← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥٠- لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رغماً لأهل الزيغ والتعطيل ٥١- نمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر ــ الشرح قوله: (لكن بلا كيف) يعني أنها قديمة وثابتة لله لكن بلا كيف، والمراد بقوله (بلا كيف) أي بلا تكييف منَّا لها، وليس المراد أنه ليس لها كيفية، وذلك لأنه ما من شيء ثابت إلا وله كيفية ولابد، فاليد لها كيفية، والوجه له كيفية، والعين لها كيفية، لكن نحن لا نكيفها، فتكييفنا لها حرام، بل السؤال عن الكيفية بدعة، كما نص على ذلك الإمام مالك ﵀، وأقره أهل العلم عليه، فلا نسأل عن الكيفية ولا نكيف. والتكييف باطل بدلالة السمع ودلالة العقل. أما دلالة السمع فمنها: أولا: قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) ، والشاهد قوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: الآية ١٦٩) فإذا كَيَّف أحد صفة من صفات الله فقد قال على الله ما لا يعلم؛ لأن الله أخبر بالصفة ولم يخبر عن كيفيتها، وهذا من الأمور الغيبية التي لا يمكن أن تدرك بالحس، ولا يمكن - بحسب إضافتها إلى الله - أن تدرك بالعقل أيضاً، لأنه ليس هناك علة جامعة بين الخالق والمخلوق حتى نقيس ما غاب عنا من صفات الخالق على صفات المخلوق.

стр. 282

صحيح لو أن أحداً من الناس سألنا عن وجهه أو عن عينه أو عن يده لكنا نعرف كيفيتها بالقياس؛ لأنه بشر مثل سائر الخلق، ونحن نرى نظيره، لكن بالنسبة للخالق ليس هناك علة تجمع بينه وبين المخلوق، حتى يقاس على المخلوق، ويدعي المدعي أنه يعرف الكيفية. ثانياً: قول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦) ، (تقفو) : يعني تتبع ما ليس لك به علم، ومنه تكييف صفات الله، فإنه لا علم لنا به. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ) (الإسراء: الآية ٣٦) هذه طرق الإدراك (كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: الآية ٣٦) فيسأل الإنسان عنه إذا استمع لما لا يعنيه، أو نظر إلى ما لا يعنيه، أو فكر فيما لا يعنيه، فإن الإنسان سوف يسأل عن ذلك كله يوم القيامة. أما الأدلة العقلية: فإننا نقول: إن الشيء لا يمكن إدراكه إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه؛ فكل شيء لا يمكن إدراكه إلا بواحد من هذه الأمور الثلاثة. أن تشاهده، وهذا عين اليقين، أو تشاهد نظيره، وهذا أدنى رتبة من الأول، لأن هذا تدركه بالقياس؛ فمشاهدة النظير ومعرفة النظير بالنظير هذا قياس. أو بالخبر الصادق عنه، لكن ليس الخبر كالمعاينة، ولذلك فهو أدنى رتبة من الأول. ومعلوم أن واحداً من هذه الطرق الثلاثة لم يحصل بالنسبة لصفات الله ، فنحن لم نشاهد شيئاً من هذه الصفات، ولو شاهدنا شيئاً منها لم

стр. 283

ندركه؛ لأن الله قال: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) (الأنعام: الآية ١٠٣) وقال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية ١١٠) ، وبهذا فقد انتفى الأمر الأول. كذلك فنحن لم نشاهد نظيرها؛ لأن الله يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) إذاً لم نشاهد مثيلاً لله . وكذلك لم يخبرنا الله سبحانه أو رسوله عن كيفية هذه الصفات، فيتعذر إذاً أن نعلم كيفيتها، لأن وسائل العلم انتفت، وإذا انتفت الوسيلة انتفت الغاية، وحينئذٍ نقول: لا يمكن أن نكيف صفات الله، ولا يجوز أن نسأل عن الكيفية، ومن سأل عن الكيفية نهيناه؛ لأن السؤال عن الكيفية هلكة، لقول النبي ﷺ ((هلك المتنطعون) (١) . والسؤال عن الكيفية من التنطع؛ لأنه لو كان لك فائدة في علم الكيفية لبينها الله ورسوله، بل نقول: إن الوصول إلى حقيقة كيفية صفات الله أمرٌ مستحيل؛ لأن الإنسان أقل من أن يحيط بكيفية صفات الله. وانظر إلى موسى ﷺ حين قال لله: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك) (الأعراف: الآية ١٤٣) فهو يطلب النظر إلى الله شوقاً إليه، لا شكاً في وجوده، فلما قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك) (الأعراف: الآية ١٤٣) قال: (لَنْ تَرَانِي) (الأعراف: الآية ١٤٣) يعني: لا يمكن أن تراني (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) (الأعراف: الآية ١٤٣) فنظر إلى الجبل، فلما تجلى الله للجبل جعله دكاً، أي اندك الجبل وصار رملاً. فسبحان الله! هذا الجبل الأصم، الصلب، لما تجلى الله له اندك وصار رملاً.

стр. 284

ولما رأى موسى هذا المشهد العظيم خر صعقاً وغشي عليه. ولو تصور كل إنسان نفسه أنه هو الذي في هذه الحالة لغشي عليه من باب أولى. وتأمل كيف خر موسى صعقاً لما تجلى ربه للجبل، وكيف عجز الجبل عن أن يقاوم هذه الرؤية العظيمة واندك. والله يقول عن كلامه، وهو صفة من صفاته: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القرآن عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر: الآية ٢١) يهبط ويتصدع لكن لا يكون دكاً؛ لأن التجلي أعظم من نزول الكلام. إذاً لا يمكننا إدراك كيفية صفات الله وكنهها. فالسؤال عنه يكون لغواً من القول وتنطعاً في الدين ولهذا لما ورد هذا السؤال على الإمام مالك ﵀ عجز عن تحمله فأطرق برأسه وجعل يتصبب عرقاً. فالكيفية ثابتةٌ والتكييف ممنوع ولو نفيت الكيفية على الإطلاق لكنت نفيت الوجود وعلى هذا نحمل كلام السلف حيث قالوا في آيات الصفات وأحاديثها: (أمروها كما جاءت بلا كيف) ، أي: بلا تكييف. وقوله: (بلا تمثيل) يعني: وكذلك ثابتة بلا تمثيل. وقد سبق الكلام على نفي التمثيل وأنه ثابت بدلالة السمع والعقل وأن التعبير بقول القائل: (بلا تمثيل) ، أولى من قوله: (بلا تشبيه) ، من ثلاثة أوجه. لكننا نرى في بعض الأحيان كلاماً بلفظ التشبيه جاء من أئمة السلف، وهذا الذي جاء - بلفظ التشبيه - من أئمة السلف، يريدون به التمثيل. والمؤلف ﵀ لغيرته وشدة تمسكه بمذهب السلف قال: إننا نقول

стр. 285

ذلك (رغماً لأهل الزيغ) يعني نراغمهم بذلك، والرغام أصله التراب، وهو كناية عن الإذلال؛ يقال: راغمته: أي أذللته، ومنه قولهم: رغم أنف امرئ. قوله: (والتعطيل) ، والتعطيل: معناه الترك والتخلية، ومنه قوله تعالى: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَة) (الحج: الآية ٤٥) أي متروكة مخلاة تركها أهلها. أما في الاصطلاح فالتعطيل: هو تعطيل الله عما يجب له، وهو أنواع بحسب ما ترك من واجب لله. أولاً: التعطيل المطلق: فالمنكرون لوجود الرب عطلوا أعظم تعطيل؛ حيث يقولون: ليس هناك رب، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، فهؤلاء عطلوا وجود الله أصلاً. ثانياً: تعطيل ألوهيته تعالى: فالمشركون الذين يعبدون مع الله غيره عطلوا الله عما يجب له من العبادة؛ لأن الواجب إخلاص العبادة لله وحده. فهؤلاء الذين يعبدون مع الله غيره عطلوا الله عن التوحيد الخالص. ثالثاً: تعطيل أسمائه: فالذين عطلوا أسماء الله قالوا: إن الله تعالى ليس له أسماء، وأن ما نُسب إليه من الأسماء فإنما هي أسماء لمخلوقاته وليست له، فهذا تعطيل شديد أيضاً. رابعاً: تعطيل الصفات: حيث يقول الذين عطلوا الصفات: إن الله له أسماء لكن ليس له صفات؛ فلا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة، ولا قدرة؛ فينكرون الصفات أصلاً، وهذا أيضاً تعطيل، حيث عطلوا الله

стр. 286

عما يجب له من الصفات. خامساًً: التعطيل لبعض الصفات: حيث يثبت أصحاب هذا النوع من التعطيل شيئاً من الصفات وينكرون أشياء من الصفات، فهذا أيضاً تعطيل، وهذا له أنواع: فمنهم من يعطل صفات الأفعال فقط، ومنهم من يعطل كل صفة لا يدل عليها العقل بزعمه، ويختلفون في هذا. فصار التعطيل بذلك أنواعاً خمسة: أولاً: التعطيل المطلق: وهو تعطيل وجود الخالق. ثانياً: تعطيل ألوهيته: بأن يعبد معه غيره. ثالثاً: تعطيل أسمائه: بأن تنفى عنه الأسماء، والذي ينفي الأسماء ينفي الصفات من باب أولى. رابعاً: تعطيل الصفات: فيقال: إن الله له أسماء وليس له صفات. خامساً: تعطيل بعض الصفات: وهذا يختلف فيه الناس كثيراً، فمنهم من يعطل كثيراً ومنهم من يعطل قليلاً. وكل أنواع التعطيل هذه منفية في قول المؤلف ﵀: (رغماً لأهل الزيغ والتعطيل) . فالجهمية - المقتصدون منهم - عطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء، والغلاة منهم عطلوا الأسماء والصفات. والمعتزلة عطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء، لكنها أسماء مجردة وليس لها معانٍ، فهو سميعٌ بلا سمع، وبصيٌر بلا بصر.

стр. 287

والأشاعرة أثبتوا الأسماء وأنكروا الصفات إلا سبعاً، والأفضل هنا أن نقول: إنهم أنكروا الصفات إلا سبعاً، ولا نقول أثبتوا سبع صفات؛ لأن الصفات السبع قليلة بالنسبة للصفات الكثيرة العديدة؛ فلهذا نقول أنكروا الصفات إلا سبعاً. أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأثبتوا لله الأسماء والصفات كلها، بدون قيد وبدون تفصيل، لأنهم يقولون: إن الواجب علينا أن نمرها كما جاءت. ولهذا قال المؤلف ﵀: (نمرها كما أتت في الذكر) نمرها: يعني اقبلها وأمرها بلسانك وبقلبك كما أتت في الذكر. و (في الذكر) يعني في القرآن، سواء أتت في القرآن مباشرة أو بالإحالة؛ فمباشرة بأن تكون الأسماء والصفات في القرآن، أو بالإحالة بأن تكون الأسماء والصفات في السنة، لأن ما جاء في السنة فقد أتى في القرآن لكن عن طريق الإحالة: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) (الحشر: الآية ٧) . وقوله ﵀: (نمرها كما أتت في الذكر) هذه العبارة ورد معناها عن السلف، فقالوا في آيات الصفات وأحاديثها أمروها كما جاءت بلا كيف. وهذه العبارة تجاذبها طائفتان: طائفة ادعت أن السلف أرادوا بهذه العبارة التفويض، والتفويض: يعني إننا نمر النص ونفوض معناه ونقول: الله أعلم بما أراد، فنقرأ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) ولكننا لا نعلم معنى استوى، ونقرأ قوله ﷺ : ((ينزل ربنا من السماء الدنيا) (١) ولا نعلم معنى

стр. 288

ينزل، ونقرأ قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧) ولا نعلم معنى الوجه، وعلى هذا فقس، وادَّعوا أن هذا مذهب أهل السنة والجماعة وأنه مذهب السلف. والغريب أن هذه الدعوى تصدر من علماء أجلاء يشهد لهم بالخير، لكننا نشهد لهم بالخير، ونشهد عليهم بالخطأ في نقل مذهب السلف على هذا الوجه، ونرى أنهم مخطئون لكن عن غير عمد؛ لأن نيتهم حسنة - لا شك عندنا في ذلك -، لكنهم فهموا عن السلف فهماً خاطئاً، فليس مذهب السلف هو التفويض، فالسلف من أفقه الناس في معنى آيات الصفات وأحاديثها، لكنهم من أبعد الناس أن يقولوا فيها ما لا يعلمون. وليتنبه أننا لو قلنا: إن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها هو التفويض الذي أراده هؤلاء، لكان أجهل الخلق بالله هم " السلف، لأن من لا يعرف معنى الصفات كيف يعرف الله؟! ، فالذي لا يعرف معنى السميع ولا البصير ولا العزيز ولا الحكيم، كيف يعرف الله؟! فهذا اللازم لا شك أنه لازم باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. ومن ثم أطلق بعض هؤلاء العلماء القول بأن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا القول فيه حق وباطل. فقولهم: إنها أسلم صحيح، لكن ليس على الوجه الذي أرادوه، ولو كان مذهب السلف هو الوجه الذي أرادوه لم يكن أسلم، بل كان أسلم لأن مذهباً يقول: أنا أقرأ آيات الصفات وأحاديثها ولا أعرف معناها، أين السلامة؟! فإذا لم تعرف المعنى وتثبته فأنت غير سالم، لكنهم قالوا: إن قول

стр. 289

الإنسان: (لا أدري) هذه سلامة. وقولهم في طريقة الخلف: إنها أعلم وأحكم؛ فأعلم لأنهم يثبتون معنى؛ وأحكم لأنهم قالوا: إن من المحال أن ينزل الله علينا كتاباً في أعظم ما نحتاج إليه ثم لا يكون له معنى معلوم، فلو قال إنسان: عن آيات الصفات وأحاديثها ليس لها معنى أو ليس معناها معلوماً، لكان هذا مناقضاً للحكمة. ولهذا قالوا: طريقة الخلف أعلم وأحكم، وقد بينا أن هذه المقولة باطلة متناقضة (١) ، وقد كذبوا بذلك على السلف فيما فهموا من مذهبهم. وقوله: (نمرها كما أتت في الذكر) ، سبق أن السلف قالوا في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف. وهذه العبارة لا تدل على أن السلف يفوضون المعنى، بل الذي تدل عليه أن السلف يثبتون معنى آيات الصفات وأحاديثها، وتدل العبارة على هذا من وجهين: الأول: قولهم: (أمروها كما جاءت) ومن المعلوم أنها جاءت ألفاظاً لمعانٍ، ولم تأت ألفاظاً لغير معنى كالحروف الهجائية أبداً، فإذا أمررناها كما جاءت فمعنى ذلك أننا نثبت اللفظ والمعنى. والثاني: قولهم: (بلا كيف) يعني بلا تكييف، وهذه أيضاً تدل على ثبوت المعنى، لأنه لولا ثبوت أصل المعنى ما احتجنا إلى قول بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بموجود لغوٌ من القول، وهذا واضح.

стр. 290

فهم أثبتوا المعنى، ووجه ذلك أن نفي التكييف يدل على ثبوت أصل المعنى؛ لأنه لولا ثبوت أصل المعنى ما احتيج إلى أن نقول بلا تكييف. فالسلف يثبتون لنصوص الصفات معنى، ووالله لولا إثباتنا للمعنى ما ذقنا طعم هذه النصوص في الصفات وفي الأسماء أبداً، ولو كنت أقرأ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كما أقرأ ((أ-ب- ج)) لما استفدت وما ازداد إيماني ومعرفتي بالله أبداً. فلولا أني أعرف أن معنى استوى علا علواً يليق بجلاله وعظمته لما استفدت، ولهذا كان دعوى عدم إثبات السلف المعنى لآيات الصفات دعوى باطلة، وقدْحاً عظيماً في السلف، ومهما كان مصدر هذا القول، فهو خطأ. فإذا كان السلف يثبتون المعنى بلا تكيف صاروا أسلم وأعلم وأحكم، وهذا هو المطلوب

стр. 291

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥٢- ويستحيل الجهل والعجز كما ... قد استحال الموت حقاً والعمى ٥٣- فكل نقص قد تعالى الله ... عنه فيا بشرى لمن والاه ــ الشرح قوله: (ويستحيل الجهل والعجز) الاستحالة معناها التعذر وعدم الإمكان، أي يستحيل الجهل على الله، ودليل استحالته أثري ونظري: أما الأثري: ففي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) وقوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق: الآية ١٢) وقوله (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (يونس: الآية ٦١) . والنصوص في أنه يستحيل الجهل على الله كثيرة؛ لأن الإخبار على هذا الوجه يدل على عموم إحاطة علم الله بكل شيء، وإذا أحاط بكل شيء استحال الجهل. وأما النظري: فلأن الجهل صفة نقص، حتى إن الإنسان يُعَير به فيقال: يا جاهل، أو يقال: فلان جاهل، وإذا كان صفة نقص فإنه ينزه عنه الخالق، فالخالق لا يمكن أن يتصف بنقص إطلاقا، وقد استدل إبراهيم ﵊ على أبيه بهذا فقال: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) (مريم: الآية ٤٢) إذاً هذا وجه استحالته نظرياً. وإذا استحال الجهل فإنه يكون من الصفات السلبية المنفية، وقد سبق أنه

стр. 292

لا يوجد في صفات الله صفة سلبية محضة، بل لابد أن تكون متضمنة لكمال ضدها، فإذا استحال الجهل صار كمال العلم واجباً، ولهذا يجب أن يكون الله متصفاً بكمال العلم. والجهل قد يكون سابقاً للعلم وقد يكون لاحقاً، وكلاهما مستحيل، فما كان سابقاً للعلم فهو جهل، وما كان لاحقاً له فهو نسيان، وكلاهما مستحيل على الرب . وقد قال موسى لفرعون حين قال: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) (طه: ٥١) قال موسى: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طه: الآية ٥٢) وقوله: (ويستحيل الجهل والعجز) ، أي: ومما يستحيل أيضاً: العجز، والعجز مستحيل بدلالة السمع، ودلالة العقل: أما السمع: فقد قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر: الآية ٤٤) ومثل هذا النفي (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ) (فاطر: الآية ٤٤) إنما يصاغ فيما كان ممتنعا غاية الامتناع، كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: ١١٧) (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (الأنفال: الآية ٣٣) وما أشبه ذلك. إذاً فالنفي في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ) (فاطر: الآية ٤٤) ، يدل على امتناع المنفي امتناعاً مطلقاً بكل حال. وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (العنكبوت: ٤) وقال تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي

стр. 293

السَّمَاءِ) (العنكبوت: الآية ٢٢) والآيات الدالة على استحالة العجز كثيرة. أما الدليل العقلي على استحالة العجز فهو أن العجز صفة نقص، والرب منزه عن النقص، فيجب أن ينزه عن العجز، قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض) (فاطر: لآية ٤٤) إذاً فالعجز مستحيل سمعاً وعقلاً، وإذا استحال العجز على الله فإن القدرة تجب له سمعاً وعقلاً: أما السمع: فما أكثر الآيات التي يقول الله فيها: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (النور: الآية ٤٥) ومنها هذه الآية التي نفى الله فيها عجزه مطلقاً، حيث قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض) (فاطر: الآية ٤٤) ثم قال: (إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر: الآية ٤٤) . وأما العقل: فقرر دلالته على ذلك أهل العلم في قولهم: إن الخلق يدل على الخالق وعلى القدرة أيضاً، لأنه لا يمكن أن يوجد خلق إلا بقدرة عليه، فوجود المخلوقات وإثبات الخلق دليل على قدرة الخالق . فصار العجز مستحيلاً سمعاً وعقلاً، وإذا استحال العجز ثبت ضده وهي القدرة، والقدرة أيضاً ثابتة سمعاً وعقلاً. ثم قال المؤلف ﵀: (كما قد استحال الموت حقاً) أيضاً الموت مستحيل سمعاً وعقلاً: أما استحالته سمعاً: فقد قال الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (الرحمن: ٢٦) (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧) وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) (الفرقان: الآية ٥٨) بل نفى الله عنه الميتة الصغرى في قوله: (لا

стр. 294

تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: الآية ٢٥٥) فإن النوم هو الميتة الصغرى، ونفيه نفياً لها. أما استحالته عقلاً: فلأن الموت لا يلحق إلا الناقص: أي ناقص الحياة؛ لأن الموت لا شك أنه فقدٌ للحياة، والحياة صفة كمال، فإذا فقدت زال الكمال، والله منزه عن كل نقص. وقوله: (حقاً) مصدر عامله محذوف تقديره: أحق ذلك حقاً، يعني أثبته إثباتاً لا شك فيه. وقوله: (والعمى) ، العمى: ضد البصر، فالله منزه عن العمى وعن العور الذي هو فقد إحدى العينين، ودليل ذلك أيضاً من السمع والعقل: أما من السمع: فقد قال النبي ﵊ ((حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (١) ، وقال النبي ﷺ في وصف الدجال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) (٢) . وأما عقلاً: فلأن من لا يبصر ناقص، والنقص منزه عنه الله ، ولهذا قال إبراهيم ﵊ لأبيه: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) (مريم: الآية ٤٢) . ثم ذكر المؤلف قاعدة عامة مطردة فقال: (فكل نقص قد تعالى الله عنه) أي: كل نقص - على سبيل العموم - فإن الله جل وعلا قد تعالى عنه؛ سواء كانت هذه الصفة نقصاً في ذاتها؛ أو كانت الصفة نقصاً في كمالها. مثل الصفة التي هي نقص في ذاتها: العمى والجهل المطلق.

стр. 295

ومثال الصفة التي هي نقص في كمالها: العور؛ فالأعور ينظر بعين واحدة وتستقيم أموره، لكن هذه الرؤية ناقصة وليست كاملة. ولهذا يستدل بعض أهل القيافة على أن هذه البهيمة عوراء برعيها الشجرة، حيث إن العوراء إذا وقفت عند الشجرة ترعى من جانب واحد، لأنها لا ترى الجانب الآخر، فإذا أقبل على بعير ترعى شجرة، ووجدها قد أكلت من اليمين عرف أنها عوراء من اليسار. ويستدل كل إنسان على الأعور أنه إذا أتاه من جهة العوراء فإنه لا يبصره، لأنه لا ينظر إلا من جهة واحدة، فالعور نقص، وهو نقص في كمال وليس فقداً للكمال. وكذلك أيضاً في صفة القوة، فلو كان الله ليس فيه قوة إطلاقاً لكان هذا نقصاً في ذات الصفة، فإذا كان فيه قوة ولكنه لا يقوى على بعض الأشياء فهذا نقص في كمال. فالله منزه عن الأمرين؛ منزه عن النقص الذي هو فقد الكمال بالكلية، وعن النقص الذي هو نقص في كماله. أما مماثلة المخلوقين فهي نقص في كماله، فلو قيل لله عينان مثل عيني المخلوق لكان هذا نقصاً في كمال، أو قيل لله علم مماثل لعلم المخلوق لصار أيضاً نقصاً في كمال. فالحاصل أن الله تعالى منزه عن كل نقص، سواء كان نقصا بحسب الأصل، أو نقصا بحسب الكمال، فالله منزه عنه، وتنزيه الله عن النقص مأخوذ من قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (النحل: الآية ٦٠) فإن إثبات المثل الأعلى يدل على أن كل ما كان نقصاً فالله منزه عنه؛ لأنه ينافي

стр. 296

الأعلوية، والله يقول: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) . (النحل: الآية ٦٠) . قوله: (يا بشرى لمن والاه) (يا) : هذه حرف نداء، لكن (بشرى) منادى وهو غير عاقل، فكيف يوجه النداء لغير العاقل؟. اختلف النحويون في هذا، فقالوا: إذا وجه النداء لغير العاقل فهو للتمني، أو يكون المنادى محذوفاً ويقدر بحسب السياق، ففي قول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل هنا خاطب الشاعر الليل وناداه: (ألا أيها الليل) والليل لا يعقل، فقالوا: إن هذا للتمني: يعني يتمنى أن ينجلي الليل، ومع ذلك يقول: حتى لو أنجليت فالصبح ليس أمثل منك، وقال الله تعالى: (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) (يّس: الآية ٢٦ (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يّس: ٢٧) (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) فهذه للتنبيه لأن ليت حرف لا ينادى فتكون للتنبيه. وقال بعضهم أن المنادى محذوف والتقدير: يا ربي ليت قومي يعلمون. والبشرى بمعنى البشارة، وهي الخبر السار، فالخبر السار يسمى بشرى، وسمي بشرى لأن البشرة تتغير به، ولهذا إذا سر الإنسان استنار وجهه، كما حصل للرسول ﵊ حين مر مجزز المدلجي بزيد بن حارثة وأسامة بن زيد، وعليهما رداء قد بدت منه أقدامهما، فقال: (إن هذه الأقدام بعضها من بعض) (١) . فسر بذلك النبي ﷺ حتى صارت أسارير

стр. 297

وجهه تبرق. ولذلك فكل خبر سار، يسمى بشرى. وقد تطلق البشرى على الخبر المسيء بجامع التغير في كل منهما، كما في قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران: الآية ٢١) . وقوله: (لمن والاه) أي والاه الله وصار له ولياً. فيا بشرى لمن كان ولياً لله، نسأل الله أن يجعلنا من أوليائه. وذلك لأن ولي الله قد أمنه الله من كل خوف، يقول تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: ٦٢) (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٣) فولي الله إذا عاداه أحد فقد حارب الله تعالى: وليس فقط عادى الله؛ بل قد حارب الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) (١) ، ومن آذنه الله بالحرب فهو مغلوب على كل حال، لأن الله تعالى عزيز قوي لا يغلبه شيء، ولهذا نقول: يا بشرى في الدنيا والآخرة لمن والاه الله، أي صار له ولياً بالمعنى الخاص؛ لأن الله ولي كل شيء بالمعنى العام ولكن بالمعنى الخاص فهو ولي لأهل الإيمان والتقوى.

стр. 298

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥٤ - وكل ما يطلب فيه الجزم ... فمنع تقليد بذاك حتم ٥٥- لأنه لا يكتفى بالظن ... لذي الحجى في قول أهل الفن ٥٦- وقيل يكفي الجزم إجماعاً بما ... يطلب فيه عند بعض العلما ٥٧- فالجازمون من عوام البشر ... فمسلمون عند أهل الأثر ــ الشرح انتقل المؤلف ﵀ من ذكر الصفات إلى ذكر بعض الأحكام في التقليد، ومن المعلوم أن إدراك المعلومات قد يكون عن اجتهاد ونظر في الأدلة، فهذا الذي يتوصل إليه الإنسان باجتهاده ونظره، يجب عليه أن يعتقده أو يعمل بمقتضاه، لكن بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد ذوي العلم؛ وليس من أهل الاجتهاد ذوي الجهل؛ لأن اجتهاد ذوي الجهل خطأ على كل حال، حتى لو أصاب ذو الجهل فهو مخطئ، لأن استعمال اجتهاده مع عدم القدرة والأهلية خطأ. فلو قال قائل: رجل وجب عليه إعتاق رقبة، فقال شخص: اذهب إلى السجناء وأخرج واحدا محبوسا بدينه، ولو كان دينه عشرة ريالات، فأوف عنه الريالات فتكون قد أعتقت رقبة؛ لأنك فككته من الأسر، أي من اسر الحبس، والفقهاء ﵏ يقولون: إنه يجوز صرف الزكاة في فكاك الأسير، فهذا صار فقيها من وجه وجاهلا من وجه آخر، واجتهاده هذا اجتهاد في غير محله.

стр. 299

ومثل ذلك أيضاً: إذا أنقذ إنسان شخصا من الغرق، وكان عليه عتق رقبة كفارة عن قتل أو ظهار أو جماع في رمضان، فأفتاه جاهل بان إنقاذ صاحبه من الغرق عتق رقبة، فهذا الاجتهاد غير مقبول لأنه عن جهل. ومثال آخر: إذا قام الإمام إلى خامسة فنبهه المصلون بقولهم: (سبحان الله) فأبى وأصر على أن يكمل الخامسة، فلما سلم التفت إلى الجماعة ينكر عليهم تصرفهم وجهلهم، مدعيا أن الفقهاء قالوا: إذا شرع الإمام في القراءة حرم الرجوع، فكيف يلحون عليه أن يرجع وقد شرع في القراءة؟! ، والحقيقة انه هو الجاهل لأن الفقهاء ﵏ يقولون: إذا شرع في القراءة حرم الرجوع فيما إذا ترك التشهد الأول، أما إذا قام إلى زائدة فيرجع ولو كان قد ركع. والمهم في ذلك أن مثل هذا المجتهد لا يعتبر اجتهاده مطلقا ولا يقبل، لكن المجتهد الذي فيه أهلية الاجتهاد، وعنده علم وبصر في كلام أهل العلم فالمؤلف يقول ﵀: وكل ما يطلب فيه الجزم فمنع تقليد بذاك حتم يعني يجب أن يجتهد الإنسان فيما يطلب فيه الجزم، وعلى ذلك فكل شيء يطلب فيه الجزم فلا تقلد فيه، بل يجب أن تعرف الحكم من الكتاب والسنة. وعلى هذا فالعوام الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ولا يعرفون الدليل لكن لما سمعوا العلماء يقولون بهذا آمنوا به، فعلى كلام المؤلف يكون إيمانهم ليس بصحيح، لأن الذي يطلب فيه الجزم لابد أن يكون عن اجتهاد،

стр. 300

ولا يصح أن يكون عن تقليد، لكن هذا القول ضعيف جدا، ولهذا قال: وقيل يكفي الجم إجماعا بما يطلب فيه عند بعض العلما يعني قال بعض العلماء ﵏: بل يصح التقليد فيما يطلب فيه الجزم، وهذا القول هو الراجح، وسيأتي إن شاء الله دليل هؤلاء ودليل هؤلاء ومناقشة الأدلة. فالمسائل العلمية؛ كالوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك، يجوز فيها التقليد بالاتفاق، ولا يمكن أن يلزم الإنسان الناس بالاجتهاد في هذا؛ لأن الاجتهاد في هذا صعب، والعامة لا يمكن أن يقرؤوا كتب الفقه. أما مسائل العقيدة التي يجب على الإنسان فيها الجزم فقد اختلف العلماء ﵏؛ هل يجوز فيها التقليد أو لابد من الوقوف على الدليل؟ ولا شك أن الوقوف على الدليل أولى حتى في المسائل العملية؛ لأن الإنسان إذا بنى عقيدته أو عمله على الدليل استراح، وصار يعلم انه يمشي في طريق صحيح، لكن إذا لم يمكن الوقوف على الدليل ففي التقليد خلاف بين أهل العلم ﵏؛ فمنهم من قال: إنه يكفي، ومنهم من قال: انه لا يكفي، ولكن الحقيقة انه لا يمكن أن نقول: إن جميع مسائل العقيدة يجب فيها اليقين؛ لأن من مسائل العقيدة ما اختلف فيه العلماء ﵏، وما كان مختلفا فيه بين أهل العلم فليس يقينيا؛ لأن القين لا يمكن نفيه أبدا. فمثلا اختلف العلماء ﵏ في عذاب القبر؛ هل هو واقع على

стр. 301

البدن أو على الروح؟ واختلف أيضاً العلماء ﵏ أيضاً في الذي يوزن؛ هل هي الأعمال أو صحائف الأعمال أو صاحب العمل؟ واختلف العلماء ﵏ أيضاً في الجنة التي اسكنها آدم؛ هل هي جنة الخلد أم جنة في الدنيا؟ واختلف العلماء ﵏ أيضاً في رؤية النبي ﷺ ربه؛ هل رآه بعينه - يعني في الحياة - أم رآه بقلبه؟ واختلف العلماء ﵏ في النار؛ هل هي مؤبدة أم مؤمدة؟ وكل هذه المسائل من العقائد، والقول بان العقيدة ليس فيها خلاف على الإطلاق غير صحيح، فإنه يوجد من مسائل العقيدة ما يعمل فيه الإنسان بالظن. فمثلا في قوله تعالى في الحديث القدسي: ((من تقرب إلى شبرا تقربت منه ذارعا) (١) ، لا يجزم الإنسان بان المراد بالقرب القرب الحسي، فإن الإنسان لا شك انه ينقدح في ذهنه أن المراد بذلك القرب المعنوي. وقوله تعالى: ((من أتاني يمشي أتيته هرولة) هذا أيضاً لا يجزم الإنسان بان الله يمشي مشيا حقيقيا هرولة، فقد ينقدح في الذهن أن المراد الإسراع في إثابته، وان الله تعالى إلى الإثابة أسرع من الإنسان إلى العمل، ولهذا اختلف علماء أهل السنة في هذه المسالة، بل إن إذا قلت بهذا أو هذا فلست تتيقنه كما تتيقن نزول الله ، الذي قال فيه الرسول ﵊

стр. 302

((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) (١) فهذا ليس عند الإنسان شك في انه نزول حقيقي، وكما في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) فلا يشك إنسان انه استواء حقيقي. والحاصل أن مسائل العقيدة ليست كلها مما لابد فيه من اليقين؛ لأن اليقين أو الظن حسب تجاذب الأدلة، وتجاذب الأدلة حسب فهم الإنسان وعلمه. فقد يكون الدليلان متجاذبين عند شخص، ولكن عند شخص آخر ليس بينهما تجاذب إطلاقا، لأنه قد اتضح عنده أن هذا له وجه وهذا له وجه، فمثل هذا الأخير ليس عنده إشكال في المسالة بل عنده يقين، وأما الأول فيكون عنده إشكال وإذا رجح أحد الطرفين فإنما يرجحه بغلبة الظن. ولهذا لا يمكن أن نقول إن جميع مسائل العقيدة مما يتعين فيه الجزم ومما لا خلاف فيه؛ لأن الواقع خلاف ذلك، ففي مسائل العقيدة ما فيه خلاف، وفي مسائل العقيدة ما لا يستطيع الإنسان أن يجزم به، لكن يترجح عنده. إذا هذه الكلمة التي نسمعها بان مسائل العقيدة لا خلاف فيها، ليس على إطلاقها؛ لأن الواقع يخالف ذلك. كذلك مسألة العقيدة بحسب اعتقا الإنسان، فليس كل مسائل العقيدة مما يجزم فيه الإنسان جزما لا احتمال فيه، فهناك بعض المسائل - أحاديث أو آيات - قد يشك الإنسان فيها، كقوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) (القلم: الآية ٤٢) هذه من مسائل العقيدة، وقد اختلف فيها السلف؛ هل المراد ساقه أو المراد الشدة؟ وعلى هذا فقس.

стр. 303

وقوله: (كل ما يطلب فيه الجزم) يريد بذلك مسائل العقيدة وغير العقيدة، فكل شيء يطلب فيه الجزم (فمنع تقليد بذاك حتم) ، ومما يجب فيه الجزم أن نجزم أن الصلوات الخمس مفروضة، ولهذا لو أنكر إنسان فرضية الصلوات الخمس كفر، فيجب أن نجزم بأنها مفروضة، وان الزكاة مفروضة، وان الصيام مفروض، وان الحج مفروض وجوبا. فهل نقول انه لا يجوز أن يقلد العامي شخصا في ذلك وهو لا يدري؟ ذكر المؤلف هذا قال: (فمنع تقليد بذاك حتم) وعلل: لأنه لا يكتفى بالظن لذي الحجى في قول أهل الفن لأن التقليد ظن، ولهذا تقول للمقلد: هل تجزم بهذا؟ فيقول لك: لا. بل يقوله فلان. إذا ليس عنده جزم، فالتقليد يفيد الظن، ولولا حسن ظن المقلد بالمقلد ما قلده. وعلى هذا فكل شيء يطلب فيه الجزم فلا تقلد فيه، لأن هذا ينافي المطلوب، وهو الجزم، والتقليد يفيد الظن فلا يجوز أن نقلد. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقيل يكفي الجزم إجماعا بما ... يطلب فيه عند بعض العلما وهذا قول ثان في هذه المسالة؛ وهو انه يكفي الجزم بما يطلب فيه الجزم، ولو عن طريق التقليد؛ فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هذا

стр. 304

مما يجب فيه الجزم، ولكن العامي لا يدرك ذلك بدليله ومع ذلك نصحح إيمانه، ونقول إنه مؤمن وإن كان لا يدرك ذلك بدليله. ولهذا قال المؤلف ﵀: (وقيل يكفي الجزم إجماعا) يعني انه إذا وجد الجزم حصل المقصود بالإجماع. وقوله: (بما يطلب فيه) ، نائب فاعل (يطلب) يعود على الجزم، يعني يكفي الجزم بما يطلب فيه الجم بالإجماع، وقائل هذا بعض العلماء ولهذا قال: (عند بعض العلما) وهذا القول هو الصحيح، والدليل على ذلك أن الله أحال على سؤال أهل العلم في مسالة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧) ، وواضح إننا نسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بان الرسل رجال هو من العقيدة، ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم. وقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) (يونس: الآية ٩٤) وإنما يسألهم ليرجع إليهم، وإذا كان هذا الخطاب للرسول ﷺ ولم يشك، فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين فنرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب، أي إلى أهل العلم لنأخذ بما يقولون. وهذا عام يشمل مسائل العقيدة. ثم إننا لو ألزمنا العامي بترك التقليد والتزام الأخذ بالاجتهاد لألزمناه بما لا يطيق، وقد قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: الآية ٢٨٦)

стр. 305

وقال: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون: ٦١) (وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (المؤمنون: الآية ٦٢) فالصواب المجزوم به هو القول الثاني؛ وهو أن ما يطلب فيه الجزم يكتفى فيه بالجزم، سواء عن طريق الدليل أو عن طريق التقليد. قال المؤلف ﵀: (فالجازمون من عوام البشر) يعني الذين يجزمون بما يعتقدون من العوام الذين ليس عندهم علم لأنهم عوام، قال: (فمسلمون) يعني فهم مسلمون وإن كانوا لم يأخذوا ما يطلب فيه الجزم عن طريق الاجتهاد. ثم قال: (عند أهل الأثر) وكفى بأهل الأثر قدوة، فأهل الأثر يرون انه يجوز التقليد فيما يطلب فيه الجزم، والمقصود أن يحصل الجزم سواء عن طريق التقليد أو عن طريق الاجتهاد، وإذا كان هذا هو ما يراه أهل الأثر فهو الذي نراه نحن وهو الصحيح. بقي في كلام المؤلف ﵀ إشكال في قوله (فمسلمون) فهو خبر لقوله (فالجازمون) ودخلت الفاء في الخبر لأن (الجازمون) فيه ((ال) الموصولة، والموصول يشبه الشرط في العموم، فيجوز أن تدخل الفاء في الخبر إذا كان المبتدأ اسما موصولا. ومنه قول النحويين في المثال: (الذي يأتيني فله درهم) ، ودليل ذلك في القرآن: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) (البقرة: الآية ٢٧٤) فهنا جاءت الفاء في خبر المبتدأ الموصول لأنه يشبه الشرط في العموم.

стр. 306

الباب الثاني في الأفعال المخلوقة ٥٨- وسائر الأشياء غير الذات ... وغيرما الأسماء والصفات ٥٩- مخلوقة لربنا من العدم ... وضل من أثنى عليها بالقدم ــ الشرح قال المؤلف ﵀: (الباب الثاني: في الأفعال المخلوقة) والأولى أن يقول: (الباب الثاني: في الأشياء المخلوقة) ، وذلك لأن قوله: (في الأفعال المخلوقة) توهم بأن المراد بالأفعال أفعال الله، وأفعال الله ليست مخلوقة وإنما المخلوق هو المفعول، وأما الفعل فهو صفة لله، وصفات الله ليست مخلوقة. فالأشياء المخلوقة أي كل الأشياء، وكل ما عدا الخالق فهو مخلوق؛ من الأعيان والصفات والزمان والمكان وغير ذلك، قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) فالرب غير مخلوق والعالم مخلوق. ثم أيضاً لو قال: (في الأشياء المخلوقة) لشمل ذلك الأعيان والأفعال والأوصاف، بخلاف ما لو قال: (في الأفعال المخلوقة) فإن ذلك يختص بالأفعال فحسب. فمثلاً: الآدمي عين، وبطشه وأكله وشربه أفعال، وأوصافه أوصاف. فإذا قلنا: في الأشياء المخلوقة شمل الأعيان والأوصاف والأفعال، وإذا

стр. 307

قلنا: في الأفعال اختص بها، والأشياء الموجودة إما خالق وإما مخلوق، فالخالق رب العالمين ، والمخلوق ما سواه، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وسائر الأشياء غير ذات) أي ذات الله. قال ﵀: (وسائر الأشياء غير الذات) (سائر) هنا بمعنى جميع، ولا يصح أن تكون بمعنى باق. وسائر اسم فاعل مأخوذ من السور وهو الجدار المحيط بالبيت، وهي على هذا الوجه بمعنى الجميع، أو سائر من السؤر، وهو بقية الشراب، وهي على هذا بمعنى باق، ومن ذلك قول عائشة ﵂ لما ذكرت أن الرسول ﷺ في الغسل يفيض على رأسه ثلاث مرات، قالت: ((ثم غسل سائر جسده) (١) فسائر هنا بمعنى باق. (وغيرما الأسماء والصفات) (ما) زائدة من أجل الوزن، (وغيرما الأسماء) أي أسماء الله تعالى (والصفات) يعني صفات الله تعالى (مخلوقة) هذا خبر المبتدأ وهو قوله (سائر) ، (لربنا) أي لله تعالى، (من العدم) يعني بعد أن كانت عدما. قوله: (وضل من أثنى عليها بالقدم) - (ضل) : يعني تاه وضاع عن الطريق المستقيم، (من أثنى عليها بالقدم) أي من وصفها بالقدم. وقوله: (وسائر الأشياء) أي جميع الأشياء، من الموجودات غير ذات الله وأسمائه وصفاته، ولم يذكر المؤلف ﵀ أفعاله سبحانه، لأن أفعاله

стр. 308

من صفاته، ولم يذكر الكلام لأن كلامه سبحانه أيضاً من صفاته. إذاً فذات الله وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة، وما عدا ذلك فهو مخلوق، فالآدمي مخلوق بعد أن لم يكن، والروح مخلوقة بعد أن لم تكن، والسماء مخلوقة بعد أن لم تكن، والأرض مخلوقة بعد أن لم تكن، وكل شيء مخلوق من العدم بعد أن لم يكن. وهذه المسالة ضل فيها من ضل من الناس، وزعموا أن المخلوقات قديمة النوع، وأن المادة أزلية، كما أنها أبدية، ولهذا يقولون: إن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم؛ فليست معدومة من قبل، ولا تفنى من بعد. وكل هذا ضلال؛ لأنك إذا قلت: بقدم الأشياء وأنها لم تكن حادثة، أشركت بالله وجعلت له شريكاً في القدم وهذا شرك. ولكن هل الله أتى عليه وقت لم يكن يفعل شيئاً؟ قال بعض العلماء: نعم، أتى عليه وقت لم يكن يفعل شيئاً، ثم حدث الفعل، لأنك إن لم تقل بذلك لزم أن تجعل المفعول قديماً، فإنك إذا اثبت لله فعلاً - فلا فعل إلا بمفعول - وحينئذٍ يلزمك أن تقول بقِدم المفعولات، فتقع في الضلال. ولهذا اختلف الناس في هذه المسالة، فمنع قوم التسلسل في الماضي، كان منعوه في المستقبل، وقالوا: إن الله تعالى في الأول لم يكن يفعل، وفي النهاية أيضاً لا يفعل، وبنوا على ذلك أن الجنة تفنى، والنار تفنى، أي

стр. 309

ينعدمان بالكلية، بل ولا يبقى شيء أبداً؛ لا سماء ولا أرض، ولا نجوم، ولا شمس، ولا قمر، ولا يبقى إلا الله ، وهذا مذهب الجهمية، حيث قالوا: بأن الأشياء لا تدوم فكما أن لها ابتداء فلها انتهاء. وقال بعض منهم بل تفنى الحركات دون الذوات، فحركات الحي تفنى دون ذاته، فيبقى الناس كأنهم أصنام، وهذا مذهب العلاف وهو من المعتزلة، وقد سخر به ابن القيم ﵀ في النونية (١) ، فقال: على زعمه: أن الإنسان من أهل الجنة إذا رفع إلى فمه فاكهة وجاء وقت الفناء جمع على ما هو عليه، وبقيت الفاكهة بيده لم تصل إلى فمه إلى أبد الآبدين، وإذا كان على أهله من الحور العين أو من نساء الدنيا وأتى وقت فناء الحركات بقي على ما هو عليه إلى أبد الآبدين. وهذا كلام غير معقول، بل أنه ضلال والعياذ بالله، وغالباً ما يكون من لا يبني على علم من الشرع ضحكة. وقال قوم بعكس القول السابق حيث قالوا بالتسلسل في الابتداء والانتهاء، وأن الخلق قديم كما أنه لا نهاية له، فطردوا المسالة من الوجهين، فقالوا: إذا كنا نقول بإمكان تسلسل الحوادث في المستقبل، وأن الجنة والنار باقية إلى أبد الآبدين، فكذلك في الماضي. وقال آخرون -وزعموا أنهم أهل السنة - بأن التسلسل في المستقبل واجب وفي الماضي مستحيل، ومعنى ذلك أنه في الزمن الآتي لا تفنى الجنة، ولا تنفى النار ولا يفنى ما فهما، وأما في الماضي فالتسلسل مستحيل لأنه يلزم منه أن تكون الحوادث قديمة كقِدم الله، وهذا شرك.

стр. 310

وهنا قول رابع: وهو أن التسلسل في المستقبل ممكن في الذوات نفسها، وفي ذوات أخرى تستجد فيما بعد، وأما التسلسل في الماضي ففي الذوات مستحيل، ومعنى ذلك أن قولنا: إن هذه الذات لم تزل ولا تزال موجودة وهذا مستحيل؛ لأنه ليس هناك شيء من المخلوقات يوصف بالقِدم كقِدم الله. لكن ليكن معلوماً أن الله لم يزل ولا يزال خلاقًا، وأن هناك مخلوقات غير السماء والأرض؛ لأن المصلي يقول: ((ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد) (١) ، فهناك مخلوقات قبل السموات وقبل العرش لا نعرف ما هي؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالا، ولا يلزم من هذا أن قدم المفعول كقدم الفاعل؛ لأنه باتفاق العقلاء أن المفعول مسبوق بالفاعل؛ لأن المفعول نتيجة فعل الفاعل، وفعل الفاعل وصف له، ولابد أن يكون الموصوف سابقا على الصفة، ثم المفعول بعد الصفة. يعني لما كان عندنا مفعول وفعل وفاعل، فالمفعول لا شك أنه متأخر عن فعل الفاعل، وفعل الفاعل متأخر عن الفاعل، وعلى ذلك فلا يلزم من قولنا بقدم الحوادث أن تكون قديمة كقدم الله، وأن تكون شريكة لله في الوجود. وهذا هو الحق الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) ، وقد شنع عليه خصومه تشنيعاً عظيماً، وقالوا: هذا قول الفلاسفة، وهذا قول باطل، ولكنه ﵀ تخلص منهم بأنه لا يلزم من قدم المفعول أن

стр. 311

يكون مساوياً للفاعل، لأنه بضرورة العقل أن المفعول لابد أن يكون مسبوقاً بفعل، والفعل لابد أن يكون مسبوقاً بفاعل، وهذا هو الحق. وقول المؤلف: (وضل من أثنى عليها بالقدم) إن أراد من أثنى عليها بالنوع فليس بصحيح، وإن أراد من أثنى عليها بالعين فهذا صحيح؛ لأن ما من شيء من المخلوقات يكون قديما ليس له أول أبدا. وخلاصة القول في ذلك أنه ليس في الوجود إلا خالق ومخلوقا، وأن الخالق جل وعلا لم يزل ولا يزال موجوداً، وأما المخلوق فالأزل في حقه ممتنع، فليس هناك شيء من المخلوقات يكون أزلياً أبداً، بل ما من مخلوق إلا وهو حادث بعد أن لم يكن؛ فالسموات والأرض والجبال والشجر والدواب والعرش والكرسي والقلم وغير ذلك كله مخلوق من العدم، ولم يقل أحد بقدمه إلا الفلاسفة. فالفلاسفة هم الذين قالوا بقدم العالم، وأن العالم لم يزل ولا يزول، ولهذا يقولون: إن المادة لا تفنى كما أنها ليست حادثة، وهذا لا شك أنه شرك مخرج عن الملة، ومن ادعى أن مع الله شريكاً في الوجود فهو مشرك. وهذه المخلوقات منها شيء أبدي خلقه الله للبقاء، ومنها شيء أمدي يعني له مدة ثم ينتهي، فمن الأشياء الأبدية الروح، فإن الله خلق أرواح للأبد، ولا يقال: إن الحيوان يموت فتفقد روحه؛ لأن موت الحيوان ليس فقداً لروحه، بل مفارقة الروح للبدن. اللهم إلا روح من لم يخلق للأبد فهذه قد تفنى، وليس عندي في ذلك أثارة من علم، لكن هذا هو الظاهر، فأرواح الحيوان سوف تعاد في

стр. 312

أجسادها يوم القيامة، كما قال الله تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير: ٥) ولكن يأمرها الله بعد أن يقضي بينها بعدله أن تكون ترابا فتكون ترابا، وظاهر هذا أنها تفنى الأرواح والأجساد، لأن بقاء الأرواح بعد هذا الفصل والحكم لا فائدة منه فيما يظهر لنا. إذا فالذي خلق للبقاء من الأرواح هو أرواح المكلفين؛ يعني بني آدم والجن، وكذلك الحور والولدان الذين في الجنة، فهؤلاء خلقوا للبقاء فلا يموتون. إذا فمن جهة الأزلية ليس هناك مخلوق يكون أزليا أبدا، ومن جهة الأبدية ففيه تفصيل منه ما خلق على أنه أبدي، ومنه ما خلق على انه أمدي؛ يفنى ويزول.

стр. 313

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٦٠- وربنا يخلق باختيار ... من غير حاجة ولا اضطرار ٦١- لكنه لم يخلق الخلق سدى ... كما أتى في النص فاتبع الهدى ــ الشرح يشير المؤلف ﵀ بقوله: (وربنا يخلق باختيار) إلى أن أفعال الله اختيارية، كما قال الله تعالى: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: الآية ٢٧) ، وقال: (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) (الشورى: الآية ٢٩) يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجز عنه، وليست المشيئة هنا تابعة للقدرة، بمعنى أنه قدير إذا شاء، بل هو يجمع إذا شاء الجمع، فإنه لا يستعصي عليه بل هو قادر عليه. والله تعالى يفعل باختيار تام وإرادة تامة، قال الله تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص: الآية ٦٨) ، وليس يفعل لذاته بدون اختيار كما زعمه بعض أهل البدع، ولا هو مجبر على الفعل، بل فعله تابع لمشيته؛ إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، ولو قلنا: إن فعله ذاتي لزم أن يفعل الشيء كرها عليه، وهذا شيء مستحيل، بل هو يفعل ما يشاء من إيجاد أو إعدام، ومن إيجاد على سبيل البقاء، أو إيجاد على سبيل الزوال، فهو يفعل ما يشاء باختياره. وقوله: (من غير حاجة ولا اضطرار) يعني أنه لا يحتاج للفعل ولا يضطر إليه، والفرق بين الحاجة والضرورة أن الضرورة ما يحصل الضرر بفقدها

стр. 314

ولا يمكن أن يستغني عنها، والحاجة ما يفقد الكمال بفقدها لكن يمكن أن يستغني عنها، إذاً فالحاجة كمالية والضرورة ضرورية. فمثلاً الكتب التي نقرؤها في المقررات ضرورية وليست كمالية؛ لأنه لولا وجود الكتب لصار علينا ضرر، والكتب التي للمراجعة وزيادة العلم حاجية؛ لأنه يفوت بفقدها الكمال، ولا يحصل بفقدها الضرر، وعلى هذا فالله ليس محتاجاً إلى الخلق بمعنى أنه لو لم يوجد هذا الخلق لفات كماله، وليس هناك ضرورة إلى وجودهم من باب أولى. فأفعال الله التي يفعلها لا يفعلها لحاجته إليها ولا لضرورته إليها، ونحن نفعل الأفعال لحاجتنا إليها، فنتكسب لنزداد من المال وهذه حاجة، ونتكسب لننقذ أنفسنا من الهلاك وهذه ضرورة. لكن الله يفعل بلا حاجة ولا اضطرار، لأن الله يقول (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: الآية ١٥) ، فهو غني عن كل أحد، حميد على كل فعل وعلى كل صفة، فلا يفعل حاجة ولا يفعل لضرورة. فإن قال قائل: هل تنفون حكمة الله في أفعاله؟ فالجواب: لا: لكن الحكمة لا تعود لنفسه بل تعود لغيره، ولهذا قال المؤلف نافيا لهذه الشبهة: لكنه لم يخلق الخلق سدى كما أتى في النص فاتبع الهدى يعني لما قال بالأول: أنه يفعل بلا حاجة ولا اضطرار، كأن قائلاً يقول: إذاً خلق الخلق عبث؛ لأنه مادام ليس هناك حاجة ولا اضطرار فإنه يكون عبثاً فنفى المؤلف ﵀ هذا الوهم، فقال: (لم يخلق الخلق سدى)

стр. 315

ودليل أنه لم يخلق الخلق سدى أثري ونظري: أما الأثري: فقوله تعالى (أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة: ٣٦) ، وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: ١١٥) ، وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الأنبياء: ١٦) ، وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً) (صّ: الآية ٢٧) ، وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ) (الحجر: الآية ٨٥) . والآيات في أنه سبحانه لم يخلق الخلق إلا لحكمة كثيرة، لكن هذه الحكمة ليس لأنه محتاج لها هو أو مضطر إليها بل يحتاج إليها الخلق، فالله يفعل الفعل لحاجة الخلق إليه، لا لحاجته هو إلى الفعل، فهو كامل على كل حال، لكن الخلق هم الذين يحتاجون إلى ما يكون به كمالهم ودفع ضرورتهم، ولذلك لا ينتفع بأفعال الله إلا الخلق، فهم يستدلون بها على آياته، وعلى فضله، وعلى عدله، وعلى عقابه وانتقامه، وغير ذلك. فالحاجة إذاً للخلق وليست للخالق، أما الخالق فإنه يفعل بلا حاجة ولا اضطرار. أما الدليل النظري: - على أن الله يخلق لغير حاجة ولا اضطرار - أن العقل يدل على كمال الخالق، والكامل لا يحتاج إلى مكمل. وقوله: (كما أتى في النص فاتبع الهدى) النص: هو الكتاب والسنة، (فاتبع الهدى) يعني ولا تتبع الهوى، كما قال الله تعالى: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (صّ: الآية ٢٦)

стр. 316

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٦٢- أفعالنا مخلوقة لله ... لكنها كسب لنا يا لاهي ٦٣- وكل ما يفعله العباد ... من طاعة أو ضدها مراد ٦٤- لربنا من غير ما اضطرار ... منه لنا فافهم ولا تمار ــ الشرح قوله: (أفعالنا مخلوقة لله) ، أفعالنا: يعني ما نفعله من طاعة أو معصية، سواء كانت باليد أو الرجل أو العين أو الأنف أو الإذن كلها مخلوقة لله، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن أفعالنا من صفاتنا، ونحن مخلوقون لله، وخالق الأصل خالق للصفة، فإذا كان الإنسان مخلوقاً لله فإن صفاته أيضاً مخلوقة، فأفعالنا صفات لنا، وخالق الذات خالق للصفة، ولهذا صح أن نقول: إن أفعالنا مخلوقة لله، وهذا وجه. الوجه الثاني: أن فعل الإنسان ناتج عن أمرين عن إرادة، وقدرة: أما القدرة: فالله تعالى هو الذي خلقها، ولا إشكال في ذلك، ولو شاء الله لسلب الإنسان القدرة وصار عاجزاً عن الفعل. والإرادة: كذلك، فإن الله هو الذي خلقها، لأنه هو الذي يودع في القلب هذه الإرادة، وما أكثر ما يرد الإنسان شيئاً وفي آخر لحظة يتجه إلى غيره. فأحياناً تمشي على أنك ذاهب إلى صديق لك لتزوره، وفي أثناء الطريق

стр. 317

ترجع وتترك الزيارة، وتقول: أذهب له غداً، أو بعد غد، وقد سئل أعرابي بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم، وهذا الجواب من الأعرابي على فطرته، ونقض العزائم: يعني أن الإنسان يعزم على الشيء عزماً أكيداً، لا يداخله أدنى إشكال، ثم يتراجع بدون أي سبب، وكذلك صرف الهمم، فقد يهم الإنسان بالشيء ويبدأ بالفعل والمباشرة له ثم ينصرف. ولهذا قال الأعرابي أنه بذلك عرف الله؛ لأن نقض العزائم وصرف الهمم ليس له سبب معلوم يضاف إليه، إذاً فلابد أن يكون السبب إلهياً. إذاً فأفعالنا مخلوقة لله ودليل ذلك أمران: الأمر الأول: أن أفعالنا صفات لنا وخالق الذات خالق للصفات. ثانياً: أن أفعالنا ناتجة عن إرادة جازمة وعن قدرة، والذي خلق الإرادة وخلق القدرة فينا هو الله ، وخالق السبب التام وهو الإرادة والقدرة، خالق للمسبب، وهو الفعل الناتج عن الإرادة والقدرة. الوجه الثالث: أن الله خالق كل شيء، كما قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء) (الرعد: الآية ١٦) ، وهذا العموم يشمل أفعال العباد؛ لأن أفعال العباد من الشيء. ثم قال ﵀ (لكنها كسب لنا يا لاهي) هذا الاستدراك معناه: أن أفعال العباد مخلوقة لله، لكنها ليست كسباً له، بل هي كسب للعباد. وكسب لنا: أي أن ثوابها وعقابها لنا، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) (فصلت: الآية ٤٦) . فالأفعال مخلوقة لله، لكنها بالنسبة للثواب والعقاب كسب لنا، قال

стр. 318

تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: الآية ٢٨٦) وإذا كانت كسباً لنا فإنها تضاف إلينا حقيقة مباشرة، وتضاف إلى الله خلقاً وتقديراً، فهي مضافة لنا مباشرة وكسباً، وهي مضافة لله خلقاً وتقديراً، فلما انفكت الجهة أمكن الاجتماع، وإلا فقد يقول قائل: أليس من التناقض أن نضيف أفعال العباد إلى الله وإلى أنفسهم؟ فإننا إن أضفناها إلى الله لزم ألا نضيفها إلى العباد وإن أضفناها إلى المخلوقين لزم ألا نضيفها إلى الله. وقد ذهب إلى هذين الاحتمالين طائفتان: فالجبرية قالوا: نضيفها إلى الله، وإذا أضفناها إلى الله لا يمكن أن نضيفها إلى العباد. والقدرية قالوا: نضيفها إلى العباد وإذا أضفناها إلى العباد لا يمكن أن نضيفها إلى الله، ولهذا جعلوا فعل العبد منفصلاً عن الله ، لا يشاؤه ولا يخلقه، والجبرية بالعكس جعلوا فعل العبد منفصلاً عن العبد فهو مجبور عليه. ووجه الشبهة عندهم أنهم يقولون: لا يمكن أن نضيف فعلاً واحداً إلى فاعلين، فلا يمكن أن نضيف الفعل إلى الله وإلى الإنسان، لأنه فعل واحد لا يصدر من فاعلين. والجواب عن تلك الشبهة أن نقول: إن إضافة الفعل هنا مختلفة؛ ففعلنا مضاف إلى الله تقديرا وخلقا، ومضاف إلينا فعلا وكسبا. فنحن الذين باشرنا الفعل فإذا صلينا فليس الله هو المصلي، وإذا صُمنا فليس الله هو الصائم، وإذا تصدقنا فليس الله هو المتصدق، بل الصائم

стр. 319

والمصلي والمتصدق نحن، فنحن المباشرون، ونحن الذين لنا ثمرة هذا العمل من ثواب أو عقاب، أما الله فإنه مقدر وخالق فقط، فلما انفكت الجهة صحت النسبة إلى الله والى الإنسان. فإذا قال قائل: ما الدليل على أن أفعالنا مخلوقة لله؟ قلنا: الأدلة في هذا كثيرة، قال الله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: الآية ٢٥٣) فقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) يدل على أن اقتتالهم بمشيئة الله، ثم قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) إذاً ففعلهم منسوب إلى الله خلقا كما أنه منسوب إلى الله تعالى إرادة وتقديرا. وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: الآية ١١٢) فأضاف فعلهم إلى الله، وأنه واقع بمشيئته، وأما إضافته إلى العبد فهو كثير جدا، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: ٢٧٧) فقوله: آمنوا وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، أضاف الفعل في ذلك كله إليهم. وقوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: الآية ٢٨٦) ، وقال تعالى: (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَت) (النحل: الآية ١١١) فأضاف الله تعالى الأفعال والكسب إلى الفاعل المكتسب، وجعل ذلك بمشيئته وتقديره في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) وفي قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) وغير ذلك من الآيات.

стр. 320

فصح الآن أن أفعالنا منسوبة إلى الله خلقاً وتقديراً، والينا فعلاً وكسباً، ولهذا قال: (لكنها كسب لنا يا لاهي) ؛ يا لاهي، أي يا غافل، كأنه يشير ﵀ إلى أنه يجب التفطن هنا والتنبه لئلا نقع في فخ المعتزلة أو فخ الجبرية؛ لأن المسالة خطيرة. ولما قيل لجبرية: إذا كان الله تعالى يجبر العبد والفعل فعل الله، فكيف يثاب العبد ويعاقب؟ فقالوا: إن الله يفعل ما يشاء؛ قد يثيب من لا يستحق الثواب، ويعاقب من لا يستحق العقاب، فقيل لهم: لو عاقب من لا يستحق العقاب لكان هذا ظلماً قالوا: ليس هذا بظلم، إنما الظلم: تصرف الغير في غير ملكه، وإذا تصرف إله في ملكه فليس بظلم؛ لو عاقب إنساناً يصلي ليلاً ونهاراً، ويقوم الليل، ويصوم النهار، ويتصدق بالمال، فعاقبه حتى خلده في نار جهنم، قالوا: إن هذا ليس بظلم؛ لأن الظلم أن يتصرف المتصرف في غير ملكه، والكل ملك الله، فلا يسال عما يفعل وهم يسألون. والحقيقة أن هذا ظلم بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) (طه: ١١٢) ، وقال الله : (قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) (قّ: ٢٨) (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (قّ: ٢٩) إذ كيف يجوز أن يأمر الله شخصاً أن يفعل ثم بعدما يفعل يعاقبه؟ وهذا لو جرى من مخلوق مع مخلوق لعد ذلك ظلماً، فكيف إذا كان مع الخالق الذي هو ارحم الراحمين واعدل الحاكمين؟ إذا هذا ظلم. والمعتزلة أقرب من الجبرية من وجه من جهة المعقول، حيث قالوا: إن
следующие страницы →