← Адаб

Адаб · id 970

رسالة ابن غرسية فى الشعوبية والردود عليها - ضمن نوادر المخطوطات

ابن غرسية

Полный текст (100 стр.). Показаны 71–100 · переход к 76.

стр. 71

رسالة ثالثة في الرد على ابن غرسية لأبى جعفر أحمد بن الدودين البلنسى

стр. 72

رسالة ثالثة في الرد على ابن غرسية أجابه بها الأديب أبو جعفر أحمد بن الدودين (١) اخسأ أيها الجهول المارق، والمرذول المنافق، أين أمك، ثكلتك أمك. أو ما علمت أنك سحبت من عقالك لعقالك (٢)، وقدمت أول قدمك، لسفك دمك، وبسطت مكفوف كفك، لسلطان حتفك، وقلمت شبا أقلامك، لاصطلامك، وحبرت بحبرك، لذهاب خبرك، ومشقت في قرطاسك، لشق رأسك، فما حقيقة جوابك، على خطل خطابك، إلا سلبك عن إهابك، وصلبك على بابك، ولو كان بالحضرة أقيال، وحضرك رجال؟! لكنك بين همج هامج، ورعاع مائج، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء». فاقسم ببارئ النسم، وناشر الأمم من رفات الرمم، لأصيرن عليك أيها السخيف، المضعوف، على نذالتك، وفسالتك، عرض البساط (٣)، أضيق من سم الخياط، ولأخلدنك سمراً غابراً (٤)، ومثلاً سائراً، أو نشوه محياك، وتحلق [سبتا لك (٥)] من قفاك، وتحتزم بزنّارك، وتلحق بأديارك. مالك، ومقراً لك (٦)، [و] أسرتك الأرذلين، وعترتك الأنزلين (٧)، الصهب السبال، من ولغ الدم وشرّب

стр. 73

الأبوال، أكلة الجيف، وحللة الكنف (١)، و «الوضح، الرجح» رجح الأكفال، وضح كذوات الأحجال، فلله أبوك لقد أجدت في قومك الوصف، وبسطت لنا منهم النصف، وأنا الآن أنصف، وفقارك أقصف. «علم، حلم» ء بالتداوي من القرم، ومنافع القلم، حلم عن كلّ مجاوز الحلم. «جمح طمح» الآن صدقت، وغلطك استدركت، جمح في الإحجام، عن الإقدام، طلب الفرار، يوم الانتصار وإدراك الثأر، طمح إلى كل رموح طموح، يطول الشبر، ويطيل الشبر، معلف، مغلف (٢)، ذي خلق مرصوص، وهامةٍ كالفصوص (٣). إياك ولعابك، أن يمحو كتابك. «حماة السروح نماة الصروح (٤)»، النصفة، يا كشاجم لا الأنفة (٥)، غض قليلاً من طرفك، وأمسك عنان طرفك، ولنتحاكم في ذلك إلى ظرفك، هل يصحّ في التحصيل، أو يجوز في العقول، أن يحمى قومك سروح شائهم، وقد أباحوا فروج نسائهم، أليس هذا عين المحال، ومغالطة الجهّال. فهلّا توهّمت يا فتى الجواب، قبل الخطاب، وأبصرت الورطة، قبل السقطة. وأما ما قعقعت به ووعوعت، من صواحب الرايات، فهن وأبيك بعض بنات ربّة الإياة (٦)، إمائنا المسبيات الممتهنات، ملكتناهن ظبا البيض الهندية، وشبا السمر الردينية، فما عجنا بهن عما عودتموهن من البغاء، للاسترضاء،

стр. 74

فيكثر معشر العربان، من ولد سارتكم الإموان والعبدان (١)، وفيك من ذلك أصح دليل وأوضح برهان. فهلا يا فتى ثقفت، ودون هذا الفصل وقفت. «بُصر صبر»، بصر بتركيب عصب أنابيب السرر، ومنافعها بزعمهم للجسم والبصر! صبر على إيغال، الغراميل الطوال. «سرجٌ، وهجٌ» سرج المضاجع، لا يطفأ وهجان ذلك السعر، إلا بدافق ماء الكمر. «ملس الأدم، ما حاكوا قطّ برودا، ولا لاكوا عرودا». هذا وأبيك من التعريض الرقيق في مقالك، وآلك، وذلك أنك وصفتهم بإملاس الجلود، وقفيت بنفي لوك العرود، وإيجاب ذلك، لا يليق إلا ببالك (٢). فهذا لعمرك من بديع التحقيق، فافخر فهاتان صفتان سلمتا لكم. وأما لوك العرود فإن ذلك أوضح (٣) من السراج الوهاج، في الليل الداج (٤). قد تحدث (٥) أن ولدانكم عطلوا في وقت سوق نسائكم، فنمى ذلك إلى مليككم (٦)، فحكم، أكرم به من حكم (٧)، أن يبيح النسوان، من أنفسهن ما أباح الولدان، وامتثلن ذلك فاتسقت الحالان ونفقت السوقان، وما سمع في الأزمان، بأغرب من هذا الشان، فاشمخ بأنفك، وافخر بنصفك (٨).

стр. 75

وأما حوككم البرود، فناهيك من الغفارة الإفرنجية (١) إلى الديباجة الرومية، والنسبتان، بذلك تشهدان. وأما فخرك بربّة الإياة فيا ليتها حين ولدتكم ثكلتكم، فلقد سربلتموها عارا مجدّدا، وعصبتم بها شنارا مخلداً، حين خمتم عن الكفاح، حذر الصوارم والرماح، فأسلمتم لعداتها، من بناتها، كل طفلة رداح (٢)، جائلة الوشاح، ذات ثغر كالأقاح، وغرة كالصباح، أعجلن عن لوث أزرهن، واعتجار خمرهن، فعوضن من الإدلال بالإذلال، ومن الحجال بالرجال: خلف العضاريط لا يوقين فاحشة … مستمسكات بأقتاب وأكوار (٣) وعيرت العرب بالاغتذاء بالحيات، لتعذيكم بالدماء والميتات، فيمتاز الضد، ويقع الحد، بين من تناهت جرأته، وماتت همته. على أن لا افتخار في مشرب ولا مطعم، لعرب ولا لعجم. وكذلك ما عيرتهم به من حرق الجلة والبعر، غروا بإضرام النيران، لإكرام الضيفان، وإطعام المقرور الجوعان، إلى أن عدموا الأرطى والغضى، وموجود السّمر، وسائر أنواع الشّجر، فلجئوا إلى الجلة والبعر. وكذلك وصفك قومك بأن «ليسوا حفرة أكر، ولا حفزة عكر»، اللّه أجلّ الأكر أن يحفروها، والعكر أن يحفزوها، لكنهم حفزة جحشان وحفرة كهوف وغيران، اتخذوها مخبأ عن قبائل العربان (٤)، وملجأ من وقع

стр. 76

الصوارم والمران، فعل الخزان واليرابيع والجرذان (١). وأما فخرك بعلمهم الشرائع، فمن أبدع البدائع، «استنت الفصال حتى القرعى (٢)»، وجهلهم بذلك أوضح، من أن يشرح، وأبين، من أن يبين، لكن أنكت من ذلك نكتة، وأنبذ منه نبذة، تصفعهم صفعاً، [و] ترد صهب أدمهم سفعاً. وأن يكون ذلك، هبلت لآلك، ولم يأخذوه عن نبي، ولا نقلوه عن حواري، ولم يزالوا يتعاورون أصلهم الإنجيل بالزيادة والنقصان، إلى أن أصاروه في حيز الهذيان. وحسبك بهم جهلاً أنهم يعتقدون إلهاً نبيهم، يسمونه بالرب المعبود، وصيروه بعد مصلوب اليهود، فأعجب بجهل يجمع بين هذين، الطرفين، وأعجب من ذلك أنهم يجمعون (٣) أن عيسى ينزل إلى الأرض، لحساب الخلائق يوم العرض، فما ظنك يفعل باليهودية (٤) على ما قدموه على زعيمهم من صلبه، فهل يصح بهذه الآراء الضعيفة، والعقول السخيفة، دين، أو يثبت لهم معه يقين. ولولا أني أجل قلمي، وأنزه كلمي، عن سخافاتهم، في دياناتهم، وبرسامهم، في أحكامهم، لأوردت من ذلك ما لا يستجيزه إلا مثل قومك العجم، عقول البوم والرخم. وأما علم الطبائع فسلم بعضها لهم، لما تقدم في أثناء الرسالة، من علمهم بخواصّ تلك الآلة، والصدق أزين ما به نطق، وإليه سبق. وما ذكرته من أبي رغال، فذلك جد محتال، إنه غدا (٥) علماً منه باستئصالهم

стр. 77

عن اختيارهم إلى بوارهم، فعجل الله بأرواحهم إلى نارهم. وقضية أبي غبشان التي عظمت، ليس الأمر كما توهمت، لأن الكعبة بيت الله لا شريك له وضعه تعالى للعباد، وسوّى بين العاكف فيه والباد، وأبو عبشان إنما باع خدمته في البيت. وهبها قضية سفينها الغوى (١)، أين تقع في قضية إمامكم يهوذا الحواريّ، إذ باع نبيه روح القدس، من أعوانه بالأفلس (٢)، فكذّب الله ظنه، وأنجى نبيه، فدونك ضع قضية سفيهنا في كفة وفي أخرى قضية إمامك، ورجح بينهما بفض ختامك. وأما وصفك قومك أنهم «مجد، نجد، شمخ، بذخ، عرق، غرق، فهيهات ذلك منهم، تلك صفات قومنا العرب ذوي الأنساب، والأحساب، والعلوم، والحلوم، أولى اللسن، والبيان واللحن (٣)، والإسهاب، في الصواب، والحكمة وفصل الخطاب، فرسان الإعراب، وأرباب القباب، ومعملي الصوارم والحراب، أنديتهم عراص المنية (٤)، وأرديتهم بيض المشرفية، ولبوسهم مضاعفة الماذية (٥). سهكين من صدإ الحديد كأنهم … تحت السنور جنة البقار (٦) مجالسهم السروج، وريحانهم الوشيج، وموسيقاهم رنّات الرّدينيّات،

стр. 78

وطوبيقاهم السريجيات (١)، لم تكن قادتهم النساء، ولا رادتهم في آجالهم النساء (٢). يستعذبون مناياهم كأنهم … لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا (٣) عنوا بمد أطناب الأبنية، عزة وأنفة عن تشييد الأبنية، محالفى الصحاصح والبيد، فعل الأساود والأسود، قصورهم المناهل، ومعاقلهم الذوابل، صبرٌ، وقرُ، إذا ثار الغبار، واسود النهار، وحسن الفرار، وذهلت الأذهان، وأبهم العيان (٤)، وتلجلج اللسان، وتلاطمت السيوف، وحميت الحتوف، وقلصت الشّفاه، وعصت الريق [بالأفواه (٥)]، وتعانق الشجعان، وتشاجر المران، وبرم الحمام، وفل الحسام، وحمي الوطيس، والتقت الأقدام والرؤوس، فلا ترى إلا حزّ الغلاصم، وشيم الصماصم في الجماجم (٦) فهناك تلقاهم، لا دهمك لقاهم، أقيال الأقيال، شمرة الأذيال، أسود الأغيال، حماة الأشبال، لا ملس أدم ولا جررة الأذيال، وهكذا فليكن أقيال الرجال، يا مسلوب الحجال (٧). كتب القتل والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول (٨) وما كان أغناك يا كشاجم، عن كشف عورات آلك الأعاجم، لكن ضعف نظرك، حداك إلى هذرك، وسوء أدبك، وافي بك على عطبك، نسأل الله ستراً يمتدّ، ووجها لا يسودّ.

стр. 79

رسالة رابعة في الرد على ابن غرسية لأبى الطيب بن منّ اللّه القروي وعنوانها كما في كتاب البلوى وكشف الظنون حديقة البلاغة، ودوحة البراعة، المورقة أفنانها، المثمرة أغصانها، بذكر المآثر العربية، ونشر المفاخر الإسلامية، والرد على ابن غرسية فيما ادعاه للأمم الأعجمية.

стр. 80

وممن ردّ أيضاً عليه، وأجاد ما أراد (أبو الطيب بن منِّ الله القروي) برسالة طويلة أثبت منها بعض الفصول، تخفيفاً للتثقيل، قال فيها (١)، وافتتحها بهذه الأبيات: وذي خطل في القول يحسب أنه … مصيبٌ فما يلمم به فهو قائله (٢) نهدت له حتى ثنيت عنانه … عن الجهل واستولت عليه معاقله تعال فخبرني علام تشددت … قوى العير حتى أحرزتك مجاهله أيها الفاخر بزعمه، بل الفاجر برغمه، ما هذه البسالة، في الفسالة، ما هذه الجسارة، على الخسارة، لقد تجرأت، ومن الملة تبرأت، أبا لعرب تمرست، وفي مجدها تفرست، وعلى شرفها تمطيت، وإلى سوددها تخطيت. (وفي فصل): فأخبرني عنك أما كانت للعرب يد تشكرها، أو منة تذكرها. أما جبرت نقيصتك، أما رفعت خسيستك، أما استنهضتك من وهدتك، أما أيقظتك من [غفلتك و (٣)] رقدتك، ألم تربّك فيها وليداً (٤)، ألم تتخذك لها تليداً (٥). ألم تعن بتخريجك (٦)، وتدريجك، أما أنطقتك بعد العجمة،

стр. 81

أما أسلقتك بعد اللكنة (١)، حتى إذا اشتد كاهلك، وعلم جاهلك، وقوى ساعدك، ورقي صاعدك، كفرت نعمتها لديك، ونثرت عصمتها من يديك، وأخذت تطاولها بأرسانها، وتقاولها بلسانها، وتناضلها بسهامها، وتهاطلها برهامها (٢) أحين فكت أسرك من أقذورة الغلف (٣)، وأخذت بضبعك (٤) من أهوية التلف، وشدت ظهرك للمتان (٥)، واعتمدت طهرك بالختان (٦)، ناهضتها بحسامها، وجاهضتها بكلامها، ورميتها [بسهامها (٧)]، عن قوس هي نبعتها، ومن هضبة هي قلعتها: أعلمه الرماية كل يوم … فلما اشتد ساعده رماني (٨) ([وفي فصل (٧)]): وهات أرنا مفاخرك، نرك مساخرك. أنت صاحب الشّهب، الصّهب، والسّنة شهباء، والجهام صهباء. كذلك أنتم لا خير ولأمير، ولا عمرو ولا عمير، ليس للسخاء بالرومية اسم، و [لا (٧)] للوفاء في العجمية رسم. أين أنت عن السمر، القمر، البيض غرراً وصفاحاً، السود طرراً وأوضاحاً، الدعج عيوناً ورماحاً، البلج وجوها وسماحا، فمم في العمائم، وهمم في الغمائم، سعروا عليكم نار الحرب، بتلك الأينق الجرب، فكسروا كياسرتكم، وقصروا

стр. 82

قياصرتكم (١). وأخمدوا نار صولتكم، ومحوا آثار دولتكم (٢)، وطهروا الأرض المقدسة من أنجاسكم، والمسجد الأقصى من أرجاسكم، الذين ينجون ولا يستنجون، ويتجنبون ولا يتطيبون (٣)، رعاة الخنازير، وأكلة السنانير، أما رجالكم فقلف، غلف، وأما نساؤكم فقذر، بظر (٤)، لا يعرفون الخفاض ولا الختان، ولا يألفون السنان ولا العنان، ويحك بما آثرت، وبمن كاثرت، أما استحيت، مما انتحيت، هل كانت العرب إلا كنز عز، وذخر، فخر، وذخيرة (٥) ذخرها اللّه إلى الوقت المحتوم، وأسكنها أرضاً يرغب عنها أولو البطنة، ويرغب فيها ذوو الفطنة (٦)، حفظ فيها أحسابها، وطهر بها أنسابها (٧)، واختارها ليختار منها صفيه (٨)، وميزها ليميز منها حفيه، ثم اختصها بالأحلام الزكية، والأفهام الذكية، والأنفس الأبية، إن جاورتهم نصروك، وإن حاورتهم قصروك، وإن فاضلتهم فضلوك، وإن ناضلتهم نضلوك، وإن طاولتهم طاولوك، وإن استنلتهم أنالوك، يمشي أحدهم إلى الموت ثابتة وطأته، فسيحة خطوته، شديدة سطوته، جرياً على الكماة جنانه، درياً بتصريف القناة بنانه (٩)، بصيراً بمهج الدارعين سنانه، وأنتم كما وصفت ملس، لمس، لا تغيرون ولا تغارون

стр. 83

ولا تمنعون ولا تمتنعون، قلوبكم قواء، وأفئدتكم هواء، وعقولكم سواء، قد لانت جلودكم، ونهدت نهودكم، واحمرت خدودكم، تحلقون اللحى والشوارب (١)، وتتهادون القبل في المشارب (٢). والعرب تذم بالدعة، وتهجو بالسعة، وتفخر، بالجلادة، وتتبجح بالصلادة، فإن فاخرتها فبغير الطعام والشراب، ولكن بالطعان والضراب، وما عليك من لوك العرود، أخفت إعجازها، وخشيت إعوازها، أبك حاجة إليها، ألك حرص عليها، لشد ما أدركتك الحمية فيها، وحركتك العصبية لها (٣)، هذه نادرة لم تقصد قصدها. ومن الآيات، ذكر صواحب الرايات، والمباضعة، عندكم كالمراضعة، ما في السّكر، عندكم نكر، تبيحون ولوج العلوج، على بدور الخدور، الزنا، عندكم سنا، والفجار، بينكم فخار، فكيف أنكرت، ما ذكرت، وأنت على سنن، تلك السنن، الحال قائمة، والقصة دائمة، «وأول راض سيرة من يسيرها (٤)». ([وفي (٥)] فصل): فساروا معرقين، وعلوا مشرقين، لا تردهم رادة، ولا تصدهم صادة، حتى أهلكوا ساسان وكاسان، وملكوا خراسان وماسان، وسلكوا بالقهر، ما وراء النهر، فأدخلوكم الدروب، وألزموكم الكروب، بجريدة خيل، وطريدة ويل، وأمضوا فيكم العزائم. وأرضوا منكم الهزائم، حتّى أجحروكم رومية (٦) الدّفرا، والقسطنطينيّة البخراء، ونازلوكم منها على ذراعين، وصرعوكم بين المصراعين.

стр. 84

ألم تبلغك ضربة يزيد بعموده (١)، وخبر خالد بن يزيد في أخدوده؛ والرّاية المعلمة، والآية المحكمة، مسجد مسلمة (٢). ثم كم قائظة، غائظة، وصائفة، عليكم طائفة. ثم عطفوا مغربين، وللأرض مخربين، فما تركوا من الأعاجم عاجماً، ولا ناجماً، ولا بقوا من البرابر غابراً، ولا عابراً، وساروا قدماً يذبحون البر ذبحاً، ويسبحون البحر سبحاً، حتى طرقكم طارقهم في هذا الطرف، ورشقكم راشقهم في هذا الهدف، واقتحموا عليكم هذه البلاد فأوطئوها، وكأنما رموها بالحجارة فما أخطئوها، فملكوا أرضكم بساحتيها، وأحاطوا بها من ناحيتيها. وضمّوا جناحيكم إلى القلب ضمة … تموت الخوافي تحتها والقوادم (٣) فما تعرضك لقومٍ سلكوا بلادكم، واستعبدوا أولادكم. ثم إنهم حين قدروا، غفروا، ووضعوا الإتاوة على جماجم، الأعاجم، والمرسوم في براجم، السلاجم (٤) فلا يحضرون العشّار، إلا بالعثار، ولا يشهدون الأسواق، إلا بالأطواق، فإن

стр. 85

دخلتم في الدين قطعت استاهكم (١)، وإن خرجتم منه أخذت التي فيها شفاهكم (٢)، وكنت أنت من رذايا، تلك السبايا، ومن عبايا، تلك الخبايا (٣)، ومن خطايا، تلك العطايا، فلا تحرد حرد المقهور، ولا تضجر ضجر المبهور، ولا تحنق حنق الأسير [على القد (٤)]، ولا تغضب غضب المستقي على العد (٥)، ولا بأس عليك فقبلك قصروا الأمم، وهصروا القمم، وهم أبكار الزمان، وأفكار الأوان، لهم العرب العاربة، ومنهم عاد الغالبة، ذات (٦) الأحلام السداد، والأجسام الشداد، وإرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ومنهم لقمان صاحب النسور، وباني القصور، ومنهم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ونحتوا البيوت في الأطواد، والعمالقة والفراعنة أنتم لها أكَّارون، وحربة عكارون، والتبابعة، والمرابعة (٧)، وذو القرنين صاحب السّدّ، وشمر مخرّب سمرقند، قال اللّه تعالى: أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ، فضربهم مثلاً في الجلالة، ولهم الملوك من حمير والمقاول [من كهلان (٨)]: كانوا سماء الورى قبل النبي وهم … لما أتى الحق فيهم أنجم زهر (٩) سموا بملكهم قبل الهدى وسموا … مع الهدى فهم آووا وهم نصروا

стр. 86

ولاة، علاة، سماة، [حماة (١)]، لهم العلوّ والعلاء (٢) وفيهم العباهلة والأذواء. هـ الأنف في وجه الزمان ومجدهم … على صفحات الدهر ليس بجلمد (٣) وسدوا على يأجوج لما تتابعت … على العين في قطر من العين مبعد ترى كل معطوف الوشاحين أخمص … على كل مخطوف الجناحين أجرد فمن أمرد في السلم في حلم أشيب … ومن أشيب في الحرب في جهل أمرد (٤) بأيديهم البيض الرقاق كأنها … جداول ماء الموت قيل لها اجمدي فأين حصاتك من جبالهم، أم أين سفاتك من نبالهم (٥). (وفي فصل)، وعلام جثثت أصلك من الأنباط، وأزحت فصلك عن الأقباط (٦)، ما كان ذنبهم إليك، وجنايتهم عليك، حتى أخرجتهم عن جملة الأعاجم، ونفيتهم عن جملة أصحاب التراجم (٧)، بسبب كريمتهم، ومن أجل شريفتهم، لتسبّ العرب بولادة من تعلق بك، وتشبث بنسبك. أما علمت أن أحمق أفعالك، وأخرق أقوالك، سبك عدّوك بولادة امرأة من أهلك، أما هذا من جهلك.

стр. 87

ولما قال ابن فضالة (١) في ابن الزبير: وما لي حين أقطع ذات عرقٍ … إلى ابن الكاهلية من معاد (٢) قال ابن الزبير: لو علم لي أما هي شرٌ من عمته لسبني بها ونسبني إليها! أفلا ترى كيف غلب عليه، وسقط (٣) شعره فيه؟! وحاشا لمن كنّا في ذكره بل لها الشرف الأرتع، والسناء الأمتع (٤). هذا على اتصال نسبك برومان، فإن كنت من ولد كنعان، فما أبعد دارك، وأشحط مزارك، وأطمس آثارك. وأما الخيل فسامح العرب بركوبها ووثوبها، وخل بينهم وبين عيوبها، فلا حظّ لك ولا لأصحابك فيها. عليكم بالبراذين المحذفة (٥)، والكوادن الموكفة، الخيل حرث العرب وحصادها، وعدتها وأرصادها، وإنك لتعلم أن خيلهم أشهر من ملوككم (٦) أسماء وألقاباً، وأظهر من نسولكم أنساباً وأعقابا. قالوا: بنات أعوج، وآل الوجيه ولا حق، وبنات العسجدي، وآل ذي العقال، وداحس والغبراء، والجرادة والحنفاء (٧)، والنعامة والشماء، وحافل والشقراء، [والزعفران

стр. 88

والحرون، ومكنون والبطين والصريح وقرزل، والعصا (١)]. وأسماؤها كثيرة وألقابها شهيرة، ولعلك أن تذكر لنا من خيل آبائك الأولين، وأفراس أفراقك الأقدمين (٢)، فرساً مشهوراً، وفارساً مذكوراً. ولو كنت فاخرت العرب بنصب الدواليب، وعطف الكلاليب، وغرس الأشجار، في الأحجار، وقطع ما عظم من العيدان، وعمل العلاة والسندان، رضينا، وسلمنا. فأما نحر (٣) الليل، بآذان الخيل، وطىّ الفلاة، بأيدي اليعملات، وشن الغارات، وطلب الثارات، فلا عليك أن تخلي بينهم وبين شصائصهم (٤)، وألا تنازعهم في خصائصهم، فإنها إليهم أقرب، وهم بها أدرب، وهي بهم أليق وأعلق، [وهم إليها أسبق (٥)] يركبون إلى الحرب، في ثياب الشرب، ويعتنقون الفوارس، كما يعتنقون الأوانس. (وفي فصل): وما عبت من قومٍ ينزلون البراح، ويشربون القراح، ويرفعون العماد، ويعظمون الرماد: الموقدون بنجدٍ نار بادية … لا يحضرون وفقد العزّ في الحضر (٦) إذا همى القطر شبتها عبيدهم … تحت الغمائم للسّارين بالقطر

стр. 89

وما أدري من أين كان فَقْدُ الأحطاب لو فقدوها مثلبة [وليست معدودة في حسب، ولا نسب (١)]. ولقد اهتديت إلى طريفة، وانتهيت إلى لطيفة (٢)، فسبحان الله ما أصدق حسك، وأسبق حدسك، تدققت وترققت، حتى توثقت وتحققت، لا ولكنك تعمّقت حتى تحمّقت. فإن كان الأمر كما ذكرت، فأين غضى نجد وقلّامه، وأين رنده وبشامه، وأين غربه ونبعه، وأين سلمه وسلعه، وأين العنم والعلجان، وأين الساسم والبان، وأين الشيزي والأثاب، وأين الرنف والشوحط (٣)، وكيف عرفوا دوح الكنهبل، ومساويك الإسحل، وكتاب النبات يشهد عليك، بما فيه من الأيك. (وفي فصل): وكيف استجزت على فضلك الباهر، وشرفك - بزعمك - الظاهر، أن تستعين على فخرك بخلاف الحق (٤)، وتلجأ في تهورك إلى غير الصدق (٥)، هل كان النعمان إلا ملك أملاك، وشمس أفلاك، أصله عريق، وفرعه وريق، نزل الحيرة، وأنتم له جيرة، ملك شهم، من لدن مالك بن فهم، له سقى الفرات يجبى خراجه (٦)، ويستعبد أعلاجه، فكفا كم العرب جمعاء، من جلق إلى صنعاء، يذب عنكم بماله، واحتماله، بعد عقد مؤكد، وعهد منكم مؤبد، وأجارت العرب من أجار. وأغارت على من أغار (٧)، وحسنت حال الفرس بمكانه، وعزّت بلطانه، فلما شمخ على أعلاجكم، وامتنع من زواجكم،

стр. 90

وقال لباغي السواد، عليك ببقر السواد، استزرتموه، فغدرتموه (١)، فكيف رأيتم غضب العرب لثارها، وطلبها لأوتارها، ألم تصدمكم بذي قار، صدمة ذي احتقار، فأدركت فيكم رضى الرحمن، وأخذت بثأر النعمان، وطحطحت بني ساسان وآل كاسان، ولم تقم للفرس بعدها قائمة، ولا رعت لها سائمة. ولم تزل في قواصف تتقاذف، وعواصف تترادف، حتى تمم الله آفتها، واستأصل الإسلام شأفتها. وأما آل غسان فالشرف الأقدم، والبناء الذي لا يهدم، سالت من بلادها حين سال سيل العرم جائلة، وساحت من أرضها جافلة (٢)، هاجرة لأعطانها، نافرة عن أوطانها، وجاورت الحجاز وهبطت الشَّام (٣) فوجدت بلاداً ريفاً، خريفاً (٤)، ورجالاً جوفاً، عجوفاً (٥)، لا يحمون، ولا يحتمون، فقالت: غنيمةٌ باردة، وبهيمة فاردة، فنزلت الزوراء، والغوطة الزهراء. وجالت على الجولان ثم تصيدت … مناها بصيداء الذي عند حارب (٦) فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرَّ عيناً بالإياب مسافر (٧) على رغم أنوفكم، وقطع شنوفكم، وولجوا خدوركم، على غيظ صدوركم. وما بقيا عليَّ تركتماني … ولكن خفتما صرد النبال (٨) فقلتم قضية كريمة، ونعمة عميمة، وسور له باب، [باطنه (٩)] فيه الرحمة

стр. 91

وظاهره من قبله العذاب، لا يستكف الغرب، إلا بالغرب، ولا يقطع الحديد إلا بالحديد، ودفع الشر بالشر أحزم. فمتى أدوا إليكم الإتاوة، وحملوا لكم الإداوة (١)، وهم يحمونكم حمى القروم أشوالها، ويمنعونكم منع الأسود أشبالها. أم تراكم تركتم لهم الشام رعياً لذمامهم، وصلة لأرحامهم!! (وفي فصل): وفخرت بالرياضية والأرضية، صدقت ونبت عني في الجواب. هي كالرياض سريعة الذيول، كثيرة الجفول، زهر مشرق، ونور مطرق، لا ثمر، ولا كثر (٢). وهل في الرياض لمستمتع … سوى أن يرى حسن أزهارها وكالأرض الأريضة، ذات العرصة العريصة، لابناء فيحل، ولا سماء فيظل (٣)، يدفن فيها الأموات، وتخمد فيها الأصوات. وأما الاسترلوميقي الهندسية (٤) فعلم عملي مبنى على التقاسيم، والتراسيم، وكله آلات، للحالات، وأدوات، للذوات، ومساحات، للساحات، وأمداد، للأعداد، وفي أفانين، القوانين، ليس فيها معنى من تحصيل دقائق الفصول، ولا تفصيل حقائق المحصول، فأهلها عمال ممتهنون، وبأشكالها مرتهنون، والعرب بعيدة من المهنة، نافرة من الخدمة. ومن قولكم أن قسم العلم أفضل من قسم العمل فهي إذن أرذل القسمين، وأسقط العلمين. والجومطريقي علم الهيئات، والطوالع وكورها، وجنسها ذو نوعين (٥)، وبابه على مصراعين، القضايا، وليست وصايا (٦). أما الأوّلون فقسموها (٧) على

стр. 92

أن الطوالع مدبرة مقبلة، وهي أصول فاسدة، وسوق كاسدة. وقال آخرون: هي كالعيافة، والزجر والقيافة. وهذا باب مسلم للعرب لهم فيه اليد الطولى، والمنزلة الأولى، لهم السوانح والبوارح، والقواعد والنواطح (١)، وعندهم الأيامن والأشائم، والأواقى والحواتم، وغير ذلك من التمائم والرتائم، وفيهم من لا يعتمده ولا يرتصده، وفي أشعارهم (٢) شواهد على ذلك. وأما الكهانة فكانت فيهم فاشية، ولهم غاشية، وقد سمعت بشق وسطيح، وزرقاء اليمامة وطليحة الأسدي، ومسيلمة الحنفي، والأسود العنسي، وزهير بن جناب الكلبي، وأفعى نجران، وحازى غطفان (٣) فلما جاءت الديانة، بطلت الكهانة، ولما نزل القرآن، زجر الشيطان. وكذلك الدرجة الأخرى، فالعرب بها أحق وأحرى، وهي معرفة الشهور والأيام، وحساب الدهور والأعوام، والأفلاك وإدراكها، والأبراج وأدراجها، والنيرات وتعاورها، والدراري وتغاورها (٤)، عرفوا السماء ومعايشها، والأرض وحشائشها، ووصفوا الطوالع والغوارب، ورتبوا الثوابت وأنواءها، والنوائب وأدواءها، والأزمنة وأهواءها، فلا ينجم نجم إلا سمته، ولا ينبت نبت إلا وسمته، ولا عيش في سائر الأقطار، إلا بضامن الأمطار (٥)، كما لا ثبات للحيوان إلا بالنبات، فقد عرفوا إذن طريقي الحياة، ووصفوا فريقي النجاة، وما سوى ذلك فضلٌ، ليس فيه فضل.

стр. 93

وأما الطب فجمعته العرب في كلمتين معلومتين، ولفظتين محفوظتين، على رأيها في الاقتصار، ومذهبها في الاختصار، فقالت: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء»، وقال ﷺ : «أصل كل داء البردة (١)»، وقالوا: «كل وأنت تشتهي، ودع وأنت تشتهي»، فجمعوا الطب بأظافيره، والصلاح بحذافيره، وإذا فتشت أصول سقراط، وتبينت فصول بقراط، لم تجد مستزاداً مستجاداً، ولا مستراداً مستفاداً، وليست هذه الأمور مما ينفرد بها أفرادهم، ولا يخص بها آحادهم، بل ينطق بها صغارهم وكبارهم، ويعرفه نساؤهم، ويهتف به آماؤهم، وأشعارهم بذلك ناطقة، وأخبارهم عنه صادقة، ما تلوا فيه متلواً، ولا قروا به مقروا (٢)، لكنها الطباع الصافية، والقرائح الكافية، والغرائز السليمة، والنّحائز الكريمة، تلتقط الحكم من مخاطباتهم، وتسير الأمثال من مجاوباتهم، على منهاج واحد من الفصاحة في المحاورة، والمشاورة، وعلى طريقة واحدة من البلاغة في المسالمة، والمراغمة، والمواجزة، مع المناجزة، ولا يتعلمون ولا يتأملون، بل يرسلون الحكم إرسالاً، ويبعثون الفطن أرسالاً. والموسيقى علم اللحون [فما (٣)] بالعجم إليه حاجة مجحفة، وضرورة معجفة، لعجز (٤) طباعهم عن الأوزان، وقلة اتساعهم في الميدان (٥)، لأن لغاتهم قليلة، وقواهم كليلة، لا تستجيب إلا بوسائط، ولا تستقل إلا ببسائط، ليس عندهم شعر موزون، ولا كلام مرصون، ولغة العرب واسعة العبارات، ناصعة الإشارات، لها الشعر الموزون، والنظم المكنون، والكلام المنثور،

стр. 94

والسّجع المأثور، والرّجز المشطور، والمزدوج المبتور، ولعبيدها فى ذلك كله اللّحون الشجيّات، المطربات، والتغايل والتقايل (١)، والأهزاج والأرمال، وغير ذلك من الأعمال، كالرّكبانى والأعرابى، والنّصبىّ (٢) والمدنىّ، والثقيل الثانى، وعمود المدنى، والماخورىّ والسّريجى (٣)، وخفيف المدنى، وهى كثيرة، أثيرة، نسى معها الأرغن (٤) والسلمان (٥) والصّنج (٦) والكنكلة (٧) والفندورة (٨) والقيثارة (٩)، فلا يعرفن ولا يؤلفن. وما أظنّ معبدا والغريض وأصحابهما قرءوا قطّ موسيقى، ولا سمعوا منطيقا.

стр. 95

فاعرض إن شئت ألحانهم المطبوعة، على أوزانكم المصنوعة، فاظهر غلطهم في التنغم، وخطأهم في الترنم. على أنه من العلم المذموم؛ روى في الحديث: «إن أول من غنّى وناح إبليس حين أكل آدم من الشجرة». قيل: وهو أول من عمل الطنبور، فلا مرحباً بعلم إبليس اللعين فيه الأستاذ. وقد كان منهم من إذا غنى ثنت الوحش أجيادها، وفارقت اعتيادها، وعطفت خدودها، وتركت شرودها، مصغية إليه، مقبلة عليه، فإذا قطع عاودت نفارها، وطلبت أوكارها. هذا فعل الأوابد، والوحوش الشوارد، فما ظنك بالقلوب الرقيقة، والفطن الرشيقة. ولقد ألف الإسلاميون في الأغاني، وما يتصل بها من المعاني، ما إن نظرت بميزٍ وحكمت بعدل، وقفت (١) على الفضل، في هذا الفصل، ولم تحوجك العصبية، والنفس الغضبية، إلى شهادة الزور، والجور المأزور. وأما الأنوطيقي واللوطيقي (٢) فهناك جاءت الأحموقي، والأخروقي، وظهر عجز القوم وبان أنهم أغمار، ليس فيهم إلا حمار (٣)، وضل سعيهم في الحياة الدنيا لما وصلوا إلى حيث تنفرد العقول (٤) بنظرها، والبصائر بفكرها، فمنهم الدهرية أنكروا العقول، والعلم المنقول، والدليل والمدلول، وهم يبصرون تعاقب الأضداد وتعاور الكون والفساد، ومنهم الطبيعيون وهم أيدي سبا (٥)، وفرق شتى، قوم يقولون: العالم من أصلين: هوائي وأرضي، فجمعوا بين الرّاسب والطافي،

стр. 96

والكدر والصافي (١). ومنهم من قال إن العناصر أربعة هي بسائط للمركبات، فقضوا بائتلاف المتضادات، وتركيب المتحادات (٢). فإن قيل: كيف صارت متظافرة، وهي متنافرة، [وغدت متجاورة، وهي متغاورة، وإذا كانت تتهارج، كيف تتمازج (٣)]، أم كيف يمتزج الصاعد بالراكد، ويلتبس الحار بالبارد؟ قالوا: جمعها جامع، وقمعها قامع، بطبعه لا باختياره، وفعله لا باقتداره، وهذا غاية المحال، ونهاية الاختلال، لأنّه لا بدّ أن يكون الخامس مثلها أو مثل بعضها، أو مخالفاً لكلها، فإن كان مثلها أو مثل بعضها فلا حاجة بها إليه مع وجود مثله، وإن كان مخالفاً لسائرها فلا بد من سادس لتغايرها، ثم كذلك إلى غير غاية. قال صاحب الكتاب (٤): وبين أبو الطيب بطلان كلامهم (٥) في احتجاج طويل، تركته تخفيفاً للتثقيل (٦). ثم قال: وأما أصحاب الطوالع، وعباد المطالع، فاختلفوا في الهيئة أيضاً على جهات، ووصفوها بصفات، لا سيما المنجمين، وهم فنون، في الجنون، يقولون فلك الأفلاك، ودرك الأدراك، والفلك الأثير، وهذيان كثير، وعبدوا الشمس وسجدوا للنار والكواكب وهم يرون آثار النقص فيها، ودلائل الحدث تعتريها، من طلوع وأفول، ويزعمون أنّها تتغاير وتتمانع، وتتكاسف

стр. 97

وتتخاسف، وكل بصاع هذا التخليط، من هذه الأغاليط، لا يعرفون رشداً، ولا يهتدون قصداً. هذا مقدار عقول حكمائك، ونهاية آراء علمائك، وهذا قليل من كثير هذيانهم، وأوار من عوار غليانهم. فإن قلت: فإن العرب أيضاً كانت تعبد الأصنام؟ فنحن ما أحمدنا لك دينها، ولا رضينا يقينها، بل نعلم أن من قال منها بالإشراك، فقد قصر في الإدراك، وهي على كل حال تذكر الله تعالى، كما قال : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى. وكثير من يقر بالبعث والجزاء. ويعترف بالحشر واللقاء. وكان منهم من رغب عن عبادة الأوثان. وتفرقوا في الأديان، فكانت حمير على دين موسى، وكان بنو الديان وأهل نجران وتغلب وغسان على دين عيسى، وكانت فيهم الملة الحنيفية الإسلامية، والشريعة الإبراهيمية، ومن أهلها كان قس بن ساعدة الإيادىّ، وورقة بن نوفل الأسدىّ، وزيد بن عمرو بن بني عدي (١)، وقتلته الروم لذلك (٢). وقد قيل، في خالد بن سنان ما قيل (٣). وكان أبو كرب الحميري (٤) أحد التبابعة قد آمن برسول الله ﵇، قبل مبعثه بسبع مائة عام، وقال:

стр. 98

شهدت على أحمد أنه … رسول من الله باري النسم (١) فلو مد عمري إلى عمره … لكنت وزيراً له وابن عم وقد ذكر بعض أهل المقالات أن عبد المطلب بن هاشم كان من المهتدين في الدين، واستدل بأنه أجيب لما سأل (٢)، وسقي حين ابتهل، وذكر سيف ابن ذي يزن، وحزن على فوته أشد الحزن، وأكد له العهود، وحذره عليه اليهود (٣). ولما دعوا دخلوا في الدين أفواجاً، وأتوه أزواجاً، إلا من أدركته النفاسة، وحبّ الرئاسة، وسبقت عليه الشقوة، وورم أنفه من النخوة، كأبي جهل ابن هشام، وعامر بن الطفيل، وأمية بن أبي الصلت وغيرهم. وقال معاوية في كلام له مشهور: فما كان إلا كغرار العين حتى جاء نبي لم يسمع الأولون بمثله، ولا سمع الآخرون به، ولقد كنا نفخر بذكره على من نطرأ عليه (٤) [ويطرأ علينا (٥)] وإنا لنكذبه، ونتبجح بذكره وإنا لنحاربه». هذه لمعٌ من أمور الجاهلية، وطرف من مفاخر الأولية، إن أنصفت نفسك، أو صدقت حسك، عرفت أين يقع منها مفاخروها (٦)، وهل يشقّ غبارها مجاروها (٧).

стр. 99

(وفي فصل). وما تصنع إذا نشرت الكمائن، ونثرت الكنائن، وقرعتك القوارع، وفرعتك الفوارع (١)، وماست رايات السيادة، وخفقت ألوية السعادة، وطلعت عليك طوالع النبوة في أبهة الجلال والجمال، وسماحة (٢) العز والكمال، وقيل لك: هذا سيد ولد آدم أولهم وآخرهم، خاتم الأنبياء، وقاتل الأغبياء أشهد أن الله لم يجعل محمداً هاشمياً إلا وهاشم خير قريش، ولا قرشياً إلا وهم خير مضر، ولا مضرياً إلا وهم خير العرب، ولا عربياً إلا وهم خير الأمم لهم كعبة الله، وولادة إسماعيل، ودعوة إبراهيم، وإليهم مهاجر هود وصالح وشعيب وأتباعهم من المؤمنين، واشياعهم من الموقنين فيهم كان حمامهم، وعندهم دفنت رمامهم، لا كثنائك (٣) الذي أسررت فيه حسواً في ارتغاء، ودفعاً في ابتغاء، وكشفت فيه ضبابك، عن ضبابك (٤)، وهتكت أستارك، عن ابتسارك (٥)، وظننت أن مخالطك، تخفي معالطك (٦)، وأن مدحك، يستر قدحك حين مدحت مدحاً بجلياً (٧)، وأثنيت ثناءً دخلياً (٨)، ولم يمدح من ذمّت

стр. 100

قبائله (١)، ولم يثبت من جذت حبائله. أجعلت ويلك تبره في الرغام، بل الرغام لأنفك، والرّعام لوجهك (٢). لقد أخللت بنفسك وزلت قدمك، وأحللت بعقدك وقد حل دمك. ولو صح اعتقادك، لصح انتقادك، ولو خاص باطنك، لأقصر باطلك، ولو اصطلمت، ما ظلمت، ولو اخترصت، ما وفي بما اجترمت (٣). سمع عمر بن عبد العزيز ﵁ بعض كاتبيه، وعير بنصرانية أبيه، فضرب لنفسه مثلاً يجل عنه، ويرتفع عن قدره، فقال له عمر. أو قد قلتها، والله لا تشرب البارد بعدها! وأمر به فضربت عنقه. فأمّا إذا أغفل ولاة الأمر تأديبك، وتأديب الكافة بك فأحلوا تأنيبك، وتأنيب السفهاء مثلك، فتب إلى اللّه توبة تهديك، وتنحيك. وعلى أنك خلفٌ، من ذلك السلف، رأيك فيه رأي أهلك، وفرعك جارٍ على أصلك، إلا أن السيف قهرك، والدين قسرك، وأخذك حكم الدار، وخوف البدار، فأنت تشرق بريقك، وتغصّ برحيقك، ولا بدّ للمصدور أن ينفث، وللمبهور أن يغوّث (٤): ولا بدّ للماء في مرجل … على النار موقدة أن يفورا (٥) كمل التقييد والحمد للّه كثيرا (٦).