سائر أصحابنا: لا بأس به، وهو الصحيح؛ لما فيه من زيادة العلم، هذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل باستحبابه، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا إن لم يمنع منه إجماع؛ لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا فى الصحيح فعمل به أخذًا بأصل التأسى، فوجب بيانها
стр. 44
لتعرف، ولا مشاركة فيها، وأى فائدة أعظم من هذه، وأما ما يقع فى أثناء الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم، فقليل جدًا لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدرب ومعرفة الأدلة وتحقيق الشىء على ما هو عليه، كما يقولون فى الفرائض ترك مائة جلدة، ونحو ذلك، وبالله التوفيق.
فهذا آخر ما انتخبته من نبذ العيون المتعلقة بترجمة رسول الله ﷺ حبيب رب العالمين، وخير الأولين والآخرين، صلوات الله عليه وسلامه وعلى سائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين، وحسبى الله ونعم الوكيل.
إمامنا، رضى الله عنه
٢ - إمامنا، رضى الله عنه، هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى القريشى المطلبى الشافعى الحجازى المكى (١) :
ابن عم رسول الله ﷺ ، يلتقى معه فى عبد مناف. وقد أكثر العلماء، رحمهم الله تعالى، من المصنفات فى مناقب الشافعى وأحواله من المتقدمين والمتأخرين، كداود الظاهرى، والساجى، وخلائق من المتقدمين، وأما المتأخرين كالدارقطنى، والآجرى، والرازى، والصاحب بن عباد، والبيهقى، ونصر المقدسى، وخلائق لا يحصون، فكتبهم فى مناقبه مشهورة، ومن أحسنها وأثبتها كتاب البيهقى، وهو مجلدان ضخمان مشتملان على نفائس من كل فن، استوعب فيهما معظم أحواله ومناقبه بالأسانيد الصحيحة والدلائل الصريحة، وكتابنا هذا مبنى على الاختصار، فلا يليق به البسط والتطويل والإكثار، فأقتصر فيه إن شاء الله تعالى على الإشارة إلى نبذ من تلك المقاصد والمرمز إلى جُمل من تلك الكليات والمعاقد، فأقول مستعينًا بالله متوكلاً عليه، مفوضًا أمرى إليه:
الشافعى، رضى الله عنه، قريشى مطلبى بإجماع أهل النقل من جميع الطوائف، وأمه أزدية، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة فى فضل قريش، وانعقد الإجماع على تفضيلهم على جميع قبائل العرب وغيرهم.
وفى الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: "الأئمة من قريش" (٢) . وفى صحيح مسلم، عن جابر، رضى الله عنه، عن
стр. 45
رسول الله ﷺ قال: "الناس تبع لقريش فى الخير والشر" (١) . وأن رسول الله ﷺ قال: "الناس معادن، خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا" (٢) . وفى صحيح مسلم أيضًا عن واثلة بن الأسقع، رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم" (٣) .
وفى صحيح البخارى عن جبير بن مطعم، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شىء واحد" (٤) . وفى صحيح كتاب الترمذى، عن أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأزد أسد الله فى الأرض، يريد الناس أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم، وليأتين على الناس زمان يقول الرجل: يا ليتنى كنت أزديًا، ويا ليت أمى كانت أزدية" (٥) . قال الترمذى: وروى موقوفًا عن أنس، وهو عندنا أصح.
وفى الترمذى أيضًا عن أبى هريرة، رضى الله عنه، عن النبى ﷺ قال: "الملك فى قريش، والقضاء فى الأنصار، والأذان فى الحبشة، والأمانة فى الأزد" (٦) ، يعنى اليمن. قال الترمذى: وروى موقوفًا عن أبى هريرة، وهو أصح.
فصل فى مولد الشافعى، ﵀، ووفاته
وذكر نبذ من أموره وحالاته
أجمعوا على أنه ولد سنة خمسين ومائة، وهى السنة التى توفى فيها أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، وقيل: إنه فى اليوم الذى توفى فيه أبو حنيفة. قال البيهقى: ولم يثبت اليوم، ثم المشهور الذى عليه الجمهور أن الشافعى ولد بغزة، وقيل: بعسقلان، وهما من الأرض المقدسة التى بارك الله فيها، فإنهما على نحو من مرحلتين من بيت المقدس، ثم حُمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وتوفى بمصر سنة أربع ومائتين، وهو ابن أربع وخمسين سنة. قال الربيع: توفى الشافعى، رحمه الله تعالى، ليلة الجمعة بعد المغرب
стр. 46
وأنا عنده، ودفن بعد العصر يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وقبره رحمه الله تعالى بمصر، عليه من الجلالة وله من الاحترام ما هو لائق بمنصب ذلك الإمام.
قال الربيع: رأيت فى النوم أن آدم، ﵇، مات، فسألت عن ذلك، فقيل: هذا موت أعلم أهل الأرض؛ لأن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسير فمات الشافعى، ﵀، ورأى غيره ليلة مات الشافعى قائلاً يقول: الليلة مات النبى ﷺ ، وحزن الناس لموته الحزن الذى يوازى رزيتهم به.
فصل
نشأ الشافعى، رضى الله عنه، يتميًا فى حجر أمه فى قلة عيش وضيق حال، وكان فى صباه يجالس العلماء، ويكتب ما يستفيده فى العظام ونحوها؛ لعجزه عن الورق، حتى ملأ منها حبابًا. عن مصعب بن عبد الله الزبيرى، قال: كان الشافعى، ﵀، فى ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام العرب والأدب، ثم أخذ فى الفقه. قال: وكان سبب أخذه فيه أنه كان يسير يومًا على دابة له وخلفه كاتب لأبى، فتمثل الشافعى ببيت شعر، فقرعه كاتب أبى بسوطه، ثم قال له: مثلك يذهب بمروءته فى مثل هذا، أين أنت من الفقه؟! فهزه ذلك، فقصد مجالسة مسلم بن خالد الزنجى مفتى مكة، ثم قدم علينا، يعنى المدينة، فلزم مالكًا، ﵀.
وعن الشافعى، قال: كنت أنظر فى الشعر، فارتقيت عقبة بمنى، فإذا صوت من خلفى: عليك بالفقه. وعن الحميدى قال: قال الشافعى: خرجت أطلب النحو والأدب، فلقينى مسلم بن خالد الزنجى، فقال: يا فتى، من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، قال: أين منزلك؟ قلت: بشعب الخيف، قال: من أى قبيلة أنت؟ قلت: من عبد مناف، فقال: بخ بخ، لقد شرفك الله فى الدنيا والآخرة، ألا جعلت فهمك هذا فى الفقه فكان أحسن لك؟!.
стр. 47
فصل
فلما أخذ الشافعى، ﵀، فى الفقه، وحصل منه على مسلم بن خالد الزنجى وغيره من أئمة مكة ما حصل، رحل إلى المدينة قاصدًا الأخذ عن أبى عبد الله مالك بن أنس، رضى الله عنه، ورحلته مشهورة فيها مصنف معروف مسموع، وأكرمه مالك، ﵀، وعامله لنسبه، وعلمه وفهمه وعقله وأدبه بما هو اللائق بهما، وقرأ الموطأ على مالك حفظًا، فأعجبته قراءته، فكان مالك يستزيده من القراءة لإعجابه من قراءته، ولازم مالكًا فقال له: اتق الله، فإنه سيكون لك شأن. وفى رواية أنه قال له: إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعصية.
وكان للشافعى حين أتى مالكًا ثلاث عشرة سنة، ثم ولى باليمن واشتهر من حسن سيرته، وحمله الناس على السنة والطرائق الجميلة أشياء كثيرة معروفة، ثم رحل إلى العراق، وجدّ فى الاشتغال بالعلم، وناظر محمد بن الحسن وغيره، ونشر علم الحديث، وأقام مذهب أهله، ونصر السنة، وشاع ذكره وفضله وتزايد تزايدًا ملأ البقاع، وطلب منه عبد الرحمن بن مهدى إمام أهل الحديث فى عصره أن يُصَنِّف كتابًا فى أصول الفقه، وكان عبد الرحمن ويحيى بن سعيد القطان يعجبان بكتاب الرسالة، وكذلك أهل عصرهما ومن بعدهما، وكان القطان وأحمد بن حنبل يدعوان للشافعى، رضى الله عنهم أجمعين، فى صلاتهم؛ لما رأيا من اهتمامه بإقامة الدين ونصر السنة وفهمها، واقتباس الأحكام منها، وأجمع الناس على استحسان رسالته، وأقوال السلف فى ذلك مشهورة بأسانيدها.
قال المزنى: قرأت الرسالة خمسمائة مرة، ما من مرة إلا واستفدت منها فائدة جديدة. وقال المزنى أيضًا: أنا أنظر فى الرسالة من خمسين سنة، ما أعلم أنى نظرت فيها مرة إلا استفدت منها شيئًا لم أكن عرفته.
فلما اشتهرت جلالة الشافعى، ﵀، فى العراق، وسار
стр. 48
ذكره فى الآفاق، وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون، واعترف به العلماء أجمعون، وعظمت عند الخلائق وولاة الأمور مرتبته، واستقرت عندهم جلالته وإمامته، وظهر من فضله فى مناظراته أهل العراق وغيرهم ما لم يظهر لسواه، وأظهر من بيان القواعد ومهمات الأصول ما لم يعرف لمن عداه، وامتحن فى مواطن كثيرة مما لا يحصى من المسائل، فكان جوابه فيها من الصواب والسداد بالمحل الأعلى والمقام الأسنى، عكف عليه للاستفادة منه الصغار والكبار، والأئمة الأخيار من أهل الحديث والفقه وغيرهم، ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، وتمسكوا بطريقته كأبى ثور وخلائق من الأئمة، وترك كثير منهم الأخذ عن شيوخهم وكبار الأئمة لانقطاعهم إلى الشافعى حين رأوا عنده ما لا يجدون عند غيره، وبارك الله الكريم له ولهم فى تلك العلوم الباهرة والمحاسن المتظاهرة والخيرات المتكاثرة، ولله الحمد على ذلك وعلى سائر نعمه التى لا تحصى.
وصنف فى العراق كتابه القديم المسمى كتاب الحجة، ويرويه عنه أربعة من كبار أصحابه العراقيين، وهم أحمد بن حنبل، وأبو ثور، والزعفرانى، والكرابيسى، وأتقنهم له رواية الزعفرانى. ثم خرج الشافعى، ﵀، إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة. وقال أبو عبد الله حرملة بن يحيى: قدم الشافعى مصر سنة تسع وتسعين ومائة. وقال الربيع: سنة مائتين، ولعله قدم فى آخر سنة تسع جمعًا بين الروايتين، وصنف كتبه الجديدة كلها بمصر، وسار ذكره فى البلدان، وقصده الناس من الشام واليمن والعراق وسائر النواحى والأقطار للتفقه عليه والرواية عنه، وسماع كتبه منه، وأخذها عنه، وساد أهل مصر وغيرهم، وابتكر كتبًا لم يسبق إليها، منها أصول الفقه، وكتاب القسامة، وكتاب الجزية، وكتاب قتال أهل البغى، وغيرها.
قال الإمام أبو الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر الرازى فى كتابه مناقب الشافعى: سمعت أبا عمرو أحمد بن على بن الحسن البصرى، قال: سمعت محمد بن أحمد بن سفيان الطرائفى البغدادى يقول: سمعت الربيع بن سليمان يومًا وقد حط على باب داره تسعمائة راحلة فى
стр. 49
سماع كتب الشافعى، ﵀ ورضى عنه.
فصل فى تلخيص جملة من أحوال الشافعى
اعلم أنه، رضى الله عنه، كان من أنواع المحاسن بالمحل الأعلى، والمقام الأسنى؛ لما جمعه الله الكريم له من الخيرات، ووفقه له من جميل الصفات، وسهله عليه من أنواع المكرمات، فمن ذلك شرف النسب الطاهر، والعنصر الباهر، واجتماعه هو ورسول الله ﷺ فى النسب، وذلك غاية الشرف ونهاية الحسب. ومن ذلك شرف المولد والمنشأ، فإنه ولد بالأرض المقدسة، ونشأ بمكة. ومن ذلك أنه جاء بعد أن مهدت الكتب وصنفت وقررت الأحكام ونقحت، فنظر فى مذاهب المتقدمين، وأخذ من الأئمة المبرزين، وناظر الحذاق المتقنين، فبحث مذاهبهم وسبرها وتحققها وخبرها، فلخص منها طريقة جامعة للكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولم يقتصر على ذلك كما وقع لغيره، وتفرغ للاختيار والتكميل والتنقيح مع كمال قوته وعلو همته وبراعته فى جميع أنواع الفنون، واضطلاعه منها أشد اضطلاع، وهو المبرز فى الاستنباط من الكتاب والسنة، البارع فى معرفة الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمبين، والخاص والعام، وغيرها من تقاسيم الخطاب، فلم يسبقه أحد إلى فتح هذا الباب؛ لأنه أول مَن صَنَّف أصول الفقه بلا اختلاف ولا ارتياب، وهو الذى لا يساوى، بل لا يدانى فى معرفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ورد بعضها إلى بعض، وهو الإمام الحجة فى لغة العرب ونحوهم، فقد اشتغل فى العربية عشرين سنة مع بلاغته وفصاحته، ومع أنه عربى اللسان والدار والعصر، وبها يعرف الكتاب والسنة.
قال عبد الملك بن هشام صاحب المغازى: إمام أهل مصر فى عصره فى اللغة والنحو الشافعى، حجة فى اللغة، وكان إذا شك فى شىء
стр. 50
من اللغة بعث إلى الشافعى فسأله عنه. وقال أبو عبيد: كان الشافعى ممن تؤخذ عنه اللغة. وقال أيوب بن سويد: خذوا عن الشافعى اللغة. وقال أبو عثمان المازنى: الشافعى عندنا حجة فى النحو.
وقال الأصمعى: صححت أشعار الهذليين على شاب من قريش بمكة يقال له: محمد ابن إدريس. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعى يقول: أروى لثلاثمائة شاعر مجنون. وقال الزبير بن بكار: أخذت شعر هذيل ووقائعها وأيامها من عمى مصعب، وقال: أخذتها من الشافعى حفظًا. وأقاوئل العلماء فى هذا كثير.
وهو الذى قلد المنن الجسيمة أهل الآثار، وحملة الحديث، ونقلة الأخبار بتوقيفه إياهم على معانى السنن وتبيينه وقذفه بالحق على باطل مخالفى السنن وتمويههم، فنعشهم بعد أن كانوا خاملين، وظهرت كلمته على جميع المخالفين، ودمغهم بواضحات البراهين، حتى ظلت أعناقهم لها خاضعين.
قال محمد بن الحسن، ﵀: إن تكلم أصحاب الحديث يومًا فبلسان الشافعى، يعنى لما وضع من كتبه. وقال الحسن بن محمد الزعفرانى: كان أصحاب الحديث رقودًا فأيقظهم الشافعى فتيقظوا. وقال أحمد بن حنبل: ما أحد مس بيده محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعى فى رقبته منة. فهذا قول إمام أصحاب الحديث وأهله، ومن لا يختلف الناس فى ورعه وفضله.
ومن ذلك أن الشافعى، ﵀، مكنه الله تعالى من أنواع العلوم، حتى عجز لديه المناظرون من الطوائف وأصحاب الفنون، واعترف بتبريزه، وأذعن الموافقون والمخالفون فى المحافل الكثيرة المشهورة المشتملة على أئمة عصره فى البلدان، وهذه المناظرات موجودة فى كتبه وكتب العلماء معروفة عند المتقدمين والمتأخرين. وفى كتاب الأم للشافعى، ﵀، من هذه المناظرات جُمل من العجائب والنفائس الجليلات، والقواعد المستفادات، وكم من مناظرة واقعة فيه يقطع كل من وقف عليها وأنصف وصدق أنه لم يُسبق إليها، ومن ذلك أنه تصدر فى عصر الأئمة المبرزين للإفتاء والتدريس والتصنيف، وقد أمره بذلك شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجى إمام أهل مكة ومفتيها، وقال له: افت يا أبا
стр. 51
عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتى، وكان للشافعى إذ ذاك خمس عشرة سنة. وأقاويل أهل عصره فى هذا كثيرة مشهورة.
وأخذ عن الشافعى، ﵀، العلم فى سن الحداثة مع توفر العلماء فى ذلك العصر، وهذا من الدلائل الصريحة لعظم جلالته وعلو مرتبته، وهذا كله مشهور فى كتب مناقبه وغيرها، ومن ذلك شدة اجتهاده فى نصرة الحديث، واتباع السنة، وجمعه فى مذهبه بين أطراف الأدلة، مع الإتقان والتحقيق والغوص التام على المعانى والتدقيق، حتى لُقِّب حين قدم العراق بناصر الحديث، وغلب فى عرف العلماء المتقدمين والفقهاء الخراسانيين على متبعى مذهبه لقب أصحاب الحديث فى القديم والحديث.
وقد روينا عن إمام الأئمة أبى بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وكان من حفظ الحديث ومعرفة السنة بالغاية العالية، أنه سُئل: هل سنة صحيحة لم يودعها الشافعى كتبه؟ قال: لا، ومع هذا فاحتاط الشافعى، ﵀، لكون الإحاطة ممتنعة على البشر، فقال: ما هو ثابت عنه من أوجه من وصيته بالعمل بالحديث الصحيح وترك قوله المخالف للنص الثابت الصريح، وقد امتثل أصحابنا، ﵏، وصيته، وعملوا بها فى مسائل كثيرة مشهورة، كمسألة التثويب فى أذان الصبح، واشتراط التحلل فى الحج بعذر المرض ونحوه، وغير ذلك مما هو معروف، ولكن لهذا شرط قل من يتصف به فى هذه الأزمان، وقد أوضحته فى مقدمة شرح المهذب.
ومن ذلك تمسكه بالأحاديث الصحيحة، وإعراضه عن الأخبار الواهية والضعيفة، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء اعتنى فى الاحتجاج بالتمييز بين الصحيح والضعيف كاعتنائه ولا قريبًا منه، فرضى الله عنه، وهذا واضح جلى فى كتبه، وإن كان أكثر أصحابنا لم يسلكوا طريقته فى هذا. ومن ذلك أخذه، ﵀، بالاحتياط فى مسائل العبادات وغيرها مما هو معروف. ومن ذلك شدة اجتهاده فى العبادة وسلوط طرائق الورع والسخاء والزهادة، وهذا من خلقه وسيرته مشهور معروف، ولا يتمارى فيه إلا جاهل أو ظالم عسوف، فكان رضى الله عنه، بالمحل الأعلى من متانة الدين، وهذا مقطوع بمعرفته عند الموافقين والمخالفين:
стр. 52
وليس يصح فى الأذهان شىء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
وأما سخاؤه، وشجاعته، وكمال عقله، وبراعته، فإنه مما اشترك الخواص والعوام فى معرفته، فلا أستدل عليه لشهرته، وكل هذا مشهور فى كتب المناقب مروى من طرق. ومن ذلك ما جاء فى الحديث المشهور: "إن عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا" (١) ، وحمله العلماء المتقدمون والمتأخرون على الشافعى، ﵀، واستدلوا له بأنه لم ينقل عن الصحابة، رضى الله عنهم، إلا مسائل معدودة إذ كانت فتاويهم مقصورة على الوقائع، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع، وكانت همتهم مصروفة إلى جهاد الكفار لإعلاء كلمة الإسلام، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، فلم يتفرغوا للتصنيف، وكذلك التابعون لم يصنفوا، وأما من جاء بعدهم وصنف الكتب، فلم يكن فيهم قرشى يتصف بهذه الصفة قبل الشافعى ولا بعده إلا هو.
وقد قال الساجى، ﵀، فى أول كتابه المشهور فى اختلاف العلماء: إنما بدأت بالشافعى قبل جميع الفقهاء وقدمته عليهم، وإن كان فيهم أقدم منه؛ اتباعًا للسنة، فإن رسول الله ﷺ قال: "قدموا قريشًا وتعلموا من قريش" (٢)
) . وقال الإمام أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدى الإستراباذى صاحب الربيع بن سليمان المرادى: فى هذا الحديث علامة بينة، إذا تأمله الناظر المميز علم أن المراد به رجل من علماء هذه الأمة من قريش، ظهر علمه وانتشر فى البلاد، وكتب كما يكتب المصاحف، ودرسه المشايخ والشبان فى مجالسهم، وأجروا أقاويله فى مجالس الحكام، والأمراء، والقراء، وأهل الآثار، وغيرهم. قال: وهذه صفة لا نعلمها فى أحد غير الشافعى. قال: فهو عالم قريش الأفضل الذى دون العلم، وشرح الأصول والفروع، ومهد القواعد. قال البيهقى بعد روايته كلام أبى نعيم: وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل فى تأويل الخبر.
ومن ذلك مصنفات الشافعى، ﵀، فى الأصول والفروع التى لم يسبق إليها كثرة وحسنًا، وهى كثيرة مشهورة، كالأم فى نحو خمسة عشر مجلدًا، وهو مشهور، وجامعى المزنى الكبير والصغير، ومختصريه، ومختصر الربيع، والبويطى، وكتاب
стр. 53
حرملة، وكتاب الحجة، وهو القديم، والرسالة الجديدة والقديمة، والأمالى، والإملاء، وغير ذلك مما هو معروف، وقد جمعها البيهقى فى باب من كتابه فى مناقب الشافعى.
قال القاضى الإمام أبو محمد الحسن بن محمد المروزى فى خطبة تعليقه: قيل: إن الشافعى، ﵀، صنف مائة وثلاثة عشر كتابًا فى التفسير، والفقه، والأدب، وغير ذلك، وما أحسنها، فأمر يدرك بمطالعتها، فلا يتمارى فيه موافق ولا مخالف، وأما كتب أصحابه التى هى شروح لنصوصه ومخرجة على أصوله مفهومة من قواعده، فلا يحصرها إلا الله تعالى مع عظم فوائدها وكثرة عوائدها، وكبر حجمها، وحسن ترتيبها ونظمها كتعليق الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، وصاحبيه القاضى أبى الطيب الطبرى، والماوردى صاحب الحاوى، ونهاية المطلب، لإمام الحرمين وغيرها مما هو معروف، وكل هذا مصرح بغزارة علمه وجزالة كلامه وبلاغته، وبراعة فهمه، وصحة نيته، وحسن طويته، وقد نقل عنه فى صحة نيته نقول كثيرة مشهورة، وكفى بالاستقراء فى ذلك دليلاً قاطعًا وبرهانًا صادعًا.
قال الساجى فى أول كتابه فى الاختلاف: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعى يقول: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم، على أن لا ينسب إلىَّ منه حرف، فهذا إسناد لا يمارى فى صحته. وقال الشافعى، ﵀: وددت إذا ناظرت أحدًا أن يُظهر الله الحق على يديه. ونظائر هذا كثيرة مشهورة. ومن ذلك مبالغته فى الشفقة على المتعلمين، ونصيحته لله تعالى وكتابه ورسوله ﷺ والمسلمين، وذلك هو الدين كما صح عن سيد المرسلين ﷺ ، وهذا الذى ذكرته من أحواله وإن كان كله مشهورًا، فلا بأس بالإشارة إليه ليعرفه من لم يقف عليه.
فصل فى نوادر من حكم الشافعى، رضى الله عنه، وجزيل كلامه
قال ﵀: طلب
стр. 54
العلم أفضل من صلاة النافلة. وقال: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم. وقال: ما تقرب إلى الله تعالى بشىء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وقال: ما أفلح فى العلم إلا من طلبه فى القلة، ولقد كنت أطلب القرطاس فيعسر علىَّ. وقال: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلة النفس، وضيق العيش، وخدمة العلم، وتواضع النفس أفلح. وقال: تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه.
وقال: من طلب علمًا فليدقق؛ لئلا يضيع دقيق العلم. وقال: من لا يحب العلم لا خير فيه، ولا يكون بينك وبينه صداقة ولا معرفة. وقال: زينة العلماء التوفيق، وحليتهم حسن الخلق، وجمالهم كرم النفس. وقال: زينة العلم الورع والحلم. وقال: لا عيب بالعلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه وزهدهم فيما رغبهم فيه. وقال: ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع. وقال: فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهال فقر اضطرار. وقال: المراء فى العلم يقسى القل ويورث الضغائن. وقال: الناس فى غفلة عن هذه السورة: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢] ، وكان قد جزأ الليلة ثلاثة أجزاء، الثلث الأول يكتب، والثانى يصلى فيه، والثالث ينام.
وقال الربيع: نمت فى منزل الشافعى ليالى، فلم يكن ينام من الليل إلا يسيرًا. وقال بحر بن نصر: ما رأيت ولا سمعت فى عصر الشافعى كان أتقى لله ولا أروع ولا أحسن صوتًا بالقرآن منه. وقال الحميدى: كان الشافعى يختم فى كل يوم ختمة. وقال حرملة: سمعت الشافعى يقول: وددت أن كل علم يعلمه الناس أوجر عليه ولا يحمدونى قط. وقال أحمد بن حنبل، ﵀: كان الشافعى، ﵀، قد جمع الله تعالى فيه كل خير.
وقال الشافعى: الظرف الوقوف مع الحق كما وقف. وقال: ما كذبت قط، ولا حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا. وقال: ما تركت غسل الجمعة فى برد ولا سفر ولا غيره. وقال: ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتى. وفى رواية: من عشرين سنة. وقال: من لم تعزه التقوى فلا عز له. وقال: ما فرغت من الفقر قط. وقال: طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد.
стр. 55
وقيل للشافعى: ما لك تدمن إمساك العصى ولست بضعيف؟ فقال: لأذكر أنى مسافر، يعنى فى الدنيا. وقال: من شهد الضعف من نفسه نال الاستقامة. وقال: من غلبته شدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها، ومن رضى بالقنوع زال عنه الخضوع. وقال: خير الدنيا والآخرة فى خمس خصال: غنى النفس، وكف الأذى، وكسب الحلال، ولبس التقوى، والثقة بالله على كل حال.
وقال للربيع: عليك بالزهد. وقال: أنفع الذخائر التقوى وأضرها العدوان. وقال: من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينوره فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه، واجتناب المعاصى، ويكون له خبئة فيما بينه وبين الله تعالى من عمل. وفى رواية: فعليه بالخلوة، وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء، وبعض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب.
وقال: يا ربيع، لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها. وقال ليونس بن عبد الأعلى: لو اجتهدت كل الجهد على أن ترضى الناس كلهم فلا سبيل، فاخلص عملك ونيتك لله . وقال: لا يعرف الرياء إلا المخلصون. وقال: لو أوصى رجل بشىء لأعقل الناس صرف إلى الزهاد. وقال: سياسة الناس أشد من سياسة الدواب. وقال: العاقل من عقله عقله عن كل مذموم.
وقال: لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتى لما شربته، ولو كنت اليوم ممن يقول الشعر لرثيت المروءة. وقال: للمروءة أربعة أركان: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك. وقال: المروءة عفة الجوارح عما لا يعنيها. وقال: أصحاب المروءات فى جهد. وقال: من أحب أن يقضى الله له بالخير فليحسن الظن بالناس.
وقال: لا يكمل الرجل فى الدنيا إلا بأربع: بالديانة، والأمانة، والصيانة، والرزانة. وقال: أقمت أربعين سنة أسأل إخوانى الذين تزوجوا عن أحوالهم فى تزوجهم، فما منهم أحد قال إنه رأى خيرًا. وقال: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته. وقال: من صدق فى إخوة أخيه قبل علله، وسد خلله، وغفر زلله. وقال: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقًا. وقال: ليس سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا غم يعدل فراقهم. وقال: لا تقصر فى حق أخيك اعتمادًا على
стр. 56
مودته.
وقال: لا تبذل وجهك إلى من يهون عليه ردك. وقال: من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك. وقال: من نَمَّ لك نَمَّ بك، ومن إذا أرضيته قال فيك ما ليس فيك، وإذا أغضبته قال فيك ما ليس فيك. وقال: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل. وقال: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وقال: من سام بنفسه فوق ما تساوى رده الله تعالى إلى قيمته. وقال: الفتوة حلى الأحرار.
وقال: من تزين بباطل هتك ستره. وقال: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام. وقال: التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة. وقال: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله. وقال: إذا كثرت الحوائج فابدأ بأهمها. وقال: من كتم سره كانت الخيرة فى يده. وقال: الشفاعات زكاة المروآت. وقال: ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت الله صوابه فى قلبه.
وقال: أبين ما فى الإنسان ضعفه، فمن شهد الضعف من نفسه نال الاستقامة مع الله تعالى. وقال: قال رجل لأُبى بن كعب، رضى الله عنه: عظنى، فقال: وَاخِ الإخوان على قدر تقواهم، ولا تجعل لسانك مذلة لمن لا يرغب فيه، ولا تغبط الحى إلا بما تغبط به الميت. وقال: من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد فى الدنيا قرت عيناه بما يرى من ثواب الله تعالى غدًا. وقال: كن فى الدنيا زاهدًا، وفى الآخرة راغبًا، وأضدق الله تعالى فى جميع أمورك تنج غدًا مع الناجين. وقال: من كان فيه ثلاث خصال فقد أكمل الإيمان: من أمر بالمعروف وائتمر به، ونهى عن المنكر وانتهى عنه، وحافظ على حدود الله تعالى.
وقال لأخ له فى الله تعالى يعظه ويخوفه: يا أخى، إن الدنيا دحض مزلة، ودار مذلة، عمرانها إلى الخراب صائر، وساكنها للقبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، الإكثار فيها إعسار، والإعسار فيها يسار، فافزع إلى الله، وارض برزق الله تعالى، ولا تستلف من دار بقائك فى دار فنائك، فإن عيشك فىء زائل، وجدار مائل، أكثر من عملك، وقصر من أملك.
وقال: أرجى حديث للمسلمين حديث أبى موسى، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا
стр. 57
كان يوم القيامة دفع إلى كل مسلم يهودى أو نصرانى، وقيل: يا مسلم، هذا فداؤك من النار" (١) . رواه مسلم فى صحيحه. وقال: الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء، والانقباض عنهم مكسبة للعداوة، فكن بين المنقبض والمنبسط.
وقال: ما أكرمت أحدًا فوق مقداره إلا اتضع من قدرى عنده بمقدار ما زدت فى إكرامه. وقال: لا وفاء لعبد، ولا شكر للئيم، ولا صنيعة عند نذل. وقال: صحبة من لا يخاف العار عار يوم القيامة. وقال: عاشر كرام الناس تعش كريمًا، ولا تعاشر اللئام فتنسب إلى اللؤم. وقال له رجل: أوصنى، فقال: إن الله تعالى خلقك حرًا، فكن حرًا كما خلقك. وقال: من سمع بأذنه صار حاكيًا، ومن أصغى بقلبه كان واعيًا، ومن وعظ بفعله كان هاديًا.
وقال: من الذل أشياء: حضور مجلس العلماء بلا نسخة، وعبور الجسر بلا قطعة، ودخول الحمام بلا سطل، وتذلل الشريف للدنىء لينال منه شيئًا، وتذلل الرجل للرأة لينال من مالها شيئًا، ومداراة الأحمق، فإن مداراته غاية لا تدرك. وقال: من ولى القضاء ولم يفتقر فهو لص. وقال: لا بأس على الفقين أن يكون معه سفيه يسافه به. وقال: إذا أخطأتك الصنيعة إلى من يتقى الله فاصطنعها إلى من يتقى العار.
فصل فى أحرف من المنقولات من سخائه
اعلم أن سخاء الشافعى، ﵀، مما اشتهر، حتى لا يتشكك فيه من له أدنى أنس بعلم أو مخالطة الناس، ولكنى أنثر منه أحرفًا:
قال الحميدى: قدم الشافعى، ﵀، من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار، فضرب خباءه خارجًا من مكة، فكان الناس يأتونه، فما برح حتى فرقها كلها. وقال عمرو بن سواد: كان الشافعى أسخى الناس بالدينار والدرهم والطعام. وقال البويطى: قدم الشافعى مصر، وكانت زبيدة ترسل إليه برزم
стр. 58
الثياب والوشى، فيقسمها بين الناس. وقال الربيع: كان الشافعى راكبًا على حمار، فمر على سوق الحدادين، فسقط سوطه من يده، فوثب إنسان فمسحه بكفه وناوله إياه، فقال لغلامه: ادفع إليه الدنانير التى معك، فما أدرى كانت سبعة أو تسعة.
قال: وكنا يومًا مع الشافعى، فانقطع شسع نعله، فأصلحه له رجل، فقال: يا ربيع، أمعك من نفقتنا شىء؟ قلت: نعم، قال: كم؟ قلت: سبعة دنانير، قال: ادفعها إليه. وقال أبو سعد: كان الشافعى من أجود الناس وأسخاهم كفًا، كان يشترى الجارية الصناع التى تطبخ وتعمل الحلواء، ويقول لنا: تشهوا ما أحببتم، فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون، فيقول بعض أصحابنا: اعملى اليوم كذا وكذا، وكنا نحن نأمرها. وقال الربيع: كان الشافعى إذا سأله إنسان شيئًا يحمر وجهه حياء من السائل، ويبادر بإعطائه، ﵀ ورضى عنه.
فصل فى شهادة أئمة الإسلام المتقدمين فمن بعدهم للشافعى بالتقدم فى العلم
واعترافهم له به، وحسن ثنائهم عليه، وجميل دعائهم له ووصفهم له بالصفات الجميلة والخلال الحميدة
وهذا الباب ربما يتسع جدًا، لكنا نرمز إلى أحرف منه تنبيهًا بها على ما سواها، وأسانيدها كلها موجودة مشهورة، لكن نحذفها اختصارًا. قال له شيخه مالك بن أنس، رضى الله عنه: إن الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بالمعصية. وقال الشافعى: لما رحلت إلى مالك فسمع كلامى، نظر إلىَّ ساعة، وكانت لمالك فراسة، فقال: ما اسمك؟ قلت: محمد، قال: يا محمد، اتق الله واجتنب المعاصى، فإنه سيكون لك شأن، فقلت: نعم وكرامة، فقال: إذا كان غدًا تجىء ويجىء من يقرأ لك الموطأ، فقلت: إنى أقرأه ظاهرًا، فغدوت إليه وابتدأت، فكلما تهيبت مالكًا وأردت أن أقطع أعجبته قراءتى وأغرانى بقول: زد يا فتى، حتى قرأته عليه فى أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفى مالك، رضى الله عنه، ثم ذكر
стр. 59
خروجه إلى اليمن. وفى رواية: فقرأته عليه، وربما قال لى فى شىء قد مرَّ: أعد حديث كذا، فأعيده حفظًا، وكأنه أعجبه، فقال: أنت يجب أن تكون قاضيًا. وفى هذه الرواية: أتيته وأنا ابن ثلاث عشرة سنة.
وقال شيخه سفيان بن عيينة، وقد قرىء عليه حديث فى الرقائق، فغشى على الشافعى، فقيل: قد مات الشافعى، فقال سفيان: إن كان قد مات فقد مات أفضل أهل زمانه. وقال أحمد بن محمد ابن بنت الشافعى: سمعت أبى وعمى يقولان: كان ابن عيينة إذا جاءه شىء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعى، وقال: سلوا هذا. وقال على بن المدينى: كان الشافعى لما عرفته عند ابن عيينة، وكان ابن عيينة يعظمه ويجله، وفسر الشافعى عند ابن عيينة حديثًا أشكل على سفيان، فقال له سفيان: جزاك الله خيرًا، ما يجيئنا منك إلا ما تحب.
وقال الحميدى صاحب سفيان: كان سفيان بن عيينة، ومسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وعبد الحميد بن عبد العزيز شيوخ مكة يصفون الشافعى ويعرفونه من صغره، مقدمًا عندهم بالذكاء والعقل والصيانة، ويقولون: لم نعرف له صبوة. وقال الحميدى: سمعت مسلم بن خالد يقول للشافعى: قد والله آن لك أن تفتى، والشافعى ابن خمس عشرة سنة.
وقال يحيى بن سعيد القطان إمام المحدثين فى زمانه: أنا أدعو الله للشافعى فى صلاتى من أربع سنين. وقال القطان حين عرض عليه كتاب الرسالة للشافعى: ما رأيت أعقل أو أفقه منه.
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدى، المقدم فى عصره فى علمى الحديث والفقه حين جاءته رسالة الشافعى، وكان طلب من الشافعى أن يصنف كتاب الرسالة، فأثنى عليه ثناء جميلاً، وأعجب بالرسالة إعجابًا كثيرًا، وقال: ما أصلى صلاة إلا أدعو للشافعى. وبعث أبو يوسف القاضى إلى الشافعى حين خرج من عند هارون الرشيد يقرئه السلام ويقول: صَنِّف الكتب، فإنك أولى من يُصَنِّف فى هذا الزمان.
وقال أبو حسان الرازى: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدًا من أهل العلم تعظيمه للشافعى، ﵀. وقال أيوب بن سويد الرملى، وهو أحد شيوخ
стр. 60
الشافعى، ومات قبل الشافعى بإحدى عشرة سنة: ما ظننت أنى أعيش حتى أرى مثل الشافعى. وقال البويطى: قال يحيى بن حسان: ما رأيت مثل الشافعى، وكان شديد المحبة للشافعى، قدم مصر، وقال: إنما جئت لأسلم على الشافعى.
وقال محمد بن على المدينى: قال لى أبى: لا تترك حرفًا للشافعى إلا أكتبه. وقال يحيى ابن معين، وقد سُئل عمن يكتب كتب الشافعى؟ فقال: عن الربيع. وقال قتيبة بن سعيد: مات الثورى ومات الورع، ومات الشافعى وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع. وقال قتيبة: لو وصلتنى كتب الشافعى لكتبتها، ما رأت عيناى أكيس منها. وقال مصعب بن عبد الله الزبيرى: ما رأيت أعلم بأيام الناس من الشافعى.
وقال أحمد بن حنبل، ﵀: إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر، فافت فيها بقول الشافعى. وقال أحمد أيضًا: ما تكلم فى العلم أقل خطأ ولا أشد أخذًا بسنة النبى ﷺ من الشافعى. وقال أحمد بن حنبل وقد سُئل عن الشافعى: لقد منَّ الله به علينا، لقد كنا تعلمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم، حتى قدم علينا الشافعى، فلما سمعنا كلامه علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالى، فما رأينا منه إلا كل خير، رحمة الله عليه.
وقال الزعفرانى: ما ذهبت إلى الشافعى قط مجلسًا إلا وجدت أحمد بن حنبل فيه. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: ركب الشافعى حماره، فسار أبى يمشى إلى جانبه وهو يذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين، فبعث إليه أبى فى ذلك، فبعث إليه أبى: إنك لو كنت فى الجانب الآخر من الحمار لكان خيرًا لك.
وقال الفضيل بن زياد: قال أحمد بن حنبل: هذا الذى ترون كله أو عامته من الشافعى، ما بت مدة أربعين سنة، أو قال: ثلاثين سنة، إلا وأدعو الله للشافعى وأستغفر له. وفى رواية غير الفضيل: إنى لأدعو للشافعى فى صلاتى من أربعين سنة أقول: اللهم اغفر لى ولوالدى ولمحمد بن إدريس الشافعى، فما كان فيهم أتبع لحديث رسول الله ﷺ منه. وفى رواية: ما أعلم أحدًا أعظم منة على الإسلام فى زمن الشافعى من الشافعى.
وقال أحمد: ما أحد مس بيده محبرة وقلمًا إلا وللشافعى فى عنقه منة. وقال محفوظ ابن أبى توبة: كنا بمكة وأحمد بن حنبل جالس عند الشافعى، فحدث ابن عيينة، فقال: هذا يفوت وذاك لا يفوت، وجلس عند الشافعى.
стр. 61
وقال أحمد لإسحاق بن راهوية: تعالى حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله. وقال أحمد: كان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه الله بالشافعى. وقال أحمد لمحمد بن مسلم بن دارة حين قدم من مصر: كتبت كتب الشافعى؟ قال: لا، قال: فرطت.
وقال أحمد: لما قدم علينا الشافعى من صنعاء، سرنا على المحجة البيضاء. وقال: كانت أقفيتنا لأصحاب أبى حنيفة حتى رأينا الشافعى، فكان أفقه الناس فى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقال: لا يستغنى، أو لا يشبع صاحب الحديث من كتب الشافعى. وقال: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معانى أحاديث رسول الله ﷺ فبينها لهم.
وقال إسحاق بن راهوية: الشافعى إمام العلماء، وما يتكلم أحد بالرأى إلا والشافعى أقل خطأ منه. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت أحدًا أعقل ولا أورع ولا أفصح ولا أنبل رأيًا من الشافعى. وقال الربيع: جاءنى أبو عبيد، فأخذ كتب الشافعى، يعنى ليكتبها. وقال يحيى بن أكثم: ما رأيت أحدًا أعقل من الشافعى. وقال عبد الله بن عبد الحكم: ما رأيت مثل الشافعى، وما رأيت رجلاً أحسن استنباطًا منه.
وقال أبو ثور: كنت أنا وإسحاق بن راهوية وحسين الكرابيسى وجماعة من العراقيين ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعى، قال: ولا أرى هو مثل نفسه. وقال الزعفرانى راوى كتب الشافعى القديمة: ما رأيت مثال الشافعى أفضل ولا أكرم ولا أتقى ولا أعلم منه، وما رأيته لحن قط، وكان يقرأ عليه من كل شعر فيعرفه، وما حمل أحد محبرة إلا وللشافعى عليه منة، ما كان الشافعى إلا بحرًا.
وقال الكرابيسى: ما فهمنا استنباط أكثر السنن إلا بتعليم الشافعى إيانا. وقال الكرابيسى أيضًا: ما كنا ندرى ما الكتاب والسنة والإجماع حتى سمعنا الشافعى، وما رأيت مثل الشافعى ولا رأى الشافعى مثل نفسه، وما رأيت أفصح منه ولا أعرف. وقال الكرابيسى أيضًا: ما رأيت مجلسًا قط أنبل من مجلس الشافعى، كان يحضره أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل الشعر، وكان يأتيه كبار أهل اللغة والشعر، فكل يتكلم منه.
وقال أبو بكر الحميدى
стр. 62
المكى: قال لى أحمد بن حنبل ونحن بمكة: الزم الشافعى، فلزمته حتى خرجت معه إلى مصر. وقال الحميدى: كنا نريد أن نرد على أهل الرأى فلا نحسن، حتى جاءنا الشافعى ففتح لنا. وقال الحميدى: سيد علماء زمانه الشافعى. وكان الحميدى إذا جرى عنده ذكر الشافعى يقول: حدثنا سيد الفقهاء الشافعى. وقال الحميدى: كان الشافعى ربما يلقى علىَّ وعلى ابنه المسألة فيقول: أيكما أصاب فله دينار.
وقال هارون بن سعيد الأبلى أحد شيوخ مسلم فى صحيحه: ما رأيت مثل الشافعى. وقيل لأحمد بن صالح: جالست الشافعى؟ فقال: سبحان الله، كنت أقصر فى مجالسته. وقال على بن معبد المصرى: ما عرفنا الحديث حتى جاءنا الشافعى. وقال المزنى: قدم الشافعى مصر وبها عبد الملك بن هشام النحوى صاحب المغازى، وكان علامة أهل عصره فى العربية والشعر، فذهب إلى الشافعى، ثم قال: ما ظننت أن الله خلق مثل الشافعى، ثم اتخذ قول الشافعى حجة فى اللغة.
وقال الربيع: قال البويطى: ما عرفنا قدر الشافعى حتى رأيت أهل العراق يذكرونه ويصفونه بوصف ما نحسن نصفه، فقد كان حذاق العراق بالفقه والنظر وكل صنف من أهل الحديث وأهل العربية والنظار يقولون أنهم لم يروا مثل الشافعى. قال الربيع: وكان البويطى يقول: قد رأيت الناس، والله ما رأيت أحدًا يشبه الشافعى ولا يقاربه فى صنف من العلم، والله إن الشافعى كان عندى أورع من كل مَن رأيته يُنسب إلى الورع.
قال الربيع: ومن كثرة ما كنت أرى البويطى يأسف على الشافعى وما فاته قلت له: يا أبا يعقوب، قد كان الشافعى لك محبًا يقدمك على أصحابه، وكنت أراك شديد الهيبة له، فما منعك أن تسأله عن كل ما كنت تريد؟ فقال لى: قد رأيت الشافعى ولينه وتواضعه، والله ما كلمته فى شىء قط إلا وأنا كالمقشعر من هيبته، وقد رأيت ابن هرمز وكل مَن كان فى زمن الشافعى كيف كانوا يهابونه، وقد رأيت هيبة السلاطين له. وقال محمد بن عبد الحكم: ما رأيت مثل الشافعى ولا رأى مثله.
وقال محمد: ليس فلان عندنا بفقيه؛ لأنه يجمع أقوال الناس ويختار بعضها، قيل: فمن الفقيه؟ قال: الذى يستنبط أصلاً من كتاب أو سنة لم يسبق إليه، ثم يشعب فى ذلك الأصل مائة شعب، قيل: فمن يقوى على هذا؟ قال: محمد بن
стр. 63
إدريس. وقال على الرازى: حج بشر المريسى، فلما قدم قيل له: من لقيت بمكة؟ قال: رأيت رجلاً إن كان منكم فلم تغلبوا، وإن كان عليكم فتأهبوا وخذوا حذركم، وهو محمد بن إدريس الشافعى.
وقال المريسى: مع الشافعى نصف عقل أهل الدنيا. وقال: ما رأيت أعقل من الشافعى. وقال: ما رأيت أمهر من الشافعى. وقال: رأيت بمكة فتى لئن بقى ليكونن رجل الدنيا. وقال المزنى: لو كنا نفهم عن الشافعى كل ما قاله لأتيناكم بصنوف العلم، وأى علم كان يذهب على الشافعى، ولكن لم نكن نفهم فقصرنا وعاجله الموت.
وقال الربيع: لو رأيتم الشافعى لقلتم: ما هذه كتبه، كان والله لسانه أكبر من كتبه. وقال حرملة: كان أبى قد رتب لى كاتبًا، وقال للكاتب: اكتب كل ما تكلم به الشافعى. وقال داود بن على الظاهرى: كان الشافعى، رضى الله عنه، سراجًا لحملة الآثار ونقلة الأخبار، ومن تعلق بشىء من بيانه صار محجاجًا.
قال داود: ومن فضائل الشافعى حفظه لكتاب ربه، وجمعه للسنن وآثار الصحابة، ومعرفته بأقسام الخطاب، وتقديمه ذلك على الرأى، وكشفه عن المخالفين، وما أبطله من زيوفهم، وقذف به على باطلهم فدمغه، ثم ما بين من الحق الذى سهل له بتوفيق خالقه معرفته، حتى استطال به من لم يكن يميز، وألفوا الكتب وناظروا المخالفين، ثم ما من الله تعالى به عليه من منطقه الذى لا يدانى فيه، وما وقاه من شح نفسه، فأولئك هم المفلحون، وسماحته، وجوده، وجميل سيرته، وورعه، ونسبه.
ثم ساق الكلام إلى أن قال: وما علمت أحدًا كان فى عصره أمن على الإسلام منه؛ لما نشر من الحق، وقمع من الباطل، وأظهر من الحجج، وعلم من الخير، رحمة الله ورضوانه عليه، وشكر الله له جميع ذلك، وجمع بيننا وبين نبينا محمد ﷺ والصالحين من عباده وبينه فى جنته مع جميع الأحبة، إنه لطيف خبير. وقال داود: كنت عند أبى ثور، فدخل رجل، فقال: يا أبا ثور، ما ترى هذه المصيبة النازلة بالناس؟ قال: ما هى؟ قال: يقولون: الثورى أفقه من الشافعى، فقال: سبحان الله العظيم، أوقالوها؟ قال: نعم، قال: نحن نقول: الشافعى أفقه من إبراهيم النخعى وذويه، وجاءنا هذا بالثورى.
وقال إبراهيم الحربى: قدم الشافعى بغداد وفى الجامع الغربى عشرون حلقة لأصحاب الرأى، فلما كان فى الجمعة لم يثبت منها
стр. 64
إلا ثلاث حلق أو أربع. وقال هلال بن العلاء: أصحاب الحديث عيال على الشافعى، فتح لهم الأقفال. وقال أبو العباس بن سريج: من أراد الظرف فعليه بمذهب الشافعى، وقراءة أبى عمرو، وشعر ابن المعتز. وقال الجاحظ: نظرت فى كتب هؤلاء المتابعة، فلم أر أحسن تأليفًا من الشافعى، كأن فاه ينظم. وأنشد نفطويه شعرًا:
مثل الشافعى فى العلماء ... مثل البدر فى نجوم السماء
وهى أبيات كثيرة مشهورة. وأقوال السلف فى مدحه غير محصورة، وفيما ذكرته أبلغ كفاية للمستبصر.
فصل فيمن روى الشافعى عنهم
من علماء الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان
قال الدارقطنى: منهم من أهل مكة سفيان، وفلان، وفلان، ثم ذكرهم. وذكرهم الحاكم أبو عبد الله وآخرون، وجمعهم البيهقى، وكذلك ذكروا من أصحابه الذين سمعوا منه وتفقهوا عليه خلائق معروفين من أعلام الأئمة وغيرهم، كأحمد بن حنبل، وأبى ثور، والحميدى، والبويطى، والمزنى، وغيرهم. ولما حضرت الوفاة الشافعى، وصى أن يكون القاعد فى حلقته وخليفته البويطى، وستأتى مناقبه فى ترجمته إن شاء الله، وهو أبو يعقوب يوسف بن يحيى.
فصل
كان الشافعى، رضى الله عنه، يخضب لحيته بالحناء، وتارة بصفرة اتباعًا للسنة، وكان طويلاً، سائل الخدين، قليل لحم الوجه، خفيف العارضين، طويل العنق، طويل القصب، آدم، يخضب لحيته بالحناء قانئة، وفى وقت بصفرة، حسن
стр. 65
الصوت، حسن السمت، عظيم العقل، حسن الوجه، حسن الخلق، مهيبًا، فصيحًا، إذا أخرج لسانه بلغ أنفه، وكان كثير الأسقام، وقولهم: طويل القصب.
قال الأصمعى: هو عظم العضد والفخذ والساق، فكل عظم منها قصبة، وقولهم: سائل الخدين، أى رقيقهما مستطيلهما، والقائنة بالهمزة هى شديدة الحمرة. وقال يونس ابن عبد الأعلى: ما رأيت أحدًا لقى من السقم ما لقى الشافعى، وسبب هذا والله أعلم لطف الله تعالى به ومعاملته بمعاملة الأولياء؛ لقوله ﷺ فى الحديث الصحيح: "نحن معاشر الأنبياء أشد بلاء، ثم الأمثل فالأمثل".
وقال الربيع: كان الشافعى حسن الوجه، حسن الخلق، محببًا إلى كل من كان بمصر فى وقته من الفقهاء والنبلاء والأمراء، كلهم يجل الشافعى ويعظمه، وكان مقتصدًا فى لباسه، ويتختم فى يساره، نقش خاتمه: كفى بالله ثقة لمحمد بن إدريس، وكان مجلسه مصونًا، وكان إذا خيض فى مجلسه فى الكلام نهى عنه، وكان ذا معرفة تامة بالطب والرمى، حتى كان يصيب عشرة من عشرة.
قال الربيع: وكان الشافعى أشجع الناس وأفرسهم، وكان يأخذ بأذنه وأذن الفرس والفرس يعدو، وكان ذا معرفة بالفراسة، وكان مع حسن خلقه مهيبًا، حتى قال الربيع وهو صاحبه وخادمه: والله ما اجترأت أن أشرب والشافعى ينظر إلىَّ هيبة له.
فصل فى منثور من أحوال الشافعى، ﵀
قال الربيع: سمعت الشافعى يقول: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام قبل حلمى، فقال لى: يا غلام، فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: ممن أنت؟ قلت: من رهطك، قال: ادن منى، فدنوت منه، ففتح فمى، فأمر من ريقه على لسانى وفمى وشفتى، وقال: امض بارك الله فيك، فما أذكر أنى لحنت فى حديث بعد ذلك ولا شعر.
وعن أبى الحسن على بن أحمد الدينورى الزاهد، قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقلت: يا رسول الله، بقول مَن آخذ؟ فأشار إلى على بن أبى
стр. 66
طالب، رضى الله عنه، فقال: خذ بيد هذا فأت به ابن عمنا الشافعى ليعمل بمذهبه فيرشد ويبلغ باب الجنة، ثم قال: الشافعى بين العلماء كالبدر بين الكواكب.
وقال الشافعى: ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة. وفى رواية: ما ناظرت أحدًا قط إلا على النصيحة. وقال أبو عثمان محمد بن الشافعى: ما سمعت أبى ناظر أحدًا قط فرفع صوته. وقال الربيع: رأيت من الشافعى ما لا أحصى، وكان إذا انصرف اتشح بردائه، ووضعت له منارة قصيرة، واتكأ على وسادة وتحته مضريتان، ويأخذ القلم فلا يزال يكتب.
وقال الربيع: سمعت الشافعى يقول: أريت فى المنام كأن آتيًا أتانى، فحمل كتبى فبثها فى الهواء، فسألت بعض المعبرين، فقال: إن صدقت رؤياك لم يبق بلد من بلاد الإسلام إلا ودخل علمك فيه. وقال حرملة: رأيت الشافعى يقرىء الناس فى المسجد الحرام وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
وقال بحر بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكى قمنا إلى الشافعى، فإذا أتيناه استفتح القراءة حتى تساقطوا وكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة، لحسن صوته. وقال الربيع: سمعت الشافعى يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وقال: أحب أن تكثروا الصلاة على رسول الله ﷺ . وقال المزنى: ما رأيت من العلماء من يوجب للنبى ﷺ فى كتبه ما يوجبه الشافعى لحسن ذكره رسول الله ﷺ .
وقال الشافعى فى القديم: إن الدعاء يتم بالصلاة على رسول الله ﷺ وتتمته بها. وقال الكرابيسى: سمعت الشافعى يقول: يكره أن يقول الرجال: قال الرسول، لكن يقول: قال رسول الله ﷺ ؛ تعظيمًا له. وقال حرملة: سمعت الشافعى يقول: سميت ببغداد ناصر الحديث. وقال المزنى: ناحت الجن ليلة مات الشافعى، رضى الله عنه.
وقال الإمام الحافظ محمد بن مسلم بن دارة، بالراء: لما مات أبو زرعة الرازى رأيته فى المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: قال لى الجبار : ألحقوه بأبى عبد الله، وأبى عبد الله، وأبى عبد الله، الأول مالك، والثانى الشافعى، والثالث أحمد بن حنبل. وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الهاشمى: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقال: الشافعى فى الجنة، أو من
стр. 67
أهل الجنة. وقال أبو العباس الأصم: رأيت عبد الله بن صالح فى المنام وذكرت الشافعى، فأشار عبد الله بيده نحو السماء، وقال: ليس ثم أكبر منه.
فصل
هذا آخر ما يتعلق بترجمة الشافعى، ﵀، وهو وإن كان فيه طول بالنسبة إلى هذا الكتاب المبنى على الاختصار، فهو مختصر جدًا بالنسبة إلى ما ذكره البيهقى وغيره من المتقدمين عليه والمتأخرين فى مناقبه، وبالنسبة إلى ما أحفظه من أحواله التى اطلعت عليها فى غير كتب المناقب متفرقة فى كتب العلماء، ولكن نبهت بما ذكرته على ما حذفته، فرضى الله عنه وأرضاه، وأكرم نزله ومثواه، وجمع بينى وبينه مع أحبابنا فى دار كرامته، ونفعنى بانتسابى إليه وانتمائى إلى محبته، وحشرنى فى زمرته، والمرء مع من أحب، وأنا من أهل محبته.
٣ - محمد بن إسماعيل البخارى (١) :
الإمام صاحب الصحيح، هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه، بباء موحدة مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم دال مهملة مكسورة، ثم زاى ساكنة، ثم باء موحدة، ثم هاء، هكذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا، وقال: هو بالبخارية، ومعناه بالعربية الزراع.
وروينا عن الخطيب الحافظ أبى بكر أحمد بن على بن ثابت البغدادى قال: بردزبه مجوسى مات عليها. قال: وابنه المغيرة أسلم على يد اليمان البخارى الجعفى، وإلى بخارى ويمان هذا هو أبو عبد الله محمد بن جعفر بن يمان المسندى، بفتح النون، شيخ البخارى، وإنما قيل للبخارى: جعفى؛ لأنه مولى يمان الجعفى ولاء إسلام.
واتفقوا على أن البخارى،
стр. 68
رحمه الله، ولد بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وأنه توفى ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن بخرتنك، قرية على فرسخين من سمرقند. وروينا من أوجه، عن الحسن بن الحسين البزاز، بزاءين، قال: رأيت محمد بن إسماعيل البخارى نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير. وهذه نبذة من عيون أخباره أشير إليها بأقرب الإشارات، وهى عندى بأسانيدها المهذبات المشهورات:
روينا عنه أنه قال: أما المادح والذام عندى سواء. وقال: أرجو أن ألقى الله ولا يطالبنى أنى اعتبت أحدًا. وقال: ما اشتريت منذ وليت من أحد بدرهم، ولا عت أحدًا شيئًا، فسُئل عن الورق والحبر، فقال: كنت آمر إنسانًا أن يشترى لى.
وروينا عن أبى عبد الله محمد بن يوسف الفربرى راوية صحيح البخارى، قال: رأيت النبى ﷺ فى النوم، فقال: أين تريد؟ قلت: أريد محمد بن إسماعيل البخارى، فقال: أقرئه منى السلام.
وروينا عن الفربرى، قال: رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، ﵀، فى النوم خلف النبى ﷺ ، والنبى ﷺ يمشى، كلما رفع قدمه وضع البخارى قدمه فى ذلك الموضع.
وعن محمد بن حمدويه، قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخارى يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتى ألف حديث غير صحيح.
وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل، قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وعنه قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان: أبو زرعة الرازى، ومحمد بن إسماعيل البخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندى، يعنى الدارمى، والحسن بن شجاع البلخى.
وعن الحافظ أبى على صالح بن محمد بن جزرة، قال: ما رأيت خراسانيًا أفهم من البخارى. وعنه قال: أعلمهم بالحديث البخارى، وأحفظهم أبو زرعة، وهو أكثرهم حديثًا.
وعن محمد بن بشار شيخ البخارى ومسلم، قال: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرى، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمى بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. وعنه قال: ما قدم علينا، يعنى البصرة، مثل البخارى. وعنه أنه قال حين دخل البخارى البصرة: دخل اليوم سيد الفقهاء.
стр. 69
وعنه أنه حين قدم البخارى البصرة قام إليه فأخذ بيده وعانقه، وقال: مرحبًا بمن أفتخر به منذ سنين.
وروينا عن إسحاق بن أحمد بن خلف، قال: سمعت البخارى غير مرة يقول: ما تصاغرت نفسى عند أحد إلا عند على بن المدينى، فذكر لعلى بن المدينى قول البخارى هذا، فقال: ذروا قوله، هو ما رأى مثل نفسه.
وروينا عن محمد بن عبد الله بن نمير، وأبى بكر بن أبى شيبة، قالا: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وروينا عن عمرو بن على القلاس، قال: حديث لا يعرفه البخارى ليس بحديث.
وروينا عن عبدان شيخ البخارى، قال: ما رأيت شابًا أبصر من هذا، وأشار إلى البخارى. وروينا عن عبد الله بن محمد المسندى، بفتح النون، قال: محمد بن إسماعيل إمام، فمن لم يجعله إمامًا فاتهمه. وروينا عن الإمام أبى محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى، قال: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من أبى عبد الله البخارى.
وروينا عن ابن سهل محمود بن النصر، قال: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر البخارى فَضَّلوه على أنفسهم. وروينا عن على بن حجر، قال: أخرجت خراسان ثلاثة: أبا زرعة بالرى، ومحمد بن إسماعيل ببخارى، والدرمى بسمرقند. قال: والبخارى عندى أعلمهم وأبصرهم وأفهمهم. وروينا عن أبى حامد الأعمش، قال: رأيت محمد بن إسماعيل البخارى فى جنازة، ومحمد بن يحيى الذهلى، يعنى شيخ البخارى، وإمام نيسابور يسأله عن الأسماء والكنى، وعلل الحديث، والبخارى يمر فيها مثل السهم، كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] .
وروينا عن حاشد، بالحاء المهملة وكسر الشين المعجمة، ابن إسماعيل، قال: رأيت إسحاق بن راهوية جالسًا على السرير ومحمد بن إسماعيل معه، فأنكر عليه محمد بن إسماعيل شيئًا، فرجع إسحاق إلى قول محمد، وقال إسحاق: يا معشر أصحاب الحديث، اكتبوا عن هذا الشاب، فإنه لو كان فى زمن الحسن البصرى لاحتاج الناس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفهمه. وروينا عن أبى عمرو أحمد بن نصر الخفاث، قال: حدثنى محمد بن إسماعيل البخارى التقى، النقى، العالم الذى لم أر مثله. وروينا عن أبى عيسى
стр. 70
الترمذى، قال: لم أر بالعراق ولا بخراسان فى معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل. وروينا عن عبد الله بن حماد الآملى، وهو شيخ البخارى: وددت أنى شعرة فى صدر محمد بن إسماعيل.
وروينا عن محمد بن يعقوب الحافظ، عن أبيه، قال: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدى البخارى يسأله سؤال الصبى لمعلم. وروينا عن الإمام مسلم بن الحجاج أنه قال للبخارى: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس فى الدنيا مثلك. وروى الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور بإسناده، عن أحمد بن حمدون، قال: جاء مسلم بن الحجاج إلى البخارى، فقبل بين عينيه، وقال: دعنى أُقَبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، ويا طبيب الحديث فى علله.
وروينا عن حاشد بن إسماعيل، قال: كان أهل البصرة يعدون خلف البخارى فى طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه فى الطريق، ويجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان البخارى إذ ذاك شابًا لم يخرج وجهه. وروينا عن أبى بكر الأغر، قال: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابى وما فى وجهه شعرة.
وروينا عن الحافظ صالح بن محمد جزرة، قال: كان البخارى يجلس ببغداد، وكنت أستملى له، ويجتمع فى مجلسه أكثر من عشرين ألفًا. وروينا عن محمد بن يوسف بن عاصم، قال: كان للبخارى ثلاثة مستملين، واجتمع فى مجلسه أكثر من عشرين ألفًا. وروينا عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ من محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى: وحسبك بإمام الأئمة ابن خزيمة يقول فيه هذا القول مع لقيه الأئمة والمشايخ شرقًا وغربًا.
قال أبو الفضل: ولا عجب فيه، فإن المشايخ قاطبة أجمعوا على قدمه، وقَدَّمُوُه على أنفسهم فى عنفوان شبابه، وابن خزيمة إنما رآه عند كبره وتفرده فى هذا الشأن.
وروينا عن إبراهيم بن محمد بن سلام، بتخفيف اللام على الأصح، وقيل: بتشديدها، قال: إن الرتوت من أصحاب الحديث مثل
стр. 71
سعيد بن أبى مريم المصرى، ونعيم بن حماد، والحميدى، والحجاج بن منهال، وإسماعيل بن أبى أويس، والعربى، والحسن الخلال، ومحمد بن ميمون صاحب ابن عيينة، ومحمد بن العلاء، والأشج، وإبراهيم بن المنذر الخزامى، وإبراهيم بن موسى الفراء، كلهم كانوا يهابون محمد بن إسماعيل، ويقضون له على أنفسهم فى النظر والمعرفة. قلت: الرتوت: الرؤساء، قاله ابن الأعرابى وغيره. وذكره الحاكم أبو عبد الله البخارى، فقال: هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل.
واعلم أن وصف البخارى، ﵀، بارتفاع المحل والتقدم فى هذا العلم على الأماثل والأقران، متفق عليه فيما تأخر وتقدم من الأزمان، ويكفى فى فضله أن معظم من أثنى عليه ونشر مناقبه شيوخه الأعلام المبرزون، والحُذَّاق المتقنون.
فصل فى الإشارة إلى بعض شيوخه
والآخذين عنه، والمنتمين إليه، والمستفيدين منه
هذا الباب واسع جدًا لا يمكن استقصاؤه، فأنبه على جماعة من كل إقليم وبلد؛ ليستدل بذلك على اتساع رحلته، وكثرة روايته، وعظم عنايته.
فأما شيوخه، فقال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور: ممن سمع منه البخارى، رحمه الله تعالى، بمكة: أبو الوليد أحمد بن محمد الأزرقى، وعبد الله بن يزيد المقرى، وإسماعيل بن سالم الصائغ، وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدى، وأقرانهم. وبالمدينة: إبراهيم بن المنذر الخزامى، ومطرف بن عبد الله، وإبراهيم بن حمزة، وأبو ثابت محمد بن عبيد الله، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسى، وأقرانهم. وبالشام: محمد بن يوسف الفريابى، وأبو نصر إسحاق بن إبراهيم، وآدم بن أبى إياس، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وحيوة بن شريح، وأقرانهم.
وببخارى: محمد بن سلام البيكندى، وعبد الله بن محمد المسندى، وهارون بن الأشعث، وأقرانهم. وبمرو: على بن الحسن بن شقيق،
стр. 72
وعبدان، ومحمد بن مقاتل، وأقرانهم. وببلخ: مكى بن إبراهيم، ويحيى بن بشر، ومحمد بن أبان، والحسن بن شجاع، ويحيى بن موسى، وقتيبة، وأقرانهم، وقد أكثر بها. وبهراة: أحمد بن أبى الوليد الحنفى. وبنيسابور: يحيى بن يحيى، وبشر بن الحكم، وإسحاق بن راهوية، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى الذهلى، وأقرانهم. وبالرى: إبراهيم بن موسى. وببغداد: محمد بن عيسى الطباع، ومحمد بن سائق، وسريج، بالسين المهملة والجيم، ابن النعمان، وأحمد بن حنبل، وأقرانهم، وبواسط: حسان بن حسان، وحسان بن عبد الله، وسعيد بن عبد الله ابن سليمان، وأقرانهم.
وبالبصرة: أبو عاصم النبيل، وصفوان بن عيسى، وبدل بن المحرب، بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، وحرمى بن عمارة، وعفان بن مسلم، ومحمد بن عرعرة، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسى، وعارم، ومحمد بن سنان، وأقرانهم. وبالكوفة: عبد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأحمد بن يعقوب، وإسماعيل بن أبان، والحسن بن الربيع، وخالد بن مخلد، وسعيد بن حفص، وطلق بن غنام، وعمرو بن حفص، وعروة، وقبيصة بن عقبة، وأبو غسان، وأقرانهم. وبمصر: عثمان بن صالح، وسعيد بن أبى مريم، وعبد الله بن صالح، وأحمد بن صالح، وأحمد بن شبيب، وأصبغ ابن الفرج، وسعيد بن عيسى، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأقرانهم. وبالجزيرة: أحمد بن عبد الملك الحرانى، وأحمد بن يزيد الحرانى، وعمرو بن خلف، وإسماعيل بن عبد الله الرقى، وأقرانهم.
قال الحاكم أبو عبد الله: قد رحل البخارى، ﵀، إلى هذه البلاد المذكورة فى طلب العلم، وأقام فى كل مدينة منها على مشايخها. قال: وإنما سميت من كل ناحية جماعة من المتقدمين؛ ليستدل به على علاى إسناده، وبالله التوفيق. وروينا عن الخطيب البغدادى، ﵀، قال: رحل البخارى، رحمه الله تعالى، إلى محدثى الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق كلها، وبالحجاز، والشام، ومصر، وورد بغداد دفعات. وروينا من جهات عن جعفر بن محمد القطان، قال: سمعت
стр. 73
البخارى يقول: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندى حديث إلا أذكر إسناده.
وأما الآخذون عن البخارى، فأكثر من أن يحصروا، وأشهر من أن يذكروا. وقد روينا عن الفربرى، قال: سمع الصحيح من البخارى سبعون ألف رجل، فما بقى أحد يرويه غيرى. وقد روى عنه خلائق غير ذلك، وقد قدمنا أنه كان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفًا يأخذون عنه، وممن روى عنه من الأئمة الأعلام: الإمام أبو الحسين مسلم ابن الحجاج صاحب الصحيح، وأبو عيسى الترمذى، وأبو عبد الرحمن النسائى، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربى الإمام، وصالح بن محمد جزرة الحافظ، وأبو بكر بن خزيمة، ويحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن عبد الله مطين، وكل هؤلاء أئمة حفاظ، وآخرون من الحفاظ وغيرهم. قال الخطيب: آخر مَن حدَّث ببغداد عن البخارى: الحسين بن إسماعيل المحاملى.
فصل فى اسم صحيح البخارى، وتعريف محله
وسبب تصنيفه، وكيفية جمعه وتأليفه
أما اسمه: فسماه مؤلفه البخارى، ﵀: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه.
وأما محله: فقال العلماء: هو أول مُصَنَّف صُنِّف فى الصحيح المجرد. واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخارى ومسلم. واتفق الجمهور على أن صحيح البخارى أصحهما صحيحًا، وأكثرهما فوائد. وقال الحافظ أبو على النيسابورى وبعض علماء المغرب: صحيح مسلم
стр. 74
أصح. وأنكر العلماء ذلك عليهم، والصواب ترجيح صحيح البخارى. وقد قرر الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلى فى كتابه المدخل ترجيح صحيح البخارى على صحيح مسلم، وذكر دلائله. وقال النسائى: أجود هذه الكتب كتاب البخارى. وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين، ووجوب العمل بأحاديثهما.
وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه: فروينا عن إبراهيم بن معقل النسفى، قال: قال البخارى، ﵀: كنت عند إسحاق بن راهوية، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا فى الصحيح لسنن رسول الله ﷺ ، فوقع ذلك فى قلبى، وأخذت فى جمع هذا الكتاب. وروينا من جهات عن البخارى، ﵀، قال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة بينى وبين الله. وروينا عنه قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، وكأنى واقف بين يديه، وبيدى مروحة أذب عنه، فسالت بعض المعبرين، فقال: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذى حملنى على إخراج الصحيح. وروينا عنه، قال: ما أدخلت فى كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح طحال القول.
وروينا عن الفربرى، قال: قال البخارى: ما وضعت فى كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وروينا عن عبد القدوس بن همام، قال: سمعت عدة من المشايخ يقولون: حول البخارى تراجم جامعه بين قبر النبى ﷺ ومنبره، وكان يصلى لكل ترجمة ركعتين. وقال آخرون، منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى: صنفه ببخارى، وقيل: بمكة، وقيل: بالبصرة، وكل هذا صحيح، ومعناه أنه كان يصنف فيه فى كل بلدة من هذه البلدان، فإنه بقى فى تصنيفه ست عشرة سنة كما سبق. قال الحاكم أبو عبد الله: حدثنا أبو عمرو إسماعيل، حدثنا أبو عبد الله
стр. 75
محمد بن على، قال: سمعت البخارى يقول: أقمت بالبصرة خمس سنين مع كتبى أصنف وأحج فى كل سنة، وأرجع من مكة إلى البصرة.
قال البخارى: وأنا أرجو أن يبارك الله تعالى للمسلمين فى هذه المصنفات. وبلغنى عن الشيخ أبى زيد المروزى، من أصحابنا، وهو أجل من روى صحيح البخارى، عن الفربرى، قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقال لى: إلى متى تدرس الفقه ولا تدرس كتابى؟ قلت: وما كتابك يا رسول الله؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل البخارى، أو كما قال.
فصل
جملة ما فى صحيح البخارى من الأحاديث المسندة سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة، وبحذف المكررة نحو أربعة آلاف، وقد ذكرتها مفصلة مختصرة فى أول شرح صحيح البخارى، وذكرت فيه جملة من أحوال البخارى، وورعه، وتعظيمه للعلم، وما يتعلق بصحيحه، كبيان فائدة إعادته الحديث الواحد فى أبواب، وفائدة تحديثه عن واحد فى موضع، ثم يروى فى موضع آخر عن رجل أو رجلين عنه، وبيان التعليق الذى فيه، وغير ذلك.
فصل
روينا عن محمد بن أبى حاتم وراق البخارى، قال: كان البخارى إذا كنت معه فى سفر جمعنا بيت، إلا فى القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم فى ليلته خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، فى كل مرة يأخذ القداحة فيورى نارًا بيده ويسرج، ثم يخرج أحاديث يعلمها، ثم يضع رأسه، وكان يصلى فى وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، ورأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر فى تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه فى ذلك اليوم فى كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله،