← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

القول الأول: إن المراد بوجه الله وجه الله الحقيقي، وقالوا: إن الآية نزلت في الصلاة، والمصلي أينما توجه فالله قِبل وجهه. القول الثاني: إن المراد بالوجه الجهة، كقوله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) (البقرة: الآية ١٤٨) ، فالمراد أينما تكونوا فثم جهة الله التي أمركم باستقبالها، وتكون الآية نزلت فيمن اشتبهت عليه القبلة فاتجه إلى غير القبلة وهو يريد القبلة، فنقول: هذه جهة صحيحة؛ لأنك اجتهدت وأداك اجتهادك إلى ذلك، أو لصلاة النافلة في السفر، فإن المسافر يصلي حيث كان وجهه. وعلى كل حال فالآية التي يقول الله تعالى فيها: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله) ، فيها قولان للسلف، لكن بقية الآيات لا يراد بها إلا الوجه. والوجه صفة حقيقية ثابتة لله تعالى، منزهة عن مماثلة أوجه المخلوقين، والدليل على أنها حق ثابتة لله تعالى أن الله أثبتها لنفسه، والدليل على أنها لا تماثل أوجه المخلوقين أن الله قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) . فإن قال قائل: إنه ثبت عن النبي ﷺ انه قال: ((إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) (١) ، وهذا يدل على أن وجه آدم مماثل لوجه الله، وانتم تقولون: إن لله وجها لا يماثل أوجه المخلوقين، فما هو الجواب عن هذا الحديث؟

стр. 247

فالجواب: أن يقال: هذا الحديث من الأحاديث المتشابهة، فمن كان في قلبه زيغ اتبعه، وجعله مناقضا للقران، وضرب القرآن بعضه ببعض، وقال إن القرآن يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) وهذا الحديث يقول: ((إن الله خلق آدم على صورته) ؛ فيتبع المتشابه، وأما الراسخون في العلم فيفتح الله عليهم ويعرفون وجه الجمع بين النصوص، ويقولون. أولاً: إن معنى قوله: ((خلق آدم على صورته) : أي على الصورة التي اختارها الله ، وخلقها في أحسن صورة، تكون إضافة الصورة إلى الله إضافة خلق وتشريف، كقوله: (نَاقَةُ اللَّهِ) (الأعراف: الآية ٧٣) :، (مَسَاجِدَ اللَّهِ) (البقرة: الآية ١١٤) ، وما أشبه ذلك، وهذا وارد في القرآن، ولا يمتنع على الله . ثانياً: أن نقول: ((على صورته) : أي على صورة الله التي هي صفته، ولا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً للشيء، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أخبر بأن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر (١) ، ومعلوم أنها ليست على صورة القمر من كل وجه، فليس في القمر عين ولا أنف ولا فم، ومن دخل الجنة فهو له عين وأنف وفم، فهذا يدل على أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً للشيء. وهنا يرد إشكال حيث يعتقد بعض العامة أن القمر وجه إنسان، وأن فيه عينين وشفتين ومنخرين، وأن المرأة إذا صعدت إلى السطح يجب عليها أن تحتجب عنه لأنه وجه آدمي.

стр. 248

والجواب على هذا: أنه غير صحيح، لأنه غير وارد، وقد ذكرت هذا هنا من أجل التحذير من مثل هذه العقائد الفاسدة. وعلى هذا يكون قولنا: إن الله خلق آدم على صورته، لا ينافي قولنا: إننا نثبت لله وجها لا يماثل أوجه المخلوقين. وصفة الوجه هنا ليست معنوية، ولكنها موافقة لمسمى هو منا أبعاض وأجزاء، فالوجه بالنسبة لنا بعض منا، لكن بالنسبة لله لا نقول إنه بعض، لأن البعض في اللغة ما جاز انفكاكه عن أصله وانفصاله عنه، ومثل هذا في صفات الله لا يمكن، وإن كان في صفاتنا ممكنا، فلهذا نقول: إن هذه الصفات صفات خبرية، مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء. وقال المؤلف ﵀: (كوجهه) وقد تكلمنا على الوجه، وذكرنا أن الوجه صفة حقيقية ثابتة لله، وليست هي الثواب كما ادعاه أهل التعطيل؛ فقالوا: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) (الرحمن: الآية ٢٧) أي ثوابه؛ لأن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، فالثواب لا يوصف بأنه ذو جلال وإكرام. بل وجه الله هو الذي يوصف بالجلال والإكرام. وأيضاً فإن الرسول ﷺ قال: ((أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة) (١) ، فقال: بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وهذا لا يمكن أن يكون للثواب. والمهم أن الذين فسروه بالثواب أخطئوا الطريق وضلوا عنه، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فجمعوا بين الجهل والضلال؛ حيث وصفوا الثواب بما لا يصح إلا لوجه الله، وبين العدوان على النصوص حيث حرفوها عن

стр. 249

مواضعها بشبهة؛ هي شبهة وليست بحجة، حيث يقولون: لو أثبتنا لله وجهاً لكان جسماً. وجوابنا على ذلك أن نقول: أأنتم اعلم أم الله، فإن قالوا: نحن أعلم. كفروا، وإن قالوا: الله أعلم، فنقول: إن الذي هو أعلم هو الذي وصف نفسه بأن له وجهاً، فلماذا تنكرون ما وصف به نفسه؟ ثم نقول: إن تفسير الوجه بالثواب أو نحوه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، والواجب علينا في الأمور الخبرية هو إتباع النص والأخذ بظاهره، وإتباع السلف في هذا؛ لأن العقول ليس لها مجال في هذا الباب. والوجه من الصفات الخبرية وليس من الصفات المعنوية، وذلك لأن الله اخبر عنه ولم يكن له مستند إلا الخبر المحض، ولولا إخبار الله أن له وجهاً ما عرفنا أن له وجهاً. إذاً هو ليس معنوياً، أي ليس كالقوة والعزة والحكمة، يعني ليس معنى من المعاني، بل هو حقيقة أخرى نظير مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، فالوجه بعض منا لكننا لا نطلق كلمة بعض على الله أو على شيءٍ من صفاته؛ لأن البعض ما جاز انفصاله عن الكل، وهذا بالنسبة لصفات الله أمر مستحيل. وقوله ﵀: (ويده) يعني وكذلك نؤمن بيد الله بدون تمثيل، والبحث في اليد في أمور: البحث الأول: هل ثبتت اليد لله : الجواب: نعم ثبتت اليد لله بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال الله تعالى يخاطب إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)

стр. 250

(صّ: الآية ٧٥) بيدي الثنتين، وقال عن اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: الآية ٦٤) ، فأثبت الله تعالى له يدين بدليل هاتين الآيتين، وهذا هو الدليل من القرآن الكريم. أما الدليل من السنة فقول النبي ﷺ : ((يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه) (١) ، وقال ﷺ : ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)) (٢) ، فقال في الحديث الأول: ((يد الله ملأى ... سحاء) ، ملأى: يعني فيها الخير الكثير، سحاء: أي معطاء تعطي؛ وذلك لأن اليد قد تكون خالية فلا يمكن العطاء منها، وقد تكون ملأى ويكون صاحبها بخيلا، فإذا كانت ملأى ولكن صاحبها لا ينفق صارت غير سحاء، وإذا لم يكن فيها شيء فلا إنفاق؛ لأنها خالية، أما يد الله فملأى سحاء دائماً، تعطي الليل والنهار، ومع ذلك فإنه لم يغض ما في يمنه أي لم ينقص. أما إجماع السلف فهذا أمر معلوم وسبق أن عرفنا طريق العلم بمثل هذا الإجماع؛ لأنه قد يتعذر أن تجد نقلاً عن السلف وخصوصاً الصحابة ﵃ بأنهم أثبتوا اليد لله نصا، فيكون الطريق إلى الإجماع في هذا: أن القرآن نزل باللسان العربي الذي يفهمه الصحابة، فإذا لم يأت عنهم ما يخالف هذا القرآن فهم مجمعون عليه؛ لأنهم لو فهموا أن المراد خلاف ما جاء به لنقل عنهم. فلما لم ينقل عنهم قول مخالف، لما كانوا يتلونه في الليل والنهار، علم

стр. 251

أنهم يقولون به، فهذا وجه قولنا: إن السلف اجمعوا على ذلك، وإلا فقد يصعب علينا أن نجد نقلاً في كل مسالة من مسائل العقيدة عن الصحابة، لكن تقرير الإجماع: أن القرآن والسنة بلغة العرب التي يفهمها الصحابة ﵃، وهم يمرون عليها ليلاً ونهاراً ولم يوجد عنهم حرف واحد يخالف ما جاء فيها، إذا فهم مجمعون على القول بها. البحث الثاني: هل اليد حقيقة أو مجاز؟ وقبل أن نجيب لابد أن نعرف أنه ليس في القرآن مجاز أصلاً؛ وذلك لأن من أبرز علامات المجاز جواز نفيه، وليس في القرآن شيء يجوز نفيه أبداً، فمثلاً إذا قلت: رأيت أسداً يحمل حقيبته ويحفظ درسه. فأسد هنا أعني به طالباً شجاعاً. فإذا قال لي المخاطب: هذا ليس بِأَسد بل هذا بشر، فإنه يصح كلامه. إذا فهنا قد نفينا وصح الكلام، وعلى ذلك فالمجاز يصح نفيه. لكن ليس في القرآن شيء يصح نفيه. وهذا دليل واضح على ذلك، وعليه اعتمد الشنقيطي ﵀ في كتابه منع المجاز في القرآن، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله ذهبا إلى أبعد من ذلك، وقالا: ليس في اللغة العربية كلها مجاز، والمجاز الذي ادعاه من ادعاه طاغوت أرادوا به أن يحرفوا آيات الصفات وأحاديثها عما أراد الله بها ورسوله، ولهذا عنون ابن القيم ﵀ في النونية على هذه المسالة فقال: ((فصل في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي الملكوت والجبروت) (١) ، يعني المجاز الذي كانوا يلهجون به ويحتجون به وعلى العكس من ذلك فقد رأيت كلاماً لبعض أهل اللغة نقله ابن القيم.

стр. 252

أيضاً في الصواعق المرسلة، يقولون: جميع الكلام في اللغة العربية مجاز، وليس فيه حقيقة فإذا قيل: إن زيداً قائم، قالوا: إن زيداً قائم، ليس حقيقة؛ لأنه لا يقع الفعل على نفس الجملة، بل يقع على مدلولها. وكذلك قولنا: خلق الله الإنسان، قالوا: ليس هذا القول حقيقة بل مجاز، وهكذا يأتون بأشياء يضحك منها المجنون لا العاقل. وعلى كل حال فإننا نقول: ليس في القرآن مجاز، بل ولا في اللغة العربية مجاز؛ لأن المجاز أبرز علاماته أن يصح نفيه، ومن المعلوم أن الكلمة في مكانها ومعناها الذي دلت عليه وضعاً أو بقرينة لا يمكن نفيها. وربما أورد علينا قول الله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) (يوسف: الآية ٨٢) وقيل: أليس هذا مجازا؟ وهل القرية تسأل؟ فنقول: بأن هذا ليس مجازا؛ لأن المخاطب يعرف المعنى، ولو أردت أن تحول القرية إلى الجدران والبيوت لقيل: إنك مجنون. وأولاد يعقوب لما قالوا: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) (يوسف: الآية ٨٢) ما كانوا يريدون من أبيهم ولا يمكن أن يفهم أبوهم أنهم يريدون أن يذهب إلى القرية ويقف عند كل جدار ويسأله هل سرق ابني؟ أبدا، فما كانوا يريدون هذا ولا خطر ببالهم، ويعقوب أيضاً يفهم أنهم لم يريدوا هذا، فإذا كان المتبادر من هذا السياق أن المراد سؤال من يصح توجيه السؤال إليه، بقي الكلام حقيقة. فالأصل إذاً في الكلام الحقيقة، حتى عند القائلين بأن هناك حقيقة ومجازا، يرون أن الأصل في الكلام الحقيقة، ونحن إذا حملنا النصوص في

стр. 253

اليد على حقيقتها لم يلزم منها محظور، لا في ذات الله ولا في صفاته، فليس هناك محذور في أن نقول: لله يد حقيقية بها يأخذ ويقبض ويبسط، ولكنه لا تشبه أيدي المخلوقين. البحث الثالث: هل اليد واحدة أو متعددة؟ والجواب على ذلك: أنها متعددة. فلله تعالى يدان اثنتان، والدليل قوله تعالى وهو يمتدح بكمال القدرة: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (صّ: الآية ٧٥) فال: (بيدي) ولو كان له أكثر من اثنتين لقال: بأيدي؛ لأن الأكثر أبلغ في القدرة من الأقل، فلما قال في مقام التمدح بالقدرة والقوة والتشريف لآدم (بيدي) علم أنه سبحانه ليس له إلا يدان اثنتان. ولما قالت اليهود يد الله مغلولة قال : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: الآية ٦٤) ، وهذا في مقام الثناء على الله بكثرة العطاء، ولو كان له أكثر من أثنيتن لذكرها، لأن المعطي بثلاث أكثر من المعطي باثنتين، ولكن الكمال كله لله باليدين الثنتين. فإن قال قائل: قد جاءت النصوص بان لله يدا واحدة، كقوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) (الملك: الآية ١) ، وكقول النبي ﷺ ((يد الله ملأى) (١) ، فيد الله هنا واحدة، ووصفها بأنها ملأى سحاء الليل والنهار. فكيف نجمع بين النصوص ولماذا لم نقل: إن لله يداً واحدةً؟ فالجواب: أن نقول: من المقرر عند العلماء ﵏ في الاستدلال أنه إذا جاء دليلان أحدهما فيه زيادة أخذ بالزائد؛ وذلك لأن الأخذ بالزائد أخذ بالناقص وزيادة، ولو اقتصرت على الأخذ بالناقص لألغيت الزيادة التي جاء بها الزائد، وهذا خطأ. فهنا نقول: إن النصوص الدالة على ثنتين فيها

стр. 254

زيادة فيؤخذ بها. وعند ذلك فإنه لا يلزم من أخذنا بالزيادة وأن نجعل له اثنتين أن نهدر دلالة اليد التي جاءت في الإفراد؛ وذلك لأن اليد التي جاءت مفردة جاءت مضافة: ((يد الله ملأى) ، (بِيَدِهِ الْمُلْكُ) (الملك: الآية ١) ، والمفرد إذا أضيف يكون عاماً فيشمل كل ما لله من يد ولو زادت على الواحدة، وحينئذٍ لا معارضة بين مجيئها مفردة ومجيئها مثناة. والأدلة على أن المفرد إذا أضيف يكون للعموم كثيرة، منها قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (إبراهيم: الآية ٣٤) ، وهي ليست نعمةً واحدةً بل هي نعم كثيرةٌ، إن تُعد لا تحصى، أما الواحدة فمحصاة، فلما قال تعالى: (لا تُحْصُوهَا) عُلم أنها نعم عظيمة كثيرة. فإذا قال قائل: أنت أصلت قاعدة وألزمتنا بها ونحن نقبلها، وهو أنه إذا جاءت النصوص بزائد وناقص أخذ بالزائد، ونحن نلزمك بناءً على هذه القاعدة أن تجعل له أكثر من يدين؛ لأن الله تعالى يقول: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً) (يّس: الآية ٧١) ، ويقول: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذاريات: ٤٧)) . فأثبت لله أكثر من اثنتين؟ وللإجابة على ذلك أقول: قد ذكرنا أن اليدين الثنتين ذكرتا في مقام التمدح والثناء، وهذا يمنع أن يكون هناك زيادة عليهما؛ لأنه لو كان هناك زيادة عليهما لم يكمل التمدح والثناء؛ لأننا عندئذٍ نكون قد أثنينا عليه بما هو أنقص من كماله، لكن يبقى هنا الجواب عن الجمع، ويمكن الجمع هنا بأحد أمرين: إما أن نسلك طريق من قالوا: إن أقل الجمع اثنان. حيث قالوا: إن أقل

стр. 255

الجمع اثنان شرعاً ولغةً؛ أما لغةً: فقد قال الله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (التحريم: الآية ٤) ، وهما اثنتان وليس لهما إلا قلبان بنص القرآن؛ قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب: الآية ٤) ، وهما امرأتان؛ إذاً ليس لهما إلا قلبان، وقد جمع فقال قلوبكما، وهذا يدل على أن الجمع قد يراد به الاثنان. وأما شرعاً: فلأن الإنسان مأمور بصلاة الجماعة، وإذا صلى اثنان أحدهما بالآخر صارا جماعة، وهذه جماعة شرعية، وهما اثنان. فإذا يكون قوله تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً) (يّس: الآية ٧١) ، كما لو قال: مما عملت يدانا أنعاما؛ لأن المدلول واحد. أما الطريق الثاني فنقول: إن اقل الجمع ثلاثة، لكن الجمع هنا لا يراد به حقيقته، وإنما المراد به التعظيم، كما قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) (الحجر: الآية ٩) ، و (نحن) و (نزلنا) : ضمائر جمع، لكن المراد بها التعظيم، فالأيدي هنا المراد بها تعظيم اليد. وهناك أيضاً مناسبة لفظية، وهي أن أيدي أضيفت إلى (نا) الدالة على الجمع، فكان جمعها أنسب للمضاف إليه من التثنية، ولهذا لما جعلها الله بالتثنية أضافها إلى مفرد فقال: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي) (صّ: الآية ٧٥) ، وقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان) (المائدة: الآية ٦٤) ، فلم يقل: لما خلقت بيدينا، بل قال: بيدي، لكن لما أضافها الله إلى ضمير الجمع الدال على العظمة، كان المناسب أن يجمعها ليتطابق اللفظان ولا يحصل بينهما تنافر. وكذلك في الآية الثانية، قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذاريات: ٤٧) والباني هو الله ، وبناءً على ذلك هل يكون

стр. 256

لله أيد كثيرة؟ والجواب عن هذه الآية سهل جداً، فأيدٍ هنا ليست جمعاً، ومن قال إنها جمع فإنه واهم، لا يعرف سياق الكلام، ولا يعرف قواعد اللغة العربية، فـ (أيد) هنا مصدر وليست اسماً لليد، وفعلها (آد) ، (يئيد) ، والمصدر: أيدا، كباع، يبيع، بيعا، وكال، يكيل، كيلا، إذا أيد ليست جمعاً ليد، بل هي مصدر (آد) ، ومعنى (آد) أي قوي، فمعنى بأيدٍ أي بقوة، فيكون المعنى أن السموات قوية، كما قال تعالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً) (النبأ: ١٢) ، (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (النازعات: ٢٧) (رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) (النازعات: ٢٨) . ويدل لذلك أن الله لم يضف الأيدي إلى نفسه، ولم يقل: بأيدنا، فإذا قلت: إن الأيد هنا المراد بها يد الله فقد أخطأت خطأً عظيماً، وقلت على الله ما لا تعلم؛ لأن الله لم يضف الأيدي إليه، فكيف يصح منك أن تضيفها إلى الله؟ لكن في قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) (القلم: ٤٢)) هل المراد بذلك ساق الله، مع أن الله لم يضفه إلى نفسه بل قال: (عَنْ سَاقٍ) ؟ والجواب: أنه يحتمل أن يراد بذلك ساق الله، ويحتمل أن يراد بالساق الشدة، وقد قال السلف بهذين القولين. وعلى هذا فليس علينا جناح إذا قلنا: إن المراد بالساق في قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) الشدة، يعني يوم تتبين الشدة، ويكشف عنها حتى

стр. 257

تظهر، كما يكشف عن الوجه حتى يتبين، فيكشف عن ساق: يعني يزال المانع من ظهور الشدة حتى تظهر، فإذا قلنا بهذا فلا يصح أن تورد علنا هذه الآية على أنها تعارض القاعدة التي ذكرنا، لأنها جارية على القاعدة؛ فنحن لم نضف الساق إلى الله؛ لأن الله ما أضافه إلى نفسه، وهذا على القول بأن الساق هو الشدة على قول بعض السلف. ولو ذهبنا إلى أن المراد بالساق ساق الله، كما هو القول الثاني للسلف في الآية، ودليلهم في ذلك حديث أبي سعيد الطويل، الذي جاء فيه: أن الله يأتي فيكشف عن ساقه فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا (١) . فإن سياق الحديث يجاري سياق الآية تماماً، فتحمل الآية على ما جاء في الحديث، وتكون إضافتنا الساق لله في الآية بناءً على الحديث، ومن المعلوم أن الحديث يفسر القرآن وبهذا تكون القاعدة مطردة ليس فيها نقص. لكن هل خالف أحد من المسلمين في تفسير اليد بأنها اليد الحقيقية؟ الجواب: نعم. خالف الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل في إثبات اليد الحقيقية، وقالوا: ليس لله يد حقيقية، ومن أثبت لله يداً حقيقية فقد شبه الله بخلقه فهو كافر، وقالوا: إن اليد الحقيقية حرام أن نثبتها لله، ولو أثبتناها لله أثبتنا أن الله جسم، وأثبتنا أن له أبعاضاً، وهذا حرام، والله تعالى يقول: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال) (النحل: الآية ٧٤) ، ونحن إذا أثبتنا لله يدا حقيقية فقد ضربنا له الأمثال، والله يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) ، فإذا أثبتنا له يداً حقيقيةً كذبنا مقتضى هذا الخبر

стр. 258

وجعلنا لله مثيلاً، ثم قالوا: إذا لمراد باليد النعمة، واستشهدوا بقول الشاعر: وكم لظلام الليل عندك من يد ... تحدث أن المأنوية تكذب المانوية: قوم من المجوس يقولون: إن الظلمة تخلق الشر ولا خير فيها، والشاعر يقول لممدوحه: أنت تنعم ليلاً ونهاراً، فكم من نعمة بذلتها يدك في ظلام الليل تحدث أن المانوية - الذين يقولون أن الظلمة كلها شر - تكذب. وكذلك قال مندوب قريش لأبي بكر ﵁: لولا يد لك علي لم أجزك بها لأجبتك. ومعنى يد: أي نعمة ومنة. فالمراد بيد الله عندهم نعمته ومنته، أو المراد بها القوة والقدرة؛ لأنه يقال: ما لهذا بهذا يد. أي طاقة وقدرة، ومنه حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل في قصة يأجوج ومأجوج: أن الله تعالى يوحي إلى عيسى بن مريم ((إني قد أخرجت عباداً لا يَدان لأحد بقتالهم)) (١) . والمعنى: لا قدرة ولا قوة لأحد بقتالهم. وللجواب عن هذه الشبهة نقول: أولاً: أما قولكم إن إثبات اليد الحقيقية يستلزم التمثيل فقول باطل بنص القرآن؛ لأن الذي قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) هو الذي قال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان) (المائدة: الآية ٦٤) . وإذا قلتم: إن إثبات اليدين يستلزم التمثيل لزم أن يكون القرآن يكذب بعضه بعضا، وهذا لا تقولون به.

стр. 259

ثانياً: أنه لا يلزم من إثبات اليد أن تكون مماثلة ليد المخلوق، فكما أنكم تثبتون لله ذاتاً ولا ترون من اللازم أن تكون مماثلة لذوات المخلوقين، فالصفات يحذى بها حذو الذوات، وإذا كان لنا أيدٍ وللفيلة والقردة أيدٍ، فإنه لا يلزم من ذلك مشابهة أيدينا لأيدي الفيلة والقردة. إذاً لا يلزم من إثبات اليد لله أن تكون مماثلة لأيدي المخلوقين، كما لا يلزم من إثبات يد الإنسان أن تكون مماثلة ليد الفيل. فلا يلزم من اتفاق الشيئين في الاسم أن يتفقا في المسمى في حقيقته. وعلى ذلك فدعواهم أن إثبات اليد يستلزم التمثيل باطل بالشرع والعقل والحس. فبالشرع: حيث أثبت الله له اليدين في القرآن ونفى المماثلة. وبالعقل: فإنه كما أثبتوا ذاتاً لا تشبه الذوات أو لا تماثل الذوات، فيلزم أن يثبتوا صفات لا تماثل الصفات. وبالحس المشاهد: فكما يثبتون لأنفسهم أيدياً حقيقيةً وللفيلة أيدياً حقيقيةً ولا تتماثل؛ فهذا دليل حسي واضح. وأما دعواهم أن المراد باليد القدرة أو النعمة فهذا يكذبه النص، فإن الله تعالى يقول لإبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (صّ: الآية ٧٥) ، وإذا جعلنا اليد بمعنى القوة أو القدرة فإنه لا حجة على إبليس بهذا؛ لأنه أيضاً مخلوق بالقدرة. فهو مخلوق بالقدرة والله ذكر ذلك احتجاجاً عليه، وإذا كان الله ذكر ذلك احتجاجاً عليه دل هذا على أن اليد ليست هي القدرة.

стр. 260

ثالثاً: أن نقول جاءت اليد بصيغة التثنية، وإذا فسرنا اليد بالقدرة كانت قدرة الله قدرتين وهذا ليس بصحيح، فليست قدرة الله تعالى قدرتين، بل قدرة الله معنى واحد شامل لكل شيء (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الشورى: الآية ٩) . وكذلك نقول لمن فسرها بالنعمة: لا يمكن أن تحصر النعمة بنعمتين، والله تعالى يقول: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (إبراهيم: الآية ٣٤) ؛ فدل ذلك على بطلان تفسيرها بالقدرة وبالنعمة. وأما ما استشهدوا به فإن في السياق ما يمنع أن يكون المراد باليد اليد الحقيقية، وقد نقول: المراد باليد اليد الحقيقية في نفس ما استشهدوا به؛ وذلك لأن النعمة والإحسان والمنة في الغالب تناول باليد فيكون ذلك من باب التعبير بالسبب عن المسبب. ثم لما كان السلف مجمعين على أن المراد باليد اليد الحقيقية، كان تفسير هؤلاء المحرفة لليد مخالفا لإجماع السلف، فلا يعول عليه. وأما القول بأن إثبات اليد يستلزم التبعيض في الخالق، فهذا نحتاج فيه إلى تفصيل، فنقول: لا يمكن أن نطلق على شيء من صفات الله أنها بعض؛ لأن البعض ما جاز أن يفارق الكل، وصفات الله لازمةٌ أزليةٌ أبديةٌ، فَيَدُه أزلية أبدية، وكذلك وجهه وعينه، وغير ذلك من صفاته الخبرية هي صفات أزليةٌ أبدية، لا يمكن أبداً أن تتبعض، وهذا شيء معلوم بالمعقول، فلا تُلزمونا بشيء نحن لا نعترف به، وأنتم كذلك لا تعترفون به، وإنما تذكرن ذلك على سبيل الإلزام. وقوله: (وكل ما من نهجه) ، أي: طريقه يعني كل ما كان على هذا النحو من صفات الله فإن الواجب أن نؤمن به ونثبته لله لكن من غير تمثيل.

стр. 261

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٨ - وعينه وصفة النزول ... وخلقه فاحذر من النزول ــ الشرح قوله: (وعينه) يعني ونؤمن أيضاً بما جاء في الدليل من ثبوت العين لله . والعين لله فيها عدة مباحث: المبحث الأول: هل هي عينٌ حقيقيةٌ أو هي كنايةٌ عن الرؤية؟ والجواب: أنها عينٌ حقيقيةٌ، ودليل ذلك أن الله أثبتها لنفسه في غير موضع، وأثبت الرؤية في غير موضع، وإثبات هذا تارة وهذا تارةً يدل على التغاير بينهما، فالرؤية شيءٌ والعين شيءٌ آخر، فقوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) (التوبة: الآية ١٠٥) ، وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (العلق: ١٤) فهاتان في الرؤية. ولكن: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) (القمر: الآية ١٤) (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه: الآية ٣٩) فهاتان الآيتان ليستا في الرؤية، بل أثبتتا عيناً مخالفةً للرؤية، ولهذا نقول: إن العين صفةٌ حقيقيةٌ، نظير مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، لكننا لا نقول: إن العين بعض من الله أو جزء منه؛ لأن ذلك ممتنع على الله حسب فهم البعض والجزء؛ فإن البعض والجزء هو ما جاز أن ينفصل عن الكل، وهذا بالنسبة لصفات الله تعالى ممتنع.

стр. 262

المبحث الثاني: هل عين الله تعالى تماثل أعين الخلق؟ الجواب: لا، أبداً ولا نقول بهذا، بل نقول: هذا ممتنع لأن الله يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) . وإن كان أهل التحريف والتعطيل يشنعون على الذين يثبتون لله العين حقيقة، ويقولون لمن أثبتها: لابد أن تقول: هل هي مستديرة أو مستطيلة، وهل هي بيضاء أو سوداء، وهل فيها باضٌ وسوادٌ أم ليس فيها؟ وفي الحقيقة أن هذا لا يلزمنا، فنحن نثبت لله العين، ولكن لا نقول: إن لها مثيلاً حتى نلزم بذلك. فكما أننا نقول في ذات الله أنها ليست كذات المخلوقين، ولا نقول في ذاته سبحانه: هل هو طويل أو قصير أو أسود أو أبيض أو سمين أو هزيل أو غير ذلك، وإذا لم يجز لنا أن نقول ذلك في الذات ولم نلتزمه، فكذلك لا نلتزم بقول ذلك في العين. إذاً لا نعلم حقيقة هذه العين ولا كيفية هذه العين، لكن نعلم أنها حقيقة إلا أنها لا تماثل أي حقيقة من حقائق أعين المخلوقات، لأن الله تعالى مباين للخلق غاية المباينة في ذاته وصفاته. المبحث الثالث: هل هي واحدةٌ أو متعددة؟ وإذا قلنا متعددة فهل هي ثنتان أو أكثر؟ الجواب: أنها ليست واحدة، بل أكثر من واحدة، وهي قد جاءت بلفظ الإفراد، وجاءت بلفظ الجمع، ولم تأت في القرآن بلفظ التثنية كما جاءت اليد؛ فمن مجيئها بلفظ الإفراد قوله تعالى لموسى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه: الآية ٣٩) فـ (عيني) هذه مفرد.

стр. 263

ومن مجيئها بلفظ الجمع قوله تعالى عن سفينة نوح: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) (القمر: الآية ١٤) وقوله تعالى لنبينا محمد ﷺ : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) (الطور: الآية ٤٨) هذا لفظ الجمع. أما التثنية فلم تأتِ في القرآن، ولكنها جاءت في حديث ذكره ابن القيم ﵀ في مختصر الصواعق (١) ولم يعزُه؛ أن النبي ﷺ قال: ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه بين عيني الرحمن) (٢) . ولكن جاءت في السنة بما يدل دلالةً واضحةً على أن العين اثنتان وذلك في قول النبي ﵊ في صفة الدجال: ((إنه أعور العين اليمنى وإن ربكم ليس بأعور) (٣) ، فإن هذا كالنص الصريح على أنهما اثنتان، ووجهه أن النبي ﷺ ذكر علامة فارقة بين الدجال وبين الرب ، بأن الدجال أعور العين اليمنى والرب ليس بأعور، ولا عورٌ إلا لذي عينين. ولو كان لله أكثر من اثنتين لكان الزائد عن اثنتين كمالاً قطعاً؛ لأنه لا يمكن أن يتصف بنقص - يعني لكان الزائد عن ثنتين كمال، والزائد على ثنتين هل يحصل به الفرق بين الدجال وبين الرب؟ الجواب: يحصل؛ لأن الدجال من بني آدم وليس له إلا ثنتين، وذكر الفارق الدال على الكمال أولى من ذكر الفارق الذي هو النقص في الدجال. فإذا لو كان له أكثر من ثنتين لقال الرسول ﷺ : وإن لربكم أكثر

стр. 264

من عينين، لأجل أن يثبت الكمال لله مع الفارق بينه وبين الدجال. لكن لما قال: أعور، صار الفرق بينهما العور، وهو نقص الدجال في عينه. إذاً تعين أن تكون العينان الثابتتان لله اثنتين، وهذا واضح جداً. وادعى بعض المجادلين قال: إن المراد بالعور: العيب، فنقول له: هذا تحريف لأن لفظ الحديث ((اعور العين اليمنى)) ، وهذا صريح بأن المراد عور العين لا العور الذي هو العيب العام الذي ينزه الله عنه على سبيل العموم وهذا القول تحريف. ويبقى النظر، في مجيء العينين بصيغة الجمع (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) ، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) (القمر: الآية ١٤) ، فكيف نجمع بين الجمع وبين المثنى؟ نقول: الجمع بينهما سهل؛ هو نظير الجمع بين اليدين الوارد مجيؤهما بصيغة التثنية وبصيغة الجمع، فإما أن يراد بالجمع ما دون الثلاثة لأن اللغة العربية قد جاءت بالجمع مراداً به ما دون الثلاثة. فيكون قوله: (بِأَعْيُنِنَا) كقوله بعينينا، لأن أقل الجمع اثنان. وإما أن يقال أقل الجمع ثلاثة كما هو الأكثر، ولكن الجمع هنا لا يراد به مدلوله التعددي، وإنما يراد به مدلوله المعنوي؛ وهو التعظيم، فيكون الله جمع العينين، فقال: بأعيننا تعظيماً لهما. وأيضاً يضاف إلى التعظيم المناسبة؛ لأن ((نا)) دالة على الجمع في أصل الوضع، فناسب أن يكون المضاف إليها مجموعاً للتعظيم كما هي في قوله: (بِأَعْيُنِنَا) للتعظيم، فيتناسب هنا المضاف والمضاف إليه، وهذه المناسبة لفظية.

стр. 265

المبحث الرابع: هل الله تعالى يبصر بهما، أو بصره بغير العين؟ الجواب: يبصر بهما، ودليل ذلك قوله ﷺ : ((حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (١) فقال: (بصره) ، وهذا يدل على أن لله بصراً، كما يدل على ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) . والبصر حسب مقتضى اللغة العربية يكون بالعين، وقد سبق أنه لولا أن الله أثبت له عيناً لقلنا: يمكن أن يكون البصر بغير العين، كما أن الأرض تحدث أخبارها مع أنها ليس لها أعين. وعلى كل حال فالله تعالى يبصر بعينيه كما قال ذلك السلف ﵏ في كتبهم، فله عينان يبصر بهما، لكنه ليس كبصر المخلوق، فالله يبصر دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء - السوداء أيضاً - في الليلة الظلماء؛ يعني لو كانت أخفى ما يكون فإن الله تعالى يبصرها. أما نحن فبصرنا محدود، ولا يمكن أن يكون كبصر الله . فإذا قال قائل: قد ورد في تفسير بعض السلف لقوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) قال: تجري بمرأى منا، فهل يعتبر هذا تحريفاً أم ماذا؟ فالجواب: ليس هذا تحريفاً؛ لأنهم يقولون: تجري بمرأى منا مع إقرارهم بالعين، ولو أن هذا القول كان من شخص ينكر العين لقلنا: هذا تحريف، والذين قالوا: إن المعنى بمرأى منا، فإن معنى كلامهم أنها تجري ونحن نراها بأعيننا، وكأنهم يريدون بذلك الرد على من زعم أن ظاهر الآية أن السفينة تجري في نفس العين، وحاشا لله.

стр. 266

أما من يتخذ من ذلك مأخذاً على مذهب أهل السنة والجماعة، ويرى أن ذلك خلاف مذهبهم في إجراء نصوص الصفات على ظاهرها، وأن ظاهر الآية أن السفينة في نفس عين الله، فهذا لا شك أنه إلزام باطل، وأن السلف لايلتزمون بهذا، بل يقولون إن هذا ليس مدلول اللفظ، وفي اللغة العربية إذا قال الإنسان: اذهب فأنت بعيني، يعني أراك وألاحظك ولا تغيب عن عيني، ولا أحد يقول: إن الرجل إذا قال لصحابه: أنت بعيني، يعني أنك في نفس العين أبداً، وليس هذا مقتضى لفظ اللغة العربية. ثم إن في الآية ما يدل على منع ذلك، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) أي السفينة، فهي تجري في الأرض على الماء الذي خلقه الله من الأرض والسماء، فكيف يقال: إن ظاهر الآية أنها تجري في عين الله؟ ، لكنهم يتشبثون بكل شيء من أجل التشنيع على أهل السنة. ثم قال المؤلف ﵀: (وصفة النزول) يعني من الأمور التي نثبتها لله، وهي ثابتةٌ له من غير تمثيل صفة النزول وفيه عدة مباحث: المبحث الأول: ما معنى النزول وهل الله ينزل بذاته؟ النزول: يعني إلى السماء الدنيا، وذلك لأنه تواتر عن النبي ﷺ ، أو اشتهر اشتهاراً قريباً من التواتر أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ينزل - نزولاً حقيقياً؛ بذاته إلى السماء الدنيا، لأن النبي ﷺ قال: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) (١) .

стр. 267

وقائل ذلك هو النبي ﷺ ، ونحن يجب علينا أن نؤمن بأنه أعلم الناس بالله، وأنه أصدق الخلق مقالاً، وانصحهم مقصداً، وأفصحهم نطقاً، فلا أحد أنصح من رسول الله ﷺ للخلق، ولا أحد من الخلق أفصح منه ولا أبلغ، ولا أحد من الخلق أصدق منه، ولا أحد من الخلق أعلم منه بالله. وهذه صفات أربع يتصف بها كلام الرسول ﷺ ، وبها يتم الكلام، وهي: العلم والصدق والنصح والفصاحة. فإذا قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، فإن مراده يكون نزوله تعالى بذاته، وقد صرح أهل السنة بأن المراد نزوله بذاته، وصرحوا بكلمة بذاته مع أننا لا نحتاج إليها، لأن الأصل أن كل فعل أو اسم أضافه الله إليه فهو إلى ذاته، فهذا هو الأصل في الكلام. فلو قلت في المخلوقين: هذا كتاب فلان، فإن المعنى أن هذا كتابه نفسه لا غيره، وكذلك لو قلت: جاء فلان، فإن المراد أنه جاء هو نفسه لا غيره. وهكذا كل ما أضافه الله إلى نفسه من فعل أو اسم فالمراد إليه ذاته، لكن على وجه لا نقص فيه، فمثلاً (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) أضافه الرسول ﷺ إلى ذات الله فقال: (ربنا) فوجب أن يكون المراد نزوله بذاته، وقد أجمع الصحابة ﵃ على أن المراد: ينزل ربنا بذاته . والدليل على إجماعهم أنه لم يرد عنهم ولو كلمةً واحدةً في أن المراد: ينزل شيء آخر غير الله، وهم يقرؤون هذا الحديث، فإذا كانوا يقرؤونه، ولم يرد عنهم أنهم قالوا: إن المراد: ينزل رحمة من رحمته، أو ملك من

стр. 268

ملائكته، علم أنهم أثبتوا نزوله بذاته، لكن لم يقولوا بذاته، لأنه لم يظهر في زمنهم محرفون يقولون: إن المراد: ينزل أمره أو رحمته أو مَلك من ملائكته حتى يحتاجوا إلى قول: ينزل بذاته، لكن لما حدث هؤلاء المحرفون احتاج أئمة المسلمين إلى أن يقولوا ينزل بذاته، ولكل داءٍ دواءٌ يناسبه. إذاً ينزل ربنا إلي السماء نزولاً حقيقياً، والذي ينزل هو الله تعالى بذاته، لا رحمةٌ من رحمته ولا مَلكٌ من ملائكته، والذي قال النبي ﷺ : ((ينزل ربنا) . فالله هو الذي ينزل. المبحث الثاني: هل النزول يستلزم أن تكون السماء الدنيا تقله، والسماء الثانية فوقه؟ والجواب: لا يلزم، بل نعلم أنه لا يمكن، وذلك لأنه لو أقلته السماء الدنيا لكان محتاجاً إليها، ولو أقلته السماء الثانية لكانت فوقه، والله له العلو المطلق أزلاً وأبداً، إذاً فليست السماء الدنيا تقله ولا السماء الأخرى تظله. المبحث الثالث: هل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ في هذا ثلاثةُ أقوال لعلماء السنة: · فمنهم من قال: إن العرش يخلو منه. · ومنهم من قال: إن العرش لا يخلو منه. · ومنهم من توقف. فأما الذين قالوا: إن العرش يخلو منه، فقولهم باطل، لأن الله أثبت أنه استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض، ولم ينفِ هذا الاستواء

стр. 269

في الحديث حين قال الرسول ﷺ : ((ينزلُ ربنا إلى السماء الدنيا) ، فوجب إبقاء ما كان على ما كان، وليس الله كالمخلوقات، إذا شغل حيزاً فرغ منه الحيز الآخر، نعم، نحن إذا نزلنا مكاناً خلا منا المكان الآخر، أما الله فلا يقاس بخلقه. فهذا القول باطل لا شك فيه. ويبقى النظر في القولين الآخرين، وهما: التوقف، أو أن نقول: إنه لا يخلو منه العرش. فذهبت جماعة من العلماء ﵏ إلى التوقف، وقالوا: ما لنا ولهذا السؤال أصلاً. ولا ينبغي أن نورد هذا السؤال؛ لأننا لسنا أشد حرصاً على العلم بالله من الصحابة ﵃، ولم يسألوا الرسول ﵊ عن هذا، فنقول: هذا السؤال من أصله غير وارد، ونقول لمن أورده: أنت مبتدع ودعنا من هذا. وعندي أن هذه الطريقة أسلم طريقة؛ أن لا نسأل عن شيء لم يسأل عنه الصحابة ﵃، وأن نلقم من سأل عنه حجراً، فإذا قال قائل: أنا أريد المعقول، قلنا: اجعل عقلك في نفسك، وفكر في نفسك، أما في مثل هذا الأمر فلا تفكر فيه ما دام لم يأتك خبر عنه. وللأسف فإن بعض الناس يجادل ويقول: دعوني أتصور النزول حقيقة حتى أتبين هل خلا منه العرش أم لا؟ ، فنقول: سبحان الله! ألا يسعك ما وسع الصحابة ﵃؟ اسكت واترك هذا الكلام الذي لم يقله الصحابة ﵃ للرسول ﷺ ، وهم أشد الناس حرصاً على العلم بالله، وأعلم الناس بالله. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يخلو منه العرش، لأن الله تعالى

стр. 270

ذكر أنه استوى على العرش حين خلق السموات والأرض، ولم يذكر النبي ﷺ أنه إذا نزل خلا منه العرش، فالواجب بقاء ما كان على ما كان، فهو سبحانه استوى على العرش، ولم يزل مستوياً عليه، وينزل إلى السماء الدنيا في هذا الوقت، والله على كل شيء قدير، وهو سبحانه لا يقاس بخلقه. كما إننا نقول جزماً: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا لم يكن نازلاً على المخلوقات، بل هو فوق كل شيء، وإن كان نازلاً إلى السماء الدنيا؛ لأن الله لا يقاس بخلقه، والى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن العرش لا يخلو منه (١) . ولكني أميل إلى ترجيح القول الثاني وهو التوقف وألا يورد هذا السؤال أصلا، وإذا كان الإمام مالك ﵀ لما قال له القائل: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: السؤال عن هذا بدعة، فإننا نقول في هذا: السؤال عنه بدعة. المبحث الرابع: استشكل كثيرٌ من الناس في عصرنا: كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ونحن نعلم أن ثلث الليل الآخر لا يزال سارياً جارياً على الأرض وتحت السماء، فيلزم من ذلك أن يكون النزول إلى السماء الدنيا دائماً؟ والجواب على هذا أن نقول: ليس هناك إشكال في نزول الله تعالى في الثلث الأخير رغم استمرار تتابعه على الأرض، ونحن نؤمن بقول الرسول ﷺ : ((ينزل حتى يطلع الفجر)) (٢) ، فإذا كان كذلك فالواجب علينا ألا نتجاوزه، فما دام ثلث الليل الآخر باقياً في منطقة من المناطق الأرضية

стр. 271

فالنزول حاصل باقٍ، ومتى طلع الفجر في هذه المنطقة فلا نزول، وإن كان في الجهة الأخرى يوجد نزول، والله على كل شيء قدير، ولا يقاس سبحانه بالخلق؛ فينزل إلى السماء في ثلث الليل الآخر في جهة من الأرض، ولا ينزل بالنسبة لجهة أخرى ليس فيها ثلث الليل. والحقيقة أن الإنسان إذا لزم الأدب مع الله ورسوله اطمأن قلبه، واستراح من التقديرات، أما إذا كان يورد على نفسه هذه المسائل فإنه ينتقل من مشكلةٍ إلى أخرى فيخشى عليه من الشك، نسأل الله العافية وأن يرزقنا اليقين، ولهذا يقول بعض السلف: أكثر الناس شَكاً عند الموت أهل الكلام، لأنهم فتحوا هذه المشاكل على أنفسهم وعجزوا عن حلها، لكن لو لزموا الأدب وقالوا ما قال الله ورسوله، وسكتوا عما سكت عنه الله ورسوله، لسلموا من هذا كله. فمثلاً لو كان أحدنا في المنطقة الشرقية وقد أذن الفجر، والآخر في المنطقة الغربية وهو في آخر الليل، فإننا نقول: هذا وقت نزول ربنا بالنسبة للذي في المنطقة الغربية، ونقول للآخر: انتهى وقت النزول. وليس في هذا إشكال؛ فالذين هم في ثلث الليل يجتهدون في الدعاء لأنه وقت إجابة، والآخرون انتهى عندهم وقت النزول، ونسلم من هذه الإشكالات، ونتشوف كل ليلة إلى ثلث الليل متى يأتي حتى ندعو الله فيه. أما هذه الإشكالات التي تورد فهي في الحقيقة من سفه الإنسان، وقلة رشده، ومن قلة أدبه مع الله ورسوله، والذي ينبغي لنا، كما قال النبي عليه

стр. 272

الصلاة والسلام: ((اسلم تسلم) (١) . ونحن نقول أيضاً: اسلم تسلم، لكن ليس المراد هنا الدخول في الإسلام، وإنما المراد: استسلم للنصوص، حتى تسلم. المبحث الخامس: هل النزول من الصفات الفعلية أو من الصفات الذاتية؟ والجواب: النزول من الصفات الفعلية، لأنه فعل يتعلق بالمشيئة، وكل فعل يتعلق بالمشيئة فإنه من الصفات الفعلية. وقد أنكر بعض الناس صفات الأفعال، وقال: صفات الأفعال لله باطلةً، ولا يمكن أن نثبت لله فعلاً يتعلق بمشيئته إطلاقاً؛ فلا ينزل؛ ولا يجيء يوم القيامة؛ ولا يتكلم بكلام محدث، ثم عللوا ذلك بشبهة عظيمة تنطلي على طالب العلم الصغير، حيث قالوا: إن هذا الفعل أو هذا الكلام، إن كان صفة كمال، وجب أن يتصف الله به دائماً، وإن كان صفة نقص فإنه لا يجوز أن يوصف به، لأن الله منزه عن النقص. فكل فعل اختياري لله يجب أن ننكره بزعمهم، ويقولون: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية؛ لأن هذه الأفعال إن كانت كمالاً وجب أن يكون الله متصفاً بها دائماً، وإن كانت نقصاً لزم أن لا يتصف بها أبداً. والجواب على هذه الشبهة أن نقول لهم: إنها صفة كمال في محلها، والحكمة لا تقتضيها في غير محلها، فلو جاءت في غير محلها لكانت نقصاً، أرأيت لو أن ولدك أساء فضربته لكان ضربك إياه في ذلك الوقت

стр. 273

حكمةً وكمالاً، لكن ضربك إياه وهو يطيع نقص. فنقول: هذه الأفعال الاختيارية كمال لله في محلها الذي تقتضيه الحكمة، وفي غير محلها لا يمكن أن يتصف الله بها، لأنها في غير محلها لا تقتضيها الحكمة، والله أفعاله مقرونة بالحكمة، وبهذا تزول هذه الشبهة. وليعلم أيضاً - وهذه فائدة مهمة - أن جميع ما يتشبث به أهل الباطل في إبطال الحق هو شبهات وليس بحجج، لقوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه) (آل عمران: الآية ٧) . ونظير هذا من بعض الوجوه قول من قال من أهل الفلسفة: الدعاء لا فائدة منه فلا ندعو الله؛ لأنه إن كان قدر لنا شيئاً فسيحصل بدون دعاء، وإن كان الله لم يقدره فلن يحصل ولو دعونا. إذاً لا فائدةَ منه وعلمه بحالي كفاه عن سؤالي. ونرد عليهم بشيء يسير تعرفه العجائز، فنقول: إن الله قدره بهذا الدعاء، وجعل له سبباً وهو الدعاء، وإلا فقل: أنا لن أتزوج، وإن كان الله قدر لي ولد فسيخرج من الأرض، وإن لم يُقدر لي ولد فلن يخرج ولو تزوجت مائة امرأة. ولا أحد يقول هذا الكلام. كذلك الدعاء أيضاً، فإن الدعاء سبب لحصول المطلوب، فإذا وفقت للدعاء فقد وفقت للإجابة، لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: من الآية ٦٠) وهذا نظيرٌ من بعض الوجوه لقول من يقول: إن أفعال الله الاختيارية لا يمكن إثباتها، لأنها إن كانت كمالاً وجب أن يتصف بها أزلاً

стр. 274

وأبداً، وإن كانت نقصاً وجب أن ينزه عنها أبداً، نقول: هي كمال في محلها، وفي غير محلها لا تقتضيها الحكمة فلا تكون كمالاً. إذاً النزول من صفات الأفعال. المبحث السادس: هل أحد من أهل القبلة خالف في تفسير النزول على ما قلناه؟ الجواب: نعم؛ فمنهم من قال (ينزل ربنا) : أي تنزل رحمة ربنا. ومنهم من قال (ينزل ربنا) : أي مَلك من ملائكته، وهؤلاء إنما قالوا ذلك لأنهم ينكرون النزول الحقيقي. والرد على هؤلاء أن نقول: أولاً: أن قولهم هذا مخالف لظاهر النص؛ لأن ظاهره أن الذي ينزل هو الله . ثانياً: أن قولهم هذا مخالفٌ لصريح النص في قوله تعالى: (من يدعوني) (١) إذ إن الملك لا يمكن أن يقول للخلق من يدعوني فأستجيب له، لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله، ولو أن أحداً قاله من الخلق لقلنا إنه نزل نفسه منزلة الخالق، والملائكة مكرمون عن هذا، فالملائكة يسبحون الله الليل والنهار لا يفترون، ويتبرؤون ممن يدعون غير الله. وأيضاً فإذا قلنا: إن الرحمة هي التي تنزل إلى السماء الدنيا، فإن هذا من الغلط؛ لأن رحمة الله ليس غايتها السماء الدنيا، بل إن الرحمة تنزل إلى الأرض حتى تبلغ الخلق، وأي فائدة لنا إذا نزلت الرحمة إلى السماء

стр. 275

الدنيا؟! ثم إن الرحمة تنزل كل وقت، ولا تختص بثلث الليل الآخر، فإذا خصصناها بثلث الليل الآخر فمعنى ذلك أن يبقى الزمن أكثره بدون رحمة. ثم إن الرحمة لا يمكن أن تقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه؛ لأن الرحمة صفة من صفات الله، ولو قالت هذا القول لكانت إلهاً مع الله، ولهذا لا يصح لنا أن ندعو صفات الله، حتى إن من دعا صفات الله فهو مشرك، فلو قال يا قدرة الله اغفر لي. يا مغفرة الله اغفر لي. يا عزة الله أعزيني. فهذا لا يجوز، بل هو شرك، لأنه جعل الصفة بائنة عن الموصوف، مدعوة دعاء استقلالياً وهذا لا يجوز. وأما قوله ﷺ (برحمتك استغيث) (١) ، فهذا من باب التوسل، يعني استغيث بك برحمتك، فـ (الباء) هنا للاستغاثة والتوسل، وليست داخلة على المدعو حتى نقول إن الرسول ﷺ دعا أو استغاث برحمة الله، لكن استغاث بالله لأنه رحيم، وهذا هو معنى الحديث الذي يتعين أن يكون معنى له. وقوله: (وخلقه) يعني ومما يجب إثباته بالدليل القاطع إثبات الخلق. والخلق صفة من صفات الله الفعلية من حيث آحادها وأنواعها. أما من حيث الأصل فهي صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال خلاقاً. وقد ثبتت هذه الصفة بقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ) (الحشر: الآية ٢٤) وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (الحجر: ٨٦) فالخلاق والخالق يؤخذ

стр. 276

منهما صفة الخلق بناء على القاعدة التي سبقت في هذا الباب، وهي: أن كل اسم من أسماء الله تعالى فهو متضمن لصفة وليست كل صفة متضمنة لاسم، ولهذا كانت الصفات أوسع من باب الأسماء، فالخلق صفة لله تعالى، فهو يخلق ما يشاء إيجاداً وإعداماً، كما قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) (الملك: الآية ٢) فجعل الموت مخلوقاً مع أن الموت عدم، لكنه عدم على وجه معين وليس عدما محضاً، فمفارقة الروح الجسد موت، وليس عدما، بل مفارقة تفقد بها الحياة. والمهم أن من صفات الله الخلق، ونص المؤلف ﵀ عليه لأن الأشاعرة لا يثبتون هذه الصفة لله، وإنما يثبتها الماتريدية، حيث أنهم يثبتون ثماني صفات، والأشاعرة يثبتون سبعاً. فالخلق إذاً صفة ذاتية من حيث الأصل، وهي صفة فعلية من حيث النوع والآحاد، فالله تعالى يخلق ما يشاء بالنوع، ويخلق ما يشاء بالآحاد. فالإنسان مثلاً مخلوق بالنوع، وبالآحاد من حيث كل إنسان على حدة. فخلق الله للإنسان من حيث هو، يعتبر واحداً بالنوع، وخلق الله للإنسان باعتبار كل فرد يعتبر واحداً بالشخص، أي بالآحاد. أما من حيث الفعل لله الذي هو صفة الخلق، فإن الله لم يزل ولا يزال خلاقاً، فهو من الصفات الذاتية. قال ﵀: (فاحذر من النزول) احذر من النزول: يعني من النزول الخلقي والنزول العلمي والنزول السلوكي والنزول الفكري، لأن النزول صفة ذم بكل حال.

стр. 277

فالنزول الخُلقي: أن لا تخالق الناس بخلق حسن، فإن من الناس من قد يُرزق علماً وفهماً لكنه لا يخالق الناس بخلق حسن، فتحمله الغيرة وما عنده من العلم، على الشراسة والعنف وتضليل الناس، وربما تصل به الحال إلى تكفيرهم. والنزول العلمي: وهو أنك لا تحرص على العلم ولا تبتغي العلم ولا تطلبه. فإن العلم إذا تركته تركك، بل إذا تهاونت في طلبه فاتك، ولهذا قال بعض السلف: لا يُنال العلم براحة الجسم. وقال بعضهم: أعط العلم كلك يعطك بعضه، وأعطه بعضك يفتك كله. ولم ينل العلماء ﵏ الذين اشتهروا بالإمامة في العلم هذا الذي نالوا به الإمامة إلا بدأبٍ عظيم، وتعبٍ على ما هم عليه من شظف العيش وقلة المساعدة. والنزول السلوكي: وهو قريب من النزول الخُلقي، لكنه يشمل العبادة والتعبد لله ، بأن تكون عالي الهمة بالنسبة للعبادة، لا تتوانى ولا تتكاسل، تتقي الله تعالى ما استطعت. والنزول الفكري: وهو أن تنزل بفكرك إلى ما يخالف السلف الصالح، كما نزل أهل التعطيل وأهل التمثيل، فإن أهل التعطيل نزلوا بأفكارهم وانحدروا بها إلى الهاوية، وأهل التمثيل كذلك. كل منهم نزل، فهؤلاء غلوا في شأن التنزيه، وهؤلاء غلوا في الإثبات، فتطرفوا جميعاً فنزلوا عن مستوى الحق والصراط المستقيم.

стр. 278

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٩- فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال ــ الشرح قوله: (فسائر الصفات والأفعال) سائر ترد بمعنى (باق) ، وترد بمعنى جميع، فأما ورودها بمعنى (باق) فإنها مأخوذة من السؤر وهو البقية، كما يقال مثلاً: سؤر البهائم طاهرٌ؛ أي بقية شرابها، وتقول: شربت سؤر فلان؛ أي بقية شرابه، وعلى هذا فتكون سائرٌ بمعنى باقٍ. وأما سائر بمعنى جميع فهي مشتقة من السور؛ لأنه يحيط بالقصر. فكلام المؤلف هنا يتنزل على المعنى الثاني؛ فتكون سائر بمعنى جميع. قال ﵀: (فسائر الصفات والأفعال قديمة لله) وكلامه هذا في إطلاقه نظر ظاهر؛ وذلك أن صفات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: خبرية وذاتية وفعلية. أما الفعلية فنص عليها المؤلف ﵀ بقوله: (الأفعال) ، فيبقى قوله: (الصفات) شاملاً للخبرية والذاتية، ونحن نوافقه على أن الصفات الذاتية والصفات الخبرية قديمة لله؛ قديمة: يعني أزليةٌ لم تزل موجودةٌ، وهي كذلك أبدية لا تزال موجودة. فالصفات الخبرية مثل: الوجه، والعين، واليد، والقَدَم، هذه صفات أزليةٌ قديمة، وهي أيضاً أبدية. والصفات الذاتية مثل: العلم، والقدرة، والعزة، وغيرها، فهذه أيضاً قديمة لله أزلية أبدية.

стр. 279

أما الصفات الفعلية التي أشار إليها المؤلف ﵀ في قوله: (والأفعال) فلا يطلق عليها أنها قديمة على سبيل الإجمال، ولا أنها حادثة، بل في ذلك تفصيل: فباعتبار الجنس هي قديمة، فإن الله لم يزل ولا يزال فعالاً؛ لم يأت عليه وقتٌ كان معطلاً عن الفعل بل لم يزل فعالاً، فباعتبار جنس الأفعال نقول: إنها قديمة، كما قال المؤلف، وباعتبار النوع والآحاد فليست قديمة. وأضرب مثلاً للنوع: استواء الله على العرش نوعٌ من أنواع الفعل، لكن لا يمكن أن نقول: إنه قديم، لأنه لم يكن إلا بعد خلق العرش، وخلق العرش حادث، فيلزم من ذلك أن يكون الاستواء حادثاً وليس بقديم. هذا باعتبار النوع أما باعتبار الآحاد فالله تعالى خلق الملايين من البشر، وخَلْقُ الله للبشر حادث بلا شك، فخلق كل فرد منهم وجد حين خلقه الله، ومن له عشر سنوات فهو قبل أحد عشر سنة ليس موجوداً، ولم يكن شيئاً مذكوراً، ولا تعلقت به صفة الخلق. إذاً فكلام المؤلف ﵀ بِقِدَم الصفات صحيح باعتبار قسمين من الصفات، وهي: الصفات الخبرية، والذاتية، أما الأفعال فصحيح أنها قديمة باعتبار الجنس، فجنس الأفعال قديمة، وأما أنواعها وآحادها فليست قديمة. ومن أمثلة الصفات الخبرية: الوجه والعين واليد والإصبع والساق والقدم وغيرها. فكل ما ورد به النص نثبته على أنه قديم. ولا يستوحش من إثباتها، ولا يقال: كيف يكون لله كذا؟! لأن الذي تكلم بهذه الصفة إما الله نفسه - إذا

стр. 280

كانت الصفة ثابتةٌ بالقرآن - وإما رسوله ﷺ الذي هو أعلم الخلق به، فلا يستوحش مما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله. والذي يستوحش منه تحريف ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله. أما الأفعال؛ فالأفعال كثيرة أيضاً نوعها وجنسها، فالكلام صفة فعل باعتبار آحاده، وهو صفة ذاتٍ باعتبار أصله؛ فالكلام ليس له حصر ولا يمكن أن يحاط به، فإن الله تعالى يقول: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) (لقمان: الآية ٢٧) أي لو أن الذي في الأرض من الأشجار أقلام، يعني: جعل أقلاماً وكتب به وجعل المداد البحر يمده من بعده سبعة أبحر، لنضب الماء وتكسرت الأقلام ولم تنفد كلمات الله، إذاً كلمات الله لا حصر لها، ولا يمكن الإحاطة بها، والكلام من صفات الأفعال. وقول المؤلف ﵀ (قديمة لله ذي الجلال) ، ذي: صفة لله، والجلال: بمعنى العظمة والكبرياء، وقد وصف الله نفسه بأنه ذو الجلال والإكرام، وأنه مع عظمته وكبريائه يكرمه المؤمنون من عباده، ويكرم هو من يستحق الإكرام من العباد، ولهذا نقول: الإكرام صفة صالحة لصدوره من الله؛ ولصدوره لله؛ فهو صالح لصدوره من الله حيث يكرم من يستحق الإكرام من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولهذا يقال في الجنة: إنها دار الكرامة، وهو صالح لصدوره لله حيث إنه مكرم من قبل هؤلاء العباد الخلص النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

стр. 281

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥٠- لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رغماً لأهل الزيغ والتعطيل ٥١- نمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر ــ الشرح قوله: (لكن بلا كيف) يعني أنها قديمة وثابتة لله لكن بلا كيف، والمراد بقوله (بلا كيف) أي بلا تكييف منَّا لها، وليس المراد أنه ليس لها كيفية، وذلك لأنه ما من شيء ثابت إلا وله كيفية ولابد، فاليد لها كيفية، والوجه له كيفية، والعين لها كيفية، لكن نحن لا نكيفها، فتكييفنا لها حرام، بل السؤال عن الكيفية بدعة، كما نص على ذلك الإمام مالك ﵀، وأقره أهل العلم عليه، فلا نسأل عن الكيفية ولا نكيف. والتكييف باطل بدلالة السمع ودلالة العقل. أما دلالة السمع فمنها: أولا: قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) ، والشاهد قوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: الآية ١٦٩) فإذا كَيَّف أحد صفة من صفات الله فقد قال على الله ما لا يعلم؛ لأن الله أخبر بالصفة ولم يخبر عن كيفيتها، وهذا من الأمور الغيبية التي لا يمكن أن تدرك بالحس، ولا يمكن - بحسب إضافتها إلى الله - أن تدرك بالعقل أيضاً، لأنه ليس هناك علة جامعة بين الخالق والمخلوق حتى نقيس ما غاب عنا من صفات الخالق على صفات المخلوق.

стр. 282

صحيح لو أن أحداً من الناس سألنا عن وجهه أو عن عينه أو عن يده لكنا نعرف كيفيتها بالقياس؛ لأنه بشر مثل سائر الخلق، ونحن نرى نظيره، لكن بالنسبة للخالق ليس هناك علة تجمع بينه وبين المخلوق، حتى يقاس على المخلوق، ويدعي المدعي أنه يعرف الكيفية. ثانياً: قول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦) ، (تقفو) : يعني تتبع ما ليس لك به علم، ومنه تكييف صفات الله، فإنه لا علم لنا به. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ) (الإسراء: الآية ٣٦) هذه طرق الإدراك (كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: الآية ٣٦) فيسأل الإنسان عنه إذا استمع لما لا يعنيه، أو نظر إلى ما لا يعنيه، أو فكر فيما لا يعنيه، فإن الإنسان سوف يسأل عن ذلك كله يوم القيامة. أما الأدلة العقلية: فإننا نقول: إن الشيء لا يمكن إدراكه إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه؛ فكل شيء لا يمكن إدراكه إلا بواحد من هذه الأمور الثلاثة. أن تشاهده، وهذا عين اليقين، أو تشاهد نظيره، وهذا أدنى رتبة من الأول، لأن هذا تدركه بالقياس؛ فمشاهدة النظير ومعرفة النظير بالنظير هذا قياس. أو بالخبر الصادق عنه، لكن ليس الخبر كالمعاينة، ولذلك فهو أدنى رتبة من الأول. ومعلوم أن واحداً من هذه الطرق الثلاثة لم يحصل بالنسبة لصفات الله ، فنحن لم نشاهد شيئاً من هذه الصفات، ولو شاهدنا شيئاً منها لم

стр. 283

ندركه؛ لأن الله قال: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) (الأنعام: الآية ١٠٣) وقال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية ١١٠) ، وبهذا فقد انتفى الأمر الأول. كذلك فنحن لم نشاهد نظيرها؛ لأن الله يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) إذاً لم نشاهد مثيلاً لله . وكذلك لم يخبرنا الله سبحانه أو رسوله عن كيفية هذه الصفات، فيتعذر إذاً أن نعلم كيفيتها، لأن وسائل العلم انتفت، وإذا انتفت الوسيلة انتفت الغاية، وحينئذٍ نقول: لا يمكن أن نكيف صفات الله، ولا يجوز أن نسأل عن الكيفية، ومن سأل عن الكيفية نهيناه؛ لأن السؤال عن الكيفية هلكة، لقول النبي ﷺ ((هلك المتنطعون) (١) . والسؤال عن الكيفية من التنطع؛ لأنه لو كان لك فائدة في علم الكيفية لبينها الله ورسوله، بل نقول: إن الوصول إلى حقيقة كيفية صفات الله أمرٌ مستحيل؛ لأن الإنسان أقل من أن يحيط بكيفية صفات الله. وانظر إلى موسى ﷺ حين قال لله: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك) (الأعراف: الآية ١٤٣) فهو يطلب النظر إلى الله شوقاً إليه، لا شكاً في وجوده، فلما قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك) (الأعراف: الآية ١٤٣) قال: (لَنْ تَرَانِي) (الأعراف: الآية ١٤٣) يعني: لا يمكن أن تراني (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) (الأعراف: الآية ١٤٣) فنظر إلى الجبل، فلما تجلى الله للجبل جعله دكاً، أي اندك الجبل وصار رملاً. فسبحان الله! هذا الجبل الأصم، الصلب، لما تجلى الله له اندك وصار رملاً.

стр. 284

ولما رأى موسى هذا المشهد العظيم خر صعقاً وغشي عليه. ولو تصور كل إنسان نفسه أنه هو الذي في هذه الحالة لغشي عليه من باب أولى. وتأمل كيف خر موسى صعقاً لما تجلى ربه للجبل، وكيف عجز الجبل عن أن يقاوم هذه الرؤية العظيمة واندك. والله يقول عن كلامه، وهو صفة من صفاته: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القرآن عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر: الآية ٢١) يهبط ويتصدع لكن لا يكون دكاً؛ لأن التجلي أعظم من نزول الكلام. إذاً لا يمكننا إدراك كيفية صفات الله وكنهها. فالسؤال عنه يكون لغواً من القول وتنطعاً في الدين ولهذا لما ورد هذا السؤال على الإمام مالك ﵀ عجز عن تحمله فأطرق برأسه وجعل يتصبب عرقاً. فالكيفية ثابتةٌ والتكييف ممنوع ولو نفيت الكيفية على الإطلاق لكنت نفيت الوجود وعلى هذا نحمل كلام السلف حيث قالوا في آيات الصفات وأحاديثها: (أمروها كما جاءت بلا كيف) ، أي: بلا تكييف. وقوله: (بلا تمثيل) يعني: وكذلك ثابتة بلا تمثيل. وقد سبق الكلام على نفي التمثيل وأنه ثابت بدلالة السمع والعقل وأن التعبير بقول القائل: (بلا تمثيل) ، أولى من قوله: (بلا تشبيه) ، من ثلاثة أوجه. لكننا نرى في بعض الأحيان كلاماً بلفظ التشبيه جاء من أئمة السلف، وهذا الذي جاء - بلفظ التشبيه - من أئمة السلف، يريدون به التمثيل. والمؤلف ﵀ لغيرته وشدة تمسكه بمذهب السلف قال: إننا نقول

стр. 285

ذلك (رغماً لأهل الزيغ) يعني نراغمهم بذلك، والرغام أصله التراب، وهو كناية عن الإذلال؛ يقال: راغمته: أي أذللته، ومنه قولهم: رغم أنف امرئ. قوله: (والتعطيل) ، والتعطيل: معناه الترك والتخلية، ومنه قوله تعالى: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَة) (الحج: الآية ٤٥) أي متروكة مخلاة تركها أهلها. أما في الاصطلاح فالتعطيل: هو تعطيل الله عما يجب له، وهو أنواع بحسب ما ترك من واجب لله. أولاً: التعطيل المطلق: فالمنكرون لوجود الرب عطلوا أعظم تعطيل؛ حيث يقولون: ليس هناك رب، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، فهؤلاء عطلوا وجود الله أصلاً. ثانياً: تعطيل ألوهيته تعالى: فالمشركون الذين يعبدون مع الله غيره عطلوا الله عما يجب له من العبادة؛ لأن الواجب إخلاص العبادة لله وحده. فهؤلاء الذين يعبدون مع الله غيره عطلوا الله عن التوحيد الخالص. ثالثاً: تعطيل أسمائه: فالذين عطلوا أسماء الله قالوا: إن الله تعالى ليس له أسماء، وأن ما نُسب إليه من الأسماء فإنما هي أسماء لمخلوقاته وليست له، فهذا تعطيل شديد أيضاً. رابعاً: تعطيل الصفات: حيث يقول الذين عطلوا الصفات: إن الله له أسماء لكن ليس له صفات؛ فلا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة، ولا قدرة؛ فينكرون الصفات أصلاً، وهذا أيضاً تعطيل، حيث عطلوا الله
следующие страницы →