← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله , نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين , وسلَّم تسليماً كثيراً , أما بعد: فإن من توفيق الله تعالى - وله الحمد والشكر - أن يسَّر لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - شرح منظومة " الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية " الشهيرة " بالعقيدة السفارينية " للعلامة الشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي المتوفى - رحمه الله تعالى - عام ١١٨٨ هـ. ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً. وقد شرحها شيخنا - رحمه الله تعالى - عدة شروحات كان آخرها ذلك الشرح المسجل صوتياً عام ١٤١٠ هـ ضمن الدروس العلمية التي كان يعقدها فضيلته - رحمه الله تعالى - في الجامع الكبير بمدينة عنيزة وهو الذي اعتمد عليه في إخراج الكتاب.

стр. 2

وسعياً لتعميم النفع بهذا الشرح - إن شاء الله تعالى - وإنفاذاً للقواعد والتوجيهات التي قررها فضيلة شيخنا ﵀ لإخراج مؤلفاته ودروسه العلمية وإعدادها للنشر , عهدت " مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية " إلى الشيخ " مساعد بن عبد الله السلمان - أثابه الله - " بالعمل لإعداده للنشر والطباعة , ثم قام الشيخ الدكتور " سامي بن محمد الصقير " أثابه الله بالمراجعة , فجزاهما الله خيراً على أعمالهما في خدمة هذا الكتاب. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم , موافقاً لمرضاته , نافعاً لعباده , وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويسكنه فسيح جناته , ويضاعف له المثوبة والأجر , ويعلي درجته في المهديين , إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله , خاتم النبيين , وإمام المتقين , وسيد الأولين والآخرين , نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللجنة العلمية في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثمين الخيرية ١٥/٣/١٤٢٦هـ

стр. 3

نص المنظومة ١. الحمد لله القديم الباقي ... مقدر الآجال والأرزاق ٢. حي عليم قادر موجود ... قامت به الأشياء والوجود ٣. دلت على وجوده الحوادث ... سبحانه فهو الحكيم الوارث ٤. ثم الصلاة والسلام سرمدا ... على النبي المصطفى كنز الهدى ٥. وآله وصحبه الأبرار ... معادن التقوى مع الأسرار ٦. وبعد فاعلم أن كل العلم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي ٧. لأنه العلم الذي لا ينبغي ... لعاقل لفهمه لم يبتغ ٨. فيعلم الواجب والمحالا ... كجائز في حقه تعالى ٩. وصار من عادة أهل العلم ... أن يعتنوا في سبر ذا بالنظم ١٠. لأنه يسهل للحفظ كما ... يروق للسمع ويشفي من ظما ١١. فمن هنا نظمت لي عقيدة ... أرجوزة وجيزة مفيدة ١٢. نظمتها في سلكها مقدمة ... وست أبواب كذاك خاتمة ١٣. وسمتها بالدرة المضية ... في عقدة أهل الفرقة المرضية ١٤. على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ... إمام أهل الحق ذي القدر العلي ١٥. حبر الملا فرد العلا الرباني ... رب الحجى ماحي الدجى شيباني ١٦. فإنه إمام أهل الأثر ... فمن نحا منحاه فهو الأثري ١٧. سقى ضريحا حله صوب الرضا ... والعفو والغفران ما نجم أضا ١٨. وحله وسائر الأئمة ... منازل الرضوان أعلى الجنة ١٩. اعلم هديت أنه جاء الخبر ... عن النبي المقتفي خير البشر ٢٠. بأن ذي الأمة سوف تفترق ... بضعا وسبعين اعتقادا والمحق

стр. 4

٢١. ما كان في نهج النبي المصطفى ... وصحبه من غير زيف وجفا ٢٢. وليس هذا النص جزما يعتبر ... في فرقة ألا على أهل الأثر ٢٣. فأثبتوا النصوص بالتتريه ... من غير تعطيل ولا تشبيه ٢٤. فكل ما جاء من الآيات ... أو صح في الإخبار عن ثقات ٢٥. من الأحاديث نمره كما ... قد جاء فاسمع من نظامي واعلما ٢٦. ولا نرد ذاك بالعقول ... لقول مفتر به جهول ٢٧. فعقدنا الإثبات يا خليلي ... من غير تعطيل ولا تمثيل ٢٨. وكل من أول في الصفات ... كذاته من غير ما إثبات ٢٩. فقد تعدى واستطال واجترى ... وخاض في بحر الهلاك وافترى ٣٠. ألم تر اختلاف أصحاب النظر ... فيه وحسن ما نحاه ذو الأثر ٣١. فإنهم قد اقتدروا بالمصطفى ... وصحبه فاقنع بهذا وكفى ٣٢. أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد ٣٣. بأه واحد لا نظير ... له ولا شبه ولا وزير ٣٤. صفاته كذاته قديمة ... أسماؤه ثابتة عظيمة ٣٥. لكنها في الحق توقيفية ... لنا بذا أدلة وفيه ٣٦. له الحياة والكلام والبصر ... سمع إرادة وعلم اقتدر ٣٧. بقدرة تعلقت بممكن ... كذا إرادة فع واستبن ٣٨. والعلم والكلام قد تعلقا ... بكل شيء يا خليلي مطلقا ٣٩. وسمعه سبحانه كالبصر ... بكل مسموع وكل مبصر ٤٠. وأن ما جاء مع جبريل ... من محكم القرآن والتنزيل ٤١. كلامه سبحانه قديم ... أعيا الورى بالنص يا عليم ٤٢. وليس في طوق الورى من أصله ... أن يستطيعوا سورة من مثله

стр. 5

٤٣. وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا ٤٤. سبحانه قد استوى كما ورد ... من غير كيف قد تعالى أن يحد ٤٥. فلا يحيط علمنا بذاته ... كذاك لا ينفك عن صفاته ٤٦. فكل ما قد جاء في الدليل ... فثابت من غير ما تمثيل ٤٧. من رحمة ونحوها كوجهه ... ويده وكل ما من نهجه ٤٨. وعينه وصفته النزول ... وخلقه فاحذر من النزول ٤٩. فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال ٥٠. لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رقما لأهل الزيغ والتعطيل ٥١. نمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل ومن غير فكر ٥٢. ويستحيل الجهل والعجز كما ... قد استحال الموت حقا والعمى ٥٣. فكل نقص قد تعالى الله ... عنه فيا بشرى لمن والاه ٥٤. وكل ما يطلب فيه الجزم ... فمنع تقليد بذاك حتم ٥٥. لأنه لا يكتفى بالظن ... لذي الحجى في قول أهل الفن ٥٦. وثيل يكفي الجزم إجماعا بما ... يطلب فيه بعض العلما ٥٧. فالجازمون من عوام البشر ... فمسلمون عند أهل الأثر ٥٨. وسائر الأشياء غير الذات ... وغيرما الأسماء والصفات ٥٩. مخلوقة لربنا من العدم ... وضل من أثنى عليها بالقدم ٦٠. وربنا يخلق باختيار ... من غير حاجة ولا اضطرار ٦١. لكنه لم يخلق الخلق سدى ... كما أتى في النص فاتبع الهدى ٦٢. أفعالنا مخلوقة لله ... لكنها كسب لنا يا لاهي ٦٣. وكل ما يفعله العباد ... من طاعة أو ضدها مراد ٦٤. لربنا من غير ما اضطرار ... منه لنا فافهم ولا تمار

стр. 6

٦٥. وجاز للمولى يعذب الورى ... من غير ما ذنب ولا جرم جرى ٦٦. فكل ما منه تعالى يجمل ... لأنه عن فعله لا يسأل ٦٧. فإن يثب فإنه من فضله ... وإن يعذب فبمحض عدله ٦٨. فلم يجب عليه فعل الأصلح ... ولا الصلاح ويح من لم يفلح ٦٩. فكل من شاء هداه يهتدي ... وإن يرد إضلال عبد يعتدي ٧٠. والرزق ما ينفع من حلال ... أو ضده فحل عن المحال ٧١. لأنه رازق كل الخلق ... وليس مخلوق بغير رزق ٧٢. ومن يمت بقتله من البشر ... أو غيره فبالقضاء والقدر ٧٣. ولم يفت من رزقه ولا الأجل ... شيء فدع أصل الضلال والخطل ٧٤. وواجب على العباد طرا ... أن يعبدوه طاعة وبرا ٧٥. ويفعلوا الذي به أمر ... حتما ويتركوا الذي عنه زجر ٧٦. وكل ما قدر أو قضاه ... فواقع حتما كما قضاه ٧٧. وليس واجبا على العبد الرضا ... بكل مقضي ولكن بالقضا ٧٨. لأنه من فعله تعالى ... وذاك من فعل الذي تقالى ٧٩. ويفسق المذنب بالكبيرة ... كذا إذا أصر بالصغيرة ٨٠. ولا يخرج المرء من الإيمان ... بموبقات الذنب والعصيان ٨١. وواجب عليه أن يتوبا ... من كل ما جر عليه حوبا ٨٢. ويقبل المولى بمحض الفضل ... من غير عبد كافر منفصل ٨٣. ما لم يتب من كفره بضده ... فيرتجع عن شركه وصده ٨٤. ومن يمت ولم يتب من الخطأ ... فأمره مفوض لذي العطا ٨٥. فإن يشأ يعفو ... وإن شاء انتقم وإن يشأ أعطى وأجزل النعم ٨٦. وقيل في الدروز والزنادقة ... وسائر الطوائف المنافقة

стр. 7

٨٧. وكل داع لابتداع يقتل ... كمن تكرر نكثه لا يقبل ٨٨. لأنه لم يبد من إيمانه ... إلا الذي أذاع من لسانه ٨٩. كملحد وساحر وساحرة ... وهم على نياتهم في الآخرة ٩٠. قلت وإن دلت دلائل الهدى ... كما جرى للعيلبوني اهتدى ٩١. فإنه أذاع من أسرارهم ... ما كان فيه الهتك عن أستارهم ٩٢. وكان للدين القويم ناصرا ... فصار منا باطنا وظاهرا ٩٣. فكل زنديق وكل مارق ... وجاحد وملحد ومنافق ٩٤. إذا استبان نصحه للدين ... فإنه يقبل عن يقين ٩٥. إيماننا قول وقصد وعمل ... تزيده التقوى وينقص بالزلل ٩٦. ونحن في إيماننا نستثني ... من غير شك فاستمع واستبن ٩٧. نتابع الأخيار من أهل الأثر ... ونقتفي الآثار لا أهل الأشر ٩٨. ولا تقل إيماننا مخلوق ... ولا قديم هكذا مطلوق ٩٩. فإنه يشمل للصلاة ... ونحوها من سائر الطاعات ١٠٠. ففعلنا نحو الركوع محدث ... وكل قرآن قديم فابحثوا ١٠١. ووكل الله من الكرام ... اثنين حافظين للأنام ١٠٢. فيكتبان كل أفعال الورى ... كما أتى في النص من غير أمترا ١٠٣. وكل ما صح من الأخبار ... أو جاء في التنزيل والآثار ١٠٤. من فتنة البرزخ والقبور ... وما أتى في ذا من الأمور ١٠٥. وأن أرواح الورى لم تعدم ... مع كونها مخلوقة فاستفهم ١٠٦. فكل ما عن سيد الخلق ورد ... من أمر هذا الباب حق لا يرد ١٠٧. وما أتى في النص من أشراط ... فكله حق بلا شطاط ١٠٨. منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح

стр. 8

١٠٩. وأنه يقتل الدجال ... بباب لدخل عن جدال ١١٠. وأمر يأجوج ومأجوج اثبت ... وأنه حق كهدم الكعبة ١١١. وأن منها آية الدخان ... وأنه يذهب بالقرآن ١١٢. طلوع شمس الأفق من دبور ... كذات أجياد على المشهور ١١٣. وآخر الآيات حشر النار ... كما أتى في محكم الأخبار ١١٤. فكلها صحت بها الأخبار ... وسطرت آثارها الأخيار ١١٥. واجزم بأمر البعث والنشور ... والحشر جزما بعد نفخ الصور ١١٦. كذا وقوف الخلق للحساب ... والصحف والميزان والثواب ١١٧. كذا الصراط ثم حوض المصطفى ... فيا هنا لمن به نال الشفا ١١٨. عنه يزداد المفتري كما ورد ... ومن نحا سبل السلامة لم يرد ١١٩. فكن مطيعا واقف أهل الطاعة ... في الحوض والكوثر والشفاعة ١٢٠. فإنها ثابتة للمصطفى ... كغيره من كل أرباب الوفا ١٢١. من عالم كالرسل والأبرار ... سوى التي خصت بذي الأنوار ١٢٢. وكل إنسان وكل جنة ... في دار نار أو نعيم جنة ١٢٣. هما مصير الخلق من كل الورى ... فالنار دار من تعدى وافترى ١٢٤. ومن عصى بذنبه لم يخلد ... وإن دخلها يابوار المعتدي ١٢٥. وجنة النعيم للأبرار ... مصونة عن سائر الكفار ١٢٦. واجزم بأن النار كالجنة في ... وجودها وأنا لم تتلف ١٢٧. فنسأل الله النعيم والنظر ... لربنا من غير ما شين غبر ١٢٨. فإنه ينظر بالأبصار ... كما أتى في النص والأخبار ١٢٩. لأنه سبحانه لم يحجب ... إلا عن الكافر والمكذب ١٣٠. ومن عظيم منة السلام ... ولطفه بسائر الأنام

стр. 9

١٣١. أن أرشد الخلق إلى الوصول ... مبينا للحق بالرسول ١٣٢. وشرط من أكرم بالنبوة ... حرية ذكورة كقوة ١٣٣. ولا تنال رتبة النبوة ... بالكسب والتهذيب والفتوة ١٣٤. ولكنها فضل من المولى الأجل ... لمن يشأ من خلقه إلى الأجل ١٣٥. ولم تزل فيما مضى الأنباء ... من فضله تأتي لمن تشاء ١٣٦. حتى أتى بالخاتم الذي ختم ... به وإعلانا على كل الأمم ١٣٧. وخصه بذاك المقام ... وبعثه لسائر الأنام ١٣٨. ومعجز القرآن كالمعراج ... حقا بلا مين ولا اعوجاج ١٣٩. فكم حباه ربه وفضله ... وخصه سبحانه وخوله ١٤٠. ومعجزات خاتم الأنبياء ... كثيرة تجل عن إحصائي ١٤١. منها كلام الله معجز الورى ... كذا انشقاق البدر من غير امترا ١٤٢. وأفضل العالم من غير امترا ... نبينا المبعوث في أم القرى ١٤٣. وبعده الأفضل أهل العزم ... فالرسل ثم الأنبيا بالجزم ١٤٤. وأن كل واحد منهم سلم ... من كل ما نقص ومن كفر عصم ١٤٥. كذاك من إفك ومن خيانة ... لوصفهم بالصدق والأمانة ١٤٦. وجائز في حق كل الرسل ... النوم والنكاح مثل الأكل ١٤٧. وليس في الأمة بالتحقيق ... في الفضل والمعروف كالصديق ١٤٨. وبعده الفاروق من غير افترا ... وبعده عثمان فاترك المرا ١٤٩. وبعده فالفضل حقيقيا فاسمع ... نظامي هذا للبطين الأنزع ١٥٠. مجدل الأبطال ماضي العزم ... مفرج الأوجال وافي الحزم ١٥١. وافي الندى مبدي الهدى مردي العدا ... مجلي الصدا ويا ويل من فيه اعتدى ١٥٢. فحبه كحبهم حتما وجب ... ومن تعدى أو قلي فقد كذب

стр. 10

١٥٣. وبعد فالأفضل باقي العشرة ... فأهل بدر ثم أهل الشجرة ١٥٤. وقيل أهل أحد المقدمة ... والأول أولى للنصوص المحكمة ١٥٥. وعائشة في العلم مع خديجة ... في السبق فافهم نكتة النتيجة ١٥٦. وليس في الأمة كالصحابة ... في الفضل والمعروف والإصابة ١٥٧. لأنهم شاهدوا المختار ... وعاينوا الأسرار والأنوار ١٥٨. وجاهدوا في الله حتى بانا ... دين الهدى وقد سما الأديان ١٥٩. وقد أتى في محكم التنزيل ... من فضلهم ما يشفي للغليل ١٦٠. وفي الأحاديث وفي الآثار ... وفي كلام القوم والأشعار ١٦١. ما قد ربا من أن يحيط نظمي ... عن بعضه فاقنع وخذ من علم ١٦٢. واحذر من الخوض الذي قد يزري ... بفضلهم مما جرى لو تدري ١٦٣. فإنه عن اجتهاد قد صدر ... فاسلم أذل الله من لهم هجر ١٦٤. وبعدهم فالتابعون أحرى ... بالفضل ثم تابعوهم طرا ١٦٥. وكل خارق أتى عن صالح ... من تابع لشرعنا ومن ناصح ١٦٦. فإنها من الكرامات التي ... بها نقول واقف للأدلة ١٦٧. ومن نفاها من ذوي الضلال ... فقد أتى في ذاك بالمحال ١٦٨. لأنها شهيرة ولم تزل ... في كل عصر يا شقا أهل الزلل ١٦٩. وعندنا تفضيل أعيان البشر ... على ملاك ربنا كما اشتهر ١٧٠. قال ومن قال سوى هذا افترى ... وقد تعدى في المقال واجترا ١٧١. ولا غنى لأمة الإسلام ... وفي كل عصر كان عن إمام ١٧٢. يذب عنها كل ذي جحود ... ويعتني بالغزو والحدود ١٧٣. وفعل معروف وترك منكر ... ونصر مظلوم وقمع كفر ١٧٤. وأخذ مال الفيء والخراج ... ونحوه والصرف في منهاج

стр. 11

١٧٥. ونصبه بالنص والإجماع ... وقهره فحل عن الخداع ١٧٦. وشرطة الإسلام والحرية ... عدالة سمع مع الدرية ١٧٧. وأن يكون من قريش عالما ... مكلفا ذا خبرة وحاكما ١٧٨. فكن مطيعا أمره فيما أمر ... ما لم يكن بمنكر فيحتذر ١٧٩. واعلم بأن الأمر والنهي معا ... فرضا كفاية على من قد وعى ١٨٠. وإن يكن ذا واحدا تعينا ... عليه لكن شرطه أن يأمنا ١٨١. اصبر وزل باليد واللسان ... لمنكر واحذر من النقصان ١٨٢. ومن نهى عما له قد ارتكب ... فقد أتى بما به يقضي العجب ١٨٣. فلو بدا بنفسه فزادها ... عن غيها لكان قد أفادها ١٨٤. مدارك العلوم في العيان ... محصورة في الحد والبرهان ١٨٥. وقال قوم عند أصحاب النظر ... حس وإخبار صحيح والنظر ١٨٦. الحد وهو أصل كل علم ... وصف محيط كاشف فافتهم ١٨٧. وشرطه طرد وعكس وهو إن ... أنبا عن الذوات فالتام استبن ١٨٨. وإن يكن بالجنس ثم الخاصه ... فذاك رسم فافهم المخاصه ١٨٩. وكل معلوم بحس وحجى ... فنكره جهل قبيح في الهجا ١٩٠. فإن يقم بنفسه فجوهر ... أو لا فذاك عرض مفتقر ١٩١. والجسم ما ألف من جزأين ... فصاعدا فاترك حديث المين ١٩٢. ومستحيل الذات غير ممكن ... وضده ما جاز فاسمع زكني ١٩٣. والضد والخلاف والنقيض ... والمثل والغيران مستفيض ١٩٤. وكل هذا علمه محقق ... فلم نطل فيه ولم ننمق ١٩٥. والحمد لله على التوفيق ... لمنهج الحق على التحقيق ١٩٦. مسلما لمقتضى الحديث ... والنص في القديم والحديث

стр. 12

١٩٧. لا اعتني بقول غير السلف ... موافقا أئمتي وسلفي ١٩٨. ولست في قولي بذا مقلد ... إلا النبي المصطفى مبدي الهدي ١٩٩. صلى عليه الله ما قطر نزل ... وما تعاني ذكره من الأزل ٢٠٠. وما انجلى بهديه الديجور ... وراقت الأوقات والدهور ٢٠١. وآله وصحبه أهل الوفا ... معادن التقوى وينبوع الصفا ٢٠٢. وتاباع وتابع للتابع ... خير الورى حقا بنص الشارع ٢٠٣. ورحمة الله مع الرضوان ... والبر والتكريم والإحسان ٢٠٤. تهدي مع التبجيل والإنعام ... مني لمثوى عصمة الإسلام ٢٠٥. أئمة الدين هداة الأمة ... أهل التقى من سائر الأئمة ٢٠٦. لا سيما أحمد والنعمان ... ومالك محمد الصنوان ٢٠٧. من لازم لكل أرباب العمل ... تقليد حبر منهم فاسمع تخل ٢٠٨. ومن نحا سبلهم من الورى ... ما دارت الأفلاك أو نجم سرى ٢٠٩. هدية مني لأرباب السلف ... مجانباً للخوض من أهل الخلف ٢١٠. خذها هديت واقتف نظامي ... تفز بما أملت والسلام

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،،، أما بعد: فهذه المنظومة بين فيها المؤلف (١) ﵀ عقيدة السلف ﵏، وإن كان في بعضها شيء من المخالفات التي يأتي التنبيه عليها - إن شاء الله. واعلم أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فأما توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فلم يختلف فيه أهل القبلة، يعني لم يختلف فيه المسلمون، بل كل المسلمين مجمعون على توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، أي: أنه يجب إفراد الله بالربوبية، ويجب إفراده بالعبادة. وأما توحيد الأسماء والصفات فهو الذي اختلف فيه أهل القبلة، أي: المنتسبون إلى الإسلام اختلافا يمكن أن نقول انه على ستة أقسام في إجراء النصوص: القسم الأول: من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى وترك ما وراء ذلك. وهؤلاء هم السلف وأتباعهم.

стр. 14

فـ (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) قالوا: إن ظاهره أن الله استوى على العرش، أي علا عليه، فنؤمن بأن الله نفسه علا على العرش ولا نلتفت لما وراء ذلك، لا نقول: أين الله قبل أن يخلق العرش؟ ولا نقول: هل استواؤه على العرش بمماسة أو بانفصال؟ ولا نقول: إن استواءه على العرش للحاجة إليه، بل يجب أن نقول إنه ليس للحاجة إليه، وفرق بين الأمرين. فنقول: إن استواء الله على العرش ليس لحاجته إلى العرش، بخلاف استواء الإنسان مثلا على السرير أو على الدابة فهو للحاجة إليها، ولهذا لو أزيل السرير من تحته لسقط أما الرب فان استواءه على عرشه لظهور عظمته ، وتمام ملكه، وليس لأنه محتاج إلى العرش، بل إن العرش وغيره في حاجة إلى الله في إيجاده وإمداده. فلا يمكن أن نقول: إن استواء الله على العرش للحاجة إليه. ولا نقول: إن استواء الله على العرش يقتضي أن يكون الله جسما أو ليس بجسم؛ لأن مسألة الجسيمية لم ترد في القرآن ولا في السنة إثباتا ولا نفيا، ولكن نقول بالنسبة للفظ لا ننفي ولا نثبت، فلا نقول جسم ولا غير جسم. لكن بالنسبة للمعنى نستفصل ونقول للقائل: ماذا تعني بالجسم؟ هل تعني انه الشيء القائم بنفسه، المتصف بما يليق به، الفاعل بالاختبار، القابض، الباسط؟ إن أردت هذا فهو حق ومعنى صحيح، فالله تعالى قائم بنفسه، فعال

стр. 15

لما يريد، متصف بالصفات اللائقة به، يأخذ ويقبض ويبسط، ويقبض السماوات بيمينه ويهزها. وإن أردت بالجسم الشيء الذي يفتقر بعضه إلى بعض، ولا يتم ألا بتمام أجزائه، فهذا ممتنع على الله؛ لأن هذا المعنى يستلزم الحدوث والتركيب، وهذا شيء ممتنع على الله . والمهم أننا نقول: إن من أهل القبلة من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله دون أن يتعرض لشيء، وهؤلاء هم السلف، وطريقة السلف على هذا الوجه اسلم وأعلم وأحكم: فهي اسلم لأنهم لم يتعرضوا لشيء وراء النصوص. وأعلم لأنهم أخذوا عقيدتهم عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . وأحكم لأنهم سلكوا الطريق الواجب سلوكها، وهو إجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله . ومن هم هؤلاء السلف؟ هم الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين؛ كالإمام احمد بن حنبل، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وغيرهم من أئمة المسلمين. وهل يمكن أن تكون السلفية في وقتنا الحاضر؟ نعم يمكن ونقول: هي سلفية عقيدة، وإن لم تكن سلفية زمنا؛ لأن السلف سبقوا زمنا، لكن سلفية هؤلاء سلفية عقيدة، بل عقيدة وعمل في

стр. 16

الواقع، وهم بالنسبة لمن بعدهم سلف، كما قال النبي ﵊ في زيارة المقابر: ((أنتم سلفنا ونحن بالأثر)) (١) القسم الثاني: من اجروا النصوص على ظاهرها، وقالوا: النصوص على ظاهرها لكنها من جنس صفات المخلوقين، فقالوا: إن لله يدا كأيدينا، ووجها كوجوهنا. وهؤلاء هم الممثلة، وهم بلا شك ضالون، لم يقدروا الله حق قدره، ولو قدروا الله حق قدره ما جعلوا صفاته كصفات خلقه. وهم أيضا متناقضون، لأنهم لم يجعلوا الذات الإلهية كالذات المخلوقة، ومعلوم أن الصفات فرع عن الذات، فإذا كانت الذات لا تماثل ذوات المخلوقين، فالصفات أيضا لا تماثل صفات المخلوقين؛ لان صفة كل ذات تناسبها. أرأيت رجل البعير ورجل الذرة هل يتماثلان؟ الجواب: لا يتماثلان، بل بينهما فرق عظيم جدا. فإذا قال قائل: عندي رجل جمل، وقال الثاني: عندي رجل ذرة، هل يفهم أحد من الناس أن الذي عند الثاني كالذي عند الأول؟ فالجواب: لا؛ لان ذات الجمل ليست كذات الذرة، إذا صفات الجمل ليست كصفات الذرة. وأيضا قوة الفيل وقوة الذرة، كلاهما قوة، ولكنهما غير متماثلين؛ لان قوة الذرة صغيرة تعجز عن شيء يسير، أما الفيل فقوته تساعده على حمل الأشياء العظيمة.

стр. 17

فإذا قال الله عن نفسه :) بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: الآية ٦٤) (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (صّ: ٧٥) فلا يمكن لعاقل أبدا أن يعتقد أو يتصور أن يد الله كيد المخلوق. وكيف يمكن ذلك والله يقول:) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: ٦٧) ويقول تعالى:) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: ١٠٤) . فالإنسان الكاتب يطوي الكتاب بسهولة، لكن هل يمكن للبشر كلهم أن يطووا واحدة من السماوات؟ لا يمكن أبدا. إذا هؤلاء الممثلة ضالون لم يقدروا الله حق قدره. وهل هم كافرون بذلك؟ نعم كافرون لان الله يقول:) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١)) فإذا قال قائل: بل مثله شيء فقد كذب الخبر، وتكذيب خبر الله كفر، ولهذا قال نعيم بن حماد الخزاعي ﵀ شيخ البخاري: ((من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها)) (١) ، فإذا هؤلاء ضالون وكفار أيضا. ومن هذا ما ينشر في الأفلام الكرتونية حيث إنهم يشبهون الله بشيخ رهيب، مزعج المنظر، ذي لحية طويلة، عملاق، فوق السحاب، يسخر الرياح ويعمل ما يريد، والحقيقة أني اشهد الله أن هذا نشر للكفر الصريح، لان الصبي إذا شاهد مثل هذا وفي أول تمييزه، سوف ينطبع في

стр. 18

نفسه إلى أن يموت ألا ما شاء الله، قال رسول الله ﷺ : ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) (١) . ولهذا أقول: إن الذين يعرضون هذه الأشياء لصبيان المسلمين، سوف يحاسبون عند الله حسابا عسيرا يوم القيامة؛ لأنهم يريدون - شاءوا أم أبوا - أن يضل الناس بهذا ضلالا مبينا. وعلينا جميعا إذا كانت الأفلام على هذا الوجه أن نحذر منها أهل البيوت؛ حتى لا يقعوا في هذا الشر المستطير الذي هو أعظم من شر الأغاني وغيرها؛ لان كون الإنسان يمثل الله بهذه الصورة البشعة لا شك انه من أعظم المنكر والعياذ بالله. وأقول: انظر إلى أعداء الله كيف يريدون أن يهينوا رب العزة والجلال بهذه الأشياء التي تسري على الناس سريان النار في الفحم من غير أن يشعر بها، وسريان السم في الجسد من غير أن يشعر به. والواجب علينا نحن المسلمين ولا سيما في بلادنا هذه أن نكون حذرين يقظين؛ لان بلادنا هذه مغزوة في العقيدة وفي الأخلاق، وفي الأعمال، ومن كل وجه. ولا تظن أن الغزو أن يقبل العدو بجحافله ودباباته وصواريخه ليهدم الديار ويقتل الناس فحسب، بل الغزو هو هذا الغزو المشكل الذي يدخل الناس من حيث لا يشعرون، والإنسان بشر مدني متكيف، ينفر من الشيء أول ما يسمعه، ولكن بعد مدة يرتاح إليه ويألفه، ويكون كأنه أمر عادي،

стр. 19

حتى الأمراض التي في الجسم، أول ما يدخل فيروس المرض ينفر منه الجسم ويتأثر ويسخن، لكنه ربما يتحمله بعد ذلك. وعلى كل حال فأنا أود من طلبة العلم، أن يؤدوا ما عليهم من مسؤولية، بأن يحذروا الناس من هذه الأفلام، مادامت تعرض مثل هذه الأمور التي لا يشك مؤمن بالله أن عرضها قيادة للأطفال إلى الكفر بالله ، وإهانة الله . ونحن أهل الجزيرة علينا مسؤولية عظيمة ليست على بقية الناس، فمن هنا ظهر الإسلام وإليه يعود، في هذه الجزيرة، قال رسول البرية ﵊ في مرض موته: ((اخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) (١) وقال: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع ألا مسلما)) (٢) ، وقال: ((أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)) (٣) . وإذا كان الرسول ﵊ أمرنا بإخراج أجسادهم، فإنه يأمرنا أمراً أولوياً بإخراج أفكارهم وأخلاقهم التي يبثونها بين الناس ليضلوا عباد الله ، ولو أن الرسول ﵊ أمامنا الآن يقول في

стр. 20

مرض موته وهو على فراش الموت: ((اخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) هل لأنهم أجسام بشر مثلنا؟ !! لا. بل لأنهم يبثون شركهم وشرورهم بيننا، فهذه الجزيرة لها شان عظيم وميزان كبير في نظر الشرع باعتبار حماية الدين الإسلامي، فأنا اجعلها أمانة في أعناق طلبة العلم أن يحرصوا غاية الحرص على التحذير من هذه الأفلام. وهذه كلمة مهمة جداً، لكنها معترضة بالنسبة لموضوعنا، وسببها الاستطراد في مسألة المماثلة، وأن من مثل الله بخلقه فهو كافر. وعلى كل حال فقد أشترك هذان القسمان في إجراء النصوص على ظاهرها، وافترقا في أن السلف أجروها على اللائق بالله ، وهؤلاء أجروها على وجه التمثيل بالمخلوقات، وهذا فرق عظيم. القسم الثالث: من أجروا النصوص على خلاف ظاهرها إلى معان ابتكروها بعقولهم، وهؤلاء الذين يدعون أنهم العلماء والحكماء، ويقولون: طريقة السلف طريقة الذين يقرأون الكتاب أماني ولا يعرفون، أما نحن أهل العلم والحكمة، ولهذا قالوا: طريقة الخلف أعلم وأحكم، وقد ذكرنا في كتاب تلخيص الحموية بيان بطلان هذا القول. (١) هؤلاء الذين يجرون النصوص على خلاف الظاهر إلى معان عينوها بعقولهم، فقالوا: ((استوى على العرش)) أي استولى على العرش، ((يد الله)) : أي قوته أو نعمته، ((وجه الله)) : ثوابه، ((محبة الله)) : ثوابه، ((غضب

стр. 21

الله)) : انتقامه، وهكذا قالوا لزعمهم: إن المعنى الظاهر ممتنع على الله ، ثم قالوا: إذا كان ممتنعا فلنا عقول نتصرف فيها. ونرد عليهم فنقول وبكل سهولة: إذا كان الأمر كما قلتم فلماذا يتحدث الله عن نفسه بعبارات غير مقصودة، ويجعل الأمر موكولا إلى عقولنا؟ . فالصواب انه ليس إلى العقل بل إلى الهوى المختلف الذي يقول فيه فلان: هذا واجب، ويقول فلان الثاني: هذا ممتنع على الله، والثالث يقول: هذا جائز. فلماذا يجعل الله الحديث عن صفاته بكلمات لا يراد بها ظاهرها؟! وهل هذا إلا تعمية، وخلاف البيان الذي قال الله تعالى فيه: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: الآية ١٧٦) ؟ وقال:) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) (النساء: الآية ٢٦) ؟ ولماذا يجعل الأمر موكولا إلى ما تقتضيه عقولنا التي هي ليست عقلا في الواقع بل هي وهم؟! قالوا: لأجل أن يزيد ثوابنا بتحويل النص إلى معناه، لأنك إذا أخذت النص على ظاهره لم تتكلف، لكن إذا صرفته عن ظاهره يحتاج إلى دليل من اللغة وشواهد وجهد كبير حتى تصل إلى المعنى المراد، فهذه التعمية الواردة في أعظم الأخبار المقصود بها كثرة الثواب. يا سبحان الله العظيم، أيضيع الله أصلا عظيما في التحدث عن نفسه من أجل أن يزيد ثوابنا بالتعب! ثم إن التعب الذي يأتي لغير سبب لا يثاب عليه الإنسان.

стр. 22

ولو قال قائل مثلا: الناس الآن يحجون على الطائرة وعلى السيارة، وأنا سأحج على حمار أعرج، أركبه تارة وأسوقه تارة حتى أصل إلى مكة لان هذا فيه تعب عظيم وأجر كبير فهل يؤجر الإنسان على هذا؟ الجواب: لا يؤجر؛ لان هذا تعب حصل باختياره هو، ولهذا أمر النبي ﵊ الرجل الذي نذر أن يقف في الشمس، أمره أن يدخل في الظل، ونهاه (١) عن تعذيب نفسه، والله يقول:) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً) (النساء: ١٤٧) . فالحاصل أن هؤلاء لا شك أنهم مخطئون ضالون، مرتكبون لضلالين يتضمن كل ضلال منهما القول على الله بلا علم. فقولهم: إن الله لم يرد كذا، هذا قول على الله بلا علم، إذ كيف لم يرد وهو ظاهر لفظه. وقولهم: أراد كذا، هذا أيضا قول على الله بلا علم؛ لأنه إذا انتفت إرادة الظاهر بقي ما يخالف الظاهر قابلا للاحتمالات الكثيرة؛ إذ ليس هناك ما يجعل هذا الاحتمال المعين هو المراد دون غيره من الاحتمالات. ولهذا نقول إن هؤلاء ضالون. القسم الرابع: قالوا: نسكت ونفوض، ولا نقول معناها كذا ولا كذا، نقرأ القرآن والحديث وكأنما نقرأ لغة لا نعرفها، كأننا عرب نقرأ باللغة الإنجليزية ولم نعرف اللغة الإنجليزية، أو كأننا عامة لا يعلمون الكتاب ألا أماني. وهؤلاء يقولون: كل نصوص الصفات غير معلومة المعنى. فإذا قلت

стр. 23

لأحدهم: ما تقول بارك الله فيك وهداك إلى الصواب في قوله تعالى:) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) ؟ وقوله تعالى:) بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: من الآية ٦٤) ؟ وقوله تعالى:) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) (الرحمن: الآية ٢٧) . قال: الله اعلم. فسبحان الله!! نعم كل شيء الله اعلم به، لكنه أنزل علينا كتابا مبينا) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ: ٢٩) ،) وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: الآية ٨٩) فأي فائدة لنا في قران لا نعرف معناه؟! وهل يمكن أن نمتثل أمر الله، وأن نعظم الله ، وأن ننفي عنه النقائص ونحن لا نعلم ما أراد بكلامه؟! والجواب: لا، لا يمكن. وإذا كنتم انتم معنا تقولون: إن آيات الأحكام وأحاديث الأحكام معلومة المعنى، حيث يعرف الناس معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج، فلماذا لا تجعلون آيات الصفات معلومة المعنى لأنها تتعلق بذات الخالق وهي أعظم من آيات الأحكام التي تتعلق بعمل المخلوق فهي أولى بالعلم؟! والمهم أن هؤلاء يسمون عند أهل السنة بالمفوضة. وهناك من العلماء من يقول: إن التفويض هو مذهب السلف، ويقول: إن أهل السنة قسمان: مؤولة ومفوضة وهذا واقع. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول وصدق فيما قال: ((قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وذكر تعليلات عظيمة قوية

стр. 24

في كتابه المعروف بدرء تعارض العقل والنقل، وذكر الأدلة على ذلك، وقال هذا الذي فتح علينا باب الفلاسفة (١) ، وهذا الذي جعل أهل التخييل ينكرون اليوم الآخر والجنة والنار، وقالوا: إذا كنتم لا تعلمون معاني هذه الصفات فنحن نعلمها، وإذا كنتم لا تعرفون ما يتعلق بالرب فنحن نعرف ما يتعلق بالرب؛ فقالوا: الرب كله ليس له أصل، وإنما هو تخويف من عباقرة من البشر من اجل أن يستقيم الناس على ما طلب منهم. وصدق شيخ الإسلام ﵀ فيما قال: إذ كيف ينزل الله علينا كتابا، ورسوله ﵊ يخبرنا بأخبار فيما يتعلق بذات الرب وصفاته، ويقال: كل هذا ليس له معنى، ولا يجوز أن نتكلم في معناه؟ . هذا من أعظم ما يكون من الإلحاد والكفر، وفيه من الاستهانة بالقرآن الكريم والذم له ما لا يعلمه ألا من تأمل هذا القول الفاسد الباطل. القسم الخامس: قالوا: نحن لا نتكلم بل علينا أن نمسك. فيجوز أن يكون المراد بها الظاهر اللائق بالله ويجوز أن المراد بها الظاهر المماثل للمخلوقين ويجوز أن يكون المراد بها خلاف الظاهر ويجوز أن لا يكون المراد بها شيء، كل هذا ممكن وجائز، وما دامت الاحتمالات قائمة فالواجب الإمساك. والفرق بينهم وبين المفوضة أن المفوضة يقولون: لا نقول شيئا أبداً، وهؤلاء يقولون: يحتمل كذا، وكذا، وكذا، وكذا، ونكف عن القول لان

стр. 25

الاحتمالات كلها واردة، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال. والقسم السادس: قوم اعرضوا عن هذا كله وقالوا: لا نقول شيئا في صفات الله، نحن نقرأ القرآن ونتعبد الله بقراءته ولا، تعرض لمعناه فيما يتعلق بالصفات إطلاقا، فهم لا يقولون بقول أحد الأقسام الخمسة السابقة، بل يسكتون ولا يقدرونها بقلوبهم ولا ينطقون بها بألسنتهم، بل يسكتون عن هذا كله. وهؤلاء غير سالمين بل واقعون في الخطأ، فالقرآن تبيان لكل شيء، والقرآن يراد به لفظه ومعناه الدال عليه لفظه، ومن لم يقل بذلك فهو على ضلال، والقرآن نزل بألفاظه ومعانيه، لكن علينا أن نتأدب مع الله ولا نتجاوز القرآن ولا نتجاوز الحديث. ولو أن أحدا أراد أن يتكلم عن صفة شخص ليس حاضرا، فلا يسوغ له أن يتكلم عن صفته وهو لا يعلم، فكيف يتكلم عن صفات الخالق أو يحكم بعقله على هذه الصفات العظيمة التي لا يمكنه أن يدركها بعقله أبداً؟! وغاية ما عندنا نحن أن ندرك المعنى، أما الحقيقة والكيفية فهذا شيء لا يمكن إدراكه، ولهذا يحرم على الإنسان أن يتخيل أو أن يتصور شيئا من صفات الله ، فلا يجوز أن تتصور أو تتخيل يد الله كيف هي مثلا، ولهذا سألني سائل ذات مرة فقال: ما تقول في أصابع الله؟ كم هي؟ أعوذ بالله. فقلت: هل أحد يسأل هذا السؤال؟! يا أخي اتق ربك، أنت لست ملزما بهذا، أثبت أن لله أصابع كما قال الرسول ﵊، وأما كم فلا يمكن لك أن تتكلم بهذا.

стр. 26

فوالله ما أنت بأحرص على العلم بالله من الصحابة ﵃، والصحابة ﵃ لما قال الرسول ﵊ ((إن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع)) (١) . إلى آخر الحديث، ما قالوا: يا رسول الله هل لله أكثر من هذه الأصابع؛ لأنهم أكمل أدبا، وأشد تعظيما لله ممن أتى بعدهم، وإذا كنت صادقا في عبادة الله فلا تتجاوز ما أخبر الله به عن نفسه، كما انك لا تتجاوز ما شرعه الله لعباده، فلو أردت أن تصلي الظهر خمسا لقال لك الناس كلهم هذا خطأ، إذاً لا تتكلم فيما اخبر الله به عن نفسه، أو اخبر به عنه رسوله ﷺ ألا بمقدار ما بلغك فقط. وأنت إذا سلكت هذا - والله - تسلم من أمور كثيرة؛ تسلم من شبهات يوردها الشيطان على قلبك، ومن شبهات يوردها عليك غيرك، ولما قيل للإمام مالك: يا أبا عبد الله:) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) كيف استوى؟ أطرق حتى علاه العرق من شدة هذا السؤال وعظمته - لان هذا السؤال منكر - ثم قال: ((الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)) فانظر كلام السلف ﵏ كيف أن كل إنسان يسال عما لم يسأل عنه السلف - الصحابة ﵃ خاصة - فهو مبتدع. وكذلك قول القائل: إنه ثبت أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، ونحن نشاهد أن الثلث يدور على الأرض إذا الله ينزل كل الليل. أعوذ بالله فمن قال هذا؟! قف يا أخي حيث جاءت

стр. 27

النصوص وتسلم من هذا التقدير، اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وتسلم من هذا التقدير، فلو طلع الفجر هنا في المملكة وهو ثلث الليل في المغرب. فيكون النزول بالنسبة لنا انتهى وبالنسبة لهؤلاء الذين عندهم الثلث الأخير موجود. نحن في الثلث وأهل المشرق قد طلع عليهم الفجر، فالنزول بالنسبة لأهل المشرق انتهى، وبالنسبة لنا بدأ، ولا تتعدى هذا يا أخي، ولست ملزما بهذه التقديرات أبدا. والله لو كان خيرا لسبقنا إليه الصحابة ﵃، فالصحابة أحرص منا على الخير. فإذا قال قائل: ربما لم يكن في قلوبهم هذا التقدير لأنهم ما عرفوا عن كروية الأرض على وجه مفصل، ولا عرفوا أن الشمس تغرب مثلا عن أهل المدينة قبل أن تغرب عن أهل المغرب فلهذا لم يسألوا؟ . فنقول: لو كان هذا من شرع الله لقيض الله له من يسال حتى يتبين؛ ولهذا لما أخبر النبي ﷺ أن أيام الدجال، فيها يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع، انطق الله الصحابة ﵃ وقالوا: اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم واحدة؟ قال: لا، اقدروا له قدره (١) . فلا تظن أبداً أن شيئا يلزمنا في ديننا يمكن أن يغفل إطلاقا، لو لم يتكلم به الرسول ﷺ ابتداء فسوف يقيض الله له من يسال عنه لان الله يقول:) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) (المائدة: الآية ٣) . لما انقسم أهل القبلة - يعني الذين ينتسبون إلى الإسلام - هذه الانقسامات صار الناس يؤلفون الكتب المبنية على الجدل والنزاع والخصومات التي لا

стр. 28

نهاية لها، وإذا طالعت كتب هؤلاء خصوصا أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم أهل التأويل، عجبت من التقديرات التي يقدرونها ويفصلون فيها ويجادلون فيها، في أمر لا يمكنهم إدراكه بالنسبة لما يتعلق بصفات الله ، وجعلوا الحكم راجعا إلى ما تقتضيه عقولهم لا إلى ما يقتضيه الكتاب والسنة، فضلوا في ذلك ضلالا بيناً، وصاروا يتخبطون خبط عشواء، لا يعرفون من الحق شيئا. ولقد ألف أهل السنة - الذين سلكوا مسلك السلف - كتبا كثيرة في العقيدة، مختصرة ومطولة ومتوسطة، ومن جملة ما ألف، هذه المنظومة التي نظمها السفاريني ﵀ على مذهب أهل السنة والجماعة، على أن فيها بعض الأشياء التي تحتاج إلى بيان، وسنبينه بحسب موضعه إن شاء الله.

стр. 29

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١- الحمد لله القديم الباقي ... مقدر الآجال والأرزاق ــ الشرح قوله: (الحمد لله) : يقول العلماء ﵏: الحمد هو وصف المحمود بالكمال على وجه المحبة والتعظيم، فإن كرر الوصف صار ثناء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله ﵎ يقول: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي)) (١) . فنفسر الحمد بأنه: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. وقوله: (الحمد) ((أل)) هنا قالوا: إنها للاستغراق، يعني جميع المحامد ثابتة لله، واللام في قوله: ((لله)) قالوا: إنها للاستحقاق، أو للاختصاص، وإن شئنا قلنا: إنها للاستحقاق وللاختصاص؛ للاستحقاق لان الله تعالى مستحق للحمد، وللاختصاص لان المحامد كلها لا تكون ألا لله وحده فقط. وقوله: (لله) : الله، علم على الرب ، رب العالمين، وهو علم مختص به لا يمكن أن يكون لغيره، وهذا العلم يكون دائما متبوعا لا تابعا، بمعنى انه هو الذي يتبع بالأسماء وليس بتابع؛ فمثلا قال الله تعالى:) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) قال: ((لله)) ، ثم قال ((رب العالمين)) ، ولم يقل ((الحمد لرب العالمين الله)) وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ولم

стр. 30

يقل: بسم الرحمن الرحيم الله، فدائما هو الذي تتبعه الأسماء وتلحق به. وقوله (القديم) القديم يعني السابق لغيره، فهو بمعنى الأول فقد قال الله تعالى:) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد: ٣) ولكن هذا الاسم بهذا اللفظ لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، وإذا لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة فليس لنا أن نسمي الله به، لأننا إذا سمينا الله بما لم يسم به نفسه فقد قفونا ما ليس لنا به علم، وقلنا على الله ما لا نعلم، والله تعالى قد حرم ذلك فقال:) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) . وقال تعالى:) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦) . وإذا سمينا الله بما لم يسم به نفسه فذلك جناية وعدوان، أرأيت لو أن شخصا سماك بغير اسمك ألا تعتبر ذلك جناية عليك؟ كذلك إذا سميت الله بما لم يسم به نفسه فهذه جناية وعدوان في حق الخالق ، فلا يحل لك ذلك، وإذا نظرنا في القرآن والسنة فلن نجد انه جاء من أسماء الله. إذا: لا يجوز أن نسمي الله به أولا: لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة. وثانيا: لأن القديم ليس من الأسماء الحسنى، والله يقول (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الأعراف: ١٨٠) فالقديم ليس من الأسماء الحسنى لأنه لا

стр. 31

يدل على الكمال، فإن القديم يطلق على السابق لغيره سواء كان حادث أم أزليا، قال الله تعالى:) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّس: ٣٩) ، والعرجون القديم هو عذق النخلة الذي يلتوي إذا تقدم به العهد، ولا شك أنه حادث وليس أزليا، والحدوث نقص، وأسماء الله تعالى كلها حسنى لا تحتمل النقص بأي وجه. فتبين بذلك أن تسمية الله بالقديم لا تجوز بدليل عقلي وبدليل سمعي؛ الدليل السمعي قول الله تعالى) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) ، وقوله تعالى:) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: ٣٦) أما الدليل العقلي فهو أن القديم ليس من الأسماء الحسنى لأنه يتضمن نقصا، حيث إن القديم قد يراد به الشيء الحادث، ومعلوم أن الحدوث نقص، فلو قال المؤلف ﵀ بدل القديم: الحمد لله العليم أو العظيم أو الكريم أو ما أشبه ذلك من الأسماء التي أثبتها الله لنفسه لكان أولى. والأفضل من القديم: الأول، وذلك للأسباب الآتية: الأول: لان الله تسمى به وهو اعلم بأسمائه. والثاني: انه يدل على أن الله قبل كل شيء، وأنه أزلي. والثالث: أن الأول قد يكون له معنى آخر غير السبق في الزمن، وهو المآل، فالأول يعني الذي تؤول إليه الأشياء، فيكون مأخوذا من الأول بمعنى الرجوع؛ لان مرجع كل شيء إلى الله، فيكون أوسع دلالة من القديم.

стр. 32

إذاً تسمية الله بالقديم مما يؤخذ على المؤلف ﵀. وقوله: (الباقي) يعني الذي يبقى بعد كل شيء، فهو بمعنى الآخر، أي الذي ليس بعده شيء، والآخر من أسماء الله، قال الله تعالى:) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ عَلِيمٌ) (الحديد: ٣) فكأن المؤلف ﵀ أتى بالقديم بإزاء الأول وأتى بالباقي بإزاء الآخر، ولكن في هذا نظر، فلم يرد من أسماء الله أنه الباقي، وإنما جاء) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧) . والصفة لا يشتق منها اسم، وقد ذكرنا في كتابنا ((القواعد المثلى)) أن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم (١) . فإذا قال الله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) فلا يعني ذلك انه يجوز أن نسمي الله بالباقي. فالصواب أن يجعل بدل هذين الاسمين الأول والآخر كما ثبت ذلك في القرآن والسنة. وقوله: (مقدر الآجال والأرزاق) مقدر: أي جاعلها على قدر معلوم، والآجال: جمع أجل، وهو منتهى الشيء وغايته، ومنه عمر الإنسان، فإنه مقدر عند الله بأجل معلوم؛ لا يتقدم ولا يتأخر، وكذلك ما يحدث من الحوادث فهي مقدرة بأجل معلوم لا تتقدم ولا تتأخر. والأرزاق جمع رزق: وهو العطاء، والله هو مقدر الأرزاق؛ يقسمها بين عباده حسب ما تقتضيه حكمته، وقد جاء في

стр. 33

الحديث: ((إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى، وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر)) (١) والله يرزق من يشاء، لكن حسب حكمته ورحمته، فقد يبتلي الله الإنسان بالفقر ليعلم أيصبر أم يجزع، وقد يبتلي الله الإنسان بالغنى ليعلم أيشكر أم يكفر، والله تعالى يقدر الأرزاق كلها. فإذا قال قائل: إذا كان الله مقدر الآجال والأرزاق فهل يسوغ لنا أن لا نفعل ما يكون به الرزق؟ فالجواب.: انه لا يسوغ؛ لان الله تعالى إذا قدر شيئا فإنه يقدره بأسبابه، فإذا قدر الرزق لشخص فإنه يقدره لأسباب يقوم بها الشخص، وقد يكون لأسباب لا يقوم بها الشخص، كما لو مات للإنسان ميت فورثه فهذا ليس من فعله، لكن على كل حال تقدير الله تعالى للأشياء لا يستلزم ولا يسوغ أن ندع الأسباب النافعة.

стр. 34

ثم قال المؤلف ﵀: ٢- حي عليم قادر موجود ... قامت به الأشياء والوجود ــ الشرح قوله: (حي) : الحي من أسماء الله، قال الله تعالى:) اللَّهُ لا إِلَهَ ألا هُوَ الْحَيُّ) (البقرة: الآية ٢٥٥) فالله هو الحي ذو الحياة الكاملة، التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، أي الحياة الكاملة بجميع صفات الكمال. وقوله: (عليم) العليم: أي ذو علم: والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، وعلم الله شامل لكل شيء) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) وقال تعالى:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (قّ: الآية ١٦) أي ما تحدثه به نفسه، وإن لم يخرجه للناس، بل يعلم ما سيحدث فضلا عن الحادث. وقوله: (قادر) القدرة صفة يتمكن بها الفعال من الفعل بلا عجز، فالله قادر بقدرة هي وصفه، فهو يفعل دون أن يعجز. والقوة: صفة يتمكن الفاعل بها من الفعل بلا ضعف. واضرب مثلا يتبين به الفرق: إذا قيل لشخص: ارفع هذا الحجر فإذا زحزحه وعجز عن رفعه، نقول انه غير قادر، وإذا حمله لكن بمشقة شديدة، نقول: قادر ولكنه ليس بقوي، وإذا حمله بسهولة نقول: انه قوي. وعلى هذا فالقوة أكمل من القدرة، كما أن القوة أيضا اشمل من

стр. 35

القدرة؛ لأنها - أي القوة - يوصف بها ذو الشهور وغيره، فيقال للإنسان قوي، وللحيوان قوي، وللحديد قوي، وللصخر قوي، أما القدرة فلا يوصف بها ألا ذو الشعور، ولهذا لا نقول للحديث انه قادر، ولا للصخر إنه قادر، لكن نقول إنه قوي. فالرب قادر، قال الله تعالى:) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة: الآية ١٢٠) وقدرته لا يستعصي عليها شيء، فهو قادر على كل شيء، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ما يتعلق به القدرة في كلام المؤلف ﵀. وقوله: (موجود) كلمة موجود في الحقيقة إنها مقحمة إقحاما لا وجه له؛ لأنه يغني عنها قوله: ((حي)) ؛ لان الحي موجود غير معدوم، وكلمة موجود ليست من الصفات الكاملة؛ لان الموجود قد يكون ناقصا وقد يكون كاملا، لكن يعتذر عن المؤلف ﵀ بأنه أتى بها من باب الخبر لا من باب التسمية، ويصح أن نخبر عن الله بأنه موجود، لن لا نسميه بذلك، كما يصح أن نقول إنه متكلم ولكن لا نسميه بذلك؛ لان الكلام ليس صفة مدح على كل حال، قد يتكلم الإنسان بالسوء فيكون كلامه نقصا، لكن أقول انه يتسامح عن المؤلف بأنه قصد الخبر. وقوله: (قامت به الأشياء والوجود) قامت به - أي بالله الأشياء كلها؛ بل الوجود كله، ولولا الله ما كان الوجود، ولا كانت الأشياء، ولولا الله يمد هذه الأشياء والوجود بما تبقى به ما بقيت، فكل شيء قائم بالله ، لقوله تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأمره) (الروم: الآية ٢٥) فكل شيء من الأشياء والوجود قائم بالله ؛ فهو الذي أوجدها، وهو الذي أمدها حتى بقيت، وهو الذي

стр. 36

أعدها أي هيأها لما تكون صالحة له. وقيام الشيء بالله يشمل ثلاثة أشياء: الإيجاد، والإمداد، والإعداد. أولاً: الإيجاد: فلولا الله ما وجدت الأشياء، فهو الذي أوجد الأشياء بقدرته وبحكمته، وهذه الأشياء الموجودة منها ما معلوم لنا، ومنها ما هو غير معلوم، فنحن لا نعلم ألا ما أعلمنا الله تعالى منها، ومع ذلك فما لم يعلمنا الله به أكثر مما أعلمنا عنه، قال الله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الكهف: الآية ٥١) فنحن لا نعرف ألا السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي، لكن هناك مخلوقات من قبل لا ندري عنها؛ لان الله لم يزل ولا يزال فعال، والفاعل والفعل لابد أن ينتج عن مفعول، فإذا قلنا إن من صفاته الأزلية أنه فعال، لزم من ذلك أن يكون هناك مفعول، فكل الأشياء كائنة بالله تعالى. ثانياً: الإمداد فالله تعالى هو الذي أمدها حتى تبقى، أرأيت النبات ينبت في الأرض، فإذا منع الله المطر فني النبات، وإذا أنزل الله المطر بقي النبات وزاد! إذا فإمداد هذه الموجودات بما يبقيها وينميها من عند الله . ثالثاً: الإعداد: ويعني تهيئتها لما هي صالحة له، فالإبل مثلا للركوب، قال تعالى:) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (يّس: ٧١)) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (يّس: ٧٢) فالله أعدها وجعلها صالحة لما خلقت له، من حيث القوة والشكل واحدوداب الظهر حتى تقوى على التحمل، وإيجاد الشحم الكثير على ظهرها لئلا يرهقها الحمل، أو

стр. 37

تنكسر العظام، أو يخل بها، إلى غير ذلك من الأشياء التي تكون مهيأة للشيء الذي أعدت له. فقيام الأشياء بالله يكون من حيث الإيجاد والإمداد والإعداد، وكل هذا قائم بالله . ودليل هذا قول الله تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأمره) (الروم: الآية ٢٥)) فلولا أمر الله الكوني ما قامت السماوات والأرض، وصلاح الأرض والسماء بالقيام بأمر الله الشرعي أيضا، ولهذا تعد معصية الله من الإفساد في الأرض. ودليل آخر قوله تعالى:) اللَّهُ لا إِلَهَ ألا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) (البقرة: الآية ٢٥٥) لان معنى القيوم القائم بنفسه القائم على غيره. ودليل ثالث قوله تعالى:) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) (الرعد: الآية ٣٣) يعني: كمن ليس كذلك، ومعلوم أن القائم على كل نفس بما كسبت هو الله ، فصار الوجود كله قائما بالله تعالى إيجادا، وإمدادا، وإعدادا.

стр. 38

ثم قال المؤلف ﵀: ٣- دلت على وجوده الحوادث ... سبحانه فهو الحكيم الوارث ــ ي فائدة لنا في قران لانعرف معناه؟ ! وهل يمكن أن نتم الشرح أراد المؤلف ﵀ أن يستدل على وجود الله فاستدل بالحوادث على وجوده ، يعني: أن حدوث الأشياء دليل على وجود الله ، وتقرير هذا الدليل أن نقول: كل حادث لا بد له من محدث، وإذا تتبعنا الأشياء وجدنا أنه لا محدث لهذا الحادث ألا الله ، ودليل هذا قوله تعالى:) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: ٣٥) الجواب: لا هذا ولا ذاك، يعني: لا هم خلقوا من غير خالق، ولا خلقوا أنفسهم، وحينئذ يتعين أن يكون لهم خالق. والذي خلقهم هو الله ، لأنه لا أحد يستطيع أن يقول عن نفسه: أنا الذي خلقت، حتى الأب والأم لا يستطيعان أن يقولا خلقنا ما في بطن الأم. فلو قال الأب أنا الذي خلقت ابني وجعلت له عينين ولسانا وشفتين وأصابع يدين ورجلين، قال الناس له: كذبت ملء شدقيك. أين أنت من الجنين في بطن أمه؟ ! هل شققت البطن وجعلت تسوي هذا؟! هل نفخت فيه الروح؟ إذاً من يدعي ذلك كذاب، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد. ولو قال قائل: إن الذي خلقه فلان الولي العظيم الكبير. فأين هو هذا الولي؟ أليس في قبره؟! والحق أن قائل هذا كذاب ألف مرة، ولو ذهب إلى قبر هذا الذي زعم لوجده إما أن يكون قد أكلته الأرض، أو هو جثة لا يملك لنفسه شيئا. فكيف يملك لغيره؟!

стр. 39

إذاً فالحوادث دليل على وجود الله لدليل سمعي ودليل عقلي. فالدليل السمعي: قوله تعالى:) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: ٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور: ٣٦) . والدليل العقلي: أن كل حادث لابد له من محدث، ولا محدث للحوادث ألا الله . ولكن ينبغي أن نسأل: هل المؤلف ﵀ أراد حصر الدليل على وجود الله بهذه الطريق فقط؟ والجواب: لا. فإن كان أراد ذلك فلا شك أن هذا قصور، لان الأدلة على وجود الله كثيرة؛ شرعية وعقلية وحسية وفطرية. فدلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل لمن لم تجتاله الشياطين، ولهذا قال الله تعالى:) فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: من الآية ٣٠) بعد قوله:) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) (الروم: الآية ٣٠) فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله، ولا يمكن أن يعدل عن هذه الفطرة ألا من اجتالته الشياطين، ومن اجتالته الشياطين فقد وجد في حقه مانع قوي يمنع هذا الدليل. إذا فكل حادث لابد له من محدث، والحقيقة أن دلالة الحوادث على المحدث دلالة حسية عقلية، أما كونها حسية فلأنها مشاهدة بالحس، وأما كونها عقلية فلأن العقل يدل على أن كل حادث لابد له من محدث، ولهذا سئل أعرابي بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟ والجواب: بلى.

стр. 40

فهذا أعرابي استدل بعقله الفطري على أن هذه الحوادث العظيمة تدل على خالق عظيم ، هو السميع البصير. فالحوادث دليل على وجود المحدث، ثم كل حادث منها يدل على صفة مناسبة غير الوجود، فنزول المطر يدل بلا شك على وجود الخالق، ويدل على رحمته، وهذه الدلالة غير الدلالة على الوجود. وكذلك وجود الجدب والخوف والحروب تدل على وجود الخالق، وتدل على أمر ثان وهو غضب الله وانتقامه، فكل حادث له دلالتان؛ دلالة كلية عامة تشترك فيها جميع الحوادث، وهي وجود الخالق، أي وجود المحدث، ودلالة خاصة في كل حادث بما يختص به؛ كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الغضب، وهكذا. كذلك فإن هناك أدلة أخرى على وجود الخالق؛ فجميع الشرائع دالة على الخالق، وعلى كمال علمه، وحكمته، ورحمته؛ لان هذه الشرائع لابد لها من مشرع، والمشرع هو الله . وأيضا فإن هناك دلالة أخرى وهي النوازل التي تنزل لسبب، فهي دالة على وجود الخالق؛ مثل دعاء الله ثم استجابته للدعاء، فهو دليل على وجوده ، وهذه وإن كانت من باب دلالة الحادث على المحدث لكنها أخص، ولهذا لما دعا النبي ﷺ الله أن يغيث الخلق قال: ((اللهم أغثنا اللهم أغثنا)) (١) . ثم نشأ السحاب وأمطر قبل أن ينزل من المنبر، وهذا يدل على وجود الخالق، وهذا أخص من دلالة العموم.
следующие страницы →