إذا العقيدة تعريفها اصطلاحا: حكم الذهن الجازم.
فقولنا حكم الذهن خرج به قول اللسان لأنه لا يعتبر عقيدة؛ إذ قد يقول الإنسان ما لا يعتقد.
وخرج بقولنا: الجازم الشك فإن الشاك لم يعتقد. ولا يشترط أن يكون الحكم مطابقاً للواقع، فإن طابق الواقع فالعقيدة صحيحة، وإن خالف الواقع فالعقيدة فاسدة.
فاعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة هذه عقيدة، ولكنها فاسدة لأنها غير مطابقة للواقع. واعتقاد أهل التحريف أن الاستواء بمعنى الاستيلاء عقيدة، لكنها فاسدة لأنها خلاف الواقع، لكن هم يجزمون بذلك ويعتقدون هذا.
قال: (أرجوزة وجيزة مفيدة) فذكر أنه من أجل ذلك نظم عقيدة من بحر الرجز، ووصفها بأنها (وجيزة) يعني غير مطولة، وهو كذلك، فإنها ليست مطولة لأنه يذكر فيها ﵀ القواعد العامة بدون تفصيل، وأنها أيضا (مفيدة) يعني تفيد قارئها وسامعها وكاتبها أيضا.
فقوله: إنها أرجوزة وجيزة هذا ليس فيه مدح، لكن قوله مفيدة فيه مدح.
فإذا قال قائل: كيف يسوغ للإنسان أن يمجد ما كان من صنعه وتأليفه، وهل هذا ألا افتخار؟!
فالجواب: يسوغ ذلك إذا لم يقصد بهذا الافتخار على الخلق، وإنما قصد بيان الواقع، فقد قال النبي ﵊: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) (١) وقال ابن مسعود ﵁: ((لو اعلم أن أحداً اعلم مني بكتاب الله
стр. 72
تبلغه الإبل لرحلت إليه)) (١) وهذا يتضمن بلا شك أنه على علم عظيم بكتاب الله ، لكن ابن مسعود ﵁، لم يقل هذا القول ليمدح نفسه ويفتخر بل ليحث الناس على التلقي عنه وعن غيره من أهل العلم.
والعلماء ﵏ إذا صنفوا يذكرون فوائد مصنفاتهم، كما قال ابن مالك ﵀ في ألفيته:
تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز
وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطي
وهذا ثناء عليها لا ليفتخر بها لأنها من تأليفه، ولكن من أجل أن يحث الناس على تلقيها وتعلمها.
وهكذا المؤلف ﵀ هنا قال: ((مفيدة)) ، لأجل أن تحرص عليها وعلى ما فيها من فوائد.
قال: (نظمتها في سلكها) هذا يسميه علماء البلاغة الاستعارة، لان هذه الأرجوزة ليس لها سلك لكنه شبهها بخرزات السبحة التي لها سلك فتنظم، لينضم بعضها إلى بعض؛ ولا يضيع بعضها عن بعض، ولا تتفرق وتتشتت.
وتشتمل على مقدمة وستة أبواب وخاتمة قال:
................. مقدمة وست أبواب كذاك خاتمة
فيكون المجموع ثمانية: مقدمة وخاتمة وستة أبواب
стр. 73
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣ - وسمتها بالدرة المضية ... في عقد أهل الفرقة المرضية
ــ
الشرح
قوله: (وسمتها) أي جعلت عليها علامة لان الوسم هو العلامة، وفي بعض النسخ ((سميتها)) والمعنى متقارب، يعني إنني سميت هذه المنظومة، أو وسمتها أي جعلت عليها علامة (بالدرة المضية) أصل المضية المضيئة، لكن سهلت الهمزة لأجل استقامة البيت، و (الدرة) هي أعلى ما يقتنصه أهل البحر من البحار، و (المضية) يعني التي لها إضاءة لقوة صفائها وحسنها، وهذا الاسم مطابق لمسماه، فإن هذه المنظومة درة مضية، مضيئة لمن قرأها وتأملها؛ لان فيها فوائد كثيرة عظيمة فيما يتعلق بالعقدية.
وقوله: (في عقد أهل الفرقة المرضية) عقد: بمعنى اعتقاد، فهي اسم مصدر لان اعتقد يعتقد، المصدر اعتقاد، وعقد اسم مصدر، واسم المصدر يقول النحويون، ما دل على معنى المصدر ولم يشتمل على حروفه فكل ما دل على معنى المصدر ولكنه لم يشتمل على حروفه، فإنه يسمى اسم مصدر.
وقوله: (أهل الفرقة) الفرقة بالضم يعني الاختلاف والافتراق، والفرقة بالكسر يعني الطائفة، والمراد هنا الطائفة، وليس المراد أهل الفرقة، فهم ليسوا بأهل الفرقة، بل هم أهل اجتماع، لكن المراد أهل الفرقة يعني الطائفة (المرضية) التي ارتضاها الله ورسوله والمؤمنون، وهم أهل السنة والجماعة، الذين كانوا على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وضد هذه الفرقة المرضية أصحاب الفرق المسخوطة من أهل البدع، على اختلاف أصنافهم وأنواعهم.
стр. 74
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٤- على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ... إمام أهل الحق ذي القدر العلي
١٥- حبر الملا فرد العلا الرباني ... رب الحجى ماحي الدجى الشيباني
ــ
الشرح
قوله: (على اعتقاد ذي السداد الحنبلي) : يعني إنها مبنية على اعتقاد ذي السداد، والسداد يعني الصواب المسدد الموافق للحق.
وقوله: (الحنبلي) صفة لذي لا للسداد، يعني على اعتقاد الحنبلي، وهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵀ الإمام المشهور، فنسبته إلى حنبل لأنه جده.
وقوله: ((إمام أهل الحق)) يعني الذي يقتدي به أهل الحق، لكن إمامته ﵀ وإمامة غيره من الأئمة ليست إمامة مستقلة، بل هي إمامة تابعة للإمامة العظمى، وهي إمامة رسول الله ﷺ ، ولولا ائتمام هؤلاء الأئمة به ﷺ ما صاروا أئمة، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) فهؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين صاروا أئمة لأنهم أهل للإمامة بما أعطاهم الله تعالى من الصبر واليقين.
وقوله: (ذي القدر العلي) القدر يعني الشرف، العلي ضد النازل، فالإمام أحمد ﵀ له قدر علي بين أهل الحق، تكاد تكون الأمة كلها مجمعة على الثناء عليه حتى إن بعض العلماء ﵏ قال: إنه يجوز أن
стр. 75
نشهد له ولأمثاله بالجنة؛ لان الأمة اتفقت على الثناء عليه، وقد قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: الآية ١٤٣) فإذا شهدت الأمة لشخص بالصلاح فلنا أن نشهد له بالجنة. والمسالة هذه فيها خلاف.
لكن الكلام على أن الرجل قد اتفق على أنه ﵀ من اجل أئمة الدين وأعظمهم قدرا، وحصل له من المحنة في الدفاع عن السنة ما يعلم من ترجمته، كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١) ، وغيره من تكلموا عن سير الرجال (٢) .
وقوله: (حبر الملا) حبر بمعنى عالم، ويقال حبر؛ بفتح الحاء وكسر الحاء حبر الملا أو حبر الملا، وهي موافقة للبحر في الاشتقاق الأكبر لأنها موافقة لها في الحروف دون الترتيب، فحبر وبحر حروفها واحدة: الباء، والحاء، والراء، لكن اختلفت في الترتيب. إذا فهو العالم الواسع العلم، والعالم الواسع العلم يسمى حبرا، وقوله: (الملا) يعني الخلق.
ومن المعلوم أنه ﵀ واسع العلم وكثير العلم، ولا سيما علم المأثور، مع أنه يتكلم بعلم المعقول كلاما جيدا، كما يعرف من كلامه في الرد على الجهمية، لكنه في علم المأثور أكثر منه في علم المعقول.
وقوله: (فرد العلا) يعني المتفرد بالعلا والشرف، ولا شك أن هذه الأوصاف التي تدل على الإطلاق، لا شك أن المؤلف ﵀ لا يريد بها
стр. 76
الإطلاق، لان مثل هذه الأوصاف على الإطلاق لا تنطبق ألا على الرسول ﷺ ، لكنها أوصاف نسبية يعني بالنسبة لمن دونه، وكان من الأولى والأفضل أن تكون الألفاظ مطابقة للواقع، بحيث لا يحصل فيها غلو؛ لان الغلو قد يخرج بالإنسان إلى الكذب.
وتوجيه مثل هذا الكلام المطلق أن يقال إنه حبر الملا في وقته، فرد العلا في وقته، وأما أن نقول على سبيل العموم؛ هذا غير مراد للمؤلف.
وقوله: (الرباني) يعني الذي تلقى علمه من شريعة الله؛ لان الشريعة ألصق ما تكون بالربوبية، فهو ﵀ تلقى علمه من شريعة الرب .
وقيل إن الرباني هو المخلص لله في علمه، النافع لعباد الله، المربي لهم على شريعة الله، وهذا المعنى واضح.
فالمخلص لله: لا يقصد ألا الرب، والنافع لعباد الله بالعلم، المربي لهم تربية خلقية، وتربية علمية، فيشمل الأمرين.
فالتربية العلمية، قال العلماء ﵏: معناها: أن يربي الطلبة بصغير العلم قبل كبيره، فإن هذا من التربية العلمية، فلا يأتي للطالب المبتدئ مثلا ويقول له: اقرأ قواعد ابن رجب، فإنه إذا قرأ الطالب المبتدئ قواعد ابن رجب فإنه لا يفهم أبداً، ولكن يربيه بصغار العلم، فيأتي مثلا بكتاب مختصر ومبسط وتدرج به شيئا فشيئاً.
ففي النحو مثلا؛ إذا كان لا يعرف منه شيئا، فلا بد أن تربيه وتبدأ بأصغر كتب النحو حتى يترقى شيئا فشيئا، وفي أصول الفقه كذلك، وفي كل
стр. 77
العلوم ينبغي أن يرقى الطالب درجة، أما أن تقفز به من أسفل درجة لأعلى درجة فهذا لا يمكن، وربما يكون في ذلك ضرر كبير عليه، فإنه إذا لم يفهم انغلق ذهنه، يعني يحصل له رد فعل فلا يعرف من المسائل شيئا، حتى لو كررت عليه مائة مرة، لكن إذا بدا يتلقى العلم كما يتلقى الطفل اللبن يمصه شيئا فشيئا فإنه ينتفع به.
وأما التربية الخلقية فينبغي للمعلم أن يبحث مع طلابه هل طبقوا العلم أو لم يطبقوه، وأن يتفقدهم، وإذا ذكر له عن شخص مخالفة، يتكلم معه بالكلام الذي يناسب، وفي الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، أما أن يملأهم من العلوم ويدعهم من العمل فهذا بلا شك قصور جدا؛ لان ثمرة العلم هي العمل، فإذا لم نعمل فإن علمنا أدنى من الحبر على الورق.
إذاً العالم الرباني من اخلص لله في علمه ونفع عباد الله به، ورباهم في ذلك تربية علمية وخلقية.
وقوله: (رب الحجى) : (رب) بمعنى صاحب، و (الحجى) : بمعنى العقل: يعني صاحب العقل.
وقوله: (ماحي الدجى) : أي الظلمة بما لديه من نور الرسالة وهذا علمه بالأثر.
فالإمام أحمد ﵀ عنده علم المعقول وعلم المنقول، ومن راجع كتبه ورسائله عرف أن الرجل يتكلم بالمعقول كما يتكلم بالمنقول، وإن كان هو في علم الأثر أقوى منه في علم النظر؛ لان الأمة الإسلامية في عهده لم
стр. 78
تكن بلغت مبلغا كبيرا في الاستدلال بالنظر والمعقول، لكن مع ذلك يجادل أهل الباطل بالمعقول؛ لان المعقولات التي تشعبت في الأمة الإسلامية هي من علم المنطق الذي قال عنه شيخ الإسلام ﵀: ((إنه لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد)) (١) . والناس يعرفون الجدل والمناظرة حتى قبل ظهور علم المنطق اليوناني.
فالحاصل أن هذا الشطر من البيت يدل على أن الإمام أحمد ﵀ عنده علم بالمعقول وعلم بالمنقول، علم المعقول في قوله (رب الحجى) والمنقول في: (ماحي الدجى) .
وقوله: (الشيباني) : يعني أنه ﵀ من بني شيبان وهذا نسبه.
ومن أراد المزيد من العلم بحياته فليرجع إلى ما صنف في تاريخ حياته، وقد صنف في تاريخ حياته مصنفات مستقلة، وذكر أيضا على سبيل التبع في كتب الرجال (٢) وكتب التاريخ (٣)
стр. 79
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٦- فإنه أمام أهل الأثر ... فمن نحا منحاه فهو الأثري
١٧- سقى ضريحا حله صوب الرضا ... والعفو والغفران ما نجم أضا
١٨- وحله وسائر الأئمة ... منازل الرضوان أعلى الجنة
ــ
الشرح
قوله: (فإنه إمام أهل الأثر) فإنه: أي الإمام أحمد ﵀، إمام أهل الأثر يعني إمام السلفيين الذين يأخذون بالأثر في علم العقائد، كما يأخذون بالأثر في المسائل العملية.
وذلك أن الإمام أحمد ﵀ بلغ الإمامة في عصر المأمون، في المحنة التي ابتلي بها علماء السلف في ذلك العهد (١) ، فإن المأمون ادخل على الأمة الإسلامية من علم اليونان وعلم الكلام ما يستحق عليه الجزاء من الله ؛ لأنه ادخل على الأمة علوما أفسدت العقائد، ونصر البدعة والعياذ بالله نصرا عزيزا، وحصل منه إيذاء لأهل السنة، فكان يحبسهم، ويشهر بهم، ويطوف بهم في الأسواق، ويضربهم والعياذ بالله، مما اضطر كثير من العلماء إلى أن يوافقوه ولو ظاهرا على سبيل أنهم مكروهون، ومنهم من يتأول.
ولكن الإمام أحمد ﵀ ومحمد بن نوح أصرا على أن يعلنا الحق بدون تأويل، وحصل للإمام أحمد من الإيذاء والإهانة ما لا يصبر عليه إلا
стр. 80
أمثاله، حتى كانوا يجرونه في الأسواق بالبغلة والعياذ بالله، ويضربونه بالسياط حتى يغمى عليه، وهو صابر ومصمم على أن يبقى على ما هو عليه من قول الحق، لأنه لو قال خلاف الحق في ذلك الوقت ولو بالتأويل لضل الناس؛ إذ إن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
فبذلك استحق أن يكون إماما؛ لأنه صبر وكان موقنا بما هو عليه من الحق والصواب، وقد قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) فبذلك صار ﵀ إماما لمن بعده، ولكن هذه الإمامة نسبية لأنها إمامة تابعة لإمامة عظمى، وهي إمامة رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ هو الإمام الأعظم الذي يتفرع من إمامته إمامة الأئمة، فإمامة الأئمة من هذه الأمة إمامة فرعية لا إمامة أصلية، ولهذا لو خالف هذا الإمام هدي الإمام الأعظم محمد ﷺ لوجب أن يطرح قوله وأن يؤخذ بقول رسول الله ﷺ .
فقوله: (إمام أهل الأثر) نقول: ليست هذه إمامة مطلقة أصلية، ولكنها إمامة نسبية فرعية تابعة للإمامة العظمى، وهي إمامة رسول الله ﷺ ، ولولا أن هذا الإمام تابع لإمامة الرسول ﵊ ما استحق أن يكون إماما، ألا أن يكون إمام ضلال، فإن الضلال له أئمة كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ) (القصص: ٤١) .
وقوله: (فمن نحا منحاه فهو الأثري) : أي من سلك مسلكه فهو الأثري، نسبة إلى الأثر، والعلوم نوعان: أثرية ونظرية. فما كان متلقى من الكتاب والسنة فهو اثري، وما كان متلقى من العقل فهو نظري.
стр. 81
واعلم أن العلم الأثري لا ينافي العلم النظري بل كلاهما يؤيد الآخر، والأصل عند أهل السنة هو الأثر، سواء في الأمور العلمية أو الأمور العملية، بل أنهم يحكمون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل شيء.
والأصل عند أهل البدع هي العلوم النظرية، ولهذا يقدمون ما يدعون أنه عقل على الآثار من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فضلوا بذلك عن سواء السبيل، وأضلوا أمماً لا يعلمهم إلا الله.
إذاًَ الأثري: هو الذي نحا منحى الإمام أحمد ﵀ في الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولهذا أقول: من الممكن أن نقول إن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل الأثر في مسلكه لا في أقواله، ومعنى في مسلكه أنه سلك تحكيم الكتاب والسنة، وليس المعنى إمام أهل الأثر أي يؤخذ قوله؛ وحينئذ لا نحتاج إلى تقييد الإمامة بالنسبة له؛ لأننا نقول هذه الإمامة صحيحة، وهي أن يكون الإنسان متبعا لما جاء به الكتاب والسنة.
وفي قوله: (الأثر) و (الأثري) جناس ناقص لزيادة الياء في الثاني.
قال: (سقى ضريحا حله صوب الرضا) الضريح يعني القبر.
(حله) : أي: نزل فيه، يعني يسأل الله أن يسقي ضريحه صوب الرضا من الله ، فالجملة هنا خبرية لكنها دعائية، يعني يسال الله تعالى أن يسقي ضريح الإمام أحمد صوب الرضا، والصوب والصيب معناهما واحد، أي: الصيب من الرضا، والصيب في الأصل هو الماء النازل من السماء فهو المطر، صوب الرضا من الله.
стр. 82
واعلم أن الله إذا رضي عن العبد أرضى الناس عنه، وإذا سخط على العبد اسخط الناس عليه، فإذا كنت تريد أن يرضى الناس عنك فاتبع رضا الله، ولكن لا تتبع رضا الله من اجل أن يرضى الناس عنك، فتطلب الأعلى للأدنى، ولكن اجعل رضا الله هو الأصل، وثق بان الله إذا رضي عنك رضي عنك الناس، ولكن إياك أن تنوي بطلب رضا الله رضا الناس فتكون متوسلا بالأعلى إلى الأدنى؛ لأنه ربما إذا نويت هذه النية لا يرضى الله عنك، وحينئذ يفوتك مقصودك مع ضعف مقصودك.
قال: (والعفو والغفران) العفو عن ترك الواجبات، والغفران عن فعل المحرمات، هذا إذا اقترن العفو بالمغفرة، أما إذا انفصل أحدهما عن الآخر فكل واحد منهما يتضمن معنى الثاني، لكن إذا قيل عفا الله عنك وغفر لك، صار عفا الله عنك ما أهملته من واجبات، وغفر لك ما اقترفته من سيئات؛ لان الغفر بمعنى الستر مع التجاوز، والعفو بمعنى النزول عن الحق والإبراء منه.
وقوله: (والعفو والغفران ما نجم أضا) يعني مدة إضاءة النجم، وهذا طويل إلى ما لا نهاية له، وأيضا يقول: (ما نجم) فهو نكرة يشمل كل نجم.
وقوله: (وحله وسائر الأئمة) يعني أنزله وأنزل سائر الأئمة (منازل الرضوان أعلى الجنة) . الأئمة يعني أئمة الإسلام، وليس المراد بذلك الأئمة الأربعة فقط، بل هو شامل لكل إمام في دين الله من الأئمة الأربعة وغيرهم، وسواء كان إماما في الخلافة وتدبير الملك، أو إماما في العلم وتوجيه الناس، فإنه يدخل تحت قوله:
وحله وسائر الأئمة منازل الرضوان أعلى الجنة
стр. 83
المقدمة
١٩- اعلم هديت أنه جاء الخبر ... عن النبي المقتفى خير البشر
٢٠- بأن ذي الأمة سوف تفترق ... بضعا وسبعين اعتقادا والمحق
٢١- ما كان في نهج النبي المصطفى ... وصحبه من غير زيغ وجفا
ــ
الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (المقدمة) ، والمؤلف ﵀ بين أن كتاب هذا يشتمل على ستة أبواب ومقدمة خاتمة (١) ، والمقدمة ذكر فيها ما يدل على الثناء على أهل السنة والجماعة المتبعين لرسول الله ﷺ ، فقال:
قوله: (اعلم) يعني علم يقين.
وقوله: (هديت) جملة معترضة دعائية، يعني وفقت للخير وعلمت الخير.
وقوله: (أنه جاء الخبر) يعني الحديث، والخبر في اللغة: كل قول يحتمل الصدق والكذب لذاته، يعني بقطع النظر عن قائله، لان في القول ما لا يحتمل الكذب باعتبار قائله، وفي القول ما لا يحتمل الصدق باعتبار قائله، ونحن لا نتكلم باعتبار القائل بل باعتبار القول. فكل خبر يتضمن الصدق والكذب لذاته لا للمخبر به فإنه يسمى خبرا.
فقول الله تعالى وقول الرسول ﵊ لا يحتمل الكذب باعتبار المخبر به.
стр. 84
أما قول مدعي النبوة بعد النبي ﷺ فلا يحتمل الصدق لكن باعتبار المخبر به. فلو قال المخبر: إني رسول الله، فكلمة: إني رسول الله، هذه خبر، لأنه يحتمل الصدق والكذب لذاته، لكن لو قاله محمد رسول الله ﷺ كان صدقا، ولو قاله مسيلمة الكذاب كان كذباً.
أما في الاصطلاح: فالخبر ما أثر عن النبي ﷺ وغيره من قول أو فعل أو تقرير.
وقوله: (عن النبي المقتفى) النبي يقال: النبي بدون همزة، ويقال النبئ بهمزة، فعلى الهمز تكون مشتقة من النبأ وهو الخبر لان النبي ﷺ مخبر مخبر، مخبر من قبل الله ومخبر للخلق بما يتلقاه عن الله .
ويقال: النبي بالياء، فقيل: إن أصله النبيء لكن سهلت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء، وقيل: بل أصله النبيو بالواو من النبوة وهي الارتفاع، فسمي نبيا لارتفاع مرتبته، ونحن نقول: إن اللفظ صالح للوجهين، أي: صالح لان يكون أصله النبيء ولكن سهل، ولأن يكون أصله من النبوة وهو الارتفاع؛ لان النبي رفيع المقام وهو مخبر ومخبر.
وقوله: (المقتفى) يعني الذي يجب اقتفاءه، ومعنى الاقتفاء: أن تكون خلفه نقفو أثره، فالنبي ﷺ مقتفى أي واجب الاقتفاء، يعني يجب على أمته أن تقتفي به، أي أن تقفوا أثره وأن تتبعه.
وقوله: (خير البشر) البشر هم بنو آدم، وسموا بشرا لان ابشارهم ظاهرة بادية، والمخلوقات الأخرى ابشارها مستورة، وهذا من رحمة الله
стр. 85
عز وجل، لأن الحيوانات الأخرى لابد أن يسترها شيء يقيها من الحر والبرد، أما بنو آدم فجعل الله تعالى الستر لهم، فهم الذين يسترون أنفسهم بالثياب التي رزقهم الله ، وهذه حكمة عظيمة من اجل أن يعرف الإنسان أنه بحاجة إلى ستر عورته المعنوية، كما أنه بحاجة إلى ستر عورته الحسية، فيحاول ستر عورته المعنوية كما يستر عورته الحسية.
إذا النبي ﵊ خير البشر، فكل البشر، حتى الأنبياء والرسل، فإنه ﷺ أفضل الرسل، وهذه الخيرية تشمل كل الخيرات؛ خير البشر في النسب، وخير البشر في الخلق، وخير البشر في العلم، وخير البشر في الهداية، وخير البشر في العبادة، فهي خيرية مطلقة من جميع الوجوه.
ومع هذا فإنه ليس له حق في خصائص الربوبية، فليس يعلم الغيب، وليس يملك لنفسه الضر والنفع، ولا يملك لغيره كذلك، والناس بالنسبة لرسول الله في هذا الباب بين طرفين ووسط؛ بين طرف غال مفرط في المدح والثناء حتى جعلوه بمنزلة الرب، وبين طرف آخر يتنقص النبي ﷺ ويجعله لا فرق بينه وبين البشر في الأمور التي يختص بها، وقسم ثالث عرف للنبي ﷺ حقه فأنزله منزلته، وقال: هو عبد الله ورسوله وليس له حق فيما يختص بالرب ، وهو أعلى من البشر فيما خصه الله به وهذا هو مذهب أهل الحق.
وقوله: (بان ذي الأمة سوف تفترق) ذي هنا اسم إشارة، وليست بمعنى
стр. 86
صاحب والأمة هنا منصوبة، يعني بان هذه الأمة سوف تفترق.
وقوله: (الأمة) المراد بالأمة هنا أمة الإجابة؛ لان أمة الدعوة تشمل اليهود والنصارى والمشركين، لكن المراد بذلك أمة الإجابة الذين ينتسبون إلى رسالة النبي ﷺ .
والأمة في اللغة تأتي لعدة معان؛ فتأتي بمعنى الزمن، وبمعنى الملة وبمعنى الإمامة، وبمعنى الطريقة، وبمعنى الطائفة، فهذه خمسة معان:
١- فتأتي بمعنى الزمن، مثل قوله تعالى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (يوسف: الآية ٤٥) أي بعد زمن
٢- وتأتي بمعنى الملة مثل قوله تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (المؤمنون: الآية ٥٢)
٣- وتأتي بمعنى الإمامة كقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة) (النحل: ١٢٠) أي إماما.
٤- وتأتي بمعنى الطريقة مثل قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) (الزخرف: الآية ٢٣) .
٥- وتأتي بمعنى الطائفة كما في كلام المؤلف.
فقوله: (بان ذي الأمة) يعني الطائفة، وهي أمة الإجابة (سوف تفترق بضعا وسبعين اعتقادا) البضع ما بين الثلاثة إلى التسعة، والمراد به هنا الثلاثة، كما جاء في الحديث: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت
стр. 87
النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)) (١) فهذه بضع وسبعون، وإنما افترقت على ثلاث وسبعين، لان الرسول ﷺ قال عن هذه الأمة: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!)) (٢) .
والمتبع لسنة من كان قبله مخالف لشريعته، فإذا كان اليهود إحدى وسبعين، والنصارى ثنتين وسبعين، وارتكب أحد من هذه الأمة طريقة النصارى، صار الضلال في اثنتين وسبعين فرقة واحدة هي التي خرجت عن مشابهة اليهود والنصارى، وصارت على ملة الرسول ﵊، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى:
.......................... .............................. والمحق
ما كان في نهج النبي المصطفى وصحبه من غير زيغ وجفا
ولذلك ذكر المؤلف في أول المقدمة أنه جاء الخبر عن رسول الله ﷺ بان هذه الأمة ستفترق، على ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها في النار ألا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) .
وقوله ﷺ : ((كلها في النار)) ليس معنى هذا إنها من أصحاب النار لكن ما خرجت به عن السنة فهو من عمل أهل النار؛ لان أهل النار مخالفون
стр. 88
لأهل الجنة، وكل من خرج عن عمل أهل الجنة فقد دخل في عمل أهل النار، ولا يلزم أن يكون من أصحاب النار، وفرق بين قوله: (في النار) وقوله: (من أصحاب النار) لان أصحاب النار هم أصحابها الذين هم أهلها وأما (في النار) فقد يكون المراد أنه يعذب بحسب ما خرج به عن أهل الحق، ولكن لا يخلد فيها.
والغريب أن هذه الفرق كلها تدعي إنها على الحق، فالذي على الحق منها أمره واضح، والذي على غير الحق ويدعي أنه على الحق، نقول: هذا لا تخلو حاله من أحد أمرين: إما شبهة عرضت له فظن أن ما هو عليه هو الحق، وإما شهوة عرضت له، أراد بذلك الرئاسة والجاه، فبقي على الضلال مدعيا أنه على الحق.
فالعوام المتبعون لأئمة البدع الذي حملهم على الخروج عن الحق شبهة لان العامي لا يدري، فظن أن هذا هو الحق، وأئمة البدع الضالون هؤلاء عرض لهم شهوة؛ لان الغالب عليهم أنهم يعرفون الحق، لكن أصروا على ما هم عليه من أجل البقاء على رئاستهم وعلى قيادتهم والعياذ بالله؛ مثل ما صنع أئمة الكفر في الجاهلية كأبي جهل وغيره، حين بقوا على الضلال مع علمهم بالحق، وكما فعل فرعون، حيث كان يعلم أنه على باطل، وأن الحق فيما جاء به موسى، ومع ذلك بقي على باطله.
إذا نقول: إن هذه الفرق الثلاث والسبعين كل واحدة منها تعتقد إنها على صواب وعلى الحق، فالذين أصابوا ما عليه الرسول ﷺ وأصحابه
стр. 89
هؤلاء على الحق ولا شك، والذين خالفوه عرضت لهم إما شبهة وإما شهوة.
قوله: (والمحق) يعني الذي على الحق (ما كان في نهج النبي المصطفى) في للظرفية، يعني ما كان في الدائرة التي كان فيها الرسول ﷺ .
وقوله: (المصطفى يعني المختار، الذي اختاره الله واصطفاه من خلقه حتى جعله رسولا للعالمين إلى يوم القيامة.
وقوله: (وصحبه) يعني الصحابة ﵃، (من غير زيغ وجفا) من غير زيغ: أي من غير ميل عن الحق بالغلو، ومن غير جفا: أي تقصير، والحقيقة أن التقصير زيغ، لكن لما ذكر المؤلف ﵀ الزيغ ثم ذكر الجفا، وجب أن نحمل الزيغ على الغلو والجفا على التقصير، يعني: فالذين على طريقة النبي ﷺ وأصحابه ﵃ من غير غلو ولا تقصير هؤلاء هم المحقون.
فإذا قال قائل: بأي شيء ندرك أن هذا منهج الرسول ﷺ وأصحابه؟
فالجواب: بالرجوع إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والآثار الواردة عن الصحابة ﵃.
وفهم من كلام المؤلف ﵀ أن قول الصحابة ﵃ حجة، لقوله: (في نهج النبي المصطفى وصحبه) وهذا أحد احتمالين:
الأول: أن يكون مراده بذلك أن قول الصحابي حجة.
الثاني: أن يكون مراده أن نهج الصحابة الرجوع إلى الكتاب والسنة، فمن كان على نهجهم ورجع إلى الكتاب والسنة فهو على صواب، ولا
стр. 90
يلزم على هذا الاحتمال أن يكون قول الصحابي حجة؛ لأنه - أي الصحابي - قد يرجع إلى الكتاب والسنة ويكون لديه خطأ في الفهم، أو خطأ في الدليل، لخفاء الدليل عليه أو لخفاء الدلالة.
وعلى كل حال كلام المؤلف يحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن يكون قول الصحابي مرجعا يرجع إليه.
والوجه الثاني: أن تكون طريقة الصحابي في استخراج الأحكام والعقائد مرجعا يرجع إليه.
والوجه الأخير اسلم للمرء، يعني إذا قال: أنا لا أريد ألا أن اتبع الكتاب والسنة لان هذا هو نهج الصحابة ﵃، فهو خير من أن يقول: اتبع الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة، ولكن اعلم أن ما اجمع عليه الصحابة فهو حق؛ لان الإجماع دليل مستقل بنفسه، وكلامنا في الاحتمالين - اللذين ذكرناهما - إنما هو في قول الواحد من الصحابة، وأما إذا اجمعوا فلا شك أن إجماعهم حجة وانه دليل مستقل.
стр. 91
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٢- وليس هذا النص جزما يعتبر ... في فرقة ألا على أهل الأثر
٢٣- فأثبتوا النصوص بالتنزيه ... من غير تعطيل ولا تشبيه
ــ
الشرح
قوله: (وليس هذا النص جزما) ، جزما: عائد على النفي، وليس متعلقا بقوله (يعتبر) ، يعني: بحيث أنه يعتبر ظنا، والمعنى أن هذا النص جزماً لا يعتبر في فرقة ألا على أهل الأثر. والنص، قوله ﷺ : ((كلها في النار ألا واحدة)) فهذه الواحدة نجزم جزما بأنها هي فرقة أهل الأثر، والأثر يعني الكتاب والسنة، لان الدليل أما اثر وإما نظر، فإن كان الدليل عقليا فهو نظر، وإن كان الدليل شرعيا فهو أثر.
وأهل الأثر هم الذين اتبعوا الآثار، فاتبعوا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃، وهذا لا يتأتى في أي فرقة من الفرق ألا على السلفية وأهل السلف، أي: الذين التزموا طريق السلف.
وقوله: (فأثبتوا النصوص بالتنزيه) : (أثبتوا) : الضمير هنا يعود على أهل الأثر، أثبتوها لفظا، وأثبتوها عقيدة، وأثبتوها عملا بمقتضاها، فالإثبات يتناول ثلاثة أشياء: إثباتها لفظا، وإثباتها عقيدة، وإثباتها عملا بمقتضاها، ثم إثباتها اللفظي يتفرع عليه الإثبات المعنوي فيحسن أن نقول إثباتها لفظها ومعنى، وإثباتها اعتقادا، وإثباتها عملا بمقتضاها.
مثال ذلك: من أسماء الله تعالى: السميع
стр. 92
أثبتوا هذا الاسم لفظا، وأثبتوه معنى أي أنه دال على السمع، واعتقدوا لله السمع، واعتقدوا أن الله تعالى متصف بالسمع، وعملوا بمقتضى ذلك، وهو أنهم إذا اعتقدوا أن الله يسمع نزهوا ألسنتهم عن قول ما لا يرضاه الله ، كما انك - ولله المثل الأعلى - لو كنت تعلم أن عندك رجلا ينقل كلامك إلى الملك فلن تتكلم بما لا يرضاه الملك، كذلك إذا علمت أن الله يسمع كل قول تقوله فانك إذا كنت مؤمنا بذلك فلن تتكلم بما لا يرضاه الله .
ومن أسماء الله تعالى البصير: أثبتوا هذا الاسم لفظا، وأثبتوه معنى أي: أنه دال على البصر، وباعتقاد ذلك وليس مجرد العلم، فليس مجرد العلم كافيا، بل لابد من عقيدة، والرابع: العمل بمقتضاه، ومقتضاه: الإيمان بان الله يرى، لا افعل شيئا لا يرضاه الله، ولا أتحرك بأي حركة لا يرضاها الله ، لأني أؤمن أن من أسماء الله البصير، وأن البصير متضمن البصر، واعتقد ذلك بقلبي، إذا جوارحي لابد أن تعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد.
وسبق أن العلم لا يستلزم العقيدة، فأبو طالب كان يعلم أن رسول الله ﷺ رسول من عند الله، لكن لم ينفعه؛ لأنه ما اعتقد ولا انقاد.
فقول المؤلف ﵀: (أثبتوا النصوص) ، نقول أثبتوها لفظا ومعنى واعتقادا وعملا بمقتضاها.
وقوله: (النصوص) جمع نص، والمراد به: الكتاب والسنة، وقوله: (بالتنزيه) ، الباء للمصاحبة؛ يعني أثبتوها إثباتا مصاحبا للتنزيه، والمراد
стр. 93
بالتنزيه: تنزيه الله عن كل نقص.
فمثلا يثبتون أن الله قدير، وأن هذا الاسم متضمن لمعناه وهي القدرة، ويعتقدون أن الله تعالى قادر بقدرة لا يلحقها نقص ولا يلحقه بها عجز، ويعملون بمقتضى ذلك، والعمل بمقتضى ذلك بان يعلموا أنه لو شاء الله لأخذهم أخذ عزيز مقتدر إذا خالفوا أمره، فالإنسان له قدرة، لك هذه القدرة فيها نقص؛ لان الإنسان لا يقدر على كل شيء، أما قدرة الله فليس فيها نقص، فإن الله على كل شيء قدير.
وهكذا جميع النصوص يثبتونها مع عدم النقص في إثباتها؛ سمع لا يعتريه صمم، وبصر لا يعتريه عمى، وكلام لا يعتريه خرس ولا عي؛ فكل النقص ينزهون الله عنه.
قال: (من غير تعطيل) يعني أنهم ينزهون الله تعالى تنزيها خاليا عن التعطيل.
والتعطيل: هو تخلية الله سبحانه وتعالى عما يجب له من الأسماء والصفات؛ لان أصل التعطيل التخلية، والشاهد على أن التعطيل بمعنى التخلية قوله تعالى: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) (الحج: الآية ٤٥) أي مخلاة متروكة، فالتعطيل معناه تخلية الله عما يجب له من الأسماء والصفات.
ويجوز أن نقول إن التعطيل يعود على النصوص، فيكون المعنى: تعطيل النصوص عما دلت عليه، وحينئذ فيكون للتعطيل وجهان: إما تعطيل الخالق أو النصوص، فإن كان الخالق؛ فمعنى تعطي الخالق: أن الله تعالى لا يوصف بما وصف به نفسه، وإن كان من النصوص فتعطيلها أن لا يعمل
стр. 94
بها، ويكون تعطيلها بإنكار دلالتها على الشيء، فلا يعمل بها، فيكون مثلا سميعا بلا سمع، كمن يقول في قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: ٢٣) أي منتظرة لثواب ربها، فيعطل النص عما أريد به.
وفي قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر: ٢٢) ، أي: وجاء أمر ربك فهو بهذا قد عطل النص وعطل الله. عطل الله عن مجيئه الحقيقي وعطل النص بان حرفه فعطل معناه المراد به لان المراد بالنص (وجاء ربك) ، أي: جاء الله نفسه. فإذا قال: جاء أمر ربك فقد عطل النص عن معناه المراد به.
والذين يحرفون النصوص قالوا على الله بلا علم، في الإثبات وفي النفي، فقالوا: إن الله أراد كذا، وهو لم يرد، وقالوا: لم يرده، وهو قد أراده.
ولو قال قائل: كيف تجزمون بأنه أراده؟ أليس يحتمل أن يكون مراده ما حرفوه إليه؟
فالجواب: أن الله يخاطبنا بما تقتضيه عقولنا، وكلام الله موجه إلينا، والنبي ﷺ لم يترك شيئا ألا وبينه، فلو كان المراد غير ظاهره لبينه النبي ﷺ ، إذا نحن نجزم أن ظاهره مراد، لأنه لم يرد خلافه عن النبي ﵊، ولو كان المراد خلفه لبينه الرسول ﵊، ولهذا يصح أن نقول: اجمع الصحابة ﵃ على أن الله يجيء بنفسه.
فإذا قال قائل: هاتوا لنا حرفا واحدا عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو
стр. 95
علي أو ابن مسعود أو ابن عباس أو غيرهم أن الله يجيء بنفسه؟ فنقول: لو كان المراد خلاف ذلك لنقل عنهم، فلما كانوا يقرؤون هذا صباحا ومساء ولم يرد عنهم ما يخالفه دل على أنهم يقولون به.
فلا حاجة إلى أن نأتي عن الصحابة في كل صفة من الصفات بقول من أقوالهم، فهذا ليس بلازم؛ لان الصحابة يقرؤون القرآن ويعرفون معناه، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلافه، فكان سكوتهم عن قول خلافه، أو كان عدم النقل عنهم عن قول خلافه، دليلا على أنهم قالوا به، ولهذا يصح أن تقول اجمع الصحابة على أن الله استوى على عرشه حقيقة وانه ينزل إلى السماء الدنيا حقيقة وهكذا، وليس المراد استوى على عرشه ولا المراد ينزل أمره.
فإذا قال قائل: أين الإجماع؟
فنقول: إن عدم نقل ما يخالف الظاهر عنهم دليل على أنهم أجروه على ظاهره.
وهذه فائدة تنفعك عند المناظرة لأهل التحريف لان أهل التحريف قد يطالبونك ويقولون: إئت لنا بخبر واحد يدل على أن الصحابة قالوا: إن الله يجيء بنفسه، أو إن الله ينزل بنفسه، أو إن الله استوى على العرش بنفسه، أين الدليل؟ ، فلو أنك رجعت إلى المسانيد والكتب المؤلفة في هذه الأمور بالإسناد قد لا تجد، لكن نقول: إن عدم نقل ما يخالف ظاهر القرآن عنهم يدل على أنهم قالوا بظاهر القرآن، لان القرآن عربي، وهم يتلونه صباحا ومساء، ويعتقدونه بمقتضى دلالة ذلك اللسان العربي، فلو نقل الإنسان
стр. 96
إجماع الصحابة في ذلك لكان نقله للإجماع صحيحا.
فالحاصل أن كلا المعنيين متلازمان يعني أنه إذا عطل الله عما يجب له فقد عطل النصوص عما دلت عليه.
فأهل التعطيل يعطلون النصوص عن مدلولها، ويخلون الله عما يتصف به مما تقتضيه هذه النصوص، وأهل السنة يتبرؤون من ذلك.
وإنما قال المؤلف ﵀: (بالتنزيه من غير تعطيل) لان المعطلة الذين أنكروا صفات الله، أو أنكروا بعضها، أو أنكروا الأسماء والصفات، أيضا يقولون: أنهم ينزهون الله، ويدعون أنهم منزهون لله، فيقولون: إن إثبات هذه الصفات يقتضي التشبيه، والله منزه عن المشابهة، فإذا يجب أن ننكر هذه الصفات، والغالون قالوا: يجب أن ننكر حتى الأسماء، لان إثبات الأسماء على زعمهم ينافي تنزيه الله ، حيث أنه يقتضي التشبيه عندهم.
أما أهل السنة فينزهون الله عن النقص، ولا يعطلون النصوص الواردة في إثبات الصفات.
قال: (ولا تشبيه) يعني أنهم لا يشبهون الله بخلقه، ومراد المؤلف ﵀ بالتشبيه: التمثيل، ولهذا لو عبر به لكان أولى، فلو عبر بدلا عن قوله: (ولا تشبيه) بقوله: ولا تمثيل، لكان أولى من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الذي جاء به القرآن والسنة نفي التمثيل لا نفي التشبيه، فليس في القرآن ولا في السنة نفي التشبيه وإنما الوارد نفي التمثيل، كما قال الله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) (مريم: الآية ٦٥) وقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
стр. 97
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١)
وقال تعالى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) (النحل: الآية ٧٤) ومعلوم أن المحافظة على لفظ النص لا سيما في هذه الأمور الدقيقة أولى من الإتيان بلفظ آخر، ولو ادعى من أتى به أنه مرادف للفظ الذي جاء به النص.
الوجه الثاني: أن نفي التشبيه فيه إجمال، لأنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه فهذا غلط، وإن أراد نفي التشبيه في كل الصفات فهذا هو نفي التمثيل، ومع ذلك أنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه؛ أي أنه لا يشابه الخلق في أي شيء، وفي أي وجه من الوجوه فهذا خطأ، وإن أراد نفي التشبيه، يعني نفي أنه مشابه للخلق من كل وجه وفي كل معنى فهذا يكفي عنه التمثيل، لان هذا هو نفي التمثيل، وهو كاف عنه.
أما الأول: وهو إن أراد نفي المشابهة من كل وجه، يعني أنه لا يشبههم بأي وجه من الوجوه فهذا باطل؛ لأنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه من بعض الوجوه، واشتراك في بعض المعاني، فمثلا الحياة يتصف بها الخالق ويتصف بها المخلوق، فبينهما تشابه من حيث أصل الصفة وهي الحياة، ولولا هذا التشابه المشترك بين صفات الله وصفات المخلوق ما عرفنا معاني صفات الله فلابد أن يكون هناك اشتراك وتشابه من بعض الوجوه.
كذلك لله علم وللمخلوق علم، وبين علم الله وعلم المخلوق تشابه من حيث أصل المعنى فالمخلوق يدرك ما يعلمه والخالق كذلك، فهناك اشتراك في أصل المعنى.
كذلك للمخلوق بصر وللخالق بصر، فالبصر للخالق والمخلوق مشتركان في أصل الرؤية، فبينهما تشابه من هذا الوجه لكنهما لا يتماثلان؛
стр. 98
لان المماثلة هي التساوي في كل وجه، والمشابهة: الاشتراك ولو في بعض الوجوه.
الوجه الثالث: أن نفي التشبيه صار عند كثير من الناس يعني نفي الصفات مطلقا، وذلك عند من يقول: إن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه، فإذا قلنا: من غير تشبيه، صار معنى هذا الكلام عندهم أي من غير إثبات صفة، فيوهم هذا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب أهل التعطيل؛ لأنهم يرون أن معنى نفي التشبيه هو نفي الصفات، حيث يزعمون أن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه، فيصير قولنا من غير تشبيه مساويا لقولنا من غير إثبات صفة، وهذه المسألة تحتاج إلى الانتباه لأهميتها، فإن أكثر ما يقرأ في الكتب في هذا الباب: من غير تشبيه، وهذا التعبير كما علم فيه نقص، والأولى أن يعبر عنه من غير تمثيل للوجوه الثلاثة التي ذكرناها:
الأول: أن نفي التمثيل هو الذي ورد به النص، بخلاف لفظ نفي التشبيه، فإنه لا في القرآن ولا في السنة.
قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١) ولم يقل ليس كشبهه شيء.
الثاني: ((من غير تشبيه) فيه إجمال، فإن أراد من غير مشاركة في أي نوع من المشاركة فهذا خطأ، وإن أراد من غير مشابهة يعني من غير مساواة في كل شيء فهذا صحيح، لكن يغني عنه لفظ نفي التمثيل، وهو أوضح منه.
الثالث: أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات مطلقا عند من يرى
стр. 99
أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه.
فالحاصل أن المؤلف ﵀ تابع في قوله ولا تشبيه عبارة كثير ممن كتبوا أو تكلموا في هذا الباب، والصواب أن نقول من غير تمثيل، ولهذا عبر شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية بذلك (١) ، فقال: ((من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل) ، وعند المناظرة على العقيدة عندما جلس له مناظره عند الوالي، فقال له: لماذا لم تقل: ولا تشبيه؟ ، قال: ((لان التمثيل هو الذي ورد به القرآن، فعبرت باللفظ الذي جاء به القرآن) ، ولم يذكر الوجهين الآخرين، لكن ذكر احدهما في العقيدة التدمرية (٢) -وهو أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات مطلقاً-.
стр. 100
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٤- فكل ما جاء من الآيات ... أو صح في الأخبار عن ثقات
٢٥- من الأحاديث نمره كما ... قد جاء فاسمع من نظامي واعلما
ــ
الشرح
قوله: (فكل ما جاء من الآيات) ، (فكل ما) ليست (كلما) التي هي أداة تكرار، بل (كل) هنا مضافة إلى (ما) الموصولة؛ يعني كل الذي جاء من الآيات.
وهنا قال المؤلف: (فكل ما جاء من الآيات) ولم يقل: وكل ما جاء في الأخبار، وذلك لان القرآن كله صحيح فهو محفوظ، أما السنة ففيها الموضوع وفيها الضعيف، ولهذا قيد فقال: (أو صح في الأخبار) .
هذه قاعدة ذكرها المؤلف ﵀، أن كل ما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ من الأحاديث فإننا نمره كما قد جاء، وهذا هو المروي عن السلف، أنهم يقولون في آيات الصفات وأحاديثها: ((أمروها كما جاءت بلا كيف) .
فالواجب علينا أن نمرها كما جاءت وهذا الإمرار ليس إمرارا لفظيا فقط بل هو إمرار لفظي معنوي، أما إمرارها لفا فقط فإنه مذهب باطل، ويسمى مذهب أهل التفويض أو المفوضة، وهو كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((من شر أقوال أهل البدع والإلحاد) (١) ؛ لأنهم بهذا
стр. 101
المذهب ارتكبوا خطأ عظيما، حيث جعلوا المسلمين يجهلون معاني آيات الصفات وأحاديثها، وهذا خطر عظيم، إذا كنا متعبدين بألفاظ الأحكام الشرعية كالصلاة والوضوء والتيمم والزكاة والحج، فكيف لا نتعبد بآيات الصفات حتى نفهم معناها؟!
فالمهم إننا نمره كما جاء، ومن المعلوم أنه لفظ جاء لمعنى، فالواجب إثبات هذا اللفظ ومعناه المراد به.
فإذا قال قائل: هل المعنى المراد هو الظاهر أو الاحتمال المرجوح؟
فالجواب: أنه هو الظاهر؛ لان صرف اللفظ عن ظاهره إلى احتمال مرجوح يحتاج إلى دليل، وهذا الدليل إذا لم يكن معلوما لنا كان ادعاؤه من أتباع الهوى والتحكم على الله .
وعلى هذا فنمر آيات الصفات الفعلية، وآيات الصفات الخبرية، وآيات الصفات الذاتية، - نمرها - على ما هي عليه، فالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والقوة وما أشبه ذلك من الصفات الذاتية، نمرها كما جاءت، ونقول: إن لله حياة وعلما وقدرة وسمعا وبصرا وقوة وعزة: إلى آخره، ولا يجوز أن نصرفها عن ظاهرها؛ لان صرفها عن ظاهرها خروج بها عما يراد بها.
كذلك الصفات الفعلية نمرها كما جاءت، مثل المجيء والإتيان، والغضب، والسخط، والرضا، والفرح، والعجب، وغير ذلك من الصفات الفعلية، فنقول: المراد بالرضا المعنى الحقيقي، وبالسخط المعنى الحقيقي، وبالفرح المعنى الحقيقي، وبالكراهة المعنى الحقيقي، وهكذا
стр. 102
لأنها ألفاظ جاءت لمعناها، فإذا صرفناها عن معناها الظاهر صار ذلك من باب أتباع الهوى لا الهدى.
والصفات الخبرية: هي التي تدل على مسمى هو أبعاص لنا وأجزاء، مثل: الوجه، واليد، والقدم، والأصابع، والعين، فكل هذه ألفاظ تدل على مسميات هي بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، أما بالنسبة لله فلا نقول إنها أبعاض وأجزاء؛ لان البعض والجزء ما يمكن انفصال بعضه عن بعض، وهذا بالنسبة لله مستحيل، ولهذا لم نر أحداً يقول: إن يد الله بعض منه أو جزء منه، أو إن وجهه جزء منه أو بعض منه، فلا يقال هذا في حق الله ؛ لان البعض والجزء ما صح انفصاله عن الأصل، وهذا بالنسبة لله أمر مستحيل، إذا نسميها يدا ووجها وعينا وأصبعا وقدما، وما أشبه ذلك، لكننا لا نسميها بعضا أو جزءا.
وعكس طريق السلف في هذا الباب: الذين أجروها على خلاف ظاهرها، أو أجروها على ظاهرها وجعلوها من جنس صفات المخلوقين، أو لم يجروها على ظاهرها ولا على غير ظاهرها، فسكتوا.
فمثلا: الذين أجروها على ظاهرها وجعلوها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء الممثلة، وحقيقة الأمر أنهم لم يجروها على ظاهرها، وإن ادعوا أن هذا هو الظاهر فهم كاذبون.
ولنضرب لذلك مثلا باليد، فإذا قالوا إن ظاهر اليد أن تكون مثل أيدي المخلوقين، قلنا: كذبتم ليس هذا ظاهرها؛ لان هذه اليد أضيفت إلى الله، فلا يمكن أن يكون المضاف إلى الله كالمضاف للمخلوقين، بل المضاف إلى الله يكون لائقا بالله ، ووصف كل موصوف يناسبه.
стр. 103
أرأيت يد الإنسان، هل تفهم من هذه اليد المضافة إلى الإنسان إنها مثل اليد المضافة إلى الذرة؟! أبدا، ولا يمكن أن يفهم هذا إلا من فيه هوس، فكذلك اليد المضافة إلى الله لا يمكن أن يكون مدلولها كاليد المضافة إلى الإنسان؛ لأنها يد أضيفت إلى موصوف بها، وصفة كل موصوف تليق به وتناسبه بحسبه، فقولكم: إن ظاهر النصوص هو التمثيل، وأننا اسعد بإتباع ظواهر النصوص ممن نفي التمثيل، فنقول إن قولكم هذا ليس بصواب.
والذين نفوا هذا الظاهر، وقالوا: إن المراد باليد القوة أو النعمة، وقالوا: نحن أسعد بتنزيه الله منكم، نقول لهم: كذبتم، لستم أسعد بتنزيه الله منا، بل انتم وصفتم الله تعالى وكلامه بالنقائص، حيث زعمتم أن الكتاب لا يراد به ظاهره، بل يراد به معنى يخالف الظاهر تتصرفون فيه انتم بعقولكم كما تشاءون، ولذلك نجدكم متفرقين في المعنى المراد بهذا اللفظ؛ منكم من يقول: المراد كذا؛ ومنكم من يقول: المراد كذا، وكل إنسان يأتي بما أراد مما يراه عقليات وهي وهميات وليست عقليات.
إذا نقول: إن هؤلاء الذين قالوا: إن المراد بها خلاف الظاهر، هم أيضا لم يتبعوا ما يلزمهم من إجرائها على ظاهرها.
أما ظاهرها فهو المعنى اللائق بالله حقيقة دون المجاز، فالمراد باليد يد حقيقية تأخذ وتتصرف وتقبض وتبسط، وكذلك أيضا المراد بالأصابع أصابع حقيقية يأخذ الله بها ما أراد من خلقه، وكذلك المراد بالعين، وهكذا بقية الصفات.
فنحن نمرها كما جاء لفظا ومعنى، لأنها ألفاظ جاءت لمعان، فمن نفي
стр. 104
اللفظ فإنه لم يمره، ومن نفى المعنى فإنه لم يمره، بل الواجب أن نمرها كما جاءت، ولا نتعرض بقولنا: كيف؟ ولم؟ لان هذا التعرض من سبيل أهل البدع بدليل قول الإمام مالك ﵀ عندما سئل عن الاستواء كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا رجل سوء، فأمر به فأخرج (١) .
فقال: ((والسؤال عنه بدعة)) ، فلا يجوز أبداً أن نسأل عن صفة من صفات الله فنقول: كيف؟ ، ولا يجوز أيضا أن نقول: إذا صح هذا لزم منه هذا مما يمتنع على الله، يعني مثل الذين يقولون: إذا صح نزوله إلى السماء الدنيا لزم أن تكون السماء الثانية فوقه، فهذا حرام ولا يجوز، ولا يمكن أن يقدر هذا التقدير من عرف الله وقدره قدره، بل نحن موقفنا في هذه الأمور هو التسليم، وعدم التعرض لأي سؤال مثل هذه الأسئلة.
أما لو قال: ما معنى النزول؟ أو ما معنى المجيء؟ أو ما معنى الضحك؟ فهذا لا باس أن يسأل عن المعنى حتى يبين له معنى الاستواء مثلا، لكن كيف استوى؟ كيف ينزل؟ كيف يجيء؟ كيف عينه؟ كيف يده؟ كيف قدمه؟ فهذا لا يجوز.
فالحاصل أن موقف أهل السنة والجماعة من الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله أن يمروها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فهي ألفاظ جاءت لمعنى وهم يمرون اللفظ والمعنى، وقلنا هذا احترازا من مذهب المفوضة الذين يقولون: نمر لفظها، دون أن
стр. 105
يتعرضوا لمعناها.
فمثلا (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) : نثبت أن الله مستو على العرش بدون كيف، ولا نتعرض لمعناها، بل المعنى معلوم ولكن بدون التكييف، والذين يقرؤون اللفظ ولا يتعرضون للمعنى هم أهل التفويض. أما نحن فنقول: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) نمره كما جاء وهو لفظ جاء لمعنى، والمعنى هو أنه علا على عرشه علوا يليق بجلاله وعظمته، ولا نكيفه ولا نمثله.
وكذلك أثبت الله عن نفسه أنه يجيء، فقال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر: ٢٢) نثبتها ونقول: إن الله يجيء حقا مجيئا يليق بجلاله ، ولا نقول كيف؟ بل نثبت المعنى.
وأما أهل التفويض فيقولون: نقرأ (وَجَاءَ رَبُّكَ) ولا نتعرض للمعنى.
стр. 106
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٦- ولا نرد ذاك بالعقول ... لقول مفتر به جهول
٢٧- فعقدنا الإثبات يا خليلي ... من غير تعطيل ولا تمثيل
ــ
الشرح
قوله: (ولا نرد ذاك بالعقول) ، ولا نرد ذاك: أي ما جاءت به النصوص من الآيات والأحاديث لا نرده بالعقول، وإنما قال ذلك إشارة إلى قول من يقول: إن المرجع في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل، فما اقتضى العقل ثبوته أثبتناه وما اقتضى العقل نفيه نفيناه، سواء كان موجودا في القرآن والسنة أم غير موجود، وما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه فأما أن نتوقف فيه، وإما أن ننفيه، وأكثرهم نفى ذلك.
الأول: ما اقتضى العقل ثبوته فيثبتونه، سواء كان ثابتا في الكتاب والسنة أم لا.
الثاني: ما اقتضى العقل نفيه فينفونه، سواء كان ذلك موجودا في الكتاب والسنة أم لا.
الثالث: ما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه. فانقسموا فيه إلى قسمين: قسم نفاه وهم الأكثر، وقسم توقف فيه، وقال: لا نثبت ولا ننفي؛ لان العقل لا يقتضي إثباته ولا نفيه، فالذين نفوه وهم الأكثر قالوا: لان العقل لم يدل عليه، وما لم يدل عليه الدليل فالواجب نفيه، والذين توقفوا فيه قالوا: إن العقل لم يدل على نفيه ولم يدل على إثباته، فالواجب التوقف.
стр. 107
لكن كل هذه القاعدة قاعدة مبنية على شفا جرف هار؛ لأنها قاعدة تقتضي تقديم المعقول على المنقول، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول.
وهذا من العجب؛ أن يقولوا: نحن نبع العقل، وهم يهدمون العقل بما يدعونه عقلا؛ لان العقل يقتضي أن هذه الأمور الغيبية نقتصر فيها على الخبر المجرد، لان العقل لا يمكن أن يتحكم فيها أو يدركها، فكان مقتضى العقل الصريح أن يرجع فيها إلى النقل فالخبر المحض الذي لا تدركه بعقلك كيف ترجع إلى عقلك فيه؟!
فمثلا: لو رجعت إلى عقلك بالنسبة إلى حال شخص من البشر، فلا يمكن أن تحكم بعقلك على أحواله، ولكن تعتمد في الحكم على أحواله على ما نقله عن نفسه أو ما نقل عنه بخبر الصادق، أما أن تحكم عليه بعقلك فهذا غير صحيح؛ فكل له تصرف يختص به، فأنت ربما في بيتك تقوم وتفطر وتروح لعملك، وربما هو يقوم ولا يفطر بل يروح إلى العمل قبل أن يفطر، وبذلك يختلف عنك، هذا وهو بشر، حاله قريبة من حالك، كيف بالله ؟! كيف تحكم على الله بعقلك والعقل يقتضي أن تعتمد في ذلك على النقل، لان هذا لا يثبت إلا بالخبر المحض.
ولهذا نقول: انتم يا أصحاب العقول هدمتم العقول؛ لأنكم تقولون: العقل يقتضي أن لا يوصف الله بذلك، وهو قد وصف به نفسه، وهو خبر عن أمر لا يدرك بالعقل فالواجب فيه الاعتماد على النقل، وتقولون هذا ثابت لله، والله لم يثبته لنفسه، وهذا أيضا إثبات للعقل بما ينافي العقل، لان
стр. 108
الذي يقتضيه العقل أن ما لم يبلغك خبره في أمر غائب عنك أن تتوقف فيه، وأما أن تثبته مع نفي الله له، فهذا زيادة في العدوان.
فالحاصل أن قول المؤلف ﵀ (لا نرد ذاك بالعقول) يشير به إلى رد قول من يقول: إن المرجع في صفات الله إلى العقل، ونقول هلم:
أولا: أن هذه القاعدة باطلة من أساسها لأنها تقتضي تقديم المعقول على المنقول، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول.
ثانيا: أن هذه القاعدة تبطل الاعتماد على العقل؛ لان العقل يقتضي أن ما طريقه الخبر المجرد يعتمد فيه على النقل وعلى الخبر ما دامت العقول لا تدركه، فالواجب أن يعتمد على ما اخبر الله به عن نفسه أو أخبرت به عنه رسله.
ثالثا: أن نقول: تحكيم العقل في هذا الباب تحكيم من لا يحيط بالحكم علما؛ وذلك لان ما يصف الله به نفسه لا يمكن للعقل أن يدركه، فإذا كان الله يقول: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) (الأنعام: الآية ١٠٣) ، والإدراك بالبصر إدراك بمحسوس، فكيف تدركه العقول؟ ! العقول لا تدركه كنه حقيقة صفات الله أبداً، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) .
رابعا أن هذه العقول التي زعمتم إنها مرجع ومحكم في صفات الله عقول متناقضة؛ لان هؤلاء العقلاء - كما يدعون - يتناقضون، فنجد بعضهم يقرر وجوب ذلك عقلا، والآخر يقرر امتناع ذلك عقلا، وفرق واسع شاسع بين الواجب والممتنع، وكل منهم يدعي أنه من ذوي العقول، هذا يقول: هذا ممتنع على الله ولا يجوز وصفه به، وهذا يقول: هذا واجب لله فيجب
стр. 109
وصفه به، فأين العقل؟! وبأي شيء يوزن ما يجب لله تعالى وما يمتنع؟! وبأي عقل يوزن إن قلنا بعقل زيد، قال عمرو: ما لكم تتركون عقلي؟ وإن قلنا بعقل عمرو، قال زيد: ما لكم تتركون عقلي؟ فبأي عقل يوزن؟ فهم متناقضون.
بل إنه كما قال شيخ الإسلام ﵀ وغيره من أهل العلم إن الواحد من هؤلاء الذين يحكمون العقل يكون متناقضا، فيكتب في بعض مصنفاته أن هذا واجب لله، ويكتب في المصنفات الأخرى أنه ممتنع على الله.
خامسا: أن في الاعتماد على العقل ارتكاب محظورين عظيمين:
الأول: أن نقول على الله ما لا نعلم.
الثاني: أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه.
وهذا محظور عظيم لا يمكن لمؤمن أن يرتكبه بل ولا يمكن لعاقل أن يرتكبه فضلا عن مؤمن.
وهؤلاء ارتكبوا ذلك بحجة أن العقل يمنع هذا على الله، أو بحجة أن العقل يوجب على الله هذا الشيء.
إذا الرجوع إلى العقل باطل من هذه الوجوه الخمسة.
والواجب أن نرجع إلى النقل، فإذا وجب الرجوع إلى النقل فهناك مرحلة أخرى واجبة، وهي أن نأخذ بظاهر هذا النقل ولا نحرفه، فلا نقول المراد به كذا وكذا مما يخالف الظاهر، بل الواجب أن نأخذ بظاهره.
فإذا قال قائل: إذا أخذت بظاهره فقد مثلت الله بخلقه، ولنفرض انك أخذت بظاهر اليد وأن لله يدين، فانك إذا قلت: إن المراد باليدين هما ما
стр. 110
يؤخذ بهما ويقبض فقد مثلت الله بخلقه، وحينئذ وقعت فيما هو كفر؟.
وجوابنا على ذلك أن نقول: من قال إن ظاهر اليدين حقيقة يقتضي المماثلة؟ ؛ بل لنا أن نقول إن ظاهر اليدين المضافتين إلى الله حقيقة يقتضي امتناع المماثلة؛ وذلك لأنها يد أضيفت إلى متصف بها، ومن المعلوم أن ما أضيف إلى الشيء فإنه يكون لائقا به، فاليدان اللتان أضافهما الله إلى نفسه يدان لائقتان بالله ، لا يمكن أن تماثل أيدي المخلوقين، الست تقول: يد إنسان، وتقول: يد حمار، وتقول: يد جمل، وتقول: يد هر، وتقول: يد أسد، وتقول: يد ذرة؟! فهل أحد من الناس يعتقد التماثل في هذه الأيدي؟! أبداً؛ لأنها أيد مضافة إلى متصف بها، فتكون هذه الأيدي لائقة بالموصوف بها، لكن لو قلت: يد أسد، ويد أسد آخر، صارت مماثلة. إذا علم التباين بين المخلوقات بعضها مع بعض فالتباين بين الخالق والمخلوق من باب أولى.
ومن اعتقد أن ظاهر نصوص الكتاب والسنة التمثيل فقد كفر، لان تمثيل الله بخلقه كفر، ومن زعم أن ظاهر الكتاب والسنة ما يقتضي الكفر فهو كافر؛ لان الكتاب والسنة يقرران الإيمان وينكران الكفر، ولهذا قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵀: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها (١)
فالحاصل أن نقول: إننا إذا أخذنا بظاهر النصوص لم نكن ممثلين بل