← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إذا لم يصل رحمه لم يطل عمره ولم يبسط له في رزقه لأنه لم يفعل السبب، لكن إذا وصل رحِمه طال عُمره واتسع رزقه، ونعلم أن هذا الرجل قد كُتب أصلاً عند الله بأنه وصول لرحمه، وعمره ينتهي في الوقت المحدد، ورزقه يكون إلى الساعة المحددة، ونعلم أن الرجل الآخر لم يكتب أن يصل رحمه، فكتب رزقه مضيقاً، وكتب عمره قاصراً من الأصل، فليس هناك شيء يزيد وينقص عن الذي كتب في الأزل. إذاً ما الفائدة من قول الرسول ﵊ هذا الكلام؟ نقول: الفائدة من ذلك الحث على صلة الرحم، وإذا كان الله قد كتب هذا الرجل وصولاً لرحمه سيصل رحمه، لكن كتابة الله لهذا الرجل أن يكون وصولاً للرحم أمر مجهول لنا ولا نعلمه، لكن الأمر الذي بأيدينا هو أن نعمل، وما وراء ذلك فهو عند الله . وبهذا التقرير نسلم من قول من قال من العلماء ﵏: إن المراد بطول العمر البركة فيه، والمراد ببسط الرزق البركة فيه؛ لأن هذا القول لا يجدي عنهم شيئاً؛ لأن البركة أيضاً وجودها كطول العمر، ونزعها كقصر العمر، فإن كان الله قد كتب أن يكون عمرك مباركاً كان مباركاً، وإن كان الله قد كُتب أنه غير مبارك صار غير مبارك، وكذلك الرزق إن كان الله قد كتبه مباركاً كان مباركاً، وإن لم يكن كتبه مباركاً لم يكن مباركاً، فالمسألة هي هي، فهم فروا من شيء ووقعوا فيه؛ لأن كل شيء مقدر، بركة المال وبركة العمر، وبسط الرزق وطول العمر؛ فكله مكتوب. والمهم أن الذين قالوا بهذا القول قولهم غير صحيح، وكذلك أيضاً

стр. 352

الذين قالوا: إن للإنسان عمرين؛ عمراً إن وصل، وعمراً إن قطع، ورزقين؛ رزقاً إن وصل، ورزقاً إن قطع، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يكون الله تعالى غير عالم بالمآل، وهذا خطأ ونحن نقول: إن الله عالم بالمآل، فهو عالم بأن هذا يصل ويطل عمره ويبسط له في رزقه، وهذا لا يصلْ فيقصر عمره وينقص رزقه، وهذا عند الله معلوم، وهو شيء واحد لا يتغير، لكنه عندنا غير معلوم، ولهذا حثنا الرسول ﵊ على أن نصل الرحم. ونظير ذلك أيضاً في مسالة الزواج إذا قيل: ((من أحب أن يولد له فليتزوج) ، فالمراد بهذا الحث على الزواج، وإلا فنحن نعلم أن الله كتب لهذا الرجل أن يتزوج ويولد له، أو ألا يتزوج ولا يولد له. والحاصل أن الإنسان إذا علم أن الشيء مكتوب بأسبابه - فطول العمر مكتوب بسببه، وسعة الرزق مكتوبة بسببه، الذي هو الصلة، لكن نحن لا نعلم، فالمقصود من مثل هذا القول من رسول الله ﷺ الحث على صلة الرحم وأنه سبب. والدعاء أيضاً سبب لحصول المقصود فمن أحب أن يرزق فليسأل الله الرزق، فالسؤال سبب، ولو قال قائل: إذا كان الله قد كتب لك الرزق فلا حاجة لك في السؤال، لكان هذا غلطاً، ففعل الأسباب التي جاءت بها الشريعة، أو شهد بها الواقع أمر مطلوب للشرع، والله تعالى بحكمته قد ربط المسببات بأسبابها، فلا إشكال والحمد لله في الحديث، إنما هو ذلك لسبب يكون عند الله معلوماً مكتوباً، وعندنا غير معلوم، إنما الشيء الذين خاطب به أن نفعل السبب.

стр. 353

الباب الثالث في الأحكام ٧٤- وواجب على العباد طرا ... أن يعبدوه طاعة وبرا ٧٥- ويفعلوا الذي به أمر حتما ... ويتركوا الذي عنه زجر ــ الشرح قال المؤلف ﵀: (الباب الثالث في الأحكام) . الأحكام: جمع حكم، والمراد به الأحكام الشرعية، والأحكام الكونية، والأحكام الدينية في الأسماء كما سيأتي، والأحكام الدنيوية، والأحكام الأخروية ... والمهم الأحكام عامة كما سيتبين من الشرح. قال المؤلف ﵀: (وواجب على العباد طرا أن يعبدوه) ((واجب)) : خبر مقدم، ((وأن يعبدوه)) : مبتدأ مؤخر، وإنما قلنا بذلك لأن ((واجب)) : حكم، و ((العبادة)) : محكوم عليه، ويجوز على قول لبعض النحويين أن نجعل ((واجب)) : مبتدأ، و ((أن يعبدوه)) : فاعل أغنى عن الخبر؛ لأنه يجوز إذا كان الخبر وصفاً وتأخر المبتدأ أن يكون الوصف مبتدأ، ويكون ما بعده فاعلاً أو نائب فاعل اغنى عن الخبر، لكن المشهور أن هذا لا يجوز إلا إذا اعتمد على نفي أو استفهام. وقوله: (وواجب على العباد) ، الواجب عند أهل العلم ﵏: ما أمر به على سبيل الإلزام، أو ما ألزم به المكلف.

стр. 354

وقوله: على (العباد) المراد بهم كل الناس، فالعبادة هنا بالمعنى العام وليست العبودية الخاصة، والعبودية تكون عامة وهي التعبد الكوني، وتكون خاصة وهي التعبد الشرعي، والمراد هنا التعبد الكوني، يعني يجب على كل العباد أن يعبدوا الله ، وقوله (طرأ) أي جميعا. وقوله: (أن يعبدوه) الهاء في (يعبدوه) ليس لها مرجع سابق ولا لاحق، ولكن مرجعها معلوم من السياق؛ لأن الذي يجب أن يعبد هو الله ، فالهاء إذاً عائدة على الله. فوجوب عبادة الله على جميع العباد من جملة الأحكام التي سيذكرها المؤلف ﵀ في هذا الباب، ودليلها قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (النساء: الآية ٣٦) ، وقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦)) . قوله: (طاعة وبرا) يعني أن يعبدوه امتثالاً لأمره، واجتناباً لنهيه، وبراً: أي رجاء لبره وثوابه، فيشعر الإنسان عند فعل العبادة بأنه فعلها طاعة لله ورجاء لثوابه، فالصلاة مثلاً يقيمها طاعة لله ورجاء لثوابه. وقد سبق أنه ينبغي للإنسان أن ينوي في عبادته الوصول إلى الله ، وإلى دار كرامته، فيجمع بين الأمرين؛ بين إرادة الخالق كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الأنعام: الآية ٥٢) ، وبين إرادة ثوابه كما قال تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) (الفتح: الآية ٢٩) فهذا واجب على كل مخلوق أن يعبد الله ، والمراد بالعبادة هنا التذلل لله محبة وتعظيماً بفعل أوامره وترك نواهيه. ولهذا قال المؤلف ﵀: (ويفعلوا الفعل الذي به أمر حتماً) يعني:

стр. 355

وواجب عليهم أن يفعلوا الفعل الذي أمر به حتماً، و (حتماً) وصف يعود على الأمر، يعني الذي أمر به أمر حتم؛ لأن مأمورات الله قسمان: قسم مأمورات حتم، وقسم مأمورات تطوع، فالذي يجب أن يفعل هو ما أمر به حتماً، ولكن ما أمر به تطوعاً قد يكون القيام به فرض كفاية إذا كان تبليغ الرسالة يتوقف عليه، بمعنى إننا لو تركناه لماتت السنة، فهنا ربما يقول قائل: إنه يجب أن يقوم الإنسان بما لم يؤمر به حتماً، ويكون وجوبه هنا لغيره، يعني لئلا تموت السنة لا لإيجاد الفعل، أما إذا كانت السنة مشهورة فمعلوم أن القيام بها ليس على سبيل الوجوب. قوله: (ويتركوا الذي عنه زجر) يعني يتركوا ما زجر عنه من النواهي، وهذا هو الواجب على كل مؤمن؛ أن يفعل ما أمر الله به وجوباً فيما حتمه؛ واستحباباً فيما ندب إليه، ويترك الذي عنه زجر وجوباً فيما حرمه، وندباً فيما هو مكروه. وهنا يرد سؤال: هل هناك وظيفة أخرى للإنسان غير العبادة؟ الجواب: لا، ما خلق الإنسان إلا للعبادة فقط، وما عدا ذلك فإنه مكمل للعبادة، حتى تناول المباحات إنما أباحها الشارع لئلا تمل النفوس، لأن النفوس لو بقيت ملزمة بفعل شيء وترك شيء كلت وملت، لكن فسح لها فيما احل الله . ولهذا نجد أن الشارع فسح للنفوس في أيام الفرح أن تتناول ما يفرح ويطرب، مثل الدف في الأعياد، وكذلك في الأعراس، وأباح للنفس أن تنال مطلوبها عند الأحزان؛ فأباح للإنسان أن يحد على الميت ثلاثة أيام،

стр. 356

كما قال النبي ﷺ : ((لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) (١) . فثلاثة الأيام يجوز فيها الحداد على الميت؛ لأن النفس تكون حزينة وكئيبة، ولا تنبسط للأمور الترفيهية، فلا يتجمل الإنسان فيها، ولا يخرج للنزهة، ولا يفعل الأمور الترفيهية العادية؛ لأنه محزون، وينطوي على نفسه، وهذا لا باس به بشرط ألا يكون الحامل له على ذلك التسخط من قضاء الله وقدره، فإن كان الحامل على ذلك التسخط فهو حرام. إذاً الواجب على الإنسان العبادة، لكن الشرع أباح للإنسان ما يترفه به في حدود معينة لئلا يلحقه الملل والسآمة، والإنسان لنفسه عليه حق.

стр. 357

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٧٦- وكل ما قدر أو قضاه ... فواقع حتما كما قضاه ٧٧- وليس واجب على العبد الرضا ... بكل مقضي ولكن بالقضا ٧٨- لأنه من فعله تعالى ... وذاك من فعل الذي تقالى ــ الشرح قال ﵀: (وكل ما قدر أو قضاه فواقع حتما) (كل) مبتدأ و (فواقع) خبره، ووقعت الفاء في خبر المبتدأ (واقع) ؛ لأن المبتدأ متضمن لمعنى الشرط، ومعنى الشرط هنا هو العموم في (كل) ، فإذا كان المبتدأ عاما فإنه يجوز أن تقترن الفاء في خبره؛ فلو قلت: كل أحد فقائم، صح، لكن لو قلت: زيد فقائم، لم يصح؛ لأن الأول بمعنى الشرط والثاني ليس كذلك. وقوله: (كل ما قدر) ، أي: كل الذي قدره أو قضاه، (فواقع) يعني فلابد أن يقع، (حتماً) أي جزماً، (كما قضاه) أي على الوجه الذي قضاه؛ سواء كان هذا الشيء من فعله ، أو كان متعلقاً بأفعال العباد، فلابد أن يقع، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) فأخبر أنه لابد أن يكون. فإذا قدر الله على شخص أن يهتدي اهتدى، وإذا قضى على شخص بالضلال ضل، وإذا قضى له بالرزق رزق، وإذا قضى له بالفقر افتقر، وإذا قضى الله بالخصب والرخاء حصل الخصب والرخاء، وإذا

стр. 358

قدر الله الجدب والضيق حصل الجدب والضيق، وإذا قدرت الفتن والقتال وقع ذلك، وإذا قدر رفعه رفع. وعلى كل حال فإن كل شيء يقضيه الله فلابد أن يقع، ولكن ليلاحظ أنه قد يكون لهذا المقضي موانع قضاها الله ، كما جاء في الحديث (لا يرد القدر إلا الدعاء) (١) ، فنقول: هذا مقدر، ثم قدر له مانع بأمر الله فمنعه، إذا كل ما قضاه الله أو قدره - حتى ما كان مقضيا - ثم وجد له المانع فإنه داخل في عموم كلام المؤلف ﵀. ولهذا نرى من الجهل أن يقول بعض الناس في دعائه: ((اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه) ، وكأنه يقول: ابتلني بما شئت فإنه لا يهم، بل المهم اللطف بي - فسبحان الله - إن هذا الدعاء لا يصح نقلاً عن السلف، وإن صح عن بعضهم فلا يمكن أن يصح عن الصحابة ﵃، الذين أقوالهم مأثورة ومشهورة. ولكن قل: (اللهم إني أسألك اللطف في قضائك) . وهذا صحيح، أما قول: ((لا أسألك رد القضاء) ، فإن الله لا يقضي شيئاً - سواء لطف بك أو شدد عليك - إلا وقد قضاه، لذلك ينبغي أن ننبه من يقول هذا الدعاء، إلى أنه لا فائدة منه. فإذا قال الداعي: (اللهم قني عذابك) (٢) ، معناه أنه لا يرد أن يعذبه الله،

стр. 359

أما قول: ((اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه) فمعناه: إذا كنت قد قدرت شقائي فاجعلني شقياً، لكن هو، في الشقاء. ولكن بعض الناس إذا سمعوا الكلام المركب تركيباً جميلاً اخذوا به وهم لا يدرون ما معناه، وهذا من الغفلة، والواجب أن نتأنى في كل ما نسمع حتى نزنه بميزان الكتاب والسنة. قال ﵀: وكل ما قدر أو قضاه فواقع حتما كما قضاه حتى المعاصي إذا قدر أن تقع، فإنها تقع كما قضاها، ودليل هذا أن النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإيمان، قال: ((وتؤمن بالقدر خيره وشره) (١) ، وأجمع المسلمون على قولهم: ((ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) ، وقال النبي ﵊: ((احرص على ما ينفعك) إلى أن قال: ((ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) (٢) . إذاً ما قدره الله فلابد أن يقع، وأنت إذا آمنت بذلك حصل لك طمأنينة كاملة فيما يصيبك؛ لأنك تعلم أنه لن يتغير الواقع أبداً. فلو قدر أن شخصاً صار يعمل في التجارة ثم خسر حتى فني ماله، فيجب أن نعلم أن هذا الذي حصل بقضاء الله وقدره، وحينئذٍ يطمئن ويسلم لأنه يرضى بالله رباً، كذلك رجل خرج ابنه إلى السوق فأصابه حادث ومات فلا يجوز أن يورد على قلبه أنه لو لم يخرج لم يمت، هذا غير واقع،

стр. 360

وهذا يجب أن تطرده عن قلبك؛ لأنه لابد أن يكون كما حصل، ولا يمكن أبداً أن تسير الأمور إلا على هذا الذي حصل. ولهذا قال الله تعالى عن المنافقين الذين قالوا: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) (آل عمران: الآية ١٥٦) ، فقال الله عنهم: (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (آل عمران: الآية ١٥٦) ، فهذه الأمور لا تولد إلا الحسرة. والإحياء والإماتة بيد الله، (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم) (آل عمران: الآية ١٥٤) وأنت إذا آمنت بهذا الكلام الذي جاء في الكتاب والسنة وقرره المؤلف ﵀، فإنك سوف تستريح ولا تسأم ولا تمل ولا تضجر. إذاً فمن جملة الأحكام في هذا الباب وجوب عبادة الله على جميع العباد، وكذلك فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فإنه هو عبادته ، وكذلك فإن ما قدره الله أو قضاه، فإنه واقع حتماً ولابد كما قضاه، لا يختلف عما قضاه في الأزل، وهذا يعود إلى وجوب الرضا بالقدر. والإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة، والرضا بالقدر من الرضا بالله رباً، والإنسان يجب أن يرضى بالله رباً مدبراً يفعل ما يشاء . وهنا مسالة مهمة جداً وهي: هل الواجب بالنسبة للقضاء والقدر، الرضا بالقضاء والمقضي أو الرضا بالقضاء ويستفصل في المقضي؟ بين المؤلف ذلك في قوله ﵀: وليس واجباً على العبد الرضا ... بكل مقضي ولكن بالقضا

стр. 361

وهناك في بعض النسخ (وليس واجب) برفع واجب، والظاهر أن الأولى النصب، على أنه يجوز الوجهان، فإن أردت أن تخبر عن الواجب، فالواجب مرفوع والرضا منصوب، على أنه خبر ليس، يعني: وليس الواجب الرضا بكل مقضي، وإن كنت تريد أن تخبر عن الرضا، فانك تقول: فليس واجبا على العبد الرضا، فواجب منصوب على أنه خبر ليس، يعني: وليس الواجب الرضا بكل مقضي، وإن كنت تريد أن تخبر عن الرضا، فإنك تقول: فليس واجباً على العبد الرضا، فـ (واجب) منصوب على أنه خبر ليس واسمها الرضا، وتقدير الكلام على هذا: وليس الرضا واجباً، فالوجهان جائزان. ومعنى كلام المؤلف أنه لا يجب على الإنسان أن يرضى بكل مقضي، وإنما يجب أن يرضى بالقضاء الذي هو فعل الله ، وعلى ذلك فالمقضي يحتاج إلى تفصيل: أولاً: أن يكون المقضي حكماً شرعياً، فهذا يجب الرضا به، من حيث كونه فعل الله، والسخط منه مناف للإسلام، فيجب علينا مثلاً أن نرضى بفرض الله للصلاة والزكاة والصوم والحج والبر والصلة وغير ذلك، ويجب علينا كذلك أن نرضى بتحريم الزنا؛ لأن ذلك محبوب إلى الله ، والمحبوب إلى الله يجب أن نحبه. أما باعتبار فعل العبد فيجب الرضى به إن كان طاعة، ويجب سخطه إن كان معصية، ولهذا وجب علينا أن ننكر على العاصي. ثانياً: إذا كان المقضي أمراً كونياً، فإن الأمر الكوني منه ملائم يلائم النفوس، وهذا الرضا به أمر فطري. مثال ذلك: إذا قضى الله للإنسان بولد، ورزق واسع، ودار مهيأة، ومركوب فخم، وعلم، وإيمان، فإنه يرضى به لأن ذلك يلائم نفسه، ورضاه بذلك أمر فطري، ولا يحتاج أن نقول: يجب أن ترضى به؛ لأنه سيرضى به.

стр. 362

أما إذا كان المقضي لا يلائم النفوس بل يؤلمها كالأمراض فالإنسان إذا قضى الله عليه بمرض، فإن المرض غير ملائم للنفوس، فإن الناس فيه على أربع مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة السخط: بأن يسخط هذا الذي قضاه الله وعلامة السخط أن يقول قولاً منكراً، أو يفعل فعلاً منكراً. مثال القول: أن يقول: يا ويلاه، وا ثبوراه، وما أشبه ذلك من الكلمات التي تنبئ عن التسخط. وأما الفعل المنكر فمثل لطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، والقفز حتى يسقط على الأرض، وما أشبه ذلك، فهذا تسخط فعلي، ولهذا قال النبي ﵊: ((ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) (١) ، فالأولان فعلان والثالث قول. المرتبة الثانية: مرتبة الصبر: بأن يتألم الإنسان نفسياً ولكنه يصبر، فلا يشق ثوباً، ولا يلطم خداً، ولا يقول منكراً، وهذه المرتبة واجبة، أي أنه يجب على الإنسان أن يصبر إذا أصيب بالمصائب. المرتبة الثالثة: الرضا: أي يرضى بقضاء الله ، والرضا معناه أن يكون مطمئناً منشرح

стр. 363

الصدر بما قضى الله ، لا يتألم نفسياً، رغم أنه يكره هذا الشيء الذي أصابه ولا شك؛ لأنه لا يلائم النفوس، لكنه لا يتألم نفسياً؛ بل يقول: هذا قضاء الله، وأنا من جملة ملك الله ، له أن يفعل في ما شاء، ويطمئن بذلك. وهذه المرتبة اختلف فيها العلماء ﵏ على قولين: منهم من قال: إنها واجبة، ومنهم من قال: إنها مستحبة، والصحيح أنها مستحبة وليست بواجبة؛ لأنها صعبة على كثير من النفوس. وعلامة الرضا أنك لو سألته: هل تأثرت بما قضى الله عليك؟ لقال: لا؛ لأني أعلم أن الله لا يقدر لي شيئاً إلا كان خيراً لي، فأنا مؤمن والله لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيراً له. المرتبة الرابعة: مرتبة الشكر: وهذه المرتبة أعلى من التي قبله؛ لأنها رضا وزيادة. فإذا قال قائل: كيف يشكر الله على المصيبة؟ قلنا: يشكر الله على المصيبة لأنه يعلم أن ثوابها وأجرها - إذا صبر واحتسب الأجر - أكثر من مصيبتها، فيشكر الله على هذا؛ لأن ما يترتب عليه من الخير أكثر مما يترتب عليه من الأذى، فمن هذه الناحية يشكر الله، وقد قال بعض أهل العلم ﵏: إن هذه المرتبة أعلى من التي قبلها، أي من الرضا. فهذا حكم الرضا بالمقضي. ثم قال المؤلف ﵀: (ولكن بالقضا) ؛ يعني: ولكن يجب أن يرضى (بالقضا) ، أي قضاء الله ، وهو فعله.

стр. 364

فإن قال قائل: هل المعاصي واقعة بقضاء الله أو لا؟ وكيف ترضون بقضاء الله لها؟ فالجواب: بلى، هي واقعة بقضاء الله، ونحن نرضى بقضاء الله وإن كرهنا المقضي، وهذه المعصية لا نرضاها ونكرهها ونؤدب عليها، ولكن نرضى بكون الله قضاها، ولا نعترض على الله في قضائها، فإذا رأينا مثلاً العصاة والفساق وأهل المجون فيجب علينا أن نرضى بما وقع منهم باعتباره من قضاء الله، لكن لا يجوز أن نرضى بما صدر منهم باعتباره من فعلهم؛ فنسخط فعلهم ونرضى فعل الله الذي هو قضاؤه، وبهذا التفصيل يزول عنا إشكالات كثيرة. فإذا قال قائل: يوجد في الخلق شر مثل إبليس، فهو أصل الشر. فهل يجب علينا أن نرضى بإيجاد إبليس؟ فالجواب: نعم يجب أن نرضى بدون تفصل، لكننا لا نرضى بما يأمر به إبليس؛ لأن إبليس يأمر بالشر والفحشاء والمنكر؛ (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (النور: الآية ٢١) إذاً نرضى بأن الله خلقه، ولا نشك في أن الله خلقه لحكمة، ولكن لا نرضى بما يكون من فعل إبليس، من الشر والفساد.. إلى آخره. قال ﵀: (ولكن بالقضا لأنه من فعله) . (لأنه) أي القضاء (من فعله) أي من فعل الله، ولهذا قال: (من فعله تعالى) . قوله: (وذاك) أي المقضي (من فعل الذي تقالى) أي الذي تباعد وفعل ما يبغض عليه، وهذا التعليل الذي ذكره المؤلف ينطبق على المعاصي تماماً،

стр. 365

فالمعاصي واقعة بقضاء الله وقدره، نرضى بها من هذه الناحية، وواقعة من فعل الشخص العاصي، ومن هذه الناحية لا نرضاها، ولهذا قال: (لأنه) أي القضا (من فعله وذاك) أي المقضي (من فعل الذي تقالى) . فإن قال قائل: ما الجمع بين قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) (الفلق: ٢) وبين قوله ﷺ : (والشر ليس إليك) (١) . فالجواب: أن الفرق بينهما ظاهر؛ لأن قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) أضاف الشر إلى المخلوق، أما إلى الله فلا يضاف الشر، فلا شك أن الله هو الذي قدر الشر، لكن قدر الشر في مفعولاته،، أما تقديره لهذا الشر فهو لحكمة عظيمة يترتب عليها من المصالح ما يجعلها غير مكروهة، لكن فرق بين المفعول وبين الفعل والفاعل، فالفاعل هو الله وهو المقدر، وهذا لا شك نحبه على كل حال، وفعله أيضاً خير على كل حال، أما مفعوله ففيه خير وفيه شر.

стр. 366

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٧٩- ويفسق المذنب بالكبيرة ... كذا إذا أصر بالصغيرة ٨٠- لا يخرج المرء من الإيمان ... بموبقات الذنب والعصيان ٨١- وواجب عليه أن يتوبا ... من كل ما جر عليه حوبا ٨٢-ويقبل المولى بمحض الفصل ... من غير عبدا كافرا منفصل ٨٣- ما لم يتب من كفره بضده ... فيرتجع عن شركه وصده ــ الشرح قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويفسق المذنب بالكبيرة كذا إذا أصر بالصغيرة هذا من الأحكام أيضاً، وهو أمر مهم؛ لأن الناس تنازعوا فيه، فابتدعت فيه طائفتان، وسلمت الثالثة. المذنب إذا أذنب بكبيرة فإنه يكون فاسقاً مؤمناً؛ فيكون فاسقاً بمعصيته، مؤمناً بإيمانه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو المذهب الذي تؤيده النصوص، ويؤيده النظر والعدل؛ فالعدل أن يعامل كل إنسان بما يستحق، فلما كان هذا الرجل مؤمناً، لكنه فعل كبيرة ولم يتب منها، فهو باق على إيمانه لكنه فاسق بكبيرته، ويمكن أن نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان؛ مؤمن بما معه من أصل الإيمان، ناقص الإيمان بما اقترفه من

стр. 367

معصيته، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو المذهب الحق كما سنذكر إن شاء الله. وقالت الخوارج: إنه ليس بمؤمن بل هو كافر، فإذا زنا فقد كفر، وإذا سرق فقد كفر، وإذا قتل نفساً بغير حق فقد كفر، وإذا عق والديه فقد كفر، وإذا قطع أرحامه فقد كفر، وهكذا إذا فعل أي كبيرة صار كافراً خارجاً عن الإيمان، فإذا كان كافراً خارجاً عن الإيمان، فإنه إذا مات لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه، ولا يدفعن في مقابر المسلمين، وحكمه في الآخرة أنه يخلد في النار. ووافقتهم المعتزلة على التخليد في النار، لكن خالفتهم في الحكم في الدنيا؛ فقالوا - أي المعتزلة -: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار، لكنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين؛ لا نصفه لا بالإيمان ولا بالكفر، فلا نقول: مؤمن - ولو بقيد النقص -، ولا نقول: كافر - ولو بقيد أصل الإيمان -؛ بل نقول: في منزلة بين منزلتين، وإذا مات فإنه يعامل معاملة المسلمين؛ لأنه لم يدخل في الكفر، إلا أنه يخلد في النار. إذاً توافق الخوارج والمعتزلة في شيء وتخالفوا في شيء؛ توافقوا في أحكام الآخرة؛ فجعلوا فاعل الكبيرة خالداً في النار، واختلفوا في أحكام الدنيا؛ فحكمت الخوارج بأنه كافر، وحكمت المعتزلة بأنه ليس بمؤمن ولا كافر - بل في منزلة بين المنزلتين. فعلى رأي الخوارج إذا رأينا فاعل كبيرة فلنا قتله؛ لأنه مرتد مباح الدم، وعلى رأي المعتزلة لا نقتله لأنه ليس بكافر، ولا نكرمه إكرام المؤمن لأنه ليس بمؤمن.

стр. 368

أما المرجئة فقالوا: إن فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق العقاب، وليس عليه شيء، ولو زنا وسرق وشرب الخمر وقتل وعق وقطع وغش وكذب، ما دام أنه مؤمن بالله فهو مؤمن كامل، إيمانه كإيمان جبريل ومحمد ﷺ ونعوذ بالله - وهذا ليس بمعقول، لكنه مذهبهم. ولا يخفى أن الذي يصلح ويناسب الزمان هو ما جاءت به السنة؛ حيث المعاملة بما يستحقه فاعل الكبيرة؛ فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهذا هو الحق. ولهذا قال المؤلف ﵀: ويفسق المذنب بالكبيرة كذا إذا أصر بالصغيرة لا يخرج المرء من الإيمان بموبقات الذنب والعصيان قال المؤلف: (ويفسق المؤمن بالكبيرة) ، والفسق في اللغة: الخروج، ومنه فسقت الثمرة عن قشرها، أي برزت وخرجت منه، وفي الاصطلاح: فعل الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة. كما قال المؤلف: ويفسق المذنب بالكبيرة كذا إذا أصر بالصغيرة (بالصغيرة) يعني على الصغيرة، فالفسق شرعاً: فعل الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة. فإذا زنا المرء صار فاسقاً، وإذا أصر على شرب الدخان صار فاسقاً، وإذا شرب الخمر مرة واحدة فقط فهو فاسق لأن شربه كبيرة. والكبيرة في المعنى ضد الصغيرة، والميزان في ذلك - كما قال بعض العلماء ﵏: ما نص الشارع على أنه كبيرة فهو كبيرة، وما لم ينص

стр. 369

عليه فهو صغيرة، فقوله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات) (١) ، هذه كبائر، وقوله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) (٢) ، هذه كبائر، فما نص الشارع على أنه كبيرة فهو كبيرة، وما لا فلا. وقال بعض العلماء ﵏: ما توعد عليه بلعن أو غضب فهو كبيرة. وقال آخرون: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة، واختلفوا اختلافا كبيراً. وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الكبيرة ما رتبت عليها عقوبة خاصة (٣) ، وأما ما نهى عنه فقط، ولم يعين له عقوبة خاصة فهو صغيرة، ومع ذلك يقول: إن الكبائر تتفاوت؛ فبعضها أشد من بعض، وقوله ﵀ أقرب إلى الصواب. فمن فعل الكبيرة ولم يتب منها صار فاسقاً، ومن أصر على الصغيرة -ولم يقلع عنها - صار فاسقاً. وقوله: (ويفسق المذنب) خلافاً للمرجئة؛ لأن المرجئة يقولون: إن المذنب لا يفسق بالكبيرة ولا بالإصرار على الصغيرة، بل هو مؤمن كامل الإيمان، قال ابن القيم مبيناً مذهبهم: والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان (٤)

стр. 370

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: لا يخرج المرء من الإيمان بموبقات الذنب والعصيان أي لا يخرج المرء من الإيمان بفعل الموبقات، والموبقات: هي المهلكات، وهذا رد على الخوارج والمعتزلة؛ لأن الخوارج والمعتزلة يقولون: إنه يخرج من الإيمان، لكن الفرق بينهما أن الخوارج قالوا: إذا خرج من الإيمان دخل في الكفر، وليس هناك واسطة، والمعتزلة قالوا: إذا خرج من الإيمان فهو في منزلة بين منزلتين، كرجل سار من المدينة يريد مكة فنزل في بدر، فصار في منزلة بين المنزلتين؛ ليس من أهل المدينة ولا من أهل مكة، لكن الخوارج أقرب إلى الصواب منهم حيث قالوا: ليس هناك واسطة، كما قال الله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) (يونس: الآية ٣٢) وقال: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: الآية ٦٦) ولم يذكر منزلة، فالمنزلة هذه بدعة مردودة على صاحبها. قال ﵀: وواجب عليه أن يتوبا ... من كل ما جر عليه حوبا (وواجب عليه) أي على المرء المذنب (أن يتوبا) والألف هنا للإطلاق، أي لإطلاق الروي، والروي آخر البيت، ولولا ذلك لقال: (أن يتوب) لأن المتحرك الأخير يوقف عليه بالسكون، (من كل ما جر عليه) أي على الفاعل، (حوباً) أي إثما. ومعنى كلام المؤلف ﵀ أن على الإنسان أن يتوب من كل شيء حصل له به الإثم؛ إن كان ترك واجب فبفعله، وإن كان فعل محرم فبتركه؛

стр. 371

لأن ترك الواجب يجر على الإنسان الإثم، وفعل المحرم كذلك يجر على الإنسان الإثم. والدليل على وجوب التوبة قوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: الآية ٣١) وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) (التحريم: الآية ٨) . وقوله: (واجب عليه أن يتوبا) ، أي: فوراً؛ لأن الأصل في الواجبات الفورية، ولأن الإنسان لا يأمن أن يموت، فقد يأتيه الموت بغتة قبل أن يتوب، ولو تاب عند الموت لم تنفعه التوبة، لقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: الآية ١٨) . وللتوبة شروط خمسة، هي بالترتيب: الإخلاص، والندم، والإقلاع، والعزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى، وأن تكون في وقت قبولها. وليتنبه هنا إلى أن من شروط قبول التوبة: العزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى، وليس الشرط ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى، إذ لو كان الشرط ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى لكان من غلبته نفسه وعاد إلى الذنب ثانياً لم تقبل توبته الأولى، لكن الشرط: العزم على ألا يعود، فمن غلبته نفسه وعاد إلى الذنب فإن توبته الأولى مقبولة، ولذلك أن تحقيق هذا الشرط هو العزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى. قال المؤلف ﵀: ويقبل المولى بمحض الفضل ... من غير عبد كافر منفصل

стр. 372

قوله: (ويقبل المولى بمحض الفضل) أي يقبل الله التوبة من الإنسان، (بمحض الفضل) أي بالفضل الخالص المحض، لأن الله هو الذي منَّ عليه أولاً بالتوبة، فإن توفيق الله العبد للتوبة توبة، قال الله تعالى: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (التوبة: الآية ١١٨) ، يعني ثم وفقهم للتوبة ليتوبوا، فالله يمن عليك بمحض الفضل أن تتوب، ثم يمن عليك مرة أخرى بقبول التوبة، ولو شاء ألا يقبل لم يقبل، ولكن من فضله ورحمته أن من تاب إلى الله تاب الله عليه. بل أشد من ذلك وأبلغ أنه يفرح بتوبة عبده، ويحب توبته؛ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: الآية ٢٢٢) ، ويفرح بتوبة عبده فرحاً أشد من فرح الإنسان الذي أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه، ثم وجدها، فهذا فرحه لا يوصف، ومع ذلك فالله يفرح بتوبة عبده المؤمن أشد من فرح هذا الرجل براحلته. قال ﵀: ........................ من غير عبد كافر منفصل ما لم يتب من كفره بضده........................ الحقيقة أن هذا الاستثناء وهو قوله: (ما لم يتب) ، فيه شيء من النظر؛ لأن كل من تاب تاب الله عليه من أي ذنب كان، وكلامنا في التوبة، فإذا تاب تاب الله عليه ولو كان كافراً، أما إذا مات على المعصية وهي غير كفر، فهذه هي التي تكون تحت المشيئة؛ إن شاء الله غفر له وإن شاء عاقبه.

стр. 373

ثم إن قوله: (من غير عبد كافر منفصل ما لم يتب) ، ينطبق على الفاسق أيضاً، فإن الفاسق لا يقبل الله منه حتى يتوب، وإلا سيبقى على وصف الفسق. إلا إذا كان المؤلف يرد بقوه: (يقبل المولى) أي يقبل العبادات من غير الكافر، فهذا له وجه، لكنه لا يرد هذا الشيء. قوله: (ما لم يتب من كفره بضده) وضده الإسلام، فإذا تاب من كفره بضد الكفر، فإنه تقبل منه التوبة، وإن تاب من كفره بكفر آخر فإنه لا يقبل منه، ولذلك قال المؤلف: (فيرتجع عن شركه وصده) فإنه حينئذ يقبل الله منه؛ مثل: لو تاب من نوع الكفر وبقي على النوع الآخر، فإنه لا يقبل منه، بل لابد أن يكفر بالجميع، فلو كان رجل منكرا لشيء مما جاء به الرسول ﷺ وتاب منه لكنه مشرك بالله يعبد الصنم، فإنه لا يقبل منه حتى يؤمن بكل ما كفر به. ولو تاب المسلم من ذنب وهو مصر على آخره، فإنه تقبل توبته مما تاب منه؛ لعدم اشتراط ألا يكون مصراً على ذنب آخر، ولعموم الآيات في القرآن الكريم، وكذلك الأدلة من السنة، فكلها تدل على أنه إذا تاب من الذنب تاب الله عليه. وقال بعض العلماء: إنه إذا كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه، فإنها لا تقبل توبته، وإذا كان من غير جنسه قبلت، لكن الصحيح أنها تقبل. وذهب بعض العلماء إلى أن التوبة لا تقبل حتى يقلع عن جميع الذنوب، ولذلك أضافوا شرطاً سادساً إلى الشروط الخمسة، وهو: أن يقلع

стр. 374

عن جميع الذنوب وليس عن الذنب الخاص، بل عن كل الذنوب، وبناء على هذا القول فلو تاب من ذنب وهو مصر على آخر فإنه لا تقبل توبته. مثال ذلك: إذا تاب رجل من الزنا لكنه يشرب الخمر، فعلى هذا الرأي لا تقبل توبته من الزنا؛ لأنه لو كان صادقاً ما عصى الله، ولو كان صادقاً في التوبة والرجوع إلى الله ما عصى الله بالذنب الآخر. ولو تاب من الربا لكنه يغش الناس، فإنه لا تقبل توبته على هذا الرأي، ولكن الصحيح أنها تقبل. ولكن يقال: أما التائب التوبة المطلقة فهذا لابد لتوبته من أن يكون مقلعاً عن جميع الذنوب، وأما التوبة الخاصة المقيدة فإنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره، إذاً فالمدح بالتوبة لا يكون إلا لمن أقلع عن جميع الذنوب، وأما التقييد فيصح من ذنب ولو مع الإصرار على آخر، فالذي تاب من الزنا لكنه يشرب الخمر، لا يصح أن نصفه بأنه تائب على سبيل الإطلاق، لكن نقول: إنه تائب من الزنا - مقيداً -، فلا يصح الوصف المطلق الذي يمدح به التائب، وإنما يمدح بقدر ما حصل منه من توبة فقط.

стр. 375

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٨٤- ومن يمت ولم يتب من الخطا ... فأمره مفوض لذي العطا ٨٥- فإن يشأ يعفو وإن شاء انتقم ... وإن يشأ أعطى وأجزل النعم ــ الشرح قوله ﵀: (ومن يمت ولم يتب من الخطا) أي من غير الشرك؛ لأن الشرك لا يغفره الله تعالى (فأمره مفوض لذي العطا) وهو الله . فإن يشأ يعفو وإن شاء انتقم وإن يشأ أعطى وأجزل النعم وذلك فوق الذنب، ودليل ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨) وهذه الآية قاضية على كل ذنب ما عدا الشرك فإن قال قائل: لو مات شخص على الكفر دون الشرك، مثل أن يكون جحد شيئاً من القرآن مثلاً ومات على ذلك، فهل يكون داخلاً تحت المشيئة؟ فالجواب: لا؛ لأن المراد بالشرك ما كان مخرجاً عن الإسلام، فكل شيء يخرج عن الإسلام فإن الإنسان إذا مات عليه لا يغفر له، وما دون ذلك فإن الله يغفره إن شاء.

стр. 376

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٨٦- وقيل في الدروز والزنادقة ... وسائر الطوائف المنافقة ٨٧- وكل داع لابتداع يقتل ... كمن تكرر نكثه لا يقبل ٨٨- لأنه لم يبد من إيمانه ... إلا الذي أذاع من لسانه ــ الشرح اتفق العلماء على أن كل من تاب من كفر فإنه يقبل منه، ويرتفع عنه القتل؛ لعموم قول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: ٥٣) ، وهذه الآية نزلت في التائبين، فكل ذنب يتوب الإنسان منه فإن الله تعالى يتوب عليه. واختلف العلماء ﵏ في هذه المسائل التي ذكرها المؤلف ﵀؛ الدروز والزنادقة ... إلى آخره. والدروز فرقة أصلها التشيع لأهل البيت، ثم غلت غلوا فاحشا حتى جعلوا المخلوق الها والعياذ بالله، وصاروا يعبدون المخلوق من دون الله، ومذاهبهم معروفة، قال بعض العلماء: إن الدروز يجب قتلهم بكل حال وإن تابوا، لعظم ذنبهم، فهم من أجل عظم الذنب لا تقبل منهم التوبة. كذلك الزنديق، والزنديق هو المارق عن الدين كله، وقيل: الزنديق هو المنافق، ولعل الزنديق أشد من المنافق؛ لأن المنافق ربما يتصنع للمسلمين

стр. 377

ويظهر أنه مسلم، كما هو الشأن في المنافقين في عهد الرسول ﷺ . قوله: (وسائر الطوائف المنافقة) أي: الدروز والزنادقة والمنافقون وغيره، (وكل داع لابتداع) أي كل إنسان يدعو للبدعة، والمراد البدعة المكفرة، (يقتل) وهذا مقول القول، يعني يقتل ولو تاب، فإنها لا تقبل توبته، (كمن تكرر نكثه لا يقبل) يعني تكررت ردته؛ بحيث يرتد ثم يتوب، ويرتد ثم يتوب؛ ويرتد ثم يتوب، وهكذا. قالوا: هذا لا تقبل توبته لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) (النساء: ١٣٧) ، فقال: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) (النساء: الآية ١٣٧) وهذا يقتضي أنه لا تقبل توبتهم. قوله: (لأنه لم يبد من إيمانه) لأنه: الضمير يعود على هؤلاء باعتبار الجنس، ٠ لم يبد من إيمانه إلا الذي أذاع من لسانه) أذاع: يعني أظهر من لسانه، فالمنافق مثلاً إذا قلنا: إنه يجب قتله، فقال: أنا مسلم أشهد لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأصلي معكم وأزكى، نقول: ولو كنت كذلك، فإذا قال: أنا تائب، فنقول: ولو تبت نقتلك؛ لأن قولك الآن أنك تائب وتصلي وتزكي هو قولك أولاً لأنك تنافقنا، فلم يبد من إيمانك إلا ما أذاعه لسانك، وما أذعته اليوم كالذي أذعته بالأمس، أنت تنافقنا فلا نقبل منك. ولكن الصحيح أن المنافق تقبل توبته لقول الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) (النساء: ١٤٥) (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا

стр. 378

وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) (النساء: ١٤٦) وهذه الآية صريحة في أنه تقبل توبة المنافق، ولكن الله ذكر شروطاً لابد منها، حيث قال: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) (النساء: الآية ١٤٦) ، وذلك حتى نعرف إصلاحهم. والذين عللوا عدم قبول توبة المنافقين، يقولون: إن من تكرر نكثه فإننا لا نقبل توبته، للآية التي ذكرناها، ولأننا لو قبلنا إسلامه اليوم فسوف يرتد غداً؛ لأن هذه عادته؛ يؤمن ويكفر، ويؤمن ويكفر، فلا نثق به فنقتله، ولكننا نقول إن الله تعالى يقول في الآية الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) (النساء: ١٣٧) ، فكانت نهايتهم الزيادة في الكفر، ولم تكن نهايتهم التوبة، وعلى هذا فإذا تابوا وعرفنا أن توبتهم صحيحة باستقامة أحوالهم، فالصحيح أنها تقبل. أما الدروز والزنادقة فقالوا: أنها لا تقبل توبتهم لفداحة كفرهم، وإنهم كالمستهزئين بالله فلا تقبل، والصحيح أن كل كافر بأي نوع من أنواع الكفر تقبل توبته، فإننا لا نعلم كفراً أعظم من كفر فرعون، ومع هذا لما قال عندما أدركه الغرق: (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: الآية ٩٠) ، قيل له: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: ٩١) ولم يقل له إن كفرك عظيم لا تنفع فيه التوبة، ولكن قيل: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) لأنه فات وقت التوبة الآن.

стр. 379

فإذا تاب الإنسان من أي ذنب كان، وعلمنا صدق توبته، فإننا لا نقتله بل نحكم بإسلامه، أما الداعي للبدعة؛ فإنه لو رأى ولي الأمر أن يقتله لأنه ساع بالفساد في الأرض فله أن يقتله من باب التعزير - حتى لو تاب فله أن يقتله، وقولنا: فله أن يقتله من باب التعزير، يعني وليس واجباً عليه، بل إن رأى ولي الأمر أن هذا الداعية للبدعة إذا تاب من بدعته ربما يكون داعياً للسنة فلا يقتله؛ لأن التائب من البدعة حقيقة لابد أن ينقض ما كان عليه من قبل، وحينئذٍ إذا نقض ما كان عليه من قبل من البدع فلا شك أنه مَكسب ويكون في ذلك مصلحة للسنة وأهل السنة. والخلاصة أن كل من كفر بأي سبب من أسباب الكفر، إذا تاب وصلحت حاله فإننا نقبل توبته مهما كان ذنبه، ونقبل توبته على كل حال.

стр. 380

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٨٩- كملحد وساحر وساحرة ... وهم على نياتهم في الآخرة ٩٠- قلت وإن دلت دلائل الهدى ... كما جرى للعيلبوني اهتدى ٩١- فإنه أذاع من أسرارهم ... ما كان فيه الهتك عن أستارهم ٩٢- وكان للدين القويم ناصرا ... فصار منا باطنا وظاهرا ــ الشرح قوله: (كملحد وساحر وساحرة) : السحر له تأثير، ودليل تأثيره أن السحرة لما سحروا أعين الناس بحبالهم وعصيهم التي ألقوها، كانت مؤثرة حتى في موسى ﵊، قال تعالى: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه: الآية ٦٦) مع أنها حبال وعصي ساكنة في الأرض لا تتحرك، لكن يراها الرائي وكأنها تتحرك. فإذا قال قائل: هل هذا يدل على أن للسحر تأثيراً أو ليس له تأثير؟ فالجواب: أما في قلب الحقائق فليس له تأثير، وأما في تصريف الشيء على غير هيئته فهذا له تأثير، فالعصي مثلاً لا يمكن للساحر أن يقلبها إلى حية، والحبال لا يمكن أن يقلبها إلى حية، لكن يمكن أن يجعل الرائين يرونها وكأنها حيات. وعلى كل حال فإن السحر يؤثر، لكن ليس في قلب الحقائق؛ لأنه لا

стр. 381

يقدر على قلب الحقائق إلا الخالق ، فهو القادر على قلب الحقائق، وقد قلب عصا موسى حية تسعى وتأكل. والسحر نوعان: سحر يكفر به الساحر: وهو السحر بواسطة الاستعانة بالشياطين، فهذا كفر لقول الله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) (البقرة: الآية ١٠٢) ، وهذا الساحر يجب أن يقتل لكفره ومفسدته، فإن تاب قتل لمفسدته. وسحر لا يكفر به الساحر: وهو الذي يكون بالأدوية، لكن يجب أن يقتل درءاً لمفسدته. فقول المؤلف ﵀: (وساحر وساحرة) فيه هذا التفصيل؛ فنقول: إذا كفر بسحره فإنها لا تقبل توبته؛ باعتبار إننا نقيم عليه الحد ونقتله، وإن لم يكفر بسحره أقمنا عليه الحد تطهيراً لا كفراً. قوله: (وهم على نياتهم في الآخرة) يعني نحن نحكم بالظاهر، وأما السرائر فإلى الله . قال: (قلت وإن دلت دلائل الهدى) قلت: يعني القائل هو المصنف ﵀ (إن دلت) هذا شرط، و (اهتدى) جواب الشرط. (إن دلت دلائل الهدى) يعني وجدت قرائن تدل على صدق توبته فإنه يهتدي، وإذا اهتدى قبلنا توبته. وأما قوله: (كما جرى للعيلبوني) فهذا رجل كان من الزنادقة، ولكن

стр. 382

الله هداه، وكان في الأصل درزياً، (فاهتدى) أي يقول المؤلف ﵀: فمثل هذا تقبل توبته. والقرائن التي دلت على صدق توبة العيلبوني هي ما ذكرها المؤلف بقوله ﵀: فإنه أذاع من أسرارهم ... ما كان فيه الهتك عن أستارهم وكان للدين القويم ناصراً ... فصار منا باطناً وظاهراً فإذا دلت القرائن على أن هذا الزنديق أو هذا الملحد صار مؤمناً حقيقة، فإننا نقبل توبته، ونرفع عنه القتل؛ لأننا إذا كنا نعمل بالظاهر وقامت القرائن الظاهرة على صدق توبته وقبلنا توبته فقد عملنا بالظاهر، أما مع عدم القرينة فإننا لا نقبل توبته. وهناك أشياء ذكر العلماء ﵏ أنها لا تقبل توبة من اتصف بها؛ منها الاستهزاء بالله، والاستهزاء بالرسول ﷺ ، فقالوا: فمن استهزأ بالله لم تقبل توبته لعظم ذنبه، حيث يستهزئ برب العالمين، ومن استهزأ بالرسول ﷺ فإنه لا تقبل توبته لعظم ذنبه، ولكن الصحيح أنها تقبل توبة كل تائب، لقوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) (الزمر: الآية ٥٣) والدليل في المستهزئين خاصة أن الله قال: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ) (التوبة: الآية ٦٦) ، فبين أنه قد يعفو عن طائفة منهم، ويعذب الطائفة الأخرى. ولكن من سب الله أو استهزأ بالله قبلنا توبته ورفعنا عنه القتل، ومن سب

стр. 383

الرسول ﷺ فتاب، قبلنا توبته وقتلناه، والفرق بين الذي يسب الله ، والذي يسب الرسول ﷺ ؛ أن الله قد أخبرنا بأنه يعفو عن حقه بالتوبة، ولم يستثن شيئاً، وأما الرسول ﷺ فسبه حق له، ولا نعلم هل يسقطه أو لا؟ فإذا كنا لا نعلم هل يسقطه أو لا فإن الأصل عدم الإسقاط، وعلى هذا فنقتله حداً لا كفراً. والخلاصة أن من سب الله أو رسوله ثم تاب فالصحيح قبول توبته، ثم إن كان في حق الله ارتفع عنه القتل؛ لأنه إنما يقتل لحق الله وقد عفا الله عنه، وإن كان في حق الرسول فهو مؤمن ولكن نقتله ثم نغسله ونكفنه ونصلي عليه.

стр. 384

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٩٣- فكل زنديق وكل مارق ... وجاحد وملحد منافق ٩٤- إذا استبان نصحه للدين ... فإنه يقبل عن يقين ــ الشرح قوله: (إذا استبان نصحه) ولا يكفي مجرد التوبة؛ لأن الله تعالى قال في المنافقين: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء: الآية ١٤٦) ، فجعل إضافات على التوبة، وليس مجرد أن يقول المنافق إنه مسلم نقبل منه؛ لأنه كان يقول إنه مسلم من قبل، لكن لابد أن يكون هناك إصلاح، وإخلاص لله، واعتصام به، بمعنى أن تكون هناك قرائن تبين أنه صادق.

стр. 385

فصل في الكلام على الإيمان ٩٥- إيماننا قول وقصد وعمل ... تزيده التقوى وينقص بالزلل ــ الشرح قال المؤلف رحمه الله تعالى في الكلام على الإيمان: (إيماننا قول وقصد وعمل) والكلام على الإيمان في أمور: أولاً: هل الإيمان هو الإسلام أو هما شيئان متباينان؟ وهذه مسألة مهمة، والجواب على ذلك أن نقول: إذا ذكر الإيمان والإسلام في سياق واحد فالإيمان غير الإسلام، وإن أفرد أحدهما عن الآخر صار بمعنى واحد، فهما من باب إذا اجتمعا افترقا، وإذا افتقرا اجتمعا، إذاً لا نقول: الإيمان غير الإسلام، ولا نقول: الإيمان هو الإسلام؛ لأننا إذا أطلقنا أخطأنا، فلابد من التفصيل على النحو التالي: فإن ذكرا في سياق واحد فالإيمان غير الإسلام، والدليل: حديث عمر بن الخطاب ﵁ في قصة جبريل، حين أتى النبي ﷺ ، فقال: أخبرني عن الإيمان، فأخبره بما يخالف ما أخبره به عن الإسلام؛ لأنهما ذُكرا في سياق واحد، فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الإسلام الأعمال الظاهرة، وجعل الإيمان الأعمال الباطنة، فقال: ((الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)) وقال في الإيمان: ((أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله،

стр. 386

واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)) (١) . وإن ذُكر أحدهما منفرداً عن الآخر دخل هذا في هذا، مثاله: قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِيناً) (المائدة: الآية٣) ، فالإسلام هنا يشمل الإسلام والإيمان. فإذا قال قائل: من قال إن الإيمان دين؟ فنقول: قاله النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ حين قال: ((أتدرون من السائل؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) (٢) ، ومما علمهم الإيمان، إذاً ((رضيت لكم الإسلام دينا)) يشمل الإيمان والإسلام؛ لأنه أُفرد أحدهما عن الآخر، وقال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام) (آل عمران: الآية١٩) ، وهنا يدخل الإيمان؛ لأن الإيمان من الدين ولا شك. فإن قال قائل: قال الله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: الآية١٤)) فما الجواب عن هذه الآية؟ فالجواب: إنهما هنا ذُكرا في سياق واحد ففرق الله بينهما، وقد اختلف المفسرون ﵏ في هؤلاء الأعراب؛ هل هم مؤمنون ضعيفو الإيمان، أو هم منافقون؟ فمن المفسرين من قال: إنهم منافقون، وقالوا: إن قوله: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (الحجرات: الآية١٤)) يعني الإسلام الظاهر، فإن المنافقين مسلمون ظاهراً. ومنهم من قال: بل هم مسلمون حقيقة لكن إيمانهم ليس تاماً، لم يتعمق

стр. 387

في قلوبهم، بدليل قوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ لإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: الآية١٤)) و ((لما)) هذه تدل على قرب الشيء، كما قال تعالى: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) (صّ: الآية٨)) وكون الإيمان قريباً من دخول قلوبهم يدل على انتفاء النفاق عنهم؛ لأن المنافقين نفى الله عنهم الإيمان نهائياً، فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٨) وهؤلاء لم ينف الله الإيمان عنهم، بل قال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُم) (الحجرات: الآية١٤)) . وهذا القول الثاني أقرب من الأول وإن كان الأول محتملاً، إذاً هنا فرق بين الإسلام والإيمان. وقال الله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الذاريات: ٣٥) (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات: ٣٦) هذه الآية استدل بها بعض العلماء ممن يقولوا: إن الإسلام هو الإيمان مطلقاً لأن الله قال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الذاريات: ٣٥) (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين) والحقيقة أن هذه الآية دليل عليهم وليست دليلاً لهم؛ لأن الله قال: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين) ، والبيت هو بيت لوط، ومن بينهم امرأته، وامرأته ليست مؤمنة ولكنها مسلمة، ولهذا قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) (التحريم: الآية١٠)) ، أي أظهرتا الإسلام وهما كافرتان، فامرأة لوط كانت كافرة هلكت مع قومها، فالآية فيها أن البيت مسلم، لكن ليس فيها أن من في البيت مسلمون. وعلى ذلك فليس في الآية دليل على ما ذهبوا إليه، بل نقول: إن الآية تدل على أن الإيمان غير الإسلام؛ لأن الله اخرج من كان فيها من المؤمنين وبين أنه لم يسلم أحد في هذه القرية بأكملها - ورسولهم بينهم يدعوهم.

стр. 388

وفي هذا فائدة عظيمة للدعاة في كل مكان؛ فإن الواحد منا إذا دعا ولم يستجب الناس له ويسمعوا ويطيعوا أمره، قال: إن هؤلاء الناس ليس فيهم خير، ولن أدعوهم مرة ثانية، فهذا رسول بقي يدعو قومه، ولم يُسلم من القرية أحد بل لم يوجد بيت مسلم إلا بيته، وكذلك نوح ﵊ بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل، وهو رسول يأتي بالآيات، أما نحن فإذا دعا الواحد منا ثم دعا - ولم يجد استجابة كبيرة - استحسر، وغضب، وتوقف، وهذا خطأ، والصواب أن ندعو إلى سبيل ربنا ونحن مأجورون على كل حال. ثانياً: هل الإيمان تصديق القلب وإقرار القلب واعترافه فقط أو هو شامل للتصديق ومستلزماته؟ والجواب: أن الإيمان في الأصل هو التصديق بالقلب، فأنت عندما تقول: آمنت بالله، لا تحس إلا أنك أقررت به في قلبك، فالإيمان في القلب وهذا هو الأصل، لكن الإيمان شرعاً أوسع من الإيمان لغةً، وهذا من الغرائب، لأن القاعدة المطردة أن المصطلح الشرعي أضيق من المصطلح اللغوي. فمثلاً الزكاة في اللغة: النماء، وفي الاصطلاح: مال خاص، والطهارة في اللغة: النظافة، وفي الشرع: نظافة خاصة، والصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: دعاء خاص، والحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد خاص، لكن الإيمان في اللغة: التصديق، ولا يشمل الأعمال الظاهرة، وفي الشرع: يشمل التصديق والأعمال الظاهرة، إذاً فالمصطلح الشرعي في باب الإيمان أوسع منه لغة ً، على خلاف المعهود.

стр. 389

وعلى كل حال فالإيمان في الشرع يشمل التصديق والإقرار الحاصل بالقلب، ويشمل أيضاً ما يلزم منه من الأعمال الصالحة، والدليل على هذا قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة - أو وستون شعبة - فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (١) ، فقول ((لا إله إلا الله)) قول باللسان، وقال: ((إماطة الأذى عن الطريق)) وهذا عمل بالجوارح، ((والحياء شعبة من الإيمان)) ، وهذا عمل قلبي. وقال النبي ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)) (٢) ، وهذا اعتقاد قلبي. وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة: الآية١٤٣)) ، قال المفسرون: أي صلاتكم إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وعلى ذلك فإن الإيمان في الشرع يشمل اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح. ولهذا قال المؤلف ﵀: ((إيماننا قول وقصد وعمل) ثلاثة أشياء؛ قول مثل: لا إله إلا الله، وقصد وهو: الاعتقاد، مثل: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك، وعمل؛ وأدناه إماطة الأذى عن الطريق. فالإيمان إذاً يشمل الثلاثة. وكون الاعتقاد إيماناً واضح، أما كون العمل إيمانا فذلك لأنه لم يحملني عليه إلا الإيمان والاعتقاد الذي في القلب، ولولا أني اعتقد الثواب في إماطة الأذى عن الطريق ما أمطته، ولكان عملي عبثاً، ولولا أني اعتقد أني أثاب على قولي: لا إله إلا الله، ما قلتها؛ لأنه يكون عبثاً، فلما كان هذا العمل

стр. 390

نتيجة للاعتقاد التام في القلب صار إيماناً وهذا واضح. وقد خالف أهل السنة والجماعة في ذلك طائفتان متطرفتان: الطائفة الأولى: وهم المرجئة الذين جعلوا الإيمان مقتصراً على القصد فقط، وقالوا: إن الإيمان هو اعتقاد القلب فقط، ومتى اعترف الإنسان بقلبه بالله فهو مؤمن سواءٌ عمل أم لم يعمل، ومن كان عنده اعتقاد تام فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن زنا وسرق وشرب الخمر ولم يزكِ ولم يحج ولم يصم، فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان محمد وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام، ولا يدخل النار مهما عمل من المعاصي، وهؤلاء هم المرجئة، وقد عناهم ابن القيم ﵀ في قوله في النونية: والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان (١) والمشط أسنانه سواء، أي أنهم يقولون: الناس في الإيمان شيء واحد، أفسق الناس وأطوع الناس كلهم واحد في الإيمان، وهذا شيءٌ غريب - نسأل الله العافية - وعلى رأيهم فالعاصي الذي يشرب الخمر ويسرق ويزني ويكذب ويخون - لكنه مؤمن بالله وينتسب للإسلام - عندهم أنه مؤمن كامل الإيمان، والله تعالى يقول: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: الآية٩)) لا يستويان، لكنهم يقولون: إنهم يستوون، ففاعل الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار، ولا يستحق العقاب، وهذا الفكر مناسب لحال الفسقة من أهل العصر؛ إذا نهي عن الفسق يقول: أنا مؤمن كامل الإيمان - على رأي المرجئة.
следующие страницы →