Полный текст (103 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
المقالة الأولى
الشيء الذي عنه الفحص ومنفعته
قال: ينبغي أن نبتدئ أولا فنخبر بالشيء الذي عنه الفحص في هذا الكتاب وبالمنفعة الحاصلة عن الشيء المفحوص عنه. ثم بعد ذلك نخبر بالأشياء التي تتنزل من هذا الكتاب بمنزلة الأصول والمبادئ لسائر ما يتكلم فيه- وهي أن نعرف ما هي المقدمة، وما هو الحد، وما هو القياس، وأي القياسات كامل وأيها غير كامل، وما المحمول على كل شيء أو ليس بمحمول على كل الشيء أولا على شيء منه.
فنقول: أما الشيء الذي عنه الفحص في هذا الكتاب فهو البرهان لأن القياس إنما الفحص عنه من أجل الفحص عن البرهان. وأما المنفعة الحاصلة منه فهو حصول العلم البرهاني في جميع الموجودات على أتم ما في طباعها أن تحصل للإنسان.
فأما المقدمة فهي قول موجب شيئا لشيء أو سالب شيئا عن شيء. والمقدمة لها انقسام من جهة الكيفية وانقسام من جهة الكمية. أما من جهة الكمية فمنها كلية ومنها جزئية ومنها مهملة. وأما من جهة الكيفية فمن قبل أن كل واحدة من هذه إما موجبة وإما سالبة. فالكلية الموجبة هي ما أوجب فيها المحمول لكل الموضوع- مثل قولنا كل إنسان حيوان. والسالبة الكلية هي ما سلب فيها المحمول عن كل الموضوع- مثل قولنا ولا إنسان واحد حجر. والجزئية الموجبة هي ما أوجب فيها المحمول لبعض الموضوع- مثل قولنا بعض الحيوان إنسان. والجزئية السالبة هي إما سالب المحمول عن بعض الموضوع- مثل قولنا بعض الحيوان ليس بإنسان- وإما سالب الكلية عن الموضوع- قولنا ليس كل حيوان إنسانا- فإن السالبة الجزئية لها عبارتان، إحداهما رفع البعض والثانية رفع الكل الموجود فيها. والمهملة هي التي لا يقرن بها سور أصلا لا كلي ولا جزئي- مثل قولنا العلم بالأضداد واحد، واللذة ليست بخير. فهذه هي أقسام المقدمة من جهة الصورة- اعني الأقسام النافعة في معرفة القياس بإطلاق.
وأما انقسام المقدمة من جهة المادة فمنها برهانية ومنها جدلية إلى غير ذلك من الأقسام التي يلحقها من جهة المواد المستعملة في الصنائع المنطقية على ما سنبين بعد من هذه الصناعة. والمقدمة البرهانية والجدلية يفترقان بأشياء. أحدها أن المقدمة البرهانية إنما هي أحد جزءي النقيض وهو الصادق. وأما المقدمة الجدلية فقد تكون كل واحدة من جزءي النقيض إذ كانت إنما تؤخذ متسلمة من المجيب، والمجيب فقد يجيب بكل واحد من جزءي النقيض إذ كان السائل يفوض إليه في هذه الصناعة عند السؤال أن يجيب بأي جزءي النقيض أحب. وليس الفرق الذي بين المقدمة البرهانية والمقدمة الجدلية مما له تأثير في وجود القياس عنها، بل ليس بينهما في ذلك فرق أصلا. فإن المبرهن والجدلي قد يقيس كل واحد من هؤلاء قياسا صحيحا إذا أخذ شيئا محمولا على شيء أو غير محمول- أعني إذا وضع مقدمة من المقدمات فتكون المقدمة القياسية التي هي كالجنس للمقدمة البرهانية والجدلية، وهي التي ينظر فيها في هذا الكتاب، هو قول موجب شيئا لشيء أو سالب شيئا عن شيء. وأما المقدمة البرهانية فهي التي تكون من المعلومات الأول بالطبع. وأما الجدلية أما للقياس فمن المشهورات، وأما للسائل فمن المتسلمات المشهورة. والفصول التي تنفصل بها هذه المقدمات بعضها من بعض هي مستوفاة في كتاب البرهان وكتاب الجدل، والنظر فيها من هذه الجهة هو هنالك. وكذلك فصول سائر المقدمات هي مستوفاة في الصنائع الخاصة بها- مثل المقدمات السوفسطائية والخطبية والشعرية. وأما هاهنا فيكفي من معرفة فصول المقدمات هذا القدر الذي ذكر.
وأما الحد فإنه يدل به في هذا الكتاب على الشيء الذي تنحل إليه المقدمة مما هو جزء ضروري في كونها مقدمة- وهو المحمول والموضوع اللذان هما جزءا المقدمة الضروريان في وجودها- لا الأشياء التي تزاد في المقدمة لموضع الرباط- وهي الكلم الوجودية- فإن تلك ليست تنحل إليها المقدمة على أنها أجزاء ضرورية فيها، إذ كانت قد تكون المقدمة مقدمة بالفعل وإن كانت الكلم الوجودية موجودة فيها بالقوة وفي الضمير على ما جرت عليه العادة عند العرب في الثلاثية وعلى ما عليه الأمر في الثنائية- أعني من أنه ليست بها حاجة إلى الكلم الوجودية. وسواء في هذا المعنى المقدمات الموجبة والسالبة.
стр. 2
فأما القياس فهو قول إذا وضعت فيه أشياء أكثر من واحد لزم من الاضطرار عن تلك الأشياء الموضوعية بذاتها لا بالعرض شيء ما آخر غيرها. فالقول هاهنا هو جنس القياس- وأريد به القول الجازم- وسائر ما أخذ في الحد هي فصول تميز القول القياسي بالحقيقة من غير القياسي. فقوله: إذا وضعت فيه، يريد به إذا تسلمت واصطلح عليها. وقوله: أشياء أكثر من واحد، يريد بها المقدمات. وإنما قال أكثر من واحد لأنه سيبين بعد أنه لا يكون قياس من مقدمة واحدة. وقوله: شيء ما آخر، يعني به النتيجة، وذلك أنه واجب أن تكون النتيجة غير المقدمات، فإن الشيء لا يؤخذ في بيان نفسه. وقوله: لزم من الاضطرار، إنما إشترط فيه من الاضطرار من قبل أن اللزوم منه ضروري ومنه غير ضروري، وبهذا الشرط ينفصل القياس من الأقاويل التي يلزم عنها الشيء لزوما غير ضروري- وهي الاستقراء والمثال والمقاييس التي تنتج السلب مرة والإيجاب أخرى. وقوله: بذاتها، أراد به أن يكون القياس تاما، وهو أن لا ينقصه شيء يكون به قياسا. وقوله: لا بالعرض، تحفظا من الأشكال التي قد تنتج في بعض المواد على ما سيبين بعد- مثل ال به أن يكون القياس تاما، وهو أن لا ينقصه شيء يكون به قياسا. وقوله: لا بالعرض، تحفظا من الأشكال التي قد تنتج في بعض المواد على ما سيبين بعد- مثل النتاج من موجبتين في الشكل الثاني إذا كانت المحمولات مساوية للموضوعات في الحمل. وبعض ما أخذ في هذا الحد هو بين بنفسه- أعني وجوده للقياس- وبعضه- سيبين وجوده. وذلك أن كون القياس قولا جازما هو بين بنفسه إذ كان القول الجازم هو الذي يصدق أو يكذب، وكذلك ما قيل فيه من أن يكون الازم عنه غير المقدمات وأن يكون اللزوم ضروريا هو بين بنفسه، وكذلك كون اللزوم بذاته لا بالعرض هو أيضا أمر بين بنفسه- أعني أن القياس يجب أن يكون بهذه الصفة. والذي بقي أن يبين هو أن الواجب أن يوضع فيه أكثر من مقدمة، وذلك سيبين فيما بعد إذا تبين أن كل قياس فإنما يأتلف من مقدمتين لا أكثر ولا أقل.
والقياس منه كامل ومنه- كما قلنا- غير كامل. والكامل هو الذي لا يحتاج في ظهور ما يلزم عنه من النتيجة إلى استعمال شيء آخر غيره مما يبين به إنتاجه. وغير الكامل هو الذي يحتاج في بيان ما يلزم عنه من النتيجة إلى استعمال شيء آخر أو أشياء أخر مما هو لازم عن المقدمات التي وضعت فيه. وذلك أن القياس بالجملة يجب أن يكون تاما، وهو أن لا ينقصه شيء يكون به قياسا. ثم هذا ينقسم قسمين، فمنه ما ينقصه شيء يبين به أنه قياس- وهو الذي يخص هاهنا باسم غير الكامل- ومنه مالا ينقصه شيء يبين به أنه قياس- وهو الكامل.
وأما المقول على الكل أو المقول ولا على واحد، فيعنى به إذا لم يوجد شيء في كل الموضوع إلا ويحمل عليه المحمول موجودا لكل الموضوع ولكل ما يتصف بالموضوع ويوجد فيه، حتى يكون قولنا كل ما هو حيوان فهو جسم إذا أردنا به معنى المقول على الكل ليس معناه كل واحد من الحيوانات فهو جسم بل كل واحد من الحيوانات وكل ما يتصف بكل واحد منها فهو جسم. وهذا هو الفرق بين المقول على الكل المستعمل مبدأ في هذا الكتاب وبين المقدمة الكلية. وكذلك المقول ولا على واحد، إنما يعنى به إذا لم يوجد شيء في كل الموضوع إلا ويسلب عنه المحمول، حتى يكون المحمول مسلوبا عن كل الموضوع وعن جميع الأشياء الموجود فيها الموضوع- أعني الأشياء التي يتصف بها الموضوع.
فهذه هي الأشياء التي يجب أن تتقدم معرفتها قبل النظر في أصناف المقاييس أي صنف كان.
المقدمات المنعكسة
وكل مقدمة فإما أن تكون مطلقة- أي موجودة بالفعل- وإما اضطرارية وإما ممكنة. ولذلك تنقسم أجناس المقاييس بانقسام جهات المقدمات وكل واحدة من هذه إما موجبة وإما سالبة، وإما كلية وإما جزئية وإما مهملة. ولذلك تتنوع المقاييس الموجودة من قبل هذه الجهات- أعني أن منها ما يكون من مقدمات ضرورية ووجودية وممكنة- كما نتنوع من جهة اختلاف المقدمات في الكمية- أعني بالكمية اختلافها من قبل الأسوار وبالكيفية اختلافها من قبل الإيجاب والسلب. والجهة الضرورية والممكنة قد عرفتها من الكتاب المتقدم.
стр. 3
وأما الوجودية فيشبه أن يكون أريد بها هاهنا الموجودة بالفعل بإطلاق- أي التي المحمول فيها موجود لكل موضوعاته لا في زمان مشار إليه بل بإطلاق. فإنه قدصرح أرسطو في كتاب البرهان أن المقدمات التي تحمل على الكل غير الضرورية. وقد يدخل في هذا الجنس التي ليست بضرورية- أعني التي يوجد المحمول فيها لكل أشخاص الموضوع وذلك في أكثر الزمان. وهذا هو الفرق بين الضرورية وبين الموجودة بالفعل- أعني أن الضرورية يوجد المحمول فيها لكل أشخاص الموضوع في كل الزمان، وأما تلك ففي أكثر الزمان. ويشبه أن يدخل في هذا الصنف من المقدمات التي يجهل من أمرها أنها ضرورية أو غير ضرورية، لا الموجودة بالفعل مادام الموضوع موجودا أو مادام المحمول موجودا- وهو الذي يذهب إليه الإسكندر- لأن هذه شخصية وإن وجد منها كلية ففي الأقل من الزمان وبالعرض. وقد حذر أرسطو من استعمال أمثال هذه المقدمات الوجودية فيما يأتي بعد وإن كان قد يستعملها أرسطو لأمور دعته إلى ذلك. ولا هي أيضا شيء يشمل الضروري والممكن على ما يذهب إليه ثاوفرسطس وغيره- إلا أن يريد المعلومة الوجود المجهولة كونها ضرورية أو غير ممكنة- فإن المقصود هاهنا هو قسمة المقدمة إلى أقسام الوجود أو إلى أقسام المعارف الأول الموجودة لنا بالطبع في المقدمات، وسيبين هذا من قولنا بعد.
وهذه المقدمات الثلاث- أعني المطلقة والضرورية والممكنة- منها ما ينعكس ومنها ما لا ينعكس. وأعني بالانعكاس أن يتبدل ترتيب أجزاء القضية فيصير محمولها موضوعا وموضوعها محمول ويبقى صدقها وكيفيتها من الإيجاب أو السلب أيضا محفوظا. فأما إذا يتبدل الترتيب ولم يبق الصدق محفوظا فهو الذي يسمى في هذه الصناعة قلب القضية.
القول في انعكاس المقدمات المطلقة
فأما المقدمات المطلقة الكلية فإن السالبة تنعكس محفوظة الكمية. مثال ذلك إن كان ولا شيء من اللذة خير صادقا فقولنا ولاشيء من الخير لذة صادق أيضا. وأما الموجبة الكلية فإنها تنعكس أيضا. وأما الموجبة الكلية فإنها تنعكس أيضا لكنها لا تنعكس محفوظة الكمية- أعني كلية- كالحال في السالبة بل تنعكس جزئية. وذلك أنه إن كان قولنا إن كل لذة خير صادق فقولنا بعض الخير لذة صادق.
وأما المقدمات الجزئية المطلقة فإن الموجبة منها تنعكس جزئية. وذلك انه كان قولنا بعض اللذة خير صادقا فواجب أن كون قولنا بعض الخير لذة صادقا أيضا. وأما السالبة منها فليس تنعكس دائما وفي كل مادة من هذا الصنف- وهو الشيء الذي يشترط في المقدمات المنعكسة- وذلك أنه إن كان صادقا قولنا بعض الحيوان ليس بإنسان، ليس بصادق عكس هذا- وهو قولنا بعض الإنسان ليس بحيوان. فالاستقراء كاف في بيان ما لا ينعكس منها- مثل السالبة الجزئية.
وأما بيان ما ينعكس منها فقد يحتاج إلى قول. فليكن أولا مثال السالبة الكلية قولنا اَ ولا في شيء من بَ، على أن يكون اَ مثالا للمحمول وبَ مثالا للموضوع، فإن التمثيل بالحرف هو أحرى أن لا يظن بما يبين من ذلك أنه إنما لزم من قبل المادة- أعني من قبل مادة المثال الموضوع فيه- لا من قبل الأمر في نفسه- مثل أن نضع بدل اَ حيوانا وبدل بَ حجرا. فأقول إنه إذا كان قولنا ولا شيء من اَ بَ صادقا فإنه يجب ضرورة أن يكون ولا شيء من بَ اَ صادقا، لأنه إن لم يكن قولنا ولا شيء من بَ اَ صادقا فنقيضه هو الصادق على ما تبين في الكتاب المتقدم وهو قولنا بعض بَ اَ. فلنفرض ذلك البعض شيئا محسوسا- وهو جَ مثلا- فتكون جَ التي هي بعض بَ موجودة بالحس في اَ فهي بعض اَ، فيكون بعض اَ موجودا بالحس في بَ وقد كنا فرضنا أنه ولاشيء من اَ هو بَ صادقا، وذلك خلف لا يمكن. فإذن قولنا بعض بَ اَ كاذب. وإذا كذب هذا، صدق قولنا ولا شيء من بَ اَ، وهو الذي قصدنا بيانه.
стр. 4
وأما الموجبة الكلية المطلقة فإنها تنعكس كما قلنا جزئية. وذلك أنه إن كان كل بَ اَ صادقا، فأقول إنه يجب ضرورة وفي كل مادة أن يكون بعض اَ بَ صادقا. برهان ذلك أنه إن لم يكن قولنا بعض اَ بَ صادقا فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا ولا شيء من اَ هو بَ. وإذا كان هذا صادقا، فعكسه أيضا صادق على ما تبين قبل من أن السالبة الكلية تنعكس وهو قولنا ولا شيء من بَ اَ. وقد كنا فرضنا أن كل بَ اَ. هذا خلف لا يمكن فإذن قولنا ولا شيء من اَ هو بَ هو كاذب. وإذا كذب هذا صدق نقيضه، وهو قولنا بعض بَ اَ.
وأما الموجبة الجزئية، فأقول إنها أيضا تنعكس جزئية وذلك أنه إن كان بعض بَ اَ صادقا، فبعض اَ بَ صادق ضرورة، لأنه إن لم يكن صادقا فنقيضه هو الصادق- وهو لا شيء من اَ بَ. وإذا صدق هذا، فعكسه أيضا صادق- وهو قولنا ولا شيء من بَ اَ. وقد كنا فرضنا بعض بَ اَ، هذا خلف لا يمكن. فإذن قولنا ولا شيء من اَ بَ كاذب ضرورة، فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا بعض اَ بَ.
وأما الجزئية السالبة فإنها لا تنعكس دائما. ومثال ذلك إن جعلنا في موضع بَ حيا وفي موضع اَ إنسانا، فصدق قولنا ليس كل حي إنسانا، لم يصدق عكسه- وهو قولنا ليس كل إنسان حيا. وهذا كاف في الإبطال كما قلنا.
فهذه هي المقدمات المنعكسة وغير المنعكسة في المادة المطلقة.
القول في انعكاس المقدمات الضرورية
وأما المقدمات الاضطرارية فإن الكلية السالبة منها تنعكس كلية أيضا والكلية الموجبة جزئية وكذلك الجزئية الموجبة كالحال في المطلقة. وبيان ذلك أنه إن كان ولا شيء من بَ اَ باضطرار صادقا، فأقول إنه يلزم أن يكون ولا شيء من اَ بَ باضطرار صادقا أيضا. برهان ذلك أنه إن لم يكن صادقا قولنا ولا شيء من اَ بَ باضطرار، فنقيضه إذن صادق- وهي إما الموجبة الجزئية التي في المادة الممكنة التي هي مضادة للمادة الضرورية، وإما الجزئية الموجبة الضرورية، إذ كان ليس هاهنا غير هاتين المادتين. فإن المطلقة هي من طبيعة الممكن، والمحال الذي يعرض عن فرضهما هو واحد بعينه، إذ كان الممكن هو الذي إذا أنزل بالفعل لم يلزم عن إنزاله محال، لكن إن أنزلناها الجزئية الضرورية يتبين بالبيان المتقدم في السالبة المطلقة لزوم المحال عن هذا الفرض. وإن أنزلناه الجزئية الممكنة- مثل أن نفرض بعض اَ بَ بإمكان، فهو ظاهر أنا إن أنزلنا أن بعض اَ بَ بالفعل أنه ليس يعرض عن ذلك محال. لكن إن أنزلنا أن بعض اَ بَ بالفعل، فبعض بَ اَ بالفعل، لأن الجزئية المطلقة قد تبين انعكاسها. وقد كنا وضعنا أنه ولا شيء من بَ اَ بالضرورة، هذا خلف لا يمكن، فإن الموجود من طبيعة الممكن والممكن مضاد للضروري. وإذا كذبت الموجبة الجزئية الضرورية والممكنة، فواجب أن تصدق السالبة الضرورية الكلية لأن ما ليس موجود بإمكان ولا بالضرورة فهو مسلوب بالضرورة.
وأما الموجبة الكلية الضرورية فإنها تنعكس أيضا جزئية ضرورية، لأنه إن كان كل بَ اَ باضطرار صادقا فأقول إنه يجب أن يكون بعض اَ بَ باضطرار، لأنه إن كان بعض اَ بَ بإمكان لا باضطرار وجب أن يكون بعض بَ اَ بإمكان، وذلك ببيان الفرض المتقدم المستعمل في الوجودية. وذلك أنا إذا فرضنا بعض بَ الذي هو موجود في اَ بإمكان شيئا محسوسا، كان ذلك الشيء بعض اَ وبعض بَ. فيكون إذن بعض بَ اَ بإمكان، وقد كنا وضعنا كل بَ واَ باضطرار، وهذا خلف لا يمكن. فإذن واجب أن يكون الصادق مع قولنا كل بَ اَ باضطرار إن بعض اَ بَ باضطرار.
وأما الموجبة الجزئية الاضطرارية فإنها تنعكس أيضا جزئية ضرورية، لأنه إن كانت بعض بَ اَ باضطرار فواجب أن يكون شيء من اَ باضطرار هو بَ وإلا لم يكن شيء من بَ باضطرار هو اَ.
فهذه هي المقدسات المنعكسة في المطلقة والاضطرارية. وهذا البيان الذي نسقناه هو البيان الذي اعتمده أرسطو فيها. وبه تنحل الشكوك التي شككها القدماء في هذا الباب عليه.
القول في انعكاس المقدمات الممكنة
стр. 5
وأما المقدمات الممكنة- أعني التي يقال عليها اسم الممكن بالحقيقة، وهي التي يمكن أن توجد وأن لا توجد في الزمان المستقبل- فإن الحال في انعكاس الموجبات منها كالحال في انعكاس الموجبات المطلقة والضرورية- أعني أن الكلية الممكنة والجزئية تنعكسان جزئية. وذلك بين أنه إن كان كل اَ بَ بإمكان أو بعض اَ بَ بإمكان، فأقول إن بعض بَ اَ بإمكان لأنه إن لم يكن بإمكان بل باضطرار فبعض اَ بَ باضطرار على ما تقدم، وقد كان وضع أن كل اَ بَ بإمكان، هذا خلف لا يمكن.
وأما المقدمات السوالب التي في هذه المادة فانعكاسها على ضد الانعكاس في تلك. وذلك أن الكلية السالبة في هذه المادة لا تنعكس كلية والجزئية تنعكس على ما سنبين ذلك عند القول في المقاييس التي تأتلف في المقدمات الممكنة. والسبب في ذلك أن السوالب في هذه المادة ليست سوالب بالحقيقة على ما بين في الكتاب المتقدم، وإنما قوتها قوة الموجبات، وذلك أن الجهة فيها نظير الكلمة الوجودية في القضايا التي ليس فيها جهة. وكما أن القضية التي لا يقرن حرف السلب فيها بالكلمة الوجودية وإنما يقرن بالمحمول هي موجبة- مثل قولنا زيد يوجد لا خيرا، ويوجد لا أبيض- كذلك هذه القضايا لما كان حرف السلب لا يقرن فيها بالجهة وإنما يقرن بالمحمول- مثل قولنا هذا ممكن أن لا يكون في شيء من هذا، وممكن أن لا يكون في بعض هذا. وسنبين هذا فيما بعد بيانا أكثر.
ائتلاف القياس
وإذ قد تبينت هذه الأشياء من أي شيء يأتلف القياس الذي حد قبل وبماذا يأتلف وكيف جهة ائتلافه ومتى يأتلف ائتلافا يلزم عنه شيء آخر غيره بالضرورة. ثم من بعد ذلك ينبغي أن نتكلم في البرهان. لأن الكلام في القياس يجب أن يتقدم على الكلام في البرهان لأن القياس أعم من البرهان إذ كان كل برهان قياسا وليس كل قياسا برهانا، وذلك إذا كان شكله منتجا ولم تكن مقدماته صادقة.
فنقول إن القياس المطلوب في هذا الكتاب إنما هو القياس الذي يؤلف على مطلوب محدد- مثل قولنا هل كل جَ هو اَ أم ليس شيء من جَ اَ. وهو بين أنا إذا أخذنا شيئا منسوبا لجَ واَ الذين هما طرفا المطلوب- وهو مثلا بَ- إنه يأتلف من ذلك مقدمتان من ثلاثة حدود متباينتان بحدين ومشتركتان في حد واحد، وإنه إذا أخذنا شيئا مشتركا لطرفي المطلوب بهذه الصفة إنه يمكن أن يبين به المطلوب- أعني أن جَ هي اَ أو أن جَ ليست هي اَ أو ليس فيها اَ. مثال ذلك أن نقول جَ هي بَ، وبَ هي اَ فيلزم أن تكون اَ في جَ. أو نقول جَ هي بَ، وبَ ليست هي اَ، فيلزم أن لا تكون اَ في جَ. فلنسم موضوع المطلوب في المقدمة الواحدة- الذي هو جَ- الطرف الأصغر ومحمول المطلوب في المقدمة الثانية- الذي هو اَ- الطرف الأكبر والحد المشترك بينهما- الذي هو بَ- الحد الأوسط. وتسمى المقدمة التي فيها الطرف الأصغر الصغرى والتي فيها الطرف الأكبر الكبرى. ولنسم ترتيب الحد الأوسط من الطرفين الشكل.
ولما كان الحد المشترك له من الطرفين أوضاع أربعة أحدها أن يكون موضوعا للطرفين أو محمولا عليهما أو موضوعا للأكبر ومحمولا على الأصغر أو عكس ذلك، فلننظر في أي ترتيب منها يصح أن تكون الأشكال الطبيعية للقوة الفكرية- أعني التي يقع عليها الناس بالطبع لا بقوة صناعية. فإن هذا هو القياس الذي تروم إعطائه هذه الصناعة- أعني الذي تروم حصر أجناسه وتميز الأصناف المنتجة في جنس جنس منها من غير المنتجة. ومن هذا الفحص يبين لك أن الأشكال الحملية ثلاثة وأن الشكل الرابع الذي يضعه جالينوس ليس بشكل طبيعي، وهو أن يكون الحد الأوسط محمولا على الطرف الأعظم موضوعا للأصغر لأنه ليس تعمله فكرة بالطبع- أعني أنه لا يوجد في كلام الناس ولو وجد لكان من جنس الشكل الأول ولم يكن رابعا.
القول في الشكل الأول
فنقول: أما إذا رتب الحد الأوسط من الطرفين بأن يكون محمولا والأكبر محمولا عليه- مثل أن نقول كل جَ هو بَ وكل بَ هو اَ- فهو من البين بنفسه أن هذا الترتيب قياسي وأنه يوجد لنا بالطبع. وأرسطو يسمي هذا الترتيب الشكل الأول.
стр. 6
ولما كانت كل مقدمتين إما أن يكون كلاهما كلية أو جزئية أو مهملة أو تكون إحداهما كلية والأخرى جزئية أو إحداهما كلية والأخرى مهملة أو إحداهما مهملة والأخرى جزئية، وكل واحدة من هذه الأصناف الثلاثة تنقسم قسمين إما أن تكون الكلية الكبرى والجزئية الصغرى أو بالعكس، وكذلك الكلية مع المهملة والجزئية مع المهملة وكل واحد من هذه الأصناف التسعة من التركيب إما أن تكون موجبتين معا أو سالبتين معا، أو تكون إحداهما موجبة والثانية سالبة، وهذا ضربان، أحدهما أن تكون الصغرى هي السالبة والكبرى هي الموجبة، والضرب الثاني عكس هذا، فهو بين أنه إذا ضرب هذه الأربعة في تلك التسعة حدث عنها ستة وثلاثون إقترانا. وأرسطو يبين المنتج منها وغير المنتج على ما أقوله.
أما متى كانت المقدمتان كليتين موجبتين، فإنه ينتج موجبة كلية ضرورة، مثال ذلك من الحروف أنه متى وضعنا كل جَ هو بَ وكل بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج عن ذلك أن كل جَ هو اَ وذلك بالضرورة ودائما. ومثال ذلك من المواد أنا متى وضعنا أن كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس فإنه يلزم عن ذلك أن يكون كل إنسان حساسا. واللزوم هاهنا ظاهر من معنى المقول على الكل الذي رسمناه في أول هذا الكتاب، وذلك أن معنى قولنا كل بَ هو اَ أو كل حيوان حساس- وهي المقدمة الكبرى في هذا التأليف- إنما هو أن كل ما هو بَ ويوصف ببَ بإيجاب فهو اَ. فإذا أضفنا الى هذا الوضع أن جَ يوصف ببَ بإيجاب لزم ضرورة أن يوصف جَ باَ. وكذلك قولنا كل حيوان حساس إنما نريد به كل ما يوصف بأنه حيوان فهو حساس، فإذا أضفنا الى هذا أن الإنسان يوصف بأنه حيوان، فهو ظاهر أنه يجب أن يوصف بالحساس. فهذا هو أحد الضروب المنتجة في هذا الشكل.
وكذلك متى كانت المقدمتان كليتين وكانت الكبرى سالبة والصغرى موجبة، فهو ظاهر أيضا من معنى المقول ولا على واحد أنه ينتج سالبة كلية. مثال ذلك قولنا كل جَ فهو بَ، ولا شيء من بَ هو اَ، فيجيب عن ذلك ولا شيء من جَ اَ، لأن معنى قولنا ولا شيء من بَ اَ أي ولا شيء مما يوصف ببَ بإيجاب هو اَ، وجَ يوصف ببَ بإيجاب، فيجب أن لا يوصف بشيء من اَ.
وأما متى كانت المقدمتان الكليتان سالبتين معا أو كانت الكبرى موجبة والصغرى سالبة، فإنه لا يكون عن ذلك قياس منتج لا كلي ولا جزئي، وذلك ظاهر من أنه ينتج في المواد مرة موجبا صادقا ومرة سالبا صادقا، ومن أنه أيضا ليس فيه معنى المقول على الكل، إذ كان شرط ما يقال على الكل إنما هو أن تكون اَ مسلوبة عن كل ما يوصف ببَ وصف إيجاب. ولما كانت جَ توصف ببَ وصف سلب لم يجب منه أن يوصف باَ وصف سلب سواء كانت الكبرى موجبة أو سالبة. وأما أن هذين الضربين ينتجان في المواد مرة موجبة صادقة ومرة سالبة صادقة، فذلك ظاهر متى جعلنا حدود المقدمتين الكليتين اللتين الكبرى منها موجبة والصغرى سالبة مرة الحي والإنسان والفرس على أن الحي هو الحد الإكبر والأوسط الإنسان والأصغر الفرس، ومرة الحي والإنسان والحجر. فإذا قلنا ولا فرس واحد إنسان وكل إنسان حي، انتج موجبا كليا- وهو أن كل فرس حي. وإذا قلنا ولا حجر واحد إنسان وكل إنسان حي، أنتج سالبا كليا- وهو قولنا ولا حجر واحد حي. وإذا كان هذا التركيب مرة ينتج السالب ومرة ينتج الموجب، فليس يلزم عنه شيء آخر من الاضطرار ودائما على ما أخذ في حد القياس. وإذا كان ذلك كذلك فليس بقياس. وكذلك الحدود التي تنتج الموجب في المقدمتين السالبتين الكليتين هي النطق والفرس والإنسان، والتي تنتج السالب هي النطق والفرس والحمار. وذلك أنه ولا إنسان واحد فرس واحد ناطق ينتج كل إنسان ناطق، وأيضا ولا حمار واحد فرس ولا فرس واحد ناطق. فإذن هذا التأليف مرة ينتج الموجب ومرة السالب، فليس بتأليف قياس.
стр. 7
فهذه حال المقاييس التي تأتلف من مقدمتين كليتين في هذا الشكل- أعني أن اثنتين منها منتج واثنتين غير منتج. إلا أنه ينبغي أن تعلم أن الذي كليتين سالبتين في هذا الشكل ليس ينتج أصلا شيئا من الأشياء لا بقياس صناعي ولا بقياس طبيعي، وهو الذي تأتي به الفكرة من غير روية. وأما التي الصغرى فيه سالبة فقد يظن به أنه ينتج سالبة جزئية إذا عكسنا المقدمات. لكن هذا النوع من الإنتاج ليس هو عن قياس تقع عليه الفكرة بالطبع، وإنما كان يكون لو كان هذا النوع من الشكل الأول قياسا طبيعيا. والمقصود هاهنا كما قلنا إنما هو إحصاء المقاييس التي تقع عليها أفكار الناس بالطبع.
وأما متى كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل كلية والأخرى جزئية، فإنه متى كانت الكلية هي الكبرى موجبة كانت أو سالبة وكانت الجزئية هي الصغرى وكانت موجبة فإنه يكون عن ذلك قياس منتج كانل. مثال ذلك أنه متى وضعنا أن بعض جَ هو بَ وكل بَ هو اَ، فإنه يجب أن يكون بعض جَ هو اَ. وذلك بين من معنى المقول على الكل، لأن معنى قولنا كل بَ هو اَ- كما قلناه غير مرة- هو كل ما يوصف ببَ وصف إيجاب فهو اَ، وبعض جَ وضع موصوفا ببَ، فواجب أن يكون ذلك البعض موصوفا بألف. وكذلك متى وضعنا أن بعض جَ هو بَ ولا شيء من بَ اَ، فإنه يجب عن ذلك أن بعض جَ ليس اَ، وذلك أيضا يبين من معنى المقول على الكل السالب، وعلى هذا النحو يلزم الأمر متى جعل عوض الجزئية في هذين الصفتين مهملة، لأن المهملة قوتها قوة الجزئية إذ كانت المهملة لا تنفك من أن تكون جزئية، وذلك هو الدائم الضروري الوجود فيها. وأما كونها دالة على المعنى الكلي فليس بلازم لها، ولذلك جعلوا قوتها قوة الجزئية.
وأما إذا كانت المقدمة الكلية هي الصغرى موجبة كانت أو سالبة، وكانت المقدمة الكبرى غير كلية إما مهملة وإما جزئية سالبة كانت أو موجبة، فإنه لا يكون عن ذلك قياس. وذلك ظاهر فيها من أنه ليس يوجد فيها معنى المقول على الكل. وظاهر أيضا من المواد- أعني أنها توجد تنتج في المواد مرة موجبا ومرة سالبا. ومثال ذلك متى وضعنا أن كل جَ هو بَ واَ موجودة في بعض بَ أو غير موجودة في بعض بَ، فإنه ليس يلزم عنه أن يكون اَ مسلوبة عن بعض جَ أو موجودة في بعض جَ وذلك أنه نقص هاهنا من شرط المقول على الكل الكلية الموجودة فيه، إذ كان معنى المقول على الكل أن يكون اَ محمولة بإيجاب أو بسلب على كل ما يوصف ببَ بإيجاب فقط واَ هاهنا إنما هي مقولة على بعض بَ لا على كلها.
ومثال الحدود التي تنتج الموجب الصادق في التي الصغرى منها كلية موجبة والكبرى جزئية موجبة الخير والقنية والحكمة وذلك أن كل حكمة قنية وبعض القنية خير والنتيجة فكل حكمة خير. والتي تنتج السالب الخير والقنية والجهل الذي على طريق الملكة- أعني المكتسب. وذلك أن كل جهل قنية وبعض القنية خير ولا جهل واحد خير. وهذا هو أيضا غير منتج بالطريق الطبيعي وكذلك متى وضعنا أنه ولا شيء من جَ هو بَ وبعض بَ اَ أو بعض بَ ليس هو اَ، فإنه لا ينتج نتيجة محفوظة الكيفية. وذلك بين أيضا من معنى المقول على الكل ومن المواد. فمثال حدود المقدمات التي تنتج الموجب مما الكبرى فيه موجبة جزئية والصغرى سالبة كلية الأبيض والفرس والققنس، وذلك أنه ولا ققنس واحد فرس وبعض الفرس أبيض ينتج كل ققنس أبيض. والحدود التي تنتج سالبة صادقة الأبيض والفرس والغراب، وذلك أنه ولا غراب واحد فرس وبعض الفرس أبيض ينتج ولا غراب واحد أبيض وهو سالب صادق.
وإذا تبين في أمثال هذه المقاييس أنها تنتج الموجب الكلي مرة والسالب الكلي مرة، فبين أنه ليس ينتج سالبا جزئية ولا موجبا جزئيا. وذلك أن من جهة أنها قد تنتج الموجب الكلي فليس يمكن فيها أن تنتج دائما سالبا جزئيا ومن جهة أنها تنتج السالب الكلي فليس يمكن فيها أن تنتج دائما لا موجبا كليا ولا جزئيا. وهذه ليست مقاييس بالإضافة إلى ما ينتج بطريق طبيعي. وكذلك يلفى الأمر إن أخذ هاهنا بدل الجزئية مهملة، إذ كانت قوتهما واحدة.
стр. 8
وكذلك أيضا متى كانت المقدمة الكبرى كلية موجبة كانت أو سالبة وكانت المقدمة الصغرى جزئية سالبة، فإنه لا يكون أيضا قياسا ينتج المطلوب بطريق طبيعي، لأن الطرف الأصغر لما كان ليس يوجد فيه الحد الأوسط- أعني ليس هو محمولا عليه بإيجاب- على الشريطة المفروضة في المقول على الكل، أمكن أن يوجد الطرف الأكبر فيه وأن لا يوجد في شيء منه. ومثال ذلك أنا إذا وضعنا أن بعض جَ غير موجودة لشيء من بَ وكل بَ اَ، فإنه يمكن أن ينتج أن اَ موجودة مرة لبعض جَ ومرة غير موجودة. ومثال حدود ذلك من المواد الحي والإنسان والأبيض. وذلك أن بعض الأبيض ليس بإنسان وكل إنسان حي. فإن قولنا بعض الأبيض ليس بإنسان- وهي السالبة الجزئية- يصدق مع السالبة الكلية- وهي قولنا ولا واحد من الأبيض إنسان- كان القياس مؤتلفا مع مقدمتين صغراهما سالبة كلية وكبراهما موجبة كلية، وقد تبين أن هذا غير منتج من جهة الحدود التي تنتج المتضادين. وإن كانت لا تصدق مع قولنا بعض الأبيض ليس بإنسان السالبة الكلية، فيكون بعض الأبيض ضرورة هو إنسان وبعضه ليس بإنسان. فإذن لا يوجد في هذا الوضع حدود تنتج المتضادين- أعني السالب والموجب- إذ كان يجب أن يكون بعض جَ هو اَ، لأنه إذا صدق مع قولنا بعض الأبيض ليس بإنسان قولنا إن بعض الأبيض إنسان، كان اللازم عن هذا التأليف تأليفا منتجا- وهو الذي يكون من موجبة صغرى جزئية وكبرى كلية- وقد تبين أنه ينتج ولابد موجبة جزئية. فلذلك لا يصح أن يوجد في مثل هذه المادة سالب كلي، لأنه نقيض للموجب الجزئي. لكن يبين في مثل هذه المادة- أعني إذا كانت المقدمة الجزئية السالبة صادقة مع الموجبة الجزئية، وهي التي تسمى جزئية بالطبع- أن هذا التأليف غير منتج، فإنه يمكن أن نجد في ذلك البعض الذي سلب عنه الإنسان ما يصدق عليه الحيوان وما يكذب عليه. وذلك أن بعض الأبيض الذي ليس بإنسان، إذا فرضنا أنه الثلج مثلا، صدق قولنا ولا ثلج واحد حيوان. وإذا فرضناه الققنس مثلا، صدق قولنا إن كل ققنس حيوان. فمن هذه الجهة قد يظهر لنا أن هذا التأليف مرة ينتج موجبا كليا صادقا ومرة سالبا كليا صادقا، وهما المتضادان.
وقد يمكن أيضا إن يقال أن هذا الشكل غير منتج من جهة أنه إنما يطلب هاهنا المنتج دائما لا بحسب مادة من المواد. ولما كان هذا التأليف إن سلمنا أنه ينتج موجبة جزئية، فإنما ينتجها في الموضع الذي تكون الجزئية السالبة فيه بالطبع- أعني في المادة التي تصدق معها الموجبة الجزئية- لا في الموضع الذي تصدق معها السالبة الكلية- وهي التي تسمى جزئية بالوضع- وكان المطلوب من التأليفات إنما هو المنتج بالذات وهو المنتج في كل مادة، لم يعد هذا التأليف في التأليفات المنتجة كما لا يعد الذي من موجبتين في الشكل الثاني منتجا وإن كان قد ينتج في بعض المواد لأن المواد التي يتأتى فيها الإنتاج من التي لا يتأتى فيها الإنتاج قد تكون مجهولة.
وكذلك يبين أيضا أن التأليف الذي تكون المقدمة الكبرى فيه سالبة كلية والصغرى سالبة جزئية أنه غير منتج بمثل هذا البيان بعينه. وحدود ذلك من المواد غير النامي والإنسان والأبيض. وذلك أن بعض الأبيض ليس بإنسان ولا إنسان واحد غير نام. فإن أخذنا من ذلك البعض الثلج وققنس، أنتج لنا أن الثلج غير نام وأن ققنس- الذي هو طائر- نام. فنجد هذا التأليف ينتج المتقابلين معا.
стр. 9
وإذا كانت المقدمتان المأخوذتان في هذا الشكل كلناهما جزئية أو مهملة أو إحداهما مهملة والثانية جزئية، فأنه لا يكون من ذلك قياس موجبتان كانتا معا أو سالبتان معا أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة وذلك بين من أنه ليس يوجد فيها معنى المقول على الكل. إذ كان ذلك يقتضي شرطين، أحدهما أن تكون الكبرى كلية كيفما كانت في كيفيتها- أعني موجبة أو سالبة- وأن تكون الصغرى موجبة ولا بد كيفما كانت في كميتها- أعني كلية أو جزئية. وقد تبين أنه غير منتج من الحدود التي تنتج المتضادات في جميع هذه التأليفات. والحدود العامة لها أما فيما ينتج الموجب الكلي، فالحي والأبيض والإنسان- أعني أن يكون الحي هو الطرف الأعظم والأبيض الأوسط والإنسان الأصغر وذلك أنك تجد في هذه الحدود جميع أصناف تلك التأليفات وكلها ينتج موجبا. وذلك أن بعض الإنسان أبيض وبعض الأبيض حي وبعض الإنسان ليس بأبيض وبعض الأبيض ليس بحي. وكلها يلزم عنها أن الإنسان حي. وأما الحدود العامة لها التي ينتج فيها السالب الكلي، فالحي والأبيض والحجر- أعني أن يكون الحي هو الأكبر والأبيض الأوسط والأصفر والحجر.
فقد تبن المنتج في هذا الشكل من غير المنتج، وأن النتج منها أربعة فقط- وهو الذي يكون من موجبتين كليتين، ومن موجبة كلية كبرى وموجبة جزئية صغرى، ومن كلية سالبة كبرى وجزئية موجبة صغرى، ومن كلية سالبة كبرى وكلية موجبة صغرى- وأنه ينتج جميع أصناف القضايا- أعني أنه ينتج موجبة كلية وموجبة جزئية وسالبة كلية وسالبة جزئية- وأن المقاييس المنتجة في هذا الشكل كاملة، ولذلك سمي بالشكل الأول.
وما ظن القدماء من أن الثلاثة الأصناف التي في هذا الشكل قد تنتج نتيجتين- أعني أن الصنف الذي ينتج السالبة الكلية قد ينتج عكسها وكذلك الذي ينتج الموجبة الجزئية والذي ينتج الموجبة الجزئية والذي ينتج الموجبة الكلية أعني أنهما ينتجان أيضا عكسيهما وهي موجبة جزئية- فذلك جهل بغرض أرسطو هاهنا وذلك أن أرسطو إنما قصد أن يعدد هاهنا أصناف النتائج الموجودة بالذات وأولا للمقاييس الطبيعية، لا الموجودة بالقصد الثاني وعلى غير مجرى الطبع القياسي.
القول في الشكل الثاني
وأما متى حمل الحد الأوسط على الطرفين جميعا- أعني على موضوع المطلوب وعل محموله- وذلك إما بأن يكون محمولا عليهما بإيجاب أو سلب أو محمولا على أحدهما بإيجاب وعلى الثاني بسلب كان الحمل في كليهما كليا أو جزئيا أو في أحدهما كليا وفي الآخر جزئيا أو مهملا، فإنه بين أن مثل هذا التأليف هو تأليف قياسي وأن الفكرة الإنسانية تقع عليه بالطبع لا بطريق صناعي. مثال ذلك أنه قد يقول القائل هذا السقط ليس بحي، فيقال له ولم ذلك فيقول لأن الحي يستهل صارخا. فإنه من البين أن هذا القول قد حذف منه قائله المقدمة الصغرى لبيانها، وهي أن هذا الطفل لم يستهل صارخا وهذا هو أخذ المستهل صارخا- الذي هو الحد الأوسط- محمولا على الطرفين. فلنسم مثل هذا التأليف الشكل الثاني، ولنسم الحد المحمول عليهما أيضا الأوسط، وموضوع المطلوب الأصغر، ومحمول المطلوب الأكبر، والمقدمة التي موضوعها موضوع المطلوب المقدمة الصغرى، والتي موضوعها محمول المطلوب المقدمة الكبرى. ولنفرض الأول في القول هو الطرف الأصغر، ثم يليه الأوسط، ثم يليه الأعظم ليتميز لنا الطرف الأكبر من الأصغر لأنهما في هذا الشكل لا يتميزان إلا بالإضافة إلى المطلوب.
وهذا الشكل ليس يوجد فيه قياس كامل، وتوجد فيه قياسات منتجة، إذا كانت المقدمات كلية وغير كلية. فأما إذا كانت كلية فإن القياس إنما يوجد فيه، إذا كان الأوسط محمولا على أحد الطرفين- أيهما كان- بإيجاب وكان محمولا على الآخر بسلب. وأما إذا كان محمولا عليهما بإيجاب، فلن يكون فيه قياس منتج.
стр. 10
فلنضع أولا مقدمتين كليتين إحداهما سالبة والأخرى موجبة، ولتكن الكبرى هي السالبة والصغرى هي الموجبة، فأقول إنها تنتج سالبة كلية. مثال ذلك كل جَ هو بَ ولا شيء من اَ هو بَ، فأقول إنه يلزم عن ذلك ولا شيء من جَ هو اَ لأنه إذا عكسنا السالبة الكلية- وهي قولنا ولا شيء من اَ هو بَ فقلنا ولاشيء من بَ هو اَ وقد كان معنا أن كل جَ هو بَ، أنتجنا في الصنف الثاني من الشكل الأول على ما تبين أنه ولا شيء من جَ اَ. ولنضع السالبة أيضا هي الصغرى والموجبة هي الكبرى، فأقول إن هذا التأليف ينتج أيضا سالبة كلية. مثال ذلك قولنا ولا شيء من جَ هو بَ وكل اَ هو بَ، فهذا ينتج أنه ولا شيء من جَ هو اَ. برهان ذلك أنا نعكس المقدمة السالبة فيكون معنا ولا شيء من بَ هو جَ، وقد كان معنا أن كل اَ هو بَ، فينتج لنا في الصنف الثاني من الشكل الأول أنه ولا شيء من اَ هو جَ، ثم نعكس هذه النتيجة فيكون معنا ولا شيء من جَ هو اَ. وهذه النتيجة بعينها كانت نتيجة القياس الأول من هذا الشكل.
وأما إذا كانت المقدمتان الكليتان موجبتين أو سالبتين معا، فإنه لا يكون عن غير ذلك قياس منتج. ومثال ذلك أنه إذا وضعنا كل جَ هو بَ وكل اَ هو بَ، فأقول إنه ليس يلزم عن ذلك أن يكون كل جَ هو اَ ولا بعض جَ هو اَ، وذلك بين من المواد التي تنتج المتضادات. فمثال الحدود التي تنتج الموجب من المواد الإنسان والجوهر والحي على أن نأخذ الجوهر هو الحد الأوسط، وذلك أن كل إنسان جوهر وكل حي جوهر، وهذا ينتج في هذه المادة أن كل إنسان حي. ومثال الحدود التي تنتج السالب من المواد الحجر والجوهر والحي، وذلك أن كل حجر جوهر وكل حي جوهر ولا حجر واحد حي.
وكذلك متى وضعنا أنه ولا شيء من جَ هو بَ ولا شيء من اَ هو بَ، فإنه يوجد هذا التأليف أيضا في المواد ينتج المتضادين معا. ومثال الحدود التي تنتج الموجب الإنسان والخط والحي، وذلك أنه ولا إنسان واحد خط ولا حي واحد خط وكل إنسان حي. ومثال الحدود التي تنتج السالب الكلي الحجر والخط والحي، وذلك أنه ولا حجر واحد خط ولا حي واحد خط ينتج ولا حجر واحد حي. فيوجد هذان التأليفان مرة ينتجان الموجب ومرة ينتجان السالب، فليسا بقياس.
فقد تبين من هذا القول إذا كانت المقدمتان كليتين متى يكون قياس في هذا الشكل ومتى لا يكون، وأن القياسات المنتجة في هذا الشكل ليست بكاملة، إذ كانت إنما يبين أنها منتجة بغيرها لا بنفسها- وهو ردها إلى الشكل الأول.
فأما إذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل كلية والأخرى جزئية، فإنه إذا كانت الكبرى كلية والصغرى جزئية وكانت إحداهما مخالفة للأخرى في الكيفية- أعني إن كانت إحداهما سالبة كانت الأخرى موجبة- فإنه يكون من ذلك قياسات منتجة. فلتكن أولا الكبرى سالبة كلية والصغرى موجبة جزئية. ومثال ذلك أن يكون بعض جَ هو بَ ولا شيء من اَ بَ. فأقول إنه من الاضطرار أن يكون بعض جَ ليس هو اَ لأنه ينعكس ولا شيء من اَ بَ فيكون معنا بعض جَ هو بَ ولاشيء من بَ اَ، فيرجع هذا إلى الشكل الأول. وقد تبين أنه يلزم في هذا الشكل أن يكون بعض جَ ليس فيه شيء من اَ. ولتكن أيضا المقدمة الكبرى الكلية الموجبة والصغرى السالبة الجزئية. مثال ذلك أن يكون بعض جَ ليس بَ وكل اَ هو بَ، فأقول إنه يلزم عنه جزئية سالبة وهي أن بعض جَ ليس هي اَ. برهان ذلك أنه إن لم يكن قولنا إن بعض جَ ليس هو اَ صادقا، فليكن الصادق نقيضه- وهو أن كل جَ هي اَ- ونضيف إليه المقدمة الثانية التي وضعنا- وهي قولنا وكل اَ بَ- فيلزم عنه في الشكل الأول أن يكون كل جَ هو بَ، وقد وضعنا أن بعض جَ ليس بَ، هذا خلف لا يمكن. وما لزم عنه الكذب فهو كذب، والكذب إنما لزم عن وضعنا أن كل جَ اَ فقولنا كل جَ اَ كذب، فنقيضه إذن صادق وهو قولنا بعض جَ ليس اَ- وذلك ما أردنا بيانه.
стр. 11
وأما إذا كانت المقدمة الكبرى في هذا الشكل هي الجزئية والصغرى هي الكلية وكانت احداهما مخالفة في الكيفية للثانية، فإنه لا يكون أيضا عن ذلك قياس. فلتكن أولا الكبرى جزئية سالبة والصغرى موجبة كلية. مثال ذلك أن يكون كل جَ هو بَ وبعض اَ ليس هو بَ، وبيان ذلك أنها توجد تنتج في المواد المختلفة المتضادين معا. فالحدود التي تنتج الموجب الغراب والحي والجوهر، والغراب هو الأصغر والحي هو الأوسط، فإن كل غراب حي وبعض الجوهر ليس بحي، فينتج كل غراب جوهر وهو موجب صادق. وأما الحدود التي تنتج السالب فهي الغراب والحي والأبيض، وذلك أن كل غراب حي وبعض الأبيض ليس بحي، فينتج ولا غراب واحد أبيض، وذلك صادق. وكذلك أيضا لا يكون قياس إذا كانت الكبرى موجبة جزئية والصغرى سالبة كلية. ومثال ذلك من الحروف ولا شيء من جَ هو بَ وبعض اَ هو بَ. والحدود التي تنتج الموجب في هذا التأليف هي الحجر والحي والجوهر، والحجر هو الأصغر والحي هو الأوسط، وذلك أنه ولا حجر واحد حي وبعض الجوهر حي، تكون النتيجة كل حجر جوهر. والحدود التي تنتج السالب هي العلم والحي والجوهر، والعلم هو الأصغر بحسب ترتيبنا والحي هو الأوسط، وذلك أن العلم ليس بحياة وبعض الجواهر حية، والنتيجة العلم ليس بجوهر.
فقد تبين إذا كانت المقدمة الكلية في هذا الشكل مخالفة للجزئية في كيفيتها، متى يكون قياس ومتى لا.
وأما إذا كانت الكلية والجزئية متوافقتين في الكيفية- أعني إما سالبتين معا أو موجبتين معا- فلا يكون منهما قياس البتة. فلتكن أولا سالبتين ولتكن الكلية هي المقدمة الكبرى والجزئية الصغرى. ومثال ذلك أن تكون بَ ليست في كل جَ ولا شيء من اَ هو بَ. وبرهان ذلك أن قولنا بَ ليست في كل جَ هو غير محدود، فقد تصدق معه السالبة الكلية، وقد تصدق معه الموجبة الجزئية. فإذا صدقت معه السالبة الكلية، لم يكن منتجا على ما تبين ووجدت حدود تنتج الموجبة. وإذا صدقت معها الموجبة الجزئية لم توجد حدود تنتج موجبة كلية، وذلك أنه لو وجدت حدود تنتج أن كل جَ هو اَ وقد كان معنا ولا شيء من اَ هو بَ، لقد كان يجب أن يكون ولا شيء من جَ هو بَ، فتكون الجزئية السالبة سالبة بالوضع لا بالطبع. وقد كنا فرضناها سالبة بالطبع، وهي التي تصدق معها بعض جَ هو بَ، هذا خلف لا يمكن. لكن بين أن هذا التأليف غير منتج من قبل أن تلك السالبة الجزئية غير محدودة- أعني أنها مرة تكون جزئية بالطبع ومرة بالوضع- فتكون مرة تنتج ومرة لا تنتج. وما كان مرة ينتج ومرة لا ينتج لم يعد قياسا، إذ القياس هو الذي ينتج نتيجة واحدة دائما وباضطرار. وقد يمكن أن يستعمل في هذا البيان المتقدم الذي استعمل في نظير هذا من الشكل الأول بأن يؤخذ من ذلك البعض شيء يصدق عليه محمول المطلوب وشيء يكذب عليه. مثال ذلك أن نقول بعض الأبيض ليس بحي ولا حجر واحد حي، ثم نأخذ من بعض الأبيض ما يكذب عليه الحجر- وهو الثياب البيض- وما يصدق عليه الحجر- وهو الرخام- ولكن هذا البيان قوته قوة النقل الى السالبة الصغرى الكلية. وذلك ما يظن أن أرسطو أضرب هاهنا عنه.
ولتكونا أيضا موجبتين وتكون الكلية الكبرى والجزئية الصغرى مثل أن يكون بعض جَ بَ وكل اَ بَ- فإنه أيضا لا يكون عن ذلك قياس. وذلك أنه إن صدقت مع الموجبة الجزئية الموجبة الكلية، كان ذلك غير منتج على ما تبين، ووجدت حدود تنتج الموجب فيها والسالب. وإن صدقت معها السالبة الجزئية، لم توجد هنالك حدود تنتج الموجب الكلي للسبب الذي قلناه في الذي يكون من سالبتين، لكن بين أنه غير منتج بذلك الوجه بعينه الذي تبين به ذلك.
وأما إن كانتا جميعا سالبتين وكانت المقدمة الكلية هي الصغرى والكبرى هي الجزئية- مثل أن يكون ولا شيء من جَ بَ وبعض اَ ليس بَ- فإنه لا يكون عن ذلك قياس. والحدود التي تنتج الموجب الكلي فيه هي الغراب والأبيض والحي، والغراب هو الأصغر والأبيض هو الأوسط والحد الأكبر هو الحي. والتي تنتج السالب الغراب والأبيض والحجر، والغراب هو الأصغر والأبيض الأوسط والحجر الأكبر.
стр. 12
وكذلك لا يكون قياس وإن كانتا موجبتين معا وتكون المقدمة الكلية هي الصغرى والجزئية هي الكبرى، لأنه ينتج المتضادتين. فمثال الحدود التي تنتج الموجب الققنس والأبيض والحي، والققنس هو الأصغر والأبيض الأوسط. وذلك أن كل ققنس أبيض وبعض الحي أبيض، والنتيجة كل ققنس حي. والتي تنتج السالب الكلي الثلج والأبيض والحي. وذلك أن كل ثلج أبيض وبعض الحي أبيض، والنتيجة ولا ثلج واحد حي.
فقد تبين أنه إذا كانت المقدمتان متشابهتين في الكيفية ومختلفتين في الكمية أنه لا يكون في هذا الشكل قياس.
وأما إذا كانت كلتاهما جزئية أو مهملة أو إحداهما جزئية والثانية مهملة، فإنه لا يكون أيضا منهما قياس كانتا موجبتين معا أو سالبتين معا أو إحداهما موجبة والثانية سالبة، لأن جميعها تنتج في المواد المختلفة الموجبة تارة والسالبة تارة. والحدود العامة التي تنتج الموجب في جميعها هي الإنسان والأبيض والحي، والإنسان هو الأصغر والأبيض الأوسط والحي الأكبر. ولن يخفى عليك تأليفها. وكلها ينتج أن الإنسان حي. والحدود العامة لجميعها التي تنتج السالب غير النامي والأبيض والحي، والأصغر هو غير النامي والأوسط الأبيض. وكلها ينتج أن غير النامي ليس بحي.
فقد تبين من هذا القول أنه إذا وجد في هذا الشكل قياس منتج فمن الاضطرار أن تكون المقدمات على ما وضعنا- أعني أن تكون الكبرى كلية والثانية مخالفة لها في الكيفية- وأنه إذا وجدت المقدمات بهذه الصفة فمن الاضطرار أن يكون في هذا الشكل قياس. وتبين مع هذا أن كل قياس يكون في هذا الشكل فهو غير كامل، إذ كان إنما يبين فيه أنه قياس إذا زيد فيه أشياء أخر إما من الأمور اللاحقة باضطرار لمقدماته- مثل انعكاسها ورجوعها إلى الشكل الأول- وإما باستعمال بيان الخلف في ذلك. وهو بين أنه لا يكون في هذا الشكل نتيجة موجبة وإنما تكون سالبة كلية أو جزئية.
القول في الشكل الثالث
وإذا كان الحد الأوسط موضوعا لطرفي المطلوب والطرفان محمولان عليه، فإنه يسمى هذا الشكل الشكل الثالث- مثل أن تكون اَ وجَ محمولتين على بَ. وهو بين أن هذا الشكل أيضا شكل طبيعي، وذلك أنه قد يقول القائل إن جَ هي اَ لكون بَ هي جَ وبَ هي اَ. ومن المواد الجسم محدث لأن الحائط جسم ولأن الحائط محدث. والمقدمة التي فيها موضوع المطلوب تسمى الصغرى- وهو الذي يسمى الحد الأصغر- والتي فيها محمول المطلوب- الذي هو الطرف الأكبر- تسمى الكبرى، وليكن مثال الطرف الأصغر جَ والأوسط بَ والأكبر اَ، ويكون ترتيبها في القول بأن نبدأ أولا بالحد الأوسط ثم يليه الأصغر ثم يليه الأكبر.
وليس يكون أيضا في هذا الشكل قياس كامل وقد يمكن أن يكون فيه قياس، إذا كانت مقدمتاه كليتين أو إحداهما كلية والأخرى جزئية، وقد يمكن أن لا يكون فيهما قياس.
فلتكن أولا المقدمتان كليتين ولتكن موجبتين. مثال ذلك قولنا كل بَ هو ج َ وكل بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج بعض جَ هو اَ لأنه تنعكس الصغرى الكلية- وهي قولنا كل بَ هو جَ- جزئية فيصير بعض جَ هو بَ، ومعنا أن كل بَ هو اَ فينتج في الشكل الأول أن بعض جَ هو اَ، على ما تبين هنالك. وقد يبين هذا بالخلف وبالافتراض. أما بالخلف فبأن تأخذ نقيض النتيجة ونضيف إليها إحدى المقدمتين، فيلزم عنهما نقيض المقدمة الثانية، وما لزم عنه الكذب فهو كذب. وأما بالافتراض فبأن نفرض بعض بَ هو زَ، ولأن جَ في كل بَ، وزَ هو جزء من بَ، فزَ ضرورة جزء من جَ، ولأن اَ في كل بَ، وزَ جزء من بَ، فزَ ضرورة جزء من اَ وقد كانت جزءا من جَ، فبعض جَ هو اَ.
وكذلك متى كانت المقدمة الكبرى سالبة والصغرى موجبة، فإنه يكون أيضل قياس. مثال ذلك قولنا كل بَ هو جَ ولا شيء من بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج بعض جَ ليس هو اَ- أعنى سالبة جزئية- لأنه إذا عكسنا الموجبة الكلية جزئية، ائتلف القول هكذا: بعض جَ هو بَ ولا شيء من بَ اَ فبعض جَ ليس هو اَ، وذلك في الشكل الأول.
стр. 13
وأما إذا كانت الكلية السالبة هي الصغرى والكلية الموجبة هي الكبرى- مثل قولنا ولا شيء من بَ هو جَ وكل بَ هو اَ- فإنه لا يكون في ذلك قياس ينتج المطلوب، لأنه ينتج المتضادين عند استعماله في المواد. فمثال الحدود التي تنتج الموجب الفرس والإنسان والحي، والأصغر هو الفرس والأوسط هو الإنسان. وذلك أنه ولا إنسان واحد فرس وكل إنسان حي ينتج وكل فرس حي، وهو موجب صادق. والحدود التي تنتج السالب غير النامي والإنسان والحي، فالإنسان ليس بغير نام والإنسان حي، وينتج أن غير النامي ليس بحي.
وأما إذا كانت المقدمتان الكليتان سالبتين فإنه لا يكون قياس أصلا. فالحدود التي ينتج فيها الموجب الفرس وغير النامي والحي، والفرس هو الأصغر وغير النامي الأوسط، وذلك أن غير النامي ليس بفرس وليس بحي ينتج الفرس حي. والتي تنتج السالب الفرس وغير النامي والإنسان، والفرس الأصغر وغير النامي الأوسط والإنسان الأكبر، وذلك أن غير النامي ليس بفرس وغير النامي ليس بإنسان والفرس ليس بإنسان.
فقد تبين متى يكون قياس في هذا الشكل إذا كانت المقدمتان كليتين ومتى لا يكون، وذلك أنه إذا كانتا موجبتين كان قياس ينتج موجبا جزئيا، وكذلك متى كانت الكبرى هي السالبة والصغرى هي الموجبة كان قياس ينتج سالبا جزئيا. وأما إذا كانتا سالبتين أو كانت الصغرى الكلية هي السالبة والكبرى هي الموجبة، فإنه لا يكون قياس.
وأما إذا كانت إحداهما كلية والأخرى جزئية- أيهما اتفق- وكانتا موجبتين، فإنه يكون قياس منتج موجبة جزئية. مثال ذلك أنه إذا وضعنا أن كل بَ هو جَ وبعض بَ هو اَ، فأقول إن بعض جَ هو اَ- أعني إذا كانت الصغرى هي الكلية والكبرى الجزئية- وذلك أنه ينعكس بعض بَ هو اَ فيكون معنا بعض اَ هو بَ وكل بَ هو جَ، ينتج في الشكل الأول أن بعض اَ هو جَ، ثم نعكس هذه النتيجة فينتج المطلوب- وهو أن بعض جَ هو اَ وهذا ينتج بعكسين.
وكذلك أيضا إن كانت الجزئية هي الصغرى والكلية هي الكبرى، فإنه يكون قياس منتج. ومثال ذلك أن نضع أن بعض بَ هو ج وكل بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج أن بعض جَ هو اَ. وذلك أنه تنعكس هذه الجزئية، فيكون معنا بعض جَ هو بَ وكل بَ هو اَ، فينتج في الشكل الأول أن بعض جَ هو اَ. وقد يبين هذا بالافتراض، وذلك أنا فرضنا بعض بَ مثلا هو زَ، كان كل زَ هي جَ وكل زَ هي اَ، ورجع إلى الذي من كليتين موجبتين في هذا الشكل- أعني أنه ينتج بعض جَ هي اَ. وقد يبين بسياقة الكلام إلى المحال- وهو الذي يسمى الخلف- وذلك بأن نأخذ نقيض النتيجة فنضيف إليها إحدى المقدمتين، فيلزم أن تكذب الثانية. مثال ذلك أن نأخذ ولا شيء من جَ هو اَ- الذي هو نقيض النتيجة- ونضيف إليها المقدمة الصغرى- وهي قولنا بعض بَ هي جَ- فينتج لنا في الشكل الأول أن بعض بَ ليست اَ، وهو نقيض المقدمة الكبرى التي وضعنا- وهو أن كل بَ هو اَ. فقد ساق الكلام بوضع نقيض تلك النتيجة فيه إلى المحال، فذلك النقيض إذن محال، فالنتيجة صادقة.
فأما إذا كانت إحداهما موجبة والثانية سالبة، وكانت المقدمة السالبة هي الكبرى والموجبة هي الصغرى، فقد يكون قياس. مثال ذلك أنا نفرض أولا أن السالبة الكبرى هي الجزئية والموجبة الصغرى هي الكلية- مثل أن يكون كل بَ هو جَ وبعض بَ ليس اَ- فأقول إنه ينتج أن بعض جَ ليس هو اَ ن وذلك بسياقة الكلام إلى المحال. وذلك إن لم يكن صادقا قولنا بعض جَ ليس اَ، فليكن الصادق نقيضه- هو أن كل جَ هو اَ- فإذا أضفنا إلى هذه المقدمة الصغرى- وهي كل بَ جَ- أنتج لنا أن كل بَ هو اَ، وذلك محال لأنه نقيض المقدمة الكبرى لأنا قد كنا وضعنا أن بعض بَ ليس اَ، فنقيضه هو الصادق- هو أن بعض جَ ليس اَ. وقد يبين ذلك بالفرض إذا فرض بعض بَ شيئا محسوسا وليكن مثلا زَ، فيكون معنا ولا شيء من زَ هو اَ وكل زَ هو جَ لأن زَ جزء بَ، فيعود إلى الصنف المنتج من هذا الشكل- أعني الذي من كليتين الكبرى سالبة والصغرى موجبة- وينتج بعض جَ ليس اَ. وهذا الصنف ليس يتبين بالانعكاس.
وكذلك إذا كانت السالبة الكبرى هي الكلية، والموجبة الصغرى هي الجزئية، فإنه يكون أيضا قياس منتج. ومثال ذلك بعض بَ هو جَ، ولا شيء من بَ هو اَ، فينتج بعض جَ ليس هو اَ. وذلك أنا إذا عكسنا الموجبة الصغرى منه رجع إلى الشكل الأول.
стр. 14
وأما وإن كانت المقدمة الكبرى هي الموجبة والصغرى هي السالبة، فإنه لا يكون في ذلك قياس على المطلوب. وهذا صنفان كما الأول أحدهما أن تكون الكبرى هي الكلية والصغرى هي الجزئية. والصنف الثاني عكس هذا. فلنضع أولا الكبرى هي الكلية والصغرى هي الجزئية. مثال ذلك قولنا بعض بَ ليس هو جَ وكل بَ هو اَ، فأقول إن هذا غير منتج. وذلك أنه ينتج في المواد المختلفة المتضادين معا. فمثال المواد التي ينتج فيها الموجب الإنسان والحي والنامي، والإنسان هو الأصغر والحي هو الأوسط والنامي هو الأكبر. وذلك أن بعض الحي ليس بإنسان وكل حي نام وكل إنسان نام. وإما الحدود التي تنتج السالب فليس توجد، إذ كان قد يصدق مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية. فيكون بعض بَ هو جَ وكل بَ هو اَ، فبعض جَ إذن هو اَ. فإذن ليس يصدق ولا شيء من جَ هو اَ. لكن هذا الصنف يعد في غير المنتج من قبل أنه إنما ينتج في بعض المواد- وهي المادة التي تصدق فيها مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية.
وكذلك إذا كانت الصغرى هي الكلية والكبرى هي الجزئية. مثال ذلك أن يكون ولا شيء من بَ هو جَ وبعض بَ هو اَ، فأقول إنه غير منتج. فالحدود التي تنتج الموجب المائي والإنسان والحي، وذلك أنه ولا مائي واحد إنسان وبعض المائي حي وكل إنسان حي، وهي النتيجة. والحدود التي تنتج السالب المائي والعلم والحي، وذلك أنه ولا مائي واحد له علم وبعض المائي له حياة، فلا علم واحد حياة.
وكذلك أيضا لا يكون قياس، إذا كانتا سالبتين معا- أعني الكلية والجزئية. ومثال الحدود التي تنتج السالب إذا كانت الصغرى هي الكلية النامي والعلم والحي، والنامي هو الأوسط هو الأصغر والحي الأعظم، وذلك أن النمو ليس بعلم وبعض النمو ليس بحياة والعلم ليس بحياة، وهي النتيجة. ومثال الحدود التي تنتج الموجب المائي والإنسان والحي، وذلك أن المائي ليس بإنسان وبعض المائي ليس بحيوان وكل إنسان حيوان، وهي النتيجة. والحدود التي تنتج السالب، إذا كانت المقدمة الكبرى هي الكلية البياض والثلج والغراب، وذلك أن بعض الأبيض ليس بثلج ولا ابيض واحد غراب، والنتيجة ولا ثلج واحد غراب. وأما الحدود التي تنتج الموجب فيه فليس يوجد للعلة التي تقدمت- أعني لأنه قد يصدق فيه مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية- وذلك أنه إن كان كل جَ هو اَ وقد كان معنا بعض بَ هو جَ، أنتج لنا أن بعض بَ هو اَ، وقد وضعنا في مقدمات هذا القياس ولا شيء من بَ اَ، هذا خلف لا يمكن. فإذن لا يمكن في هذا الصنف أن ينتج موجبا أصلا. لكن يعلم أنه ليس بقياس لأنه ليس ينتج نتيجة واحدة دائما، وذلك أنه لا يدرى الموضع الذي يصدق فيه مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية من الموضع الذي يصدق فيه معها السالبة الكلية.
وأما إذا كانت المقدمتان في هذا القياس جزئيتين أو مهملتين أو احداهما جزئية والأخرى مهملة، موجبتين كانتا معا أو سالبتين معا أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة، فإنه لن يكون في ذلك قياس. والحدود التي تنتج الموجب- العامة لهذه الضروب كلها- البياض والإنسان والحي. والتي تنتج السالب الأبيض وغير النامي والحي. والأبيض هو الحد الأوسط فيهما والحي هو الأكبر.
فقد تبين من هذا القول متى يكون قياس في هذا الشكل ومتى لا يكون قياس، وأنه إذا كانت الصغرى في هذا القياس موجبة وكانت فيه مقدمة كلية إما الصغرى وإما غيرها أنه يكون قياس منتج، وأنه إذا كان قياس منتج فمن الاضطرار أن تكون المقدمات بهذه الصفة. وتبين أيضا أن القياسات في هذا الشكل غير كاملة، وأن منها ما يبين بالانعكاس والافتراض والخلف ومنها ما يبين بالافتراض والخلف، وأنه ليس يوجد في هذا الشكل نتيجة كلية لا سالبة ولا موجبة، وأنه يعم الأشكال كلها أنه لا ينتج فيها من سالبتين ولا من جزئيتين ولا من مهملتين ولا من مهملة وجزئية إذ كانت المهملات قوتها قوة الجزئيات.
الأمور العامة للأشكال الثلاثة
стр. 15
وتبين أنه إذا كان في كل واحد من أصناف المقاييس مقدمتان إحداهما كلية سالبة والأخرى موجبة، أنه قد يكون قياس منتج دائما- أعني أنه ينتج مطلوبا مفروضا وغير مفروض. أما المطلوب المفروض فمتى كانت السالبة الكلية هي الكبرى في الشكل الأول. وأما غير المفروض فمتى كانت الصغرى هي الكلية السالبة، وكذلك الحال في الشكل الثاني الذي تكون فيه الصغرى كلية والكبرى جزئية ن وفي الشكل الثالث الذي تكون الصغرى فيه سالبة. وذلك أنه إذا كان ولا شيء من جَ هو بَ وكل بَ هو اَ، فإذا عكست هاتان المقدمتان فقيل بعض اَ هو بَ ولا شيء من بَ هو جَ، فأنه ينتج بعض اَ ليس هو جَ. لكن لم تعد أمثال هذه المقاييس في المقاييس المقصودة هاهنا، إذ كان المطلوب هاهنا إنما هو القياس الذي تقع عليه الفكرة بالطبع بالإضافة الى المطلوب المحدود. فأما القياس الذي ينتج غير المطلوب، فليس تعتمده القوة الفكرية بالطبع ولا تؤلفه أصلا، لأنه مثلا إذا طلبنا هل اَ في جَ فقلنا اَ في جَ لأن اَ في بَ وبَ في جَ، كان ذلك قياسا طبيعيا موجودا في كلام الناس كثيرا، وهذا هو الشكل الأول. وكذلك إذا قلنا اَ في جَ لأن بَ في جَ وفي اَ، فهو بين أن هذا التأليف موجود لنا بالطبع، وهذا هو الشكل الثاني وهو موجود كثيرا في كلام الناس بالطبع. وكذلك إذا قلنا اَ في جَ لأن اَ وجَ في بَ، هذا أيضا قياس موجود لنا بالطبع، وهذا هو الشكل الثالث. وأما أن نقول أن اَ في جَ لأن جَ في بَ وبَ في اَ، فهو شيء لا يفعله بالطبع أحد، لأن الذي يلزم منه هو غير المطلوب، وهو أن جَ في اَ. فكأن هذا بمنزلة من قال اَ في جَ لأن اَ في بَ وبَ في دَ، وهذا شيء لا تفعله الفكرة بالطبع.
ومن هنا يبين أن الشكل الرابع- الذي يذكره جالينوس- ليس بقياس تقع عليه الفكرة بالطبع. وذلك أنه إذا طلبنا هل جَ فيها اَ فقلنا جَ فيها اَ لأن بَ في اَ وجَ في بَ، فنحن بين أحد أمرين، إما أن نلحظ اللازم عن هذا التأليف ونطرح ذلك المطلوب بالجملة- وهو أن جَ في اَ- وذلك خلاف ما طلبنا، وإما أن يكون عندما نأتي بهذا التأليف يبقى المطلوب في أذهاننا على ما كان عليه عند الطلب- وهو أن يكون الموضوع فيه موضوعا والمحمول محمولا. وذلك أن كل مطلوب واحد فالموضوع فيه موضوع بالطبع، والمحمول فيه محمول بالطبع، فإذا بقي الموضوع موضوعا عندنا في المطلوب والمحمول محمولا- وذلك موجود في أذهاننا بهذه الصفة مادام المطلوب مطلوبا- ثم أتينا بحد أوسط يكون محمولا على محمول المطلوب وموضوعا لموضوع المطلوب- على ما يرى جالينوس أن هذا شكل رابع- بالإضافة إلى المطلوب، وإلا فما هاهنا شكل رابع وإنما هاهنا شكل أول إما على المطلوب وإما على عكسه. لكن لننزل هاهنا أن هذا الشكل الرابع إنما نتصوره على هذه الجهة- أعني بالإضافة إلى المطلوب المحدود الذي الموضوع فيه موضوع بالطبع والمحمول محمول بالطبع- فإنه ليس يتصور شكل رابع إلا على هذا الوجه. فمتى طلبنا وجود شيء في شيء وأخذنا حدا أوسط فحملناه مرة على محمول المطلوب ومرة حملنا عليه موضوع المطلوب، عاد المطلوب موضوعا والموضوع مطلوبا فانعكس الطلب والقياس وأنتج العكس، وذلك في غاية الاستكراه. فهذا هو السبب في أن لم تؤلفه فكرة بالطبع على مطلوب محدود حتى يكون هاهنا قياس ينتج المطلوب المحدود بعكسين كما يراه جالينوس في الشكل الرابع على ما يقال عنه. والفرق بين هذا العكس والعكس الذي يستعمله أرسطو في رد كثير من أصناف الشكل الثاني والثالث إلى الأول أن ذلك العكس هو في تبين الإنتاج في مقاييس طبيعية، وهذا عكس في تبين الإنتاج في قياس صناعي لا طبيعي. وإنما لم يلتف أرسطو إلى المقاييس الصناعية لأنها غير محاكية للوجود وتكاد أن تكون غير متناهية. ولذلك ظن قوم أنه توجد نتائج كثيرة في كل واحد من الأشكال غير النتائج التي ذكرها أرسطو، وذلك إما جزئياتها وإما عكوسها. وتلك إن جعلت مطلوبات، ثم أنتجت بتوسط النتائج الأول، فذلك إنتاج بطريق غير طبيعي بل صناعي.
стр. 16
وأرسطو يبين أن الصنفين الكليين من الشكل الأول-أعني اللذين ينتجان نتيجة كلية- أكمل الأشكال كلها، لأن جميع أصناف المقاييس المنتجة التي في الشكل الثاني ترجع الكلية منها إلى الكلية في هذا الشكل وترجع الجزئية التي فيه الى الجزئية، وجميع أصناف الشكل الثالث إلى الجزئية التي في الشكل الأول. وذلك أن جميع أصناف الشكل الثالث إنما ينتج جزئية والجزئية التي في الشكل الأول يمكن فيها أن تبين على طريق الخلف بالكلية التي في الشكل الثاني التي تبين بالكلية التي في الشكل الأول، فيكون هذان الصنفان من الشكل الأول أكمل من جميع أصناف المقاييس المنتجة، إذ كلها يمكن أن يبين بهذين الصنفين.
وأما كيف تبين الجزئية التي في الشكل الأول على طريق الخلف بالكلية التي في الشكل الثاني، فعلى ما أقول. وذلك أنه كانت اَ موجودة في كل بَ وبَ في بعض جَ، فأقول إن اَ موجودة في بعض جَ. فإن لم يكن ذلك فنقيضها هو الصادق- وهو أنه ولا شيء من اَ في جَ- وقد كان معنا أن اَ موجودة في كل بَ، فينتج في الشكل الثاني أن بَ غير موجودة في شيء من جَ، وقد كنا فرضناها في بعض جَ، هذا خلف لا يمكن. وبمثل هذا يبين إنتاج السالب الجزئي في الشكل الأول بالكلى السالب من الشكل الثاني عن طريق الخلف.
فقد تبين من هذا القول أصناف القياسات المطلقة التي توجب إثبات شيء وإبطاله.
جهات مقدمات المقاييس
القول في القياسات الاضطرارية
قال: ولأن المقدمات المطلقة والاضطرارية والممكنة يخالف بعضها بعضا في الجهة وفي المادة التي تدل عليها الجهة- وذلك أن هاهنا أشياء كثيرة موجودة بالفعل من غير أن يكون وجودها باضطرار وهذه هي المطلقة، وأشياء ليست بمضطرة أن تكون ولا هي موجودة بالفعل بل هي ممكنة أن توجد في المستقبل وأن لا توجد وهذه هي الممكنة، وأشياء هي موجودة دائما وهذه هي المضطرة- فهو بين أنه يجب أن تكون المقاييس المؤلفة من صنف صنف من هذه مختلفة من قبل اختلاف مقدماتها. فيكون القياس الاضطراري مؤلفا من مقدمات اضطرارية، والقياس المطلق من مقدمات مطلقة، والممكن من مقدمات ممكنة.
فأما المقاييس التي تأتلف من المقدمات الاضطرارية فقريبة من المقاييس التي تأتلف من المقدمات المطلقة، وذلك أن الأشياء التي تشترط في المنتجة من المطلقة هي بعينها تشترط في المنتجة من الضرورية والأشياء التي هي سبب عدم الإنتاج في غير المنتج منها هي بعينها سبب عدم الإنتاج في الضرورية، إذ كان لا فرق بينهما إلا زيادة الاضطرار فقط. ولذلك كانت الأصناف المنتجة من المطلقة وغير المنتجة على عدد المنتجة وغير المنتجة من الضرورية. وإنما الفرق بينهما في أن المطلقة تقال على ما كان موجودا بالفعل من غير أن يشترط في ذلك وجود ضرورة- أعني في جميع الزمان. وذلك أن المطلقة هي التي توجب أن يوجد المحمول فيها في كل الموضوع مادام الموضوع موصوفا بصفة من الصفات التي يمكن أن تفارقه. والضرورية هي التي يوجد فيها في كل الموضوع من جهة ما الموضوع موصوفا بصفة لا تفارقه. فمثال المطلقة الأولى قولنا كل ماش متحرك ومثال الضرورية كل إنسان ناطق. وليست المطلقة ما يحكى عن الإسكندر ولا ما حكى عن ثاوفرسطس، وقد بينا ذلك في مقالة أفردناها لذلك، وأن الضرورية تقال على ما كان موجودا بالفعل ومشترطا فيه هذه الزيادة.
стр. 17
وجهة البيان فيما يأتلف من المنتج في الشكل من الاضطرارية هو بعينه جهة البيان فيما يأتلف من المطلقة. وذلك أنه لا فرق بين المقول على الكل أو المقول ولا على شيء، وهو الشرط الذي به يكون القياس في الشكل الأول منتجا في المادة المطلقة أو الضرورية. وذلك أن معنى المقول على الكل فيهما إنما هو أن تكون اَ مقولة بإيجاب أو سلب على كل ما هو بالفعل بَ سواء كان ما هو بالفعل موجودا بزيادة شرط الضرورة أو بغير زيادة ذلك. وأما شرط المقول على الكل المستعمل في المادة الممكنة فمخالف لشرط المقول على الكل المستعمل في هاتين المادتين. وهذا هو الذي هو ظاهر كلام أرسطو، وهو الحق في نفسه على ما سيبين بعد. وكذلك جهة البيان فيما يأتلف من المنتج في الشكل الثاني والثالث من المقدمات الاضطرارية هي بعينها جهة البيان فيما يأتلف من ذلك في الشكل الثاني والثالث من المقدمات المطلقة، وذلك فيما كان منها يتبين برجوعه الى الشكل الأول بعكس إحدى مقدمتيه. وذلك أن وجود العكس في المقدمات المطلقة والضرورية هو واحد وكذلك ما كان منها يتبين بالفرض.
وأما ما كان منها يبين بالخلف، وهي متى كانت المقدمة الكلية موجبة والجزئية سالبة، فليس الأمر فيه واحدا. وذلك أن القياس الذي يؤدي إلى الاستحالة يكون مؤلفا من إحدى مقدمتي القياس ومن نقيض النتيجة في الجهة والسلب. فيكون مختلطا من مقدمة ضرورية ومطلقة أو ممكنة. ولم يتبين بعد جهة النتيجة اللازمة عن هذا التأليف. ولكن الذي تبين بالخلف هناك يبين هاهنا بالافتراض بأن نفرض البعض المسلوب عنه شيئا مشارا إليه ويكون المحمول مسلوبا عن جميعه، فيرجع إلى الصنف الذي يكون في ذلك الشكل من كليتين إحداهما موجبة والثانية سالبة.
القول في المقاييس المختلطة من الضرورية والوجودية
стр. 18
والمقاييس المنتجة في هذه المختلطة هي بعينها المقاييس المنتجة في غير المختلطة إلا أنها ضعفها، وذلك أن الصنف الواحد بعينه يكون صنفين. مثال ذلك أن الذي من كليتين مثلا في الشكل الأول يكون صنفين. أحدهما أن تكون الكبرى هي الضرورية والصغرى الوجودية. والصنف الثاني عكس هذا. فتكون المقاييس المنتجة في كل شكل هاهنا ضعف المنتجة في كل شكل من الضرورية. والشيء الذي به يتبين المنتج من غير المنتج هناك هو الذي به يتبين هاهنا- أعني في المختلطة. وإنما الذي بقى أن ننظر فيه هاهنا من أمر هذه المختلطة هو جهة نتائجها- أعني لأي جهة تكون تابعة من جهتي المقدمتين. وأرسطو يقول إنه إذا كانت المقدمة الكبرى في الشكل الأول ضرورية فإن النتيجة تكون ضرورية، وإن لم تكن ضرورية لم تكن النتيجة ضرورية. فليكن كل ما هو جَ فهو بَ بالفعل وكل ما هو بَ فهو اَ بالضرورة أو ليس اَ بالضرورة. فأقول إن هذين الصنفين من الشكل الأول ينتج أحدهما أن اَ بالضرورة في كل جَ والآخر ولا شيء من جَ بالضرورة هو اَ. برهان ذلك أن جَ هي جزء من بَ إذ كان من شرط الشكل الأول أن تكون الصغرى فيه موجبة ومن شرط هذا الاختلاط أن تكون جَ جزءا من بَ بالفعل وبَ كلا لجَ بالفعل لا بالإمكان كالحال في المقاييس الممكنة. وإذا حمل شيء على الكل فهو يحمل على الجزء ضرورة بالجهة التي بها حمل على الكل. وذلك بين بنفسه، فإن الجزء منطو في الكل وداخل تحته. وأما إن كانت الكبرى ليست الضرورية لكن كانت الضرورية الصغرى فإنه ليس تكون النتيجة ضرورية. مثال ذلك قولنا كل جَ فهو بَ باضطرار وكل بَ فهو اَ بالفعل أولا شيء من بَ اَ بالفعل. فأقول إنه ليس ينتج في هذا التأليف أن كل جَ فهو اَ باضطرار أو ليس اَ باضطرار. برهان ذلك أنه إن كان ذلك ممكنا فلنضع أن كل جَ هو اَ باضطرار، وقد فرضنا أن كل جَ هو بَ باضطرار، فينتج لنا في الشكل الأول والثالث أن بعض بَ هو اَ باضطرار. وقد وضعنا أن كل بَ هو اَ باضطرار، هذا خلف لا يمكن. وبمثل هذا تبين إذا وضعنا المقدمة الكبرى سالبة ليست بضرورية. وقد يبين أيضا ذلك من أن جَ هي جزء من بَ. فإذا كانت اَ محمولة على كل ما هو جزء لبَ- التي هي الكل. بغير ضرورة- فهي محمولة على جَ بغير ضرورة، إذ كانت جزءا من بَ وهو أيضا بين من الحدود أن النتيجة ليست ضرورية. مثال ذلك أن نضع عوض اَ متحركا وعوض بَ حيا وعوض جَ إنسانا، فنقول كل إنسان حي باضطرار وكل حي متحرك لا بالضرورة فتكون النتيجة كل إنسان متحرك لا بالضرورة، إلا أن الحدود إنما تعطى أنها ليست تنتج ضرورية دائما لا أنها ليست تنتج ضرورية أصلا كما يعطى ذلك قياس الخلف ومعنى المقول على الكل.
وأما المقاييس الجزئية في هذا الشكل- أعني التي تنتج نتائج جزئية- فإنه إذا كانت المقدمة الكلية اضطرارية وهي الكبرى فالنتيجة اضطرارية. وإن كانت الجزئية وهي الصغرى اضطرارية والكبرى ليست باضطرارية، فليست النتيجة اضطرارية موجبة كانت الكبرى أو سالبة، والبرهان على ذلك هو البرهان على المقاييس الكلية- أعني من جهة المقول على الكل، ومن جهة الخلف، ومن جهة المواد- وذلك إذا وضعنا بدل اَ متحركا وبدل بَ حيا وبدل جَ أبيض، فيأتلف القياس هكذا: بعض الأبيض حي بالضرورة وكل حي متحرك لا بالضرورة فينتج بعض الأبيض متحرك لا بالضرورة.
стр. 19
فأرسطو بين من أمره أنه لا يرى في هذا الصنف أن جهة النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى. إن كانت المقدمة الكبرى مطلقة فالنتيجة مطلقة، وإن كانت ضرورية فالنتيجة ضرورية. وثاوفرسطس وأوديموس من قدماء المشائين وثامسطيوس من متأخريهم ومن تبعهم يرون أن جهة النتيجة تابعة لأخس الجهتين- أعني أنها توجد أبدا في مثال هذا التأليف تابعة للمقدمة المطلقة، فإن الوجود المطلق أخس من الوجود الضروري. ومن أقوى ما يتمسكون به في ذلك أنهم يرون أن كل شيء كان فيه شيء يجري مجرى الجزء والكل فإنه متى حمل شيء حملا ما على الكل فيجب أن يحمل على الجزء بتلك الجهة بعينها، ومتى حمل أيضا الجزء على شيء ما حملا بجهة ما فيجب أن يحمل الكل على ذلك الشيء بتلك الجهة بعينها. ولما كان كل قياس فيه شيء يجري مجرى الكل ومجرى الجزء فمتى كانت إحدى المقدمتين مطلقة والأخرى ضرورية، فلا يخلو ذلك من أن تكون الضرورية هي الصغرى والمطلقة هي الكبرى أو الضرورية هي الكبرى والمطلقة هي الصغرى. قالوا: فإن كانت الضرورية هي الصغرى، ففيها شيء يجري مجرى الكل وفيها شيء يجري مجرى الجزء. أما الذي يجري مجرى الكل فالحد الأوسط، وأما الذي يجري مجرى الجزء فالحد الأصغر. فيجب متى حمل شيء بجهة ما على الكل الذي هو الحد الأوسط أن تكون بتلك الجهة بعينها تحمل على الجزء الذي هو الطرف الأصغر. ومتى كانت الضرورية هي المقدمة الكبرى كان الكل والجزء موجودا فيها أيضا. أما الذي يجري مجرى الكل فالطرف الأكبر، وأما الذي يجري مجرى الجزء فالحد الأوسط. فيجب متى حمل الجزء الذي هو الحد الأوسط على الطرف الأصغرى بجهة ما أن تكون تلك الجهة بعينها هي جهة حمل الكل الذي هو الطرف الأكبر عليه. قالوا: فكيف ما كان يجب أن تكون جهة الحمل في النتيجة تابعة لجهة المقدمة المطلقة.
وهذا القول الاختلال فيه بين. وذلك أن اعتبار الكل والجزء في القياس من جهة ما هو قياس منتج في الشكل الأول بحسب المقول على الكل إنما هو في المقدمة الصغرى. ولذلك اشترط فيها أن تكون موجبة، واشترط في الكبرى أن تكون كلية ولم يشترط فيها أن تكون موجبة. وإذا كان ذلك كذلك فلا اعتبار بالكل والجزء الموجود في المقدمة الكبرى إن وجد، سواء كان ضروريا أو لم يكن، بل الواجب اعتبار الكل والجزء في الموضع الذي هو شرط في وجود القياس، وهو الكل والجزء الموجود في المقدمة الصغرى. وإذا كان ذلك كذلك فتكون جهة النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى على ما يراه أرسطو. ولو سلمنا لهم أن الجزء والكل يعتبر في كل واحدة من المقدمتين، لم يكن لنا أن نجعل في موضع الاعتبار بالجزء والكل الذي يكون في المقدمة الصغرى وفي موضع الاعتبار بالجزء والكل الموجود في الكبرى حتى يتحكم على القياس هذا التحكم. وأيضا فمتى اعتبرنا الجزء والكل في المقدمة الكبرى ولم نعتبره في الصغرى، لم يكن قياس إلا بالعرض لأنه ليس يجب أن يكون الطرف الأصغر منطويا في الحمل تحت المقدمة الكبرى، وذلك بين بنفسه.
وأما ما يحتجون به من أنه يجب أن تكون جهة النتيجة تابعة لأخس جهتي المقدمتين كالحال في الإيجاب والسلب- أعني أنه متى كانت إحدى المقدمتين موجة والأخرى سالبة أن النتيجة تتبع السالبة التي هي أخس- فإن هذا قياس شبهي. وذلك أن النتيجة ليس تتبع المقدمة السالبة دون الموجبة من جهة أن السالبة أخس من الموجبة، بل من جهة ما هي سالبة. والمطلقة وإن كانت أخس فهي موجبة لا سالبة. واختلال هذا القول ظاهر بنفسه.
стр. 20
وأما ما يحتجون به أيضا من أنه قد يوجد في بعض المواد ما ينتج المطلق، وهو مؤلف من مطلقة صغرى وضرورية كبرى- مثال ذلك قولنا كل إنسان يمشي أي بالفعل وكل ماش متحرك باضطرار فكل إنسان متحرك لا باضطرار- فإن وجه التغليظ في ذلك أن الماشي ليس هو متحرك باضطرار من جهة ما هو إنسان، وإنما هو متحرك من جهة ما هو ماش فإذا اشترط هذا الشرط المأخوذ في المقدمة الكبرى في النتيجة كانت ضرورية- وهو أن كل إنسان متحرك باضطرار من جهة ما هو ماش. وليس ينبغي أن يجاب في هذا بأن يقال إنما عرض في هذا التأليف أن تكون النتيجة مطلقة والكبرى ضرورية من أجل أن هذه المقدمة الضرورية ليس يوجد فيها شرط المقول على الكل الذي استعمله أرسطو على العموم في هذا الكتاب- وهو أن تكون اَ محمولة بالضرورة على كل ما يوصف ببَ بإيجاب، كان موصوفا ببَ بالفعل أو بالضرورة أو بإمكان- فإنه لا فائدة في هذا الاشتراط إذا لم يكن صادقا في جميع المواد، وإنما ينبغي أن يشترط الشيء الصادق في جميع المواد. ونحن إذا استقرينا المواد ظهر لنا أن قولنا كل ما هو بَ هو اَ بالضرورة أو هو اَ بإطلاق أن في بعض المواد معناه كل ما هو بَ بالفعل فهو اَ باضطرار- مثل قولنا كل ماش متحرك باضطرار- وفي بعض المواد معناه كل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل فهو اَ باضطرار- مثل قولنا كل متحرك هو جسم. وكذلك الأمر في القضية المطلقة. وإذا كان الأمر هكذا فإذن المقول على الكل الصادق في كل مادة في المقدمة الضرورية والمطلقة هو أن تكون اَ موجودة بالضرورة وبإطلاق على كل ما هو بالفعل بَ إذ كان في بعض المواد يصدق على كل ما هو بالقوة والفعل بَ وفي بعضها على ما هو بالفعل فقط، لأن اَ إذا صدقت على كل ما هو بالقوة بَ فهي تصدق على ما هو بالفعل، وليس ينعكس هذا- أعني أنه ليس إذا صدقت على كل ما بالفعل بَ فهي تصدق على كل ما هو بالقوة بَ. ولهذا ما يجب أن يكون شرط المقول على الكل في الضرورية والمطلقة أن يكون الطرف الأكبر محمولا على كل ما هو الحد الأوسط بالفعل- أعني على ما يحمل عليه الحد الأوسط بالفعل لا بالإمكان. ولذلك متى كانت المقدمة الصغرى ممكنة والكبرى ضرورية أو مطلقة، لم يكن القياس منتجا بحسب المقول على الكل في كل مادة على ما صرح به أرسطو بعد لأنه إنما يكون منتجا بحسب المقول على الكل في بعض المواد- وهي التي يصدق فيها أن اَ بإطلاق أو بالضرورة على كل ما هو بَ بالفعل أو بالقوة. وما يكون من قبل المواد فغير معتبر هاهنا. فتأمل هذا، فإن أبا نصر قد وهم على أرسطو فيه. وأما المقدمة الممكنة الكبرى فإنه يوجد فيها في جميع المواد الشرط الذي ظن به أبو نصر أنه شرط أرسطو في المقول على الكل في جميع أصناف المقدمات. وذلك أن قولنا كل ما هو بَ فهو اَ بإمكان يصدق على ما كان بالقوة أو بالفعل بَ. ولذلك متى كانت الكبرى ممكنة، كانت النتيجة ممكنة في أي ضرب كان من الاختلاط على ما سيبين بعد. فليس إذن شرط المقول على الكل في جميع المقدمات الثلاث- أعني المطلقة والضرورية والممكنة- هو واحد على ما ظنه أبو نصر من أن يكون المحمول بإطلاق أو بالضرورة أو بإمكان على كل ما هو بَ بأي واحد كان من هذه الأصناف الثلاثة- أعني بإمكان أو باضطرار أو بالفعل. ولا هو أيضا ما ذكره عن الإسكندر من أن شرط المقول على الكل المستعمل في هذا الكتاب هو أن تكون اَ محمولة باضطرار أو بإمكان أو بالفعل على كل ما هو بالفعل بَ فقط. فإنه لو كان الأمر هكذا لم تنتج التي من ممكنتين بحسب المقول على الكل. وهذا واضح فتدبره.
والاستقراء شاهد لمذهب أرسطو، فإنه لا فائدة في شرط لا يطابق المواد- على ما ذهب إليه أبو نصر- ولا في شرط لا يعم جميع أصناف المقدمات- على ما ذهب إليه الإسكندر. وبهذا تنحل الحيرة التي عرضت للناس في مذهب أرسطو في اختلاط الممكن مع الوجودي والضروري على ما سيبين من قولنا إذا وصلنا إلى ذلك الموضع أن شاء الله. فقد تبين أن الحكم في اختلاف الضرورية مع المطلقة للمقدمة الكبرى في الشكل الأول.
القول في اختلاط المطلقة والضرورية في الشكل الثاني
стр. 21
وأما الشكل الثاني فإنه متى كانت المقدمة السالبة فيه هي الضرورية فإن النتيجة ضرورية، وإن كانت الموجبة اضطرارية فليست النتيجة اضطرارية فلتكن أولا السالبة الكلية اضطرارية والموجبة الكلية الصغرى مطلقة. مثال ذلك قولنا كل جَ هو بالفعل بَ ولا شيء من اَ هو بَ بالضرورة. فلأن السالبة تنعكس يرجع هذا الضرب الى الصنف من الشكل الأول الذي كبراه سالبة ضرورية وصغراه مطلقة، فالنتيجة لا محالة ضرورية، على ما تبين. وكذلك يعرض هذا بعينه إن صيرت السالبة الكلية الاضطرارية صغرى والمطلقة كبرى، لأنه ينعكس قولنا ولا شيء من جَ هو بَ فيصير معنا ولا شيء من بَ هو جَ بالضرورة وكل اَ هو بَ بإطلاق فينتج في الشكل الأول ولا شيء من اَ هو جَ بالضرورة، على ما تبين قبل. فإذا انعكست هذه النتيجة حصل المطلوب.
فإن كانت المقدمة الموجبة هي الاضطرارية وكانت السالبة هي المطلقة أنتجت مطلقة، لأن السالبة المطلقة هي التي تكون إذا انعكست كبرى في الشكل الأول. وقد تبين أنه إذا كانت الكبرى في الشكل الأول غير ضرورية أن النتيجة تكون غير ضرورية بل مطلقة. وقد يبين بطريق الخلف أن النتيجة ليست ضرورية بل مطلقة متى كانت الموجبة هي الضرورية. وذلك أنه إن وضع أن نتيجة هذا القياس هي ولا شيء من جَ هو اَ بالضرورة وقد كان معنا في مقدمات هذا القياس أن كل جَ هو بَ بالضرورة، فإذا عكسنا الموجبة الكلية كان معنا بعض بَ هو جَ ولا شيء من جَ هو اَ بالضرورة، فالنتيجة على ما تبين في الشكل الأول أن بعض بَ ليس هو اَ بالضرورة، وقد كان معنا أن اَ ليس هو بَ بإطلاق، فإذن عكسها صادق أيضا- وهو أن بَ ليس هو اَ بإطلاق. وإذا كانت بَ ليست هي اَ بإطلاق، فقد يمكن أن يكون كل بَ هو اَ بإطلاق، لأن المطلق من طبيعة الممكن وقد كانت النتيجة أن بعض بَ ليست اَ بالضرورة، هذا خلف لا يمكن. وبهذا البيان بعينه يبين ذلك متى كانت الاضطرارية الموجبة هي الكبرى والسالبة المطلقة الصغرى وهو الذي ينتج بعكسين. وكذلك تبين أيضا من الحدود أن النتيجة في هذين الصفين ليست اضطرارية. فليكن بدل اَ أبيض وبدل بَ حي وبدل جَ إنسان فيأتلف القياس هكذا: كل إنسان بالضرورة حي ولا أبيض واحد بالفعل حي. فينتج ولا إنسان واحد أبيض. وذلك ليس بضروري، لأنه قد يمكن الإنسان أن يكون أبيض وأن لا يكون.
وكذلك توجد جهة النتيجة في القياسين الجزئيين من هذا الشكل تابعة لجهة المقدمة السالبة. وبيان ذلك بهذه الطريق بعينها- أعني بالعكس وبالخلف في الموضع الذي استعمل فيه الخلف في القياسين الكليين من هذا الشكل- وبتلك الحدود بأعيانها.
تأليف الوجودي والاضطراري في الشكل الثالث
وأما الشكل الثالث فإن جهة النتيجة تكون فيه أبدا تابعة لجهة المقدمة التي لا تنعكس، لأن تلك المقدمة هي بالقوة المقدمة الكبرى في الشكل الأول. وقد تبين أن جهة النتيجة في الشكل الأول تابعة للمقدمة الكبرى، بخلاف ما عليه الأمر في الشكل الثاني- أعني أن جهة النتيجة فيه تابعة لجهة المقدمة المنعكسة إذ كانت المنعكسة في هذا الشكل هي الكبرى في الشكل الأول بالقوة. وذلك أن الصغرى في الشكل الثاني هي بعينها كما هي في الشكل الأول والكبرى هي التي تنعكس فيه. والكبرى في الشكل الثالث هي بعينها كما هي في الشكل الأول، والصغرى هي التي تنعكس فيه، وهذا القانون مطرد فيما يبين منها إنتاجه بالعكس وما يبين بالافتراض، فإن الأصناف التي تتبين بالافتراض أيضا قوتها قوة الأصناف التي تتبين بالعكس.
فإذا أصبحت لنا هذه الجملة فإنه متى كانت المقدمتان في هذا الشكل- كما يقول أرسطو- وكلية موجبة فأيها كانت ضرورية، فإن النتيجة تكون ضرورية، وذلك بتعمد عكسنا المطلقة الكلية جزئية، فيصير في الشكل الأول ما كبراه كلية ضرورية وصغراه مطلقة جزئية، ينتج نتيجة جزئية ضرورية على ما تبين فإن كانت التي عكسنا هي الصغرى من هذا الشكل- وذلك إذا كانت الضرورية هي الكبرى منه- فالأمر في ذلك بين- أعني أنه ينتج من غير عكسنا للنتيجة. وإن عكسنا الكبرى لكونها مطلقة، فكانت الكلية الضرورية في هذا الشكل هي الصغرى. يبين ذلك بعكسين- عكس المقدمة وعكس النتيجة، على ما تبين.
стр. 22
وإن كانت إحدى الكليتين موجبة والأخرى سالبة فجهة النتيجة تابعة ضرورة لجهة السالبة، لأن العكس إنما يكون في الموجبة فتصير السالبة كبرى في الشكل الأول، فإن كانت ضرورية كانت النتيجة ضرورية على ما تبين وإن كانت مطلقة فمطلقة.
وإن كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل- أعني في المنتج منها- كلية والأخرى جزئية وكانتا موجبتين فإن النتيجة تابعة للكلية منهما لأنها التي لا تنعكس في هذا الشكل، لأنها إن انعكست كان القياس من جزئيتين وقد تبين أنه غير منتج. وإذا لم تنعكس فهي التي تكون كبرى في الشكل الأول. وإن كانت إحداهما موجبة والأخرى سالبة فإن جهة النتيجة تابعة لجهة السالبة، لأن السالبة إن كانت في هذا الشكل هي الكلية فهي الكبرى في الشكل الأول، إذ كانت الصغرى لا يمكن أن تكون في الشكل الأول سالبة. وإن كانت الجزئية فقوتها عند البيان بالافتراض قوة السالبة الكلية، على ما تبين من الافتراض.
القول في المقاييس التي تأتلف من المقدمات الممكنة
قال: وينبغي الآن أن يقال متى يكون القياس من مقدمات ممكنة وكيف يكون وبماذا يكون. والممكن بالجملة هو الذي ليس بالضروري ومتى وضع موجودا لم يعرض من ذلك محال. ونعني بالذي هاهنا ما يشتمل الشيء الموجود بالفعل والمعدوم، وبالضروري جميع أصناف ما يقال عليه الضروري- أعني الضروري المطلق والضروري بالإضافة إلى وقت ما إما في الماضي وإما في الحاضر وإما في المستقبل، الموجب من كل هذه والسالب- لا ما يقال عليه الضروري باشتراك الاسم، وهو الممكن الذي قصدنا حده هاهنا.
فأما أن هذا هو حد الممكن فذلك يظهر من أنه ليس يمكن أن يصدق المتناقضان معا، لأن القول بأن الشيء لا يمكن أن يكون ومحال أن يكون وباضطرار أن لا يكون يناقضه قولنا يمكن أن يكون وليس بمحال أن يكون ولا باضطرار أن لا يكون. وذلك أن هذه يلزم بعضها بعضا-أعني أنه يلزم قولنا لا يمكن أن يكون قولنا محال أن يكون وقولنا باضطرار أن لا يكون، كما يلزم قولنا ممكن أن يكون قولنا ليس بمحال أن يكون ولا ضروري أن لا يكون. وإذا كان ذلك كذلك وكان كل واحد من الأشياء واجبا إما أن تصدق عليه السالبة أو الموجبة، فإذن قولنا ممكن أن يكون واجب أن يصدق عليه قولنا ليس بالضرورة أن لا يكون إذ كان يكذب عليه قولنا بالضرورة لا يكون. ولذلك ينعكس هذا حتى نقول كل ممكن فليس بضروري أن يكون وأن لا يكون وما ليس بضروري أن يكون وأن لا يكون فهو ممكن. ولذلك يشبه أن يكون جنس هذا الحد ما يدل عليه لفظ الذي- وهو الشيء الذي يشمل الموجود والمعدوم كما قلنا- وفصله قولنا ليس بضروري إذ كان بقي الدائم الوجود والدائم العدم. ويكون ما زيد فيه من أنه إذا وضع موجودا لم يلزم عنه محال خاصة من خواص الممكن لا فصلا من فصوله. وهذا هو مذهب أبي نصر في هذا الحد. ويحتمل أن يكون هذا القول هو الفصل الأخير في الحد ويكون المفهوم من قولنا ما ليس بضروري أي ليس وجوده في المستقبل بالضرورة، مثل كسوف القمر. ولأن قولنا ليس وجوده بالضرورة يصدق على الممتنع زيد فيه ومتى أنزل موجودا لم يعرض عنه محال. فيكون على هذا جنس الممكن هو المعدوم، والفصل الذي يخصه هو إذا وضع موجودا لم يلزم عنه محال. وهذا هو مذهب جل المفسرين من المشائيين.
стр. 23
ومما يخص المقدمات الممكنة أن الموجبة منها تلزم السالبة، والسالبة تلزم الموجبة- أعني السالبة الممكنة لا سالبة الممكن، وهي التي توجب الإمكان وتسلب الوجود لا التي تسلب الإمكان، لأن تلك هي المناقضة للمكنة على ما تبين في بارى ارميناس وذلك أنه يلزم قولنا ممكن أن يكون قولنا ممكن أن لا يكون، إذ كانت هذه هي طبيعة الممكن- أعني أنه يتهيأ أن يوجد الشيء وأن لا يوجد. وهذا اللزوم موجود في جميع أصناف المتقابلة الموجودة في هذه المادة. وذلك أنه يلزم قولنا ممكن أن يكون في كل الشيء ممكن أن لا يكون في شيء منه، وقولنا ممكن أن يكون في كله قولنا ممكن أن لا يكون في بعضه، وعكس هذين. والبرهان على ذلك هو أن الممكن هو ما ليس بضروري الوجود، وما ليس بضروري الوجود فيمكن أن لا يوجد. فإذن ما يمكن أن يوجد يمكن أن لا يوجد، وما يمكن أن لا يوجد يمكن أن يوجد إذ كان ليس بضروري أن لا يوجد. وهذه المقدمات التي تعدها هنا سوالب هي في الحقيقة موجبات معدولة على ما تبين في بارى أرميناس، إذ كان حرف لا لا يقرن فيها بالجهة وإنما يقرن بالكلمة الوجودية، وذلك مثل ما يقرن بالموضوع في القضايا التي ليست بذات جهة.
والممكن يقال على ثلاثة أضرب. أحدها الممكن على الأكثر- مثل أن يشيب الإنسان في سن الشيخوخة وينمى في سن الشباب. والثاني الممكن على الأقل، وهو الذي يقابل الممكن على الأكثر- مثل أن لا يشيب الإنسان في سن الاكتهال، ولا ينمى في سن الشباب. والثالث الممكن على التساوي، وهو الذي يمكن أن يكون وأن لا يكون على التساوي- مثل تمزق هذا الثوب أو لا تمزقه. فأما الممكن الذي على التساوي فإنه يلزم الموجبة منه السالبة، والسالبة منه الموجبة على التساوي. وأما الذي على الأكثر فإنه يلزم الموجبة منه السالبة والسالبة منه الموجبة على الأقل. وأما الذي على الأقل فإنه يلزم الموجبة منه السالبة والسالبة منه الموجبة على الأكثر. وذلك أنه إن كان يمكن أن يشيب الإنسان على الأكثر في سن الاكتهال فيمكن أن يشيب على الأقل. والممكن الذي على الأقل وعلى التساوي فليس تستعمله صناعة البرهان، وقد تستعمله صنائع كثيرة- مثل الخطابة- فأنها قد تستعمل الممكن على التساوي. وأما الزجر والتكهن فإنها قد تستعمل الذي على الأقل.
والغرض هاهنا إنما هو القول في تعريف متى يكون قياس ومتى لا يكون من المقدمات الممكنة بإطلاق- أي من جهة ما هي ممكنة سواء كانت في الأكثر أو في الذي على التساوي أو في الأقل، إذ كان هذا الكتاب إنما ينظر فيه في صورة القياس، لا في مادته. وإذ قد تقرر هذا فلنقل في المقاييس التي تأتلف من المقدمات الممكنة في الشكل الأول ، ولنبدأ من هذه أولا بالصرفة ثم بالمختلطة.
القول في المقاييس التي تأتلف من المقدمات الممكنة الصرفة
في الشكل الأول
فنقول: إن عدد المقاييس الكاملة المنتجة في هذه المادة هي بأعيانها عدد المقاييس المنتجة في المادة المطلقة والضرورية. وذلك أنه إن كان كل ما هو جَ فهو بَ بإمكان وكل ما هو بَ فهو اَ بإمكان، فواجب أن يكون كل جَ هو اَ بإمكان. وذلك بين أيضا من معنى المقول على الكل أو المسلوب عن الكل، وذلك أن معنى قولنا كل بَ اَ بإمكان- أي كل ما يوصف ببَ بإمكان أو بالفعل، أي كل ما هو بَ بالفعل أو بالقوة فإنه اَ بإمكان، أي فإن اَ محمولة عليه بإمكان. فإذا وضعنا أن جَ موصوفة ببَ بإمكان، فيجب أن تكون جَ هي اَ بإمكان. وكذلك إن كانت المقدمة الكبرى كلية سالبة والصغرى موجبة كلية- مثل قولنا كل جَ هو بَ بإمكان ولا شيء من بَ هو اَ بإمكان فإنه يجب أيضا من جهة أن جَ جزء بإمكان لبَ أن تكون اَ مسلوبة عن كل جَ بإمكان.
стр. 24
وأما إذا كانت الموجبة من المقدمتين الكليتين الكبرى والسالبة الصغرى فإنه لا يكون قياس، إذ كان لا يوجد فيها شرط المقول على الكل- وهو أن يكون الطرف الأصغر متصفا بالأوسط، أعني متصفا الأوسط وصف إيجاب على ما قيل. وأما جهة لزوم المقدمة الموجبة في هذه المادة عن السالبة فقد يكون قياس إلا أنه غير تام، إذ كان تبين بشيء زائد على المقول على الكل- وهو الذي يسميه أرسطو في هذه المادة عكسا. وذلك أنه إذا وضعنا بدل المقدمة السالبة اللازم عنها- وهي الموجبة- كان واجبا أن يكون من ذلك الصنف الأول في هذا الشكل- وهو الذي يكون من موجبتين كليتين. وأكثر ما ينتفع بمثل هذا القياس إذا كانت السالبة الكلية أقلية، فإنها تنعكس إلى الأكثرية وهي المستعملة أكثر ذلك. وكذلك إذا كانت المقدمتان الكليتان في هذا الشكل سالبتين فلن يكون قياس تام، إذ كان ليس يوجد فيها معنى المقول على الكل. وقد يكون قياس غير تام إذا عكسنا السالبتين إلى الموجبتين اللازمتين لها، أو عكسنا السالبة الصغرى إلى الموجبة اللازمة لها. وأكثر ما ينتفع بهذا العكس إذا كانت السوب أقلية، فإن أمثال هذه المقاييس هي نافعة في الجدول وهي حيلة جيدة في تلك الصناعة. وذلك أن السائل قد يقصد أن يتسلم مقدمات موجبة أكثرية لينتج منها موجبة أكثرية، فيخاف إن هو صرح بالسؤال عن المقدمات التي تنتج له تلك النتيجة أن لا يسلمها له المجيب فيسأل عن سوالبها الأقلية فلا يشعر المجيب بما يلزم عن ذلك فيسلمها.
وأما إذا كانت إحدى المقدمتين في هذه المادة كلية والثانية جزئية وكانت الكلية هي الكبرى والصغرى هي الجزئية، فإنه إذا كانت الصغرى موجبة يكون قياس تام كانت الكلية الكبرى سالبة أو موجبة، وذلك بين من معنى المقول على الكل. وأما إذا كانت الصغرى سالبة فإنه لا يكون قياس تام، لكي يكون غير تام إذا عكست الصغرى إلى الموجبة اللازمة عنها.
وأما إذا كانت المقدمة الكبرى جزئية والصغرى كلية، فإنه لا يكون قياس بتة لا تام ولا غير تام موجبتين كانتا معا أو سالبتين أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة. وذلك أنه لا يوجد فيها معنى المقول على الكل لا بانعكاس ولا من نفس المقدمات. وذلك أنه إذا قلنا كل جَ هو بَ وبعض بَ هو اَ، لم يمتنع أن تكون جَ داخلة تحت البعض الذي تفضل به بَ على اَ- أعني الذي يسلب عن اَ سلبا ضروريا. فلا يلزم لذلك أن يكون كل جَ هو اَ ولا أن لا يكون في شيء منها بإمكان لأنه إذا لم يكن كل جَ اَ بإمكان فليس يصدق كل جَ هو اَ بإمكان. وكذلك إذا لم يصدق أيضا أن يكون بعض جَ هو اَ بإمكان، فلن يصدق أيضا أن بعض جَ ليس هو بإمكان. وقد يتبين في جميع هذه الأصناف أنها غير منتجة جزئيتين كانتا معا أو الكبرى جزئية والصغرى كلية من الحدود، لأنها تنتج الموجب تارة والسالب تارة- أعني السالب الضروري والموجب الضروري. فالحدود التي تنتج الموجب مثل الإنسان والأبيض والحي، ذلك أن بعض الإنسان أبيض بإمكان وبعض الأبيض حي بإمكان وبعض الناس- وهي النتيجة- حي بالضرورة. والتي تنتج السالب الثوب الأبيض والحي، وذلك أن بعض الثياب أبيض بإمكان وبعض الأبيض حي بإمكان ولا ثوب واحد حي، وهي النتيجة. وكذلك يعرض متى أخذنا الصغرى كلية- مثل أن نقول كل إنسان ممكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض ممكن أن يكون حيا فكل إنسان حي، وكل ثوب ممكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض حي بإمكان ولا ثوب واحد حي، وهي النتيجة. وكون الحدود المأخوذة في هذا التأليف ينتج مرة موجبة ضرورية ومرة سالبة ضرورية يدل على أن هذا التأليف ليس بقياس أصلا لنتيجة من النتائج أي مادة كانت- أعني مطلقة فرضت أو ضرورية أو مكنة. وذلك أن بإنتاجه السالب الضروري تارة والموجب الضروري تارة يدل على أنه ليس ينتج نتيجة واحدة ضرورية وبكونه ينتج الضروري يدل على أنه ليس ينتج لا نتيجة مطلقة ولا ممكنة، لأن المطلقة والممكنة ليست بضرورية.
стр. 25
فتكون المقاييس المنتجة في هذا الشكل في هذه المادة ثمانية أصناف إذا لم تعد المهملة غير الجزئية، أربعة تامة- وهي التي تنتج في المواد الأخر- وأربعة غير تامة- وهي الخاصة بهذه المادة. وما يقوله ثامسطيوس في أن هذه الأربعة الغير تامة لا غناء لها أصلا لأنه إن كانت السوالب التي وضعت أولا أكثرية انعكست إلى الأقلية وتلك لا تستعمل في صناعة أصلا وإن كانت أقلية فتلك مقدمات غير مسئول عنها في صناعة في صناعة من الصنائع التي تضع المقدمات بالسؤال ولا موضوعة أيضا ابتداء في الصنائع التي لا تستعمل السؤال، فهو قول باطل لأنا قد بينا الوجه الذي به تستعمل وينتفع بها في صناعة الجدل. هذا إن سلمنا أن المقدمات الأقلية لا تستعملها صناعة. فإنه يشبه أن يكون الذي يفحص عن هذه الطبيعة يحتاج إلى استعمالها، وذلك هو صاحب العلم الإلهي.
تأليف الممكن والوجودي في الشكل الأول
ونقول أنه إذا كانت إحدى المقدمتين مطلقة والثانية ممكنة فإن كانت المقدمة الكبرى هي الممكنة والصغرى هي المطلقة، فإن أصناف المقاييس التي توجد في هذا التركيب تكون تامة- أي بينة الإنتاج بحسب المقول على الكل- وهي أربعة أصناف- أعني التي تنتج الموجب الكلي والسالب الكلي والجزئي السالب والجزئي الموجب- وتكون نتائجه ممكنة حقيقية. وأما إذا كانت الكبرى هي المطلقة والصغرى هي الممكنة فإن المقاييس المنتجة في هذا النوع من الاختلاط تكون في هذا الشكل غير تامة. وتكون النتيجة الموجبة منها ممكنة كانت كلية أو جزئية، والسالبة إما ممكنة وإما ضرورية جزئية أو كانت كلية.
стр. 26
فلتكن أولا الكبرى هي الممكنة والصغرى هي المطلقة ولتكونا كليتين، فأقول أنها تنتج نتيجة ممكنة. مثال ذلك أن يكون كل جَ هو بَ بالفعل وكل ما هو بَ فهو اَ بإمكان هذا ينتج أن كل جَ هو اَ بإمكان. وذلك أن معنى قولنا كل ما هو بَ فهو اَ بإمكان أي كل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل فهو اَ بإمكان، وذلك أن هذا هو شرط المقول على الكل المأخوذ في المقدمة الكبرى الممكنة بخلاف شرط المقول على الكل المأخوذ في الكبرى الوجودية أو الاضطرارية وذلك أنه متى قلنا إن كل بَ هو اَ بالفعل أو بالضرورة فهو بين أن في كثير من المواد إنما تصدق هذه المقدمات على كل ما هو بالفعل فقط- مثل قولنا كل إنسان يمشي وكل إنسان ناطق، فإن هاتين المقدمتين إنما تصدقان على ما هو إنسان بالفعل لا على ما هو إنسان بالقوة- وفي كثير منها يصدق على الأمرين جميعا- أعني على كل ما هو بالقوة وما هو بالفعل- وبخاصة الضرورية- مثل قولنا كل متحرك جسم، فإنه يصدق على المتحرك بالفعل والمتحرك بالقوة. فإذا كان الأمر كذلك فالعام في كل مادة في هاتين المقدمتين- أعني الضرورية والمطلقة- إنما هو أن يكون المحمول موجودا لما هو بالفعل الحد الأوسط- أعني أن تكون اَ موجودة بالضرورة أو بالفعل لكل ما هو بَ بالفعل. فإذن ليس في هذا التأليف مقول على الكل لأن المقول على الكل هو الذي يوجد دائما في كل مادة من التأليف الواحد بعينه، فقول أبي نصر إنه قد يوجد في هذا التأليف مقول على الكل لا معنى له. ولذلك ما يقول أرسطو في هذا الاختلاط أنه متى كانت الكبرى مطلقة والصغرى ممكنة إن القياسات تكون غير تامة، لأن الصغرى إذا كانت ممكنة والكبرى مطلقة أو ضرورية لم يتضمنها شرط المقول على الكل العام في كل مادة فوجب أن يتجنب ما ينتج بحسب بعض المواد كما يتجنب إنتاج الموجبتين في الشكل الثاني وإن كانت قد تنتج في بعض المواد. وأما المقدمة الممكنة الكبرى فالأمر فيها بخلاف ذلك- أعني أنه في كل مادة يصدق فيها أن اَ مقولة بإمكان على كل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل. وذلك أن قولنا كل ما هو إنسان فهو ممكن أن يمشي يصدق على ما هو إنسان بالقوة وإنسان بالفعل. وكذلك الأمر في سائر المواد. وهذا أمر ظاهر بنفسه من استقراء المواد. ولا أدري كيف خفي هذا على المفسرين، والأمر في ذلك في غاية البيان. وإذ تقرر هذا فنقول إنه متى كان وعلى قولنا أن كل بَ هو اَ بإمكان- أي أن كل ما هو بَ بالفعل أو بالقوة أن اَ محمولة عليه بإمكان- ثم وضعنا أن جَ هو بَ بالفعل، فظاهر أن اَ تكون مقولة على جَ بإمكان. وكذلك يبين الأمر متى كانت الكلية الممكنة الكبرى سالبة والصغرى المطلقة موجبة كلية أن النتيجة تكون سالبة ممكنة من معنى المقول على الكل بعينه المشترط في المقدمة الكبرى السالبة الممكنة. وذلك أن معنى قولنا أنه ولا شيء من بَ هو اَ بإمكان أي ولا شيء مما هو بَ بالقوة كان أو بالفعل هو اَ بإمكان- ثم نضع أن جَ هي بَ بالفعل، فيجب أن يكون جَ ليس شيئا من اَ بإمكان.
وأما إذا كانت الكبرى هي المطلقة والصغرى هي الممكنة، فإنه لا يكون قياس تام لأن شرط الحمل المطلق الصادق في كل مادة- كما قلنا- هو أن يكون على أشياء موجودة بالفعل لا بالقوة. فمتى وضعنا أن كل بَ هو اَ بالفعل- أي كل ما هو بَ بالفعل فهو اَ بالفعل- وأضفنا إلى ذلك أ، جَ هو بَ بالإمكان، فبين أن جَ ليست داخلة تحت شرط المقول على الكل وأن هذا النوع من المقاييس غير بين الإنتاج بنفسه- أني من المقدمات أنفسها- بل من شيء آخر ولكن هو مأخوذ من المقدمات الموضوعية فيه. وهذا هو شرط القياسات الغير كاملة.
стр. 27
فلذلك ما قال أرسطو في أصناف المقاييس التي تكون الكبرى فيها في هذا الاختلاط مطلقة والصغرى ممكنة إنها مقاييس غير تامة، ورام بيانها بالخلف. وهو يوطئ لبيان إنتاج هذه المقاييس الغير تامة أن الكذب المحال ليس يلزم عن الكذب الممكن. وهو أيضا يوطئ أولا لبيان هذا المعنى أنه متى كان شيئان يلزم وجود أحدهما عن الآخر- أي الثاني عن الأول، مثل لزوم النتيجة عن القياس، أعني أنه يجب ضرورة متى وجدت المقدمات أن توجد النتيجة- فإنه يلزم في ذلك الشيئين إذا وجد الأول منهما بالضرورة- الذي هو متبوع- فإن الثاني يوجد- الذي هو تابع بالضرورة. وإذا وجد الأول بإمكان فإن اللازم يوجد أيضا بإمكان- أعني بالإمكان العام، وهو الذي يقابل الممتنع. مثال ذلك أنه إذا فرضنا أنه متى كانت اَ موجودة فإن بَ تكون موجودة بالذات عن وجود اَ وتوهمنا بدل اَ مثلا القياس المنتج وبدل بَ النتيجة، فأقول أنه متى كان وجود اَ ضروريا كان وجود بَ ضروريا ومتى كان وجود اَ ممكنا كان وجود بَ ممكنا ومتى كانت اَ موجودة بإطلاق فإن بَ موجودة بإطلاق فلتكن بَ أولا ممكنة، فأقول أن بَ اللازم وجودها عن وجود اَ تكون ممكنة. برهان ذلك أنه إن كانت بَ غير ممكنة- وأعني هاهنا بغير ممكنة رفع جميع المعاني التي يدل عليها اسم الممكن وهو السالب الذي يصدق على الممتنع، وكان الممكن في وقت ما هو ممكن هو الذي يجوز أن يخرج الى الفعل، وغير الممكن هو الذي لا يجوز أن يخرج إلى الفعل- فإن اَ إذا فرضناها ممكنة وبَ غير ممكنة، فإنه قد يمكن أن توجد اَ وتخرج إلى الفعل من غير أن توجد بَ. وقد كنا وضعنا أنه إذا وجدت اَ وجدت بَ، فيجب أن تكون بَ موجودة وغير موجودة معا، هذا خلف لا يمكن. فإذن واجب متى كانت اَ ممكنة أن تكون بَ ممكنة- أعني أي نوع اتفق مما يقال عليه اسم الممكن.
وإذا تقرر هذا فأقول إنه ليس يلزم عن الكذب الممكن كذب مستحيل. ومثال ذلك إذا وضعنا وجود اَ كاذبا ممكنا- وهو الممكن الذي ينزل موجودا في الوقت الذي هو غير موجود- فأقول إن وجود بَ يكون كاذبا ممكنا، لا كاذبا ممتنعا- وهو الدائم الكذب. ومثال ذلك أن تكون مقدمات القياس أو إحداهما كاذبة ممكنة، فإنه ليس يمكن أن تكون النتيجة كاذبة مستحيلة. وذلك أن اَ إذا كانت كاذبة. فهي في وقت كذبها ممكنة حقيقية. وقد كنا فرضنا أن اَ إذا كانت ممكنة حقيقية أن بَ تكون ممكنة، والممكن ليس بكاذب مستحيل فتكون بَ ممكنة غير ممكنة معا، وذلك خلف لا يمكن. فإذن متى كانت إحدى مقدمات القياس أو كلتاهما كاذبة ممكنة فليس تكون النتيجة كاذبة مستحيلة، بل كاذبة ممكنة.
فإذا تقرر هذا فلنضع مقدمتين كليتين، كبراهما موجبة مطلقة، وصغراهما موجبة ممكنة- مثل أن تكون كل جَ هي بَ بإمكان وكل بَ هي اَ بالفعل، فأقول: إن هذا التأليف ينتج دائما أن جَ ممكنة أن تكون اَ. برهان ذلك أنه إن لم تكن كل جَ ممكنة أن تكون اَ فليكن نقيضها- وهو قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ- ومعنى أن كل جَ ممكنة أن تكون بَ. فإذا أنزلنا هذه المقدمة موجودة بالفعل- وهي أن كل جَ هي بَ بالفعل- كانت كذبا غير محال. فإذا أضفناها إلى اللازم عن قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ، أنتج لنا في الشكل الثالث أن بعض بَ بالضرورة ليست في اَ لأن قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ يصدق معه قولنا بعض جَ ليس اَ بالضرورة. فيكون معنا في الشكل الثالث مقدمتان إحداهما وجودية موجبة والثانية سالبة ضرورية جزئية، فهي تنتج ضرورة سالبة ضرورية جزئية على ما تقدم- وهو بعض بَ ليس اَ بالضرورة. لكن قد كان موضوعا لنا أن كل بَ هو اَ بالفعل وهو نقيض النتيجة، هذا خلف لا يمكن. فالكذب المحال إنما لزم ضرورة عن المقدمة التي أضفناها إلى المقدمة الكاذبة الممكنة- وهي قولنا ليس ممكن أن يكون كل جَ اَ باضطرار- إذ كان الكاذب الممكن لا يلزم عنه كاذب مستحيل على ما تبين. وما لزم عنه محال فهو محال. وإذا كذب قولنا فبعض جَ ليس اَ باضطرار اللازم عن قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ، فقولنا أنه ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ كاذب، وإذا كان هذا كاذبا فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا كل جَ ممكنة أن تكون اَ.
стр. 28
فقد تبين من هذا أن نتيجة هذا القياس هي ممكنة. وإنما يعرض لهذا التأليف أن يكون منتجا بهذه الجهة- أعني أن لا ينتج مرة الإيجاب الضروري ومرة السلب الضروري كالحال في المقاييس الغير منتجة متى أخذت المطلقة الحقيقية، وهي التي يصح فيها الحمل الكلي المطلق، أعني التي يشاهد بالحس وجود المحمول فيها لجميع الموضوع في جميع الزمان أو في أكثره. وهذه هي المقدمات التي تنشأ عن الاستقراء الذي يستوفي فيه جميع الجزئيات- مثل أن كل غراب أسود وكل ثلج أبيض. والفرق بينها وبين الضرورية أن هذه يخطر بالبال إمكان عدمها في الأقل من الزمان المستقبل، والضرورية لا يخطر ذلك فيها بالبال لأن الذهن يشعر فيها بالنسبة الذاتية التي بين المحمول والموضوع. ومن هذه المطلقة- كما يقول أرسطو- تعمل أكثر المقاييس. وأما المطلقة التي توجد في الأقل من الزمان- مثل أن كل متحرك إنسان- فهو بين أنه لا يعمل منها قياس- وبخاصة مع الممكنة- كما لا يعمل في الممكنة الأقلية قياس. وهذه المطلقة- أعني التي لا يصح فيها الحمل الكلي إلا في زمان معين متى أخذت الكبرى والصغرى ممكنة- فإنها توجد مرة تنتج الموجب ومرة تنتج السالب. السبب في ذلك أن هذه المطلقة إنما تصدق الكلية فيها في الزمان الحاضر، والمقدمة الصغرى من جهة ما هي ممكنة ليست بمنطوية تحت الكبرى إذ كان الممكن هو الموجود في الزمان المستقبل.
فهذا هو عندي معنى إيصاء أرسطو أن تكون المقدمات الكلية المأخوذة صادقة على الأزمنة الثلاثة، لا ما يظنه أبو نصر من أن هذه الوصية هي في معنى المقول على الكل، فإنه ليس يمكن أن يوجد المقول على الكل في المقدمة الكبرى الوجودية الحقيقية عاما في الأزمنة الثلاثة إلا في بعض المواد- وهي التي يصدق فيها أن اَ موجودة بالفعل لكل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل. وإذا وجد الأمر بهذه الصفة فالتأليف من ذلك يكون منتجا بحسب المقول على الكل. فإن كان أرسطو وصى أن لا تستعمل المقدمات المطلقة إلا في هذه المادة فما باله قد قال أنها غير منتجة بحسب المقول على الكل- أعني المطلقة إذا اختلطت مع الممكنة- وبين إنتاجها بالخلف، وما باله قد قال فيها إنها تنتج الموجب مرة والسالب أخرى. فإذن واجب أن تكون هذه المطلقة هي غير المطلقة التي بين أنها تنتج بطريق الخلف. ويكون السبب عن إعراضه عن المنتج منها بحسب المقول على الكل العام صدقه في بعض المواد لا في كلها وليس هذه الوصية أيضا مما يفهم منها أن المقدمة الوجودية عنده هي التي تشتمل الضروري والممكن كما فهم ذلك ثامسطيوس، فإن هذه المقدمة- أعني المطلقة التي بهذه الصفة- ليس لها وجود خارج الذهن، والقصد هاهنا إنما هو إحصاء جهات المقدمات المطابقة لأصناف الوجود أو للمعارف الأول. فأما أن كان قصد أرسطو بالجهات إحصاء فصول المقدمات من جهة الوجود فليس ينتفع بالمطلقة على رأي ثاوفرسطس وثامسطيوس. وإن كان أراد إحصاءها من جهة المعارف الأول التي لنا بالطبع فقد ينتفع بها، فإن كثيرا ما نعلم أن المحمول موجود للموضوع ونجهل هل هو موجود بإمكان أو باضطرار. ويشبه أن يكون قصد بالمطلقة الأمرين جميعا- أعني المطلقة بحسب الوجود والمعرفة ٠ وهي التي حددنا، لا التي يذكرها الإسكندر فإن تلك لا يأتلف منها قياس إلا بالعرض- أي في وقت ما مخصوص. وإذا خلطت مع الممكن فليس يأتلف منها قياس أصلا- أعني أن تكون الصغرى ممكنة. فعلى هذا التأويل تنحل الشكوك الواردة على كلام هذا الرجل، مع أنه التأويل ألحق اللائق بمذهبه في هذه الصناعة.
стр. 29
وأرسطو يبين من الحدود المأخوذة من المواد أنه إذا أخذت في مثل هذا الاختلاط المطلقة الموجودة في زمان معين بالفعل أنه لا يكون قياس منتج أصلا، لأنه ينتج حينا سالبا ضروريا وحينا موجبا ضروريا. والحدود التي تنتج السالب هي الإنسان والمتحرك والفرس. والأصغر هو الإنسان والأوسط هو المتحرك والأكبر هو الفرس. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون متحركا، وكل متحرك قد يكون في وقت ما فرسا إذا لم يوجد شيء متحرك إلا فرس، والنتيجة سالبة ضرورية- وهي ولا إنسان واحد فرس. والحدود التي تنتج الموجب هي الإنسان والمتحرك والحي. فإن كل إنسان ممكن أن يكون متحركا، وكل متحرك في وقت ما قد يكون حيا إذا توهمنا أنه لا يتحرك في ذلك الوقت شيء إلا الحيوان، والنتيجة موجبة ضرورية- وهي أن كل إنسان حي. وإذا كان الأمر هكذا فلتكن المطلقة المأخوذة هاهنا هي التي لا تختص بزمان دون زمان، وسواء علم من أمرها أنها ليست ضرورية أو جهل ذلك فإن أكثر المقدمات هذه هي حالها.
ولتكن المقدمة الكلية الكبرى سالبة مطلقة والصغرى الكلية موجبة ممكنة، فأقول إنه ينتج سالبة مطلقة باشتراك الاسم- أعني التي تقال على الممكنة والضرورية. ومعنى قولنا في أمثال هذه المقاييس إنها منتجة- أي ليست تنتج الموجب مرة والسالب مرة، بل إنما تنتج إما الموجب فقط وإما السالب فقط- لكن السالب والموجب فيها هو مقول على أكثر من معنى واحد، فهذا هو أحد الأسباب التي من أجله قيل فيها إنها غير تامة. مثال ذلك قولنا كل جَ فهو بَ بإمكان ولا شيء من بَ هو اَ بإطلاق، فأقول إنه ينتج هذا أنه ولا شيء من جَ هو اَ بإمكان. فمرة تكون النتيجة ولا شيء من جَ هو اَ بالضرورة، ومرة تكون ولا شيء من جَ هو اَ بإمكان. برهان ذلك إنه إن لم يكن الصادق قولنا إنه يمكن أن يكون ولا شيء من جَ هو اَ، فليكن نقيضه هو الصادق- وهو أنه ليس يمكن أن يكون ولا شيء من جَ هو اَ. وإذا لم يمكن أن يكون ولا شيء من جَ هو اَ فبعض جَ هو اَ بالضرورة، وذلك بين اللزوم بنفسه. فإذا كان معنا أن بعض جَ هو اَ بالضرورة وأن كل جَ هو اَ بالفعل- وذلك بنقل المقدمة الممكنة في هذا الشكل إلى الوجودية- كان معنا قياس في الشكل الثالث من مقدمتين موجبتين، إحداهما جزئية ضرورية كبرى والثانية كلية مطلقة صغرى. وقد تبين أن هذا قد ينتج جزئية ضرورية بالافتراض. وذلك أنه يرجع من موجبتين كليتين في الشكل الثالث كبراهما ضرورية- وهي أن بعض بَ هي اَ باضطرار- وقد كان موضوعا لنا في القياس أنه ولا شيء من بَ اَ، هذا خلف لا يمكن. والخلف لم يلزم عن الكذب الممكن وإنما لزم عن وضعنا أن بعض جَ اَ بالضرورة، لكن إذا كذب هذا فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا ليس بالضرورة هو اَ- وهذا يصدق معه أن يكون جَ ليس اَ بإمكان، وليس اَ بالضرورة، فلذلك تكون نتيجة هذا القياس مرة سالبة ضرورية، ومرة سالبة ممكنة. وقد يبين هذا المعنى من الحدود. فليكن بدل جَ إنسان وبدل بَ مفكر وبدل اَ غراب، فيأتلف هكذا كل إنسان يمكن أن يكون مفكرا ولا مفكر واحد غراب ينتج ولا إنسان واحد غراب- وهي سالبة ضرورية وليكن جَ أيضا إنسانا وبَ عالما واَ متحركا، فيأتلف القياس هكذا: كل إنسان يمكن أن يكون عالما، ولا عالم واحد متحرك بعلمه، فتكون النتيجة كل إنسان يمكن أن لا يكون متحركا بعلمه- وهي سالبة ممكنة.
وقد شك أبو نصر في هذا المثال لما اعتقد أن الوجودية هي التي يوجد المحمول فيها لكل الموضوع في زمان مشار إليه- مثل ما حكاه عن الإسكندر- وقال: إن قولك ولا مفكر واحد غراب هو ضروري لا وجودي، إلا أن تريد بالتفكر التخيل. وهذا كله لعدم التفاته إلى الفرق بين المطلقة والضرورية عند أرسطو لأن الضروري عند أرسطو هو الذاتي. وليس امتناع الفكرة من الغراب من الواجب الضرري عند جميع الناس مثل سلب الإنسان عن الغراب. والوجودية هي الصادقة عنده فقط، والصادق أيضا هو غير الضروري عنده. وبالجملة إذا أخذ الفكر بالفعل كانت المقدمة ضرورية بالعرض مطلقة بالذات.
стр. 30
فإن كانت الصغرى في هذا الشكل سالبة ممكنة، فإنه لا يكون قياس تام إذ كان من شرط الإنتاج في هذا الشكل أن تكون الصغرى موجبة. لكن إذا عكست السالبة الممكنة إلى موجبة ممكنة، كان القياس الذي تقدم وكذلك يعرض متى كانت المقدمتان في هذا الاختلاط سالبتين وكانت الصغرى هي الممكنة- أعني أنه لا ينتج شيئا- حتى تعكس الممكنة إلى موجبة. فإن كانت الصغرى في هذا الشكل سالبة مطلقة، فإنه لن يكون قياس منتج كانت الكبرى سالبة ممكنة أو موجبة ممكنة. والحدود التي تنتج الموجب الضروري هي الثلج والحي الأبيض. وذلك أنه ولا ثلج واحد حي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة كل ثلج أبيض- وهي موجبة ضرورية. والحدود التي تنتج السالب هي القار والحي والأبيض. وذلك أن كل قار ليس بحي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة ولا قار واحد يمكن أن يكون أبيض- وهي سالبة ضرورية.
فقد تبين إذا كانت المقدمتان كليتين في هذا الاختلاط متى يكون قياس منتج ومتى لا يكون، وإذا كان فما منه تام وما منه غير تام. وتبين ما يكون بين الإنتاج من غير التام بقياس الخلف وما يكون بينا بالانعكاس.
فأما إذا كانت إحدى المقدمتين من هذا الاختلاط كلية والأخرى جزئية وكانت المقدمة الكبرى ممكنة كلية سالبة كانت أو موجبة والصغرى الجزئية موجبة، فإنه يكون قياس تام على نحو ما كان الأمر إذا كانت المقدمتان كليتين وكانت الكبرى ممكنة والصغرى مطلقة. وتكون جهة النتيجة هي جهة تلك الكبرى بعينها- أعني ممكنة- إلا أن هذه جزئية وتلك كلية، وذلك بين من معنى المقول على الكل كما كان الأمر في تلك. فإن كانت المقدمة الكبرى كلية ومطلقة غير ممكنة وكانت المقدمة الصغرى جزئية ممكنة كانت المقدمتان موجبتين أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة، فإنه يكون عن ذلك قياسات منتجة غير تامة. فمنها ما يبين بالخلف، وهي نظير ما بان بالخلف في هذا الاختلاط الذي فيه المقدمتان كليتان. ومنها ما يبين بالعكس، وهي متى كانت الصغرى الجزئية سالبة ممكنة كالحال فيها إذا كانت سالبة كلية. وأما إذا كانت الصغرى سالبة مطلقة، فإنه لن يكون قياس. والحدود التي تنتج الموجب هي الثلج والحي والأبيض. وذلك أن بعض الثلج ليس بحي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة بعض الثلج أبيض. والتي تنتج السالب فالقار والحي والأبيض. ذلك أن بعض القار ليس بحي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة بعض القار ليس بأبيض- وهي سالبة ضرورية جزئية. وإذا أخذت هذه الحدود مهملة، قامت مقام الجزئية ولم توهم ما توهم الجزئية في مثل قولنا بعض الثلج ليس بحي إن بعض الثلج حي. وهذا شيء ينبغي أن يعتمد في الحدود التي تؤخذ عامة للجزئية والمهملة.
فإن كانت المقدمة الكلية هي الصغرى والجزئية هي الكبرى سالبة كانت أو موجبة ممكنة أو مطلقة، فإنه ليس يكون في ذلك قياس وكذلك إذا كانت المقدمتان جزئيتين أو مهملتين، فإنه لا يكون قياس كانت الكبرى هي المطلقة والصغرى الممكنة أو بالعكس. والبرهان على ذلك هو البرهان المتقدم على هذه الأصناف في المواد الغير مختلطة. والحدود التي تنتج الموجبة الضرورية في هذه إذا كانت الكبرى جزئية، الإنسان والأبيض والحي والأصغر هو الإنسان والأبيض الأوسط، والحي الأكبر. وأما التي تنتج السالب، فالثوب والأبيض والحي فقد تبين من هذا ما المنتج في هذا النوع من الاختلاط في هذا الشكل- أعني الأول- وما غير المنتج وما كان من المنتج تاما.
القول في تأليف الضروري والممكن في الشكل الأول
стр. 31
وإذا كانت إحدى مقدمتي القياس ممكنة والثانية اضطرارية، فإن أنواع المقاييس المنتجة تكون على عدد المقاييس المنتجة في المختلطة من الممكن والوجودي التامة منها وغير التامة. والتامة تكون هاهنا إذا كانت المقدمة الكبرى هي الممكنة كما كانت هنالك، وغير التامة إذا كانت الكبرى هي الضرورية والصغرى هي الممكنة. أما النتائج هاهنا فتكون إذا كانت المقدمتان موجبتين ممكنة تامة كانت المقاييس أو غير تامة كلية كانت النتائج أو جزئية. وأما إن كانت إحدى المقدمتين موجبة والأخرى سالبة وكانت الموجبة اضطرارية والسالبة ممكنة، فإنه تكون النتيجة ممكنة. فإن كانت المقدمة السالبة اضطرارية، تكون النتيجة مرة سالبة ممكنة ومرة سالبة مطلقة، كما أنه إذا كانت السالبة في اختلاط ممكن والوجودي وجودية كانت النتيجة مرة سالبة ضرورية ومرة سالبة ممكنة. وهذا كله سواء كانت المقدمتان كليتين أو إحداهما كلية والأخرى جزئية- أعني إذا كانت الكلية هي الكبرى والجزئية الصغرى فإنه إذا كانت الجزئية هي الكبرى لم يكن منتجا أصلا. ولم يقل أن هاهنا قياسا ينتج سالبة ضرورية لأن ذلك جزئي وفي بعض المواد وإن كان يوجد قياس ينتج سالبة الاضطرار فإن سالبة الاضطرار غير السالبة الاضطرارية. كما أنه لم يقل إن هاهنا قياسا ينتج موجبة ضرورية، فإن ذلك أيضا جزئي وفي بعض المواد كالحال في إنتاج الشكل الثاني موجبة.
فلتكن المقدمتان موجبتين كليتين ولتكن الكبرى هي الضرورية والصغرى هي الممكنة، فأقول إنه ينتج ممكنة لا ضرورية وأن القياس في ذلك يكون غير تام مثال ذلك قولنا كل جَ هو بَ بإمكان وكل بَ هو اَ بالضرورة، فأقول أنه ينتج كل جَ هي اَ بإمكان وأنه قياس غير تام لأن شرط المقول على الكل في المقدمة الضرورية أن تكون اَ محمولة على ما هو بَ بالفعل لا بالقوة. فأما ما به يتبين أن النتيجة ممكنة فبقياس الخلف على النحو الذي بان في نظير هذا من الاختلاط الآخر. وذلك بأن نأخذ نقيض النتيجة- وهي سالبة ضرورية لأن غير الممكن يصدق على السالبة الضرورية- ونضيف إليها المقدمة الممكنة من القياس- وهي الصغرى- بعد أن ننقلها إلى الوجود فيلزم عنه نقيض المقدمة الكبرى- وهي السالبة الضرورية لأن الكبرى كانت موجبة ضرورية. فأما إذا كانت الكبرى هي الممكنة والصغرى الضرورية فإنه يكون في ذلك قياس تام- وذلك بين من معنى المقول على الكل على ما تقدم- وتكون النتيجة ممكنة.
فإن كانت إحدى المقدمتين الكليتين موجبة والأخرى سالبة وكانت السالبة اضطرارية وكبرى والصغرى ممكنة، فإنه يكون قياس منتج غير تام ينتج نتيجتين إحداهما سالبة مطلقة والثانية سالبة ممكنة. ولم يقل إنه ينتج سالبة ضرورية، إذ ذلك إنما يمكن إذا كان الطرف الأصغر داخلا بالقوة تحت الأوسط وذلك لا يصدق إلا في بعض المواد. ولكن يبين أيضا بقياس الخلف إنه ينتج نتيجة مطلقة سالبة وممكنة. فليكن معنا أن كل جَ هو بَ بإمكانه وإنه ولا شيء من بَ هو اَ بالضرورة، فأقول إنه ينتج ولا شيء من جَ هو اَ بالفعل أو بإمكان. برهان ذلك أنه إن لم تكن هذه النتيجة صادقة، فليكن نقيضها هو الصادق- وهو أن بعض جَ هي اَ باضطرار، وذلك أن هذه هي المناقضة للنتيجة في الكيفية والكمية والجهة- ولنضف إليها المقدمة السالبة الكلية الضرورية من القياس- وهو أن بَ ليس اَ بالضرورة- فينتج في الشكل الثاني أن بَ غير ممكنة أن تكون في بعض جَ، وقد كان موضوعا لنا أن كل جَ هو بَ بإمكان، هذا خلف لا يمكن. وإذا كذبت الموجبة الضرورية صدق نقيضها- وهي السالبة المطلقة. فإذا صدقت السالبة الوجودية، أمكن أن تصدق معها السالبة الممكنة إذ المطلق ممكن الوجود. فإذا كانت المقتدمة الكبرى سالبة ممكنة والصغرى موجبة اضطرارية، فإنه يكون قياس تام وتكون النتيجة ممكنة- على ما تبين من معنى المقول على الكل.
стр. 32
وأرسطو يقول إنه ليس يمكن أن يتبين بقياس الخلف أنه ينتج مطلقة. فإن كانت المقدمة السالبة صغرى وكانت ممكنة فإنه لا يكون قياس تام، لكن يكون قياس غير تام بعكس السالبة الممكنة الى الموجبة- على ما تقدم. فإن كانت الصغرى السالبة اضطرارية لم يكن قياس، ولا إذا كانتا جميعا سالبتين وكانت الصغرى هي الاضطرارية. والحدود التي تنتج الموجب الثلج والحي والأبيض. وذلك أنه ولا ثلج واحد حي والحي أبيض بإمكان، والنتيجة موجبة ضرورية- وهي أن كل ثلج أبيض. والحدود التي تنتج السالب القار والحي والأبيض. وذلك أن النتيجة ولا قار واحد أبيض- وهي سالبة. وكذلك إذا أخذتا سالبتين. وذلك أن القار ليس بحي والحي ليس بأبيض والقار ليس بأبيض. وأيضا فإن الثلج ليس بحي والحي ليس بأبيض بإمكان والثلج أبيض.
وأما إذا كانت إحدى المقدمتين جزئية وكانت الكبرى ضرورية وسالبة، فإن النتيجة تكون سالبة مطلقة وسالبة ممكنة كما كانت الحال إذا كانتا كليتين الكبرى سالبة، وتبين ذلك بالخلف كما بان ذلك في الكليتين. وأما إذا كانت الصغرى جزئية موجبة وضرورية وكانت الكبرى سالبة ممكنة فإن النتيجة تكون ممكنة جزئية، وذلك بين من معنى المقول على الكل. وأما إذا كانتا موجبتين وكانت الكرى كلية وضرورية، فإن النتيجة تكون ممكنة. والبرهان على ذلك هو البرهان الذي تقدم إذا كانتا معا كليتين. فإن كانت المقدمة الكلية هي الصغرى والجزئية هي الكبرى وكانت الجزئية اضطرارية والكلية ممكنة موجبة كانت أو سالبة، فإنه لا يكون قياس. والحدود التي تنتج الموجب الإنسان والأبيض والحي. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض ليس بحي، والإنسان حي بالضرورة. والإنسان يمكن أن لا يكون أيضا أبيض وبعض الأبيض حي والإنسان حي بالضرورة. وأما الحدود التي تنتج السالب فالثوب والأبيض والحي. وذلك أن الثوب يمكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض ليس بحي، والثوب ليس بحي. وأيضا فإن الثوب يمكن أن لا يكون أبيض وبعض الأبيض حي، والثوب لا يمكن أن يكون حيا، سواء كانت الصغرى سالبة أو موجبة إذا كانت كلية وممكنة فإنها غير منتجة. وكذلك إذا كانت الصغرى كلية واضطرارية سالبة كانت أو موجبة والكبرى ممكنة جزئية، فإنه لا ينتج أصلا. والحدود التي تنتج الموجب إذا كانت سالبة الغراب والأبيض والحي. وذلك أن الغراب ليس بأبيض بالضرورة وبعض الأبيض حي بإمكان، والغراب حي بالضرورة- وهي النتيجة. وأما الحدود التي تنتج السالب فالقار والأبيض والحي وذلك أن القار ليس بأبيض وبعض الأبيض حي، والقار ليس بحي. وأما الحدود التي تنتج الموجب إذا كانت الصغرى كلية موجبة واضطرارية فهي الققنس والأبيض والحي. وذلك أن كل ققنس أبيض بالضرورة وبعض الأبيض حي، والنتيجة وكل ققنس حي- وهي ضرورية. والتي تنتج السالب فالثلج والأبيض والحي. وذلك أن الثلج أبيض وبعض الأبيض حي والثلج ليس بحي بالضرورة- وهي النتيجة.
وكذلك لا يكون أيضا في هذا الصنف قياس إذا كانت المقدمتان مهملتين أو جزئيتين أو إحداهما مهملة والأخرى جزئية كانت الكبرى هي الممكنة والصغرى هي الضرورية أو بالعكس. والحدود العامة لهذه الأصناف كلها، أما التي تنتج الموجب فالإنسان والأبيض والحي، وأما التي تنتج السالب فالغير متنفس والأبيض والحي. وتركيبها قريب على من تأملها.
فقد تبين من هذا القول إن أصناف المقاييس المركبة في هذا الشكل من اختلاط الممكن والمطلق هي مساوية لأصناف المقاييس المركبة من الممكن والضروري، المنتج منها للمنتج وغير المنتج لغير المنتج والمنتج التام للمنتج التام والمنتج غير التام لغير التام. والطريق الذي يبين به غير التام وفيهما واحد بعينه وتبين أن النتائج منها في الموجبات ممكنة وكذلك في السوالب، إذا كانت المقدمات الكبر منها هي الممكنة وأما إذا كانت الضرورية أو الوجودية فإنها تكون أما في المختلطة من الممكنة والوجودية فسالبة ضرورية أو ممكنة، أما في المختلطة من الممكنة والضرورية فسالبة مطلقة أو سالبة ممكنة.
стр. 33
وقد يسأل سائل فيقول: كيف قال أرسطو في المقاييس المختلطة التي كبراها سالبة مطلقة وصغراها موجبة ممكنة- وهي السالبة الغير تامة في هذا الاختلاط- إنها تنتج نتيجتين إحداهما سالبة ممكنة والثانية سالبة ضرورية، أو إنها تنتج مع السالبة الممكنة السالبة الضرورية، وسكت عن النتيجة المطلقة وهو قد ينتجها، وبرهان الخلف الذي استعمل أرسطو في بيان أنه ينتج سالبة ضرورية وممكنة يقتضي أنه قد ينتج المطلقة وبالجملة سالبة ممكنة باشتراك الاسم- أعني الممكن القول على الثلاث جهات. وكيف قال في المقاييس التي كبراها سالبة ضرورية وصغراها موجبة ممكنة- وهي الغير تامة في هذا الاختلاط- إنها تنتج أيضا نتيجتين إحداهما سالبة مطلقة والأخرى سالبة ممكنة، وقال إنه ليس يوجد في هذا الصنف برهان على أنه ينتج السالب الضروري ويبين من أمره أنه قد ينتج الضروري، وبرهان الخلف الذي استعمل في بيان إنتاجه السالب الممكن والسالب المطلق يدل على إمكان ذلك. وهل في هذا كله فرق بين الموجبات والسوالب في هذا الاختلاط الذي سماه غير تام- وهو الذي لا تكون الكبرى فيه ممكنة. فإن الذي فهم عنه من ذلك المفسرون الذين وصلتنا أقوالهم هو أن التأليفات الموجبة في هذين النوعين من الاختلاط بخلاف السوالب، وأن الموجبات منها تنتج ممكنات حقيقية. وهذا الذي قاله المفسرون هو الذي يقتضيه ظاهر ألفاظه أو ليس في ذلك فرق بين الموجبات والسوالب، بل كل الصنفين ينتج نتائج ممكنة باشتراك الاسم على ظاهر ما يقتضيه برهان الخلف المستعمل في ذلك وعلى ظاهر ما يذهب إليه أبو نصر في تفسيره هذا الموضع.
فنقول نحن الآن: إن الإنتاج بالجملة إما أن يكون سبب الاتصال. وأعني بالانطواء تضمن المقول على الكل جهة المقدمة الصغرى وانطوائها تحت حمل الحد الأكبر على الأصغر. وأعني بالاتصال تضمن المقول على الكل كون الحد الأوسط محمولا بإيجاب على الأصغر فقط من غير أن يتضمن الجهة- أعني جهة المقدمة الصغرى- وإنما يتضمن جنسها وهو الإيجاب فقط. والاتصال منه تام وهو أن تكون كلتا المقدمتين موجبتين، ومنه غير تام وهو أن تكون الكبرى كلية سالبة والصغرى موجبة فقط.
فأرسطو لما نظر في هذه المختلطات وجد منها ما ينتج بحسب الانطواء دائما وفي كل مادة- أعني أن المقدمة الكبرى فيه تتضمن جهة النتيجة- فحكم في هذه حكما جزما إن جهة النتيجة تابعة للمقدمة الكبرى وذلك في اختلاط الوجودي مع الضروري وفي اختلاط الممكن مع الضروري والوجودي مع الضروري والوجودي في الصنف التام منه- أعني إذا كانت المقدمة الكبرى هي الممكنة- فإن الانطواء موجود في هذه التأليفات على ما تبين من قولنا. ولما نظر في الصنف من اختلاط الممكن مع الضروري والوجودي الذي تكون المقدمات الضغر فيه ممكنة، وجد الانطواء فيها جزئيا- أعني في بعض المواد فرفض الإنتاج الذي يكون في هذا الاختلاط من قبل الانطواء وعاد إلى تبين الإنتاج الذي يكون في هذه من قبل الاتصال إذ كان هو الدائم. ومعنى دوامه أنه إذا رفعت نتيجته عن القياس لم يكن بعد قياسا، ولزم عنه الخلف. وفعل ذلك في الصنفين من الاتصال جميعا- أعني التام، وهو الصنف الموجب، والناقص، وهو الصنف السالب- وعرف ما يلزم كل واحد منهما من النتائج من جهة الاتصال وما لا يلزمه، وأن الموجب في ذلك بخلاف السالب. فابتدأ فعرف قي الموجب الذي يأتلف من مقدمة كبرى مطلقة وصغرى ممكنة أن النتيجة بحسب الاتصال يجب أن تكون ممكنة حقيقية وأنه ليس يمكن أن يكون غير ذلك، إذ الإنتاج لهذا الضرب إنما هو من جهة الاتصال. وذلك بأن يبين أنه متى وضعت نتيجة هذا القياس سالبة ضرورية كلية، إنه يعرض عن ذلك محال. وإذا كذبت السالبة الكلية الضرورية أمكن أن تصدق الموجبة الممكنة الكلية والموجبة المطلقة والضرورية. لكن أطرح المطلقة لأنها إنما تكون بحسب الانطواء، وسقطت الضرورية لأن الاتصال تام وليس في المقدمتين جهة ضرورية فبقي أن تكون ممكنة حقيقية.
стр. 34
وليس ينبغي أن يفهم هذا الموضوع عاما على ما يقتضيه ظاهر برهانه من أنه لما أخذ نقيض النتيجة الممكنة- وغير الممكنة- فلزم عنها الضروري السالب بين كذب السالب، فلما بين كذب السالب كذب الذي لزم عنه السالب الضروري- وهو غير الممكن- وإذا كذب غير الممكن صدق الممكن العام، فتكون النتيجة على هذا ممكنة باشتراك الاسم، فإن هذا الفهم محال. وذلك إنه إذا كانت اَ محمولة على بَ بإطلاق وبَ محمولة على كل جَ بإمكان، فأقول إنه ليس يمكن أن تحمل اَ على جَ باضطرار لأنه إن كان في هذا الحمل انطواء فاَ موجودة لجَ من الاضطرار وبإطلاق مع، وذلك خلف. فإن المطلق من طبيعة الممكن على ما تبين. وإن لم يوجد فيه غير معنى الاتصال فظاهر أيضا أن اَ موجودة لجَ بإمكان لأنه إذا كانت ألف موجودة لكل بَ بالفعل وبَ موجودة لكل جَ بإمكان فإن اَ بالضرورة تكون موجودة لجَ بإمكان لا باضطرار، فإنها وجدت لجَ بتوسط وجود بَ لها وبَ وجدت لها بإمكان، فاَ موجودة لها ضرورة بإمكان. وذلك أنه لو وجدت اَ بالضرورة لجَ من جهة مشاركتها لبَ، لوجب في بَ أن تكون موجودة بالضرورة لجَ وقد كانت فرضت بإمكان. وكذلك يبين أيضا أنها لا تنتج من قبل الاتصال مطلقة، لأن النتيجة تكون أبدا في الإنتاج الذي بحسب الاتصال التام تابعة لأخس المقدمتين، لأنه لما كانت النسبة التي بين الحد الأوسط والأصغر هي نسبة الكل الى الجزء فظاهر متى حمل شيء على الكل حملا مخالفا لجهة حمل الكل على الجزء أنه إن كان ذلك الحمل أنقص جهة من حمل الكل على الجزء أنه يحمل على الجزء بالجهة التي حمل على الكل، فإن كان حمل الكل على الجزء أنقص جهة من حمل ذلك الشيء على الكل إن ذلك الشيء يحمل على الجزء حمل الكل على الجزء.
وهذا هو الذي ظهر لأوديموس وثاوفرسطس من قدماء المشائين من أن النتيجة تكون أبدا في المختلطة جهتها تابعة لأخس جهتي المقدمتين. وما قالوه صحيح في الإنتاج الذي يكون بحسب الاتصال- أعني التام- لا بحسب الانطواء وهو الذي ذهب على القوم. فقد تبين من هذا أن الاختلاط ليس ينتج أصلا نتيجة ضرورية ولا مطلقة من جهة الاتصال الذي قصد أرسطو بيانه، إذ كان ذلك جزئيا وفي بعض المواد وكأنه بضرب من العرض إذ كان ذلك إنما يكون من قبل الانطواء، والانطواء أمر عارض لهذا التأليف وبمثل هذا بين في الاختلاط الذي يكون من كبرى ضرورية موجبة وصغرى ممكنة موجبة أن النتيجة تكون أيضا من قبل الاتصال ممكنة حقيقية- أعني بذلك النوع من برهان الخلف- وأطرح الضرورية لأنها بالعرض لهذا التأليف وأما المطلقة فليس يمكن أن توجد فيه، إذ كان ليس توجد في إحدى جهتي المقدمتين والاتصال تام. فأذن ما فهمه مفسرو المشائين من النتائج في هذه المختلطات الموجبات ممكنة حقيقية هو الصحيح.
стр. 35
وأما الأقيسة السالبة في هذا النوع من الاختلاط- وهو الذي اتصالها غير تام من قبل أن الكبرى فيه سالبة والسلب هو انفصال الاتصال- فإن أرسطو أيضا نظر في جهات نتائجها من قبل الاتصال لا من قبل الانطواء، إذ كان عارضا في هذا النوع من الاختلاط أيضا. فبين في الاختلاط الذي يكون من كبرى سالبة مطلقة وصغرى موجبة ممكنة أن جهة النتيجة في هذا الضرب من الاختلاط مرة تكون ممكنة حقيقية- أعني سالبة- ومرة تكون سالبة ضرورية. وذلك بأن بين أنه متى وضعت نتيجة هذا الشكل موجبة جزئية ضرورية أنه يعرض عن ذلك محال، وإذا كذبت الموجبة الجزئية الضرورية أمكن أن تصدق السالبة الكلية الضرورية وأمكن أن تصدق السالبة الممكنة والسالبة المطلقة، وهذا شيء عرض لهذا التأليف من قبل نقصان الاتصال- أعني أنه ينتج جهة ليست هي جهة واحدة من المقدمتين المأخوذة فيه. وذلك أنه ليس يمتنع أن يوجد شيء واحد مسلوب عن شيئين أحدهما باضطرار والآخر بإطلاق وأحد الشيئين موجود للآخر بإمكان، إذا لم يوجد فيهما الانطواء- مثل أن تكون اَ غير موجودة لجَ باضطرار ولبَ بإطلاق وبَ لجَ بإمكان- فسكت هاهنا عن السالبة المطلقة، لأنها إنما تلزم عن الانطواء. وأما الاختلاط الذي يكون من سالبة كبرى ضرورية وموجبة ممكنة، فإنه قال فيه أيضا بحسب الاتصال إنه ينتج سالبة مطلقة وسالبة ممكنة فإنه بين أنه متى وضعت في هذا الشكل موجبة جزئية ضرورية لزم عنها محال، وبين أنه متى كذبت الجزئية الموجبة الضرورية أنه يمكن أن تصدق السالبة المطلقة والسالبة الممكنة والسالبة الضرورية، إلا أنه أطرح السالبة الضرورية إذ كانت إنما تنتج بحسب الانطواء- وهو جزئي. ولذلك قال إنه ليس يوجد قياس يبين به أن هذا التأليف ينتج سالبا ضروريا- يريد دائما- كما يبين وجود السالب الممكن دائما حيث يوجد الانطواء دائما- أعني في الضرب التام من هذا الاختلاط.
وليس الأمر في هذا البيان الذي استعمله أرسطو على ما يظن من أنه إذا كذبت الموجبة الجزئية الاضطرارية صدقت السالبة الممكنة، فإن ذلك غير صادق. وقد بين ذلك أرسطو عندما فحص عن عكس السالبة الممكنة فيخص المنتج من قبل الاتصال الناقص أنه ينتج نتيجتين إحداهما بحسب أخس المقدمتين والأخرى برانية- أعني ذات جهة غير موافقة لإحدى جهتي المقدمتين المأخوذة في القياس. وتحصيل جهات هذه النتائج على مذهب أرسطو أن التأليف لا يخلو أن يوجد فيه معنا الانطواء دائما أو لا يوجد فيه معنى الانطواء دائما فإن وجد فيه معنى الانطواء دائما، فجهة النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى، وذلك دائما. وإن لم يوجد فيه معنى الانطواء دائما وإنما وجد فيه معنى الاتصال، فجهة النتيجة تابعة عنده لحكم الاتصال لا لحكم الانطواء. فإن كان الاتصال تاما فجهة النتيجة موافقة لأخس جهتي مقدمتي القياس. وإن كان ناقصا فجهة النتيجة مرة تكون موافقة لأخس جهتي المقدمتين ومرة تكون برانية- أعني غير موافقة بجهتها لإحدى جهتي مقدمتي القياس. فهكذا ينبغي أن يفهم الأمر عن أرسطو في هذه النتائج.
وأحسب أن هذا المقصد من التفسير هو شيء ذهب على جميع المفسرين اللهم إلا الاسكندر، فإنه لم تصل الينا أقواله في هذه الأشياء، والرجل عظيم القدر جدا. وأما ثامسطيوس فإنا نجده قد ذهب عليه هذا الأمر، كما ذهب على قدماء المشائين، وكذلك يشبه أن يكون هذا المعنى ذهب على أبي نصر، وذلك بين من شرحه لهذا الموضوع. فما أعجب شأن هذا الرجل وما أشد مباينة فطرته للفطر الإنسانية حتى كأنه الذي أبرزته العناية الإلهية لنوقفنا معشر الناس على وجود الكمال الأقصى في النوع الإنساني محسوسا ومشارا إليه، فما هو إنسان، ولذلك كان القدماء يسمونه الإلاهي. ونحن في تلخيصنا هذه المواضع قديما أجرينا العبارة فيها على ما يعطيه مفهوم في قوله في بادي الرأي- وهو الذي فهمه المفسرون- لنجد بذلك سبيلا إلى حل الشكوك الواردة فيه إلى أن ظهر لنا فيها هذا القول. فمن أحب أن يحول العبارة فيها إلى ما لا يتطرق إليه شك فليفعل، وإن أمهل الله في العمر فسنشرح هذا الموضع من كلامه على اللفظ، فإن هذا الموضع إلى هذه الغاية فيما أحسب لم يشرح شرحا تاما.
القول في تأليف الممكن في الشكل الثاني
стр. 36
وإذا كانت كلتا المقدمتين ممكنة في الشكل الثاني فإنه لا يكون قياس منتج، موجبتين كانتا أم سالبتين أم إحداهما موجبة والثانية سالبة، كليتين كانتا أو جزئيتين معا أو إحداهما كلية والأخرى جزئية. وأما إذا كانت إحداهما مطلقة والأخرى ممكنة فإنه إن كانت الموجبة هي المطلقة والسالبة هي الممكنة، فإنه لا يكون قياس منتج. وأما إذا كانت السالبة المطلقة وكانت كلية، فإنه يكون قياس منتج. ومثل هذا يعرض إذا كانت إحدى المقدمتين أيضا ضرورية والأخرى ممكنة. والممكن هاهنا ينبغي أن يفهم في نتائج هذه المقاييس على نحو ما فهم فيما تقدم.
وينبغي أن نبين هاهنا أولا أن الكلية السالبة الممكنة لا تنعكس محفوظة الكمية والكيفية كما تنعكس السالبة الضرورية والسالبة المطلقة. فلنضع أولا أن كل جَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ، فأقول إنه ليس يلزم عن هذا أن تكون كل اَ ممكنة أن لا يكون شيئا من جَ. برهان ذلك أنه إن أمكن ذلك فستصدق معها الموجبة الممكنة الكلية- وهي قولنا كل اَ يمكن أن يكون جَ- لأن الموجبات الممكنة ترجع إلى سوالبها الكلية للكلية والجزئية للجزئية. وذلك أن قولنا كل جَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ تصدق معها الموجبة المضادة لها- وهي قولنا كل جَ يمكن أن يكون اَ- فإذن يصدق مع قولنا كل جَ يمكن أن يكون اَ قولنا كل اَ يمكن أن يكون جَ، فالموجبة الممكنة الكلية تنعكس كلية وقد تبين أنها لا تنعكس، هذا خلف لا يمكن. وأيضا فإن كونها لا تنعكس دائما يظهر من المواد. وذلك أنه إذا كان كل جَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ فقد يمكن أن يكون بعض اَ ليس هو جَ بالضرورة. مثال ذلك أن كل إنسان يمكن أن لا يكون أبيض وبعض الأبيض ليس هو إنسانا بالضرورة- مثل الثلج وققنس- وإذا أمكن أن يكون بعض اَ بالضرورة ليس هو جَ، فليس يصدق مع ذلك أن كل اَ يمكن أن لا يكون جَ، لأن بعضه واجب وضروري أن لا يكون.
قال: وقد يظن أن السالبة الممكنة قد تبين انعكاسها بطريق الخلف. ومثال ذلك أن يقول قائل: إن قول القائل كل اَ يمكن أن لا يكون شيئا من بَ ينعكس صادقا- وهو أن كل بَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ برهان ذلك أنه إن لم يكن صادقا قولنا كل بَ يمكن أن لا يكون اَ فنقيضه إذن هو الصادق- وهو كل بَ غير ممكن أن لا يكون اَ- ولما كان قولنا كل بَ غير ممكن أن لا يكون اَ يلزمه أن بعض بَ بالضرورة اَ وكان هذا قد تبين أنه ينعكس إذ كانت جزئية ضرورية، فبعض اَ بَ بالضرورة وقد كنا فرضنا أن كل اَ يمكن أن لا يكون بَ، هذا خلف لا يمكن. لكن في هذا القول مغالطة. وذلك أنه ليس اللازم عن قولنا كل بَ غير ممكن أن لا يكون في شيء من اَ قولنا إن بعض بَ بالضرورة اَ، بل وقد يلزمه أن بعض بَ بالضرورة ليست اَ لأنه يناقض قولنا كل بَ ممكن أن لا يكون اَ قولنا بعض بَ بالضرورة ليست اَ كما يناقض قولنا بعض بَ بالضرورة اَ قولنا كل بَ ممكن أن يكون اَ. ولما كان قولنا أن كل بَ ممكن أن يكون اَ يلزمه أن كل بَ ممكن أن لا يكون اَ وكان قولنا كل بَ ممكن أن يكون اَ يناقضه قولنا بعض بَ بالضرورة اَ وقولنا كل بَ يمكن أن لا يكون اَ يناقضه قولنا بعض بَ بالضرورة ليست اَ، فإذن قولنا كل بَ ممكن أن يكون اَ يناقضه قولنا بعض بَ بالضرورة اَ وبعض بَ بالضرورة ليست اَ. وكذلك يناقض هاتين الجزئيتين المقدمة السالبة الممكنة- وهي قولنا كل بَ يمكن أن لا يكون اَ- والذي يناقض هذا يلزم نقيضه. فإذن قولنا كل بَ ممكن أن لا يكون اَ يناقضه شيئان، أحدهما بعض بَ بالضرورة ليست اَ، والثاني بعض بَ بالضرورة هو اَ. فقولنا في قياس الخلف كل بَ غير ممكن أن لا يكون اَ قد يلزمه مرة أن بعض بَ بالضرورة اَ ومرة أن بعض بَ بالضرورة ليست اَ. فإن كان اللازم هو السالبة الجزئية الضرورية لم يفض القول إلى محال لأنه ليس تنعكس السالبة الضرورية، بل قد يكون كل اَ ممكن أن لا يكون بَ وبعض بَ ليس بالضرورة اَ- مثل قولنا كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض ليس هو إنسان بالضرورة، مثل الثلج وققنس.
стр. 37
فإذ قد تبين أن السوالب الممكنة لا تنعكس، فلنضع مقدمتين كليتين ممكنتين إحداهما موجبة والأخرى سالبة في الشكل الثاني- مثل قولنا كل جَ هو بَ بإمكان وكل اَ يمكن أن لا يكون بَ- فأقول إن هذا التأليف لا ينتج شيئا، لأنه لا يمكن أن تنعكس السالبة الممكنة كما أمكن ذلك في المادة المطلقة والضرورية. ولا بقياس الخلف تبين أيضا أنه يكون قياس، لأنه إن أخذنا نقيض النتيجة الموجبة الممكنة الحقيقية لم يعرض عن ذلك محال إذ كانتا متلازمتين- أعني الموجبة الممكنة والممكنة السالبة. وكذلك إن أخذنا النقيض جزئية ضرورية موجبة أو سالبة. وبالجملة وإن كان عن هذا التأليف قياس، فإنه إنما ينتج بالذات نتيجة ممكنة إذ كانت المقدمتان ممكنتين، لا نتيجة مطلقة ولا ضرورية إذ كان ليس في هذا القياس مقدمة بهذه الصفة. فإن كان ينتج نتيجة ممكنة فإما أن تكون سالبة ممكنة وإما موجبة ممكنة. لكن تبين من الحدود أنها تنتج مرة سالبة ضرورية، ومرة موجبة ضرورية. وبكل واحدة من هاتين النتيجتين يبطل أن تنتج سالبة ممكنة أو موجبة ممكنة، وذلك أن السالبة الضرورية تناقض الموجبة الممكنة والسالبة الممكنة وكذلك الموجبة الضرورية تناقض كليهما. فالحدود التي تنتج في هذه المادة سالبة الإنسان والأبيض والفرس. والأبيض هو الحد الأوسط والإنسان الأصغر، ويأتلف هكذا: كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وكل فرس يمكن أن لا يكون أبيض، والنتيجة ولا إنسان واحد فرس- وهي سالبة ضرورية. وإذا كانت اَ مسلوبة عن جَ باضطرار، لم يصدق أن كل اَ ممكنة أن تكون في جَ ولا كل اَ ممكنة أن لا تكون في جَ لأنها تنعكس على الموجبة فمن هاهنا تبين أن هذا التأليف ليس بمنتج نتيجة ممكنة لا سالبة ولا موجبة. وقد تبين ذلك أيضا من أنه ينتج في بعض المواد موجبة ضرورية. وذلك إذا أخذنا بدل الفرس الحي، وذلك أنه ينتج كل إنسان حي- وهي موجبة ضرورية. وليس يمكن أن يصدق معها لا الموجبة الممكنة ولا السالبة الممكنة، وذلك أن مناقضتها للسالبة الممكنة بين بنفسه ومناقضتها للموجبة الممكنة من أجل لزومها للسالبة الممكنة. وكذلك تبين أنه لا يكون قياس في هذا الشكل وإن غير مكان السالبة- أعني إن جعلت صغرى بعد أن كانت كبرى أو بالعكس. وكذلك تبين أنه لا يكون قياس وإن أخذت كلتا المقدمتين موجبتين أو سالبتين. والبرهان على ذلك بهذه الحدود بأعيانها، ولن يعسر ذلك على من تأملها.
تأليف الوجودي والممكن في الشكل الثاني
وإذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل مطلقة والأخرى ممكنة وكانت السالبة هي الممكنة، فإنه لا يكون عن ذلك قياس أصلا كلية كانت كلتا المقدمتين أم جزئية. والبرهان على ذلك هو البرهان الذي استعمل إذا كانتا معا ممكنتين وبتلك الحدود بأعيانها- أعني أنها توجد مرة تنتج سالبة ضرورية ومرة موجبة ضرورية. فإن كانت المقدمة سالبة هي المطلقة والموجبة هي الممكنة وكانتا معا كليتين، فإنه يكون قياس. وذلك أن السالبة المطلقة تنعكس، فيكون الشكل الأول- على ما تقدم- وسواء كانت السالبة هي الكبرى أو الصغرى. لكن إذا كانت الصغرى تبين ذلك بعكسين عكس المقدمة وعكس النتيجة على ما سلف.
فإن كانت كلتاهما- أعني الكليتين- سالبتين وكانت إحداهما ممكنة والأخرى مطلقة، فإنه يكون قياس غير تام إذا انعكست السالبة الممكنة إلى الموجبة التي تلزمها، لأنه يكون مؤتلفا من مقدمتين مطلقة سالبة وممكنة موجبة. وإن كانت كلتا المقدمتين موجبتين فإنه لن يكون قياس، وذلك تبين من أنها تنتج مرة موجبة ومرة سالبة. أما الحدود التي تنتج الموجب فهي الإنسان والصحة والحي. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون صحيحا وكل حي هو صحيح وكل إنسان حي باضطرار- وهي النتيجة. وأما التي تنتج السالب فالإنسان والصحة والفرس. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون صحيحا وكل فرس هو صحيح، والنتيجة ولا إنسان واحد فرس- وهي سالبة ضرورية.
стр. 38
وإذا كانت إحدى المقدمتين كلية والأخرى جزئية، فإنه يعرض في ذلك مثل ما عرض فيها إذا كانتا كليتين معا- أعني أن شرط المنتج فيها هو شرط المنتج في تلك، وغير المنتج فيها هو غير المنتج في هذه. وذلك أنه متى كانت الموجبة هي المطلقة الكلية كانت أو الجزئية، فإنه لن يكون في ذلك قياس. وذلك يبين كما يبين ذلك إذا كانتا كليتين وبتلك الحدود بأعيانها. وأما إذا كانت الكلية هي المطلقة وكانت سالبة فإنه يكون قياس بالعكس إلى الشكل الأول. وإن كانت كلتاهما سالبتين وكانت إحداهما مطلقة، فإنه يكون أيضا قياس غير تام إذا انعكست السالبة الممكنة إلى الموجبة الممكنة- على ما تبين. فإن كانت السالبة المطلقة جزية فإنه لا يكون قياس موجبة كانت المقدمة الأخرى أم سالبة وكذلك لا يكون قياس إذا كانت تلك المقدمتين مهملتين أو جزئيتين، أو إحداهما مهملة والثانية جزئية موجبتين كانتا معا أم سالبتين. والبرهان على ذلك هو البرهان المتقدم وبحدود واحدة بأعيانها.
تأليف الممكن والاضطراري في الشكل الثاني
وإذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل ممكنة والثانية اضطرارية وكانتا كليتين معا وكانت السالبة هي الضرورية، فإنه يكون قياس بعكس السالبة إلى الشكل الأول الذي كبراه سالبة ضرورية وصغراه موجبة ممكنة. وقد تبين إن هذا ينتج سالبة مطلقة وممكنة سالبة، وسواء كانت السالبة الضرورية هي الكبرى أو الصغرى.
فأما إذا كانت الموجبة هي الضرورية فإنه لا يكون قياس. وبيان ذلك من الحدود أن نفرض الطرف الأصغر إنسانا والأوسط أبيض والأكبر ققنس. وذلك أن كل إنسان يمكن أن لا يكون أبيض وكل ققنس فهو أبيض بالضرورة، والنتيجة أنه ولا إنسان واحد ققنس- وهي سالبة ضرورية. وما ينتج سالبة ضرورية فليس يمكن أن ينتج دائما ممكنة لا موجبة ولا سالبة. وهو بين أيضا أنه لا ينتج نتيجة سالبة ضرورية دائما، لأن الضرورية إنما تكون عن مقدمتين ضروريتين، أو عن قياس تكون الضرورية فيه سالبة والموجبة وجودية لا ممكنة- على ما تبين. وكذلك تبين أيضا أنه لا ينتج مطلقة، لأن المطلقة من طبيعة الممكن. وقد يظهر أيضا من الحدود أنه لا ينتج سالبة ضرورية، فإنه مرة ينتج سالبة ضرورية ومرة موجبة ضرورية. فالحدود التي تنتج سالبة ضرورية هي التي تقدمت. وأما التي تنتج موجبة ضرورية فهو اليقظان والمتحرك والحي. وذلك أن كل يقضان متحرك بالضرورة وكل حي ممكن أن لا يكون متحركا وكل يقظان حي بالضرورة. فإذن لا يكون في هذا التأليف قياس منتج أصلا، وسواء كانت الموجبة الضرورية هي الصغرى أو الكبرى.
فإن كانت المقدمتان متشابهتين في الكيفية فإنهما إن كانتا سالبتين، فإنه يكون قياس إذا انعكست السالبة الممكنة إلى الموجبة التي تلزمها، لأنه يكون تأليفا من مقدمتين الموجبة ممكنة والسالبة ضرورية. وقد تبين أن هذا منتج، وسواء كانت السالبة هي الصغرى أو الكبرى.
فإن كانت المقدمتان الكليتان موجبتين، فإنه لن يكون قياس لأنه بين أن النتيجة ليس يمكن أن تكون سالبة لا مطلقة ولا اضطرارية، لأنه لم يؤخذ في القياس مقدمة سالبة- لا اضطرارية ولا مطلقة- ولا أيضا سالبة ممكنة ولا موجبة اضطرارية، لأنه تبين من الحدود أنها تنتج سالبة ضرورية وما ينتج سالبة ضرورية فليس يمكن أن ينتج دائما لا موجبة ضرورية ولا ممكنة ولا مطلقة، وكذلك لا يمكن أن ينتج سالبة ممكنة. فأما الحدود التي تنتج السالب الضروري، فالإنسان والأبيض والققنس. فإن كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وكل ققنس أبيض، والنتيجة ولا إنسان واحد ققنس.
فهذه هي الضروب المنتجة في هذا الشكل في خذا الضرب من الاختلاط وغير المنتجة، إذا كانت المقدمتان كليتين.
стр. 39
فإن كانت إحداهما كلية والأخرى جزئية، فإنه إن كانت المقدمة السالبة هي كلية واضطرارية فإنه يكون قياس ينتج إما سالبة ممكنة وإما سالبة مطلقة، لأن السالبة الاضطرارية تنعكس فترجع إلى الشكل الأول الذي يأتلف من موجبة ممكنة صغرى، وسالبة كبرى ضرورية. وأما إذا كانت الموجبة هي الاضطرارية فإنه لا يكون أيضا قياس البتة. والبرهان على ذلك هو البرهان بعينه إذا كانتا كليتين، وبتلك الحدود بأعيانها التي سلفت وكذلك لا يكون قياس إذا كانتا كلتاهما موجبتين. والبيان في ذلك هو البيان الذي تقدم إذا كانتا كليتين. فإن كانت كلتا المقدمتين- أعني الكلية والجزئية- سالبتين وكانت إحداهما كلية اضطرارية، فإنه يكون في ذلك قياس غير تام. وذلك أنه إذا انعكست الممكنة السالبة إلى الموجبة فإنه يكون قياس كما يكون إذا كانتا كليتين- على ما تقدم.
وكذلك لا يكون قياس إذا كانت المقدمتان مهملتين أو جزئيتين. والبرهان في ذلك هو البرهان الذي استعمل فيما تقدم وبتلك الحدود بأعيانها.
فقد تبين أنه متى وضعت المقدمة السالبة كلية اضطرارية أنه يكون ضرورة قياس ينتج إما سالبة مطلقة وإما سالبة ممكنة، وأنه متى وضعت الموجبة اضطرارية أنه لا يكون قياس. وهو بين أن بترتيب واحد للحدود في المقاييس المطلقة والضرورية يكون قياس أولا يكون. وهو بين أن هذه المقاييس غير تامة.
تأليف الممكن في الشكل الثالث
وإذا كانت المقدمتان في هذا الشكل ممكنتين كليتين، فإنه يكون قياس وتكون النتيجة جزئية ممكنة على نحو ما تكون في المطلقة الصرف والضرورية الصرف- أعني بتلك الشروط بأعيانها- والبرهان على ذلك هو البرهان على تلك. وتخص هذه المادة أنه متى كانتا سالبتين فإنه يكون من جميعها قياس غير تام إذا انعكست إحدى السالبتين إلى الموجبة اللازمة لها، لأنه يعود من ممكنتين إحداهما موجبة، والثانية سالبة.
فإن كانت إحداهما كلية والأخرى جزئية، فإن المقاييس المنتجة منها وغير المنتجة تكون كما كانت في المادة المطلقة والضرورية وبتلك الشروط بأعينها. ويخص هذا أنه إذا كانتا معا سالبتين، كان قياس بالانعكاس- أعني بانعكاس السالبة إلى الموجبة اللازمة لها- لأنه لا يكون قياس من سالبتين في شيء من التأليفات لا البسيطة ولا المركبة.
وأما إذا أخذت المقدمتان مهملتين أو جزئيتين فإنه لا يكون أيضا قياس، لأنه ينتج مرة موجبة ضرورية ومرة سالبة ضرورية. أما الحدود التي تنتج الموجبة فإنسان وأبيض وحي. وذلك أن بعض الأبيض يمكن أن يكون إنسانا والأبيض يمكن أن يكون حيا، والإنسان بالضرورة حي. والتي تنتج السالبة الإنسان والأبيض والفرس. وذلك أن الأبيض يمكن أن يكون إنسانا والأبيض يمكن أن يكون فرسا، والنتيجة ولا إنسان واحد فرس.
وبهذه الحدود بأعينها يتبين ذلك إذا كانتا سالبتين أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة، لأنها يمكن أن تؤلف هذا التأليف.
تأليف الممكن والوجودي في الشكل الثالث
وإذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل مطلقة والثانية ممكنة وكلاهما موجبتان كليتان، فإن النتيجة تكون ممكنة جزئية. وذلك يتبين بانعكاس. فإن كانت هي الممكنة عادت من الشكل الأول إلى ما صغراه ممكنة وكبراه مطلقة، وقد تبين فيما سلف أن نتيجته ممكنة. فإن كانت الصغرى هي المطلقة عادت إلى ما صغراه في الشكل الأول مطلقة وكبراه ممكنة، وقد تبين أن هذا أيضا ينتج ممكنة.
فإن كانت إحداهما موجبة والأخرى سالبة وكان أيهما اتفق مطلقة- أعني الكبرى أو الصغرى- وكانت السالبة هي الكبرى، فإن النتيجة تكون ممكنة. فإن كانت السالبة هي الممكنة كانت النتيجة ممكنة حقيقية، وإن كانت السالبة هي المطلقة كانت النتيجة سالبة ممكنة باشتراك الاسم- أعني أنه ينتج نتيجتين سالبة ضرورية وسالبة ممكنة. فإن كانت السالبة هي الصغرى وكانت ممكنة أو كانتا جميعا سالبتين، فإنه لا يكون قياس إلا إذا انعكست الممكنة السالبة إلى الممكنة اللازمة عنها، لأنه يعود إما إلى ما هو من موجبتين وإما إلى ما كبراه سالبة وصغراه موجبة.
стр. 40
وأما إذا كانت إحدى المقدمتين كلية والأخرى جزئية وكان كلاهما موجبتين أو كانت الكلية هي السالبة الكبرى والجزئية الموجبة، فإنه يكون قياس برجوعها إلى الشكل الأول بانعكاس الجزئية الموجبة- على ما تبين- ونتيجته تكون على نحو ما كانت نتيجة المقدمتين الكليتين. فإن كانت الموجبة هي الكلية والسالبة الجزئية وكانت الصغرى هي المطلقة الموجبة والكبرى السالبة الجزئية الممكنة، فإنه يكون قياس. وبيان ذلك يكون بقياس الخلف. فليكن كلف بَ فهو جَ وبعض بَ ليس هو اَ بإمكان، فأقول إن بعض جَ ممكن أن لا يكون اَ لأنه إن لم يكن هذا صادقا فنقيضه هو الصادق- وهو أن كل جَ هو اَ بالضرورة- لأن هذه هي المناقضة في الجهة والكمية، وقد كان معنا أن كل بَ فهو جَ بإطلاق، فإذن ينتج في الشكل الأول أن كل بَ هو اَ بالضرورة، وقد كان معنا أن بعض بَ ليس هو اَ بإمكان، هذا خلف لا يمكن. وأما إن كانت الكبرى الجزئية هي الوجودية والصغرى هي الممكنة، فإنه يكون قياس يبين بالافتراض. فإن كانت الصغرى هي السالبة وكانت مطلقة، فإنه لا يكون قياس لأن خاصة الشكل الثالث أن لا تكون صغراه سالبة. وإن كانت ممكنة فإنه يكون قياس إذا انعكست إلى الموجبة- على ما سلف.
وإذا كانت كلتا المقدمتين مهملتين أو جزئيتين، فإنه لا يكون قياس. وبرهان ذلك هو البرهان المستعمل في الأصناف الكلية في هذا الباب- أعني في الممكن الصرف- وبتلك الحدود بأعيانها.
تأليف الممكن والاضطراري في الشكل الثالث
وإذا كانت كلتا المقدمتين كليتين وكانت إحداهما اضطرارية والأخرى ممكنة وكانتا معا موجبتين، فإنه يكون عن ذلك قياس ينتج نتيجة ممكنة. وذلك بين بالانعكاس إلى الشكل الأول.
فإن كانت إحداهما موجبة والأخرى سالبة وكانت الموجبة هي الضرورية وهي الصغرى، فإن النتيجة تكون سالبة ممكنة. وذلك بانعكاس الموجبة ورجوع التأليف من الشكل الأول إلى ما كبراه سالبة ممكنة وصغراه موجبة ضرورية. فإن كانت السالبة هي الاضطرارية الكبرى، فإن النتيجة تكون سالبة ممكنة وسالبة مطلقة برجوعها بالعكس إلى ما كبراه في الشكل الأول سالبة ضرورية وصغراه موجبة ممكنة. فإن كانت الصغرى سالبة ممكنة والكبرى موجبة ضرورية، فأنه لا يكون قياس إلا بعكس السالبة الممكنة إلى الموجبة الممكنة. وإن كانت الصغرى سالبة ضرورية فإنه لا يكون قياس. فالحدود التي تنتج الموجب هي الإنسان والنائم والفرس. وذلك أنه ولا إنسان واحد فرس وكل إنسان يمكن أن يكون نائما، والنتيجة فكل فرس يمكن أن يكون نائما. والحدود التي تنتج السالب الإنسان اليقظان والنائم والفرس. وذلك أنه ولا فرس واحد إنسان يقظان وكل فرس يمكن أن يكون نائما، والنتيجة ولا إنسان واحد يقظان هو نائم.
فإن كانت إحدى المقدمتين كلية والثانية جزئية وكانت كلتاهما موجبتين، فإنه يكون قياس تام بالرجوع إلى الشكل الأول وتكون النتيجة ممكنة كحالها في الأصناف التي ترجع إليها من الشكل الأول. فإن كانت إحدى المقدمتين سالبة والأخرى موجبة وكانت السالبة هي الكبرى، فإنه إن كانت اضطرارية فإن النتيجة تكون مطلقة أو ممكنة، لأنها ترجع بالعكس إلى الصنف من الشكل الأول الذي ينتج هاتين النتيجتين إن كانت كلية وإن كانت جزئية فبالافتراض والخلف. وإن كانت السالبة هي الممكنة فإنها تكون النتيجة ممكنة حقيقية، كحالها في الصنف من القياس الذي يرجع إليه في الشكل الأول. فأما إن كانت السالبة هي الصغرى فإنه إن كانت ممكنة كان قياس بعكسها إلى الموجبة الممكنة، وإن كانت هي الضرورية لم يكن قياس. وذلك يبين على نحو ما تبين إذا كانتا كليتان، وبتلك الحدود بأعيانها.
فقد تبين متى يكون في هذا الضرب قياس، وكيف يكون وأي نتيجة ينتج أي قياس، وأيها تامة وغير تامة، كالحال في الأصناف التي تكون في هذا الشكل. وهنا انقضى القول في جميع المقاييس الحملية.
الفصل الأول
التكلم في المقاييس الحملية
следующие страницы →