← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والخراج هو: أن المسلمين إذا غنموا أرضاً - والغنائم إما عقارات وأراض وإما منقولة - وفتحوها بالسيف، وجلا أهلها عنها فإنها تكون للمسلمين، ويخير الإمام بين قسمها على ما سبق، أي تقسم خمسة أسهم، والخمس الخامس يقسم خمسة أسهم؛ وبين أن يقفها على المسلمين، فيجعلها وقفاً، ويضرب عليها خراجاً. والخراج يعني الرزق، قال تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المؤمنون: ٧٢) والخراج: أن يجعل شيئاً معيناً من الدراهم مقابل مساحة معينة، وهذا الخراج يؤخذ من كل من تكون هذه الأرض بيده، سواء انتقلت بالميراث أو ببيع أو بغير ذلك. وهذه الطريقة اختارها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الموفق للصواب، عندما قسمت خيبر، كما في الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال يا رسول الله: (إني أصبت أرضاً بخيبر، ولم يكن لي مال أنفس منها ... ) (١) ، لكن أرض الشام ومصر والعراق التي فتحت في عهد عمر، رأى ﵁ ألا تقسم بين الغانمين، قال: إذا قسمناها بين الغانمين انحصر نفعها بالغانمين، فيكون أربعة أخماس النفع، فرأى أنها تبقى بأيدي أهلها عامة، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي بيده. ونظير الخراج الأجرة كما لو كان لأحد بيت وأجَّره واحداً من الناس عشر سنوات كل سنة بمائة أي بمبلغ معين، فهذه الأجرة نظيرها الخراج. ففي الخراج مثلاً؛ من أخذ من هذه الأرض مساحة كذا وكذا فعليه كذا

стр. 667

وكذا من الدراهم. وتبقى الأرض بيدهم، وكل سنة تسلم الدراهم التي جعلت عليها إلى بيت المال، والمعنيُّ ببيت المال هو الإمام، ولهذا قال: (وأخذ مال الفيء والخراج) فهذا من مسؤوليات الإمام. لكننا نعلم أنه الآن لم تعد توجد أرض خراجية يستخرج منها فقد تغيرت البلاد ومن عليها، لكن فيما سبق كانت موجودة، وتدر هذه الأرضي على بيت المال شيئاً كثيراً. مسألة: هل يمكن في الخراج المضروب أن يزاد فيه أو هو ثابت؟ الجواب: اختلف العلماء ﵏ فيما وضعه عمر ﵁، فمنهم من قال: لا يزاد على ما وضعه عمر لأنه له سنة متبعة، وأما ما وضعه الخلفاء بعده فإنه لا باس أن يزاد أو ينقص عليه، والمرجع إلى رأي الإمام في هذه المسألة، فقد تكون الأراضي مثلاً مرتفعة الأسعار فيزيد في الخراج وقد تكون بالعكس فينقص. ثم قال ﵀: (ونحوه) ، ونحوه بمعنى مثله، وهي كلمة واسعة عامة كثيرة، منها مثلاً: إذا مات ميت وليس له وارث، فإن ماله يذهب لبيت المال، والمعْني بذلك الإمام، وكذلك الأموال المجهول صاحبها، أي الضائعة ولم يعرف لها صاحب، فإنها أيضاً تكون لبيت المال، وهلم جرا، فهناك أموال كثيرة تدر على بيت المال، وبيت المال يُعنَى به الإمام، ويجب عليه أن يصرفه في مصالح المسلمين.

стр. 668

وقوله ﵀: (والصرف في منهاج) يعني وأيضاً هو يعتني بالصرف في منهاج، وما أثقل هذا، فالأخذ سهل على الإمام؛ فسهل أن يأخذ الخراج من الأراضي، وسهل أن يأخذ مال من مات وليس له وارث، كل هذا سهل، لكن الشاق هو الصرف في منهاج، أي الصرف في طريق شرعية، فصرف المال في طريق شرعي هذا من مسؤوليات الإمام. فيجب على الإمام أن يصرف مال المسلمين في الطريق الصحيح النافع للمسلمين، فلا يكون جماعاً مناعاً دفاعاً؛ جماعاً للمال، مناعاً في بذله في الخير، دفاعاً في بذله في الشر، فهذا حرام. ((إن أقواماً يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة)) (١) . فهذه مما يجب على الإمام من المسؤوليات العظيمة، وأكبر مسؤولية عليه فيما أرى من هذه الأشياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذا واجب في الحرب والسلم والأمن والخوف والرخاء والشدة، وواجب في كل قرية وفي كل مدينة وفي كل طريق، فلذلك نقول: إن مسؤوليات الإمام عظيمة نسأل الله أن يعين الأئمة على ما فيه الخير. وهل هذه الإمامة شرط في العبادات بمعنى أنها لا تصح العبادات إلا بإمام؟ والجواب: لا، إلا عند الرافضة، فالرافضة يقولون: لا يمكن أبداً أن نصلي جماعة إطلاقاً حتى يأتي الإمام المنتظر، هذا الإمام الذي يدعون أنه اختفى في سرداب منذ مئات السنين.

стр. 669

وكل صباح يهيئون فرساً عليه راكب، معه رمح وخبز وعسل وماء، فيجلس عند هذا السرداب ينتظر خروج الإمام، فإذا خرج أفطر بالخبز والماء والعسل، ثم أخذ الرمح وركب الفرس، وسار في الأرض يملؤها عدلاً بعد أن ملئت جوراً، ويسمى هذا الإمام المنتظر. فيقولون: لا يمكن أبداً أن نصلي جماعة ولا جمعة إلا إذا جاء هذا الإمام المنتظر، لكن في ظني أنه بعد أن جاء زعيمهم الذي أسس ولاية الفقيه غيَّر هذا الرأي، وقال: لا يمكن، أين الإمام المنتظر؟ لماذا لا نصلي جمعة ولا جماعة حتى يأتي! ، وصار يأمرهم أن يصلوا مع الجماعات والجمعات، وهذا طيب وتحول إلى حق والله المستعان.

стр. 670

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٧٥- ونصبه بالنص والإجماع ... وقهره فحل عن الخداع ــ الشرح بعد أن ذكر المؤلف ﵀ الفوائد والمصالح من تنصيب الإمام ومسؤولياته، وأنه لا غنى للأمة عنه، ذكر في هذا البيت الأمور التي ينصب بها، وهي: الأمر الأول: النص: فإذا نص عليه الخليفة من قِبله فإنه يكون خليفة، ولا تجوز منازعته، ولا يحتاج إلى بيعة؛ لأن بيعته يغني عنها بيعة الأول، إذ أن بيعة الأول معناها التزام الناس بتصرف الأول، وإذا تصرف الأول هذا التصرف وقال: إن الإمام من بعدي أو الخليفة من بعدي فلان، فإنه يكون هو الخليفة دون أن يكون هناك مبايعة. الأمر الثاني: الإجماع: وهو إجماع أهل الحل والعقد على بيعته، كما أجمع أصحاب الشورى الستة الذين وضعهم عمر علي مبايعة عثمان بن عفان ﵁، فإذا أجمع أهل الحل والعقد على شخص ونصبوه إماماً، صار إماماً، لكن بشرط ألا يكون الخليفة الأول قد نص على شخص معين، فإن كان قد نص على شخص معين فلا كلام، لكن لو مات ولم ينص على أحد فإنه يجتمع أهل الحل والعقد، فإذا أجمعوا على أن فلانا هو الخليفة صار خليفة. ولا يشترط أن يبايع كل فرد من الأمة، ولأن هذا شيء غير ممكن، ولهذا لم يبايع أبا بكر ﵁ إلا أهل الحل والعقد، ولم يرسل إلى كل

стр. 671

مراهق، ولا إلى كل عجوز، ولا إلى كل شاب، ولا إلى كل رجل أن يبايعه، ولم يرسل إلى مكة ولا إلى الطائف ولا إلى غيرها من البلاد، بل ولا إلى أهل المدينة، بل اكتفى بمبايعة أهل الحل والعقد. وبهذا نعرف أن من قال من السفهاء الأغرار: أنا لم أبايع، أنه أخطأ، فإنه لا يشترط أن يبايع كل واحد من الأمة، فالمبايعة ليست لكل واحد من الناس، بل المبايعة لأهل الحل والعقد، فإذا اجمعوا عليه وبايعوه صار إماما، ووجب على الجميع التزام أحكام الإمام في هذا الرجل الذي أجمع عليه أهل الحل والعقد، وذلك مثل عثمان ﵁، فقد بويع بإجماع أهل الشورى الذين نصبهم عمر ﵁. الأمر الثالث: القهر: يعني لو خرج رجل واستولى على الحكم وجب على الناس أن يدينوا له، حتى وإن كان قهراً بلا رضا منهم؛ لأنه استولى على السلطة، ووجه ذلك أنه لو نوزع هذا الذي وصل إلى سدة الحكم لحصل بذلك شر كثير. وهذا كما جرى في دولة بني أمية فإن منهم من استولى بالقهر والغلبة، وصار خليفة ينادى باسم الخليفة، ويدان له بالطاعة امتثالاً لأمر الله . فهذه هي الطرق التي يكون بها الإمام إماماً وهي ثلاثة: النص والإجماع والقهر. وإذا قلنا: إن الخلافة تثبت بواحد، هذه الطرق الثلاث فيعني ذلك أنه لا يجوز الخروج على من كان إماماً بواحد منها أبدا. ولهذا قال المؤلف ﵀: (فحل عن الخداع) يعني لا تخادع ولا تخن إذا ثبتت الإمامة بواحدة من هذه الطرق، فالإمامة ثابتة بها.

стр. 672

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٧٦- وشرطه الإسلام والحرية ... عدالة سمع مع الدرية ١٧٧- وأن يكون من قريش عالماً ... مكلفاً ذا خبرة وحاكما ــ الشرح قال ﵀: (وشرطه) أي شرط الإمام الذي يكون خليفة على المسلمين، وعدد ﵀ شروطاً، وهي: الشرط الأول: (الإسلام) وهذا لابد منه، فلا يمكن أن يتولى على المسلمين غير مسم أبداً، بل لابد أن يكون مسلماً. فلو استولى عليهم كافر بالقهر، وعندهم فيه من الله برهان أنه كافر؛ بأن يعلن أن يهودي أو نصراني مثلاً، فإن ولايته عليهم لا تنفذ ولا تصح، وعليهم أن ينابذوه، ولكن لابد من شرط مهم وهو القدرة على إزالته، فإن كان لا تمكن إزالته إلا بإراقة الدماء وحلول الفوضى، فليصبروا حتى يفتح الله لهم باباً؛ لأن منابذة الحاكم بدون القدرة على إزالته لا يستفيد منها الناس إلا الشر والفساد والتنازع، وكون كل طائفة تريد أن تكون السلطة حسب أهوائها. الشرط الثاني: (الحرية) فيشترط أن يكون حراً، أما الرقيق فلا ولاية له؛ لأن الرقيق قاصر، والرقيق مملوك، فكيف يكون مالكاً؟ فلو فرض أن العبد الرقيق كان مالكاً خليفة فكيف يتصور موقفه مع سيده؟! لا شيء لأن سيده مالك له، وإذا كان هو مملوكاً بمنزلة البعير يباع ويشترى ويؤجر. فكيف يكون هذا إماماً للمسلمين!؟ ، فلابد من الحرية. بل لابد من كمال الحرية ولا

стр. 673

يصح أن يكون المبعض إماماً، لأن هذا الجزء الرقيق منه يمنعه من كمال التصرف. الشرط الثالث: (العدالة) والعدالة هي العدل، أي أن يكون عدلاً، والعدالة في اللغة هي: الاستقامة، وفي الشرع هي: الاستقامة في الدين والمروءة، يعني أن يكون مؤدياً للفرائض، مجتنباً للكبائر، ذا مروءة من الكرم والشجاعة والحزم واليقظة وما أشبه ذلك. فإذا لم يكن مستقيماً في دينه فإنه لا يجوز أن يولى، وهذا الشرط شرط للابتداء، أي العدالة شرط للابتداء، بمعنى أننا لا نوليه وهو غير عدل إذا كان الأمر باختيارنا، أما من ملك وصار خليفة فإن العدالة ليست شرطاً فيه، ولهذا أذعن المسلمون للخلفاء ذوي الفسوق والفجور، مع فسقهم وفجورهم وخلاعة بعضهم، وانحراف بعضهم في الدين، إلا أنه انحراف لا يصل إلى الكفر. إذاً فالعدالة هنا شرط للابتداء، يعني عندما نريد أن ننصب إماماً فلابد أن يكون عدلاً، أي مستقيماً في دينه ومستقيماً في مروءته. الشرط الرابع: (سمع) ، يعني يشترط أن يكون سميعاً، فإن كان أصم لا يسمع أبداً فإنه لا يصح أن يكون إماما، وهذا أيضاً شرط في الابتداء، فلو أنه صار إماماً ثم حدث له حادث فأصمه، فإن ولايته باقية، لكن حينما نريد أن ننصبه لابد أن يكون سميعاً، وذلك لأن الأصم لا يمكن أن يتم به الحكم، وإن تم في بعض الأمور لكن لا يكون تاماً كما ينبغي، حتى وإن كان له وزراء ومساعدون يساعدونه فإنه لا يكفي، فلابد أن يكون سميعا. على أن الشرط هو مطلق السمع وإن لم يكن قوياً، فالمهم أن يسمع ولو كان سماعه بعد التصويت البالغ، وذلك لأن غير السميع لا يتم به التصرف

стр. 674

في الإمامة. الشرط الخامس: قال: (مع الدرية) يعني أن يكون ذا دراية، يعني ذا فطنة، ومعرفة بالسياسة، ومعرفة بالأحوال، حتى يدير الحكم على ما تقتضيه الشريعة، وتقتضيه المصالح، والمصالح لا تنكرها الشريعة، وضد ذي الدرية المغفل الغبي، فلا ينصب إماماً وهو مغفل غبي، يأتيه الصبي فيلعب بعقله. فلابد لمن يتولى على المسلمين أن يكون عنده دراية، أي علم بأحوال الناس، وبمخادعة الناس، وغير هذا مما تتطلبه الإمامة. الشرط السادس: قال: (وأن يكون من قريش) أي أن يكون الخليفة من قريش، وهذا أيضاً شرط في الابتداء، ومع ذلك فقد اختلف العلماء ﵏ في اشتراطه؛ فمنهم، قال: لابد أن يكون من قريش، فإن كان من غير قريش ولو كان عربياً فإنه لا يجوز أن يكون إماماً، وهذا رأي الجمهور. ومعنى لا يجوز أن يكون إماماً أي لا يجوز أن ننصبه إماماً، ووجه ذلك انه قد ورد في بعض الأحاديث، ما يدل على أنه لابد أن يكون من قريش، ولأن قريشاً أفضل العرب وفيهم أفضل الرسالة، فكانوا أحق بالإمامة، كما جعلهم الله تعالى أحق بالرسالة. الشرط السابع: قال: (عالما) يعني ذا علم، والمراد بالعلم هنا العلم بأحوال الخلافة وما تتطلبه الخلافة، فلا يشترط أن يكون عالماً بالشرع، وإن كان علمه بالشرع أكمل، لكنه ليس بشرط، أما العلم بما تتطلبه الإمامة فلابد منه، إذ كيف يتصرف من لا يعلم المناسب من غير المناسب، وهل هذا لابد منه أو مما استغنى عنه، وما أشبه ذلك.

стр. 675

الشرط الثامن: (مكلفاً) يعني بالغاً عاقلاً، فلا يجوز أن نجعل صبياً له عشر سنوات خليفة على المسلمين؛ لأن من دون البلوغ مولى عليه، فكيف يكون والياً على المسلمين؟ حتى لو فرض أنه مراهق، وأنه ذكي فإنه لا يصح أن يتولى إمامة المسلمين لنقصه. وإن كان مجنوناً فمن باب أولى ألا يجوز به، فلا يعقل أن نجعل الرجل المجنون خليفة على المسلمين، فيوماً يجلب عليهم بلية، ويوما يأمرهم بطامة، فلابد أن يكون بالغاً عاقلاً. الشرط التاسع: (ذا خبرة) ، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، وهي أخص من قوله فيما سبق: (عالما) ، وهي أن يكون ذا خبرة في أساليب الحكم، ومنها أن يكون ذا خبرة فيما يتعلق بالجهاد، من السلاح وغير ذلك. وهذه الشروط كما سبق أن قلنا شروط في الابتداء، إلا الإسلام فإنه شرط في الابتداء والدوام. الشرط العاشر: (وحاكما) وهذا الشرط يعني أن له قوة شخصية حتى يحكم تماماً؛ لأن من الناس من يكون له علم وخبرة وعدالة ومن قريش وغير ذلك من الشروط، لكنه ليس بحاكم، يلعب به في الحكم، فيكون حاكماً بلا حكم، ولا فائدة منه حينئذٍ، فلابد أن يكون حاكماً؛ أي ذا شخصية يستطيع بها تنفيذ حكمه. فهذه شروط عشرة للإمامة؛ واحد منها شرط للابتداء والاستمرار، وهو الإسلام، ويلحق به أيضاً العقل إذ لابد منه، فلو جن فإنه يجب عزله، وإقامة غيره، لكن إذا فسق بعد العدالة، أو ضعف لكنه يستطيع تدبير الحكم، فإنه لا تزول ولايته.

стр. 676

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:: ١٧٨- فكن مطيعاً أمره فيما أمر ... ما لم يكن بمنكر فيحتذر ــ الشرح قوله: (كن) يعني أيها الإنسان، (مطيعاً أمره) أي أمر الإمام، (فيما أمر) يعني في كل ما أمر به؛ لأن (ما) اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم، أي في جميع ما يأمر به، (ما لم يكن بمنكر) فإن أمر بمنكر فلا طاعة له. والنصوص في هذا من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ معلومة مستفيضة مشهورة. من ذلك قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: الآية٥٩) ، ومن السنة قول الرسول ﷺ : ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أمر)) (١) ، وحديث رسول الله ﷺ : ((اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) (٢) وغير ذلك كثير. وتعليل ذلك انه لو عصي الإمام لصار الناس فوضى؛ إذ لا فائدة في أمام لا يؤتم به. فلابد من طاعة ولي الأمر. لكنه يقول: (ما لم يكن بمنكر) والمنكر نوعان: إما فعل محرم وإما ترك واجب، فلو أمر بترك الواجب، وقال: لا تصلوا مع الجماعة مثلاً. فإنه يقال: لا سمع ولا طاعة، ونصلي مع الجماعة.

стр. 677

ولو أمر بمنكر بأن قال مثلاً: يا فلان في البلد نصارى كثيرون، والنصارى لا يحرمون شرب الخمر، فافتح لهم معملاً للخمر حتى يشربوا، كما أنك تشرب المرطبات، وما أشبهها، فلا يطاع في ذلك حتى ولو أمر به؛ لأن هذا معصية لله ، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: الآية٥٩) فلم يعد الفعل مع أولي الأمر، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، فدل ذلك على أن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله، فإذا أمروا بالمعصية فلا سمع ولا طاعة. أما إن اكرهوا على المعصية، مثل أن يقولوا: احلق لحيتك وإلا حبسناك، فإنه تباح المعصية للإكراه؛ لأن الله أباح الكفر للإكراه، لكن بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، فهنا أيضاً المعصية إذا أُمرت بها وأكرهت عليها فافعل، بشرط أن يكون قلبك مطمئناً بأن هذا معصية لله، ولولا الإكراه ما فعلت. وهذا من رحمة ارحم الراحمين ، إن الإنسان عند الإكراه يفعل ما اكره عليه. لكن إذا اكره الإنسان على الفعل فهل يفعله دفعاً للإكراه أو يفعله للإكراه؟ قال بعض العلماء: لابد أن ينوي أنه يفعله دفعاً للإكراه لا للإكراه ولكن الصحيح أنه ليس بشرط أن يفعله دفعاً للإكراه، بل الشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالأيمان وبحكم الله ؛ لأن كونه يريد بذلك دفع الإكراه لا يتسنى لكل أحد، فلا يتسنى إلا لطالب علم يعرف، ثم إن طالب العلم قد يكون المقام لهوله وشدته منسياً له عن هذه الإرادة، فالصواب أنه يفعله

стр. 678

للإكراه لا اختياراً له، لا لدفع الإكراه. والفرق أن فعله لدفع الإكراه يعني لا يريد به إلا أن يدفع إكراه هذا الرجل ولا يريد الفعل، أما فعله للإكراه فيعني أنه يريد الفعل، لكن لأنه مكره لا اختياراً للفعل، فالأول لم ينو الفعل أصلا ًإنما هو مدافع فقط أي يدافع الإكراه، والثاني نوى الفعل لكن من أجل الإكراه وقلبه مطمئن. وهناك مرتبة ثالثة وهي أن يفعل الفعل مع الاطمئنان إليه فهذا له حكم الفاعل بدون إكراه. وقد يقول قائل: إن هذه مسألة فرضية ولا يمكن أن توجد. لكن نقول: أنها قد توجد، فقد يكون الرجل يكره المعصية التي أمر بها، لكن يجعل الإكراه سبباً مبيحاً، فهو يريد المعصية لكنه قبل الإكراه لا يفعلها، فيجعل الإكراه سبباً لاستباحتها. مثال ذلك: لو فرضنا أن رجلاً يحب الزنا والعياذ بالله ويريده، لكن ما دام لم يحرض فهو مجتنب له، فإذا جاء أحد يكرهه سواء من المرأة نفسها أو من غيرها، فعله حباً له وتعلل بأنه مكره، وهذا أمر يقع. ولذلك قال الفقهاء ﵏: إن الرجل إذا اكره على الزنا فزنى فإنه تجب إقامة الحد عليه، ولو أكرهت المرأة لم تجب إقامة الحد عليها، وعللوا ذلك فقالوا: لأن الرجل لا يمكن أن يجامع إلا إذا انتشر ذكره، ولا انتشار إلا بإرادة، فكأن هذا الرجل يريد الزنا لكنه يخشى من اللوم.

стр. 679

فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامة هذه الأمة، ورمز شرفها وفضلها، لقول الله ﵎: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: الآية١١٠) ، وقال تعالى في بني إسرائيل: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) (المائدة: الآية٧٩) حتى إن بعض العلماء ذكره من أركان الإسلام هو والجهاد، وذلك لأنه أمر عظيم لا تقوم الأمة إلا به، ولا يحصل الائتلاف إلا به، قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤) (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: ١٠٥) فدل ذلك على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجب للاختلاف، وهذا ظاهر لأننا إذا جعلنا كل واحد يعمل كما شاء تفرقت الأمة. فإذا التزمت الأمة جميعاً على العمل بدين الله ائتلفت واتفقت، وهذا هو السر في قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (آل عمران: الآية١٠٥) بعد قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) . ولابد هنا أن نعرف ما هو المعروف وما هو المنكر:

стр. 680

أما المعروف: فهو ما عَرفه الشارع وأقره وأمر به؛ فكل ما أمر الله به فهو معروف. والمنكر: هو ما نهى الله عنه، فكل ما نهى الله عنه فإنه منكر، يعني وهو منكر؛ لأن الشرع أنكره والنفوس السليمة والعقول المستقيمة كذلك تنكره. قال بعض العلماء: إن الله ما أمر بشيء فقال العقل: ليته لم يأمر به وما نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينه عنه، وهذا يعني أن المأمورات موافقة ومطابقة للعقول الصريحة، وكذلك المنهيات، لكن العقل لا يمكن أن يحيط بتفاصيل المصالح والمفاسد حتى يستقل بالأمر والنهي، ولذلك لابد من الشرع، والإنسان إذا لم يقس الأمور بالشريعة ضل. أما حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو فرض كفاية، إن قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإن لم يقم به من يكفي تعين على الجميع، لقول الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) و (من) هنا قيل: إنها للتبعيض، يعني وليكن بعضكم، وقيل: إنها لبيان الجنس، فتكون للعموم، يعني كونوا أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله. وإذا تتبعت موارد الشريعة عرفت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، لكن من رأى المنكر فلينه عنه، ومن رأى الإخلال بالمعروف فليأمر به، ومن رأى من ينهى عن منكر فلا يجب أن ينهى هو أيضاً عنه؛ لأنه حصل بهذا الناهي الكفاية، إلا إذا رأينا الذي أنكر عليه لم يمتثل، فحينئذٍ يتعين أن يساعد هذا الناهي.

стр. 681

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٧٩- واعلم بان الأمر والنهي معا ... فرضا كفاية على من قد وعى ١٨٠- وإن يكن ذا واحد تعينا ... عليه لكن شرطه أن يأمنا ــ الشرح من المعلوم أنه إذا صُدرت الجملة باعلم فهو دليل على الاهتمام بها والعناية بها، ومن ذلك قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (محمد: الآية١٩) ، وقوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: ٩٨) وقوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: الآية٢٠) فالمؤلف ﵀ هنا صدر حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله (واعلم) يعني أيها المخاطب (بأن الأمر والنهي معاً) أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (معاً) أي جميعا، (فرضا كفاية) ؛ (فرضا) : خبر أنَّ مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وقد قيل إن مثل هذا التعبير غير صحيح، وذلك لأن فرض مصدر والمصدر لا يجمع ولا يثنى حتى وإن وقع خبراً أو وقع وصفاً، قال ابن مالك ﵀: ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا لكن يسهل تثنيته أو جمعه أنه بمعنى اسم المفعول، واسم المفعول يجمع ويثنى ويفرد، فمعنى فرضا كفاية: أي مفروضاً كفاية، وعلى هذا سهل أن يثنى وهو مصدر. وقوله: (فرضا كفاية) معناه أن المقصود حصول الفعل بقطع النظر عن

стр. 682

الفاعل، فإذا وجد الفعل فلا يهمنا أن يكون الفاعل واحداً أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر، المهم أن هذا الفعل يوجد، ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقصد إيجاده فقط بقطع النظر عن القائم به، وحده أهل العلم بقولهم فرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. واختلف العلماء ﵏ أيهما أفضل فرض الكفاية أو فرض العين؟ فقال بعضهم: فرض الكفاية أفضل؛ لأن الإنسان يقوم به عن نفسه وعن غيره، وأما فرض العين فلا يقوم به إلا عن نفسه فقط. ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلاً؛ فأما من حيث التأكد ومحبة الله للفعل ففرض العين أفضل، ولذلك أوجبه الله على كل واحد. وأما من حيث إن القائم بفرض الكفاية قام عن الباقين فهو أفضل؛ لأنه اسقط به الفرض عن نفسه وعن غيره. وقوله: (على من قد وعى) أي على من كان واعياً، أي عاقلاً، ولم يذكر المؤلف ﵀ إلا شرط العقل، ويمكن أن يقال: بل المراد بالوعي ما هو أعم من العقل، فالمراد العاقل العالم، وذلك لأن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر مما ذكره المؤلف ﵀؛ فمن الشروط ما يلي: الشرط الأول: أن يكون الإنسان عالماً بأن هذا منكر، يعني أنه قد أنكره الشرع، فلا يجوز أن يحكم بالذوق أو بالعاطفة أو ما أشبه ذلك؛ لأن المرجع في هذا إلى الشرع، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: الآية٣٦) ونضرب مثلاً لذلك بأنه أول ما ظهرت مكبرات الصوت في المساجد،

стр. 683

أنكرها بعض الناس، وقال: إن هذا حرام فهذا بوق اليهود تماماً، ونحن إذا صلينا واستخدمناه فإننا نتشبه باليهود في عبادتنا ولكن الصواب أن هذا ليس من أبواق اليهود، وليس هذا إلا نقل الصوت على وجه أوسع فقط، وكما أن الإنسان يضع نظارة على عينه فتكبر الحروف، فإنه هنا يضع إمامه لاقطة تكبر الصوت، ولا فرق. إذاً فلابد أن يعلم من ينهى أن هذا الذي ينهى عنه محرم، حتى إننا رأينا أيضاً من يقول: إنه يحرم على الإنسان تحريماً باتا قاطعاً أن يستمع إلى القرآن من الشريط المسجل؛ لأن الشريط المسجل ليس له أجر، وأنت لابد أن تستمع إلى إنسان يؤجر فتؤجر معه، وهذه تعاليل عليلة، ثم يذهب هؤلاء ينكرون حتى على أهلهم إذا دخلوا بيوتهم ورأوهم يستمعون إلى القرآن وهذا غير صحيح. إذاً لابد أن نعلم أن هذا الذي ننكره أنكره الشرع، ثم إننا إذا رأينا من يفعل منكراً في رأينا، لكنه ليس منكراً عند غيرنا، ونحن نعلم أن هذا الرجل الذي تلبس بما نراه محرماً يرى أنه حلال، فإنه لا يلزمنا أن ننكر عليه ما دامت المسألة فيها مجال للاجتهاد. مثال ذلك: إذا رأينا رجلا يرمي الجمرات في الليل، ونحن نرى أنه لا يرمى بالليل في أيام التشريق، وكنا نعرف أن هذا الرجل يرى أنه يجوز الرمي ليلاً، فلا يجب علينا أن ننكر عليه؛ لأن المسألة فيها مجال للاجتهاد فلا ننكر عليه. وكذلك إذا رأينا رجلا يشرب الدخان، وهو يرى بدليل شرعي أنه حلال، فلا يجب أن ننكر عليه ما دمنا نعلم أنه يقول: إنه حلال؛ لأن هذا

стр. 684

فيه مجال للاجتهاد. وكذلك إذا رأينا امرأة كاشفة وجهها، وهي ترى أنه يجوز كشف الوجه للرجال الأجانب فلا ينكر عليها لأنها تعتقد أن هذا هو الدين، لكن لنا أن نمنعها إذا كانت في بلد محافظ وأهله يرون أنه لابد من تغطية الوجه، ولا يكون ذلك من جهة أنه حرام عليها في الشرع لأنها تعتقد أنه حلال، لكن من جهة أن هذا يفسد علينا النساء. ولهذا قال العلماء ﵏: يجوز أن نقر أهل الذمة على شرب الخمر ما لم يعلنوه في أسواقنا، فإن أعلنوه منعناهم للإعلان لا لأنه حرام؛ لأنهم معتقدون أنه حلال، وهذه المسألة يجب التفطن لها. صحيح أننا لا ننكر على غيرنا اجتهاده ما دامت المسألة فيها مساغ للاجتهاد، لكننا نمنع ما يكون ضرراً علينا. إذاً لابد أن نعلم أن هذا الذي ننكره منكر، ولابد أيضاً أن يكون الذي ننكر عليه يرى أنه منكر، فإن كان لا يرى أنه منكر، وهو مما يسوغ فيه الاجتهاد فإنه لا يلزمنا أن ننهى عنه؛ لأن الدين يسر، والصحابة ﵃ وهم أجل منا قدراً وأحب للائتلاف والاجتماع منا، لا ينكر بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد، وإن كان الحاكم منهم الذي يتولى الحكم قد ينكر على غيره الاجتهاد خوفاً من أن يشيع في المجتمع، كما أنكر أحدهم على عبد الله بن عباس ﵄ في مسألة المتعة؛ لأن عبد الله بن عباس ﵄ يرى جواز المتعة للضرورة، ولكن القول الذي عليه أهل العلم - عامتهم أو أكثرهم - أنه لا يجوز للضرورة؛ لأنه يمكن للإنسان أن يعقد النكاح عقداً شرعياً.

стр. 685

الشرط الثاني: أن نعلم أن هذا الفاعل فاعل للمنكر وهو منكر في حقه؛ لأنه قد يكون منكراً عندنا وعنده، ولكنه في حال يباح له أن يمارس هذا المحرم، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: الآية٣٦) مثال ذلك: ((إنسان يأكل لحم ميتة)) عند الجميع، لكن هذا الرجل مضطر إن لم يأكل مات، فلا ننكر عليه إذا أكل، إذاً لابد أن نعلم أن هذا الفاعل للمنكر قد فعله وهو منكر في حقه. وكذلك نقول في الأمر بالمعروف: إنه لابد أن نعلم أن هذا التارك للمعروف تركه وهو معروف في حقه، ولهذا لما دخل الرجل والنبي ﷺ يخطب وجلس، فلم يأمره النبي ﷺ بداية، بل سأله ﷺ أولاً قال: ((أصليت؟)) قال: لا (١) إذاً لا نأمر بالمعروف حتى نعرف أن هذا الذي تركه في حال يؤمر فيها؛ لأنه قد تقول لرجل دخل المسجد: قم صل، فيقول صليت، ففي هذا تسرع والأولى أن تسأله أولاً. ومثل ذلك يقال في الواجب؛ فلو أن رجلاً أكل لحم إبل، وقام يريد أن يصلي، وترك الوضوء مع أن وضوءه من لحم الإبل معروف، فإذا كنت أعلم أن يرى أنه لا يجب الوضوء منه فلا آمره؛ لأنه يقول: أنا لا أرى الوجوب. إذاً لابد أن نعلم أن هذا التارك للمعروف يرى أنه معروف، أما إذا كان

стр. 686

لا يرى أنه معروف، ويقول: الأمر ليس للوجوب فلا آمره. لكن لي أن آمره على سبيل الاستحباب، فأقول: يا أخي أنت ترى أنه ليس واجباً، لكن الاحوط والأولى بك أن تتوضأ. الشرط الثالث: ألا يتغير المنكر إلى ما هو أنكر منه، وفي هذا القمام تكون أربعة أحوال إذا نهينا عن المنكر: إما أن يزول بالكلية إذا نهينا عنه، أو يقل، أو يتغير إلى منكر مساوٍ له أي مثله، أو يتغير إلى أشد. فإذا كان يزول بالكلية أو يقل فالنهي عن هذا المنكر واجب؛ لأن إزالة المنكر والتقليل منه واجب، فيجب أن ننهى. أما إذا كان يتغير إلى مثله؛ مثل لو نهينا شخصاً عن السرقة من آخر فذهب يسرق من ثالث، فهنا تغير المنكر لكن إلى مثله مساوٍ له، فهنا لا ننهاه ما دمنا نعلم أنه لابد أن يفعل. ولو أن هناك سلطاناً جائراً يريد أن يضرب ضريبة على التجار، فضرب على رجل فنهيناه عن الضريبة لأنها حرام، فقال: حرام أن نأخذ من هذا إذاً نأخذ من آخر، فهذا لا ننهاه؛ لأنه لا فائدة من النهي. ولو قال قائل: إلا يمكن أن يكون تغيره من حال إلى حال سببا لإقلاعه عنه؟ قلنا: إن صح ذلك وجب النهي، أما إذا لم يصح فيقال: ليس بواجب. لكن هل يخير الإنسان بين أن ينهى أو يترك؟ وأيهما أرجح النهي أو الإمساك؟ ، الظاهر أنه ينظر إلى المصلحة. أما إذا كان المنكر يتغير بالنهي إلى أنكر منه، فإنه لا ينهى عنه، وذلك مثل أن نرى رجلاً أحمق ينظر إلى النساء، ونعلم إننا لو نهيناه عن النظر إلى النساء لذهب يغمزهن، فهذا الثاني أنكر من الأول، ولهذا فإننا لا ننهاه

стр. 687

عن النظر. ويدل لهذا قوله ﵎: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: الآية١٠٨) وجه الدلالة في الآية أن سب آلهة المشركين خير وواجب، فإذا كان يتضمن شراً أكبر منه ترك سبهم، ولما كان سب آلهة المشركين يؤدي إلى أنهم يسبون المنزه عن كل عيب وهو الله ؛ يسبونه عدواً بغير علم، ونحن إذا سببنا آلهتهم سببناها حقاً بعلم؛ وسببناها عدلاً بعلم وليس عدواً بغير علم، لكن لما كان هذا يتضمن شراً أكبر نهى الله عنه. وقد مر شيخ الإسلام ﵀ وصاحب له بجماعة من التتار يشربون الخمر ويسكرون، وكان شيخ الإسلام ﵀ لا تأخذه في الله لومة لائم فقال له صاحبه: لماذا لم تنههم؟ قال: هم الآن يشربون الخمر وضررهم على أنفسهم، لكن لو نهيناهم وصاروا منتبهين، ذهبوا يقتلون رجال المسلمين، ويأخذون أموالهم، ويعتدون على أعراضهم (١) ، وهذا أعظم ضرراً من شربهم الخمر، فتركهم يشربون الخمر حتى لا يعتدوا على المسلمين، وهذا من فقهه ﵀، وهذا واضح عند التأمل، وليس فيه إشكال. والحاصل أن يشترط إلا يتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه، فإذا كان كذلك حرم النهي؛ لأن كونه ينتقل إلى مفسدة أعظم هذا حرام. فالشروط إذا هي: أولاً: العلم بأن هذا منكر.

стр. 688

ثانياً: العلم بحال الرجل وأنه ارتكبه وهو منكر في حقه. ثالثاً: العلم بأنه ارتكب منكراً، وهذا غير العلم بأنه ارتكب منكراً في حقه. رابعاً: ألا يتغير إلى أنكر منه، فإن تغير إلى أنكر منه فإنه لا يجوز أن ينكر. وقول بعض العلماء ﵏: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، مبني على ما ذكرنا من الشروط؛ وذلك لأن المسائل الاجتهادية ليس فيها إنكار ما دام يسوغ فيها الاجتهاد، أما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد فإنه ينكر على فاعله، ولو قال: لقد أدى بي اجتهادي إلى كذا وكذا، يقال: لا محل للاجتهاد والنص في صريح. فلو قال قائل في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (المائدة: الآية٣) لا حرج في أكل ميتة الظبي والأرنب لأن الله تعالى قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (المائدة: الآية٣) بعد أن قال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) (المائدة: الآية١) فيكون معنى الآية حرمت عليم الميتة من بهيمة الأنعام، وزعم أنه مجتهد في ذلك؟ فيجاب عليه بأن هذا لا يسوغ فيه الاجتهاد؛ لأن العلماء ﵏ مجمعون على أن جميع الميتات حرام، وما لا يسوغ فيه الاجتهاد لو زعم فاعله أنه مجتهد فيه، قلنا له: لا قبول. والذين أنكروا صفات الله إما كلية أو جزئية، ننكر عليهم. فإذا قالوا: هذا اجتهادنا، وعقولنا ترفض أن تكون لله عين أو يد أو وجه أو قدم، نقول: إن المرجع في الأمور الغيبية إلى النقل المجرد لا إلى العقول، فالشيء

стр. 689

الغيبي عنك كيف تحكم عقلك فيه؟! ثم هو شيء غيبي أيضاً لا يمكن إدراكه، قال تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: الآية١١٠) فهذا لا يسوغ فيه الاجتهاد، ثم أين الاجتهاد في هذا في عهد الصحابة ﵃ التابعين؟ وعلى ذلك فقول بعض العلماء: ((لا إنكار في مسائل الاجتهاد)) ليس على إطلاقه، بل المراد ما يمكن أن يجتهد فيه، وأما ما لا يمكن ففيه الإنكار. الشرط الخامس: القدرة، وفي ذلك يقول المؤلف: (لكن شرطه أن يأمنا) فيشترط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القدرة، وهذا شرط في جميع العبادات، ودليل ذلك قوله ﵎: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: الآية١٦) وقوله الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: الآية٢٨٦) ، وقوله تعالى في المسألة الخاصة: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: الآية٩٧) وقول النبي ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (١) ، وقول النبي ﷺ في المسألة الخاصة لعمران بن حصين: ((صل قائما، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك)) (٢) . إذا الدليل على هذه المسألة من القرآن قواعد وأمثلة، فالقواعد: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، و (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) ، والأمثلة: مثل الحج قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ

стр. 690

سَبِيلاً) . وفي السنة: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك)) ، وهناك أيضاً أمثلة أخرى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور: الآية٦١)) ، و (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) (التوبة: الآية٩١) وذكر الله الهجرة وتوعد على من تركها: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء: ٩٨) (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) (النساء: الآية٩٩) . والمهم أن هذه القاعدة لها أمثلة في القرآن والسنة، ومن جملة ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لابد فيه من الاستطاعة؛ فمن لم يستطع أن يأمر وينهى سقط عنه؛ إما لكونه رجلا ًعاجزاً عن القول والإشارة، أو لكونه قيل له: إنك إن أمرت بمعروف أو نهيت عن المنكر قصصنا لسانك أو سجناك، فهذا عاجز تسقط عنه الواجبات. إذا شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خمسة؛ شرط عام في كل عبادة وشروط خاصة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشرط العام هو القدرة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (شرطه أن يأمنا) .

стр. 691

ثم قال رحمه الله تعالى: ١٨١- فاصبر وزل باليد واللسان ... لمنكر واحذر من النقصان ــ الشرح قوله ﵀: (فاصبر) ، الصبر: حبس النفس عن التسخط وعن الحجام، فلا تحجم ولا تتسخط، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: في سورة لقمان: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: ١٧) فلابد من صبر. وإنما أمر الله بالصبر عند ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشارة إلى أن الآمر والناهي سوف يلقى الأذى، وربما يلقى الضرر، فيقال للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مثلاً: هذا متشدد، هذا مطوع، ويقال هذا على سبيل السخرية، وسيتكلم الناس عليه بكلام كثير. فموقف الآمر الناهي في ذلك كله هو الصبر، وليعلم أنه ما أوذي أذية في ذلك إلا كتب الله له فيها أجراً، وقربه إلى العاقبة الحميدة، لأن الله تعالى قال: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود: ٤٩) . وكلما اشتد الأذى قرب الفرج، ومعنى قرب الفرج: أن يفرج الله عنه معنى وحساً، أما التفريج حسا فظاهر؛ بأن يزول عنه الكبت والمنع والأذى، وأما معنى - وهو أهم - فبأن يشرح الله صدره، ويعطيه الطمأنينة في قلبه، ويصبر ويحتسب، ويرى العذاب في ذات الله عذباً. ويقال إن شيخ الإسلام ﵀ لما حبسوه وأغلقوا عليه الباب، قال (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)

стр. 692

(الحديد: الآية١٣) وقال ﵀: ((ما يصنع أعدائي بي؛ إن حبسي خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة)) أي حال يفعلونها بي فهي خير لي. وهذا أيضاً مما يفرج الله به عن الإنسان إذا كبت وأوذي وعذب في ذات الله، فمن أقوى التفريج عنه أن يشرح الله صدره لما وقع عليه، وكأن شيئاً لم يكن. لذا نقول للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: اصبر على الأذى فالفرج قريب، ولا تيأس من رحمة الله، أنت تقاتل بسيف الله، وإنك تدعو بدعوة الله، فاحتسب، ولو شق عليك نفسياً أو جسمياً فاصبر واصبر. قوله (وزل باليد واللسان) زل أصلها أزل (لمنكر واحذر من النقصان) هذا مرتبة أخرى غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي مسألة التغير، والتغير ليس كالأمر والنهي. ولكي يتبين لنا الفرق بين الأمر أو النهي والتغيير نضرب مثالاً بشخص رأى آخر معه زمارة من آلات اللهو؛ يزمر بها ويرقص عليها، فقال له: يا فلان اتق الله، هذا حرام ولا يحل، فهذا نسميه نهياً عن المنكر، وإذا جاءه مرة أخرى فرآه أيضاً معه الزمارة فأخذها وكسرها، فهذا يسمى تغييراً، إذاً فمقام المغير أقوى من مقام الآمر والناهي. وكذلك إذا رأيت رجلاً لايصلي مع الجماعة مع وجوبها عليه، فقلت له: يا أخي اتق الله وأقم الصلاة مع المسلمين، فهذا يسمى أمراً بالمعروف، ثم إذا جئت مرة ثانية ووجدته لم يخرج من بيته فقرعت الباب عليه، فإذا أبى كسرت الباب ثم جررته إلى المسجد، فهذا تغيير. لكن هذا الأخير ليس كل أحد يطيقه على خلاف الأول، فكل أحد يطيقه

стр. 693

إلا ما ندر، ولهذا جاء التعبير النبوي: ((فإن لم تستطع)) ولم يأت حديث واحد فيه: (مروا بالمعروف فإن لم تستطيعوا) فدل ذلك أن التغيير شيء والأمر شيء آخر. وقوله: (فاصبر وزل باليد واللسان) واليد في وقتنا هذا لا تكون إلا من ذي سلطان، وإنما كان الأمر كذلك لئلا يصبح الناس فوضى. وعلى كل حال فنحن نقول: إن التغيير شيء لا يكون إلا من ذي سلطان وهو حق؛ لأنه لو جعل التغيير باليد لكل إنسان لأصبح من رأى ما يظنه منكراً منكراً عنده، فأتلف أموال الناس من أجل أنه منكر، فمثلاً يرى بعض الناس أن المذياع منكر، فإذا مر هذا برجل قد فتح المذياع يسمع الأخبار، وقلنا غير باليد، فإنه يكسر المذياع مع أنه ليس له حق في أن يكسره. فلو جعل التغيير في وقتنا الحاضر لغير ذي سلطان لأصبح الناس فوضى، وتقاتل الناس فيما بينهم. ومنذ سنوات حدث أن دخل حاج من الحجاج إلى مسجد مطار جدة ومعه مذياع، فقام رجل حبيب طيب ينهى عن المنكر أمام المصلين، وقال: نعوذ بالله؛ يأتي أحدكم بالمذياع مزمار الشيطان ويجعله معه في المسجد ... وهو مذياع فيه تسجيل. فهذا لعله يسمع أخباراً يسجلها تنفعه، فقام الحاج يتكلم كلاماً عظيماً منبهراً: هل هذا حرام؟! نحن جئنا لنحج ولا نبتغي الحرام. فقلت لهم: اطمئنوا فإنه حلال إن شاء الله، لكن إياكم أن تفتحوه على الأغاني والموسيقى، فإن هذا حرام، أما الأخبار والقرآن والحديث فهذا ليس

стр. 694

فيه شيء، فالقرآن والحديث طيب والأخبار من الأمور المباحة، فأقول: إن بعض الناس يظن ما ليس منكراً منكرا، فلو قلنا: غير باليد، كسر هذا المذياع أو المسجل أو الذي يرى أنه منكر. ولهذا نقول: الإزالة باليد أو التغيير باليد في الوقت الحاضر لايكون إلا من ذي سلطان، والسلطان من أعطاه ولي الأمر صلاحية في ذلك، وعلى هذا فرجال الحسبة الموجودون عندنا يكون لهم السلطة. وقوله: (فاصبر) ، اصبر أمر بالصبر، لأن المقام يحتاج إلى الصبر ولهذا قال الله تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) .... وزل باليد واللسان ... لمنكر واحذر من النقصان هذه مراتب التغيير غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سبق أن هناك ثلاث مراتب؛ الدعوة والأمر والنهي والتغيير. فالدعوة أن يدعو الإنسان إلى الله ترغيباً وترهيباً، دون أن يوجه أمراً معينا لشخص معين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ما يوجه إلى شخص معين أو طائفة معينة وما أشبه ذلك، لكن فيه أمر؛ افعلوا، اتركوا. فلو قام رجل بعد صلاة الظهر مثلاً يدعو الناس، ويرشدهم إلى الله؛ يبين الحق ويرغب فيه ويبين الباطل ويحذر منه، فإن هذا يقال: إنه داع إلى الله، ولو رأينا رجلاً يقول لشخص: يا فلان افعل كذا، يا فلان اتق الله،

стр. 695

اترك كذا؛ فإن هذا آمرٌ وناهٍ. أما التغيير فهو أن يغير الإنسان منكراً بنفسه، بأن يكون دعا صاحب المنكر إلى تركه ولكن أبى، أو أمر تارك المعروف أن يفعله ولكن أبى، فهذا يغير؛ بأن يُضرب ويحبس ويكسر آلة اللهو وما أشبه ذلك. وقد قيد الرسول ﵊ التغيير، ولم يقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ((والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا)) (١) ، وما قال: إن استطعتم، لكن قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه)) (٢) إذاً فالتغيير غير الدعوة والأمر أو النهي؛ فالتغيير فيه سلطة وقدرة، والأب في بيته داعٍ آمر مغير، لأن له سلطة، ورجل الحسبة في المجتمع داعٍ وآمر ومغير، لكن ليس التغيير لكل أحد، فما كل أحد يستطيع أن يغير، فقد يغير الإنسان ويلحقه من الضرر ما لا يعلمه إلا الله، بل يلحق غيره أيضاً ممن لم يشاركه في التغيير كما هو الواقع. ولهذا قال المؤلف ﵀ هنا: (زل باليد) أي غير باليد، فإن لم تستطع قال: (واللسان) ، والمؤلف ﵀ رتبها ترتيباً محلياً لا لفظياً، فلم يأت بثم الدالة على الترتيب، أو بالفاء، أو ما أشبه ذلك، لكن تقديم بعضها على بعض يدل على الترتيب، ولهذا قال النبي ﷺ : ((إن الصفا والمروة من شعائر الله. أبدا بما بدأ الله به)) ، مع أن الله قال: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (البقرة: الآية١٥٨) ولم يقل ثم المروة. إذاً فالأول: التغيير باليد، والثاني: التغيير باللسان.

стр. 696

والتغيير باللسان ليس أن تقول: يا فلان لا تفعل هذا اتق الله، بل أن تنتهره، وأن تريه سلطة وقدرة استعلاء بالحق، فهذا التغيير باللسان. ثم قال المؤلف ﵀: (لمنكر واحذر من النقصان) - النقصان هو أن تغير بالقلب؛ لأنه اضعف الإيمان. لكن هل الإنسان يمكن أن يغير بالقلب؟ ، الجواب: نعم، يمكن؛ بالكراهة للمنكر وعدم مخالطة فاعليه، لقول الله ﵎: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) (النساء: الآية١٤٠) إنكم إذاً - أي إذا قعدتم - مثلهم. فإذا فرضنا أن قوماً يلعبون الشطرنج ومعهم رجل صالح، فقال: يا قوم اتقوا الله، هذا حرام لا يجوز، قالوا: لن ندع هذا، فلا يجوز أن يجلس معهم، لكنهم إذا قالوا له: إن خرجت سنفعل بك كذا وكذا فجلس، فلا يأثم لأنه مكره على الجلوس، فإن قال: أنا لم اكره على الجلوس لكن أخشى إن ذهبت أن يقع بيني وبينهم عداوة، فإننا نقول له: وليكن، إنك إذا عاديتهم لله، فإنه لا يضرك، فإن قال: أخشى أن يقع بيني وبينهم قطيعة رحم، فنقول: لا يقع بينك وبينهم قطيعة رحم، صلهم أنت فإن صلة الرحم من قبلك ممكنة، وليست متعذرة، وأنت إذا وصلتهم وهم يقطعونك فكأنما تسفهم المل، كما جاء في الحديث (١) . فالحاصل أن التغيير له ثلاث مراتب؛ الأول باليد والثاني باللسان والثالث بالقلب، ومعنى التغيير بالقلب: الكراهة وعدم المخالطة.

стр. 697

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٨٢- ومن نهى عما له قد ارتكب ... فقد أتى بما به يقضى العجب ــ الشرح قوله: (من) شرطية، و (فقد) جواب الشرط، (عما له قد ارتكب) في بعض النسخ (عن ما) وهذا غلط،؛ لأن ألذ يقرؤها على هذا يحسبها عن ماله، وقوله (ومن نهى عما له قد ارتكب ... الخ) ، أي: عن الذي هو يرتكبه، وهنا يقصد المؤلف أن من ينهي عن شيء وهو يرتكبه، فإنه فعل ما يدعو إلى العجب. فمثلاً إذا نهى الإنسان عن شيء يرتكبه، مثل أن يرى رجلاً يتعامل بالربا فيقول له: يا فلان اتق الله ولا تتعامل بالربا، فإن الربا من كبائر الذنوب، وهو نفسه له محل يتعامل بالربا فيه، هذا عجب، وهذا يقضى به العجب إذ كيف ينهى عن شيء هو يفعله؟! ولو كان باطلاً ما فعله، وإن فعله وهو يعتقد أنه باطل فهو سفيه، لقول الله ﵎ في بني إسرائيل: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٤٤) ، وقال تعالى لهذه الأمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢) (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٣) .، فهذا من كبائر الذنوب. ولهذا يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار حتى تندلق اقتاب بطنه - يعني أمعاءه - فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ! ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه)) (١) وهذا

стр. 698

وعيد شديد نسأل الله العافية، وفضيحة وعار، وكذلك يكون هو أول من تسعر به النار يوم القيامة. نسأل الله العافية. ويقول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم والمهم أن الإنسان الذي يأتي بشيء ينهى عنه، هذا أتى مما به يقضى العجب، أو بما به يقضى العجب، إذ كيف يأمر بما لا يفعل أو ينهى عما يفعل. وإتيان المؤلف ﵀ بهذا البيت أو بهذا الحكم بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يفيد أن من فعل ذلك لا يسقط عنه الأمر والنهي، فلو كان مبتلى بهذا الأمر ويفعله فلينته عنه، ولو أن إنساناً مبتلى بشرب المخدرات، وشارب المخدرات لا يكاد يقلع، وهو ينهى الناس عن المخدرات، فلا يقال له: ما دمت أنك تفعل اسكت، بل نقول له: اِنهَ الناس. إذاً لا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان مخالفاً؛ لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المخالفة، يكن قد ترك واجبين؛ الأول: ترك المعصية التي يفعلها، والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنقول: وإن كنت لا تفعل المعروف فأمر به، وإن كنت تفعل المنكر فإن فعلك إياه لا يسقط عنك النهي عنه. فإنه عنه. فإذا قال قائل: كيف أنهى عنه وأُعرضُ نفسي للفضيحة وللوعيد في قول النبي ﷺ بأنه يلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه (١) . فالجواب: إنما ذكر النبي ﷺ ذلك تحذيراً من أن يأمر الإنسان ولا يفعل أو أن ينهى ويفعل، وليس مراده أن يحذر من أن يأمر بما لا يفعل وأن ينهى عما يفعل.

стр. 699

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٨٣- فلو بدا بنفسه فذادها ... عن غيها لكان قد أفادها ــ الشرح قال المؤلف ﵀: (لو بدا بنفسه فذادها عن غيها) ولم يقل: فلو اعتنى بنفسه؛ يعني وترك الآخرين، لأن البداية لها نهاية، فيبدأ أولاً بنفسه ثم بغيره، وهذه هي الحكمة وهذا هو الترتيب الصحيح. لكن لو أصر هو على فعل المعصية فلا يمنعنه ذلك من ترك النهي عنها. وبهذا يكون قد انتهى الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأتت الخاتمة، نسأل الله حسن الخاتمة

стр. 700

الخاتمة ١٨٤- مدارك العلوم في العيان ... محصورة في الحد والبرهان ١٨٥- وقال قوم عند أصحاب النظر ... حسٌّ وإخبار صحيح والنظر ــ الشرح هذه مسائل مبنية على علم المنطق، والمؤلف ﵀ أتى بها ملجأ إليها، وإلا فنحن في غنى عن المنطق فالصحابة ﵃ لم يدرسوا المنطق، ولا عرفوا المنطق، والتابعون كذلك. والمنطق حدث أخيراً، ولا سيما بعد افتتاح بلاد الفرس والرومان حيث انتشرت كتب الفلاسفة، ولا سيما أنها دعمت بعمل من الخلافة كما فعل المأمون، الذي قال عنه شيخ الإسلام ﵀: لا اعتقد أن الله يغفل للمأمون عما صنع بهذه الأمة (١) ، أو كلمة نحوها والعياذ بالله، فقد جر الناس إلى سوء، ودعاهم إلى ضلاله، والله حسيبه. لكن علم المنطق كتب فيه العلماء ﵏ وحذروا منه، وممن كتب في الرد على المنطق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) ، فقد كتب في الرد عليهم كتابين أحدهما مطول والآخر مختصر؛ المطول: الرد على المنطقيين، والمختصر: نقض المنطق، وهذا الأخير أحسن لطالب العلم؛ لأنه أوضح وأحسن ترتيباً، وقد ذكر ﵀ في مقدمة كتاب الرد على المنطقيين قال:

стр. 701

((إن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد)) ، فالبليد يبقى ساعات ليحل سطراً مما كتب فيه، والذكي لا يحتاج إليه، وإذا كان الذكي لا يحتاج إليه والبليد لا ينتفع به، إذاً فإن دراسته مضيعة وقت. وهذا الكلام من شيخ الإسلام يدل على أن أدنى أحواله الكراهة، والعلماء ﵏ اختلفوا فيه؛ فمنهم من حرمه ومنهم من قال: ينبغي أن يعلم، ومنهم من فصل، فقال: الإنسان الذي عنده منعة لا يؤثر على عقيدته فإنه ينبغي أن يتعلمه ليحاج به قومه، أي قوم المنطق، ومن لم يكن كذلك فلا يتعلمه لأنه ضلال. والصحيح أنه لا يتعلمه مطلقاً؛ لأنه مضيعة وقت، لكن إذا اضطر إلى شيء منه فليراجع ما اضطر إليه فقط، ليكون تعلمه إياه كأكل الميتة، يحل للضرورة وبقدر الضرورة، فإذا كان هناك اضطرار أخذ من علم المنطق ما يضطر إليه فقط، أما أن يتوسع ويضيع وقته فيه فلا. وذلك لأنه ما ادخل علم المنطق على المسلمين إلا البلاء، حتى أوصلهم إلى أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وينكروا على الله ما وصف به نفسه، فالمسألة خطيرة، والله نزل الكتاب تبياناً لكل شيء، لا يحتاج الناس إلى شيء بعد كتاب الله، وأمر عند التنازع أن يرد إلى الكتاب والسنة، قال تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: الآية٥٩)) . وقول المؤلف ﵀: مدارك العلوم في العيان ... محصورة في الحد والبرهان

стр. 702

يعني المؤلف ﵀ بذلك أن الشيء يدرك بأمرين: حده ودليله؛ الحد في قوله: (في الحد) ، والدليل في قوله: (والبرهان) يعني الدليل، فكل المعلومات محصورة في الحد والدليل. والحد يكون به التصور، والدليل يكون به النفي أو الإثبات، والأسبق الحد، ولهذا يقال الحكم على الشيء فرع عن تصوره تصور أولاً ثم احكم بالإثبات أو بالنفي، وهذا حق لأنني مثلاً لا يمكن أن أقول إن الأمر بالمعروف واجب حتى أعرف ما هو المعروف وما معنى الأمر، فحينئذٍ أقول هو واجب، أما أن يقال لي: الأمر بالمعروف واجب، وأنا لا اعرف معنى الأمر ولا أعرف معنى المعروف، فهذا سبق للشيء قبل أوانه. وكثير من العلماء - ولا سيما الفقهاء - يحدون الشيء بحكمه، وعلى هذا فيتضمن الحكم الحد، لكن هذا عند المناطقة ممنوع، كما قيل: وعندهم من جملة المردود أن تدخل الأحكام في الحدود وقوله: (مدارك العلوم ... محصورة في الحد والبرهان) هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀؛ أن جميع الأشياء محصورة بالحد والبرهان، وهذا في الأمور المعقولة قد يكون مقبولاً، أي أن نحد أولاً ثم نحكم ثانياً، لكن هناك أشياء لا تتوقف على العقل، بل تعرف بالحس، فإذا قلنا: إن مدارك العلوم محصورة في الحد والبرهان خرج عن هذا جميع المحسوسات، وهذا لاشك أنه نقص، لأننا نعلم بالحس أحياناً أكثر مما نعلم بالعقل، والحس يشترك في العلم به عامة الناس وخاصة الناس، والعقل لا يشترك فيه إلا من كان ذا عقل وذكاء.

стр. 703

ولهذا قال: (وقال قوم) وهذا قول ثان (عند أصحاب النظر) أي من أصحاب النظر (حس وإخبار صحيح والنظر) أي قال قوم من العلماء ﵏: إن مدارك العلوم ثلاثة: الحس، والخبر الصحيح، والنظر، وهو العقل، يعني أن الأشياء تدرك بواحدة من هذه الأمور الثلاثة. الحس: وهو ما يدرك بإحدى الحواس الخمسة، وهو السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، هذه الحواس ما أدرك بها فهو مدرك بالمحسوس، فإذا أخذت عسلاً فشربته أدركت حلاوته بالذوق، وإذا أخذت طيباً فشممته أدركته بالشم، وإذا رأيت شبحاً فأدركت أنه إنسان فبالبصر، وإذا سمعت صوتاً فأدركت أنه صوت فهو بالسمع، وإذا وقعت يدي على شيء لين فأدركت ليونته فهو باللمس. هذا لا شك أن كل إنسان يدركه حتى الصبي، بل حتى البهائم، فالبهائم إذا رأت الشيء الأخضر قربت منه على أنه علف، وإذا شمت الشيء فرت منه على أنه سيئ، ولهذا فإنك تقدم لها أحياناً طعاماً له رائحة منتنة، وطعاما بدون رائحة، فتجدها تأكل مما لا رائحة فيه، وتدع الذي فيه الرائحة المنتنة، كما أنك تشاهد البقرة وهي من أبلد البهائم تنفض العلف بفمها وتأخذ الشيء الطيب، كما تختار أنت التمرة الطيبة من التمر، فهذا الإدراك بالحس متفق عليه بين جميع المدركين من البهائم والآدميين. والإدراك بالحس أمر يقيني أحياناً، وظني أحياناً؛ فأحيانا تدرك الشيء يقيناً على ما هو عليه، وأحياناً تدركه ظنا، ولذلك يرى الإنسان الشبح البعيد فيظنه رجلاً فإذا دنا منه فإذا هي شجرة ملتفة على بعضها، وأحياناً يرى حيوانا بعيداً فيظنه ذئبا فإذا دنا منه فإذا هو غزال، وأحيانا يرى الشيء متحركا

стр. 704

وهو ساكن، أو ساكنا وهو متحرك. إذا الإدراك بهذه الأمور الحسية لا يكون يقينياً على كل حال، بل يكون يقينياً وقد يكون ظنياً، وذلك حسب القوة والقرب. والإدراك الثاني: هو الإخبار الصحيح، فالإخبار الصحيح مما تدرك به العلوم، فنحن لم نعلم عما مضى من الأمم والرسل إلا عن طريق الخبر الصحيح، قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) (إبراهيم: الآية٩)) ، فالذي أعلمنا هذا هو الله ، وكذلك الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فالذي دلنا أن هناك ثلاثة من بني إسرائيل انطبق علهم الغار، وتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم هو النبي ﷺ في الخبر الصحيح (١) . والثالث: النظر، والنظر يعني العقل، ولهذا يقال: أدلة نظرية، وأدلة أثرية، فالنظرية هي ما يدرك بالعقل، لأن في الاستدلال بالعقل ينظر الإنسان ثم يحكم، والأثرية ما اثر من الكتاب والسنة. وهذا القول أصح لكن هذا القول اخرج الحد، كأنه يقول: لا ضرورة للحد، كل أحد يعرف الإنسان، ولو سألت: ما هو الإنسان؟ كان الجواب عند القوم الأولين أن يقولوا: الإنسان حيوان ناطق، أما هؤلاء فيقولون: الإنسان، هو الإنسان، هذا معروف بالحس. أما أولئك فيقولون: الإنسان حيوان ناطق؛ حيوان لأن فيه حياة، ناطق لأن هذا هو الفصل المميز بينه وبين بقية الحيوانات؛ لأن كل الحيوانات بهيم

стр. 705

لأنها لا تنطق، لكنها مع ذلك فيما بينها تنطق وتعرف، حتى معنى الصوت، حتى إن الذكور إذا احتاجت الإناث أو بالعكس فلها نغمة غير نغمتها التي تحتاج إلى الطعام، حتى إن الهرة إذا نادت أولادها لها نغمة غير النغمة الأخرى، لأنها تنطق بكلام يفهم، ولذلك تجدها إذا وجدت طعاماً ثم نادت أولادها بصوت خاص اجتمعوا عليها. وكذلك الديك فإن له مناطق، فهو يؤذن وهذا معروف، ويقطقط إذا رأى هراً أو شيئا يستنكره، وهذا معناه احتجاج، وكذلك يدعو غيره إذا رأى حبة، فبعض الديكة عندها إيثار عظيم، فلو كان جائعاً جدا ثم رأى حبة فإنه ينادي الدجاج، ونداؤه للدجاج بنغمة خاصة. ومعنى ذلك أن كل شيء له منطق لكن نحن لا نفهمه، قال الله : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: الآية٤٤)) . والمهم أن أصحاب القول الثاني يقولون: لا حاجة للحد لأن الأمور معروفة، لأنك ربما لو حددت شيئا على حسب قواعد المنطق جعلته خفياً على الناس، فأيهما أوضح: أن تقول: الإنسان بشر، أو تقول: الإنسان حيوان ناطق؟ ، لا شك أن الأول أوضح وأبين. فالحاصل أن هؤلاء يقولون: لا حاجة للحد؛ لأن الأمور معروفة إما بالحس وإما بالأخبار الصحيحة أو بالنظر.
следующие страницы →