← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أعدها أي هيأها لما تكون صالحة له. وقيام الشيء بالله يشمل ثلاثة أشياء: الإيجاد، والإمداد، والإعداد. أولاً: الإيجاد: فلولا الله ما وجدت الأشياء، فهو الذي أوجد الأشياء بقدرته وبحكمته، وهذه الأشياء الموجودة منها ما معلوم لنا، ومنها ما هو غير معلوم، فنحن لا نعلم ألا ما أعلمنا الله تعالى منها، ومع ذلك فما لم يعلمنا الله به أكثر مما أعلمنا عنه، قال الله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الكهف: الآية ٥١) فنحن لا نعرف ألا السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي، لكن هناك مخلوقات من قبل لا ندري عنها؛ لان الله لم يزل ولا يزال فعال، والفاعل والفعل لابد أن ينتج عن مفعول، فإذا قلنا إن من صفاته الأزلية أنه فعال، لزم من ذلك أن يكون هناك مفعول، فكل الأشياء كائنة بالله تعالى. ثانياً: الإمداد فالله تعالى هو الذي أمدها حتى تبقى، أرأيت النبات ينبت في الأرض، فإذا منع الله المطر فني النبات، وإذا أنزل الله المطر بقي النبات وزاد! إذا فإمداد هذه الموجودات بما يبقيها وينميها من عند الله . ثالثاً: الإعداد: ويعني تهيئتها لما هي صالحة له، فالإبل مثلا للركوب، قال تعالى:) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (يّس: ٧١)) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (يّس: ٧٢) فالله أعدها وجعلها صالحة لما خلقت له، من حيث القوة والشكل واحدوداب الظهر حتى تقوى على التحمل، وإيجاد الشحم الكثير على ظهرها لئلا يرهقها الحمل، أو

стр. 37

تنكسر العظام، أو يخل بها، إلى غير ذلك من الأشياء التي تكون مهيأة للشيء الذي أعدت له. فقيام الأشياء بالله يكون من حيث الإيجاد والإمداد والإعداد، وكل هذا قائم بالله . ودليل هذا قول الله تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأمره) (الروم: الآية ٢٥)) فلولا أمر الله الكوني ما قامت السماوات والأرض، وصلاح الأرض والسماء بالقيام بأمر الله الشرعي أيضا، ولهذا تعد معصية الله من الإفساد في الأرض. ودليل آخر قوله تعالى:) اللَّهُ لا إِلَهَ ألا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) (البقرة: الآية ٢٥٥) لان معنى القيوم القائم بنفسه القائم على غيره. ودليل ثالث قوله تعالى:) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) (الرعد: الآية ٣٣) يعني: كمن ليس كذلك، ومعلوم أن القائم على كل نفس بما كسبت هو الله ، فصار الوجود كله قائما بالله تعالى إيجادا، وإمدادا، وإعدادا.

стр. 38

ثم قال المؤلف ﵀: ٣- دلت على وجوده الحوادث ... سبحانه فهو الحكيم الوارث ــ ي فائدة لنا في قران لانعرف معناه؟ ! وهل يمكن أن نتم الشرح أراد المؤلف ﵀ أن يستدل على وجود الله فاستدل بالحوادث على وجوده ، يعني: أن حدوث الأشياء دليل على وجود الله ، وتقرير هذا الدليل أن نقول: كل حادث لا بد له من محدث، وإذا تتبعنا الأشياء وجدنا أنه لا محدث لهذا الحادث ألا الله ، ودليل هذا قوله تعالى:) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: ٣٥) الجواب: لا هذا ولا ذاك، يعني: لا هم خلقوا من غير خالق، ولا خلقوا أنفسهم، وحينئذ يتعين أن يكون لهم خالق. والذي خلقهم هو الله ، لأنه لا أحد يستطيع أن يقول عن نفسه: أنا الذي خلقت، حتى الأب والأم لا يستطيعان أن يقولا خلقنا ما في بطن الأم. فلو قال الأب أنا الذي خلقت ابني وجعلت له عينين ولسانا وشفتين وأصابع يدين ورجلين، قال الناس له: كذبت ملء شدقيك. أين أنت من الجنين في بطن أمه؟ ! هل شققت البطن وجعلت تسوي هذا؟! هل نفخت فيه الروح؟ إذاً من يدعي ذلك كذاب، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد. ولو قال قائل: إن الذي خلقه فلان الولي العظيم الكبير. فأين هو هذا الولي؟ أليس في قبره؟! والحق أن قائل هذا كذاب ألف مرة، ولو ذهب إلى قبر هذا الذي زعم لوجده إما أن يكون قد أكلته الأرض، أو هو جثة لا يملك لنفسه شيئا. فكيف يملك لغيره؟!

стр. 39

إذاً فالحوادث دليل على وجود الله لدليل سمعي ودليل عقلي. فالدليل السمعي: قوله تعالى:) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: ٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور: ٣٦) . والدليل العقلي: أن كل حادث لابد له من محدث، ولا محدث للحوادث ألا الله . ولكن ينبغي أن نسأل: هل المؤلف ﵀ أراد حصر الدليل على وجود الله بهذه الطريق فقط؟ والجواب: لا. فإن كان أراد ذلك فلا شك أن هذا قصور، لان الأدلة على وجود الله كثيرة؛ شرعية وعقلية وحسية وفطرية. فدلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل لمن لم تجتاله الشياطين، ولهذا قال الله تعالى:) فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: من الآية ٣٠) بعد قوله:) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) (الروم: الآية ٣٠) فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله، ولا يمكن أن يعدل عن هذه الفطرة ألا من اجتالته الشياطين، ومن اجتالته الشياطين فقد وجد في حقه مانع قوي يمنع هذا الدليل. إذا فكل حادث لابد له من محدث، والحقيقة أن دلالة الحوادث على المحدث دلالة حسية عقلية، أما كونها حسية فلأنها مشاهدة بالحس، وأما كونها عقلية فلأن العقل يدل على أن كل حادث لابد له من محدث، ولهذا سئل أعرابي بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟ والجواب: بلى.

стр. 40

فهذا أعرابي استدل بعقله الفطري على أن هذه الحوادث العظيمة تدل على خالق عظيم ، هو السميع البصير. فالحوادث دليل على وجود المحدث، ثم كل حادث منها يدل على صفة مناسبة غير الوجود، فنزول المطر يدل بلا شك على وجود الخالق، ويدل على رحمته، وهذه الدلالة غير الدلالة على الوجود. وكذلك وجود الجدب والخوف والحروب تدل على وجود الخالق، وتدل على أمر ثان وهو غضب الله وانتقامه، فكل حادث له دلالتان؛ دلالة كلية عامة تشترك فيها جميع الحوادث، وهي وجود الخالق، أي وجود المحدث، ودلالة خاصة في كل حادث بما يختص به؛ كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الغضب، وهكذا. كذلك فإن هناك أدلة أخرى على وجود الخالق؛ فجميع الشرائع دالة على الخالق، وعلى كمال علمه، وحكمته، ورحمته؛ لان هذه الشرائع لابد لها من مشرع، والمشرع هو الله . وأيضا فإن هناك دلالة أخرى وهي النوازل التي تنزل لسبب، فهي دالة على وجود الخالق؛ مثل دعاء الله ثم استجابته للدعاء، فهو دليل على وجوده ، وهذه وإن كانت من باب دلالة الحادث على المحدث لكنها أخص، ولهذا لما دعا النبي ﷺ الله أن يغيث الخلق قال: ((اللهم أغثنا اللهم أغثنا)) (١) . ثم نشأ السحاب وأمطر قبل أن ينزل من المنبر، وهذا يدل على وجود الخالق، وهذا أخص من دلالة العموم.

стр. 41

ومن الدلائل رابعاً: الفطرة، فالفطرة السليمة تدل على وجود الخالق، وليست الفطرة التي فطر عليها الإنسان فقط، بل التي فطر عليها جميع الخلق، حتى البهائم العجم تعرف خالقها، قال الله تعالى: () تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ ألا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الاسراء: الآية ٤٤)) ، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) يعني ما من شيء ألا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، والمسبح لا يسبح ألا من يعرفه. إذا: فالأدلة على وجود الخالق أربعة: الحوادث على سبيل العموم، والشرائع، والحوادث الخاصة التي تكون لسبب، والفطرة. ثم قال: (سبحانه فهو الحكيم الوارث) قوله: (سبحان) اسم مصدر سبح، والمصدر تسبيح، وأصل هذه المادة يدل على البعد، ومنه السبح في الماء لان السابح يذهب بعيدا، والمراد بتسبيح الله تنزيهه المتضمن لبعده عن كل نقص، والنقص إما أن يكون في أصل الصفة، وإما أن يكون بمقارنتها بغيرها. ففي أصل الصفة نقول: هو حي، عليم، قادر، حكيم، عزيز، فكل صفاته ليس فيها نقص، فهو حي حياة لا نقص فيها، سميع سمعا لا نقص فيه، عليم علما لا نقص فيه، فلا نقول مثلا إن علمه مسبوق بجهل، أو أنه يلحقه نسيان. والنقص باعتبار مقارنتها بغيرها: بأن ننزهه عن مماثلة المخلوقين؛ لان تمثيله بالمخلوقين يعتبر نقصا، فلا نقول مثلا إن وجه الله كوجه المخلوق.

стр. 42

فصار - بذلك - النقص دائرا بين شيئين: الأول: نقص الصفة بذاتها فصفاته غير ناقصة. والثاني: نقصها باعتبار مقارنتها بصفة المخلوق، فإنه لا مقارنة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فهو منزه عن النقص في صفاته، وعن النقص بمشابهته أو بمماثلته بالمخلوقين. ونحن نقول في كل صلاة: (سبحان ربي الأعلى) ، فهل نحن حينما نقول: (سبحان ربي الأعلى) نستحضر هذا المعنى أم نقول: (سبحان ربي الأعلى) باعتبار انه ذكر وثناء على الله؟ والجواب: أن الغالب على الناس عموما وخصوصا إنهم إذا قالوا: (سبحان ربي الأعلى) لا يشعرون ألا بالثناء على الله والتنزيه المطلق، ولا يستحضرون معنى: اللهم إني أنزهك يا ربي عن مماثلة المخلوقين، وعن كل نقص في صفاتك، فلا يشعر القائل بهذا المعنى ألا قليلا. وقوله: (فهو الحكيم الوارث) . الحكيم مأخوذ من الحكم والإحكام؛ فالإحكام الذي هو فعل الحكمة أو وصف الحكمة، والحكم الذي هو القضاء، فلله الحكم، وحكمه كله إحكام: أي إتقان، والإتقان يعني الحكمة؛ لان الإتقان أن يوضع الشيء في موضعه على وجه لا خلل فيه، والله في أفعاله وأحكامه كذلك. قال العلماء ﵏: والحكم حكمان: حكم كوني، وحكم شرعي. فمثال الحكم الكوني: قوله عن أحد إخوة يوسف (() فَلَنْ

стр. 43

أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) (يوسف: الآية ٨٠)) هذا حكم كوني وليس حكما شرعيا؛ لأنه من حيث الحكم الشرعي قد حكم الله له، فهذا حكم يتعين أن يكون حكما كونيا. ومثال الحكم الشرعي قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠) هذا حكم شرعي ولا يتضمن حكما كونيا. أما قوله تعالى: (له الحكم وإليه ترجعون) [القصص: ٨٨] ) فهذا يشمل الكوني والشرعي، وكذلك قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين: ٨) يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي. إذا أحكام الله كونية وشرعية. فإذا قال قائل: نحن لا نشك في أن أحكام الله تعالى كونية وشرعية. لكن ما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: أولا: الحكم الكوني واقع لا محالة وشامل لكل أحد. أما الحكم الشرعي فقد يقع وقد لا يقع، بمعنى أنه قد ينفذ وقد لا ينفذ، أما من حيث إن الله حكم به فهو واقع لا شك فيه. فالحرام حرام واقع، لكن هل ينفذ أو لا؟ قد ينفذ وقد لا ينفذ، وإذا قضى الله بأن هذا واجب على العباد فقد يفعلونه وقد لا يفعلونه، لكن إذا حكم كونا بأن هذا واجب على العباد، أي: واقع عليهم فلابد أن يقع. ثانيا: الحكم الكوني يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه، فقد يحكم الله بان يقع الكفر والشرك والزنا والفواحش، لكنه لا يرضاها شرعا.

стр. 44

أما الحكم الشرعي فلا يكون ألا فيما يرضاه الله ، إما أن يرضى وجوده وإما أن يرضى عدمه، فإن كان مأمورا به فقد رضي وجوده، وإن كان منهيا عنه فقد رضي عدمه. وقوله (الحكيم) سبق أن الحكيم بمعنى الحاكم وبمعنى المحكم، وكل أحكام الله الكونية والشرعية كلها محكمة مبنية على الحكمة، فما من حكم كوني حكم الله به ألا وهو مطابق للحكمة، وما من حكم شرعي حكم الله به ألا وهو مطابق للحكمة. والحكمة نوعان: غائية وصورية: أما الغائية: فهي بمعنى أن الشيء إنما كان لغاية حميدة. والصورية: بمعنى أن كون الشيء على هذه الصورة المعينة لحكمة، فإذا تدبرت الصلاة وكونها على هذا الوجه: قيام، ثم ركوع، ثم قيام، ثم سجود، ثم قعود، هذه صورية مطابقة للحكمة تماما. كذلك الغاية منها أيضا حكمة؛ فالغاية منها: الثواب والأجر عند الله . وهكذا أيضا المخلوقات؛ فكون الشمس بهذا الحجم، وبهذه الحرارة وبهذا الارتفاع هذه صورية، هذا مناسب للحكمة تماما. ثم الثمرات الناتجة عن الشمس غائية. فالحاصل أن حكمة الله تتعلق بالشيء من حيث صورته، ومن حيث غايته، وكل ذلك مطابق للحكمة. ولكن هل الحكمة معلومة للخلق؟ . والجواب: أن الحكمة قد تكون معلومة، وقد تكون غير معلومة، لكن كونها غير معلومة، وقد تكون غير معلومة، لكن كونها غير معلومة لا يعني إنها معدومة، بل إنها موجودة لكن لقصورنا أو تقصيرنا لم نصل إليها.

стр. 45

والأحكام الشرعية إذا لم يعلم العلماء حكمتها سموها بالأحكام التعبدية، ولهذا لو قال قائل: ما الحكمة في أن تكون صلاة الظهر أربعا دون ثمان؟ ، قلنا: الحكمة تعبدية ليس للعقل فيها مجال. فهم يقولون: إن علمت حكمة الحكم فهو حكم معقول المعنى، مع ما فيه من التعبد لله، وإن لم تعلم فهو حكم تعبدي ليس لنا أمامه ألا التعبد. وأيهما أقوى في التعبد: الامتثال لحكم التعبدي أو للحكم المعقول المعنى؟ الأول ابلغ في التذلل، فكونك تقبل الحكم وإن لم تعرف حكمته هذا أبلغ؛ لان كون الإنسان لا يقبل الحكم ألا إذا علم حكمته فيه نوع من الشرك، وهو عبادة الهوى، وأنه إذا وافق الشيء هواه وأدرك حكمته قبله واطمأن إليه ورضي به، وإن لم يكن صار عنده فيه تردد. والناظر إلى الناس اليوم يجد أن أكثرهم يطلبون العلة العقلية، حتى إن بعضهم إذا قلت له: قال الله ورسوله. يقول: وما الحكمة؟ فهلا علم هؤلاء أنهم مأمورون إن كانوا مؤمنين أن تكون الحكمة عندهم قول الله ورسوله، ولهذا لما سئلت عائشة أم المؤمنين ﵂: ((ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟)) فأجابت: ((كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) (١) ، إذا هذه هي الحكمة التي نجيب بها على هذا السؤال، وبهذه الحكمة لا يمكن لأحد أن يتكلم بعد ذلك إن كان مؤمنا. لكن إذا ذهبنا نأتي بعلل معقولة، قد تكون مقصودة للشرع وقد لا تكون، أوردوا علينا وناقضونا؛ لان هؤلاء إنما يريدون الجدل، فكلما أتيت

стр. 46

بعلة نقضوها، ولهذا نقول لكل من سال: ما الحكمة في هذا؟ نقول: الحكمة قول الله ورسوله إن كنت مؤمنا لان الله يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أمرهمْ) (الأحزاب: الآية ٣٦) وبهذا نسد عليه الباب، فإن أراد أو حاول أن يجادل فإيمانه ضعيف لا شك؛ لان فرض المؤمن أن يقول: سمعنا وأطعنا. وخلاصة القول أن باب الحكمة باب عظيم، ينبغي للإنسان أن يعقله وأن يؤمن به إيمانا تاما، وأن يعلم أن أفعال الله مقرونة بالحكمة، خلافا لمن قال: إن أمره وفعله لغير حكمة بل لمجرد المشيئة، فإن في هذا من تنقص الله ما هو معلوم. وقوله: (الوارث) هذا الاسم جاء في القرآن الكريم بصيغة الجمع وبالفعل؛ قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) (مريم: الآية ٤٠) وقال تعالى: (وكنا نحن الوارثين) (القصص: ٤٠) ، فالوارث معناه: الذي يرث من قبله، ولا شك أن الله هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فإذا كان الآخر الذي ليس بعده شيء لزم أن يكون الوارث لكل شيء، فالله هو الوارث لكل شيء. كل من سواه فإن الله بعده، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء. فالحاصل أن هذه الأبيات الثلاثة الأولى كلها ثناء على الله ، وقد اعتاد المصنفون ﵏ أن يبدأوا مصنفاتهم بالثناء على الله ، ثم بالصلاة على رسوله ﷺ لان القصد الأول هو الله ، والنبي ﷺ دال على الطريق الموصل إلى الله، فكان حقه بعد حق الله .

стр. 47

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤- ثم الصلاة والسلام سرمدا ... على النبي المصطفى كنز الهدى ــ الشرح قوله: (ثم الصلاة والسلام سرمدا) ثم: أي بعد الثناء على الله أثنى بذكر حق الرسول ﷺ ، وذلك بالصلاة والسلام عليه، وأعظم حقوق البشر حق النبي ﷺ ، فهو أحق من الوالدين وأحق من الأقارب، بل وأحق من النفس ولهذا يجب تقديم محبته ﷺ على النفس، فيجب فداؤه بالنفس ﵊، ولا أحد من الخلق يجب فداؤه بالنفس ألا محمد ﷺ ، ولا أحد من الخلق يجب تقديم محبته على النفس ألا محمد ﷺ ، ولهذا لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا يمكن أن يؤمن الإنسان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه حتى من نفسه. وقوله: (ثم الصلاة والسلام سرمدا) يعني أبداً. والصلاة تكلم العلماء ﵏ في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها ما قاله أبو العالية الرياحي من أنها: ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى (١) ، فصلاة الله على رسوله يعني ثناءه عليه في الملا الأعلى، ومعنى ثنائه عليه في الملأ الأعلى أن الله تعالى يذكر أوصاف النبي ﷺ الحميدة عند الملائكة ويثني عليه. وذهب بعض أهل العلم ﵏ إلى أن الصلاة هي الرحمة ولكن قولهم هذا ضعيف، والدليل على ذلك أن الله ذكر الرحمة والصلاة في آية واحدة، فغاير بينهما، فقال: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (البقرة: الآية ١٥٧) والعطف يقتضي المغايرة.

стр. 48

ووجه آخر أن العلماء ﵏ اتفقوا على جواز الدعاء بالرحمة لأي شخص من المؤمنين، واختلفوا في جواز الصلاة، وهذا يدل على أن الصلاة غير الرحمة، فالرحمة عامة، والصلاة أخص من مطلق الرحمة، والصحيح جوازها ما لم يتخذ شعارا لهذا الشخص المعين، فإن اتخذ شعارا لهذا الشخص المعين فهو ممنوع، لأنه خصه بخصيصة يفهم منها معنى فاسد. فالصلاة إذا ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى، فإذا صليت على النبي ﷺ ، فقلت: اللهم صل على محمد، فالمعنى: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، فإن قلت ذلك مرة فإن الله يصلي عليك عشرا، يعني إذا سألت الله أن يثني على رسوله مرة واحدة أثنى الله عليك عشر مرات. وقوله: (والسلام) بمعنى السلام من كل آفة، والسلام على الرسول ﷺ من كل آفة. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ قد مات، فما معنى الدعاء له بالسلامة؟ فالجواب: أن دعاءنا له بالسلامة يشمل السلامة في الدنيا والسلامة في الآخرة. ففي الآخرة: إذا لم يسلم الله البشر هلكوا، ولهذا كان النبي يمرون على الصراط، وكان دعاء الأنبياء يومئذ: ((اللهم سلم اللهم سلم)) (١) . وفي الدنيا: ندعو أن الله يسلم الرسول ﵊، وذلك بان يسلمه من العدوان عليه، أي على جسده، أفليس قد ذكر في التاريخ أن رجلين أرادا أن يستلبا جسد النبي ﵊؟ إذا فنحن ندعو الله

стр. 49

أن يسلمه حتى في الدنيا أي يسلم جسده. ثم ربما يقال إن المسالة أوسع من ذلك، بأننا نسأل الله تعالى أن يسلمه في الدنيا أي يسلم شريعته من أن ينالها أحد بسوء؛ لان شريعة الإنسان لا شك أنه يذود عنها كما يذود عن نفسه، فالإنسان يذود عن مبدئه وعن شريعته وعن طريقه كما يذود عن نفسه، وما أكثر الذين يستميتون من اجل تحقيق دعوتهم. إذا: فالسلام على رسول الله ﷺ يكون في الدنيا والآخرة، ويكون بسلامته ﵊ نفسه، وبسلامة شريعته. وقوله: (على النبي) : النبي: هل هو بالهمز وخفف أو بالياء التي أصلها الواو؟ قيل: إن أصله من النبوة، من نبا ينبو نبوا، وهو الارتفاع؛ لان نبا بمعنى ارتفع، ولا شك في ارتفاع رتبة النبي ﷺ ، وعلى هذا فيكون النبي أصلها النبيو لكن اجتمعت الواو مع الياء وسبقتها الياء بالسكون فقلبت الواو ياء فصارت النبي. وقيل: إنه من النبأ بمعنى الخبر، لان النبي منبأ ومنبئ، ولكن سهلت الهمزة إلى ياء لكثرة الاستعمال، فأصلها النيئ، ثم سهل صارت النبي. والقاعدة: أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان حمل عليهما جميعا، فنقول هو مشتق من هذا ومن هذا؛ لان النبي ﷺ رفيع المنزلة، وهو أيضا منبئ ومنبأ. وقوله: (المصطفى) : يعني المختار، لأنه مأخوذ من الصفوة، وصفوة الشيء خياره، فهو ﷺ مصطفى أي مختار على جميع الخلق، فهو ﷺ أفضل الرسل، والرسل أفضل الخلق.

стр. 50

والدليل على أنه أفضل الرسل: أولا: أن الله ﵎ قال: () وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (آل عمران: الآية ٨١) فالتزموا بذلك: (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: الآية ٨١) فهذه الآية نص صريح في أن محمدا ﷺ إمام الأنبياء، وأنه يجب عليهم أتباعه؛ لان الذي جاء مصدقا لما معهم، هو الرسول ﵊، كما قال الله ﵎: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة: الآية ٤٨) . ثانيا: أنه في ليلة المعراج، لما صلى الأنبياء كان إمامهم محمدا ﷺ ، فهو صفوة الصفوة ﵊، ولهذا نقول: المصطفى. فإذا قال قائل: أليس الله تعالى قد اتخذ إبراهيم خليلا، والخلة أعلى أنواع المحبة؟ فالجواب: بلى، لكنه قد اتخذ أيضا محمدا خليلا، كما قال النبي ﵊: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) (١) . فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد كلم موسى تكليما؟ فالجواب: بلى، ولكنه أيضا كلم محمدا ﷺ تكليما، فإذا كان الله قد كلم موسى وموسى في الأرض، فقد كلم محمداً ومحمد فوق السماوات السبع. فما من صفة كمال لنبي من الأنبياء ألا ولرسول الله

стр. 51

صلى الله عليه وسلم مثلها أو خير منها، وما من آية لنبي ألا كان لمحمد ﷺ مثلها أو لإتباعه، ومعلوم أن الكرامات للأتباع كالمعجزات للنبي المتبوع. وهناك كلمة يقولها من يزعمون أنهم يعظمون الرسول ﷺ ، حيث يقولون: محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وهذا نقص في جانب الرسول ﵊؛ لان الخلة أعلى من المحبة، ولهذا نقول إن الله يحب المحسنين والمتقين، ولا نقول أنه خليل للمحسنين والمتقين، ويحب الأنبياء، ولا نقول إنه خليل لهم ألا لمحمد وإبراهيم، ومن سواهم من الأنبياء لا نثبت لهم الخلة، بل نثبت لهم المحبة - بلا شك -، ونثبت المحبة للمؤمنين وللمحسنين وللمقسطين وما أشبه ذلك، لكن الخلة أعظم وأكمل. مسالة: هل المصطفى من أسماء النبي ﷺ ؟ الجواب: لا، بل الظاهر أنه من أوصافه، والعجيب أن بعض الناس يكرر فيقول: قال المصطفى ... وقال المصطفى ... مع أن الصحابة ﵃ اشد منا تعظيما للرسول ﵊، وأعلم منا بمناقبه ولم يقولوا ذلك؛ فلم يقل أبو هريرة: قال المصطفى، ولا قاله أحد من الصحابة، وفي كل كتب الحديث يقول الصحابي: قال رسول الله، قال نبي الله، قال أبو القاسم، وما أشبه ذلك، لكن الناس في الوقت الحاضر ابتلوا بصياغة الألفاظ، ولم ينظروا إلى من سبقهم، والحقيقة أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى من سبق. ومثل ذلك ما يقوله بعض الناس الآن إذا أراد أن يقول: قال الله تعالى، يقول: قال الحق، وهذا قول الحق. ولا شك أن الله هو الحق المبين لكن يا

стр. 52

أخي قل: قال الله. فالنبي ﵊ وهو لا شك أنه اعلم بالله منك، وأشد تعظيما لله منك - كان إذا أراد أن يتحدث عن الله بالحديث القسي يقول: ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك)) (١) . ولم يقل ﷺ : قال الحق، ولكن بعض الناس يريد أن يجدد، والتجديد في مثل هذه الأمور لا ينبغي، وإتباع السلف في هذه الأمور أولى من التجديد. وقوله: (كنز الهدى) : يعني أن الرسول ﵊ هو الكنز، لكن ليس كنز الذهب والفضة، ولكنه كنز الهدى، أي: هدى الدلالة والإرشاد، فالنبي ﵊ هو العلم والمنار الذي يهتدي به، لكنه ليس كنز الهدى الذي بمعنى التوفيق، فإن الرسول ﷺ لا يستطيع أن يهدي أحداً أبداً. ولو كان النبي ﷺ يستطيع أن يهدي أحداً لهدى عمه أبا طالب الذي أحسن إليه، ودافع عنه، وناضل عنه، وحماه. ومع ذلك كان يقول له عند موته: ((يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)) (٢) ، ولكنه والعياذ بالله قد حقت عليه كلمة العذاب، فلم يقل هذا، وإنما كان آخر قوله: هو على ملة عبد المطلب، فأبى أن يقول لا إله ألا الله، ولكن من اجل أن هذا الرجل دافع عن الإسلام، وحمى النبي ﷺ وأتباعه، جازاه الله بجزاء لم يكن لغيره من لكافرين، فأذن الله لنبيه أن يشفع فيه فشفع فيه النبي ﵊، أي في أبي طالب، فكان في ضحضاح من نار وعليه

стр. 53

نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعوذ بالله، وهو أهون أهل النار عذابا (١) ، إذا كان الدماغ يغلي وهو أبعد ما يكون عن النعلين، فما بالك بما تحته؟!. ولهذا نقول إن الرسول ﷺ (كنز الهدى) ، أي هدى العلم والدلالة دون التوفيق والعمل، فإنه لا يستطيع أن يهدي أحداً هداية توفيق وعمل، وإذا كان هذا في حق الرسول ﷺ ففي حق غير الرسول من باب أولى، وبناء على ذلك فنحن لا نملك هداية الناس هداية توفيق، وإنما علينا أن نهديهم هداية دلالة وإرشاد، ونسأل الله أن يعيننا على ذلك، فما أكثر ما قصرنا حتى في الدلالة والإرشاد، فنحن وظيفتنا أن ندل ونرشد ونبين وندعو ونأمر وننهي ونغير، وكل هذا بقدر الاستطاعة. فهنا بيان ودعوة وأمر وتغيير. وكثير من الناس يظنون أن معناها واحد، وليس كذلك: فالبيان: أن تبين بيانا عاما للناس. والدعوة: أن تقول افعلوا - يا أيها الناس - وتدعوهم، كالذي يدعو الغنم للشرب وما أشبه ذلك. والأمر: أن تقول يا فلان افعل كذا، فالأمر أخص من مجرد الدعوة، ثم بعد ذلك التغيير وهو أعلى شيء كما لو رأيت مثلا آلة لهو فلا تنهى وتقول: يا فلان لا تستعملها، بل تأخذها وتكسرها. وكل هذا والحمد لله منوط بالاستطاعة لقول النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) (٢)

стр. 54

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥- وآله وصحبه الأبرار ... معادن التقوى مع الأسرار ــ الشرح قوله: (وآله وصحبه الأبرار) الآل تطلق على معان، وأصح ما تقول فيها: إنها إن قرنت بالإتباع فالمراد بها المؤمنون من قرابته، وذلك مثل أن نقول: وآله وأتباعه؛ وذلك لان العطف يقتضي المغايرة، وإذا ذكرت وحدها ولم تقرن بالإتباع، فالمراد بآله أتباعه على دينه، ويشمل المؤمنين من قرابته، وهذا هو أصح ما قيل في الآل. وعبارة المؤلف ﵀ ليس فيها ذكر الأتباع، حيث قال: (وآله وصحبه) إذا نقول: المراد بآله هم أتباعه على دينه. وفي التشهد نقول: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) فالمراد بالآل هنا أتباعه على دينه، لأنه لم يذكر الأتباع، لكن إذا قلنا: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته، وقد قال الناظم: آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب لو لم يكن آله ألا قرابته صلى المصلي على الطاغي أبي لهب لان أبا لهب من قرابته، لكن الصواب أن الذين قالوا إن الآل هم القرابة لا شك أنهم يريدون المؤمنين من قرابته؛ لأنه لا يمكن أبداً لأي مؤمن أن يقول: إنني إذا قلت: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أنني اقصد

стр. 55

أبا لهب، بل يجب علينا أن نتبرأ من أبي لهب ومن غيره من أقارب الرسول علي الصلاة والسلام ممن مات على الكفر. مسالة: هل زوجات النبي ﷺ يعتبرون من آله؟ الجواب: الصحيح أنهن من آله. وقوله: (وصحبه) ، الصحب والأصحاب والصاحب - في اللغة العربية - تدل على المرافق الملازم، ولهذا نقول إن أصحاب النار هم أهلها الخالدون فيها، ولا يكون الإنسان صاحبا ألا بملازمة طويلة، ألا أصحاب رسول الله ﷺ فإن مجرد الملاقاة مع الإيمان به تكون بها الصحبة؛ فالصحابي من اجتمع برسول الله ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، حتى وإن لم يجتمع به ألا لحظة واحدة فهو صحابي. وقوله: (الأبرار) : جمع بر، وضدها الفجار، قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) (المطففين: ٧) وبعد ذلك قال: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (المطففين: ١٨) . فالأبرار جمع بر، وضده الفاجر، والبر في الأصل كثير الخير، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور: ٢٨) فالأبرار هم الذين أكثروا من الأعمال الصالحة. ولا نعلم أحداً من الخلق أكثر عملا في الصالحات من الصحابة ﵃، ولهذا قال النبي ﵊: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) (١) ويجب علينا نحن خلف الأمة أن نعرف لهؤلاء

стр. 56

السلف حقهم وقدرهم، وأن نحترمهم في أقوالهم وأفعالهم ما وجدنا لها مكانا في الاحترام. ومن المؤسف أن من الخلف اليوم ولا سيما بعض المدعين للاجتهاد، الذين يدعى أنهم مجتهدون على الإطلاق، وإنهم كالثريا بالنسبة للثرى مع العالم الآخر، من المؤسف أن هؤلاء عندما تقول لهم: قال فلان من الصحابة المعروفين بالفقه والعلم، يقول: هذا قول صحابي، ولا نوافق، وبهذه البساطة يتكلم بهذا الكلام، ويقول: قول صحابي ولا نعمل به. حتى إن بعضهم قال: إن الأذان الأول للجمعة بدعة لان النبي ﷺ لم يسنه، فإذا قيل له: إنه سنة الخليفة الراشد الذي أمرنا بإتباعه، عثمان بن عفان ﵁، قال: وإن سنه، أنه ليس سنة الرسول ﵊. وبهذا حكم على خليفة المسلمين الثالث، وعلى المسلمين عموما بالضلال، لأني لا اعلم إلى ساعتنا هذه أن أحداً من الصحابة أنكر على عثمان ﵁ هذا الأذان، فيكون الصحابة ﵃ مجمعين على إقرار الضلالة، ويكون الخليفة الراشد ضالا؛ لان كل بدعة ضلالة. وهذا - والعياذ بالله - غرور بالنفس وزهو، ولا شك أن من ترافع إلى هذا الحد سوف يضعه الله، وان من تواضع لله رفعه الله، ويجب علينا أن نعرف لهؤلاء السلف حقهم ومنزلتهم عند الله، في العلم، وفي العبادة، صحح إذا قال أحدهم قولا مخالفا للكتاب والسنة - والإنسان غير معصوم - فلنا أن نرده لكن نرده مع الاعتذار عنهم، أما أن نرد بهذه الوقاحة في أمر اجتهادي،

стр. 57

قد يكون الصواب مع الصحابة لا معك، هذا غلط. وحدثني بعض الأخوة أنه جاءهم رجل وقال لهم: إن التكبير: ((الله اكبر الله اكبر لا إله ألا الله، والله اكبر الله اكبر ولله الحمد)) ، هذا ليس بصحيح، ولا يقال، لأنه لم يصح عن النبي ﷺ ، وأغفل أنه مروي عن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄؛ خليفتان من خلفاء المسلمين، أن صفة التبكير: ((الله اكبر الله اكبر لا إله ألا الله، والله اكبر الله اكبر ولله الحمد)) ، وعن ابن مسعود وغيره من الصحابة ﵃ التكبير ثلاث مرات، فكيف نقول: إن هذا لا يقال لأنه قول صحابي وليس فيه حديث عن الرسول ﷺ ؟! ثم إن قول الصحابي خير من قولك، وأنا لا أقول عين هذا القول، ولكن أقول لا تنكر هذا القول لان الإنكار يحتاج إلى دليل، وقول الصحابي إذا لم يخالف الدليل دليل، وهذا على قاعدة الإمام أحمد ابن حنبل ﵀، وعلى ظاهر الأدلة العامة، قال رسول الله ﷺ : ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) (١) . فالمهم أنه ينبغي لنا أن نحذر من هؤلاء وطريقتهم، الذين لا يقيمون وزنا للسلف الصالح، ولا يحترمونهم، ويعدون القول منهم كقول السوقة من الناس اليوم، فإن الواجب أن نحترم أقوالهم، وإذا رأيناها مخالفة للدليل نطلب لهم العذر؛ ونقول لعله لم يبلغه، أو لعله تأول، والصحابة رضي الله

стр. 58

عنهم لما علموا أن عثمان ﵁ بإتمامه الصلاة في منى ليس على صواب، ما شنعوا عليه ولا انفصلوا عنه في الصلاة، بل أتموا الصلاة. ومن ذلك أنا رأينا في المسجد الحرام أقواما إذا صلوا خمس تسليمات انصرفوا، بحجة أن هذا الإمام مبتدع، وسبب ذلك عندهم قول أم المؤمنين عائشة ﵂: ((كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة)) (١) . إذا فما زاد على ذلك فهو بدعة. وكأنه نسي أن الذي كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، قال حين سأله السائل عن صلاة الليل: ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى واحدة)) (٢) ولم يحدد الرسول ﷺ ذلك بعدد بل قال: إذا خشيت الصبح - ولو كنت مصليا مائتي ركعة -، فصل ركعة توتر لك ما صليت. ثم نسي قول الرسول ﵊: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) (٣) وهذا إمام شرعي مجعول في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو غيره من المساجد. وكأنه نسي أن الرسول ﷺ قال: ((من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له

стр. 59

قيام ليلة)) (١) ولو كان نبينا ﵊ قال: من زاد عن احدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة فلا تصلوا خلفه، لكان انصراف هذا الرجل على حق، لكن أنى له ذلك؟! بل قال: ((من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) . فأنا أحذر من هؤلاء وطريقتهم، وأقول: إنه يجب علينا أن نحترم أقوال سلفنا الصالح، ولكننا لا نعتقد عصمتهم، بل نقول: إن الخطأ جائز عليهم كما هو علينا أجوز، ولكن إذا رأينا خطأ بينا مخالفا للكتاب والسنة فإننا لا نقبله، ولكن نعتذر عمن علمنا حسن قصده. حتى من بعد الصحابة ﵃، فهناك أئمة يخطئون، وهناك أتباع للأئمة لكنهم أئمة في مذاهبهم يخطئون، ولكن لا نتخذ من هذا الخطأ جفاء معهم ولا ينبغي الكلام عليهم بما لا ينبغي، بل إذا أخطئوا اعتذرنا عنهم، وقلنا: نحن لا نتبع ألا ما قام الدليل عليه، ولكن هؤلاء اخطئوا وربما يكون لهم عذر، ومن قرأ كتاب شيخ الإسلام ﵀ رفع الملام عن الأئمة الإعلام، تبين له كيف يعامل الأئمة والعلماء ﵏. أما أن نستعز بأنفسنا ويرى الواحد منا نفسه كأنه رسول يوحى إليه، فهذا خطأ عظيم. والغالب أن هؤلاء يحرمون بركة العلم، ولا أعني ببركة العلم ألا يكون عندهم علم واسع، بل قد يكون عندهم علم واسع، لكن يحرمون بركته؛ من خشية الإنسان لربه وإنابته إليه، والحقيقة أن

стр. 60

العلم إذا لم يثمر خشية الله ، والإنابة إليه، والتعلق به ، واحترام المسلمين، فإنه علم فاقد البركة، بل قد يختم لمن سلك هذا الملك بخاتمة سيئة، مثلما علمنا أناسا علماء فطاحل، لكنهم - والعياذ بالله - ختم لهم بسوء الخاتمة لأنهم اعتزوا بأنفسهم، وفخروا بأنفسهم، وازدروا غيرهم، وهذا خطير جدا نسأل الله أن يعافينا وبقية إخواننا المسلمين من ذلك. وقوله: (معادن التقوى مع الأسرار) المعدن: أصل الشيء، ومنه المعادن الأرضية التي هي أصل هذه الجواهر النفيسة. وقوله: (التقوى) : أصلها وقوى مأخوذة من الوقاية، والتقوى: هي اتخاذ الإنسان وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وهذا هو اجمع ما قيل فيها. إذاً: فالتقوى اسم جامع لفعل الأوامر وترك النواهي، لكن أحيانا يقال: البر والتقوى، فإذا قيل البر والتقوى، صار البر فعل الطاعات والتقوى ترك المنهيات. وإلا فإن ذكرت التقوى وحدها شملت البر، وإن ذكر البر وحده شمل التقوى. وقوله: (مع الأسرار) : الأسرار جمع سر، والمراد به هنا الاطلاع على خفايا العلوم والمناهج. والمناهج يعني السبل والطرق والأخلاق التي يتخلقون بها، فلا أحد أعمق علما من الصحابة ﵃، ولا أحد أقل تكلفا من الصحابة ﵃، ولذلك لو جمعت كل ما روي عن

стр. 61

الصحابة ﵃ في أبواب العلم لوجدته ينقص كثيرا عن مؤلف من مؤلفات علماء الكلام؛ الذي ليس فيه ألا حشو الكلام الذي لا منفعة فيه، بل فيه مضرة؛ أدناها إضاعة الوقت. وأنت تجد كلام الصحابة ﵃ سهلا واضحا سلسلا، ليس فيه تكلف ولا تشدد، بل كله مبني على السهولة، لما افطر الناس في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن تغرب الشمس - لأنها كانت غيما - ثم طلعت الشمس، قالوا: يا أمير المؤمنين إن الشمس قد طلعت، قال: ((الخطب سهل إننا لم نتجانف لإثم)) كلمات يسيرة واضحة سهلة بينت الحكم والحكمة، الخطب سهل لأننا لم نتجانف لإثم، إذا لا شيء علينا، وفي رواية أخرى قال: ((الخطب سهل نقضي يوما مكانه)) فيكون له في المسألة قولان. فعلم السلف ﵏ وخصوصا الصحابة ﵃، وخصوصا الخلفاء الراشدين، تجده سهلا بينا واضحا، حتى النفس تلتذ له ولسماعه، فهذا هو المقصود بقول المؤلف ﵀ (الأسرار) فالأسرار إذا جمع سر، والمراد بها خفايا العلوم والأخلاق التي تكون عند الصحابة ﵃، بدون تكلف وبدون تعمق، بل بكل سهولة تجري على النفوس وعلى القلوب مجرى سهلا هيناً.

стр. 62

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٦- وبعد فاعلم أن كل العلم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي ٧- لأنه العلم الذي لا ينبغي ... لعاقل لفهمه لم يبتغ ــ الشرح قوله: (وبعد فاعلم) بعد: أي بعد ما ذكر من الحمد والثناء على الله ، والصلاة والسلام على رسوله وآله، (فاعلم ... ) وبعدها مضمومة ضمة بناء؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، وهذه الكلمات - بعد وأخواتها - يقول النحويون فيها إنها لا تخلو من أربع حالات: الحال الأولى: أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه وحينئذ تبنى على الضم. الحال الثانية: أن يحذف المضاف إليه وينوى لفظه وحينئذ تعرب بالحركات غير منونة، فتجر في حال الجر؛ وتنصب في حال النصب، وما أمكن أن يرفع منها يرفع في حال الرفع لكن غير منون؛ لأنه قد نوى لفظ المضاف إليه، والكلمة إذا أضيفت لا تنون، كما قيل: كأني تنوين وأنت إضافة فأين تراني لا تحل مكاني الحال الثالثة: أن يذكر المضاف إليه فتعرب بالحركات حسب العوامل ولكن بغير تنوين. الحال الرابعة: أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى لا لفظه ولا معناه،

стр. 63

وحينئذ تعرب بالحركات منونة، قال الشاعر: فساغ لي الشراب وكنت قبلا أكاد أغص بالماء الفرات فقال: وكنت قبلا. وأكثر ما ترد هذه الكلمات مبنية على الضم؛ لان المضاف إليه يكون محذوفا وينوى معناه. إذا: (وبعد) هنا مبنية على الضم؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوى معناه. وقوله: (فاعلم) الفاء رابطة في جواب شرط مقدر، لان التقدير (وبعد) هو (وأما بعد) . (فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد) أمر المؤلف ﵀ أن تعلم؛ لان المقام مقام ينبغي أن يهتم به، وهو أن يعلم الإنسان أن جميع العلوم كالفرع للتوحيد؛ كعلم الفقه والتفسير والحديث وغيرها كلها فرع لعلم التوحيد؛ لان التوحيد هو الأصل الذي ينبني عليه دين العبد، ولا يمكن أن يقوم دين ألا بتوحيد (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ ألا اللَّهُ) (محمد: الآية ١٩) . وقول المؤلف ﵀: (كالفرع للتوحيد) يعني بأقسامه الثالثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فكل العلوم بل والأعمال أيضا، مدارها على التوحيد، فالتوحيد هو الأصل وما سواه فهو فرع. وقوله: (فاسمع نظمي) أمر بان تعلم وان تسمع.

стр. 64

(نظمي) أي منظومي الذي سأنظمه وأقوله؛ لان ما سينظمه ﵀ في علم التوحيد، ولهذا أمر بان تسمع إليه سماع انتفاع. ثم علل كون العلوم كالفرع للتوحيد بقوله: لأنه العلم الذي لا ينبغي لعاقل لفهمه لم يبتغ قوله: (لأنه) : أي علم التوحيد. وقوله: (العلم الذي لا ينبغي) أي لا يصلح ولا يستقيم ولا يمكن للإنسان العاقل أن لا يبتغي فهمه، اللام في قوله: ((لفهمه)) زائدة، يعني لا ينبغي لعاقل لم يبتغ فهمه، أي: أنه لا ينبغي لعاقل أن يدع فهم علم التوحيد، لأنه الأصل، وإذا كان هو الأصل وجب أن يقدم على غيره، لان الفرع لا يبنى ألا على أصل.

стр. 65

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٨- فيعلم الواجب والمحالا ... كجائز في حقه تعالى ــ الشرح قوله: (فيعلم) يعني من جملة علم التوحيد، أن به يعلم الواجب والمحال والجائز في حق الله تعالى. فيعلم الواجب في حق الله، ويعلم المستحيل في حق الله، ويعلم الجائز في حق الله، فالأقسام إذا ثلاثة: واجب، ومستحيل، وجائز، ويقال للواجب أحيانا اللازم، ويقال للمحال أحيانا الممنوع، ويقال للجائز أحيانا الممكن، والمدار على المعنى. أما الواجب في حق الله تعالى: فهو ما لا يتصور عدمه بالنسبة إليه، فكل شيء لا يتصور عدمه بالنسبة لله فهو واجب، فمثلا الحياة من الواجب، والعلم من الواجب، والقدرة من الواجب، والقوة من الواجب، والأمثلة في هذا كثيرة، فكل ما لا يتصور عدمه فهو واجب. وأما المستحيل: فهو كل ما لا يتصور وجوده، فالذي لا يتصور وجوده هو المستحيل، مثل الموت والعجز والضعف والجهل والنسيان وما أشبه ذلك. فهذا كله ممتنع في حق الله . والضابط في هذا أن كل كمال فهو من الواجب في حق الله تعالى، وكل نقص فهو من الممتنع في حق الله . وأما الجائز: فهو ما جاز وجوده وعدمه بالنسبة للخالق، مثل النزول إلى

стр. 66

السماء الدنيا، والاستواء على العرض، وخلق شيء معين كخلق ذباب مثلا، وخلق السماوات، وخلق الأرض، هذا من الأمور الجائزة، لأنه يجوز أن لا يخلق الله هذا لاشيء ويجوز أن يخلقه؛ فلو لم يخلقه لم يكن ذلك نقصا، ولو خلقه لم يكن نقصا، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا كلها من الأمور الجائزة. فإذا قال قائل: إن إثبات الجائز في حق الله ممنوع لأنه إن كان وجوده كمالا كان عدمه نقصا، وإن كان عدمه كمالا كان وجوده نقصا، وحينئذ لابد أن يكون إما موجودا فيكون من الواجب أو معدوما فيكون من المستحيل، فلا يتصور شيء جائز في حق الله؟ فالجواب على هذا أن نقول: هو كمال في حال وجوده، نقص في حال عدمه إن كان من الموجودات، أو هو كمال في حال عدمه نقص في حال وجوده، فمثلا إذا اقتضت الحكمة أن يوجد هذا الشيء فوجد صار كمالا، ووجوده قبل اقتضاء الحكمة نقص، وإذا اقتضت الحكمة عدمه كان وجوده نقصا، ووجوده في حال اقتضاء الحكمة عدمه نقص. وبهذا يمكن أن نقول إن هناك شيئا جائزا في حق الله، ويكون وجوده في حال اقتضاء الحكمة كمالا، ويكون عدمه في حال اقتضاء الحكمة كمالا، فنزول الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، في هذه الحال كمال، وفي غير هذه الحال لا يكون كمالا؛ لان الله اقتضت حكمته أن يكون نزوله في هذا الوقت فقط، ولو اقتضت الحكمة أن ينزل في غير هذا الوقت ولم ينزل كان عدم النزول نقصا، وهذا شيء مستحيل في

стр. 67

حق الله . فالحاصل: أنه لو أورد علينا إنسان إيرادا، وقال: إن تقسيمكم الأشياء إلى ثلاثة: واجب ومستحيل وجائز، تقسيم غير صحيح. فالشيء إما واجب وإما مستحيل، أما جائز فلا؛ لأنه إن كان وجوده كمالا وجب أن يكون موجودا دائما، وإن كان عدمه كمالا وجب أن يكون معدوما دائما، نقول هو كمال في حال وجوده إذا اقتضت الحكمة وجوده، وهو كمال في حال عدمه إذا اقتضت الحكمة عدمه، وحينئذ يصح هذا التقسيم. قال: (كجائز في حقه تعالى) سبق أن مثلنا للواجب بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وأشياء كثيرة، وللممنوع: بالموت والعجز والضعف والجهل وما أشبه ذلك، وللجائز بالنزول للسماء الدنيا، وكذلك الاستواء على العرش، وكذلك الكلام باعتبار أفراده، فإن الله يجوز أن يتكلم بهذا أو ألا يتكلم به.

стр. 68

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٩- وصار من عادة أهل العلم ... أن يعتنوا في سبر ذا بالنظم ١٠- لأنه يسهل للحفظ كما ... يروق للسمع ويشفي من ظمأ ــ الشرح قوله: (وصار من عادة أهل العلم) : العادة: هي الشيء الذي يعود ويتكرر فيألفه الناس ويكون من عادتهم، فصار أهل العلم ﵏ من عادتهم (أن يعتنوا) أي: يبذلوا العناية (في سبر ذا) أي في سبر علم التوحيد، والمراد بالسبر: التتبع والاستقراء، فصاروا يسبرونه بالنظم. ولا شك أن هذا التركيب فيه تطويل، ومعناه أنه صار من عادة أهل العلم أن يبحثوا في هذا الموضوع الذي هو علم التوحيد بالنظم، وهناك عادة أخرى غير النظم وهي النثر، فالنثر كثير، وكلام العلماء في علم التوحيد نثرا أكثر من كلامهم فيه نظما، لكن مع ذلك النظم شائع مشهور معتاد عندهم أن ينظموا العقائد وعلم التوحيد، حتى يكون كما أشار إليه المؤلف ﵀ بقوله: لأنه يسهل للحفظ كما يروق للسمع ويشفي من ظمأ والنظم الذي كان العلماء ﵏ يعتادونه في هذا الباب على بحر الرجز، كما هو الحال هنا في هذه القصيدة، وقد يكون على بحر الكامل، أو الطويل أو البحور الأخرى المعروفة في علم العروض، لكن أكثر ما يكون

стр. 69

على الرجز؛ لان الرجز خفيف عند القراءة، وسهل عند النظم، لان غير الرجز لابد أن يلتزم الإنسان قافية معينة، وهذا قد يصعب على الإنسان غير الشاعر، أما الرجز فكل بيت له قافية معينة، لا يحتاج الراجز ألا إلى مراعاة الشطر الأول واشطر الثاني فقط. قال: (لأنه يسهل للحفظ) هذه فائدة؛ فالنظم يسهل للحفظ أكثر من النثر. وقوله: (كما يروق للسمع) يروق يعني يحسن ويطرب له السمع، ولهذا لو جاء إنسان يقرأ خطبة قراءة عادية لا تجد أنه يهز مشاعرك، أو يوجب انتباهك، لكن إذا كان نظما فإنه يروق لك. أما قوله: (ويشفي من ظما) فكون هذا خاصا بالشعر فيه نظر، لان الشفاء من الظمأ يكون في الشعر ويكون في النثر، لكن لعله يريد ﵀ تكميل البيت بهذه الجملة، وإلا فإن الشفاء من الظمأ يكون في النثر وفي النظم، بل قد يكون في النثر أكثر، لان النظم أحيانا يضطر فيه الناظم إلى استعمال عبادات أو تركيبات من الكلام توجب تعقيد المعنى وعدم فهمه.

стр. 70

ثم قال رحمه الله تعالى: ١١- فمن هنا نظمت لي عقيدة ... أرجوزة وجيزة مفيدة ١٢- نظمتها في سلكها مقدمة ... وست أبواب كذاك خاتمة ــ الشرح قوله: (فمن هنا أي من هذا الباب، أو من هذا المأخذ، (نظمت لي عقيدة) أصل النظم هو ضم الخرزات بعضها إلى بعض في سلك، ويطلق على ضم الكلمات بعضها على بعض في بيت تشبيها بخرزات السبحة أو غيرها مما ينظم. وقوله: (نظمت لي عقيدة) يحتمل أن اللام هنا بمعنى من، أي: نظمت مني عقيدة لإخواني المسلمين، ويحتمل أن اللام للاختصاص، يعني: نظمت لنفسي عقيدة، لكن الظاهر أن المراد المعنى الأول، أي: نظمت عقيدة لإخواني المسلمين مني. وقوله: (عقيدة) : فعيلة بمعنى مفعولة، أي شيء معتقد، والعقيدة في الأصل من العقد، وهو إحكام الشد، وضده الحل، وهذا في الأصل، أي في اللغة العربية. وأما في الاصطلاح: فهي حكم الذهن الجازم، يعني أن تحكم على الشيء حكما جازما، وتحكم عليه ذهنا، يعني تعتقد في قلبك بأن هذا كذا نفيا أو إثباتا، جازما به؛ فلا عقيدة مع الشك، لأنه لابد من أن يكون هناك جزم، ولا عقيدة باعتبار نطق اللسان، لان نطق اللسان يقع حتى من المنافق، فالمنافق يقول لا إله ألا الله ولكن ليس عنده عقيدة.

стр. 71

إذا العقيدة تعريفها اصطلاحا: حكم الذهن الجازم. فقولنا حكم الذهن خرج به قول اللسان لأنه لا يعتبر عقيدة؛ إذ قد يقول الإنسان ما لا يعتقد. وخرج بقولنا: الجازم الشك فإن الشاك لم يعتقد. ولا يشترط أن يكون الحكم مطابقاً للواقع، فإن طابق الواقع فالعقيدة صحيحة، وإن خالف الواقع فالعقيدة فاسدة. فاعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة هذه عقيدة، ولكنها فاسدة لأنها غير مطابقة للواقع. واعتقاد أهل التحريف أن الاستواء بمعنى الاستيلاء عقيدة، لكنها فاسدة لأنها خلاف الواقع، لكن هم يجزمون بذلك ويعتقدون هذا. قال: (أرجوزة وجيزة مفيدة) فذكر أنه من أجل ذلك نظم عقيدة من بحر الرجز، ووصفها بأنها (وجيزة) يعني غير مطولة، وهو كذلك، فإنها ليست مطولة لأنه يذكر فيها ﵀ القواعد العامة بدون تفصيل، وأنها أيضا (مفيدة) يعني تفيد قارئها وسامعها وكاتبها أيضا. فقوله: إنها أرجوزة وجيزة هذا ليس فيه مدح، لكن قوله مفيدة فيه مدح. فإذا قال قائل: كيف يسوغ للإنسان أن يمجد ما كان من صنعه وتأليفه، وهل هذا ألا افتخار؟! فالجواب: يسوغ ذلك إذا لم يقصد بهذا الافتخار على الخلق، وإنما قصد بيان الواقع، فقد قال النبي ﵊: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) (١) وقال ابن مسعود ﵁: ((لو اعلم أن أحداً اعلم مني بكتاب الله

стр. 72

تبلغه الإبل لرحلت إليه)) (١) وهذا يتضمن بلا شك أنه على علم عظيم بكتاب الله ، لكن ابن مسعود ﵁، لم يقل هذا القول ليمدح نفسه ويفتخر بل ليحث الناس على التلقي عنه وعن غيره من أهل العلم. والعلماء ﵏ إذا صنفوا يذكرون فوائد مصنفاتهم، كما قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطي وهذا ثناء عليها لا ليفتخر بها لأنها من تأليفه، ولكن من أجل أن يحث الناس على تلقيها وتعلمها. وهكذا المؤلف ﵀ هنا قال: ((مفيدة)) ، لأجل أن تحرص عليها وعلى ما فيها من فوائد. قال: (نظمتها في سلكها) هذا يسميه علماء البلاغة الاستعارة، لان هذه الأرجوزة ليس لها سلك لكنه شبهها بخرزات السبحة التي لها سلك فتنظم، لينضم بعضها إلى بعض؛ ولا يضيع بعضها عن بعض، ولا تتفرق وتتشتت. وتشتمل على مقدمة وستة أبواب وخاتمة قال: ................. مقدمة وست أبواب كذاك خاتمة فيكون المجموع ثمانية: مقدمة وخاتمة وستة أبواب

стр. 73

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٣ - وسمتها بالدرة المضية ... في عقد أهل الفرقة المرضية ــ الشرح قوله: (وسمتها) أي جعلت عليها علامة لان الوسم هو العلامة، وفي بعض النسخ ((سميتها)) والمعنى متقارب، يعني إنني سميت هذه المنظومة، أو وسمتها أي جعلت عليها علامة (بالدرة المضية) أصل المضية المضيئة، لكن سهلت الهمزة لأجل استقامة البيت، و (الدرة) هي أعلى ما يقتنصه أهل البحر من البحار، و (المضية) يعني التي لها إضاءة لقوة صفائها وحسنها، وهذا الاسم مطابق لمسماه، فإن هذه المنظومة درة مضية، مضيئة لمن قرأها وتأملها؛ لان فيها فوائد كثيرة عظيمة فيما يتعلق بالعقدية. وقوله: (في عقد أهل الفرقة المرضية) عقد: بمعنى اعتقاد، فهي اسم مصدر لان اعتقد يعتقد، المصدر اعتقاد، وعقد اسم مصدر، واسم المصدر يقول النحويون، ما دل على معنى المصدر ولم يشتمل على حروفه فكل ما دل على معنى المصدر ولكنه لم يشتمل على حروفه، فإنه يسمى اسم مصدر. وقوله: (أهل الفرقة) الفرقة بالضم يعني الاختلاف والافتراق، والفرقة بالكسر يعني الطائفة، والمراد هنا الطائفة، وليس المراد أهل الفرقة، فهم ليسوا بأهل الفرقة، بل هم أهل اجتماع، لكن المراد أهل الفرقة يعني الطائفة (المرضية) التي ارتضاها الله ورسوله والمؤمنون، وهم أهل السنة والجماعة، الذين كانوا على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وضد هذه الفرقة المرضية أصحاب الفرق المسخوطة من أهل البدع، على اختلاف أصنافهم وأنواعهم.

стр. 74

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٤- على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ... إمام أهل الحق ذي القدر العلي ١٥- حبر الملا فرد العلا الرباني ... رب الحجى ماحي الدجى الشيباني ــ الشرح قوله: (على اعتقاد ذي السداد الحنبلي) : يعني إنها مبنية على اعتقاد ذي السداد، والسداد يعني الصواب المسدد الموافق للحق. وقوله: (الحنبلي) صفة لذي لا للسداد، يعني على اعتقاد الحنبلي، وهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵀ الإمام المشهور، فنسبته إلى حنبل لأنه جده. وقوله: ((إمام أهل الحق)) يعني الذي يقتدي به أهل الحق، لكن إمامته ﵀ وإمامة غيره من الأئمة ليست إمامة مستقلة، بل هي إمامة تابعة للإمامة العظمى، وهي إمامة رسول الله ﷺ ، ولولا ائتمام هؤلاء الأئمة به ﷺ ما صاروا أئمة، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) فهؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين صاروا أئمة لأنهم أهل للإمامة بما أعطاهم الله تعالى من الصبر واليقين. وقوله: (ذي القدر العلي) القدر يعني الشرف، العلي ضد النازل، فالإمام أحمد ﵀ له قدر علي بين أهل الحق، تكاد تكون الأمة كلها مجمعة على الثناء عليه حتى إن بعض العلماء ﵏ قال: إنه يجوز أن

стр. 75

نشهد له ولأمثاله بالجنة؛ لان الأمة اتفقت على الثناء عليه، وقد قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: الآية ١٤٣) فإذا شهدت الأمة لشخص بالصلاح فلنا أن نشهد له بالجنة. والمسالة هذه فيها خلاف. لكن الكلام على أن الرجل قد اتفق على أنه ﵀ من اجل أئمة الدين وأعظمهم قدرا، وحصل له من المحنة في الدفاع عن السنة ما يعلم من ترجمته، كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١) ، وغيره من تكلموا عن سير الرجال (٢) . وقوله: (حبر الملا) حبر بمعنى عالم، ويقال حبر؛ بفتح الحاء وكسر الحاء حبر الملا أو حبر الملا، وهي موافقة للبحر في الاشتقاق الأكبر لأنها موافقة لها في الحروف دون الترتيب، فحبر وبحر حروفها واحدة: الباء، والحاء، والراء، لكن اختلفت في الترتيب. إذا فهو العالم الواسع العلم، والعالم الواسع العلم يسمى حبرا، وقوله: (الملا) يعني الخلق. ومن المعلوم أنه ﵀ واسع العلم وكثير العلم، ولا سيما علم المأثور، مع أنه يتكلم بعلم المعقول كلاما جيدا، كما يعرف من كلامه في الرد على الجهمية، لكنه في علم المأثور أكثر منه في علم المعقول. وقوله: (فرد العلا) يعني المتفرد بالعلا والشرف، ولا شك أن هذه الأوصاف التي تدل على الإطلاق، لا شك أن المؤلف ﵀ لا يريد بها
следующие страницы →