← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)) (١) . وإن ذُكر أحدهما منفرداً عن الآخر دخل هذا في هذا، مثاله: قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِيناً) (المائدة: الآية٣) ، فالإسلام هنا يشمل الإسلام والإيمان. فإذا قال قائل: من قال إن الإيمان دين؟ فنقول: قاله النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ حين قال: ((أتدرون من السائل؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) (٢) ، ومما علمهم الإيمان، إذاً ((رضيت لكم الإسلام دينا)) يشمل الإيمان والإسلام؛ لأنه أُفرد أحدهما عن الآخر، وقال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام) (آل عمران: الآية١٩) ، وهنا يدخل الإيمان؛ لأن الإيمان من الدين ولا شك. فإن قال قائل: قال الله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: الآية١٤)) فما الجواب عن هذه الآية؟ فالجواب: إنهما هنا ذُكرا في سياق واحد ففرق الله بينهما، وقد اختلف المفسرون ﵏ في هؤلاء الأعراب؛ هل هم مؤمنون ضعيفو الإيمان، أو هم منافقون؟ فمن المفسرين من قال: إنهم منافقون، وقالوا: إن قوله: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (الحجرات: الآية١٤)) يعني الإسلام الظاهر، فإن المنافقين مسلمون ظاهراً. ومنهم من قال: بل هم مسلمون حقيقة لكن إيمانهم ليس تاماً، لم يتعمق

стр. 387

في قلوبهم، بدليل قوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ لإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: الآية١٤)) و ((لما)) هذه تدل على قرب الشيء، كما قال تعالى: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) (صّ: الآية٨)) وكون الإيمان قريباً من دخول قلوبهم يدل على انتفاء النفاق عنهم؛ لأن المنافقين نفى الله عنهم الإيمان نهائياً، فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٨) وهؤلاء لم ينف الله الإيمان عنهم، بل قال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُم) (الحجرات: الآية١٤)) . وهذا القول الثاني أقرب من الأول وإن كان الأول محتملاً، إذاً هنا فرق بين الإسلام والإيمان. وقال الله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الذاريات: ٣٥) (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات: ٣٦) هذه الآية استدل بها بعض العلماء ممن يقولوا: إن الإسلام هو الإيمان مطلقاً لأن الله قال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الذاريات: ٣٥) (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين) والحقيقة أن هذه الآية دليل عليهم وليست دليلاً لهم؛ لأن الله قال: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين) ، والبيت هو بيت لوط، ومن بينهم امرأته، وامرأته ليست مؤمنة ولكنها مسلمة، ولهذا قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) (التحريم: الآية١٠)) ، أي أظهرتا الإسلام وهما كافرتان، فامرأة لوط كانت كافرة هلكت مع قومها، فالآية فيها أن البيت مسلم، لكن ليس فيها أن من في البيت مسلمون. وعلى ذلك فليس في الآية دليل على ما ذهبوا إليه، بل نقول: إن الآية تدل على أن الإيمان غير الإسلام؛ لأن الله اخرج من كان فيها من المؤمنين وبين أنه لم يسلم أحد في هذه القرية بأكملها - ورسولهم بينهم يدعوهم.

стр. 388

وفي هذا فائدة عظيمة للدعاة في كل مكان؛ فإن الواحد منا إذا دعا ولم يستجب الناس له ويسمعوا ويطيعوا أمره، قال: إن هؤلاء الناس ليس فيهم خير، ولن أدعوهم مرة ثانية، فهذا رسول بقي يدعو قومه، ولم يُسلم من القرية أحد بل لم يوجد بيت مسلم إلا بيته، وكذلك نوح ﵊ بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل، وهو رسول يأتي بالآيات، أما نحن فإذا دعا الواحد منا ثم دعا - ولم يجد استجابة كبيرة - استحسر، وغضب، وتوقف، وهذا خطأ، والصواب أن ندعو إلى سبيل ربنا ونحن مأجورون على كل حال. ثانياً: هل الإيمان تصديق القلب وإقرار القلب واعترافه فقط أو هو شامل للتصديق ومستلزماته؟ والجواب: أن الإيمان في الأصل هو التصديق بالقلب، فأنت عندما تقول: آمنت بالله، لا تحس إلا أنك أقررت به في قلبك، فالإيمان في القلب وهذا هو الأصل، لكن الإيمان شرعاً أوسع من الإيمان لغةً، وهذا من الغرائب، لأن القاعدة المطردة أن المصطلح الشرعي أضيق من المصطلح اللغوي. فمثلاً الزكاة في اللغة: النماء، وفي الاصطلاح: مال خاص، والطهارة في اللغة: النظافة، وفي الشرع: نظافة خاصة، والصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: دعاء خاص، والحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد خاص، لكن الإيمان في اللغة: التصديق، ولا يشمل الأعمال الظاهرة، وفي الشرع: يشمل التصديق والأعمال الظاهرة، إذاً فالمصطلح الشرعي في باب الإيمان أوسع منه لغة ً، على خلاف المعهود.

стр. 389

وعلى كل حال فالإيمان في الشرع يشمل التصديق والإقرار الحاصل بالقلب، ويشمل أيضاً ما يلزم منه من الأعمال الصالحة، والدليل على هذا قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة - أو وستون شعبة - فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (١) ، فقول ((لا إله إلا الله)) قول باللسان، وقال: ((إماطة الأذى عن الطريق)) وهذا عمل بالجوارح، ((والحياء شعبة من الإيمان)) ، وهذا عمل قلبي. وقال النبي ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)) (٢) ، وهذا اعتقاد قلبي. وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة: الآية١٤٣)) ، قال المفسرون: أي صلاتكم إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وعلى ذلك فإن الإيمان في الشرع يشمل اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح. ولهذا قال المؤلف ﵀: ((إيماننا قول وقصد وعمل) ثلاثة أشياء؛ قول مثل: لا إله إلا الله، وقصد وهو: الاعتقاد، مثل: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك، وعمل؛ وأدناه إماطة الأذى عن الطريق. فالإيمان إذاً يشمل الثلاثة. وكون الاعتقاد إيماناً واضح، أما كون العمل إيمانا فذلك لأنه لم يحملني عليه إلا الإيمان والاعتقاد الذي في القلب، ولولا أني اعتقد الثواب في إماطة الأذى عن الطريق ما أمطته، ولكان عملي عبثاً، ولولا أني اعتقد أني أثاب على قولي: لا إله إلا الله، ما قلتها؛ لأنه يكون عبثاً، فلما كان هذا العمل

стр. 390

نتيجة للاعتقاد التام في القلب صار إيماناً وهذا واضح. وقد خالف أهل السنة والجماعة في ذلك طائفتان متطرفتان: الطائفة الأولى: وهم المرجئة الذين جعلوا الإيمان مقتصراً على القصد فقط، وقالوا: إن الإيمان هو اعتقاد القلب فقط، ومتى اعترف الإنسان بقلبه بالله فهو مؤمن سواءٌ عمل أم لم يعمل، ومن كان عنده اعتقاد تام فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن زنا وسرق وشرب الخمر ولم يزكِ ولم يحج ولم يصم، فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان محمد وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام، ولا يدخل النار مهما عمل من المعاصي، وهؤلاء هم المرجئة، وقد عناهم ابن القيم ﵀ في قوله في النونية: والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان (١) والمشط أسنانه سواء، أي أنهم يقولون: الناس في الإيمان شيء واحد، أفسق الناس وأطوع الناس كلهم واحد في الإيمان، وهذا شيءٌ غريب - نسأل الله العافية - وعلى رأيهم فالعاصي الذي يشرب الخمر ويسرق ويزني ويكذب ويخون - لكنه مؤمن بالله وينتسب للإسلام - عندهم أنه مؤمن كامل الإيمان، والله تعالى يقول: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: الآية٩)) لا يستويان، لكنهم يقولون: إنهم يستوون، ففاعل الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار، ولا يستحق العقاب، وهذا الفكر مناسب لحال الفسقة من أهل العصر؛ إذا نهي عن الفسق يقول: أنا مؤمن كامل الإيمان - على رأي المرجئة.

стр. 391

وأقول: إن هناك ثلاث جيمات يجب التنبيه والتحذير منها وهي: جهمية وجبرية ومرجئة، فكلها وصف لموصوفٍ واحد؛ فالجهمية هم بإعتبار صفات الله معطلة؛ ينكرون الصفات، وهم أيضاً جبرية باعتبار أفعال العبد، يقولون: إن الإنسان مجبرٌ على عمله، لا يستطيع أن يتخلص منه، فلو وجدنا شخصين ينزلان من السطح: أحدهما ينزل بتؤده درجة درجة، والثاني دفعناه من أعلى الدرجة وعجز أن يمسك نفسه، فعندهم الكل سواء وكلهم مجبرون، ومرجئة يقولون: الإيمان هو اعتراف الإنسان بقلبه. ونحن نلزمهم بأن نقول لهم: إن إبليس عندكم مؤمن كامل الإيمان؛ لأن إبليس مؤمن بالله، ويسأل الله ويدعو الله، فيقول: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (صّ: ٧٩) ، فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان، وموحد لأنه مؤمن بالربوبية. وهؤلاء لاشك أن قولهم مجانب للصواب، وإذا قيل لهم: يوجد آيات وأحاديث فيها وعيد مثل قول الله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا) (النساء: الآية٩٣)) قالوا: هذا للكافر، أي من يقتل مؤمناً وهو كافر، وهذا لا شك أنه تحريف؛ لأن الله علق هذه العقوبة على وصف وهو القتل، وهؤلاء تركوا هذا الوصف جانباً، وأتوا بوصف جديد وهو الكفر والآية ليس فيها الكفر، فهم ألغوا الوصف الذي رتبت عليه العقوبة وأتوا بوصف جديد. ونظير هذا قول بعضهم في قول النبي ﷺ : ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (١) ، قالوا من جحدها، فألغوا الوصف الموجود،

стр. 392

واعتبروا الوصف المفقود، وذكر الجحد غير موجود في الحديث، ثم نقول لهم: إذا جُحد وجوب الصلاة ولو كان يصلي الصلوات الخمس كل يوم فهو كافر، فهم ألغوا الوصف الموجود الذي رتب الشارع عليه الحكم، وأتوا بوصف مفقود جديد من عندهم. ومثل هذه الأشياء إذا تأملها الإنسان عرف أن التعصب للقول سبب للضلال، وأن الإنسان ينبغي أن يستدل ثم يعتقد، لا أن يعتقد ثم يستدل؛ لأنه إذا اعتقد ثم استدل يلوي أعناق النصوص لتوافق ما اعتقد، لكن إذا استدل أولاً ثم اعتقد بنى عقيدته على الدليل، ووافق الدليل. وأسأل الله أن يعفو لإخواننا العلماء السابقين واللاحقين الذين يعتقدون أشياء، ثم يحاولون لَيّ أعناق النصوص إلى ما يعتقدون، وهذا لا شك أنه خطأ، فنحن نؤمن بأن الأحكام مَردها إلى الله، فإذا حكم الله أو رسوله بحكم لا نستحي أن نطبقه ولا نخجل ولا نتهيب، فالحكم ليس إلينا بل نحن منفذون ولا نهيب، فإذا حكم الله على هذا بالكفر فلنقل: كافر ولا نبالي، وإذا حكم الله على هذا بالإيمان فلنقل: مؤمن ولا نبالي، أما التحكم، واعتقاد كفر المؤمن أو إيمان الكافر فهذا ليس إلينا. وأحب أن يتنبه طالب العلم لمسألة مهمة، وهي أن يجعل الدليل متبوعاً لا تابعاً، وأن يحذر من أن يلوي أعناق النصوص إلى رأيه، فإن هذا خطر عظيم، ولهذا جاء في الحديث: ((من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)) (١) .

стр. 393

والطائفة الثانية: قالوا: إن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد، وإن هذه الأشياء جزءٌ لا يتجزأ من الإيمان، فمن اعتقد ولم يقل أو لم يعمل فإنه كافر، بمعنى أنهم جعلوا القول والعمل جزءاً من الإيمان وشرطاً في وجوده، حتى قالوا: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان، ولو صلى وصام وزكى وحج، ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم: يكفر، وقال بعضهم: يكون في منزلة بين منزلتين. وتفرع عن هؤلاء طوائفٌ كثيرة، لكن هذه هي الأصل، فمنهم من يقول الإيمان هو القول فقط، فإذا قال الإنسان بلسانه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فهو مؤمن، لكنه مخلد في النار؛ لأن من قال بلسانه ولم يعتقد بقلبه فهو منافق، وهؤلاء يسمونه مؤمناً، ولكنهم يقولون: إنه مخلد في النار، وهذا لا شك أنه مناف لقول أهل السنة والجماعة وللقران أيضاً، لقول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٨) ، وأيضاً فإن الله سمى هؤلاء الذين يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم منافقين، فكيف نسميهم مؤمنين؟! إذاً أهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان قول وعمل واعتقاد، ويستدلون لذلك بأدلة كما ذكرنا فيما سبق، وخالفهم - مخالفة أصلية - طائفتان: الطائفة الأولى: قالوا: إن الإيمان هو اعتقاد القلب فقط، والأعمال لا تدخل في الإيمان، وهؤلاء هم المرجئة، وعلى رأسهم الجهمية الذين يقولون: إن الناس في الإيمان سواء، وإن الإيمان هو اعتقاد القلب، وأما

стр. 394

الأعمال فإنها لا تدخل في الإيمان لا حقيقة ولا مجازا. الطائفة الثانية: قالوا: إن الأقوال والأعمال من الإيمان، لكنها شرطٌ في وجوده، بمعنى أنه إذا فقد منها شيء فقد الإيمان كله. فقالوا: من لم يزك فهو كافر، ومن لم يصل فهو كافر، ومن لم يصم فهو كافر، ومن لم يحج فهو كافر، ومن عق والديه فهو كافر، وبعضهم قال: لا نسميه كافراً، ولا نسميه مؤمناً، ولكن نقول: هو في منزلة بين منزلتين. وهذا الأخير هو مذهب من يرون أنفسهم أذكياء العالم، وهم المعتزلة، والذي قبله هو مذهب الخوارج ولذلك كان موقف الخوارج أشجع من المعتزلة؛ لأن الخوارج قالوا: كافر ولم يبالوا، والمعتزلة قالوا: لا نقول كافر ولا مسلم، بل هو في منزلة بين منزلتين؛ فأحدثوا مرتبةً لم ينزل الله بها سلطاناً؛ وهي المنزلة بين منزلتين. فإن قال قائل: - على مذهب أهل السنة - هل الأعمال شرط في وجود الإيمان؟ فالجواب: أن منها ما هو شرط ومنها ما ليس بشرط، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله شرط في وجود الإيمان، ومن لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر. وإن آمن بالله، ولم يصل - والصلاة عمل - فهو كافر، وإن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإن آمن بالله، لكن لم يزك - والزكاة من الأعمال - فليس بكافر. وخلاصة ذلك أنه إن فقد الاعتقاد في القلب كفر الإنسان، وإن وجد

стр. 395

لكن تخلفت الأقوال أو الأعمال ففيه تفصيل. فإن دلت النصوص على أنه يكفر كفر، وإلا فلا، فمن آمن بالله تعالى، ولم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقد ترك قولاً، ولكنه يكفر بذلك، ومن قال: آمنت بالله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن لم يصل فقد كفر - على القول الراجح - ومن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وآمن بالله وصلى ولكنه لم يزك فليس بكافر، وعند الخوارج كافر، وعند المعتزلة في منزلة بين منزلتين - إلا إن كانوا يرون كفر مانع الزكاة. ثم قال: (تزيده التقوى وينقص بالزلل) وهنا يجب تسكين (ينقص) من أجل وزن البيت، وإن كان لا يوجد ما يوجب جزمها لكنها تسكن، وعلى هذا نقول (ينقص) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها إقامة الوزن للبيت. وقوله: (تزيده التقوى) أي تقوى الله تزيد في الإيمان. وهنا مبحث: هل الإيمان يزيد وينقص؟ والجواب على ذلك: أن مذهب السلف: أن الإيمان يزيد وينقص، وقال بعض علماء السلف: الإيمان يزيد ولا ينقص، وقالت المرجئة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقالت الخوارج والمعتزلة: لا يزيد ولا ينقص؛ لأنهم يرون أن الإيمان إما أن يوجد كله وإما أن يعدم كله. وإذا أردنا تحليل ذلك فإننا نبدأ أولاً بالعقيدة، والعقيدة تزيد وتنقص بلا شك، والدليل على ذلك عقلي وشرعي.

стр. 396

أما الدليل العقلي: فلأن الاعتقاد مبني على العلم، والعلم مبني على طرق العلم، وطرق العلم تختلف، فلزم من ذلك أن يزيد الاعتقاد وينقص باعتبار طرقه، وهذا دليل عقلي على أن الاعتقاد يزيد وينقص. ونضرب مثلاً محسوساً لهذا: فأنت إذا أخبرك رجل ثقة بخبر اعتقدت مخبره، فإذا جاءك ثان وأخبرك بنفس الخبر زاد اعتقادك، فإذا أخبرك ثالث فرابع زاد أكثر، فإذا شاهدت ذلك بنفسك، فإن اعتقادك يزيد أكثر وأكثر، ولهذا قال المحدثون: ((إن المتواتر يفيد العلم اليقيني، أو الضروري)) على خلاف في هذا. أما الدليل الشرعي: على أن الاعتقاد يزيد وينقص، فمنه قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: الآية٢٦٠)) ، وعلى هذا فالاعتقاد يزيد وينقص بدليلين؛ أحدهما أثري، والثاني نظري، وإن شئت فقل: أحدهما سمعي والثاني عقلي. فالاعتقاد يزيد وينقص، وأنت بنفسك تحس بذلك، فأحياناً يكون عندك حضور ذهن وصفاء نفس، فتتعبد لله وكأنك تشاهد الجنة والنار، وأحياناً تستولي عليك الغفلة، فلا يحصل عندك هذا الاعتقاد، ولهذا لما سأل الصحابة ﵃ النبي ﵊: ((يا رسول الله إذا كنا عندك وذكرت الجنة والنار فكأنما نشاهدها رأي عين، فإذا ذهبنا إلى أهلينا وعافسنا الأولاد والنساء)) - يعني غفلنا، قال النبي عليه الصلاة

стр. 397

والسلام: ((يا حنظلة ساعة وساعة)) (١) ، وهذا أمر مشاهد. والقول - وهو من الإيمان - أيضاً يزيد وينقص؛ فالذي يذكر الله عشر مرات ليس كمن يذكره خمس مرات، فالذي يذكره سبحانه عشراً ذكره أكثر، إذاً القول يزيد وينقص، وإذا زاد القول زاد الإيمان. وزيادة القول تكون تارة بالكمية، وتارة بالكيفية، وتارة بهما جميعا، فالإنسان إذا قال: لا إله إلا الله، موقناً بها قلبه تماماً، ملتزماً لمقتضياتها، فهو أزيد ممن قالها مع الغفلة، والإنسان الذي يقول - عشر مرات لا إله إلا الله أزيد من الذي يقول خمس مرات، فزيادة القول تكون بالكمية والكيفية. وعلى هذا فإذا زاد القول - وقلنا إنه من الإيمان - لزم زيادة الإيمان، وإذا نقص القول نقص الإيمان، ولذلك قال النبي ﷺ للنساء: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) قالوا: يا رسول الله ما نقصان دينها؟ قال: ((أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم)) (٢) . والصيام والصلاة عمل، فجعل النبي ﷺ نقصه من الحائض نقصاً في الدين، إذاً هنا نقص الإيمان بنقص العمل. وكذلك العمل يزيد وينقص، والزيادة في العمل تكون كميةً وكيفيةً ونوعا.

стр. 398

ففي النوع: فإن الواجب أفضل من التطوع، لقول الله تعالى في الحديث القدسي: ((وما تقرب إلىّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه)) (١) . فالصلاة في جنسها أفضل من الصدقة، وكذلك الأضحية - في وقتها - أفضل من الصدقة، وهذا في النوع. وفي الكمية: فإن من صلى عشر ركعات إيمانه أزيد ممن صلى ركعتين. وفي الكيفية: فإن من صلى صلاة يطمئن فيها بخشوع وتأن وتدبر لما يقول، ليس كمن صلى صلاة على غير هذا الوجه. قال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (التوبة: ١٢٤) وزيادة الإيمان في الآية تشمل زيادة القول والعمل والاعتقاد، فيزدادون إيماناً، ويزدادون عملاً إذا كانت الآية فيها أمر بأعمال، أو قولاً إذا كان فيها أمر بأقوال. وإذا تقرر عندنا أن الإيمان يزيد في الاعتقاد والقول والعمل، فلابد أن نعرف أن هناك أسباباً لزيادة الإيمان. يقول المؤلف ﵀: (يزيد بالتقوى) ، فتقوى الله أحد أسباب زيادة الإيمان، فهذا هو السبب الأول. والتقوى هي: اتخاذ وقاية من عذابه بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فكلما زاد الإنسان من فعل الطاعة زاد إيمانه، وكلما تجنب النواهي مخلصاً لله زاد إيمانه، إذاً فعل الطاعة تقرباً إلى الله يزيد في الإيمان، وترك المعصية تقرباً إلى الله يزيد في الإيمان.

стр. 399

السبب الثاني: النظر في آيات الله الكونية أو الشرعية، قال الله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس: ١٠١) ، وهذه آيات كونية. والقرآن الكريم قال الله تعالى فيه (فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: الآية٢) وهذه آيات شرعية. فالنظر في آيات الله الكونية مثل أن يجلس الإنسان ساعة يتفكر في خلق السموات، ويتفكر في خلق الأرض، فهذه المخلوقات العظيمة الواسعة منتظمة منذ الأزل، ليس فيها ما يتناقض أو يتدافع، ليس فيها من خراب: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) (الملك: الآية٣) فيتأمل فيوقن أنها ممن خلق الله ، ثم يتأمل - إن شاء - في نفسه، وسيرى من آيات الله فيها العجب العجاب، فهذا الجسم فيه معامل كيماوية عظيمة، مع أننا لا نحس بشيء، ولو أن بيضة مرت على ذارع أحدنا لاحس بتدحرجها، ولكنها تمر في الأمعاء ولكن لا نحس بها، فما الظن لو كنا نحس بمرورها بأمعائنا كما نحس بمرورها على الجلد؟ ولو كان ذلك لما استطعنا أن ننام وهي تتقلب في أحشائنا، لكن الله بحكمته جعل الداخل لا يحس به من أجل ألا يتألم الإنسان عند مرور الطعام والشراب وغيره. وتأمل أيضاً الإحساس في الجلود؛ فإنه ليس على حد سواء، بل هناك مناطق حساسة جداً. تحس بأي شيء يمر عليها وتتأثر به، وهناك مناطق لا تحس هذا الإحساس، فباطن القدم لا يحس كباطن اليد؛ لأن باطن القدم لو كان حساساً كباطن اليد لما استطعنا أن نمشي عليه، لكن من حكمة الله عز

стр. 400

وجل أن جعله هكذا غير حساس . ولو تأملت راحة اليد لوجدت أن من عظيم حكمة الله أنها ليس فيها شعر، ولو كان فيها شعر لتلوث باطن اليد بالطعام وتلوثت الأشياء، ولقل الإحساس بها، ولفقدت الإتقان في فعل الأشياء، ويدل لهذا أنك لو لبست قفازين لفقدت الإتقان في العمل بيدك. وعلى كل حال فنحن معرفتنا بهذه الأشياء سطحية، لكن لو أنك أتيت واحداً من الأطباء، وشرح لك ما في الإنسان من آيات لبهرك، ولهذا قال الله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات: ٢١) ولهذا نقول إن التفكر في آيات الله الكونية يزيد في الإيمان، وهذا ظاهر محسوس. وكذلك التفكر في الآيات الشرعية يزيد في الإيمان بلا شك، لكن يحتاج إلى أن يكون الإنسان بصيراً في أحكام الشرع، حتى يعرف الحكمة في الأشياء التي شرعها الله، وهذا يخفى على بعض الناس ولا سيما من أعرض عن ذكر الله، فإنه لا يفتح له باب المعرفة، يقول المعري: يد بخمس مئين عسجداً وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار كأن الناس هم المشرعون حتى ينتقدهم هذا الانتقاد، خمس مئين عسجد، والعسجد هو الذهب، يعني خمسمائة دينار دية اليد، فإذا سرق ربع دينار قطعت، فكانت اليد بقيمة ربع دينار؛ لأنه إذا قطعها الإنسان يلزم

стр. 401

بخمسمائة دينار، وإذا سرقت ربع دينار قطعت؟! وهذا لا يعرف الحكمة فه إلا من فتح الله عليه وأقبل بصدق على تأمل شريعة الله لا انتقادها، وإني لأجزم بأن الإنسان الذي يريد أن ينظر إلى الشريعة بانتقاد لن يفتح الله له باب المعرفة، أما الذي ينظر إليها باسترشاد ويطلب الرشد فهذا يفتح الله عليه، ويبين له من الأسرار ما يخفى على كثير من الناس. ولقد أجاب الشاعر الآخر المعري فقال: قل للمعري عار أيما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار يد بخمس مئين عسجدا وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار صيانة النفس أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري يعني أنها تؤدى بخمسمائة دينار صيانة للنفوس، وتقطع بربع دينار حماية للأموال، وهذه حكمة عظيمة؛ لأن من علم أنه سيضمن خمسمائة دينار إذا قطع اليد أو تقطع يده سوف يحجم، ومن علم أنها ستقطع بربع دينار سوف يحجم عن السرقة وهذه هي الحكمة. ولهذا فإنه يجب علينا أن نتأمل الآيات الشرعية تأمل استرشاد لا تأمل انتقاد، حتى يفتح الله لنا من الخير ومعرفة حكمة الله ما يخفى على كثير من الناس. وإذا أردت أن تعرف هذا فانظر أحياناً وأنت تقرأ الكتاب، فإنك إذا كنت تقرأه قراءة منتقد على مؤلف فإنك لا تستفيد منه كثيراً، لكن إذا كنت تراجع الكتاب وتسترشد من مؤلف فإنك تنتفع كثيرا. قال المؤلف: (وينقص بالزلل) يعني أن الإيمان ينقص بالزلل، والدليل

стр. 402

على ذلك قول النبي ﷺ في النساء: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين)) (١) ، قال: ناقصات عقل ودين، وهذا دليل على أن الإيمان ينقص. والدليل الثاني: وهو دليل عقلي أنه إذا ثبتت الزيادة ثبت النقص؛ لأنه لا تعقل زيادة إلا بوجود مزيد ومزيد عليه، فإذا ثبتت الزيادة بالنص، فقد ثبت النقص أيضاً؛ لأنه لا يتصور زيادة إلا بمقابلة نقص، فمثلاً إذا كان هناك رجل زاد إيمانه، فمعنى ذلك أنه قبل ذلك كان ناقصاً، وهذا من باب التلازم فإنه لا يمكن زيادة إلا بوجود نقص. ثم اعلم أن نقص الإيمان على قسمين: الأول: نقص لا حيلة للإنسان فيه كنقص دين المرأة بترك الصلاة في أيام الحيض، فإن هذا لا اختيار لها فيه، بل لو أرادت أن تصلي حتى لا ينقص إيمانها لقيل لها: إن هذا حرام عليك، ولو صليت لزاد إيمانك نقصاً. إذاً هذا نقص لا حيلة للإنسان فيه ولا يلام عليه؛ لأن هذا لا اختيار له فيه إطلاقاً. ومثل أن يموت الإنسان صغيراً، فإن إيمانه ينقص عمن عُمِرْ؛ لأن من عُمِرْ زاد إيمانه وزادت أعماله، فهذا النقص لا حيلة له فيه لا يلام عليه إطلاقاً. الثاني: نقص باختيار الإنسان، وهذا ينقسم إلى قسمين: إن كان سببه المعصية أو ترك الواجب فإنه يلام عليه، ويأثم به، وإن كان نقصه بترك تطوع غير واجب فإنه لا يلام عليه لوماً يأثم به، وإن كان على الإنسان أن يجتهد في العمل الصالح، ولهذا قيل لابن عمر ﵄

стр. 403

في المنام: نعم الرجل لو كان يقوم من الليل (١) ، وقال النبي ﵊ لعبد الله بن عمرو بن العاص: ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) (٢) ، وهذا لا شك أنه نوع لوم لكنه لوم لا إثم به، بخلاف من ترك الواجب أو فعل المحرم فإنه يلام لوماً يأثم به. إذاً نقص الإيمان على قسمين: الأول: لا يكون للإنسان اختيار فيه، فهذا لا لوم عليه فيه، مثل ترك المرأة الصلاة أثناء الحيض، ومثل من نقص عمله وإيمانه لموته صغيراً. الثاني: ما كان للإنسان فيه اختيار، فهذا إن كان واجباً فهو ملام آثم، وإن كان غر واجب فقد يلام، ولكنه لوم لا إثم فيه. وقول المؤلف: (ينقص بالزلل) (الباء) هنا للسببية، والزلل: مصدر زل، يزل، زللا، وهو مثل الزلق يعني الخروج عن الاعتدال، هذا هو الزلل، فإذا خرج الإنسان عن واجبه نقص إيمانه.

стр. 404

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٩٦- ونحن في إيماننا نستثني ... من غير شك فاستمع واستبن ٩٧- نتابع الأخيار من أهل الأثر ... ونقتفي الآثار لا أهل الأشر ــ الشرح قال رحمه الله تعالى: (ونحن في إيماننا نستثني) (نحن) : ضمير يعود على أهل الأثر؛ لأن هذه العقيدة أو هذه المنظومة مبنية على مذهب أهل الأثر، يعني نحن أهل الأثر نستثني في إيماننا، والاستثناء في الإيمان أن يعلق بالمشيئة، أي مشيئة الله، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فنحن نستثني في الإيمان ونرى أنه جائز، لكن على تفصيل في ذلك كما سنذكره إن شاء الله. وذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء في الإيمان حرام؛ لأنه ينبئ عن شك، فإذا قلت: أنا مؤمن إن شاء الله، كأنك شاك في الموضوع، فيكون الاستثناء حراماً؛ لأنك شككت هل أنت مؤمن أو غير مؤمن. وقال بعض العلماء: بل الاستثناء واجب؛ لأنك إذا قلت: أنا مؤمن، ولم تقل: إن شاء الله، فإنك تكون قد زكيت نفسك، وشهدت لها بأنك قمت بكل الواجبات، وتزكية النفس حرام، وعلى هذا فيجب أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله. لئلا تزكي نفسك، قالوا: ولأنك لا تدري فلعلك الآن مؤمن ثم تكفر، والإيمان النافع هو الذي يوافي به الإنسان ربه ويكون في آخر الحياة. هذان قولان؛ الأول تحريم الاستثناء، والثاني وجوب الاستثناء، والصحيح أن الاستثناء ينقسم إلى واجب ومحرم وجائز:

стр. 405

فالواجب: إذا كان الحامل على الاستثناء الخوف من التزكية فالاستثناء واجب؛ لأنه إذا جزم بأنه مؤمن فقد شهد لنفسه بأنه مؤمن والمؤمن له الجنة، فيكون قد شهد لنفسه بأن له الجنة، ولا يجوز للإنسان أن يشهد لأحد بأن له الجنة إلا من شهد له الرسول ﷺ ، فإذا كان يخشى من التزكية فالاستثناء واجب. والمحرم: إذا كان الحامل على الاستثناء التردد وعدم الجزم، فالاستثناء حرام، بل مناف للإيمان. والجائز: إذا كان الاستثناء للتعليل؛ بمعنى أنا مؤمن بمشيئة الله. فهذا جائز؛ لأن هذه هي الحقيقة، والدليل على ذلك قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (الفتح: الآية٢٧)) فالتعليق هنا ليس للتردد لأن الله غير متردد، وإنما هو لبيان العلة، وهي أن دخولكم بمشيئة الله. ومن ذلك قول النبي ﷺ عند مروره لزيارة القبور ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) (١) فالإنسان لا يشك في أنه لاحق جزما بالأموات، ولكنه أتى بالمشيئة للتعليل، أي أن لحوقنا بكم بمشيئة الله تعالى. ومنه قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) (الفتح: الآية٢٧)) ، لأن هذا ليس للتعليق، بل هو خبر من عند الله تعالى، وهو جازم به. فقول المؤلف ﵀: (ونحن في إيماننا نستثني من غير شك) فإن كان لشك فهو حرام بل كفر. وقوله: (فاستمع) يعني استمع لما أقول، (واستبن) يعني اطلب بيان ما

стр. 406

خفي عليك. وقوله: (فاستمع) ولم يقل: فاسمع؛ لأن الاستماع: الإنصات والسماع عن قصد، والسماع يكون عن قصد ويكون عن غير قصد، ونضرب لهذا مثلاً: لو مررت برجل يغني غناء محرما وسمعته فلا إثم عليك، لكن لو استمعت وأنصت إليه لكنت آثماً، ويدل على هذا الفرق قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ القرآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) (الأعراف: الآية٢٠٤)) قال (فاستمعوا له) ، ولم يقل: فاسمعوه؛ لأننا سمعناه من قبل، ولو أننا لم نسمعه لم يقل: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) . قال ﵀: (نتابع الأخيار من أهل الأثر) (الأخيار) : جمع خير، وهم السلف الصالح، لقول النبي ﷺ : ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) (١) فنحن نتابع الأخيار. وقوله: (من أهل الأثر) ، المراد بالأثر ما روي عن النبي ﷺ ، وإن شئت فقال: المراد به ما هو أعم من ذلك، وهو ما ثبت عن طريق الشرع، وضده أو مقابله ما ثبت عن طريق العقل؛ وهو الدليل العقلي، فالأثر: ما كان ثابتاً بالأثر، وعلى رأسه - بالمعنى الأعم - القرآن والسنة، ثم ما روي عن الصحابة والتابعين. قوله: (ونقتفي الآثار) ، (الآثار) : جمع أثر وهي النصوص الواردة بالشرع. (لا أهل الأشر) أي لا نتبع أهل الأشر والبطر والفرح فيما هم عليه من البدع، وفي هذا إشارة إلى أن هذه المسألة قد اختلف فيها أهل الأثر وأهل الأشر، ونحن نتبع في ذلك أهل الأثر.

стр. 407

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٩٨- ولا تقل إيماننا مخلوق ... ولا قديم هكذا مطلوق ٩٩- فإنه يشمل للصلاة ... ونحوها من سائر الطاعات ١٠٠- ففعلنا نحو الركوع محدث ... وكل قرآن قديم فابحثوا ــ الشرح قال رحمه الله تعالى: (ولا تقل إيماننا مخلوق ولا قديم) وهذا بحث أحدثه المتكلمون، ولم يكن في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في عهد الصحابة، وهو: هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ وقد سبق لنا بحث أهم منه وأكثر وقوعاً وهو الاستثناء في الإيمان. أما هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ فهذا محدث؛ حدث بعد أن حدث القول بخلق القرآن، فصار المتكلمون يتحدثون ويتساءلون: هل إيمان العبد مخلوق أو غير مخلوق؟ فإن قيل: مخلوق فهو خطأ، وإن قيل: غير مخلوق فهو خطأ. ولهذا قال المؤلف ﵀ هنا: (لا تقل إيماننا مخلوق ولا قديم) وقديم بمعنى غير مخلوق؛ لأن القديم عندهم هو الشيء الأزلي الذي لم يخلق من عدم، يعني لا تقل هذا ولا هذا، بل قل: آمنت بالله، أو أنا مؤمن، سواء كان مخلوقاً أو غير مخلوق.

стр. 408

ولهذا يقول المؤلف ﵀: إن الإيمان يشمل شيئاً محدثاً، والمحدث مخلوق؛ وشيئاً غير محدث، وغير المحدث غير مخلوق، قال: (فإنه يشمل للصلاة) والصلاة فيها قول وفعل، فالأفعال التي في الصلاة كلها مخلوقة؛ لأنها صفة حادث، وصفة الحادث حادث، لذلك قال المؤلف ﵀: (ففعلنا نحو الركوع محدث) . والأقوال التي في الصلاة منها مخلوق، ومنها غير مخلوق، ففيها قراءة القرآن، والقرآن غير مخلوق وهو من الإيمان، لذلك قال المؤلف: (وكل قرآن قديم فابحثوا) . فمعنى كلام المؤلف: لا تقل: إيماني مخلوق، ولا غير مخلوق؛ لأنك ستركع والركوع مخلوق، وستقرأ القرآن، والقرآن غير مخلوق وكل ذلك من الإيمان. ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن إيماننا كله مخلوق، أما قراءة القرآن فإن القراءة التي هي فعل القارئ مخلوقة، وأما القرآن نفسه فغير مخلوق، لكن القرآن ليس هو إيمان العبد نفسه، وإنما القرآن مما يؤمن به العبد، وهناك فرق بين إيماننا، وما نؤمن به، فكلامنا بالقرآن مخلوق، لكن ما نتكلم به غير مخلوق. ولهذا فإننا نقول: إن كلام المؤلف ﵀ هنا فيه نظر، بل الصواب أن نقول: إيماننا كله مخلوق، والقرآن ليس هو الإيمان ولكن قراءة القرآن هي التي من الإيمان؛ لأن الإيمان عندنا - أهل السنة - قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان.

стр. 409

وعلى هذا فمن قال: إيماني مخلوق فقد صدق، أما ما آمن به ففيه التفصيل؛ منه ما هو مخلوق، ومنه ما هو غير مخلوق، رسول الله ﷺ مخلوق وأنا مؤمن به، والقرآن غير مخلوق وأنا مؤمن به، وكذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فالملائكة مخلوقون، والكتب غير مخلوقة، والإيمان بالرسل إيمان بمخلوق، واليوم الآخر مخلوق. فصار المؤمن به منه مخلوق ومنه غير مخلوق، أما مجرد إيمان العبد فإنه مخلوق؛ لأنه حادث، فالعبد لم يكن شيئاً مذكورا، ثم كان وأحدث الإيمان، وعلى هذا فالقول الصحيح أنه يجوز أن يقول الإنسان: إيماني مخلوق؛ لأنني مخلوق. ومما يؤخذ على المؤلف أيضاً قوله: (وكل قرآن قديم) ، والصحيح أن القرآن حادث؛ يتكلم الله به حين إنزاله، فيتلقاه جبريل فيأتي به النبي ﷺ ، والدليل على هذا أن الله يتحدث عن مسائل مضت بلفض الماضي فيقول : (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) (آل عمران: الآية١٢١) إذ غدوت، يعني فيما مضى، وهو إشارة إلى غزوة أحد، ويقول جل وعلا: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) (المجادلة: الآية١)) ، وهذه الآية نزلت بعد أن حصلت الشكوى ولا شك؛ لأنه عبر عنها بلفظ الماضي. فإن قال قائل: عُبِر عنها بلفظ الماضي لأنه متحقق الوقوع، فهو كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) (النحل: الآية١) ، قلنا: هذا يأباه قوله: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ

стр. 410

تَحَاوُرَكُمَا) ؛ لأن (يسمع) فعل مضارع لحكاية الحال، يعني يسمع حين تحاورتما فأخبر الله عن شيء مضى بصيغة المضارع الذي تحكى بها الحال، وحينئذٍ يتبين أن الله جل وعلا يتكلم بالقرآن حين إنزاله. ويدل لذلك أيضاً أنه تقع مسائل فيجيب الله عنها، قال تعالى: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (المائدة: الآية٤)) ، والله لم يتكلم بهذا الجواب قبل أن يسألوا، بل بعد أن سألوا، إذاً فهو محدث. وهذا في القرآن صريح، قال تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ) (الأنبياء: الآية٢) ، وقد أَولَ من يقول إن القرآن قديم. قوله: (مُحْدَثٍ) بأنه محدث إنزاله، وهذا تحريف؛ لأن (محدث) اسم مفعول، ونائب الفاعل فيه يعود على الذكر لا على الإنزال، فقوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (الأنبياء: الآية٢)) هو: أي الذكر، فصرفُ الضمير إلى غير الذكر تحريف. فإن قال قائل: إن الله يقول: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: ٧٧) (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) (الواقعة: ٧٨) ، وقال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) (البروج: ٢١) (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: ٢٢) ، وقال أيضاً: (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) (الواقعة: ٧٨) (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة: ٧٩) ، فهل يقتضي ذلك أن الله كتبه في اللوح المحفوظ قبل أن يتكلم به، وقبل أن ينزله على محمد ﷺ ؟ فالجواب على ذلك أن قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: ٧٧) (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) (الواقعة: ٧٨) وقوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) (البروج: ٢١) (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: ٢٢) لا تدل على أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، إذ قد يكون المراد بذلك ذكره والتحدث عنه، وشأنه وعاقبته، بدليل قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء: ١٩٦)) وإنه: أي

стр. 411

القرآن: وذلك في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٩٢) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (الشعراء: ١٩٤) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٥) (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء: ١٩٦) ، والقرآن ليس مكتوباً في زبر الأولين، بل هو متحدث عنه في زبر الأولين. فيكون قوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: ٧٧) (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) (الواقعة: ٧٨) ، وقوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) (البروج: ٢١) (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: ٢٢) يعني التحدث عنه وذكر شأنه وحاله، ولا يتعين أن تكون الآية دالة على أنه مكتوب، والدليل على أنه لا يتعين قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء: ١٩٦) أي ذكره والتحدث عنه، لا أن القرآن نفسه مكتوب هناك؛ لأنه لو كان مكتوباً هناك لكان نازلاً قبل محمد ﷺ بأعوام. والخلاصة: أن القول بأن القرآن قديم قول منكر، بل نقول: القرآن مجيد كريم، ونصفه بما وصفه الله به، أما أنه قديم فلا يوصف بذلك، وهذا القول - أعني أن يوصف القرآن بالقدم - هو نزعة من نزعات الأشاعرة، الذين يقولون: إن كلام الله هو المعني القائم بالنفس، وهو قديم كقِدم العلم، أي لم يزل الله مريداً للشيء عالماً به. فيقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وما يسمعه جبريل، أو يسمعه موسى، أو سمعه محمد ﷺ في المعراج، فهذا عبارة عن أصوات مخلوقة تعبر عن كلام الله، أي أن الله خلق أصواتاً في الجو تعبر عن ما في نفس الله من الكلام، فهذا كلام الله عندهم، وقد قال بعض علمائهم المنصفين: الحقيقة أنه لا فرق بيننا وبين الجهمية؛ لأننا متفقون على أن ما يسمع ويقرأ فهو مخلوق، لكن الجهمية خير منهم في التعبير؛ لأن الجهمية

стр. 412

يقولون: هذا كلام الله، وهم يقولون: هذا عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، فصار الجهمية أحسن من الأشاعرة في هذا التعبير، وإن كان كل منهم أخطأ وأبعد عن الصواب. إذاً كلام المؤلف في هذين البيتين فيه نظر من وجهين: الأول: قوله: إن إيماننا منه ما ليس بمخلوق، ووجه النظر في ذلك أن إيماننا كله مخلوق؛ لأن إيماننا من صفاتنا، ونحن مخلوقون فصفاتنا مخلوقة، لكن ما نؤمن به هو الذي ينقسم إلى مخلوق وغير مخلوق. الثاني: قوله بأن القرآن قديم، والصواب انه ليس بقديم (١) فإن الله يتكلم به حين إنزاله؛ لأن الله قال: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٩٢) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣) (عَلَى قَلْبِكَ) ، فظاهر السياق انه من حين يتكلم الله ينزل به جبريل إلى محمد ﷺ ، وهذا هو الحق وهو المعقول. وينبغي لنا في العقيدة أن لا نستوحش ولا نتهيب من شيء دل عليه الكتاب والسنة، الوحشة كل الوحشة أن تحرف نصوص الكتاب والسنة من أجل عقيدة تعتقدها وهي خطأ، هذه هي الوحشة، أما شيء دل عليه ظاهر الكتاب والسنة فلابد لك من قوله. قال المؤلف: (وكل قرآن قديم فابحثوا) البحث: يعني التفتيش، وأصله من بحث الأرض أي حرثها باليد، فكأن المفتش للوصول إلى العلم كمن يحرث الأرض ليستخرج ما كان خابئاً فيها. والبحث من أهم وسائل العلم، لكن بشرط أن يكون الغرض منه

стр. 413

الوصول إلى الحق، ودون الانتصار لقول النفس أو قول المتبوع، بل إذا بحث الإنسان فلتكن نيته سليمة، فينوي ببحثه الوصول إلى الحق، وسواء كان معه أو مع خصمه قبله، أما الإنسان الذي يكثر النقاش من أجل أن ينتصر لقوله - وإن كان يعتقد أنه حق - فإنه لا يجوز له ذلك، بل الذي ينبغي له أن يجعل مناقشته من أجل الوصول إلى الحق سواء كان معه أو مع غيره، ثم إنه إذا انقاد للحق - إذا كان مع خصمه - فإنه يجد لذلك لذة، ويجد تواضعاً يهون عليه مخالفة نفسه. أما إذا تعصب لقوله وصار يحاول أن ينتصر له ولو بالخطأ، فإنه سيضيق صدره ولا شك، وسوف لا يتمكن فيما بعد من الرضوخ للحق، وهذه آفة عظيمة، ألا وهي الاستكبار عن الحق. فالواجب على الإنسان أن ينظر إلى الصواب، سواء كان معه أو مع خصمه. ثم عليه إذا بحث، وأتى بحجته، ثم أتى الآخر بحجته، ولم يتبين لأحدنا صواب صاحبه، فإن الحكم إلى كتاب الله وسنة رسوله عن طريق الذي هو أعلم منا، حتى يكون الاتفاق، ويزول الخلاف.

стр. 414

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٠١- ووكل الله من الكرام ... اثنين حافظين للأنام ١٠٢- فيكتبان كل أفعال الورى ... كما أتى في النص من غير امترا ــ الشرح قوله ﵀: (ووكل الله من الكرام) التوكيل هو إقامة الغير مقام النفس، مثال ذلك: لو وكل إنسان آخر ليشتري له حاجة من السوق فهو موكل، والآخر وكيل. وفي قوله: (ووكل الله من الكرام) إشكال. فهل الله يوكل؟ وهل الله تعالى في حاجة إلى أن يوكل؟ والجواب: أن التوكيل المضاف إلى الله ليس كالتوكيل المضاف إلى الآدمي؛ لأن التوكيل المضاف إلى الآدمي قد يكون سببه العجز، كرجل مريض لا يستطيع أن يصل إلى السوق فوكل شخصاً يشتري له حاجة من السوق، أما التوكيل من الله فهو لكمال سلطانه وأنه يدبر الخلائق، فهو جنود لله ، وليسوا يقومون مقامه من أجل عجزه في تصريف خلقه، بل هم يقومون بما وكل إليهم لكمال سلطان خالقهم . وقد أضاف الله التوكيل إلى نفسه في قوله تعالى: (فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) (الأنعام: الآية٨٩)) . وعلى ذلك فالله وكيل، لقوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء: الآية٨١) ، أي قائم بشؤون خلقه؛ وموكل أي مدبر لخلقه لكمال سلطانه، فالتوكيل هنا ليس لنقص الموكل ولكن لكمال سلطانه، يدبر ما شاء؛ فهذا جند له موكل

стр. 415

بكتابة الأعمال؛ وهذا جند من جنوده موكل بالنار؛ وهذا جند من جنوده موكل بالجنة، وهكذا. يقول ﵀: (ووكل الله من الكرام) أي من الملائكة الكرام، ودليل ذلك قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) (الانفطار: ٩) (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) (الانفطار: ١٠) (كِرَاماً كَاتِبِينَ) (الانفطار: ١١) (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار: ١٢) ، وصفهم الله بالكرام لكمال أخلاقهم، والكمال يسمى كرَماً، بدليل قوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ((إياك وكرائم أموالهم)) (١) ، أي كاملها في الصفات والحسن، فهم كرماء لكمال صفاتهم وإلا فإنهم لا يعلمون الناس شيئاً، لكن الكرم يكون من أجل البذل، ويكون من أجل الكمال، مع أن البذل من آثار الكمال. قوله: (اثنين حافظين للأنام) اثنين: يعني من الملائكة الكرام؛ أحدهما يكون عن اليمين؛ والثاني يكون عن الشمال، كما قال تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) (قّ: ١٧) (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٨) فأي قول يلفظ به الإنسان فلديه رقيب عتيد؛ حاضر لا يغيب عنه، أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال. ولما دخل على الإمام أحمد ﵀ أحد أصحابه وكان مريضاً، وسمعه يئن أنين المريض، قال له: يا أبا عبد الله، إن طاوساً - وهو من كبار التابعين ﵀ يقول: إن الملك يكتب حتى أنين المريض، فلما قال هذا لأبي عبد الله ﵀، أمسك حتى عن الأنين، خوفاً من أن يكتب عليه، ولا شك أن أنين المريض إذا كان ينبئ عن تسخط فإنه يكتب عليه، أما إذا كان

стр. 416

بمقتضى الحمى، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وعلى ذلك فهؤلاء الملائكة يحفظون الأنام؛ أي يحفظون أعمالهم، ويكتبونها في سجلات تقرأ يوم القيامة، قال الله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (الإسراء: الآية١٣)) يعني عمله (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) (الإسراء: الآية١٣) أي مفتوحاً غير مغلق، لا يكلفه في النظر إليه (اقْرَأْ كِتَابَكَ) (الإسراء: ١٤) يعني يقال: إقرأ كتابك فكل شيء مكتوب (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء: الآية١٤) . قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك، وهذا صحيح؛ فإن من غاية الإنصاف أن يقدم للإنسان دفتر الحساب ويقال له: أنت حاسب نفسك. فهؤلاء الملائكة يكتبون ما عمله الإنسان من حسنات، ويكتبون ما عمله من سيئات، لا شك في هذا، لكن هل يكتبون ما صدر منه من لغو - أي ما ليس بحسنة ولا سيئة؟ والجواب: أن هناك قولين للعلماء ﵏: فمنهم من قال: إنهم يكتبونه لكن لا يحاسب الإنسان عليه، ومنهم من قال: إنهم لا يكتبونه؛ لأنه لغو وكتابة اللغو من اللغو، وهؤلاء الملائكة كرام، والكريم كامل الصفات، وكامل الصفات لا يفعل ما هو لغو. لكن لو قال قائل: هل في الكلام من لغو، والنبي ﷺ يقول: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) (١) . وهو إذا صمت لا يكتب عليه شيء، وإن قال؛ قال خيراً؛ أو قال شراً؟

стр. 417

والجواب: الظاهر أن هناك لغواً؛ لقوله تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان: الآية٧٢) ، وهذا يعني اللغو القولي واللغو الفعلي. فالظاهر أن اللغو موجود ولكن في كتابته أو عدم كتابته شيء من التوقف: هل يكتبونه أو لا؟ وإن نظرنا إلى عموم قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٨) ، ومن كون النكرة في سياق النفي، وهي نكرة مؤكدة بمن، قلنا: يكتب كل شيء، ولكن لا يلزم من الكتابة المحاسبة، فيكتب ولا يحاسب عليه؛ لأنه لغو. وإن نظرنا إلى أن اللغو الذي لا يحاسب عليه الإنسان كتابته لغو فلا يكتب، ويمكن أن يقال: إن العموم في قوله تعالى: (مِنْ قَوْل) (قّ: الآية١٨) يراد به الخاص، أي من قول يثاب عليه أو يعاقب (إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: الآية١٨) وهنا سؤال: إذا قلنا: إن الملائكة تكتب اللغو، فهل يكتب مع الحسنات أو مع السيئات؟ والجواب: أنه يكتب على أنه فعل هذا والحساب على الله، أو نقول: إنه إلى السيئات أقرب؛ لقول النبي ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) (١) ، فهذا يدل بظاهره على وجوب السكوت إذا لم يكن القول خيراً. وعلى كل حال فالإنسان يجب أن يحتاط وأن يحترس، وألا يقول كلمة إلا وهو يعرف أنها له أو عليه، فإن كانت له فليحمد الله على ذلك، وإن كانت عليه فلا يلومن إلا نفسه.

стр. 418

وقوله: (اثنين حافظين للأنام) وهما من الملائكة، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وسخرهم لما أراد منهم، منهم العابدون، ومنهم الموكلون ببني آدم، ويختلفون اختلافا كثيراً وليس هم القوى المادية أو العقلية أو ما أشبه ذلك، بل هم أجسام، كما قال تعالى: (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ) (فاطر: الآية١) ، وهم مخلوقون من النور، ونحن نؤمن بكل من علمنا اسمه منهم، وبصفة كل من علمنا بصفته، وما وراء ذلك من علم الغيب فلا ندري عنه. ومن جملة هؤلاء الملائكة من ذكرهم المؤلف ﵀، وهم الملكان الرقيب والعتيد، وليس الرقيب غير العتيد، بل الرقيب هو العتيد،؛ لأن الله تعالى قال: (رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: الآية١٨) ولم يقل سبحانه: رقيب وعتيد، إذاً الرقيب هو العتيد، وهما ملكان عن اليمين وعن الشمال. وهذان الاثنان دائمان مع الإنسان لقوله تعالى: (إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: الآية١٨) ، وقيل إنهما يفارقانه إذا دخل الخلاء، وإذا كان عند الجماع، فإن صح ذلك عن رسول الله ﷺ فعلى العين والرأس، وإن لم يصح فالأصل العموم. فإن قال قائل: إنهما يكتبان القول ويكتبان الفعل لأنهما - أي القول والفعل - ظاهران، لكن هل يكتبان الهم وهم في القلب أو لا يكتبانه؟ فالجواب: أنه ثبت عن النبي ﷺ أن من هم بالحسنة فلم يعملها كتبت حسنة (١) ، ومن هم بالسيئة فلم يعملها كتبت حسنة، والمعروف أن الذي

стр. 419

يكتب هم الملائكة قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) (الانفطار: ١٠) (كِرَاماً كَاتِبِينَ) (الانفطار: ١١)) ، وعلى هذا فيكون عندهم اطلاع على ما في القلب، ولا غرابة في ذلك، فإن الله يقول في كتابه الكريم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (قّ: الآية١٦) ، فهو سبحانه عالم بذلك، ويجوز أن يطلع الله هؤلاء الملائكة على ما علمه من حال الشخص، ويكون علمهم بذلك بواسطة من علم الله ، ويجوز أن يعلموا ذلك بما يحصل للقلب من حركة؛ لأن الهم حركة القلب، فهو يهم بالشيء أي يتحرك، فيعلمان ما يحصل بحركة القلب، وإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويصل إلى شغاف قلبه، فلا غرو أن يعلِم الملائكة بما يحدث للإنسان في قلبه. وعلى كل حال فسواء كان الله يطلعهم على ما في القلب ليكتباه، أو هما يعلمان ذلك بحركة القلب، فإنهما يكتبان هم القلب، فصار الهم والقول والعمل كله يكتب. ولكن هل يحاسب الإنسان على مجرد ما يحصل في قلبه من الوهم أو لابد من حركة؟ الجواب: انه لابد من حركة، وهي لست حركة ظاهرة، بل حركة في القلب أي ميل وهم، أما مجرد ما يخطر على الإنسان، أو يحدث به نفسه فإنه لا يكتب عليه ولا له، اللهم إلا أن يكتب له لحسن نيته، حيث فكر أن يعمل عملاً صالحاً. ولا يخفى أن هناك فرقاً بين حديث النفس والهم، فالهم أن يتحرك الإنسان ويعمل الشيء، لكن حديث النفس مجرد تفكير في الشيء وخواطر فيه لا أثر لها، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ انه قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما

стр. 420

حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)) (١) . وقول المؤلف: (اثنين حافظين للأنام) الأنام: أي الخلق (فيكتبان كل أفعال الورى) يكتبان: أي الملكان، (كل أفعال الورى) كل: هذه للعموم. وقول المؤلف (أفعال الورى) ظاهره أنهما لا يكتبان القول، ولا يكتبان الهم، وفي هذا نظر ظاهر، فإن القرآن الكريم يقول في القول: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٨)) ، وأما الهم فمن هم بالحسنة فعملها فله عشر حسنات، ومن لم يعملها فله حسنة، ومن هم بالسيئة فتركها لله فله حسنة، وسبق الكلام حول علم الملكين بالهم وإعلام الله لهما به، ولعل المؤلف أخذ هذا أي قصره ما يكتب على الفعل من قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) (الانفطار: ١٠) (كِرَاماً كَاتِبِينَ) (الانفطار: ١١ (َ (يعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار: ١٢)) ، ولكن من الواضح أننا إذا علمنا قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٨)) وضممناه إلى القول السابق، فإنه يكون الذي يكتب هو القول والفعل، ثم نضم هذين الاثنين إلى قول الرسول ﷺ فيمن هم بالحسنة ومن هم بالسيئة، فيكون الذي يكتب القول والفعل والهم. قوله: (كما أتى في النص، من غير امترا) النص هو قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) (الانفطار: ١٠) (كِرَاماً كَاتِبِينَ) (الانفطار: ١١) (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار: ١٢) ، وقوله تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف: ٨٠)) ، يعني أننا نسمع. وهذا نص في أن القول يُكتب.

стр. 421

الباب الرابع في أشراط الساعة ١٠٣- وكل ما صح من الأخبار ... أو جاء في التنزيل والآثار ١٠٤- من فتنة البرزخ والقبور ... وما أتى في ذا من الأمور ــ الشرح أورد المؤلف ﵀ هذا الباب، وهو في أشراط الساعة، والأشراط جمع شرط، وهو في اللغة العلامة، وفي الاصطلاح ما يتوقف صحة الشيء على وجوده، والمراد به هنا العلامة، فقوله: أشراط الساعة، يعني علاماتها، والساعة هي القيامة، وسميت الساعة لأنها ساعة مشقة وإنذار وساعة عظيمة ومفزعة، وكل شيء يكون عظيماً فإنه يسمى ساعة، قال تعالى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد: الآية١٨)) . وأشراط الساعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم مضى، وقسم ما زال يأتي، وقسم أكبر وهو الأشراط القريبة منها وهي الأشراط الكبار. فمن الأشياء التي مضت بعثة النبي ﷺ ؛ فإن بعثته وجعه آخر الرسل تدل على أن الساعة قريبة، ولهذا قال النبي ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين)) (١) ، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى يعني أننا مقترنان، وليس

стр. 422

بيننا إلا مثل ما بين السبابة والوسطى. وهناك أشراط ما زالت تقع مثل كثرة المال وكثرة الهرج يعني القتل، وتقارب الزمان، وغير ذلك. وقسم ثالث لم يأت بعد، وهو الأشراط الكبيرة: كنزول عيسى ابن مريم ﷺ ، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وما أشبهها. فما موقفنا نحو هذه الأشراط؟ يقول المؤلف: (وكل ما صح من الأخبار) يعني الأحاديث التي صحت عن النبي ﷺ (أو جاء في التنزيل والآثار) . وهذه ثلاثة طرق تثبت بهذا أشراط الساعة: الأول: ما صح من أخبار النبي ﷺ ، وقيد المؤلف ﵀ ذلك بقوله: (ما صح) احترازا مما لم يصح، وليعلم أن بعض العلماء ﵏ أفرط في سياق الأشراط، وذكر ما لا يصح عن النبي ﷺ ، فذكر أحاديث لا زمام لها ولا صحة لها، ولهذا يجب التحرز من الكتب المؤلفة في هذا، مثل الإشاعة في أشراط الساعة، فإن فيه أشياء كثيرة غير صحيحة، فيجب التحرز من هذا لئلا نقع في نسبة شيء إلى رسول الله ﷺ وهو ليس كذلك. الثاني: ما جاء في التنزيل، والمراد به القرآن، كما قال الله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (السجدة: ٢) . والثالث: ما جاء في الآثار، وهي جمع أثر، وهو ما روي عن الصحابي، بشرط ألا يكون معروفاً بالأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان

стр. 423

معروفاً بالأخذ عن بني إسرائيل فإن إخباره تكون كأخير بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب. فهذه ثلاثة طرق لإثبات أشراط الساعة. ثم ذكر المؤلف ﵀ أمثلة لهذه الأشراط، فقال: (من فتنة البرزخ والقبور) والواقع أن هذا ليس من أشراط الساعة، لكنه من الأمور السمعيات التي تتلقى من السمع. والفتنة في اللغة هي الاختبار، فهي هنا اختبار للإنسان، والبرزخ: الحاجز بين الشيئين، والمراد به ما بين موت الإنسان إلى قيام الساعة، وعطف القبور عليه من باب عطف الخاص على العام؛ لأن البرزخ أعم من القبور، قد يموت الإنسان ويلقى على وجه الأرض فتأكله السباع، فهو حين ذلك لا يكون في قبر، ولكنه في برزخ، فكل ميت فهو في برزخ، وكل مقبور فهو في برزخ، فعطف القبور على البرزخ من باب عطف الخاص على العام. وفتنة البرزخ هي الاختبار الذي يحصل للميت إذا دُفن، وذلك بأنه يأتيه ملكان فيقعدانه، ويسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: المؤمن ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي، فيصدق، ويسمعه هو، فيزداد بذلك فرحاً أن شهد له شاهد من السماء بأنه صادق. ويعتبر هذا من نعيم القبر؛ لأن الإنسان إذا صدق في قوله ازداد بذلك فرحاً وسرورا.

стр. 424

وأما المنافق أو المرتاب، فإنه يقول: هاه هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي؛ حيث أنه يدري أنه لا إله إلا الله، ويدري أن محمدا رسول الله، ويدري أن الدين عند الله الإسلام، ولكنه عاند وأصر، فيقال: كذب عبدي. فيفسح للأول في قبره، ويفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه عمله الصالح فيجلس عنده يؤنسه، وأما الثاني - والعياذ بالله - فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، أي يدخل بعضها في بعض من شدة الضيق، ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، ويأتيه عمله السيئ في أخبث صورة - والعياذ بالله - فيوبخه على ما فرط وأهمل في دين الله . هذه الفتنة يجب علينا أن نؤمن بها، فقد ثبتت هذه الفتنة في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فعلى طريق الإشارة في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: ٢٧) ، وأما في السنة فالأحاديث بذلك مشهور معلومة، فيجب علينا أن نؤمن بها. وفي هذه المسألة مباحث، منها: المبحث الأول: متى تكون هذه الفتنة؟ هل هي بخروج الروح أو بتسليم الإنسان إلى عالم الآخرة؟ والجواب الثاني: أما مجرد خروج الروح فلا يحصل به فتنة؛ لأن النبي ﷺ كان إذا أرادوا دفن الميت، يقول: (أسرعوا بالجنازة؛ فإن تكن صالحة فخير

стр. 425

تقدمونها إليه)) (١) ، وهذا يدل على أنها لا تصل إلى ذلك الخير ما دامت في أيديهم، وعلى هذا فإذا مات ميت ووضع في الثلاجة للتحقق من موته، وأسبابه، فإنه لا يفتن، ولا يأتيه ملكان حتى يدفن. المبحث الثاني: هل هذا خاص بالمقبور لقوله: (إذا دفن الميت) أو يشمل كل ميت؟ والجواب: أن هذا ليس خاصا بالمقبور بل يشمل كل ميت، وقوله ﷺ : ((إذا دفن الميت ... الخ)) ، بناءً على الأغلب، وما قيد بقيد أغلبي فلا مفهوم له، وعلى هذا فإذا ألقي الإنسان في البر، أو القي في البحر ومات هناك، فإنه يأتيه الملكان ويفتن. المبحث الثالث: هل هذه الفتنة عامة لكل أحد أو يخرج منها من يخرج بإذن الله؟ والجواب: أن هذه الفتنة يخرج منها من يخرج بإذن الله، ومن ذلك: أولاً: غير المكلف، فإن كثيراً من أهل العلم قالوا: إن غير المكلف لا يسأل لأنه غير مكلف؛ سواء أجاب بخطأ أو صواب، فما دام التكليف رفع عنه في الدنيا فإنه يرفع عنه في الآخرة. وقال بعض العلماء: بل يأتيه الملكان ويسألانه، وهو إذا كان محكوماً بإيمانه فإنه سوف يجيب بالصواب، ولا يبعد أن الله يكلف هذا الصغير، وأن الصغير يجيب بالصواب، فها هو عيسى بن مريم كان في المهد، ولما انتقدوا على أمه أشارت إليه، (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ
следующие страницы →